الرجوع إلى القصة
ليلة الخميس
الفصل 1 182 دقائق تقريباً 21/07/2026

الفصل 1

الخيل كانت كتجري بأقصى سرعتها، حوافرها كتضرب الأرض بقوة وكتثير الغبرة فالهوا، حتى ولات كتغطي المشهد كامل. قدّامها كان قصر عظيم، مبني بحال قصور الحكايات القديمة، بزخارف عربية دقيقة، وقباب كيلمعو تحت الشمس، كأنه خارج من عالم ديال “علاء الدين”.

دخل الحصان عبر البوابة الكبيرة ديال القصر، ما وقفش حتى لحظة، وكأنه جاي بجلبة ماشي عادية. فوق صهوة الحصان كان كاين فارس لابس لباس عربي تقليدي، ولثام ملفوف على وجهو كيغطي ملامحو كاملين، غير عينيه باينين، قاسحين وكيبان فيهم التوتر.

أمامو كان كاين رجل آخر مطروح فوق السرج، جسدو ثقيل بالجراح، وملابسو كلها ممزقة ومبللة بالدم، وراسو مايل بلا حركة، كيتمايل مع جري الحصان كأنه بين الحياة والموت.

الحصان دخل للساحة الداخلية ديال القصر، ووقف فجأة وسطها، والغبار باقي داير بيه. الفارس هبط بسرعة للأرض، وطلق صوتو بصوت قوي وصاخب، كيتردد فكل جهة داخل القصر.

ما دازوش ثواني حتى بانوا فرسان آخرين داخلين للساحة، نفس اللباس ونفس اللثام، راكبين على خيولهم وكيجيو بسرعة، كيتحركو كفريق واحد باش يعاونو. بداو كيشدو الرجل المصاب بحذر، كيبانو عليهم عارفين خطورة الوضع، وكأن هاد الشخص ماشي عادي عندهم.

فهاد اللحظة، الحراس ديال القصر خرجو بسرعة من الداخل، كيجرو وكيطوقو المكان، وهادوك الخدم والعبيد لي كانوا داخل القصر بداو كيشوفو المشهد وكيصوتو بخوف ودهشة، وكأن شي حاجة خطيرة بدات كتقلب الموازين.

الفارس الملثم تشد بسرعة ودخل للداخل، بلا نقاش، بلا انتظار. والقصر كامل ولى فحالة اضطراب، الأصوات طالعة، والخوف باين فكل زاوية… ولكن الشي اللي كان واضح أكثر من أي حاجة، هو أن هاد الرجل المصاب ماشي شخص عادي، بل مكانتو كبيرة لدرجة خلات القصر كامل يتحرك من أجل إنقاذه

تسطح الجريح على فراش من الحرير فبيت كبير واتاتو تقيل، هادا نحاس وهادي فضة وعادو عبيد وخدم كيدورو بالسرير .

سعفوه ودارو جهدهم .. ومزال كيجاهدو يعتقو الروح ويديرو المستحيل ، حيت هادا ماشي غير شاب عادي ولا فارس من الفرسان ، هاد ولي العهد وماخصوش يموت.

دخل الخليفة كيجري على ضهرو عباية جامعها قدامو وعمامة على راسو. كبير فالسن لاكن صحتو مزال شادة ومزال عندو الجهد واخا لحيتو بدا يغطيها الشيب الابيض.

بلا عقل و وبخوف وقف قدام السرير شاف منضر ولي العهد وهوا مسطح و الضماد على جنبو وكيتصبب بالعرق وكينين بصوت مسموع. رجع اللور كيترعد بيدو ووقف قدام الفرسان لي جاو معاه وقال بصوت غليض وتوثر

لخليفة: تكلم ..اش وقع (هز يدو يغضب)نطق

حدر الفارس راسو وقال بأسف

-وحنا راجعين امولاي ناضت عجاجة فالطريق كتعمي البصيرة .. ماقدرنا نكملو طريقنا ..تسنيناها تحبس وماحبسات..وسلكنا طريق الشمال على حدود اراضي لمير عباس بن منصور . تعرضو لنا تما الرجال ديالهم وهاجمونا ودخلنا معاهم فالضرب وماتو منا سبة وبقينا حنا ثلاتة وسيد لمير عاقناه وهربنا بيه .هادشي لي وقع امولاي

تسدات النفس فجوف الخليفة وتقطع فيه الحس، عينيه وساعو وعرقو ضرب .. مع قبضة يدو وبدا يجمع النفس. رجع اللور وجات قدامو مرتو كتجري لاللة مينة .. كتجر قفطان بلا حزام وعلى راسها زيف كتلوي فيه بالخلعة وكاملة كترجف، وموراها لاللة نفيسة كتجري ويدها على قلبها مخلوعة كيسولو شنو واقع وشنو طرا وشي كيشرح لشي حتى وضاحت الصورة للجميع لاكن همهم دابا هوا ينجو من هاد الحالة وهادا اهم شيء

ليلة مأساوية، لاكن ماشي اكثر من فجر اليوم الثاني. صبح كلشي على اسوء خبر .. خبر هز القصر وه رد لبلاد والامارات المجاورة..خبر وفاة ولي العهد لسوء الحظ. طاحت الام والزوجة من الصدمة .. وطاح الخليفة حتى هوا ماتوقعش يرقع لي وقع..فين كان مخبي ليهم هادشي ؟ بين ليلة ونهار فقدو ولي العهد .

موتو صدمة للجميع وخبر وفاته ماخلا حتى بلاد ماوصلش ليها، جنازته وقف فيها الكبير والصغير .. والاسوء ان هاد الموت هي مأساة فطريقها للامير عباس بن منصور .لي جلس على على كرسي خشبي داخل قصره مصدوم ، في ذهول. بعد ما وصلاتو خبار حراسو لي قتلوه فالحدود..وواخا دار معاهم اللازم ما عندو فاش ينفعو وهاد الموت حلات عليه بيبان جهنم مع الخليفة نعمان بن راشد

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى حضرة الخليفة الجليل نعمان بن راشد، حفظه الله ورعاه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أرفع إلى مقامكم العالي هذا الكتاب، وقلبي مثقل بالحزن والأسى، لما وقع من مصاب جلل ألمّ بكم وبأهل المملكة كافة، إثر وفاة ولي العهد رحمه الله رحمة واسعة.

وإني إذ أتقدم إليكم بخالص العزاء وأصدق المواساة، لأدعو الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهمكم وذويه الصبر والسلوان.

كما أود أن أعبر لمقامكم الكريم عن بالغ أسفي واعتذاري عما وقع في حدود أراضيي من حادث مؤلم كان له أثر بالغ في هذه الفاجعة، رغم أنني لم أكن طرفاً مباشراً فيه، ولم يكن في نيتي أو علمي ما أدى إليه.

وإنني أؤكد لمقامكم أنني سأضع كل ما أملك من إمكانيات لمعرفة الحقيقة كاملة، وإنصاف الحق، حتى لا يضيع دم، ولا يُظلم بريء.

راجياً من الله أن يجنب بلادنا الفتن، وأن يحفظ بيننا أواصر الود والاحترام، رغم قساوة المصاب.

وتفضلوا، يا صاحب المقام، بقبول فائق الاحترام والتقدير.

المخلص

عباس بن منصور

هاذا كان مرسول الامير عباس بن منصور

وهاذا كان رد الخليفة. ..

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الأمير عباس بن منصور،

وصلنا كتابك، وقرأناه كما يُقرأ الخبر الذي يثقل الصدر قبل العين.

أما بعد،

فإن ما جرى ليس بالأمر الذي يُواسى فيه بالكلمات، ولا يُمحى فيه الأثر بالاعتذار. فالمصاب الذي حلّ ببلادنا قد بلغ من الفداحة ما لا يحتمل التأويل، وفقد ولي العهد ليس حدثاً عابراً يُطوى بين السطور.

وإنّا إذ نرفض ما ورد في كتابك من تبرير أو تنصل، فإننا نرى أن ما وقع في حدود أرضك لا يمكن فصله عن نتائجه، ولا إعفاؤه من مسؤوليته، كيفما كانت الظروف.

أما العزاء، فقد قُبل صمتاً لا قبول رضا، وأما الاعتذار، فقد سُجل، لكنه لا يرفع حقاً ولا يُسقط دماً.

واعلم، يا عباس بن منصور، أن دم ولي العهد ليس هدراً، وأن حقه لن يضيع، وأن دولة الخليفة لا تنام على ظلم، ولا تُغلق فيها أبواب القصاص.

وسيأتي اليوم الذي يُطلب فيه الحق كاملاً، غير منقوص، حينها لن ينفع كلام، ولا وساطة، ولا اعتذار.

وإنّا على فاجعتنا لصابرون، وعلى حقنا لقادرون، والله غالب على أمره.

الخليفة

نعمان بن راشد

داخل القاعة الملكية، كان الصمت ماشي عادي… كان صمت كيتنفس بصعوبة، كأنه القاعة نفسها عارفة أن أي كلمة زايدة ممكن تشعل حرب ما يبقاش منها رجوع.

الضوء داخل القاعة كان خافت، جاي من قناديل نحاسية معلقة فالسقف العالي، وكيطيح على وجوه الحاضرين كأنه كيكشف أكثر مما كيخبي. كل واحد فيهم جالس فوق نار داخلية، ولكن ما كيبانش عليه غير الثبات.

عباس بن منصور كان على راس المجلس ، جالس ولكن ملامحو ما كانتش ملامح سلطان البلاد فقط، بل رجل خايف على تراب اراضيه ومازال كيحاول يوقف عليه. عينيه مرهقين بالهم والتفكير ، ولكن فيهم صرامة ما كتتهزش بسهولة.

أحد المستشارين تقدم خطوة، صوتو هادئ ولكن فيه رجفة محسوبة:

— “يا مولاي… ما وقع تجاوز حدود المصاب العادي. المملكة كلها واقفة على نفس الحافة، والهدوء الحالي ما هو غير نار كتتوقد.”

ما جاوبوش السلطان مباشرة. خلى الصمت يكبر شوية، وكأنه كيقلب داخل كلام الرجل على ثغرة.

من بعد قال بصوت منخفض ولكن حاد:

— “وما الذي بقي لنا إذن؟ غير الانتظار؟”

تدخل رجل آخر من كبار القادة، ملامحو متوترة:

— “الانتظار يعني أننا نسمح للنار أنها تكمل طريقها.”

تحرك الحكيم الموجود في زاوية القاعة، رفع رأسه ببطء، وكأنه كان كيراقب اللحظة من بعيد قبل ما يدخل فيها:

— “أحياناً يا مولاي… النار ما كتطفيهاش القوة، ولكن كتطفيها رابطة.”

التفتت إليه العيون دفعة وحدة.

الحكيم كمل، لكن هاد المرة كان كيقيس كل كلمة:

— “الرابطة اللي ما كتخليش الجرحين يبقاو بعيدين حتى يقتلو بعضهم… بل كتلزمهم يقفوا فمكان واحد، حتى يهدؤوا.”

واحد من القادة ما قدرش يسكت:

— “كتقصد أننا نقرّب بين مملكتين غارقتين فالغضب؟ هاد الشي أخطر من الحرب نفسها.”

الحكيم هز راسو ببطء:

— “الحرب واضحة… لكن الأخطر هو الغضب المكتوم اللي مزال مخرج .”

في هاد اللحظة،السلطان وقف ببطء.

الصوت ديالو ملي خرج، كان هادئ بشكل يخوف أكثر من الصراخ:

— “أنا ما طلبتش حل شاعري… طلبت حل يحمي الدم المتبقي.”

اقترب خطوة من الزربية لي وسط القاعة، ودور عينيه على الحاضرين:

— “إذا كان هناك طريق ثالث كما تقولون… فتكلموا بوضوح.”

لكن ما كانش جواب مباشر.

كان غير نظرات كتتهرب من المواجهة المباشرة، وكأن الفكرة كبيرة بزاف باش تنقال دفعة وحدة.

أحد المستشارين رجع خطوة للوراء وقال بصوت منخفض:

— “مولاي… ربما… الربط بين المصيرين… قد يغير اتجاه القادم. من الافضل نخليو العرف يتصرف .

بعد أيام من التوتر اللي خنق المملكتين، ما بقاتش الأمور كتتحمل التأجيل.

الحدود مشتعلة بالصمت، والرسائل بين القصرين ولات كتجي ببرودة محسوبة، وكأن كل طرف كيقيس أنفاس الآخر قبل أي خطوة.

فهاد الجو الثقيل، تقرر عقد مجلس استثنائي…

مجلس ما كانش بحال أي مجلس آخر فالتاريخ ديال المملكتين.

في منطقة محايدة بين أراضي عباس بن منصور والخليفة نعمان بن راشد، وسط فضاء صحراوي واسع كيشبه نقطة صمت بين عالمين، نُصبت خيمة كبيرة بيضاء مزينة بزخارف بسيطة لكنها تحمل هيبة الملوك.

داخلها، تم ترتيب مقعدين كبار في الجهتين، وبيناتهم طاولة طويلة من الخشب الداكن، وكأنها خط فاصل بين قرارين: إما الحرب… أو شيء آخر لم يُسمَّ بعد.

دخل حكماء بلاد عباس أولاً.

وجوههم تحمل ثقل الأرض اللي جاو منها، نظرات حذرة، وخطوات محسوبة. ما كانش فيهم لا تهور ولا انفعال، غير عقل بارد كيقيس كل احتمال.

بعد لحظات، دخل حكماء بلاد نعمان.

نفس الهدوء تقريباً، لكن مع نظرة فيها ألم مكبوت على الفقد اللي مازال ما تداوَاش.

الصمت داخل الخيمة كان مختلف…

ماشي صمت فراغ، بل صمت صراع.

كل طرف كيشوف فالثاني وكأنه كيقلب على نية خفية.

تقدم كبير الحكماء من جهة عباس، رجل كبير في السن، صوته هادئ ولكن ثابت:

— “نحن لا نجتمع هنا لنفوز على أحد… بل لنمنع أن يخسر الجميع.”

من الجهة المقابلة، رد حكيم من حكماء نعمان، بصوت فيه حزن واضح:

— “لكن الدم اللي سال ما كيتشاورش… ولا كينسى بسهولة.”

سكت لحظة، ثم أضاف:

— “ومع ذلك… استمرار النزيف لن يترك أحداً واقفاً في النهاية.”

تبادل الجميع النظرات.

كان واضح أن كل كلمة كتزيد تقرّبهم من نقطة حساسة جداً.

الحكيم الأول من جهة عباس قال ببطء:

— “إذا كان الدم قد فتح باباً بيننا، فلابد من شيء يوقف تدفقه… ليس بالقوة، بل بما يجعل الطرفين يعيدان التفكير في معنى الاستمرار.”

رفع أحد حكماء نعمان رأسه:

— “تقصدون شيئاً يربط المصيرين بدل أن يفصلهما؟”

لم يجب أحد مباشرة.

لكن الصمت هذه المرة كان جواباً بحد ذاته.

كبير حكماء عباس نظر للطاولة الفاصلة بين الجهتين، ثم قال:

— “أحياناً… لا يُغلق الجرح إلا إذا توقف عن كونه جرحين منفصلين.”

تبادل الطرفان نظرات طويلة.

ما قيل لم يكن تصريحاً…

لكن الجميع بدأ يرى نفس الصورة تتشكل في الصمت:

حلٌّ لا يُبنى على السيوف… بل على رابط لا يمكن كسره بسهولة.

ساد الصمت من جديد داخل الخيمة، لكن هاد المرة ما كانش صمت عادي…

كان صمت ديال لحظة كيتولد فيها قرار كبير، قرار كيعرف الجميع أنه غادي يبدّل مصير مملكتين، ولكن مازال ما خرجش للنور بشكل واضح.

الأنظار كلها كانت معلّقة فوق الطاولة اللي كتفصل بين الجهتين، وكأنها خط مرسوم بين جرحين مازالو كيعيّطو بصمت.

كبير حكماء جهة عباس تنهد ببطء، ثم قال بصوت أعمق من الأول:

— “إذا بقينا ننتظر أن يهدأ الغضب وحده، فلن يهدأ… بل سيتحوّل إلى ما لا يمكن التحكم فيه.”

رفع رأسه شوية، ودار نظرة طويلة بين الحاضرين:

— “المطلوب ليس نسيان ما وقع… بل خلق ما يمنع تكراره.”

في الجهة المقابلة، حكيم من بلاد نعمان رد بهدوء، ولكن نبرته كانت مشحونة بثقل الفهم:

— “وما الذي يمنع التكرار في عالم مبني على الانتقام؟”

سكت لحظة، ثم كمل:

— “القوة وحدها لم تعد كافية… والقوانين كذلك.”

تحرك أحد حكماء عباس ببطء، وكأنه كيقيس كل كلمة قبل ما تخرج:

— “هناك في تاريخ الممالك… لحظات ما كتكونش فيها القوانين هي اللي تحكم، بل الروابط اللي كتفرضها الضرورة.”

في تلك اللحظة، تغير الجو داخل الخيمة.

ما بقاش النقاش تقني ولا سياسي فقط…

بدا كيمشي نحو فكرة أعمق، أخطر، وأثقل.

حكيم نعمان ضيق عينيه شوية:

— “روابط الضرورة… هي نفسها اللي ممكن تكون بداية نزاع جديد إذا لم تُفهم جيداً.”

ابتسم كبير حكماء عباس ابتسامة خفيفة فيها مرارة:

— “ولهذا السبب نحن هنا.”

سكت لحظة طويلة، قبل ما يكمل بصوت هادئ ولكن واضح:

— “نبحث عن حل لا يطفئ الغضب فقط… بل يعيد رسم الطريق بين الطرفين بطريقة تمنع السقوط في نفس الهاوية.”

في الخارج، الريح كانت كتضرب أطراف الخيمة، وكأنها كتشارك في النقاش بصمتها هي الأخرى.

داخل الخيمة، كل واحد بدا كيعرف أن الكلام وصل للنقطة اللي ما فيهاش رجوع للكلمات العامة.

الحكيم من جهة نعمان دار نظرة بطيئة نحو كبير الحكماء:

— “وهل أنتم مستعدون لتحمل ثقل هذا النوع من الحلول؟”

الجواب ما جاش بسرعة.

ثم قال كبير حكماء عباس بصوت منخفض لكنه ثابت:

— “نحن لا نبحث عن راحة القرار… بل عن نجاته.”

في هاد اللحظة، الصمت رجع من جديد…

لكن هذه المرة كان مختلف.

ماشي صمت حيرة…

بل صمت فهم جماعي لشيء كيتولد بين السطور، شيء كبير بزاف على أنه يتقال مباشرة، لكنه واضح بما فيه الكفاية باش ما يحتاجش تفسير.

والخيمة كلها بقات واقفة على نفس الإحساس:

أن القرار ما بقاش فكرة…

بل ولى مسار كيتشكل ببطء، وكيجر معه الجميع بلا استثناء

بعد انتهاء مجلس الحكماء، لم ينتهِ الثقل… بل بدأ فعلياً.

تمّ الاتفاق على أن القرار لا يبقى داخل الخيمة، بل يُنقل مباشرة إلى صاحبَي القرار الحقيقيين:

عباس بن منصور والخليفة نعمان بن راشد.

وفي ليلة هادئة ظاهرياً، لكن مشحونة بما لا يُقال، تحرّكت وفود مختارة من الحكماء في اتجاه القصرين، كل واحد يحمل على كتافه كلمة واحدة، لكنها أخطر من ألف سيف.

داخل قصر عباس بن منصور

كان القصر ساكت بشكل غير عادي، كأن الجدران حاسة أن الخبر جا في الطريق.

الممرات الطويلة، اللي كانت دائماً مليانة حركة، ولات فهاد اللحظة شبه فارغة، غير خطوات الحرس اللي كيتبدلوا بصمت.

عباس كان في جناح الحكم، جالس وحده، قدّامو خرائط الأرض، ولكن عينيه ما كانوش شايفين الخرائط… كانوا غارقين في التفكير.

دُق الباب.

دخل أحد كبار المستشارين، وانحنى باحترام ثقيل:

— “مولاي… وفد الحكماء وصل.”

ما تحركش عباس في البداية. غير رفع عينيه ببطء:

— “قول.”

تقدم الحكيم الرئيسي، ووقف في منتصف القاعة.

الصمت كان ثقيل حتى قبل ما يبدأ الكلام.

— “يا مولاي عباس بن منصور… جئنا بحلٍ اتفقت عليه الكلمتان المتقابلتان.”

تغيرت ملامح عباس شوية، لكن صوته بقى ثابت:

— “تكلموا دون مقدمات.”

أخذ الحكيم نفساً عميقاً:

— “ما بين الدم والدم… وُجد رابط يُخفف أثره، ويمنع امتداده.”

سكت لحظة، وكأن الكلمات ثقيلة حتى عليه هو نفسه.

ثم أكمل:

— “رابطٌ لا يُفهم إلا كضرورة… لا كاختيار.”

الصمت سقط فجأة داخل القاعة.

عباس ضيّق عينيه:

— “وضّح.”

لكن الحكيم ما زادش. فقط انحنى باحترام وقال:

— “التفاصيل ستُعرض في المجلس المشترك، يا مولاي… لكن جوهره واحد: إيقاف ما هو قادم قبل أن يولد.

داخل قصر الخليفة نعمان بن راشد

نفس اللحظة تقريباً… لكن الجو مختلف.

الخليفة كان جالس في قاعة الحكم، والفراغ اللي تركه موت ولي العهد مازال حاضر، كأنه ما خرجش من القصر.

دخل وفد الحكماء.

انحنى كبيرهم وقال بنفس الثقل:

— “يا مولاي… جئنا بما اتفق عليه العقل قبل أن تلتهمنا العاطفة.”

نعمان ما جاوبش مباشرة. فقط قال بصوت منخفض:

— “هل جئتم بحل… أم بمزيد من الجراح؟”

رد الحكيم:

— “بحلٍّ ثقيل… لكنه يمنع الجراح القادمة.”

رفع الخليفة رأسه:

— “تكلموا بلا لفّ.”

لكن نفس الطريقة… نفس الغموض المقصود.

— “حلٌّ يربط ما كان من المستحيل أن يلتقي… حتى لا يعود الدم يتكاثر بيننا.”

عندها، ملامح نعمان تبدلات ببطء.

لم يرفض… ولم يوافق… فقط ساد صمت طويل، صمت رجل فاهم أن القرار ليس بسيطاً، وأن ما سيأتي بعده ليس كما قبله.

في كلا القصرين… لم يُنطق الاسم صراحة.

لكن الجميع فهم.

وفهمهم كان أثقل من أي تصريح.

لأن بعض القرارات في عالم الملوك…

لا تُقال دفعة واحدة.

بل تُزرع أولاً كفكرة…

ثم تتحول إلى قدر.

داخل قصر عباس بن منصور

مازال الصمت مسيطر على القاعة، لكن هاد الصمت بدا كيتكسر من الداخل، بحال شي شي حاجة كتضغط عليه من كل جهة.

الحكماء واقفين فمكانهم، ما كيتحركوش، وكأنهم كينتظرو لحظة الانفجار اللي عارفين أنها جاية لا محالة.

عباس بن منصور بقى واقف، عينيه مركزين على نفس النقطة، لكن ملامحو تبدلات تدريجياً… من هدوء ثقيل إلى توتر مكبوت.

— “قلتُم رابط… ضرورة… ماشي اختيار.”

صوته كان منخفض، لكن فيه حدّة واضحة.

الحكيم هز رأسه ببطء:

— “نعم يا مولاي… رابط يُفرضه الواقع قبل أن يفرضه الانهيار.”

سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أوضح:

— “بين بيتك وبيت الخليفة… هناك طريق واحد فقط لوقف ما بدأ يتحرك في الخفاء.”

في هاد اللحظة، عباس ما جاوبش.

غير شدّ يديه ببطء فوق الطاولة، وكأنو كيقيس ثقل القرار قبل ما ينطق بأي كلمة.

من بعد قال:

— “وأين موقع ابنتي في هذا الذي تسميه رابطاً؟”

سؤال بسيط… لكن وقع بحال السيف داخل القاعة.

الحكماء سكتو.

هاد السكوت كان هو الجواب الحقيقي.

داخل قصر الخليفة نعمان بن راشد

في الجهة المقابلة، نفس الثقل كان كيتكرر ولكن بوجه آخر.

الخليفة كان جالس، لكن ما بقاش نفس الرجل اللي كان قبل أيام. الحزن على ولي العهد مازال حاضر، لكن فوقو بدا كيتجمع قلق جديد.

دخل الحكيم الرئيسي، وانحنى:

— “يا مولاي… ما تم التوصل إليه ليس حرباً… بل محاولة لمنعها.”

نعمان رفع عينيه:

— “بأي ثمن؟”

الحكيم تردد لحظة، ثم قال:

— “بثمنٍ يجعل الدم لا يجد طريقاً للعودة.”

الصمت رجع من جديد.

لكن هذه المرة، الخليفة ما طلبش شرح إضافي.

كان كيشوف أبعد من الكلمات.

— “هل هذا قرارهم جميعاً؟”

أجاب الحكيم:

— “هو اتفاق لا يعلن نفسه دفعة واحدة… لكنه أصبح المسار الوحيد المطروح.”

في كلا القصرين، رغم البعد، كان الإحساس واحد:

أن شيئاً ما تم تثبيته في الخفاء، وبدأ يتحول ببطء إلى حقيقة.

لا أحد قال الكلمة كاملة…

لكن المعنى بدأ يظهر بين السطور.

رابط بين بيتين…

ثقل سياسي أكبر من الحرب نفسها…

ومصير فردي سيُحمَّل فوق كتفَي شخصين لم يُستشارا بعد.

وفي ذلك الصمت الممتد بين القصرين…

بدأت القصة تنتقل من “قرار يُناقش”

إلى “قدر يُنفّذ”.

داخل قصر عباس بن منصور

ساد الصمت من جديد، لكن هاد المرة كان مختلف… صمت فيه تفكير عميق، ماشي رفض سريع ولا قبول.

عباس بن منصور شدّ أنفاسه ببطء، ودار نظره على الحكماء:

— “ابنتي… ليست طرفاً في أي قرار يُبنى اليوم.”

جملته كانت قاطعة، ما فيهاش مجال للتأويل.

تبادل الحكماء النظرات، ثم تكلم الكبير منهم بصوت متزن:

— “ومع ذلك يا مولاي، الحل الذي بين أيدينا لا يُفرض فوراً، بل يُؤسَّس له.”

رفع عباس عينيه:

— “كيف ذلك؟”

تقدم الحكيم خطوة:

— “نحن لا نتحدث عن تنفيذ عاجل… بل عن عهد بين القصرين، يُحفظ فيه التوازن، ويُمنع فيه الانفجار.”

سكت لحظة، ثم أضاف:

— “عهدٌ يجعل المصيرين مرتبطين، لكن التنفيذ مؤجّل حتى يبلغ كل طرف موضعه الطبيعي في الزمن.”

تغيرت ملامح عباس شوية… مازال متحفظ، ولكن بدأ كيسمع بعقل أكثر من غضب.

— “أي عهد هذا؟”

رد الحكيم بهدوء:

— “هدنة طويلة المدى، وضمانات متبادلة، وربط شرفي بين البيتين… حتى لا يتحول الفقد إلى حرب.”

داخل قصر الخليفة نعمان بن راشد

نفس الفكرة كانت كتوصل بشكل مشابه، ولكن بوزن مختلف.

نعمان كان ساكت وهو كيسمع، ملامحو جامدة، لكن عينيه كتحلل كل كلمة.

— “تريدون أن نجعل المصيرين مربوطين… دون أن نكسر ميزان الزمن؟”

الحكيم أجاب:

— “نحفظ النار تحت الرماد، بدل أن نتركها تحرق الأرض.”

سكت الخليفة طويلاً… ثم قال بصوت منخفض:

— “وهل هذا يمنع الدم الذي سال؟”

ما كانش جواب مباشر.

لكن الحكيم قال بهدوء:

— “لا يمنعه… لكنه يمنع دماً آخر من أن يولد.”

داخل قصر عباس بن منصور

مازال الصدى ديال كلمات الحكماء كيرتد داخل القاعة، وكأن الجدران حافظاه أكثر من الحاضرين.

عباس بقى واقف فمكانو، ولكن الصمت ديالو كان مختلف هاد المرة… ماشي صمت تفكير فقط، بل صمت رجل كيشوف ثقل قرار كيتكوّن قدّامو بلا ما يعلن عليه.

تنهد ببطء، وقال بصوت منخفض ولكن واضح:

— “عهد… مؤجل… وربط لا يُفك بسهولة…”

سكت لحظة، ثم رفع عينيه للحكماء:

— “وهل هذا العهد مضمون أنه سيحمي البلاد… أم أنه سيخلق لنا باباً آخر لا نعرف نهايته؟”

الحكيم الرئيسي جاوب بهدوء:

— “كل باب يُفتح فيه خطر… لكن بعض الأبواب إذا تُركت مغلقة، تنفجر من الداخل.”

في زاوية القاعة، واحد من كبار القادة ما قدرش يبقى ساكت:

— “مولاي… الرأي العام داخل القبائل لن يفهم هذا النوع من القرارات بسهولة. سيُرى كتنازل، أو كضعف.”

دار عباس وجهو نحوه:

— “الضعف الحقيقي ليس في القرار… بل في العجز عن منع الانهيار.”

سكت القائد.

لكن التوتر داخل القاعة بدا كيكبر، وكأن كل واحد بدا كيشوف في القرار زاوية مختلفة: نجاة، أو خطر مؤجل.

داخل قصر الخليفة نعمان بن راشد

في الجهة الأخرى، نفس النقاش ولكن بحدة أكبر.

نعمان كان جالس، ولكن ما بقاش كيبان عليه الاستقرار ديال البداية. الحزن على ولي العهد مازال حاضر، ولكن فوقه بدا كيتراكم إحساس جديد: حذر ثقيل.

— “عهد مؤجل…” تمتم بصوت منخفض.

ثم رفع عينيه:

— “وماذا عن الدم الذي وقع؟ هل يُترك معلقاً في الهواء حتى يأتي ما بعده؟”

الحكيم أجاب:

— “لا يُترك يا مولاي… بل يُحوَّط حتى لا يتكرر.”

نعمان ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح:

— “تحوّطون الدم بالكلمات؟”

الصمت رجع للحظة.

ثم كمل الحكيم:

— “نحوطه بالاتفاق… وبربط يجعل تكراره أصعب من نسيانه.”

رغم كل التردد، تم تثبيت مبدأ العهد بين القصرين:

لا حرب مباشرة، لا تصعيد فوري، ولكن ربط سياسي مؤجل بين المصيرين.

شي قرار ماشي انتصار… وماشي هزيمة…

بل توازن هش فوق جرحين مازالو كينزفو.

بسم الله الرحمن الرحيم

من حضرة الخليفة نعمان بن راشد

إلى السلطان عباس بن منصور، حفظه الله ورعاه،

السلام على من اتبع الهدى، وبعد،

فقد وصلنا إلى ما تداوَلته مجالس الحكماء بيننا، بعد ما ثبُت أن استمرار الحال على ما هو عليه لن يزيد إلا في اتساع الجراح، وفتح أبواب لا تُغلق إلا بالمزيد من الدم.

وإذ نضع جانباً كل ما سبق من توترٍ وسوء فهم، فإننا نُقرّ بما تم التوافق عليه بين الحكماء من ضرورة تثبيت عهدٍ جامعٍ بين البيتين، يُعيد التوازن، ويمنع انزلاق الممالك نحو مواجهة لا تُبقي ولا تذر.

وعليه، فإننا نوافق على ما تم التوصل إليه من ربطٍ للمصيرين في إطارٍ سياسيٍ محفوظ، مؤجَّل التنفيذ إلى حين استكمال شروطه، وبما يحفظ لكل طرف مكانته واعتباره، ويضمن استقرار البلاد وحقن الدماء.

ونؤكد أن هذا العهد ليس غلبة لطرف على آخر، ولا تنازلاً من أحد، بل هو اتفاق ضرورة فرضه الواقع، ورغبة في إغلاق باب الفتنة قبل أن يتسع أكثر.

ونرجو من مقامكم الكريم تثبيت هذا التوجه، واتخاذ ما يلزم من إجراءات تحفظ استقرار الطرفين، ريثما تُستكمل المراحل المتفق عليها بين الحكماء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الخليفة

نعمان بن راشد

وهاذا رد السلطان عباس بن منصور

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى حضرة الخليفة نعمان بن راشد، حفظه الله،

وصلنا كتابكم، وتدبرنا ما جاء فيه من مقترحٍ بُني على ما تم التوافق عليه بين الحكماء، في ظرفٍ لا يحتمل مزيداً من التوسع في الخلاف ولا الانزلاق نحو ما لا تُحمد عقباه.

أما بعد،

فإننا، وإن كنا لا ننسى ما وقع وما تركه من أثرٍ عميق في النفوس والبلاد، فإننا نُدرك في الوقت نفسه أن استمرار التوتر لا يخدم سوى الفوضى، ولا يورث إلا مزيداً من الثقل على كاهل الممالك وأهلها.

وعليه، فإننا نُقرّ بما ورد في كتابكم الكريم من عهدٍ جامعٍ بين البيتين، قائمٍ على ربط المصيرين ضمن إطارٍ سياسيٍ مؤجلٍ، يراعي الظروف ويضمن استقرار الطرفين.

ونؤكد في هذا السياق أن قبولنا بهذا الاتفاق ليس تنازلاً عن حق، ولا إقراراً بضعف، بل هو اختيار واعٍ لوقف ما قد يعصف بما تبقى من توازن البلاد.

كما نشدد على ضرورة أن يُدار هذا العهد بما يضمن وضوح حدوده، واحترام مكانة كل طرف، بعيداً عن أي تأويل أو استغلال قد يسيء إلى مقصده.

نسأل الله أن يجعل في هذا الاتفاق خيراً للبلاد والعباد، وأن يجنّبنا وإياكم كل فتنة لا يعلم عواقبها إلا هو.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلطان

عباس بن منصور

بسم الله الرحمن الرحيم

من حضرة الخليفة نعمان بن راشد، أمير المؤمنين، ومالك زمام البلاد،

إلى ولده وولي عهده، الأمير شدّاد بن نعمان، أيده الله ونصره،

السلام على مقامك العالي ورحمة الله وبركاته، وبعد،

فإنا نكتب إليك هذا الكتاب، والبلاد تمرّ بأيامٍ جسام، اختلط فيها الحزن بالاضطراب، وتكاثرت فيها أسباب الفتنة، حتى صار لزاماً على أهل الرأي أن يضعوا حداً لما قد يتفاقم إن تُرك على حاله.

وقد انعقد رأي الحكماء وأهل المشورة، على أمرٍ جامعٍ به تُسدّ أبواب الشر، ويُدرأ به خطر السيف بين المملكتين، وذلك بعقد صلةٍ بين بيتنا وبيت السلطان عباس بن منصور، تكون عهداً موثقاً، ورابطاً مانعاً لرجوع الفتنة.

واعلم يا بني، أن هذا العقد إنما هو عقد نكاحٍ سياسي بينك وبين ابنة السلطان، وهي وحيدته من الذرية، يُراد به تثبيت العهد، وربط المصيرين ربطاً لا يقبل الانفكاك.

غير أن أمر هذا الربط قد أُخّر عن وقته، وذلك لأن الاميرة ما تزال في حدّ الصغر، لم تبلغ بعد مبلغ النساء، ولا يحلّ شرعاً ولا سياسةً إيقاع مثل هذا الأمر إلا بعد بلوغها واستكمال أهلّيتها لتحمل هاذا الارتباط

فقد تقرر لذلك أن يُثبَّت العهد من الآن، وتمت خطبتها وحفظ الاتفاق بين الطرفين، ويُنتظر إلى حين بلوغها السن الذي يصحّ فيه تمام هذا الأمر، فيُنفّذ حينئذٍ بلا رجعة ولا تبديل.

وأما أنت يا بني، فقد وقع الاختيار عليك لتكون قطب هذا الرباط من جهتنا، لما لك من ولاية العهد، ومكانةٍ لا يقوم غيرك مقامها في مثل هذا الأمر الجليل، إذ به تُصان الدولة وتُحفظ أركانها.

وإنّا نعلم ما في هذا الأمر من ثقل على النفس، غير أن أثقال المُلك لا تُحمل إلا بمثله، وما وُضع التاج على رأس وليّ العهد إلا ليكون لحمل الأعباء أهلاً لها عند الشدائد.

فاستعدّ لما هو آتٍ، وكن على بصيرةٍ مما سيكشف لك في حينه من تفصيل هذا الأمر وحدوده، فإن الأيام حبلى بما هو أعظم.

والسلام على مقامك ورحمة الله وبركاته.

خليفة المسلمين

نعمان بن راشد

داخل قلب الصحراء الممتدة بلا نهاية، حيث الرمال كتشبه بحر جامد كيتبدل لونه مع حركة الشمس، كانت خيمة الأمير شدّاد بن نعمان منصوبة فوق ربوة مرتفعة، كتشرف على فضاء واسع كيسكت فيه كل صوت إلا صوت الريح.

الخيمة ما كانتش عادية…

كانت من أفخم ما صُنِع في بلاد الصحراء: قماش ثقيل بلون عاجي مائل للذهبي، مزخرف بخيوط دقيقة من حرير داكن كتعكس ضوء الشمس بشكل خافت، وكأنها قصر متنقل وسط اللاشيء.

الأعمدة اللي حاملة الخيمة كانت من خشب قوي مصقول، منقوشة بنقوش تقليدية قديمة، وكل زاوية فيها كانت مدروسة بعناية كتعكس مكانة صاحبها، ماشي غير كأمير، بل كحاكم فعلي لجهة قاسية ما كتعترف إلا بالقوة والحكمة.

في الداخل، كان الفضاء أوسع مما يتخيله الداخل.

سجاد فاخر مفروش على الأرضية، ألوانه داكنة لكن هادئة، مرصوف بعناية كتعكس ذوق ملكي صحراوي ما بين البساطة والفخامة.

مصابيح زيتية معلقة على الجوانب، ضوّها دافئ كيرسم ظلال طويلة على الجدران القماشية، وكأن المكان كيتنفس على إيقاع هادئ وثقيل.

في وسط كل هاد الهدوء، كان شدّاد بن نعمان جالس.

هيبته كانت حاضرة قبل ما حتى يتحرك.

أمير في مقتبل العمر، ولكن ملامحو ما فيهاش خفة الشباب، بل فيها ثقل المسؤولية اللي تربّى عليها من صغره. وجهه مشدود بشكل طبيعي، عينيه حادتين ولكن هادئتين من الخارج، كأنهم كيراقبوا العالم قبل ما يقرروا كيفاش يتعاملوا معاه.

كان لابس حلة صحراوية فخمة، ثوب طويل بلون داكن مائل للأزرق الليلي، مطرز بخيوط رفيعة عند الأطراف، كيعطي إحساس بالوقار والسلطة في نفس الوقت.

فوق راسو عمامة صحراوية بيضاء مطوية بعناية، ملفوفة بطريقة دقيقة كتدل على الأصل والنسب، وطرفها طويل نازل على كتفو ومرخي على عنقو، كيتحرك بخفة مع كل نفس كياخدو.

يداه كانو ماسكين مرسول الخاتم الملكي.

الختم الثقيل فوق الورقة كان مازال كيلمع تحت ضوء المصباح، لكن عيني شدّاد كانت كتمشي فوق الكلمات ببطء… ببطء أكبر من العادة، كأنه كيقيس كل جملة بحال سيف كيدوز على الجلد.

كلما تقدم فالقراية، كانت ملامحو كتشد أكثر، الفك كيتصلب، والنظرة كتصبح أعمق، ولكن بدون انفجار.

غضب داخلي… مكبوت… ما كيبانش فالصوت ولا فالحركة، ولكن باين فالسكون نفسه.

رفع عينيه للحظة من الورقة، ونظر نحو الفراغ خارج الخيمة، حيث الرمال كتمتد بلا نهاية.

ما تكلمش.

لكن الصمت ديالو كان واضح أكثر من أي رد.

قرار كيقول عليه أبوه “واجب دولة”…

لكن فداخله، كان كيشوفه كقيد ما طلبوش.

رجع بنظره للمرسول، وضغط عليه بين يديه ببطء، ثم خلى النفس يخرج منه بهدوء ثقيل، كأنو كيحاول يثبت شي حاجة داخله قبل ما تواجه الخارج.

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى حضرة الخليفة نعمان بن راشد، أمير المؤمنين ومالك زمام البلاد، حفظه الله وأعزه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

وبعد

وصلني كتابك، وفهمت ما جاء فيه من أمرٍ ثقيل على النفس، عظيم على قدر المسؤولية.

أما بعد،

فإني أقبل بما استقر عليه رأيك، وما اتفق عليه أهل المشورة من عهدٍ بيننا وبين بيت السلطان عباس بن منصور، لما فيه من دفعٍ للفتنة، وحفظٍ لهيبة الدولة واستقرارها.

واعلم أن هذا القبول ليس اختيار رغبة، بل اختيار واجب، يفرضه مقامنا وما نحمله من مسؤولية تجاه العرش والناس.

وسيكون لي من الالتزام ما يليق بمقام ولي العهد، في حدود ما تم الاتفاق عليه، دون زيادة أو نقصان.

نسأل الله أن يجعل في هذا الأمر سترًا للبلاد، وصلاحًا لما هو قادم، وأن لا يكون فيه إلا ما يخفف ما سبق من ثقل.

والسلام.

شدّاد بن نعمان

مرت أيام قليلة، والهدوء بدا كيرجع شوية بشوية لواحة الصحراء…

جرح فراق الأخ بدا كيتلم، ماشي لأنه سالى، ولكن حيث الحياة ما كتوقفش حتى قدّام الألم.

فواحد الليلة صافية، القمر طالع عالي والنجوم كيتناثروا فوق السماء بحال نور مرشوش فوق صفحة سوداء واسعة، كانت الواحة باينة بحال جنة مخبّاة وسط الرمال.

الأمير شدّاد كان جالس وسط جماعة ديالو من المستشارين والقادة، فوق زرابي حمراء مزخرفة، ووسادات ملونة محيطة بيهم من كل جهة.

قناديل معلّقة كتلمع بهدوء، والهواء كيدخل للخيام الكبيرة ويحرّكها بشوية، كأن الصحراء حتى هي داخلة فجلسة صمت وتأمل.

الغروب كان باقي عالق فالأفق، لون السماء بنفسجي ممزوج ببرتقالي خفيف، منظر كيشبه لوحة مرسومة بعناية، كتجمع بين جمال الطبيعة، ودفء الصحراء، ووقار تاريخ الملوك والأمراء.

قدّامهم نار شاعلة وسط الساحة، واللحم كيدور ويتشوى بشوية فوق الجمر، والريحة ديال الشواء عامرة المكان.

صواني ديال الفواكه المشكلة محطوطة هنا وهناك، وكلشي متوفر من لذّ وطاب.

الخدم كيدورو بصمت، والعود كيتعزف فزاوية بعيدة، كيزيد الجو هدوء فوق هدوء.

شدّاد كان جالس فالوسط، هادئ الشكل، ولكن فعيونو كان كاين شي تفكير بعيد.

جنبّو كان مستشار من طفولتو، أقرب واحد ليه، ما بينهمش غير الخدمة، بل حتى صداقة قديمة كتجمعهم.

كانو كيهضرو ويضحكو بشوية، كيكسروا ثقل الأيام، حتى سكت شدّاد فجأة…

ثبّت عينيه فالنار اللي كتطقطق قدّامو، وبقا شارد فلهيبها لحظة طويلة.

ومن بعد، وهو باقي كيحدّق فالجمر، قال بصوت هادئ، موجه الكلام للمستشار:

— “السلطان عباس… شحال عندو من ولد؟”

المستشار تبسم ابتسامة خفيفة، وقال بهدوء:

— “عندو بنت وحدة يا مولاي… ووحدة من نساءه حامل دابا.”

شدّاد هز راسو بالإيجاب، بلا ما يبين عليه أي انفعال، وبصوت منخفض رجع سأل:

— “و… شنو اسم بنتو؟”

المستشار سكت لحظة قصيرة، كأنه كيقلب فذاكرة القصر، ومن بعد قال:

— “كيعرفوها الناس أكثر بلقبها… ولكن اسمها شامة.”

فديك اللحظة، شدّاد ما تبدّلش وجهه بزاف…

ولكن عينيه ثبتو أكثر فالنار، وكأن الاسم داز من قدّامو بحال شي ذكرى بعيدة بدات كتقرب

الليل فـ الواحة كان باقي ساكن، غير صوت النار اللي كيتفجّر بشوية كيكسر الهدوء بين لحظة وحين.

شدّاد ما زال عينيه معلّقين فاللهب، كأنه كيقرا فيه أفكار ما كتتقراش بالكلام.

المستشار، اللي كان حداه، هز نفس خفيف وكمل الحديث بصوت فيه شي قدر ديال الحذر:

— “حسب ما وصلنا من معلومات… هي وحيدة القصر. توفات أمها فوقت الولادة، وتربات داخل القصر تحت رعاية مربّيات وخدم خاصين. ومع ذلك… كاين واحد الشخص اللي كان قريب بزاف من قلب السلطان، وكانو كيعاملوها بحال جوهرة القصر.”

شدّاد رفع عينيه شوية، ولكن بقى هادئ، وسأل:

— “وشكون؟”

المستشار جاوب مباشرة:

— “هو السلطان نفسه… كان كيشوف فيها أعز ما عندو.”

سكت لحظة، ومن بعد زاد:

— “وهاد الشي كيبين حتى علاش الخليفة قبل بهاد التصالح. كان عارف أن السلطان ما عطاهش مجرد بنت… بل عطاه أغلى ما يملك مقابل دم ولي العهد.”

شدّاد شدّ فصوته شوية، وقال بنبرة فيها برود محسوب:

— “يعني… كأنها ثمن.”

المستشار هز راسو:

— “تماماً. وهاد الشي اللي كيبين كذلك أن السلطان عباس ماشي راضي على اللي وقع فحدود بلادو، ولكن فـ نفس الوقت ما مستعدش يخسر صداقة مولاي نعمان. القرار كان توازن صعب، مشي اختيار بسيط.”

شدّاد ما جاوبش مباشرة.

غير رجع نظره للنار، وكأن الكلمات اللي سمعها كترتب شي معنى جديد فبلاصته.

وقبل ما يكمل المستشار أي جملة أخرى، قطع السكون صوت خيل كيقرب بسرعة من جهة الواحة.

الحراس تْحركو، والنار عكست ظلال متقطعة فوق الخيام.

فارس بان من بعيد، واضح عليه أثر سفر طويل: الغبرة على وجهه، العياء فخطواته، وثوبه متسخ من الطريق.

وقف قدّام المجلس بلا ما يهدر، نزل من فوق الفرس بسرعة، ومشى مباشرة نحو الأمير.

انحنى، ومدّ يديه برسالة مختومة.

الصمت نزل على المكان فجأة، حتى العود فزاوية سكت فديك اللحظة.

شدّاد مد يده ببطء، وأخذ المرسول.

الفارس بقى مطأطئ الرأس، كيتنفس بصعوبة من السفر، والعيون كلها ولات عليه، ولكن شدّاد هو الوحيد اللي فتح الرسالة

تراجع المستشار خطوة اللور بهدوء وبقا الامير بوحدو جالس قدام النار الموقدة .. هوا وصوت الخشب فقط ، شد الرسالة وفتح الخيط بهدوء ، وقبل مايقرا المكتوب عرفو من الختم المختوم تحته ..فتحه بين اصابعه وبدات عينيه المضيئة بلهيب النار كتقرا السطور

إلى الأمير شدّاد بن نعمان،

بلغني ما يدور في مجالس الرجال، وما خرج من قصور الحكم من أخبارٍ صارت تمشي بين الناس أسرع من الريح. وكنتُ كلما سمعت اسماً يُذكر، دعوت الله أن يكون كذباً… حتى لم يبق للكذب مكان.

وصلني أنك قُبلت في عهدٍ جديد، وأن اسمك صار مربوطاً بقرارٍ أكبر من القلوب، وأثقل من الأمنيات. ومنذ سمعت، وأنا أحاول أن أجد في صدري كلمة لا تكسرني قبل أن تصل إليك.

ما كنت أجهل يا شدّاد أنك ابن عرش، وأن من وُلد قريباً من التاج لا يملك نفسه كما يملكها سائر الناس. وكنت أعلم أن يوماً قد يأتي، يُطلب منك فيه ما لا تريده، وتُقدَّم فيه الدولة على القلب. لكنني، رغم علمي، كنت أؤجل هذا اليوم في خيالي، وأدفعه بعيداً عني كلما اقترب.

ما أصعب أن ترى المرأة مستقبلها ينهار، وهي واقفة لا تملك إلا النظر.

أتذكر حين قلت لي، تحت ضوء تلك الليلة الهادئة، إن بعض الوعود لا تهزمها الأيام؟

ها أنا اليوم أسأل نفسي: هل كانت الأيام أقوى… أم كانت الوعود أضعف مما ظننت؟

لا أكتب إليك لأعاتبك، ولا لأضع في عنقك ذنب ما فُرض عليك. أعرف جيداً أن بعض الرجال يُؤخذون إلى مصائرهم كما يُؤخذ الجند إلى الحرب، دون أن يُسألوا هل يريدون أم لا.

لكنني أكتب لأن قلبي أثقل من أن يسكت.

كنت أرى اسمي قريباً من اسمك، وبيتي قريباً من بيتك، وأيامي ممتدة في ظلك. كنت أرتب أحلاماً صغيرة لا يعرفها أحد، وأحفظ تفاصيل قلتها لي، وأبني من نظراتك ما يكفي عمراً كاملاً.

واليوم، أتعلم كيف يبدو الحلم حين يُنتزع من صاحبه وهو حيّ؟

يبدو كبيتٍ انطفأ نوره فجأة، وبقي أهله داخله في العتمة.

إن كان ما بلغني حقاً، وإن كان الطريق قد كُتب عليك كما يقولون، فلن أكون حجر عثرة في دربك، ولا سبباً في زيادة ما تحمل من ثقل. لكن اعلم أن في هذا العالم قلباً كان لك، وسيبقى يحمل أثرك ولو صار نصيبه الصمت.

وإن مرّ بك اسمي يوماً، فلا تذكرني بحزن… بل اذكرني كما كنت: امرأة صدّقتك أكثر مما ينبغي.

والسلام على من كان يوماً أقرب من المسافة، وأبعده القدر.

من التي لم تكتب اسمها، لأنك تعرفه

مع أول السطور، كانت عينيه ثابتة، باردة، كما تعودت دائماً تكون.

لكن كلما نزل بنظره أكثر، كلما بدا شي حاجة كتتحرك تحت هاد الجمود.

الفك ديالو تصلّب.

أصابعه شدّات طرف الورقة أكثر من اللازم.

والنفس ديالو ولى أبطأ… أثقل.

وصل لسطر، ووقف.

رفع عينيه نحو الفراغ قدّامو، ولكن ما كانش كيشوف النار، ولا الضوء، ولا حتى الصحراء والنخل. كان كيشوف ماضياً قريباً حاول يدفنو تحت لقب “ولي العهد”، ورجع اليوم من بين الكلمات.

رجع للرسالة، وكمل القراءة.

كل جملة كانت كتهبط عليه بثقل مختلف.

ما فيهاش سبّ، ما فيهاش اتهام، وما فيهاش صراخ… وهاد الشي كان أقسى.

اللوم إلى جا بالغضب، كيترد.

أما إلى جا بالحزن… كيسكن فالصدر.

شدّاد طوى الرسالة ببطء وناض من مكانه فاتجاه الخيمة،. بقا شادّها بين يديه، ونظر للقنديل اللي قدّامو.

قال بصوت خافت، كأنه ما موجه لحتى واحد:

— “سبقني القدر إليها… وسبقني الواجب منكِ.”

سكت.

في الخارج، كانت الريح كتمرّ على أطراف الخيمة وتحرّكها بخفة.

وفي الداخل، أمير كامل الهيئة، لابس أفخر ما يلبس الرجال، جالس مستقيم الظهر… لكن لأول مرة منذ أيام، باين عليه أن شي حاجة داخله انكسرت بلا صوت.

مدّ يده، وخلا الرسالة فوق الطاولة، بعيد شوية… كما لو أنه يبعد ناراً يعرف أنه مازال غادي يرجع لها

الليل كان تعمّق أكثر، والصحراء برا الخيمة ولات بحر أسود ساكت، غير الريح هي اللي كتمر بين الكثبان بحال همس قديم ما كيساليش.

داخل خيمة الأمير شدّاد، القناديل بقات شاعلة، لكن ضوّها بدا أضعف من قبل، كأن الزيت حتى هو حسّ بثقل الليلة.

الرسالة كانت مازال قدّامو فوق الطاولة المنخفضة.

مطوية بعناية… ولكن وجودها فالمكان كان أقوى من أي شيء آخر.

كل مرة كيطالعها، كأنها كتفتح فيه باب حاول يسدّه من أيام.

شدّاد بقى واقف شوية، يديه موراه، كيدور بخطوات بطيئة داخل الخيمة.

ثوبه الطويل كيتحرك معاه بصمت، والعمامة البيضاء على راسو زادت ملامحو وقاراً وقسوة.

ما كانش رجل مرتبك…

كان رجل كيعرف أن بعض المعارك ما كتربحهاش لا بالسيف لا بالقوة.

وقف قدّام الطاولة.

مدّ يده للورق الفارغ، جلس، وغمس رأس القلم في دواة الحبر.

بقى لحظة ساكت، والقلم فوق الورقة بلا ما يلمسها.

شنو يكتب؟

واش يكتب كولي عهد؟

ولا كرجل خسر قبل ما يبدأ؟

أخيراً، نزل القلم.

إلى من تعرف مقامها في نفسي، ولو سكت عنه لساني،

وصلني كتابك، وبلغني ما فيه من وجعٍ أعرف سببه، وإن عجزت عن دفعه.

ما قرأت حرفاً منه إلا وعرفت أن كل كلمة كُتبت بيدٍ يثقلها الحزن، وقلبٍ أُخذ منه ما كان يراه قريباً.

أما بعد،

فإني لا أملك أن أقول لك إن ما بلغك كذب، ولا أن أعدك بما لم يعد في يدي. فالطرق التي كنت أظنني أسير فيها باختياري، عرفت اليوم أنها كانت مرسومة قبلي.

ما فُرض عليّ لم يُفرض برضاي، وما قُبل منّي لم يكن عن رغبة نفس، بل عن حملٍ لا يخفى عليكِ ثقلُه.

كنت أود لو أجيبك بغير هذا، ولو أكتب لك كلاماً يخفف، لكن بعض الحقائق لا تُزيَّن، وبعض الخسارات لا يُنقصها التجميل.

ما كان بيننا لم يكن وهماً عندي، ولا حديث ساعة يطويه النهار. وقد كنتِ عند ظني بكِ: صدقاً، ورفقاً، وموضع سكون في زمن لا يعرف السكون.

فإن كان القدر قد سبقنا، فلا تجعليه يهزم الذكرى أيضاً.

لا أحملك انتظاراً، ولا أطلب منك صبراً على ما لا ذنب لك فيه. بل أطلب أمراً واحداً:

أن لا تغيّري صورتي في قلبك إلى رجل خان، وأنا ما خنت… ولكن غُلِبت.

وإن مرّ بك اسمي يوماً، فاذكري أني حاولت، ثم غلبني ما هو أكبر مني.

والسلام عليكِ، ما بقي للسلام موضع.

شدّاد بن نعمان

في جناح القصر الهادئ، الليل كان واقف فوق الأسوار بحال حارس ما كينعسش.

الضوء داخل الغرفة جاي خافت من قنديل واحد، كيرتعش مع كل نسمة هواء كتدخل من شق النافذة، وكأن حتى النور كيتردد فالبقاء.

هي كانت جالسة نفس الجلسة اللي تعوداتها فكل ليلة من بعد ما تبدّل كل شيء…

لكن هاد المرة، ما كانش فيها انتظار، كان فيها شيء آخر أثقل: إحساس بأن النهاية وصلت ولكن القلب مازال ما بغاش يصدّق.

وصلها المرسول.

ما تكلم حتى واحد.

غير مدّت يدها، وببطء خافت خذات الورقة.

مجرد ما لمستها، بان عليها شي ارتجاف خفيف فالأصابع، ارتجاف ماشي خوف… بل اعتراف داخلي أنها عارفة شنو داخلها قبل ما تقرا.

فتحات الرسالة.

وبدات تقرا.

في الأول، كانت عينيها ثابتة، قوية، كأنها كتمنع أي ضعف يبان.

ولكن مع أول جملة فيها اسمُه، تغيّر النفس ديالها بلا ما تحس.

حبست لحظة.

رجعات تقرا.

كل سطر كان كيدخل ليها بحال سهم ما كيجرحش الجسد… بل كيهز حاجة أعمق.

وصلت لعبارة “ما خنت… ولكن غُلِبت”

وهنا، الأصابع ديالها شدّات الورقة أكثر من اللازم.

الرموش ديالها ارتعشت، ودمعة صغيرة جمّدت فالعين، ما بغاتش تهبط مباشرة… كأنها حتى هي ما متأكدة واش عندها الحق تهبط.

كملت القراءة بصعوبة.

وكل كلمة كان فيها صوتو هو…

ولكن الصوت اللي فخيالها ما بقاش هو نفس الصوت اللي فالكلام.

هو كتب أنه ما خانش…

ولكن قلبها كان كيهضر بلغة أخرى:

لغة فقدان بلا تفسير، ووداع بلا لحظة وداع حقيقية.

وهي كتقرا، كتراجع ذكرياتها معاه بلا ما تحس:

نظرة، كلمة، وعد صغير، ضحكة كانت كتجي بسهولة…

ودابا كلشي ولى بعيد بحال شي حلم كيتفركش بين يديها.

وصلت للسطر الأخير.

سكتت.

الورقة طاحت شوية من يدها، ولكنها ما تركاتهاش كامل. بقات شادّاها بنصف قوة، كأنها خايفة حتى الورقة تمشي وتاخد معاها آخر أثر ديالو.

نظراتها هبطات للأرض.

الصمت عمر الغرفة.

ما كانش بكاء قوي…

كان انهيار هادئ، داخلي، اللي كيتكسر فيه القلب بلا ما يبان الصوت.

تنفست بصعوبة، ثم همست بصوت ما كيوصلش حتى ليها هي مزيان:

— “كنتَ أقرب من الحلم… وصرنا أبعد من الحقيقة.”

سكتت.

ثم ضمت الرسالة لصدرها لحظة طويلة، كأنها محاولة أخيرة باش تحتفظ بشي حاجة منو… حتى لو كانت غير كلمات.

لكن حتى هاد العناق الصغير، ما كانش فيه رجوع.

غير وداع ساكت… بين قلبين عرفو بعضهم، ولكن ما قدروش يبقاو فنفس الطريق

الليلة كانت تقيلة بشكل مختلف… ماشي تقيلة ديال السكون، بل تقيلة ديال الصدر اللي كيتحمل أكثر من طاقتو.

في جناحها، القنديل ما بقاش كيكفي. الضوء الصغير كيرتعش، ولكن ما كيعطيش لا راحة لا وضوح. غير كيزيد يبين ملامح التعب اللي باينة فوجهها من أيام.

الرسالة ديال شدّاد كانت مازالت عندها، مطوية، ولكن ما بقاتش بحال أول مرة.

المرة الأولى كانت دمعة وصمت…

دابا ولات جرح كيرفض يسكت.

قلبها بدا كيرفض فكرة أن كلشي تسال بهاد البساطة.

أن الكلام الأخير يكون هو “غلبني القدر” وخلاص.

قامت ببطء من بلاصتها.

خطواتها كانت خفيفة ولكن مترددة، كأنها كتدوز فوق أرض ما بقاتش واثقة فيها.

مشات حتى لمكتب صغير داخل الغرفة، فتحت درج خشبي قديم.

ما فيه لا مجوهرات، لا زينة… غير ورق، وريشة، وحبر.

وقفت لحظة.

اليد ديالها كانت ثابتة من برا… ولكن من الداخل كانت كتترعش.

غمست الريشة فالحبر.

وبدات تكتب.

إلى الأمير شدّاد بن نعمان،

لم أكتب إليك اليوم لأفتح باب عتابٍ جديد، فقد أُغلقت أبواب العتاب منذ زمن، وبقيت فقط أبواب لا تُفتح إلا على وجعٍ قديم لا يهدأ.

وصلتني كلماتك، وقرأتها أكثر من مرة، أحاول أن أجد فيها ما يُخفف ما بداخلي… أو على الأقل ما يفسّره. لكن بعض الكلمات، يا شدّاد، لا تُفسَّر بقدر ما تُحسّ، وبعض الغياب لا يُبرَّر مهما كانت أسبابه.

قلتَ إنك لم تخن، وإنك غُلبت… وقد حاولت أن أُصدّق هذا المعنى، لا لأنني مقتنعة به، بل لأنني كنت أبحث عن أي معنى يخفف ثقل الفقد.

لكن الحقيقة أن الصمت بيننا لم يكن رحمة، بل كان خسارة تتسع كل يوم دون أن نشعر.

أنا لم أطلب منك أن تختارني على حساب العالم، ولم أطلب أن تُغيّر ما فُرض عليك، لكنني كنت أحتاج أن أفهم، أن أسمع، أن أجد نفسي في نهاية واضحة لا تُترك معلقة بين الاحتمالات.

الآن، لم يعد الحديث عن ما كان يجدي، لأن ما كان قد انتهى فعلاً، حتى لو بقي أثره في القلب.

غير أني أكتب إليك لأقول إن غيابك لم يكن حدثاً عابراً في حياتي، بل كان تحوّلاً قاسياً علّمني كيف يفقد الإنسان جزءاً منه دون أن يموت.

وإن كنتَ قد غُلبت كما تقول، فقد غُلبتُ أنا أيضاً بك، وبما كان بيننا.

ولا أطلب منك جواباً، ولا وعداً، ولا تفسيراً جديداً… فقط أردت أن تعلم أن ما تركته خلفك لم يكن صمتاً، بل كان إنسانة تحاول أن تتعلّم كيف تعيش مع ما تبقّى

في صباح الصحراء، كان الضوء كينزل على الكثبان بشوية، كأنه كيمسح آثار الليل واحد واحد.

الهواء نقي، فيه برودة خفيفة قبل ما الشمس تكمل طلوعها، والصمت ديال الفجر كان مازال مسيطر على المكان.

فوسط هاد الفضاء الواسع، كان الأمير شدّاد فوق صهوة حصانه.

الحصان كان كيتحرك بثبات وقوة فوق الرمل، وكل خطوة كتخلي الغبار يطلع شوية ويرجع يهبط بحال نفس الأرض نفسها.

أما شدّاد، فكان جالس فوق ظهره كأنه جزء من الحصان ماشي راكب عليه فقط

ثوبه الابيض مفتوح كامل على صدرو، والعمامة مربوطة بإحكام، ما كتخليش حتى شعرة تتحرك بلا نظام. وجهه كان هادئ، ولكن الهدوء ديالو ما كانش ضعيف… كان هدوء صلب، ديال رجل متعود على الريح والعاصفة وما كيهز كو حتى واحد منهم.

عينيه كانت بعيدة، ماشي مركزة غير فالأفق القريب، بل كتمشي أبعد… كأنه كيشوف شي حاجة ما كيشوفوهاش الناس العاديين. صفير كيتسمع فالافق ..صفير حاد كيقرب ويزيد يوضاح ،حتى قرب بسرعة وتضاعف الحجم ديالو واصبح كيبان بوضوح

طير جارح ..نسر من النسور الناذرة ،عيونو حادة وصوته حاد وقف على دراع الشداد فجأة ،من بعد دفعو للطيران من جديد

..كان نسر كبير ،كيدور فدوائر واسعة، جناحاتو كتشقق الهواء بقوة، وكل مرة كيهبط وكيطلع كأنه كيتكلم مع الريح بلغة ما مفهومة.

شدّاد كان واقف تحتو كيتابعو، كيرفع يده بإشارة خفيفة، والنسر كيجاوبو بحركة أجنحة أقرب للتفاهم منها للسيطرة.

كانت لحظة هدوء غريبة…

رجل فوق الأرض، ونسر فوق السماء، وكأن بيناتهم عهد آخر ما عندوش علاقة بالمجالس ولا بالرسائل ولا بالسياسة.

لكن هاد الهدوء ما كانش طويل.

الحصان فجأة وقف، شدّاد حسّ بحركة مختلفة فالأجواء.

ما احتاجش يشوف بعيد بزاف باش يعرف أن شي أحد قادم.

رفع عينيه ببطء نحو الأفق.

غبرة خفيفة كتقرب… فارس على الطريق.

شدّاد هبط يده من فوق لجام الحصان، وثبّت جلسته أكثر.

ما تبدّلش ملامحو، لكن شي حاجة بسيطة فالنظرة ديالو تبدلات: انتباه حاد، هدوء اللي كيتحوّل لقراءة ما قبل الخبر.

النسر فالسما دار دورة أخيرة، وابتعد شوية كأنه حتى هو حسّ بأن اللحظة تبدلات.

الفارس قرب أكثر… والغبرة ولات أوضح.

وشدّاد بقى فوق صهوة حصانه، ثابت، مستقيم، ما فيه لا تردد لا استعجال…

غير انتظار هادئ لرجل عارف أن كل رسالة كتجي، كتكون بحال حجر صغير كيبدا يحرك دائرة كبيرة فالحياة.

تحنى الرسول بتحية ومد ليه الرسالة ..شدها شداد وفتحها بدون تردد . مكانش متوقع مصدرها وجاه مختالف ختمها. حتى خطها فيه اختلاف كبير قبل حتى ما يقراها عرفها غريبة

إلى الأمير شدّاد بن نعمان،

لا أعرف إن كان من حقّي أن أكتب إليك، ولا إن كانت هذه الرسالة ستصل إليك أصلاً كما أكتبها الآن، لكن ما حدث بين بيوتنا ترك في داخلي خوفاً لا أستطيع إسكاته.

أنا لا أعرفك يا سيدي… ولم أرك يوماً، ولم أسمع صوتك، لكن اسمك صار يتردد في القصر كشيء ثقيل، كشيء لا نفهمه نحن، لكنه يغيّر كل ما حولنا.

حين سمعت بما وقع… لم أفهم التفاصيل، لكنني فهمت شيئاً واحداً: أن العالم الذي كنت أظنه بعيداً عني، دخل فجأة إلى حياتي دون إذن، وترك فيها ارتباكاً لا يشبه أي شعور عرفته من قبل.

أكتب إليك وأنا لا أعرف كيف أختار كلماتي… فأنا أخاف أن تُفهم بشكل خاطئ، وأخاف أكثر أن تُفهم بشكل صحيح.

لستُ في مقام أن ألوم، ولا في مقام أن أفسّر، لكنني فقط… خائفة.

خائفة من هذا الاسم الذي أصبح مرتبطاً بشيء كبير أكبر من قدرتي على الاستيعاب، وخائفة من أن أكون أنا جزءاً من شيء لا أفهمه.

لا أعرف ماذا يُقال في مثل هذه المواقف، لكنني أعرف أن الصمت لم يعد مريحاً بالنسبة لي.

أنا لستُ ضدك، ولا أعرف إن كان لي الحق أن أكون معك أو ضدك أصلاً…

لكنني فقط إنسانة صغيرة داخل هذا القصر الكبير، تحاول أن تفهم لماذا أصبح اسمها مرتبطاً باسم رجل لم تره يوماً، لكنها تشعر بثقله في كل ما حولها.

إن كان في هذه الكلمات ما يزعجك، فاعذر جهلي، فأنا لا أعرف كيف تُكتب الرسائل في مثل هذه الظروف.

الاميرة شامة.

شدّاد وهو كيقرا الرسالة، كان كيدخل فيها أكثر من مجرد كلمات… كان كيشوفها بحال مشهد كيتولد قدّامو.

كل جملة كانت كتتهبط عليه بحال موجة هادئة،و عميقة، كتدفعو يتخيل ما وراء الحروف.

من أول سطر، تخيّلها:

بنت فوسط قصر كبير، ممرات طويلة، جدران صامتة… واقفة قدّام ورقة ويدها كتترعش شوية.

ماشي خوف منو هو كشخص، ولكن خوف من اسمو، من الظل اللي وصل حتى لداخل عالم ما عمرها عرفتو.

ومع كل كلمة “لا أعرفك”…

كان كيسمع فخاطرو صوت خافت، أنثوي، ما فيهش مواجهة، فيه حذر… بحال نفس كيتحبس قبل ما يخرج.

تخيّل صوتها وهي كتقرا السطر بصوت منخفض لنفسها، كأنها كتجرب الكلمات قبل ما تخليها تمشي بعيد:

صوت ناعم، متردد، كيدوز فوق الحروف بحذر، كأنه كيمشي فوق أرض ما متأكدةش واش آمنة. شافها حتى وهي كتكتب خايفة..خايفة شي واحد يشوفها ، كتكتب كلماتها فالسر

وملي وصلت لكلمة “خائفة”…

شدّاد وقف فالتخيل ديالو لحظة.

ما شافش غير وجهها، شاف حتى الصمت اللي من وراها

غرفة هادئة، ضوء ضعيف، يد كتشد الورقة أكثر من اللازم، ونفس سريع كيتكتم باش ما يبانش.

كان كيسمع فخاطرو كيفاش الرسالة كاملة ما كتتقالش بصوت عالي…

بل كاتتقال بنبرة داخلية:

نبرة بنت ماشي كتهدد، ماشي كتلوم، غير كتفهم العالم من بعيد وكتحاول تحمي راسها منو.

ومع كل سطر، شدّاد بدا كيشوف نفسه بطريقة مختلفة:

ماشي الأمير اللي كيتخذ القرار فقط،

بل الاسم اللي ولى كيوصل لناس ما شافهمش، وكيخلي فيهم أثر بلا ما يقصد.

فواحد اللحظة، تخيّل حتى توقف القلم عندها قبل ما تكمل كتابة الرسالة…

تردد صغير، تنهيدة، ومن بعد إصرار خافت على أن الكلام خاصو يخرج رغم الخوف.

وهو كيقرا، الصوت اللي فخيالو ولا مزدوج:

صوتها هي وهي كتكتب بخوف،

وصوت الصحراء كيرد عليه بسكون واسع.

شدّاد طوى الرسالة ببطء، ولكن الصورة ما تطواش مع الورق.

بقات معلّقة فباله:

بنت ما تعرفوش، ولكن اسمو وصل ليها بحال خبر كبير أكبر من عمرها…

وصوتها الخافت فالتخيل بقى كيرجع ليه بين لحظة ولحظة، كأنه أول مرة كيسمع أثره الحقيقي خارج القصور والمجالس

داخل قصر العباس، فواحد الزاوية العالية اللي كتشرف على الغروب، كان جناح الأميرة شامة بحال عالم منفصل عن باقي القصر… عالم ساكن، نقي، وكأنه ما كيتأثرش باللي كيدور برا.

الجدران العالية كانت مفتوحة على منظر واسع للصحراء البعيدة، الجبال الرملية كيتبدلو ألوانهم مع الشمس اللي كتهبط بشوية، من ذهبي لبرتقالي دافئ كيبرد شوية بشوية مع اقتراب الليل.

داخل الجناح، شامة كانت جالسة فوق وسائد ملونة مرصوصة بعناية، جلسة هادئة ورقيقة، طاوية رجليها لجنبها، والخلخال الذهبي فقدمها كيطلق رنين خفيف مع كل حركة بسيطة منها.

قدّامها طبلة صغيرة فيها فواكه مختلفة، مرتبة بطريقة بسيطة ولكن أنيقة، بحال إلا حتى الفواكه داخلة فتناغم مع هدوء المكان.

شعرها منسدل بحال موج طويل نازل على ظهرها حتى كيلمس الأرض، ناعم وثقيل فآن واحد، كيتحرك مع أي نسمة هواء تدخل من النافذة.

كانت لابسة قميص خفيف بلون فيروزي فاتح، كيزيد يبرز صفاء ملامحها، وبساطة حضورها.

إصابعها مزينة بخواتم خفيفة، وكانو ماسكين ريشة رقيقة كتتنقل بين الألوان فوق اللوحة اللي قدامها.

عينيها الواسعين كانو مركزين فالغروب قدامها…

كتراقب الشمس وهي كتهبط فوق الصحراء، وكتحاول ترسم نفس اللحظة فوق اللوحة ديالها:

تدرجات الضوء، امتداد الرمال، وخيوط البرتقالي اللي كتمتد بحال نفس طويل فآخر النهار.

كل حركة ديال يدها كانت بطيئة، ناعمة، ما فيهاش استعجال…

كتغمس الريشة فالألوان، ومن بعد تحطها فوق اللوحة كأنها كتكتب إحساس ماشي مشهد فقط.

كانت غارقة فهاد العالم ديالها، بعيداً عن أي صوت آخر، حتى دخلات خادمة صغيرة بخطوات خفيفة، الباب تسدّ من وراها بإحكام، وبان عليها توتر بسيط مخبّى تحت ابتسامة خجولة.

وقفات شوية من ورا شامة، قبل ما تهضر بصوت منخفض:

— “لالة شامة… جاك مرسول من عند الأمير.”

فديك اللحظة، الريشة فإيد شامة توقفت فوق اللوحة.

ما تحركت بسرعة، ما دارت حتى ردّة فعل كبيرة…

غير السكون ديال يدها تبدّل، وبدا كأنه اللحظة اللي كانت مرسومة على اللوحة، وقفات هي حتى هي.

والغروب قدّامها كمل يهبط… ولكن فداك الجناح، شيء آخر بدا كيرتفع:

سؤال جديد دخل لعالمها الهادئ بلا استئذان

بقات نفس الجلسة الهادئة ديالها، ولكن شي حاجة داخلها تبدلات بلا ما يبان على الوجه.

الريشة ما طاحتش من يدها، ولكن توقفت فالنص، فوق الألوان اللي كانت كترسم بيها الغروب.

كأن اللحظة اللي كانت فيها مندمجة فالصورة اللي قدامها، تكسرت بهدوء.

رفعت عينيها ببطء.

ما كانتش نظرة خوف، ولا ارتباك واضح…

كانت نظرة دهشة خفيفة، بحال إلا الاسم اللي سمعاتو وصلها فجأة من عالم بعيد ما كانتش داخلو.

سكتت لحظة طويلة.

الخادمة اللي قالت الخبر بقات واقفة، عينيها للأرض، كتنتظر أي رد.

شامة تنفّست بهدوء، ثم حطّت الريشة بلطف فوق طرف اللوحة، ما كسراتش السكون، غير بدلات اتجاهه.

مدّت يدها شوية، بحركة رقيقة، بلا استعجال، وكأنها كتستقبل حاجة ماشي ثقيلة مادياً… ولكن ثقيلة فالمعنى.

أخذت الرسالة.

فلمس الورقة، حسّت بشي برودة خفيفة، مختلفة عن دفء الجناح.

ما كانتش متوترة، ولكن كان فيها حذر طبيعي ديال إنسانة عايشة فهدوء طويل، وشي حاجة خارج هاد الهدوء دخلات فجأة لعالمها.

جلست مزيان، عدّلت الوسادة من وراها بشوية، وبقات ساكتة لحظة أخرى قبل ما تفتحها.

ما فتحاتهاش مباشرة.

مرّات عينيها على الختم، ثم على أطراف الورقة، وكأنها كتقيس المسافة بين عالمها الصغير وبين الشي اللي جا من برا كتكتاشف اول رسالة كتجيها فحياتها

إلى من وصلني منها حرفٌ مرتجف…

أكتب إليكِ وأنا لا أعرف ملامحك، لكنّي شعرتُ من بين كلماتك أنكِ لستِ ممن يكتبون بسهولة، ولا ممن يتحملون ثِقل ما لا يُفهم.

أولاً… اطمئني.

ما جرى بين البيوت أكبر من أن يُحمَّل لاسمٍ واحد، وأثقل من أن يُلقى على قلبٍ لم يختر أن يكون في قلب هذا الخبر.

ليس في كلامك ما يستوجب خوفاً مني، ولا في اسمي ما يُفترض أن يصل إليكِ كظلّ يُقلقك.

أنا لستُ كما يُروى في لحظات الاضطراب، ولستُ أقرب إلى ما قد تتخيله الكلمات حين تُنقل بلا هدوء.

أفهم ارتباكك… وأفهم ذلك الإحساس الذي يجعل الإنسان يشعر أن العالم دخل إلى حياته دون استئذان.

لكن صدقيني، ليس كل ما يصلنا من الخارج يعني أننا طرف فيه أو أننا سبب فيه.

لا أطلب منك أن تفهمي السياسة، ولا أن تشرحي لنفسك ما لا يُطلب من قلبٍ في مقامك أن يحمله.

يكفيكِ أن تعرفي أن ما بيننا الآن ليس ساحة خوف، ولا مجال قلق.

وأنا…

لن أكون لكِ سبباً للارتباك، ولا اسماً يُثقل عليكِ لحظة واحدة أكثر مما يجب.

إن كان في صدرك شيء من هذا الخوف، فليطمئنك أنني أسمعكِ كما أنتِ، لا كما تتخيلينني.

ولا أريد منكِ شيئاً سوى أن لا تحملي فوق قلبكِ ما ليس لكِ به يد، ولا ذنب.

كوني كما أنتِ…

بعيدة عن كل هذا، آمنة كما يجب أن تكوني.

الامير شدّاد بن نعمان

شامة بقات ساكتة، والرسالة فوق حضنها، أصابعها الرقيقة شادّين أطراف الورق بلا ما تحس.

عينيها رجعات للوحة اللي قدّامها… للشمس وهي كتهبط بين الجبال الرملية، ولللون البرتقالي اللي كانت من دقائق كتشوفو غير جمال صافٍ بلا معنى آخر.

دابا تبدّل.

ولا فيه شي ثقل غريب…

بحال إلا الغروب ما بقاش نهاية نهار فقط، بل بداية أمر مازال ما بانش.

الخادمة اللي كانت واقفة من وراها، بقات ساكتة حتى هي، كتراقب سيدتها من بعيد، ولكن الفضول كان باين فتنفسها وفي الوقفة ديالها.

تقدّمات بخطوة صغيرة، وقالت بصوت خافت، فيه احترام ممزوج بفضول النساء اللي كيترباو وسط الأسرار:

— “لالة شامة… واش الخير؟”

شامة ما جاوباتش دغيا.

بقات كتشوف قدّامها، ومن بعد هزّت الرسالة بشوية، كأنها ما زالت كتوزن الكلمات فإيدها قبل ما تعطيها جواب.

قالت بهدوء:

— “ما عرفت… واش هو خير، ولا غير باب تفتح.”

الخادمة قربات أكثر، وجلست على ركبة وحدة جنب الوسائد، وحاولت تشوف وجهها.

— “والأمير… شنو قال؟”

شامة نزلت عينيها للرسالة مرة أخرى، ومرّات أصبعها فوق واحد السطر كأنها كتقراه بلا صوت.

— “ما قال حتى حاجة تمسني مباشرة…”

سكتت لحظة، ومن بعد زادت بنبرة أبطأ:

— “ولكن خلاّني نحس أن اسمي خرج من عالمي الصغير… ومشى لبلايص ما عمرني مشيت ليها.”

الخادمة ما فهماتش كامل، ولكن حسّت بثقل الكلام.

قالت وهي كتبتسم باش تخفف الجو:

— “لالة، هادي غير رسالة. الناس كيكتبو بزاف وكيقصدو قليل.”

شامة هزّت عينيها ليها، وابتسامة خفيفة جداً بانَت ثم اختفات.

الريح دخلات من الشباك، وحرّكات طرف الستار الأبيض، ولمسات خفيفة مشات فوق اللوحة قدّامها.

شامة مدّت يدها للريشة، ولكن ما رسماتش.

بقات شاداها فقط.

قالت فجأة، كأنها كتهضر مع نفسها أكثر من الخادمة:

— “واش ممكن إنسان ما شفتوش قط… يبدّل لون نهارك؟”

الخادمة توسعات عينيها، ومن بعد هبطاتهم بسرعة، ما عرفت واش تجاوب ولا تسكت.

اختارت الصمت.

أما شامة، فبقات كتشوف الغروب حتى آخر خيط ديال الضوء، والرسالة فوق ركبتها، واللوحة قدّامها ناقصة ضربة وحدة ما بقاتش عارفة بأي لون تكملها

جلسات كلتوم (الخادمة)جنبها بهدوء وقالت كتشوف فيها بابتسامة

– حنا كلنا خايفين معاك.. وكلنا غنمشيو معاك ان شاء الله ..ماعندكش مناش تخافي..نتي الاللة ماشي بوحدك ، حنا كلنا معاك

تنهدات شامة وحطات الريشة.. تأملات المنضر حتى جاها وخز فكرشها وشداتها بألم مصدرة صوت خفيف.قربات منها كلتوم وشدات فدراعها بشوية وقالت

-خير الاللة شامة ؟

تنفسات شامة ببطىء

-حسيت بوجع فكرشي..

كلتوم : غير الخوف الاللة ..شي مرات كيجي ربحال الوجع.

حركات شامة راسها بالايجاب وتجاهلات الوجع.. رجعات للرسالة شافت فيها وطواتها وبدات كتحاول تكمل اللوحة ديالها بشوية.. مع مرور الدقائق بدات كتتألم اكثر حتى مابقاتش قادرة تستحمل الالم وحطات الريشة وقالت

– هاد الوجع…. كيزيد ماشي كيخفاف

غمضات عينيها مطولا كتستشعر الألم وكلتوم شادة فيدها

– غنمشي نعيط لدادا رقية ..يمكن كليتي شي حاجة حركات شامة راسها بالايجاب وبقات جالسة ، مدات يدها شربات الماء لاكن ماقدراتش تكمل الكاس ، بلعاتو بصعوبة وحاولات تنوض من بلاصتها ..الألم بدا كيزيد على حدو وهي مابقاتش قادرة تستحمل اكثر وصبرات ليه املا يمشي لاكن زاد الوضع تأزم اكثر.

تفتح الباب ودخلات كلتوم ومعاها دادا رقية.مرى راشدة لاكن ماشي كبيرة فالسن ،طويلة وعامرة وعيونها مكحلة ، شعرها اسود قاتم كيبان من تحت سبنية حمرا بالهدب ويديها مزينة بالنقرة وعلى عنقها خيط اللوبان ..لابسة قفطان خضر وشربيل كحل مطرز والشمار على كتافها ووشام تحت فمها .جميلة وحروفها عربية وبشرتها بيضاء صافية. مشات مباشرة عند لاللة شامة وشدات فيها كتحاول توقفها

رقية: مالك ابنتي؟ شنو ضرك؟

ردت شامة بتعب كتحاول توقف

-كضرني كرشي ادادا..كضرني بزاف

شدات فيها دادا رقية وكلتوم ووقفوها بشوية حتى وصلوها لسريرها الناعم. وتكاوها على فراشها ، جلسات جنبها لاللة رقية وحطات يدها على كرشها وقالت

-فين كيضرك ابنتي هنا ؟

شامة : لتحت..

دادا رقية: الكرش الصغيرة؟

ردت شامة بألم : تما ادادا

دورات رقية راسها وقالت

-سير جيب لي شوية دزيت دافية اكلتون مع كتان رقيق

كلتوم :واخا دادا هي اللولة

خرجات كلتوم وزادت قربات رقية من شامة بغات تطلع ليها القميص لفوق على كرشها لاكن لفت انتباها نقط الدم تحت التوب ..هزاتو شوية طلات براسها ورجعات غطاتها وقالت كتبسم ودوز يدها على رجلها بحنان

رقية :ماوقع والو يللي (بنتي) ماتخافيش غيدوز عليك الحال

رجعات كلتوم هازة الزيت فيدها وتوب رطب..وقفات قدام رقية لي قالت بحنان كدلع شامة

-جيب حوايج نقيين لبنتي اكلتوم ، نبدل ليها حوايجها

دورات شامة راسها وبدا العرق كينزل مع جبينها وقالت بتعب

– عييت ادادا عييت

وقفات كلتوم هازة لحوايج ورقية مجلسة شامة وكتبدل ليها حوايجها

المشهد كان كيحبس الأنفاس، فيه واحد الرهبة ورقة كتوجع القلب. فاش بدات رقية كتحل ليها “العقاد” غير بالهداوة، بحال إلا كتحيد الغلاف على شي جوهرة نادرة.

شامة كانت طايحة، مستسلمة تماماً، وهاديك السخفة زادتها واحد الجاذبية غريبة. بشرتها كانت صافية وبياضها كيشعل، ومع العرق اللي كينزل منها، كان لحمها كيلمع تحت ضو الشمعة بحال إلا مدهون بالزيت، كيعطي واحد البريق مخملي كيسحر العين.

عنقها كان طويل وناصع، كيبين على واحد “النخوة” اللي ما كتقهرها مرضة ولا وجع. وكتافها اللي عراو عليهم حوايجها، كانوا رقاق ومنحوتين بدقة، كيبينوا على أنوثة فطرية، خام، ما محتاجة لا زواق ولا تصناع.

أما شعرها، فكانت خصلات منو مبللة ولاصقة ليها على صدرها وعلى جناب وجها، بحال خيوط الحرير الكحل اللي ملوية على المرمر. كانت فديك الحالة كتشبه لشي غزال جريح، الضعف باين فعينيها المغموضين، ولكن الجمال ديالها كان طاغي، جمال عربي أصيل فيه الهيبة والحيا.

حتى النفس ديالها اللي كان كيطلع وكيهبط بصعوبة، كان كيبين ليونة الجسد ديالها ورقتو. شامة فديك اللحظة ما كانتش غير مرا مريضة، كانت عنوان للأنوثة اللي كتدوخ، اللي كتجمع بين البراءة وبين الفتنة اللي خلات رقية بيدها تسكت وتأمل فسبحان من صورها.

كانو كيبدلو ليها جزء بجزء ويسترو جزء بجزء ..جمعات رقية الملابس المستعملة للجنب وحطات ليها توب ناعم رقيق داخل ملابسها الداخلية. . هزات شامة راسها شافت الدم فملابسها وقالت بتساؤل

-شنو هادشي؟؟

مسحات على يدها رقية و قالت كتبسم

-بلغات بنت وغتصوم معانا هاد رمضان ان شاء الله

حطات كلتوم يدها على فمها وتصدمات شامة وقالت

-شنو قلتي ادادا ارقية

غطاتها رقية وقالت بنفس التبسيمة

-ايوا راك تعطلتي ابنتي… هادا الجهد قراناتك صامو هادي عماين

بانت الصدمة على وجهه شامة..وكان باين فين مشا عقلها وفاش كتفكر .. وحتى دادا رقية فهماتها وقالت كتبسط معاها

-وغتزوج بنتي بحال قراناتها ..ونديرو ليها العرس ونقشو ليها الحني.

ردت شامة بخوف :مابغيتش نتزوج .. مابغيتش نمشي عند الشداد

رقية وهي كتمسح على كرشها

-وعلاش تخافي.. مالو غياكلك

شامة:غيحاسبني فموت خوه

رقية: كتبسم)ماعندو مااايحاسب..الى قد يجرح هاد الزين غير بضفرو نقولو بااز. وزايدون حنا منقولو لحد راه بنتي بلغات(شافت فكلتوم) ياك اكلتوم؟ ههه حتى تولف بنتي ..وتصوم معانا هاد العام والعام لي جاي..عاد نقولو راه صافي بنتي حق عليها الصيام

تبسمات كلتوم وشافت فشامة وحركات راسها بالايجاب ليها مع غمزة صغيرة

طقوس البلوغ عند العباسيين معروفة ومشهورة كيديروها لكل بنت بلغات سن الصيام .

هزات دادا رقية الحوايج وخرجات جهة شروق الشمس قبل ماينشف داك الدم . وقفات مقابلة مع الحيط فسطح داك الجناح وحلات دوك الحرايج وحطات صبعها على بقعة الدم الطرية هزات منها شوية وبدات تمسح فالحيط ثلاتة دالشرطات، واثناء هاد العملية كانو عينين ناعسين لاكن كبار مطرطقين حاضيينها من مور حيط طويل.. تلفتات فجأة بغات دور وقشعاتهم وبسرعة جمعات لحوايج ورا ضهرها وقالت عاقدة حجبانها

رقية:مالك اعبيبّوش كضور بجنابي ياك لاباس؟

خرج ليها من مورا داك الحيط بحال شي جني فالت من قصة قديمة، عبيبّوش اللي كان كينقز بخفة خلات رقية تدهشر.

كان قزم بقامة قصيرة بزاف، ولكن راسو كان ضخم ومهيمن على كتافه الضيقين، ومغطي بشوية ديال الشعر حرش ومبعثر بحال شوك القنفذ. وجهو كان عبارة عن تضاريس ديال التكماش، بحال شي جلدة قديمة يبسات تحت الشمس، ووسط داك الوجه المكمش كانت عينيه هما اللي كايخلعوا؛ كبار ومطرطقين لبرة، فيهما واحد البريق غريب كيشعل بالفضول والخبث، بحال إلا كيشوفو الحاجه قبل ما تطرا.

كان لابس سدرية قصيرة بلا كمام كاتبين يديه اللي طوال بزايد على قياس جسمه، وصبعانه غلاظ ومقوسين بحال مخالب الطير. رجليه كانوا مقوسين وشي لابس فيه “بلغة” وحدة والأخرى حفيان، كيمشي بيهم بواحد الطريقة غريبة، بحال إلا كيرقص فوق البيض بلا ما يهرسو.

وقف قدام رقية وهو ميله راسو لجنب، وواحد الضحكة صفراء بانت على فمه اللي فيه سنينات مفرقين، وبدا كيشمشم فالريح بحال شي قط شم ريحة الحوت، وعينيه متبتين غير على دوك الشرطات ديال الدم اللي فالحيط. نطق بصوت فيه بحّة مستفزة وكأنه كيخرج من قاع البير:

• “الدم سخون يا لالة رقية.. والحيط شرب البركة قبل ما يشربها التراب. واش هادشي ديال ‘شامة’ اللي كتقولوا عليها باقة صغار، ولا الساطة ديال العباسيين بدات كتحمى فداك الجناح؟”

خزرات فيه رقية وجمعات الوقفة، وزيرات على الحوايج اللي ورا ظهرها، وقالت بصوت واطي ومخنوق بالخوف:

• “سكت الله يمسخك.. هاد الهضرة إلا شمات ريحتها ‘لالة الكبيرة’ ولا السلطان، غتطير فيها رؤوس. حنا كاع ما صدقنا هاد الصلح يبرد الدم اللي سال بين الخليفة والسلطان، وأنت جاي دابا تنعق بحال الغراب؟ البنت يالاه شافت دمها اليوم، وعودها مازال طري على داك شداد وعلى صحراوتو.. بغينا نستروا ما ستر الله حتى يشتد عظمها شوية، والزواج راه لاحقين عليه.”

عبيبّوش، اللي كان جالس فوق الحجرة بحال شي بومة، حرك راسو بواحد الطريقة غريبة، وعينيه المطرطقين ما تحيدوش من على صباع رقية المصبوغين بدم شامة، وقال بلكنة فيها الخبث والرزانة فدقة وحدة:

• “تستري ما ستر الله؟ ياك أ لالة رقية؟ والخليفة نعمان اللي كيتسنى ‘الخبر اليقين’ باش يجمع الشمل؟ والأمير شداد اللي جالس فديك الصحراء كيحسب الأيام؟ راه إلا عرفوا بلي ‘الوارثة’ بلغات، القافلة غتخرج غدا قبل بعد غدا. وأنا.. أنا ما بقا ليا مقام فهاد القصر اللي حيطانو كتاكل ولادها. بغيت نمشي مع لالة شامة، نكون عينها اللي كتشوف فالظلام، وعقلها اللي كيفكر فاش كدوخها الروائح ديال القصور.”

قرب منها بجهد، وصوته ولا بحال فحيح الأفعى:

• “شوفي يا رقية، القصر هنا عامر عيون، ودم البلوغ ريحتو مجهدة وخا تغسليها بالمسك. إلا مشيت معاكم، غنكون أنا هو اللي كيشتت الريحة، وأنا اللي غيقلب الوشايات لمديح. خليني نكون فـ ‘الرواح’ ديال شامة، ونوعدك بلي سر البلوغ غيبقى مدفون بيني وبينك، والزفة غتأجل حتى تشبع شامة من ريحتك وريحة بلادها.”

رقية حست بلي كلام القزم “مسموم” ولكن فيه الدوا. عرفات بلي عبيبّوش ذكي كثر من القياس، وبلي إلا بقى فالقصر يقدر يبيع السر لأول واحد يدفع ليه، وإلا مشى معاهم غيكون “صمام أمان” بحكم معرفته بخبايا الأمور.

شافت فيه بنظرة حادة وقالت:

• “وعلاش باغي تمشي لهاد الدرجة؟ القصر هنا واكل شارب محترم.. آش بان ليك فديك الصحراء وفداك السفر اللي كيهد الجبال؟”

عبيبّوش وقف ونفض غبار الحيط على يديه، وشوفته مشات بعيد جيهت الأفق فين كاين الأمير شداد:

• “هنا أنا ‘قزم’ كيضحكو عليه الجواري والعبيد.. ولكن مع لالة شامة، غنكون ‘الحكيم’ اللي كيقرا النجوم. تمة كاين بداية جديدة، وهنا كاين غير الموت والحيط اللي كيتسمع. اختاري يا رقية.. واش نكون معاك ونستر السر، ولا نكون عليك ونولي لسان السلطان اللي كيوصل الأخبار؟”

رقية تنهدات بمرارة، وعرفت بلي ما عندها مفر، وقالت وهي كتحرك راسها بالموافقة:

• “الله يعطينا خيرك ويكفينا شرك يا عبيبّوش. سير دابا، غنشوف كيفاش ندخلك فالقائمة ديال ‘خدم الجناح’ اللي غيمشيو مع الأميرة، ولكن وحق مولانا اللي صورك، إلا غدرتي ولا زلقتي بلسانك، حتى نكوي داك اللسان بالعافية الزرقاء.”

ضحك عبيبّوش ضحكة خفيفة خلات رقية ترعد، ونقز من فوق السطح بحال الخيال، وهو كيقول:

• “العهد هو العهد يا رقية.. شامة غتزيد تكبر فحضنك، وعبيبّوش غيحضي ليها الطريق.”

نزلات رقية جامعة لكموسة فيدها بين دمالج النقرة الغلاض ومشات كتقلب على كلتوم .لقاتها جايا هازة مقراج فيدها خداتو منها وقالت

-اري المقراج وسيري وجدي ليا عصيدة بالحلبة والعتر وزيت العود وجيبيها ليا سخونة .يالاه سربي راسك وحد ماشافك

كلتوم:واخا دادا رقية..انا كنت نقت كنقلب عليك نعطيك المقراج .

شدات رقية المقراج ومشات لواحد البيت صبنات فيه الحوايج مزيان وعصراتهم

تسللت رقية إلى مخدع شامة بخطوات وئيدة، حاملةً في صدرها ثقلاً يوازي ثقل الجبال. كانت الغرفة تعبق برائحة البخور الممزوج برذاذ المطر الذي بلل أزقة القصر قبل قليل. شامة، تلك الصبية التي كانت بالأمس تجري وراء الفراشات في حدائق “العباسيين”، ترقد الآن فوق سريرها، شاحبة الوجه، تتقلب بين نيران الحمى وبرد الدهشة من جسدٍ بدأ يعلن تمرده عليها.

وضعت رقية الثوب بعد ما نضفته ” جانباً، وبدأت في طقوسها التي توارثتها الأمهات جيلاً بعد جيل، طقوس تخرج البنت من جنة الطفولة لترمي بها في معترك النساء.

شرطة الحيط” والتحصين

و أول حاجة هي دم البلوغ. كيتخاد منو شوية بصباع السبابة، وكيتدارو تلاتة د الشرطات فحيط عالي كيشوف فيه الشروق (باش يكون سعدها طالع) أو فدخلة البيت.

كيقولوا بلي هاد الطقس “كيحبس” الدم باش ما يجيش بموجات قوية، وكيعطي للبنت الهيبة.

تسللت رقية إلى مخدع شامة بخطوات وئيدة، حاملةً في صدرها ثقلاً يوازي ثقل الجبال. كانت الغرفة تعبق برائحة البخور الممزوج برذاذ المطر الذي بلل أزقة القصر قبل قليل. شامة، تلك الصبية التي كانت بالأمس تجري وراء الفراشات في حدائق “العباسيين”، ترقد الآن فوق سريرها، شاحبة الوجه، تتقلب بين نيران الحمى وبرد الدهشة من جسدٍ بدأ يعلن تمرده عليها.

وضعت رقية الثوب الملطخ بـ “دم البلوغ” جانباً، وبدأت في طقوسها التي توارثتها الأمهات جيلاً بعد جيل، طقوس تخرج البنت من جنة الطفولة لترمي بها في معترك النساء.

وليمة القَدَر المستور..لعصيدة والمساخن ..

فواحد الركن، كانت “قصعة” صغيرة دياللعصيدة و بالدجاج البلدي، عاطية منها ريحة “المساخن” والحلية والسمّن الحايل. هزات رقية لقمة بيديها ودارتها ففم شامة:

• “كلي يا الكبيدة ديالي، خاص عظمك يسخن ولحمك يشد راسو. هاد الماكلة غترد ليك اللون لوجهك، وتسخن عضيامتك”

جلسوها ووكلوها بشوية وعطاوها القرفة مغلية باض يفوتها الوجع شوية لاكن ردات ليهم كولشي فواحد الماعون ديال الطين ..لي بلعاتها كتردها .دازت عليها محنة وأنيها كيقطع فالقلب، غطاوها وجلسو حداها ستروها وماشافها حد. وفكل مرة يسول عليها السلطان كيعطيوه خبارها حتى لليوم التالي.صبحات شوية وحناكها حومر ..دخل عندها السلطان بحال عادتو يشوفها لقاها ناعسة ففراشها وغارقة فالنعاس. ووقف جنب راسها قاس خدها وقال

– مريضة؟؟

تبسمات دادا رقية وقالت

-صحة سلام الحمد لله ..غير قصرنا لبارح شوية حتى للفجر ..مانعساتش بكري

تبسم السلطان ويديه وراه وقال بخفوت

-خليها ناعسة..بلا منفيقوها

باس راسها بشوية ولحيتو نازلة طويلة وغطاها بهدوء وخرج من الغرفة بلا ميصدر حتى صوت.

اما دادا رقية بقات ماقبلاها ما تحركاتش من حداها وحاضية الداخل والخارج ..وصيفاتها كل مرة يسولو فيها وباغيين يدخلو عندها ..لاكن رقية منعات عليهم الدخول ..حتى حلات شامة عينيها وردات فيها النفس وفاتها وجع الكرش عاد لبسوها حوايجها وبقات كلتوم مرافقاها فكل خطوة كتخطيها

ايام الحيض دازت على شامة تقيلة..مارتاحت حتى تفكات من ديك الفوطة وداك المنضر المقرف لي كل مرة طل عليه.

اليوم صفات ودازت اول تجربة ليها مع الحيض.وكانت تجربة غير مقبولة بتاثا .

وليوم موجدة ليها دادا رقية طقوس متوارثة لاكن بسرية تامة .

دخلو البرمة سخونة لجناحها وسدو الباب باحكام ..وجلسوها بحال العروسة هي وكلتوم كيحيدو ليها ملابسها بهدوء وقدامهم جفنة كبيرة وصينية فيها مقادير من الطقوس.

هزات دادا رقية جلايلها فلحزام والسروال قندريزي كيطل مطروز بالاخضر وعمرات الجفنة كتسمي وترمي فيه اوراق السدر وقطرات الزهر واوراق الورد تحت مايسمى غسلة الطهارة او تعميد الجسد ..سبع ورقات من السدر وماش نقطر من الزهر لي ريحتو كسرات ودوخات الراس

شدات شامة غير بالهداوة، بحال إلا شادة شي حمامة مريضة، وبدات كتكب عليها الما دافئ. كانت كتمسح لحمها بواحد الثوب ديال “حياتي” رطب، وكترقيها فسرها: “بسم الله عليك يا ابنة السلطان، الله يبعد عليك عين الحسود، والتابعة لي تلسق فالحيوط”. الماء كان كينزل على كتاف شامة المرمرين، ورقية كتغسل ليها رجليها وهي كتحس باللي هاد اللحم الغض، غدا ولا بعد غدا، غيولي ملك لراجل آخر. كتمسح تغسل أطرافها برقة مفرطة، وهي تمتم بأدعية قديمة، تعاويذ تحمي هذا الجسد الغض من أعين الإنس والجن. كانت قطرات الماء تنحدر على جسد شامة مثل حبات لؤلؤ، ورقية تمسح بقطعة ثوب حريرية، وكأنها تمسح غبار الطفولة عن مرايا الأنوثة الناشئة. وعينيها كيبكيو وكتحاول تخفي دموعها على شامة بصعوبة

غطاوها بمنشفة وجلسوها على بوفة كبيرة من الجلد مريحة ، كانت كلتوم كتبع تعليمات رقية وتمد ليها الملابس وريحة البخور كتصرح فالارجاء ومع كل حركة كانت كتقوم بيها رقية كانت كترقي فسرها شامة وفصدرها غصة كاتماها بزز.

“حزام الحيا” او تضييق المدى..

كانت البنت قبل البلوغ مكتحزمش..لاكن فور بلوغها وبعد غسلة الطهارة كيحزموها تحزيمة شديدة شوية ، كما دارت رقية

أخرجت من صندوقها “مضمة” من الحرير الصقلي، مطرزة بخيوط الذهب الخافتة. طلبت من شامة توقف ، ولفّت الحزام حول خصرها النحيل، ثم شدّته بقوة جعلت الصبية تتنهد بعمق. وعقدات الحزام لور وجلساتها كتردد

المعودات ..-

زيري صبرك يا بنتي،” همسات رقية فوذنها وصوتها فيه بحة د البكا، “هاد الحزام راه ماشي غير زواق، هادا راه قيد الوقار. من اليوم، خصرك تحزم على همك وهم دارك، وليتي مرا وليك كلمة، ومشيتك خاصها تقال وتمشي بل ميزان.”

“وداع البرائة” الكحل والمرود..

مدات يدها لكلتوم تعطيها الصينية ..حطاتها حداها ،

وجلسات شامة قدام واحد المراية د الفضة، وجبدات مكحلة د العاج عامرة بالإثمد الحار. هزات “المرود” ودوزاتو وسط عيني شامة اللوزيتين. شامة غوتات واحد الغوتة صغيرة حيت الكحل حرقها، ونزلات دمعة حارة من عينيها. مسحاتها رقية بصبعها وقالت ليها:

• “هاديك الدمعة هي اللي بقات ليك من الطفلة اللي كنتيها. شوفي فالمراية، هاد العينين اللي تكحلوا اليوم هما اللي غيسحروا قلب لمير الشداد، وهما اللي غيشوفوا الغدر قبل ما يوصل ليك.”

كملات ليها بـ عرق د السواك حار، خلى شفايفها يتوردو ويوليو بحال لون الرمان، وزاد فجمالها واحد الهيبة خلات رقية براسها تسكت وتسبح للخالق. وتتنهد

رقية: كلتوم..هنا قعادك ماتحركش من حداها ..ماتخرج ما يشوفوها عينين ، هانا كنوصيك .

تحنات جمعات الصينية فرزمة وكمشات كلشي فجلابلها وكفضاتهم وخرجات وسدات الباب

ضرب الخيل فارض السلطان نعماان كيحمل مرسول من الامير شداد.. صهل وسط القصر ونزل الرسول وتقدم قدام السلطان ..حنا راسو عطاه المرسول وتراجع للخلف

كان السلطان فقاعة(سمي شي نوع من قاعات القصر ). جالس مع مستشاريه كيتبادلو اطراف الحديث فشؤون البلاد. لاكن فور ما مسك السلطان بالرسالة لي مسدودة بختم الامير خوا المكان وبقا السلطان بوحدو كيفتح رباط الرسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

من الأمير شدّاد بن نعمان، وليّ عهد الإمارة وحامل راية بيتنا،

إلى حضرة الخليفة نعمان بن راشد، والدي ومالك زمام البلاد، أعزّه الله وأدام ملكه،

السلام على مقامكم العالي ورحمة الله وبركاته، وبعد،

فإني أرفع إلى حضرتكم هذا الكتاب، وأنا أعلم ما للكلمة إذا خرجت في مثل هذه المواطن من وزنٍ وثقل، وما للسكوت أحياناً من تبعات أشدّ من الكلام.

لقد مضى عام كامل على ما تقرر بين بيتنا وبيت السلطان عباس بن منصور، في شأن العهد القائم بين الدولتين، وما أُجّل من أمر الرباط إلى حين اكتمال شروطه. وخلال هذا العام، لم أخرج عن طاعتكم، ولا خالفت رأياً صدر عنكم، ولا قصّرت في واجبٍ من واجبات الإمارة وما يقتضيه مقامي من حمل المسؤولية.

غير أني، يا والدي، رأيت من الواجب أن أخاطبكم اليوم بصراحة الابن الذي يعرف قدر أبيه، لا بمجاملة من يخشى قوله.

إن الأمر الذي عُلّق على مستقبلٍ لم يحن أوانه بعد، قد طال انتظاره، ولا يُعلم له أجل قريب، ولا يُدرى ما تأتي به الأيام من تبدّل في الأحوال والنيات. وقد رأيت أن أبقى معلقاً بين عهدٍ لم يتم، وحياةٍ لا تسير، ليس مما يليق برجلٍ يُنتظر منه أن يقود غيره وهو عاجز عن قيادة أمر نفسه.

ولذلك، فقد عزمت على أن أعقد زواجي بابنة عمي، ممن عرفتم أصلها، ورضيتم خلقها، وعلمتم ما بينها وبيني من مودة سابقة لا تخفى عليكم.

وإني لا أكتب هذا تمرداً على رأيكم، ولا استخفافاً بما تقرر بين المملكتين، ولا نقضاً لحرمة السياسة وشأنها، ولكن أكتبه رجاء أن تنظروا في أمري بعين الأب كما تنظرون بعين الخليفة.

فإن رأيتم في طلبي ما يُقبل، كان ذلك بركة منكم ورضاً أعتز به. وإن رأيتم غير ذلك، فإني أسمع وأمتثل، غير أني أحببت ألا أُخفي عنكم ما استقر في نفسي بعد طول صبر وتفكير.

أسأل الله أن يسدد رأيكم، ويحفظ لكم الملك والهيبة، ويجعلني عند حسن ظنكم في كل ما آتي وأذر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابنكم وولي عهدكم

شدّاد بن نعمام

بسم الله الرحمن الرحيم

من حضرة الخليفة نعمان بن راشد، مالك زمام البلاد، وراعي شؤون العباد،

إلى ولده ووليّ عهده، الأمير شدّاد بن نعمان، أيده الله وثبّت خطاه،

السلام على مقامك ورحمة الله وبركاته، وبعد،

فقد بلغنا كتابك، ووقفنا على ما تضمّنه من كلامٍ صدر عن عقلٍ نضجته الأيام، لا عن هوى عابر، وعن نفسٍ حملت ما حملت من الصبر حتى إذا تكلمت، تكلمت بميزان الرجال.

وقد علمنا ما مضى عليك من ثقل الانتظار، وما أقامك فيه الواجب بين طريقين: طريق الدولة، وطريق النفس. ولسنا نجهل أن بعض الأوامر، وإن صحت في ميزان السياسة، قد تكون شاقةً في ميزان القلب.

أما العهد الذي كان بيننا وبين بيت السلطان عباس بن منصور، فإنه كان رهناً بزمانه وظرفه، وقد تغيّرت الأحوال، وتبدلت وجوه كثيرة مما بُني عليه ذلك الرأي أول مرة. وما كان يُراد به دفع فتنة عاجلة، لا يلزم أن يبقى قيداً مؤبداً إذا زالت علّته وتحوّل وجه المصلحة.

ولذلك، فقد نظرنا في طلبك، فرأيناه أقرب إلى الحكمة من الإبقاء على أمرٍ معلّق لا يُعرف له تمام، ولا يُؤمن ما يورثه من اضطراب في نفسك وشأنك.

وعليه، فإننا نأذن لك بعقد زواجك بابنة عمك، ونرفع عنك ما كان معقوداً من انتظار ذلك الرباط المؤجل، على أن يتم الأمر بما يليق بمقام بيتنا، ويُحفظ فيه وجه الدولة وهيبتها.

وسنوجّه إلى من يلزم من أهل الرأي والكتاب ما يقتضيه المقام من إنهاء ذلك العهد السابق على وجهٍ لا يفتح باب خصومة، ولا يقدح في حرمة ما كان بين البيتين من اتفاق.

واعلم يا بني، أن رضا الأب عن ابنه لا يكون في طاعته العمياء، بل في صدقه إذا تكلم، ورجاحة عقله إذا اختار.

فأحسن القيام على بيتك القادم، كما نرجو لك حسن القيام على ملكك الآتي.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

الخليفة

نعمان بن راش

بسم الله مُجري الأمور على قدره، ومُبدّل الأحوال بحكمته،

من نعمان بن راشد، خليفة الديار وحافظ العهد،

إلى عباس بن منصور، سلطان الأرض الممدودة وحدّها المصون.

أما بعد،

فإنّا نبعث إليك هذا الكتاب توضيحاً لما بلغك، ورفعاً لكل ظنّ قد يتشعّب إذا سبق الخبرُ البيان.

قد تمّ عندنا عقدُ نكاح الأمير شدّاد بن نعمان على ابنة عمّه، وذلك أمرٌ جرى في دائرة الرحم، وتقدّم سببه قبل ما استجدّ من شؤون الدول والعهود، فرأينا إمضاءه صوناً للقرابة، ووفاءً بما كان موعوداً بين أهل البيت الواحد.

وليعلم مقامك العالي أن ما تمّ في شأن القربى، لا يمسّ ما انعقد بيننا وبينكم من عهد، ولا يُنقص منه حرفاً، ولا يبدّل مقصداً.

فالميثاق الذي قام بين دار الخلافة وسلطنتكم ما يزال ثابت الأركان، قائم الحرمة، محفوظ المكانة، لا يتزعزع بزواجٍ داخل البيت، ولا يتأخر بسبب صلة رحم.

وإن ابنتك الكريمة، السيدة شامة، ما زال لها من التقدير عندنا ما يليق بمقامها، وما زال اسمها مذكوراً في مجلسنا بالاحترام الذي تعرفه، محفوظ الحق، مصون المنزلة، لم يُرفع عنها نظر، ولم يُصرف عنها عهد.

واعلم، يا صاحب التاج والرأي، أن شدّاد وإن جمع بينه وبين بنت عمّه عقد قربى، فإنما ذلك شأن بيتٍ داخلي، أما ما بين الممالك فله مقام آخر، وحساب آخر، لا يُخلط هذا بذاك عند أهل السياسة والحكمة.

وقد رأينا أن نكتب إليك قبل أن تكثر الألسن، وقبل أن يتصرّف الخبر بلا زمام، ليكون البيان منّا، كما عهدتنا، صريحاً لا مواربة فيه.

فاثبت على ما بيننا من صفاء، وأبقِ يدك في يدنا كما كانت، فإن ما شُيّد بالدموع والدم، لا يُهدم بسوء فهمٍ ولا بعجلة ظن.

والسلام على مقامك، ورحمة الله وبركاته.

خُتم في دار الخلافة

نعمان بن راشد

وكان هذا رد السلطان عباس على الخليفة نعمان ..

بسم الله الذي تُردّ إليه المقادير، وتُوزن عنده النيّات والسرائر،

من عباس بن منصور، سلطان البلاد وحارس حدودها،

إلى نعمان بن راشد، خليفة الديار وصاحب المجلس المسموع.

أما بعد،

فقد بلغنا كتابك، ووقفنا على ما تضمّنه من بيانٍ وتوضيح، وفهمنا ما أردتَ به قطع الظنون قبل أن تتشعّب، وإغلاق باب التأويل قبل أن تدخله الألسن.

وقد سرّنا أن البيان صدر منكم مباشرة، فإن الأخبار إذا سبقت أصحابها أفسدت من المعاني أكثر مما تنقل.

أما ما ذكرتَ من عقد الأمير شدّاد على ابنة عمّه، فذاك شأن بيتكم، وأنتم أدرى بما يصلح أرحامكم، وأعلم بما يُحفظ به وداد القربى بينكم. ولسنا ممن يجعلون ما يجري داخل البيوت سبباً لخصومةٍ بين الدول، ولا باباً للطعن في التدبير.

وقد علمنا من كتابكم أن العهد القائم بيننا باقٍ على رسمه، ثابتٌ على أصله، لا تغيّره مستجدات القربى، ولا تنقصه عقود الأنساب الداخلية، وهذا عندنا موضع تقدير، إذ الرجال تُعرف بثباتها عند تغيّر الأحوال.

أما ابنتنا شامة، فهي عندنا أمانةٌ عزيزة، وما ذُكر لها من حفظ المقام وصون المنزلة، قد سمعناه ووعيناه، ونسأل الله أن تبقى الأمور دائرةً على ما فيه ستر البيوت وحفظ الوجوه.

واعلم، يا خليفة الديار، أنّا ما دخلنا هذا العهد ضعفاً، ولا بقينا عليه غفلة، وإنما اخترناه لأن السلم إذا قام على صدقٍ كان أقوى من ألف سيف، ولأن الدم إذا كثر بين الجيران أفسد الأرض على أهلها.

فإن ثبتُّم على ما كتبتم، وجدتمونا على ما عهدتم.

وإن صفَت النيّات، صفت الطرق بيننا.

وإن حُفظت الكلمة، حُفظ ما وراءها.

هذا، وقد قبلنا بيانكم كما ورد، وتركنا ما سواه لما ستكشفه الأيام من صدق الأعمال.

والسلام على من حفظ العهد إذا نطق، وأقامه إذا قدر.

خُتم في قصر السلطنة

عباس بن منصو

ما كانش شدّاد من الرجال اللي كيسكنو مكان… كان من الرجال اللي كيمشيو والمكان كيتشكّل من حولهم.

ولهذا، فوسط الصحراء الواسعة، ما كانش عندو مجرد مقام من خيام متناثرة، بل كان عندو مخيم كامل كيشبه مدينة صغيرة متنقلة، كتقوم فوق الرمل حيثما وقف، وكتتفكك حيثما أمر بالرحيل.

من بعيد، كان المشهد يبان بحال نجوم نازلة للأرض.

صفوف من الخيام الكبيرة والصغيرة، موزعة بنظام دقيق، وبيناتهم ممرات مفروشة بالرمل الممهد، والقناديل معلقة قدّام المداخل كتضوي بلون ذهبي هادئ.

فالوسط، كانت خيمة الأمير شدّاد.

أكبر الخيام، وأعلاهم قامة، منصوبة على أعمدة غليظة ملفوفة بأقمشة مطرزة، وأطرافها كتتحرك مع الريح بحال رايات صامتة.

مدخلها واسع، وستائرها منسوجة بخيوط داكنة وفضية، وكل من كيدخل ليها كيعرف أنه داخل لموضع القرار.

فالداخل، الزرابي الحمراء كاتغطي الأرض كاملة، والوسائد المرصوصة على الجوانب كتجمع بين الراحة والهيبة.

طاولة من خشب ثقيل فوقها خرائط، رسائل مختومة، وخناجر صغيرة لفتح الكتب.

وفزاوية أخرى، حامل للسيوف، ودرع قديم، وقوس صحراوي طويل.

أما فآخر الخيمة، فكان موضع نومه مفصول بستائر كثيفة، باش يبقى عالم الأمير بعيد حتى وهو داخل مقامه.

قريب من خيمته، ولكن ماشي ملتصقة بها، كانت خيمة زوجته.

خيمة واسعة، أقل صخباً من خيمة الحكم، ولكن أكثر نعومة.

أقمشتها أفتح لوناً، وستائرها معطرة، وداخلها صناديق الثياب، المرايا المصقولة، قوارير العطر، ومجالس منخفضة عامرة بالوسائد المطرزة.

حولها خادمات، وحارسات، ونسوة القربى.

المسافة بين الخيمتين ما كانتش بعيدة… خطوات قليلة تكفي للوصول.

لكن فحياة الملوك، ماشي كل قرب قرب.

أحياناً، بين خيمتين متجاورتين، كاين بحر كامل من الصمت.

كانت كاينة خيام أخرى كتحيط بالمقام:

خيمة للمستشارين،

خيمة للقادة،

خيمة للضيوف،

خيمة للطعام،

وخيام طويلة للخيل والصقور، كيتسمع منها بين الفينة والأخرى صهيل مكتوم أو رفرفة جناح.

فالليل، ملي كيسكت المخيم كامل، كانت الأضواء كتطفي خيمة بعد خيمة… حتى يبقى غير نور واحد كيبان من بعيد.

نور خيمة شدّاد.

ساهر وحده، بين ورق ورسائل، وبين قرارات ما كينعسوش.

ومن بعيد، من وراء ستار خيمتها، كانت زوجته تقدر تشوف ذاك الضوء باقي شاعل حتى آخر الليل… وتفهم أن الأمير قريب بالجسد، بعيد بالفكر.

والريح كانت كتمر بين الخيام، تحمل رائحة الرمل والعود… وأشياء أخرى ما عندهاش اسم

الليل كان نازل على مضارب شدّاد ببطء، والسماء فوق الصحراء صافية بشكل يزيد السكون ثقلاً.

القناديل داخل الخيمة كانت شاعلة بنور ثابت، لا قوي ولا ضعيف، كأنه ضوء مصنوع فقط للرسائل التي تأتي في ساعات التفكير. جميع الخيم اطفأت نورها الى نور خيمة الامير مزال قناديلها مضيئة

شدّاد كان جالس وحده عند الطاولة الخشبية، أمامه خرائط مطوية، وخاتم من فضة، وسكين صغيرة لفتح الكتب والرسائل.

ثوبه منساب فوق كتفيه..بدون عمامة

، شدّاد بلا عمامة كان كيبان مختلف… ماشي أقل هيبة، بل أكثر قرباً من حقيقته، كأن نزع العمامة ما كيحيدش الوقار، وإنما كيزيح آخر ستار بين الرجل وصورته.

شعره كان كثيف، داكن، مائل للسواد اللي لامساته الشمس سنين حتى عطاتو لمعة دافئة. ما كانش طويل بشكل مترف، ولا قصير بإهمال، بل واصل للطول اللي كيعطيه حرية الحركة، كيتراجع للخلف بخصل ثابتة، وبعضها كيطيح على الجبين إلا هزّ الريح باب الخيمة أو خرج فوق صهوة حصانه بسرعة.

جبهته كانت عريضة وصافية، كتبان فيها ملامح رجل كيعتمد على نظره قبل سيفه.

منين كتنحيد العمامة، كيبان خط الرأس واضح، وكيولي الوجه أكثر صراحة، أكثر مباشرة.

حواجبه غلاظ ومتناسقين، كيعطيو لعينيه إطار قوي.

وعينيه هما أكثر حاجة كتشد الانتباه: حادّين، عميقين، فيهم صفاء الصحراء وقساوة الليالي الطويلة. ما كانوش عيون كتكثر الكلام، بل عيون كتخلي الآخرين يراجعو كلامهم قبل ما ينطقوه.

أنفه مستقيم، مرسوم بحدة رجولية، وملامح خده منحوتة، فيها أثر فارس كيتعرض للشمس والريح أكثر من المرايا.

لحيته كانت مرتبة، لا طويلة بزاف ولا محلوقة، كتغطي الفك بقوة، وتزيد تبرز صلابة ملامحو. وإذا سكت، كان الفك ديالو كيبان مشدود، بحال رجل متعوّد يحبس ما داخلو.

رقبته قوية، والكتاف عراض، ومنين يكون بلا عمامة وثوبه مفتوح من الأعلى، كيبان صدره بلون أخذته الشمس، فيه أثر حياة الميدان ماشي حياة القصور.

بلا عمامة، شدّاد كان كيبان أقل “أميراً” فالمظهر… لكن أكثر خطورة فالحضور.

حيت العمامة كانت كتعلن مقامه، أما وجهه الحقيقي فكان كيعلن شخصاً آخر:

رجل صنعته الصحراء، وعلّمتو السلطة، ولكن ما روّضاتوش بالكامل،

صدره كان مفتوحاً لنسمة الليل، كأن الرجل الصلب وحده يعرف متى يحتاج الهواء. مشهد رجولة خامة ما فيهاش تصنّع ولا ترف زائد.

صدره كان عريض ومتناسق، مبني بصلابة واضحة، بحال جسد تعوّد على ركوب الخيل، المشي الطويل، والوقوف فالبرد والحر. الجلد ديالو كان مائل للسمرة، لون أخدتو الشمس ديال الصحراء حتى ولى جزء من ملامحو، ماشي مجرد لون عابر.

فوق عظمة الصدر، كيبان أثر خفيف ديال عضلات مشدودة، ماشي مبالغ فيها، ولكن واضحة كدليل على حياة فيها حركة وقوة. وعظمة الترقوة كانت مرسومة بوضوح تحت الضوء، كتزيد تعطي للصدر شكل أكثر حدة ورجولة.

كل نفس كان كيرفع صدره بشوية وكيهبّطو ببطء، وهاد الحركة البسيطة كانت كتعطي إحساس بأن الجسم ديالو ماشي ساكن… بل ديما مستعد، بحال سيف مازال فالغمد ولكن جاهز يخرج فثانية.

ومع كل نسمة ريح كتدخل من فوهة الخيمة أو من طرف الثوب، كان القماش كيتهز شوية ويكشف أكثر عن ذلك التوازن بين القوة والهدوء… رجل ما كيبانش عليه أنه كيحاول يفرض نفسه، ولكن وجوده بوحدو كافٍ باش يملأ المكان.

كان صدره، فديك اللحظة، بحال عنوان صامت:

ما بين القوة اللي كتواجه العالم… والصمت اللي كيتحكم فيه

وصل. الرسول فداك الوقت المتأخر منهك بمشقة الطري دخل بعداذن، انحنى، ومدّ الرسالة.

خدا المرسول وغير شاف الختم لي ساد الورقة الملفوفة عرف مصدره قبل مايقراه .تلفت بهدوء كيفتح الخيط وفتح الرسالة بدا كيقرا اول الكلمات وهوا كيجلس فمكانه المفضل لي كيطل على ديك الواحة الخضرا المزينة بالقناديل والخوامي مدلية من الاعمدة. تكا على ضهرو وخدا راحتو، صدره كان مفتوحاً لنسمة الليل،وشعرو كيطيحو الهواء فوق جبينه..هز ركبته قدامو وشد الرسالة بين اصابعه متكي يدي امهمه على الركبة وبدا ،

أول ما وقعت عينه على الخط، عرف أن اليد نفسها رجعت إليه… اليد اللي ما كتكتبش أوامر، ولا تتقن التمويه، بل تفضح ما في القلب رغم محاولة الستر.

إلى الأمير شدّاد بن نعمان،

أكتب إليك هذه المرّة وقلمي أثقل من يدي، كأن الحروف تعرف قبلي ما يصعب قوله.

بلغني خبر زواجك، كما يبلغ الغيث أرضاً بعيدة… يُسمع أولاً، ثم ينزل أثره بعد حين. ولم أدرِ ما الذي وجب عليّ أن أشعر به: أأفرح لك بما اختاره لك أهلك، أم أخاف ممّا تركه الخبر في طريقي أنا.

منذ أيام، وكل من حولي يتحدثون عن الغد كأنه شيء قريب، وأنا وحدي أشعر أنه يقف عند الباب ولا أدري هل أفتحه أم أهرب منه.

صار اسمي يُذكر أكثر مما اعتدت، وصارت النساء إذا دخلن عليّ يطلن النظر في وجهي، ويخفضن أصواتهن إذا مررت.

وأشياء كثيرة كنت أعدّها عابرة، صارت تُحسب عليّ وكأنها إشارات لا أفهمها كلها.

حتى ثوبي الذي كان يُختار لي بلا رأي، صرت أمدّ يدي إليه بنفسي، وأتردد بين لون ولون.

وشعري الذي كنت أتركه مهملاً، صرت أجمعه ثم أرسله، ثم أعيد جمعه بلا سبب واضح.

لا أدري لمَ أقول لك هذا… لكني أشعر أن أيام الطفولة تمشي من حولي بخطى خفيفة، وتتركني وحدي في مكان جديد لم أتهيأ له بعد.

أما أنت، فقد صار لك بيت، وصار لك من تؤنس وحدتك وتشاركك مجلسك واسمك. وذلك أمر لا يُعاب، بل هو مما يكتبه الله للناس.

ولهذا… خطر لي أن بعض الأبواب إذا فُتحت في جهة، لعل أبواباً أخرى ينبغي أن تُغلق برفق.

أنا لا أملك أن أقول أكثر من هذا، ولا يليق بي أن أطلب ما ليس لي حق طلبه.

لكنك رجل، وتفهم ما تعجز النساء عن التصريح به حين تُربّى ألسنتهن على الصمت.

إن كان في الأمر سعةٌ تُريح القلوب من انتظارٍ طويل، وتردّ كل اسمٍ إلى موضعه الطبيعي، فربما كان ذلك أهون على الجميع، وأستر للوجوه، وألطف بمن لا حيلة لها إلا الدعاء.

وإن كان لا بدّ لما كُتب أن يمضي، فأسأل الله أن يجعل فيه من السكينة ما يغلب خوفي، ومن الرحمة ما يسبق خطاي إليه.

لا أكتب إليك شكوى… بل أكتب كما تكتب من تقف على عتبة باب لا تعرف هل تدخل منه امرأةً، أم تخرج منه شيئاً آخر.

والسلام عليكم

الاميرة شامة

كان ديما كيشوفها فخيالو كيف كانت فالبداية…قبل ثلات سنوات مضت على خطبتها وعلى أول رسالة رسلات ليه .

طفلة هادئة فزاوية القصر، خفيفة الخطى، ما زال العالم ما لمسهاش مزيان، وما زال الاسم ديالها ما خرجش من دائرة البراءة. كان كيرسمها بلا ما يحس: وجه صغير، نظرة نقية، وصمت كيشبه الصباح قبل ما تصحى الضوضاء..وفنفس الوقت كيتأسف على قدرها اللي حطها فطريقو وتمنى لو مكانش وقع لي وقع وتحطات قدامو

الرسالة اللي بين يديه دابا، ما خلاتش هاد الصورة تبقى واقفة.

من أول سطر، حسّ أن الكلمات ما كتكتبش من يد طفلة.

“صار اسمي يُذكر أكثر مما اعتدت…”

توقف.

الورقة ما بقاتش مجرد خطاب، ولات نافذة.

شافها فخيالو واقفة وسط ممر طويل فالقصر، خطوات الناس كيدوزو من جنبها، ونظرات ما كانتش كتهمها من قبل ولات كتحس بها.

ماشي طفلة كتلعب، بل بنت بدات كتحس بثقل اسمها فوق كتافها.

“صرت أختار ثوبي…”

هنا تبدّل المشهد أكثر.

ما بقاتش تلك الصغيرة اللي كتُلبس بلا رأي.

بدا كيشوفها واقفة قدّام أقمشة ممدودة، يدها كتتردد بين لون وآخر، كتجرب الاختيار لأول مرة، وكأنها كتجرّب نفسها.

في هاد التردد، ما كانش لعب… كان وعي .

“أجمع شعري ثم أرسله…”

هنا وقع الكسر الهادئ للصورة القديمة.

شدّاد حسّ الخيال ديالو كيتزحزح من مكانه.

الطفلة اللي كان راسمها، تلاشت بلا ضجيج… وبدالها ظهرت صورة أخرى:

شابة واقفة قدّام مرآة، شعرها طويل بين يديها، كتجمعو مرة وكتطلقو مرة، وكأنها كتتعلم كيفاش تكون “هي” بلا ما يسميها أحد.

في هاد اللحظة، الرسالة ولات أكثر من كلمات.

ولات شهادة على انتقال خفي… من عمر ما كيُحمّلش المسؤولية، إلى عمر بدا كيحس بثقل النظرات والمعاني.

ما تحركش…

غير عينيه بقات معلقة فالسطر الأخير، ولكن ما كانش كيقراه بوحدو…

كان كيشوف من خلاله شي حاجة أخرى:

بنت ما بقاتش طفلة فتصوّره، ولا بعدت لدرجة المرأة المكتملة…

بل واقفة فمنتصف الطريق، بين صورتين كيتصادمو بصمت.

وهنا فهم شدّاد حاجة ما قالتهاش الرسالة مباشرة:

أن الزمن ما بقاش واقف عند الصورة اللي كان حاطها ليها…

وأنها حتى هي، بدات كتخرج منها بشوية بشوية، بلا ما تطلب الإذن من أي أحد.. وهاد التغيير ماشي جديد ..ربما داز عليه شي عام ولا عماين وبقا مستور

رسالتها كانت أبلغ من مية رسالة ديال الخليفة؛ هي ما طلبتش منو يطلقها، وما طلبتش منو يتزوجها.. هي سلماتو “مفتاح” كرامتها، وخلات ليه هو شرف الاختيار.

تمهل فالرد وخدا وقتو فالتفكير..وعاود قرا الرسالة من جديد وكرر بعض الاسطر ،ثم استاقدم فالجلسة. وهز ريشة من ريش النعام وورقة نقية كنقاوة قلب شامة وبدا يكتب الرد بخط عربي متقن . والكلمات كتقرا موراه بصوت مسموع فداك السكون والهواء الدافيىء لي كيحرك الخوامي.

بسن الله الرحمان الرحيم..

من الأمير شدّاد بن نعمان،

إلى مقام الأميرة المصونةشامة

اما بعد ،

فقد بلغنا كتابكِ، ووقفنا على ما خطّه بنانكِ من كلامٍ يفيضُ رزانةً ويقطرُ عزةً. ولقد صدقَ ظني حين قلتُ إن بيوت الملوك لا تُنبتُ إلا الحكمة، وإن كنتِ قد غبتِ عن عيني، فقد عادت إليّ حروفكِ لتخبرني أنكِ اليوم امرأةٌ تتقنُ صياغة الكرامة قبل صياغة العبارات.

يا ابنة السلطان، سأخاطبكِ بلسان الأمير الذي لا يعرفُ لغو الكلام، ولا يرتضي لغير الصدقِ في مجلسه مكاناً. نعم، لقد عقدتُ قراني على ابنة عمي، وهي التي كان لها في النفسِ موضعٌ وفي القلبِ عهدٌ قديم وفيتُ به قبل أن تضع الأقدارُ أحمالها بيننا. وقلبي، يا شامة، لم يكن يوماً ملكاً لي لأجامل به في مواطن الحق، بل هو أمانةٌ أرددتُها لأصحابها.

غير أني أعلمُ، كما تعلمين، أن الرّباط الذي يجمعُ بين بيتنا وبيتكم هو عهدُ دولٍ وميثاقُ دماء، لا نملكُ أنا ولا أنتِ ردهُ دون أن نفتحَ ثغرةً في جدارِ السلمِ الذي بُني بالصبر. نحنُ أسرى لعهودنا، وعلينا أن نمضي فيما كُتب على أهلِ الحزمِ والمقام.

لكن، خذي مني عهد الأمير الذي إذا قال فعل: إن زواجي من ابنة عمي لا ينقصُ من قدركِ ذرة، ولا يمسُ مقامكِ عندي في شيء. لن تدخلني عليكِ غاصباً، ولن أكونَ لكِ إلا الحامي الذي يحفظُ هيبتكِ، والسند الذي يُعلي شأنكِ. ستأتين إلى إمارتي أميرةً عزيزة، لكِ صدرُ المجلسِ ووقارُ الاسم، ولن أطلبَ منكِ وداً لم ينشرح له صدركِ، ولا طاعةً لم يأمر بها عقلكِ.

ادخلي بيتي آمنةً، واعلمي أن مقامكِ محفوظٌ بعهدي، وسأحترمُ فيكِ تلك الأنفة التي سكنت سطوركِ، حتى يكتب الله في الآجال ما يشاء، ويقضي في القلوب ما هو قاضٍ.

والسلام على مقامكِ ورجاحة عقلكِ.

شدّاد بن نعمان

يلاه طوى الأمير شداد الرسالة، وحط الختم ديالو فوق الشمع الأحمر وهو كيتنفس الصعداء، كأنه كيحاول يبرد العافية اللي شعلاتها فيه كلمات شامة الرزينة. فديك اللحظة، تسمع صوت خلخال خفيف، وصوت خطوات تقيلة وموزونة عند الباب.

تفتحات الخامية د الحرير، ودخلات “شريفة”.. ابنة عمه، والزوجة اللي سكنات قلبه قبل ما تسكن قصره. كانت شريفة فـ “أواخر حملها”، وكرشها الباينة كانت كتحكي قصة الحب والذرية اللي كبرت مابينهم. كانت غادة ويدها محطوطة بسند على خصرها، ووجها فيه داك النور الطبيعي ديال لعيالات الحوامل، ممزوج بواحد التعب زوين كيزيدها وقار وهيبة.

رفع شداد راسه، وغير شافها، تبدلات الملامح القاسية ديال وجهه ولات لينة بحال إلا ما عمره عرف الحرب. ناض من مكانه بسرعة وقرب ليها، شد يديها بجوج وباسهم بوقار:

• “شريفة.. علاش عذبتي راسك وقمتي فهاد الوقت؟ كان عليك ترتاحي، راه ‘ولي العهد’ الصغير محتاجك تكوني هانية.”

ابتسمات شريفة واحد الابتسامة رقيقة، وشافت فداك المكتوب اللي فوق الطاولة. كان عندها فضول كبير تعرف شنو مخبي داك الورق المطوي، وشنو هما الخبار اللي خلات الأمير يحبس راسو فخلوتو ساعات طويلة. شافت فيه بواحد النظرة فيها العتاب مخلط بالحنان، وقالت بصوت رزين:

• “الراحة ما كاتعرفش طريقي وأنت محبوس فهاد الخلوة يا ابن عمي. شفت المرسول واقف برا والحرير ملفوف فكل قنت، وقلبي قالي باللي ‘الحمل’ اللي هازو على كتافك هاد الأيام، أثقل حتى من هاد الحمل اللي هازاه أنا فجوفي.”

شداد سكت لواحد اللحظة، وحس بالصدق ديال كلماتها. حط يده على بطنها بكل حنان، وبدا كيمسح عليها وهو كيشوف فعيونها:

• “هادي غير ترتيبات لابد منها يا شريفة.. أمور ديال الإمارة والعهد اللي خاصو يوفى. ما بغيتش نصدع ليك راسك بضجيج المكاتيب وأنتِ فهاد الحالة.”

شريفة تنهدات، وغمضات عينيها وهي كتحس بدفء يده. وخا كان كياكلها الفضول تعرف شكون صاحب الرسالة وشنو مكتوب فيها، إلا أنها بقات محترمة صمته، حيت عارفة باللي شداد ما كيخبي عليها غير اللي غيؤذي خاطرها.

قالت وهي كتحاول تبتسم:

• “الله يسهل عليك ما صعاب، ويجعل في كاع قراراتك البركة. أنا جيت غير نتطمن عليك، ونفكرك باللي حنا محتاجين لضحكتك أكثر مما كتحتاج لرزانة المكاتيب.”

خرج شداد من الخلوة وهو هاز الرسالة، ولكن ريحة شريفة والحس ديال ولده بقاو معلقين فثيابه. كان كيحس بواحد الثقل غريب؛ كيفاش غيقدر يجمع مابين هاد “العلاقة ” اللي عامرة حب ووفاء، وبين “الوافدة” اللي خارجة من بيت اهلها لعندو وهي ماليها حتى يد فلي كيصرا

شامة.. زهرة اللوز التي أزهرت في ليلة عاصفة

لم يكن تحول شامة من طفلة إلى امرأة مجرد مرور للأيام، بل كان أشبه بـ “انتفاضة” صامتة للجسد والروح. تلك الصبية التي كانت تملأ ردهات القصر بصخب ضحكاتها، وتركض حافية القدمين خلف الفراشات في البساتين، اختفت لتترك مكانها لـ “سلطانة” غير متوجة، تفيض بالأنوثة والكبرياء.

• تمدد جسدها النحيل واستقام، ليصبح فارعاً كالنخلة الممشوقة بأنوثة صارخة ، اختفت حركات الطفولة المتسرعة، وحلت محلها خطوة ثقيلة، موزونة، كأنها تحسب وقع أقدامها على الأرض بميزان الذهب.

وجهها الذي كان بالأمس مرآة للبراءة المستديرة، تصفى وحددت ملامحه برقة بالغة، ليصبح كـ “مرآة الفضة”. عيناها اللوزيتان ازدادتا توسعا واشراقا وبريقا بلون فيروزي يسبح في بحر بياض عيونها وتوسعها ، بريق بهيج تحيطه رمشو طويلة تسحب العين بلطافة ، بريق حائر بين “الرفض” و”التحدي”، لا يجرؤ أحد على إطالة النظر فيهما خوفاً من الغرق في بحرهما.

شعرها البني الذي كان يطايره الهواء عبثاً، صار مجمعاً بعناية، ينساب كالشلال المتدرج على كتفيها، وتزينه سلاسل الذهب الرقيقة التي تليق بمقامها. حتى بشرتها اكتست بلون الورد الرملي، وصارت تلمع بنور طبيعي يزيدها بهاءً.

صمتت ضحكتها العالية، وحل محلها همس رزين، له صدى عميق في القلوب. كلمات القليلة صارت موزونة، تخرج من فمها كـ “الجواهر”، تحمل في طياتها حكمة لم يعتدها الناس في سنها.

ولدت في داخلها “امرأة” ترفض أن تكون مجرد “رهينة” لصلح سياسي. كبرياء ابنة السلطان استيقظ في عروقها، وصارت تنظر إلى الغد ليس كـ “ضحية”، بل كـ “مقاتلة” بجمالها وعقلها. لم تعد تخشى المجهول، بل صارت تتحداه بأنفة لا تليق إلا بالملوكات.

في جناحها الساكن، حيث تفوح رائحة بخور “العود القماري” وتمتزج بنسيم الحديقة المنسلّ عبر المشربيات، كانت شامة تجلسُ أمام مرآتها الفضية، وكأنها لوحة صامتة تفيض رهافةً ودلالاً. يداها الرقيقتان، بأصابعهما الممشوقة، تمسكان بالرسالة التي بعثها الأمير شداد، بينما ينساب شعرها البني على كتفيها كشلالٍ من حرير.

فتحت الرسالة بـتؤدةٍ، وعيناها الفيروزيتان الواسعتان، اللتان يغرق بياضهما في بريقٍ ساحر، تتنقلان بين السطور بهدوءٍ حذر. ومع كل كلمةٍ تقرأها، كانت ملامح وجهها الصافي “مرآة الفضة” تتغير بلطافة، كأنها تعيد اكتشاف ذاتها في مرآة الحقيقة المرة.

وقع الصدق على القلب الرهيف:

حين قرأت اعترافه الصريح بحبه لابنة عمه “شريفة”، لم تشعر شامة بنار الغيرة، ولم يستيقظ في صدرها كبرياءُ التحدي لتسرق قلبه. بل شعرت بـ**”برودةٍ”** عجيبة سكنت أطرافها؛ كان إحساساً يمزج بين الوجع الرقيق لأنوثتها التي لم تجد صدى في قلبِ زوجها المستقبلي، وبين “الراحة” التي تنشدها كل نفسٍ حرة. بالنسبة لشامة، التي لم تكن تكنُّ لشداد سوى “فضول المجهول”، كان صدقه بمثابة “حجابٍ” يحمي عالمها الخاص.

لقد أحست بأنها مُعفاة من عناء تمثيل دور “العاشقة”، وأن قلب شداد المشغول بغيرها سيترك لها مساحةً لتكون هي كما تريد، بعيداً عن صراعات القلوب المنهكة.

البحث عن مرفأ الأمان:

كانت شامة تبحث في طيات الورق عن “الأمان” لا غير. وحين تعثّرت عيناها بعهده لها بالكرامة والوقار، وأنها ستكون أميرةً معززةً في بيته، تنهدت تنهيدةً عميقة أخرجت معها كل ثقلِ القلق. هنا، لمست في كلمات شداد “فروسيةً” قديمة؛ فهو لم يخدعها بوعودٍ زائفة، بل رسم لها حدود “الاحترام” الذي تطمح إليه كل ابنة سلطان.

أنزلت شامة الرسالة بـدلالٍ، ووضعتها فوق حضنها، ثم أغمضت جفونها الطويلة التي تظلها رموشٌ كثيفة كخيوط الليل. في تلك اللحظة، لم تفكر في شريفة كـ”ضرة” أو منافسة، بل فكرت في ذلك “البيت الكبير” الذي يجمعهم. قالت في سرها:

“مادام الصدقُ هو مدادُه، فلا خوفَ من المجهول. الأمير شداد ملكٌ لقلبه، وأنا سأكون ملكةً لكرامتي. لا يهمُّني أن أحتل قلباً يسكنه غيري، ما يهمني هو أن أجد في ذلك القصر البعيد ‘سَكَناً’ يحترم رقتي، ويصون كبريائي.”

التفتت إلى دادا رقية لي كانت واقفة وراها حاطة يد على يد قدام كرشها ، وكانت عيناها الفيروزيتان تلمعان ببريقٍ هادئ، وقالت بصوتٍ رخيم فيه بحة الأنوثة والرزانة:

• “لقد وضع الأمير النقط على الحروف يا دادا. رحلتي لن تكون رحلة بحثٍ عن حبٍ مفقود، بل رحلةً نحو أمانٍ موعود. سأذهب إليه بوقاري، وسأحمل معي صمتي الجميل، فالمستقبلُ في يدِ الخالق، والصدقُ خيرُ رفيق.”

في ديك اللحظة، طوت شامة الرسالة، وطوت معها صفحة الطفولة القلقة، لتستعد لركوب الهودج وهي “هانية” الخاطر، تسبح في بحر من الأنوثة والترفّع الذي لا تتقنه إلا الأميرات من طينتها.

الآن، القافلة تقف على أهبة الاستعداد، والخيل تصهل في المشور.

من بعد ما تحلات بيبان القصر الكبيرة، وتلاشت أصوات البارود وزغاريد الوداع،خرج هودج لاللة شامة المصونة وهي داخله كأنها فـ عالم بوحدو، عالم عامر بـ ريحة المسك ووقار الحرير. القافلة واقفة تشق طريق الصحراء، والخيل غادية كتمخطر بحال يلا هازة فوق كتافها أمانة من ذهب.

القافلة غادية وجارا موراها ديل طويل من الفرسان على صهوة الخيول.. ووفد كبير فيه خدم وحشم مرافقين الاميرة وأولهم دادا رقية لي راكبة على الجمل ولافة وجهها كامل بالوشاح ومغطية مكتبانش. القافلة كتبعد على عيون الناضرين من القصر وهما كيشيرو بيديهم فالافق متبعين ليهم الزغاريد. مكان على السلطان عباس غير الصبر فهاد الاثناء والصلاة لي خففات عليه شوية قبل ما يرسل مرسول للسلطان نعمان ومرسول للامير شداد.

من السلطان عباس إلى الخليفة نعمان

“باسم الله الفاتح لكل باب، وحافظ العهود بمداد الكتاب..

إلى مقام أخينا الجليل، الخليفة الموقر نعمان بن راشد، راعي البلاد وحامي الذمار..

أما بعد، فإن العهود عند كرام الرجال ديونٌ لا تبرأ منها الذمم إلا بالوفاء، وإن الأمانات في أعناق الأحرار ميثاقٌ غليظٌ لا تزيده الأيام إلا رسوخاً. نخبر مقامكم العالي، أن ‘الأمانة’ التي استودعتمونا إياها في سنوات الصبا، قد أينعت اليوم في بستاننا، ونضجت تحت ظلال وقارنا؛ ابنتنا الأميرة ‘شامة’ قد بلغت مبالغ النساء، وصارت زهرةً ناضرة بجمالها، وحصناً منيعاً برزانتها وعقلها.

واليوم، نبرُّ بعهدنا ونفي بميثاقنا، ونعلن إليكم أن ‘الوديعة’ قد خرجت من حوزتنا لتستقر في كنفكم. لقد انطلقت القافلةُ من أسوار قصرنا، يتقدمها الصدق ويحرسها الدعاء، حاملةً إليكم نوارة بيت العباسيين لتزفّ إلى مقام ولي عهدكم، الأمير شداد، على سنة الله ورسوله، وبما يقتضيه شرف النسب وحق المصاهرة.

لقد سلمناكم قطعةً من روحنا، صانها الله في مخدعها، فاستقبلوها بما يليق بقدرها، وارعوا فيها حرمة هذا الصلح الذي جعلناه رباطاً لا ينفصم بين ديارنا. بارك الله في خطى أبنائنا، وجعل هذا الزواج باباً للسكينة والرخاء، وحصناً يجمع الشمل تحت ظلال العز والتمكين.

والسلام على من حفظ العهد، وأدى الأمانة.”

كان الأمير شداد في مجلسه الخاص، المجلس اللي كيشوف على فيافي الرمل اللي غتجي منها القافلة دون علمه لحدود الساعة . دخل عليه الحاجب بوقار، وهز بين يديه الرسالة المختومة بختم العباسيين. شداد غير شاف الختم، أحس بـ واحد “النغزة” في قلبه؛ ماشي خوف، بل هيبة من الموقف.

فتح الرسالة بـ رزانة، وبدأ كيقرأ كلمات السلطان عباس. ومع كل سطر، كان حاجبو كيتجمع، وصدره كيطلع وكينزل بـ ضيق خفيف.من

• وقعه تجاه “العهد”

من السلطان عباس بن منصور، إلى مقام الصهر العزيز، الأمير شداد بن نعمان.

أما بعد،

فإليك يا شداد نبعثُ بأغلى ما نملك، ونودعُ في ذمتك ‘شامة’ ابنتنا ونوارة بيتنا، بعدما أتمت نضجها وأينعت في كنفنا. إنها اليوم تخرج من حمانا لتدخل حماك، ومن ظلالنا لتستظل بفيئك، فلا تنسَ أنها أمانةُ الله في عنقك، ووثيقةُ الصلح التي عقدنا بها الأمل.

أوصيك بها خيراً يا ابن نعمان؛ فـ شامة ابنة سلاطين، نشأت على العزة، وتغذت على الوقار، ورقتها لا يكسرها إلا الجفاء. كن لها سكَناً ووقاراً، تجدها لكَ حصناً وداراً. احفظ فيها غيبتنا، وصُن فيها كرامتنا، وليكن عهدك لها بالمعروف هو ميزان رجولتك وقدرك عندنا.

لقد سلمناك الروح والوديعة، فكن خير مؤتمن، وخير زوج، وخير رفيق. بارك الله لكما، وجعل بينكما مودةً ورحمة لا تنقضي.

والسلام.”

بعدما طوى الأمير شدّاد رسالة السلطان عباس، خيّم صمتٌ ثقيل على أرجاء خيمته العظيمة، صمتٌ يشي بوقارِ اللحظة وعظم المسؤولية. وقف الأمير بهيبته الصحراوية، وألقى نظرةً فاحصة على كثبان الرمل الممتدة خلف رواق الخيمة، وكأن عينه ترسمُ مسار القافلة القادمة عبر المدى.

بخطواتٍ رصينة، خرج الأمير إلى وسط المخيم، حيث كانت “العافية” تشتعل بوقار وتُرسل شراراتها نحو السماء. أمر بإحضار كبار قادته وأعيان قومه، ووقف بينهم كالجبل الأشم، وأصدر أوامره بلهجة حازمة لا تقبل التراخي:

أولاً: تأمينُ المدى وتقصّي الأثر

أمر شدّاد بخروج طليعة من فرسان النخبة، يقودهم أكثرهم درايةً بمسالك الرمل. كلفهم بشق الفيافي لاستقبال القافلة عند “عرق الرمل”، مع تشديده على ضرورة إحصاء عدد الركب ودقة التشكيل، وإرسال مبعوث سريع بالخبر قبل وصول الهودج، لضمان أمن الطريق وتأمين المداخل من أي طارئ.

ثانياً: تهيئةُ “المقام” السلطاني

اتجهت الأوامر فوراً لتهيئة الخيام الكبيرة نزل الأمر بأن تُفرش الخيمة الشرقية، المخصصة للأميرة شامة، بأثمن ما حوته الخزائن من زرابي ثقيلة (ومنسوجاتٍ وُشيت بالذهب والحرير. أُضيئت الممرات بـقناديل نحاسية نحتتها يد الصنّاع بمهارة، وتدلت من سقف الخيمة لتنشر ضوءاً خافتاً يبعث السكينة في النفس. كما أمر بتعطير الأركان بأجود أنواع العود والندّ، لتكون الخيمة واحةً من الطيب وسط جفاء الصحراء.

ثالثاً: الهيبة والصمت

أرسى الأمير قانوناً للاستقبال يمنع اللغو والضجيج؛ حيث أمر بأن يطفأ كل صخب في المخيم، وأن يكتفي الحرس بالوقوف في صفوف متراصة صامتة، سيوفهم في غمدها، دلالةً على الأمان لا الحرب. أراد أن يكون أول ما تقع عليه عين الأميرة هو وقارُ الرجال وهيبةُ المكان، لتعلم أن خيام شدّاد، وإن كانت من وبر، فهي حصونٌ منيعة تُصان فيها الكرامة.

بقي شدّاد يشرفُ بنفسه على كل تفصيلة، يتفحصُ استقامة الأوتاد وإضاءة القناديل، حتى غدا المخيم كأنه لوحةٌ من الضياء والوقار تنتظر قدوم “العهد” من قلب الظلام. ومع رحيل آخر فارسٍ من الطليعة وسط غبار الرمل، عاد الأمير ليتخذ مكانه في صدر مجلسه، منتظراً الخبر اليقين بوقارٍ لا يهتز.

من مور الستر الغليظ المنسوج من وبر الإبل والحرير الداكن، كانت شريفة واقفة بحال شي تمثال ديال العز، ما كيتحرك فيها غير الشوف اللي كيقنص كل صغيرة وكبيرة. ضو الفجر يلاه بدا كيزحف ببطء فوق تلافيف الرمل، كيرسم خيالات زرقاء باهتة ورا الكثبان، وهي تما، فهاديك المنطقة الغامضة ما بين عتمة الخيمة وضواية الصباح، كترقب بعيون صقراوية حادة كل تفصيلة كيأمر بها شداد.

كانت ملامحها مغطاة بنص ظل، ما كيبان منها غير بريق الحلي الفضي اللي كيعكس ضو القنديل النحاسي المتدلي فوق راسها. يدها كانت قابطة فالثوب ديال الخيمة بـ”رزانة” قاسية، ولكن عروقها البارزة كانت كتقول بلي كاين إعصار مخبع ورا هاد السكون المهيب. كانت متبعة فرسان النخبة وهوما كيزيرو اللجام ديال الخيل اللي كتحفر الأرض بحوافرها، كأنهم كيوجدو لغزوة كبرى ماشي لاستقبال قافلة صلح. وودنيها كانت كاتسمع رنين المطارق وهي كتثبت الأوتاد ديال الخيمة الشرقية العظيمة؛ هذيك الخيمة اللي غتولي “ضرة” لمقامها ولسكينتها.

فداك الصمت اللي كيسبق العاصفة، كانت شريفة كتحس بـ”نغزة” فوسط قلبها مع كل زرّبية كتفرش، ومع كل خيط ديال البخور كيطلع للسماء. هي بنت القصور لاكن حياتها فخيام الشداد خلاتها تعرف بلي الرمل ما كيرحمش الدموع، داكشي علاش حبست وجعها فصندوق صدرها اللي مسدود بـ”أنفة”. كانت كتهضر مع راسها بمرارة صامتة: “أنا اللي قاسمت معاك أيام الضيق يا شداد.. أنا اللي كنت ليك الظل نهار كانت الشمس كتحرق والسيوف كتحصد”. ولكن وقار “بنت الأصول” منعها تخرج ولا تبين حتى خيط واحد ديال الضعف قدام الخادمات اللي كيهمسو ورا ظهرها.

شريفة ما كانتش كتراقب باش تنهزم، كانت كتراقب باش “تستعد”. دارت ببطء، ومشات لواحد الصندوق خشبي قديم، جبدات منه أغلى ما كتملك: قفاطين واتواب مطرز بخيوط الذهب ورثاته على جداتها، حطاته فوق كتافها بوقار كأنه درع حربي. تعطرات بمسك خالص ثقيل، ولبست خلاخلها اللي الرنين ديالهم كيعطي “هيبة” مع كل خطوة، معلن على حضور ما كينساه حد.

وقفت قدام مراية نحاسية مصقولة، شافت فخيالها الغامض بنظرة أخيرة، وقالت بصوت واثق:

— “خيام شداد ما كيدخل ليها غير اللي قد هيبتها.. وشامة، وخا تكون بنت سلطان، غتعرف بلي لهاد الرمل سيدة كتعرف أسرارُه.”

رجعت لـ شق الخيمة، وعينيها مثبتة لجهة الأفق البعيد فين بدات كبان الطلائع ديال القافلة بحال نقطة كحلة وسط بحر ديال الذهب خصها مابقا ليها غير يوم واحد وتوصل ،واقفة كتتأمل كأنها “حارسة الوفاء” اللي واقفة تحمي مملكتها الصامتة، وتوري للجميع بلي القصور تقدر تبني الحيوط، ولكن الصحراء هي اللي كتبني الأنفة.

دخل شداد للخيمة بوقار، وفخطواتو هيبة الرجال اللي هازين جبال د الوفاء فوق كتافهم. لقا شريفة واقفة، بحال شي نخلة شامخة، لابسة أغلى ما عندها وكأنها كتستعد لشي ميعاد مع القدر. يلاه بغى يهضر، وهي تقطع عليه الصمت بصوت رزين، ولكن فيه واحد الرنة د العتاب اللي ما كيقراه غير هو:

• “الخيمة الشرقية ضوات يا ولد النعمان.. والقناديل اللي شعلتي فيها خلات النجوم تحشم من ضواها.”

شداد ما هربش بعينيه، قرب عندها ببطء حتى ولات ريحة المسك اللي فيها كتعمر صدرو. حط يده على كتافها بـ “تحفظ” عامر حنان، وهبط صوته لداك الرخام اللي كيذوب الصخر:

• “ضواها يا شريفة من ضواك، وهاديك الخيمة، وخا تفرش بالذهب، ما غتوصلش للمكانة ديالك فهاد القلب. اللي بناه الصدق نهار الضيق، ما يهدموش السلم نهار الرخاء.”

شريفة شافت فيه، وعينيها اللي كانت فيهم واحد “القسوة” د الغيرة، بدات كتلين قدام النظرة الصادقة ديالو. قالت بصوت خفيض:

• “الصحراء كتعرف غير مولاة الدار الواحدة يا شداد.. وأنا خفت الرمل ينسى عهدنا مع كثرة الخطوات الجديدة.”

هنا، شداد زاد قرب، وهز يدها بوقار وقبلها، فـ حركة فيها الحب اللي ما كيحتاجش لكثرة الهضرة. شاف فيها وقال بـ رزانة:

• “شامة ميثاق ودولة، ولكن أنتِ الميثاق ديال الروح. هي أميرة غنعطيها قدرها، ولكن أنتِ ‘شريفة’ القلب اللي غتبقى كلمتها هي الأولى والأخيرة فخيام شداد. كوني هانية، فـ اللي جرات دمه مع دمي فالحروب، ما غتفرقني عليه لا قصور ولا أميرات.”

شريفة تنهدات واحد التنهيدة طويلة، كأنها خرجات منها كاع داك الثقل اللي كان حابس أنفاسها. قربات لراسو وشمات ريحة خيمتها وراجلها فيه، وحست بلي الحب اللي بيناتهم، وخا كيبان قليل الكلام، راه عروقو ضاربة فـ أعماق الرمل.

• “أنا معاك يا شداد.. فالحارة وفالحلوة. والدار اللي كبرت بيك، غتبقى بيك ديما صامدة.”

فديك اللحظة، بان الحب بيناتهم بحال داك الجمر اللي شاعل تحت الرماد؛ هادئ، رزين، ولكن الحرارة ديالو هي اللي مخليا هاد الخيمة واقضة ومحميّة.

كان المخيم غارق في واحد السكون مهيب، والأمير شداد جالس فخيمته مع شريفة، في لحظة صفاء كيتخللها غير صوت الريح اللي كيداعب شقاق الخيمة. فجأة، تقطع هاد الهدوء بوقع حوافر خيل سريعة، متبوعة بصوت الحاجب اللي وقف برا الخيمة وطلب الإذن بـ”هيبة” مضطربة.

تسترات شريفة ولقات على راسها توب طويل من الستر قبل ما يدخل الحاجب، وعلامات السفر والغبار باقية فوق وجهه، حنى راسه بوقار ومد يده بـ “رِقّ” ملفوف بعناية ومختوم بختم الاميرة لي رجع محفض عند الشداد ومسجل فذاكرة شريفة من اخر مرة لمحات فيه رسالة بداك الختم .غير شاف شداد ديك الرسالة، حس بواحد “الخطفة” في قلبه، وعرف بلي هاد الورق فيه ريحة شامة وكلامها اللي كيتسناه.

مد يديه، قبض الرسالة بـ “رزانة” باردة قدام شريفة، ولكن أصابعه كانت كتحس بحرارة الكلمات اللي لداخل. شدها وحطها بجنبه بلا ما يحلها، وبلا ما يرمقها حتى بنظرة. كان كيتصرف كأنها مجرد “خبر” عادي، ولكن شريفة، بذكاء المرأة اللي كتعرف راجلها من رمشة عين، حست بلي هاد السكوت ديال شداد وراه “عاصفة”.

شريفة، اللي كانت جالسة مقابلة معاه، تحسست بزاف من وصول هاد الرسالة فداك التوقيت بالذات. شافت فالحاجب بنظرة حادة، وكأنها كتحقق معاه غير بالشوف: “شكون هاد الرسالة اللي خلات الحاجب يضرب الفيافي فأنصاف الليالي؟ وعلاش شداد ما قراهاش قدامي؟”. هاد “التجاهل” المتعمد من شداد للرسالة فديك اللحظة، كان بالنسبة لشريفة أصعب من أنه يقراها؛ حيت عرفت بلي باغي “يخبيها” لراسه، وبلي باغي يختلي بكلماتها بعيد على عينيها.

خرج الحاجب، وبقى الصمت ثقيل ما بين الزوجين. شريفة بقات كتشوف فديك الرسالة المحطوطة بحال شي “لغم” بيناتهم، وحست بلي داك الورق الصغير بدا كياكل من المساحة اللي بينها وبين شداد.ومع ذلك ما نطقت بحتى كلمة .. حيت سبق ليها نطقت ومكاينش لا تعاود تكرار

حتى ليلت هذيك الليلة، وانسحب كل واحد لمكانه، ونامت العيون.. وانفارد شداد فخيمتو وفماكنو المعهود..اما وقود النار ورياح الصحراء الليلة وزاح عنه لباس اليوم مرفوق بتع احداث داك النهار ، بوحدو مع “السكون” اللي كيبغي. شعل القنديل النحاسي ببطء، وهز الرسالة وكأنه كيهز أغلى أمانة ، وتكا على صهره بارتياح عاد حل الختم برفق، وبدا كيتنغم بكل حرف خطاتو شامة، كأن كل كلمة هي “نغمة” كتعزف على أوتار فضوله اللي ما ليه حد.

بسم الله، وباسم الوفاء الذي لا يلين..

إلى مقام الأمير شداد بن نعمان، صاحب الكلمة الفصل والعهد الصادق..

سلامٌ يرتديه الوقار، وتحفه الأنفة، ويستمد ضياءه من نجوم ليلنا الذي لا يخون.

أما بعد؛ فقد بلغني كتابك، ووقفتُ على صراحةِ قولك التي زادتك في عيني مهابةً قبل اللقاء. واعلم يا ابن النعمان، أن “شامة” لم تأتِ لدارك لتبحث عن ودٍّ مستجدى، أو لتنزع عهداً قديماً وُضع في قلبك قبل أن تطأ قدماي رمالك. إن امرأةً مثلي، نشأت في ظلال العزّ، تدرك أن قلوب الرجال قلاعٌ لا تُفتحُ غصباً، وأن أسمى مراتب المروءة هي الصدق، ولو كان بمرارة الاعتراف.

لقد زدتني طمأنينةً حين قلت إنك وفيت بعهد ابنة عمك، فمن لم يخن عهد “الود القديم”، لا يُخشى غدره في “العهد الجديد”. وإنني، بوقار السلطنة الذي يسري في دمي، أقبلُ ميثاقك كما وضعته؛ جئتك أميرةً تحفظ لدولتنا صلحها، ولبيتك كرامته، ولشخصك هيبته.

يا شداد.. خيامي التي ستُضرب في رحابك لن تكون مكاناً لضجيج المشاعر الحائرة، بل ستكون معقلاً للكرامة والرزانة. لا تطلب مني مودةً لم يأذن بها القدر، ولا تزد في كلفك إلا ما يمليه عليك مقامك كحامٍ وسند. إن ما بيننا أكبر من الأماني، هو عهدُ ملوكٍ، ومصيرُ شعوبٍ، وصورةُ شرفٍ سنرسمها معاً أمام التاريخ.

سأدخل بيتك بكرامة “العباسيين”، واثقةً بعهدك الذي صنتَ به قدري، ومحترمةً لصدقك الذي كشفتَ به سرك. وما يقضيه الله في القلوب، يبقى في غيب الله، ولنا من يومنا هذا ثباتُ العهد، ورجاحةُ العقل.

نحن على مشارف رمالك.. فليكن اللقاءُ مهيباً كما كانت رسائلك.

والسلام على ذمتك، وعلى وقار مجلسك.”

“الاميرة شامة”

فيك اللحظة، وسط سكون الليل اللي ما كيقطعه غير حس الريح كيتسابق ورا أروقة الخيمة، كان الأمير شداد منفرداً بنفسه، وكأنه كيسافر لبلاد بعيدة وهو جالس فبلاصته. حط الرسالة فوق صدره من بعد ما سكر على آخر كلمة فيها، وغمض عينيه باش يخلي صدى الحروف يتردد فخيالو.

و طوفان المشاعر والفضول كيبتالعو ،

الرسالة ما كانتش مجرد رد، كانت “إعلان وجود” هز أركانه. شداد، اللي مولف بقوة السيف ورزانة الكلام، لقى راسه قدام “ند” أنثوي، امرأة كتعرف تخاطب الأمير اللي فيه، قبل ما تخاطب الراجل. حس بواحد الشوق غريب، ماشي شوق المحب الولهان، ولكن شوق “المستكشف” اللي واقف قدام قلعة حصينة وعارف بلي مفتاحها هو الوقار والصدق.

بانت ليه “شامة” فخياله ماشي كعروس جاية للدار، بل كـ “هيبة” غتزاحم الرمال فشموخها. كلمات مثل “قلوب الرجال قلاع لا تُفتح غصباً” خلات دمه يغلي بواحد الفضول قتّال. بغى يطوي الزمان، وبغى هاد الليل يسالي دغيا غير باش يشوف هاد “الأنفة العباسية” كيفاش دايرة فالمشية ديالها، فالمحيا ديالها، وفنظرة عينيها.

الصراع الصامت:

تكي على ظهره وارتاح، ولكن عقله ما مرتاحش. كل كلمة قرأها خلاته يحس بلي “المعركة” الجاية ما غتكونش بالخيل والسيوف ، بل غتكون معركة “نظرات” و”مواقف”. الفضول دياله وصل للقمة؛ كيسول راسه: “واش هاد الكبرياء اللي فالورق غنشوفو فالواقع؟ واش هاد الرزانة غتصمد قدام قسوة الصحراء؟” مابقا عنده جهد يصبر. لقى راسه كيتخيل اللحظة اللي غينزل فيها الهودج، اللحظة اللي غتحط فيها رجلها فوق الرمل، وكأنها كتحط “ختم” جديد على حياته. حس بلي هاد “شامة” غتغير مجرى تاريخ خيامه، وبلي الوقار اللي لابساه فكلامها هو اللي غيخليه يحترمها حد التقديس.

ليلة الانتظار الطويل:

هز القنديل النحاسي وشاف فالرسالة لآخر مرة قبل ما يطفي الضوء. ابتسم واحد الابتسامة خفيفة، فيها تحدي وفيها إعجاب مخبع. النار اللي كانت شاعلة قدام الخيمة بدات كتدبل، ولكن النار اللي شعلتها شامة فقلبه وفضوله بقات قادة.

سد عينيه وهو كيشم ريحة الورق اللي بقات لاصقة فيديه، وكأن هاديك الريحة هي “الوعد” اللي غيتحقق مع خيوط الفجر الأولى. شداد دابا ما بقاش كينتظر “زوجة ثانية”، بل كينتظر “قدراً” مبهراً، مابقاش عنده صبر للغد، وبقى كيحسب دقات قلبه مع كل رنة ديال ريح الصحراء، منتظر اللحظة اللي غتولي فيها “شامة” حقيقة ملموسة قدام عينيه.

فديك الليلة، السكوت اللي خيّم على المخيم كان غير قناع مخبي وراه بركان غايتفجر. شريفة ما كانتش ناعسة، وما كانتش حتى كتحاول تنعس. كانت واقفة مورا “الحيوط” د الثوب الغليظ اللي كيفصل خيمتها على مكان خلوة شداد، بحال شي خيال كيسكن الظلام.

نار الفضول والغيرة:

من واحد الشق صغير فالثوب، كانت شريفة حاطة عينيها اللي ولاو بحال الجمر. شافت شداد وهو كيطفي القنديل، وشافته فديك اللحظة اللي ذبحات فيها الصمت؛ فاش هز الرسالة وحطها فوق صدره، وغمض عينيه بواحد السكينة ما عمرها شافتها فيه حتى فايام صفاهم الكبيرة. هاديك الحركة بالذات كانت بالنسبة ليها بحال شي سهم ضرب ليها الكبرياء ديالها؛ شداد، الراجل اللي قلبه من حجر، حاط “كلام غريبة” فوق نبض قلبه!

الفضول شعل فيها بحال النار فالهشيم. ما بقاتش كتحس بالبرودة د الليل، بل حست بواحد الحرارة جنونية كتغلي فدمها. بغات تعرف، وبأي ثمن، شنو مكتوب فداك الورق اللي خلى “سبع الفيافي” يرتخي بديك الطريقة.

بخطوات خفيفة، بحال الحنش اللي كيزحف فوق الرمل بلا صوت، بدأت شريفة كتسلل. كانت لابسة توب أسود كيغبرها وسط الظلام، وخلخالها اللي كان ديما كيرن، سكتات صوته بيديها باش ما يفضحهاش. وصلت لـ “رواق” خيمته، وبدات كتسمع لأنفاسه. شداد كان كيتنفس ببطء، غارق فواحد النعاس اللي جابه ليه “الاطمئنان” اللي لقى فالرسالة.

قلبها كان كيضرب بجهد، لدرجة خافت يسمع دقاته. مدت يدها الرعاشة من تحت الرواق، كانت عارفة البلاصة فين حط الرسالة (بجنب وسادته). بدات صباعها كيلمسوا الورق البارد.. كانت اللحظة حاسمة، مابين “الوفاء” اللي كيردها للور، و”الفضول الجنوني” اللي كيدفعها تسرق سرّ هاد السكينة ،

المواجهة الصامتة مع الورق:

قدرات تسحب الرسالة ببطء قاتل. رجعات لواحد الركن مظلم فين شعلات واحد “فليتة” د الضو د القنديل مخبية تحت طرف من خمارها. عينيها جاو نيشان على الختم المهروس، وبدأت كتقرا الحروف العباسية المزيونة.

كل كلمة قرأتها كانت كتحفر فقلبها؛ “قلوب الرجال قلاع لا تُفتح غصباً”.. “وفيت بعهد ابنة عمك”.. شريفة بدأت كترجف. لقات بلي شامة ما كانتش كتهضر بلغة “الضرة” اللي باغية تخطف الراجل، بل بلغة “الأميرة” اللي كتحترم “شريفة” براسها. الفضول اللي كان فالبداية “حقد”، تحول لواحد “الرعب” من نوع آخر؛ رعب من هاد المنافسة اللي ما كتشبهش لعيالات الرمل، امرأة كتعرف تأسر شداد بـ “الوقار” ماشي بالزينة.

حطات يدها على فمها باش ما تخرجش منها شي صرخة د الوجع. شافت فشداد اللي كان ناعس، وحست بلي هاد الرسالة هي “البداية د النهاية” للزمن اللي كانت فيه هي “السلطانة الوحيدة” فقلبه. رجعات الرسالة لبلاصتها بنفس الحذر، ولكن هاد المرة رجعات وهي هازة فصدرها “سمّ” المعرفة.. عرفت بلي الخصم اللي جاي ماشي ساهل، وبلي شامة قدرت تسكن فخيال شداد قبل ما توصل لخيامه.

رجعات شريفة لخيمتها بخطوات تقيلة، كأنها هازة جبل فوق كتافها. غير دخلات، سدات الستر وراها بيديها اللي باقية كترجف، وطاحت فوق الفراش وهي كتحس بواحد البرودة غريبة سارية فذاتها، رغم أن نار الغيرة كانت كتحرق أحشاءها .

ارتمات فوق “المساند” المنسوجة بالحرير، وغمضات عينيها بجهد، كتحاول تمحي صورة شداد وهو حاط الرسالة على صدره. داك المشهد كان كيتعاود قدامها بحال شي كابوس؛ حست بلي هاديك الرسالة ما كانتش غير ورق، بل كانت “خنجر” مسموم دخل لبيت سرّها بلا استئذان.

بدات كتهضر مع راسها بصوت مخنوق، وهي كتشوف فالسقف د الخيمة اللي مضوّي بخيوط القمر الباهتة:

• “ياك قلتي يا شداد بلي شريفة هي الأصل؟ ياك قلتي بلي الميثاق غليظ؟.. ولكن هاد الكلام اللي قريت، هاد الوقار اللي لابسه هاد ‘شامة’.. هادشي كياكل من الرمل اللي أنا واقفة عليه.”

التفاصيل الدقيقة للوجع:

قامت ببطء، مشات لواحد المراية نحاسية قديمة، وبدات كتشوف فملامحها. بدات كتمسح على وجها بيديها، وكأنها كتقلب على أثر السنين اللي دازت وهي كتسناه يرجع من الحروب. شافت “الكحل” اللي سال شوية من عينيها بسبب دموع الحرقة اللي ما بغاتش تنزل، وحست بلي جمالها، وخا باقي شاد فالعز، ولا دابا مهدد بواحد “الجمال عباسي” كيهضر بلغة القصور والحكمة.

بفضول جنوني، بدات كتحلل كل كلمة قراتها فالرسالة:

• “وفيت بعهد ابنة عمك”.. هاد الجملة كانت هي اللي ذبحتها كتر. شامة ما نكراتش فضل شريفة، بل استعملات هاد الفضل باش تزيد تعلّي من شأن شداد فـ عينيها. شريفة حست بلي هاد الضرة اللي جاية ماشي “جاهلة”، بل هي “داهية” كتعرف تسكن فـ عقول الرجال بـ الرزانة.

مشهد الانهيار الصامت:

حطات راسها بين يديها، وبدات كتهز جسمها ببطء (كتخمم). حست بواحد النوع من “الرعب” حيت لقات راسها كتحترم هاد شامة بلا ما تشعر. الفضول اللي كان فـ البداية باغي يلقى “غلطة” فـ الرسالة، صدق لقى “مرآة” كتعكس ليها بلي المنافسة غتكون على “الروح” ماشي غير على “الفراش”.

فتحت واحد الصندوق صغير، جبدات منه “خاتم” قديم عطاه ليها شداد نهار رجع من أول غزوة وهوما صغار. زيرات عليه فـ قبضتها حتى غرس فـ لحمها، وكأنها بغات تحس بـ الوجع الجسدي باش تنسى وجع القلب. وقفت قدام فتحة الخيمة، شافت فـ السماء اللي بدات كتميل للرمادي د الفجر، وقالت بـ دارجة ممرورة:

• “غدا غيشرق الضو.. وغيبان شكون اللي سارية الدار، وشكون اللي غير ضيفة غتديها الريح. ولكن هاد ‘شامة’.. ريحتها واصلة قبل منها، وشداد.. شداد راه تاه قبل ما يشوفها.”

فديك اللحظة، رتبت خمارها بوقار حزين، ومسحت عينيها بـ “أنفة” ملكية. قررت بلي وخا القلب محروق، الهامة غتبقى عالية. ما بغاتش تبان مكسورة قدام القافلة اللي قربات توصل، وبغات تكون هي أول وحدة كتستقبل شامة، بنظرة كتخبي وراها “سر المعرفة” اللي سرقاته فـ أنصاف الليالي.

طلع الفجر الصادق، وبدا الضو يزحف فوق الكثبان بحال شي خيوط د الذهب باهتة. فديك اللحظة، تقطع السكون بوقع طبل رزين جاي من بعيد، وقع كيعلن وصول موكب الأميرة شامة ، خلا كل من في الامارة يخرج بسرعة ..كأن الكل كان كينتاضر هاد الحدث ، ومع كل خطوة كتقاارب فيها القافلة وخيول الفرسان اللي كتحيط بيها كان المخيم كيتهز من ارضه لسماه بوقع الطبول .

خرج شداد من خيمته بـ “هيبة” كتقسم الضباب د الصباح. كان لابس سوداء بعيدا عن عبائاته الصحراوية ..لبسة كتفصل تضاريس جسده الشامخ

وحازم خصره بخنجر اللي العروق ديال يده كانت بارزة وهي قابطة فالمقبض ديالو. عينيه كانت بحال الصقر، متبتة فالسماء، ولكن قلبه كان كيضرب مع كل دقة طبل كتقرب من حدود ملكه. . على راسو عمامة مشدودة كتوصطها ماسة فوق الجبهة . كيشوف فـ الأفق، وعينيه متبتة على النقطة اللي بدات كتكبر وتوضح، وقلبه كيضرب مع كل دقة طبل؛ الفضول اللي شعلات فيه الرسالة لبارح، دابا ولى “نار” باغية تشوف الحقيقة.

المخيم كله وقف على رجل وحدة ،

وصلو الفرسان لي فمقدمة القافلة اولا فمشهد مهيب حاملين علامات ورايات بلادهم وتصافو فصفوف مستقيمة خاليين الطريق للهودج يتقدم .

خرجات شريفة من مخدعها بأبهى حلتها وزينتها ساترة على راسها بتوب طويل وخافية ملامح وجهها تحت نقاب موراه تعب وسهر الليل ونار الغيرة . وقفات جنب شداد الراقف رافع راسو ورقبتو العالية مشدودة ..شافت فيه بطرف عينيها كيفاش كيشوف فالموكب وخولت نضرها للهودج لي وقف قدامهم مباشرة ورفعات راسها بشموخ وتعالي

،

شريفة ما كانتش غير مرا كتستقبل ضيفة، كانت “سلطانة” كتحمي مملكتها بـ عيون عارفة الأسرار.

ولكن، اللي كان كيميزها فديك اللحظة، هو هاديك النظرة “الثابتة”. هي دابا ماشي غير غيرة، هي “تحدي”.

الكل حاط عينيه على الهودج العباسي العظيم، مغطى بالحرير المطرز بخيوط الذهب، وسط حراسة مشددة د الفرسان. تزحزح شداد من مكانه برزانة ..وتقدم نحوه .. الجو تفرقع فيه الصمت، وما بقى كيتسمع غير نهيج الخيل. حتى هتزت فجأة الارجاء بزغاريت الاستقبال..

شداد كان واقف على بعد خطوات قليلة، وجسمه كامل مشدود. ملامحه كانت قاسية بحال صخر الصحراء، ولكن لداخل دياله كان غليان ما كيعرفو حد. عينيه كانوا مسمرين على الستر د الهودج، وكأنه كيحاول يخترق الثوب باش يشوف الملامح اللي سحراته فـ “الرسالة”. فديك اللحظة، شداد اكتشف بلي “الانتظار” أصعب من “المعركة”؛ وبليكلمات الرسائل اللي كان كيقراها خلاته دابا “سجين” لواحد الفضول ما بقاش قادر يتحكم فيه.

صدره كيعلا ويهبط، والفضول ولى دابا “جمرة” كتحرقه. فديك اللحظة، تمددت يد رقيقة، بـ بياض الثلج وزينة الحناء العباسية، وزاحت الستر د الحرير ببطء قاتل. يد لي كتكتب ليه هيا تفيها لي كتزيح الستار ، شداد حبس أنفاسه، والمخيم كلو ولى كيشوف غير فديك اليد اللي غتحل باب القدر.

شريفة، فديك الثانية، حست بواحد “البرودة” طلعت مع عظامها؛ عرفت بلي بمجرد ما يتفتح هاد الستر، حياتها غتتغير للأبد. وبلي هاد “اليد” اللي كتحل الهودج، هي نيت اليد اللي كتبت: “قلوب الرجال قلاع لا تُفتح غصباً”.

تحرك الستر ببطء، وخرجت “نسمة” د العطر العباسي اللي غطت على ريحة البارود والتراب فالمخيم. وقبل ما يبان وجها، تلاقات عينيها مع عيني شداد من وسط شق الثوب.. كانت نظرة “مخفية” ولكنها “قاتلة”، نظرة خلات شداد يحس بلي راه “تكتشف” وتعرى قدام هاد المرأة قبل ما تنطق بكلمة واحدة.

فاش جات عينها فعينيه. مكانش محرد نضرة ، وانما اصطدام مابين جوج عوالم؛ نظرة فيها كاع داك الشوق والفضول والرزانة اللي تبنات فـ الرسائل.

فيك اللحظة اللي حبسات أنفاس الصحراء، وقفات القافلة فـ قلب المخيم كأنها قلعة عباسية متنقلة، حطت رحالها بين كثبان الرمل. تقدموا العبيد بـ خطى ميزونة ووقار كبروا عليه فـ القصور، وانحناوا بانتظام قدام الهودج العظيم اللي كان كيبان فـ ضو الفجر بحال عرش متنقل.

هدوء كيسحر العين، تزاحوا ستائر الحرير، وبانت شامة. ما نزلاتش كيف كينزلوا النساء، بل نزلوا بها العبيد فـ “محمل” مرصع بالصدف والأبنوس، كأن رجليها أرفع من أنها تقيس الرمل مباشرة. خرجات منو ووقفات قدامه مباشرة، بـ قَدّها الممشوق وريحتها اللي سبقاتها (خليط من العود والورد الطائفي)، كانت آية فـ الستر والفخامة؛ لابسة قفطان من الديباج الأسود الثقيل، مطرز بخيوط الذهب والزمرد اللي كيسلبوا النظر، وفوق منه عباية “خسروانية” كفيض بـ وقار الملوك. كانت مغطاة بالكامل بـ خمار من الشيفون العباسي الغليظ، ما كيبان منها غير عينين واسعين كواحة فقلب هاذه الصحراء ، كيبان فيهم واحد البريق غريب كيجمع بين دهاء السلاطين وحياء العذارى.

أما شداد، وخا الصدمة هزات كيانه من هيبة حضورها، وهو “ابن القصور” اللي مولف يشوف الأميرات والجاه، إلا أنه لقا راسو قدام حالة استثنائية. كبرياؤه اللي كيمنعه ينحني للرجال، دفعوا بـ “مروءة” فارس أصيل أنه يتقدم جوج خطوات لجهتها.

ما مدش يديه باش يلمسها -احتراماً لسترها وهيبتها- ولكن حط يده اليمين على مقبض خنجره بـ “هيبة” ملوكية،، ونزل راسو بواحد “الإيماءة” رصينة كتليق بـ مقامه، وبسط يده الأخرى كيشير ليها لـ صدر الخيمة الكبيرة، فـ حركة جمعات بين “الترحيب” و”الحماية”، وكأنه كيفتح ليها حدود مملكته وقلبه فـ دقة واحدة.

ونطق بصوت رخيم، جهوري، فيه واحد الدفء غريب عمر رجاله ما سمعوه فيه؛ صوت كيجمع بين “هيبة الرعد” و”طمأنينة الرمل” فاش كيسكن:

“باسم الله، وباسم الوفاء الذي لا يلين.. نورتِ ديار النعمان يا ابنة الأكرمين. إن كانت رمالنا قاسية، فإن قلوبنا حصونٌ لعهدك، وبيوتنا طوعُ بنانك. حللتِ في دارك، وبين أهلك.”

غير سمعات شامة صوته، حست بواحد الرعدة سرات فـ الذات ديالها. كان هاد الصدر الرحب والنبرة القوية هي نيت اللي تخيلاتها وهي كتقرا رسائله فـ القصر؛ صوت “عامر” بالرجولة الصادقة، وفيه واحد البحّة خفيفة كتعطي الثقة والوقار، وكأن كل حرف كيخرج من فمه هو “ميثاق” جديد. اكتشفت بلي صوته فـ الواقع عنده هيبة كثر من داكشي اللي رسمه خيالها، صوت كيفرض الاحترام بلا ما يطلبه.

هبطات شامة راسها شوية، وغلبها واحد الحياء أنثوي ناعم خلاهات تحس بـ “الرهافة” ديالها قدام الشموخ دياله. تنفسات بـ العمق من ورا اللثام ديالها، وجاوبات بـ صوت رقيق، عذب، كيسيل بحال حرير القصور، ولكن فيه واحد النبرة ديال “الأنفة” اللي ما كتخفاش على الودن:

أعزّ الله مقامك يا أمير.. وما رأيتُ في ديارك إلا ما يزيدني فخراً بعهدٍ جمعني بصاحب هيبةٍ ومروءةٍ مثلك.”

شداد بقى مبهور وهو كيسمع لـ النبرة ديالها. كان صوت “موسيقي” بامتياز، كيقظر عذوبة بحال قطرات الندى اللي طاحت فوق رمل عطشان. اكتشف بلي ورا “الحروف الصارمة” اللي كتبت بيهم الرسائل، كاين صوت امرأة رهيفة الحس، صوت كيسكن الروح قبل الودن. تفكر فـ ديك اللحظة جملتها فـ الرسالة: “إن امرأةً مثلي تدرك أن قلوب الرجال قلاعٌ لا تُفتح غصباً”، وعرف دابا بلي هاد الصوت هو “المفتاح” اللي يقدر يفتح أكبر القلاع بلا ضجيج.

تبادلوا واحد النظرة أخيرة وسط الصمت اللي تبع كلامهم. كان كل واحد فيهم كيكتشف الآخر عن طريق صوته؛ شداد اكتشف “الأنثى” اللي مخبعة ورا الأميرة، وشامة اكتشفت “الفارس” اللي ساكن ورا وقار الأمير. وفي ديك اللحظة، ما بقاتش الرسائل هي الرابط، بل ولى هاد اللقاء هو البداية الحقيقية لـ “العهد الكبير”.

كانت شريفة واقفة بحال “النخلة” اللي ما كتحنيش للريح، متبتة فالبلاصة اللي اختارتها باش تكون هي أول حاجة كتشوفها شامة من بعد شداد. فاش قربات منها الأميرة، شريفة ما بقاتش كتشوف فيها بفضول الغيرة، بل بـ “هيبة” مولاة الدار اللي كترحب بضيفة من مقامها.

تقدمات شريفة واحد الخطوة ميزونة، ويديها محطوطة على صدرها بوقار، ونطقت بصوت هادئ، فيه واحد الرزانة كتعلم بالسيادة والقدر:

“أهلاً بكِ في رحابِنا يا ابنةَ العباس.. قد سبَقَكِ ريحُ العزِّ قبلَ وصولِك، وصانَ بَيتُنا قَدْرَكِ قبلَ أن تطأَهُ قدماكِ. حللتِ ضيفةً كريمةً، وأختاً نعتزُّ بجوارِها.”

شامة فاش سمعات صوت شريفة، اكتشفت فيه “الأصل” و”الثبات”. ما كانش صوت ديال امرأة مهزومة أو خايفة، بل كان صوت “سلطانة” عارفة قيمتها مزيان. شامة حست بلي هاد الصوت هو “السند” اللي كيهضر عليه شداد فاش كيوصف ابنة عمه، صوت كيعطي الأمان وفنفس الوقت كيفرض الحدود.

شامة، وخا كان الخجل مازال صابغ خدودها من كلام شداد، فاش واجهات شريفة، رجعات ليها “الرزانة العباسية”. حنات راسها شوية لشريفة بواحد التقدير حقيقي، حيت شافت قدامها امرأة كتشبه ليها فـ “الأنفة”، وجاوبات بصوت فيه احترام كبير:

“أكرمَكِ اللهُ يا ابنةَ النعمان.. وما زادني ترحيبُكِ إلا طمأنينةً بأنني جئتُ لبيتٍ تسكنُهُ الحكمةُ قبلَ القوة. شرفٌ لي أن أكونَ في جوارِ مِثلكِ.”

فديك اللحظة، شداد كان واقف كيشوف فيهم، وحس بواحد النوع من الارتياح الممزوج بالهيبة. شاف بلي “الصدام” اللي كان خايف منه، تحول لـ “ميثاق” صامت مابين جوج عيالات كيتوزنو بالذهب. شريفة استقبلاتها بـ “كرم القوي”، وشامة ردات عليها بـ “أدب الملوك”.

كان هاد الاستقبال هو اللي حط النقط على الحروف؛ شريفة بينات بلي هي “السارية” ديال هاد الخيام، وشامة بينات بلي هي “القدر” اللي كيحترم هاد السارية. ومن تما، بدأت المسيرة لداخل الخيمة الكبيرة، والكل حاس بلي هاد النهار هو “فجر جديد” فـ تاريخ إمارة شداد بن النعمان.

دخلات شامة لوسط الخيمة الكبيرة بخطوات ميزونة، وكان كيطبع مشيتها واحد الوقار مهيب. عن يمينها كانت دادا رقية، بوقفتها الصارمة وعينيها اللي كيقراو الزوايا، وعن شمالها كلثوم الخادمة اللي كانت هازة صناديق صغيرة مخدومة بالفضة.

تجمعوا كاملين فـ “الصالة” الكبيرة، اللي كانت مفروشة بـ زرابي أطلسية قديمة ومساند من الحرير المنسوج باليد. الجلسة كانت كفيض بالهيبة؛ شداد جلس فـ صدر المكان، وبجنبه شريفة اللي كانت كتحرك بحال إيلا كترسم حدود مملكتها بـ عينيها.

فـ وسط هاد الصمت اللي كيقطعو غير صوت صبّان الأتاي، دارت شريفة واحد الحركة اللي خلات أنفاس شداد تتحبس. مدت يديها ببطء لـ طرف اللثام النيلي اللي مغطي وجها، وهزاته بواحد الأنفة ملوكية.

كشفت شريفة على وجها كامل؛ ملامح ملكية حادة وجميلة، بشرة قمحية صافية بحال لون الرمل، وعينين وساع فيهم واحد النظرة ديال “السيادة”. كانت هاد الحركة من شريفة بمثابة “دعوة” أو “تحدي” صامت؛ وكأنها كتقول لـ شامة: “ها أنا، بنت النعمان ومولاة الدار، وها وجهي اللي كيعرفو شداد وصانه سنين.. كشفي على سرّك أنتِ، وخلينا نشوفو هاد الجمال العباسي اللي هز القوافل.”

شداد دار عينيه فـ شامة، وكان كيتسنى، بحال شريفة، اللحظة اللي غيبان فيها الوجه اللي سكن خياله. ولكن شامة، بذكاء الأميرة اللي عارفة قيمة “المستور”، ما تحركاتش. بقات بالخمار ديالها، مغطية كاملة، ما كيبانوا منها غير دوك العيون اللي فيهم الخجل ممزوج بالرزانة.

هاد التصرف خلى الجو يشعل بالفضول:

• شداد: حس بواحد الغيظ محبب لقلبه؛ هاد “الغموض” اللي كدير شامة خلاه يزيد يغرق فـ سحرها. فاش شاف شريفة كشفت وجها وشامة بقات مستورة، حس بلي هاد “الوافدة” جاية بـ قواعد جديدة، وبلي هي اللي كتحكم فـ “توقيت” كشف أسرارها.

• شريفة: هادشي خلى الفضول عندها يولي “جمرة”. كانت كتقول فخاطرها: “واش هاد الستر وقار، ولا هو خوف من المواجهة؟”. شريفة اللي كانت باغة تقارن جمالها بـ جمال شامة فديك اللحظة، لقات راسها قدام “جدار” من الحرير والغموض.

فديك اللحظة، دادا رقية تنحنحات واحد النحنحة خفيفة كأنها كتفكر الجميع بلي “أصول قصورهم ” عندها أحكامها. شافت فـ شريفة نظرة فيها احترام ولكن فيها تقدير للموقف، وكأنها كتقول ليها: “بنت العباس ما كتكشفش على وجها فـ أول مجلس.. الغالي كيبقى مخبع حتى كيقدر مولاه يوصل ليه.”

شامة بقات جالسة، يديها مخبعين وسط العباية، وعينيها هابطة الأرض بحياء كيزيد يغلي الفضول فـ قلب شداد. الجلسة ولات مشحونة بـ واحد “اللغة صامتة”؛ شريفة بـ وجها المكشوف اللي كيعلن التحدي، وشامة بـ خمارها اللي كيعلن “الغموض الملكي”.

شداد، وهو كيشوف فـ هاد الجوج، اكتشف بلي راه وسط صراع د الرزانة ما عمرو شاف بحالو.

دارت شامة إشارة خفيفة لـ كلثوم. تقدمات الخادمة ومعاه مساعدات اخرين وحطات الصناديق قدام شداد وشريفة. نطق شداد بصوته الرخيم كيسول على هاد الكرم، فجاوبته شامة من ورا الخمار بصوت كيرعد فيه الحياء:

يا أميرَ النعمان، ويا ابنةَ الكرام.. جئتُكم وفي جُعبتي بعضٌ من أثرِ العباسيين ، لا لزيادةِ قَدْرِكُم، فأنتم السَّنامُ والعِزُّ، ولكن ليحلَّ الودُّ حيثُ حلَّ العهد.”

النصل العباسي الاصيل.

فتحات كلثوم الصندوق الأول، وبان فيه سيف “عباسي” النصل ديالو مصنوع من الفولاذ الدمشقي اللي كتموج فيه الرسوم بحال ماء النهر، والمقبض من عاج مرصع بالياقوت.

• شداد، اللي كيعشق السلاح، عينيه لمعوا بواحد البريق د الانبهار. مد يديه ولمس المقبض، وحول نضره جهة شامة .وحس بلي هاد المرأة كتعرف “لغة الرجال”. نطق بـ وقار:

“للهِ دَرُّكِ يا ابنةَ العباس.. أهديتِ لِلفارسِ روحَهُ، وللأميرِ هيبتَهُ. سيفٌ مِثلُ هذا لا يحمِلُهُ إلا مَن صانَ الميثاق، وقد قَبِلنا هديتَكِ بقَدْرِ مَن أهداها.”

العطر الروحي.

أما الصندوق الثاني، فكان فيه قارورة كريستال فيها “دهن العود المعتق” اللي ريحته سدات الخيمة، ومعاها مرآة نحاسية ظهرها مشغول بالفضة والزمرد.

: شريفة تصدمات من هاد الصواب. شافت فـ المرآة وشافت فـ شامة اللي مازال مخبعة. حست بلي هاد “الوافدة” ذكية بزاف، حيت عطاتها “مرآة” كأنها كتقول ليها “شوفي جمالك”. هزات شريفة القارورة وقالت بصوت رزين:

“العودُ طِيبٌ، والطِّيبُ لا يَهدي إلا لِلطيِّبينَ يا شامة. أما المِرآة، فواللهِ لا أرى فيها إلا وجهاً سيصونُ غيبَتَكِ كما صانَ عهدَ مَن شارككِ فيه. هديتُكِ مَقبولة، وقَدْرُكِ مَحفوظ.”

فـ قلب الخيمة الكبيرة، فين الهيبة كتعانق ريحة العود والفروسية، كانت مأدبة الغداء هي المسرح لواحد من أقوى المشاهد فـ ديار الشداد . شداد جالس فـ الصدارة، كأنه صخرة صمّاء مابين جوج عواصف؛ عن يمينو شريفة بـ وجها المكشوف اللي كيتحدى الغياب، وعن شمالو شامة اللي باقة “سر” مغلف بالحرير، كأنها لغز كيتسنى اللي يفك شفراتو.

جاو الخدم بـ أواني الغسيل، وحضرو الاطباق بريحة الصمن والزعفران الحر كتفوح ” والمصلّي، وبدات اللحظة اللي كيتسناها شداد بـ فارغ الصبر. عروق عنق الأمير بدات كتنبض، وعينيه الصقرية متبتة فـ يدي شامة، كيتسنى اللحظة اللي غيطيح فيها “الغمام” على “البدر”.

لكن شامة، بـ رزانة الأميرة اللي قارية حساب كل خطوة، ما حيدتش اللثام. هزات طرف الحرير بـ يدها اليسرى غير بـ القياس اللي يستر ملامحها ويخليها تاكل بـ وقار، فـ حركة خلات شداد يحس بـ واحد “الثقل” فـ صدره. الأمير، بـ كل ما أوتي من هيبة و”ثقالة”، ما بغاش يبين انزعاجه، ولكن نظراته كانت كتقول: “واش هاد الستر وقار، ولا هو تحدي لسلطاني؟”

وفاش كان الصمت واصل للذروة، وقع اللي ما كان فـ الحسبان. شريفة، اللي كانت كتشوف فـ شامة بـ واحد الفضول قتّال، تقلب وجها فجأة. طلقت واحد الأنّة مريرة هزات أركان الخيمة، ويدها زيرات على طرف الزربية بـ قوة خلات صباعها يبيضو. الوجع عصرها، وصوتها خرج مخنوق:

“شداااااد”

هزت الأرض رعدة مكتومة تحت أقدام العبيد وهم كيهزوا شريفة، اللي كانت ملامحها كتغيب وتجي فبحر من الوجع الصامت والأنين اللي كيقطع نياط القلب. دخلوها لخدرها، وفيك اللحظة بانت “دادا رقية” كأنها السد المنيع؛ شمرات على ساعديها، ووقفت بوقار الحكيمات اللي كيعرفوا بلي مابين الحياة والموت كاين غير خيط رقيق من الصبر والقدر. ولادتها ما كانتش عادية، كانت “عسيرة” لدرجة أن ريحة الموت بدأت كتسابق ريحة البخور فـ الخيمة، وشريفة بانت ليها الدنيا كضيق وهي كتشد فـ أطراف الحياة بضوافرها، باغا تعطي لشداد “سند” لظهره وخا يكون الثمن هو روحها.

على برا، كان المخيم كلو حابس أنفاسه تحت سما مرصعة بنجوم قريبة بزاف، كأنها بغات تطل على اللي واقع. شداد، الأمير اللي ما كتهزوش الريح، ولى بحال الأسد الجريح؛ كيمشي ويجي قدام الخيمة بـ “ثقالة” ووقار مهزوز، يده تارة على مقبض سيفه وتارة يمسح بها على جبينه اللي غطاه عرق القلق. كان كيبعد ويرجع يقرب .

وقف الزمان فـ ذيك اللحظة، وكأنَّ قدر شامة بغى يصالحهَا من بعد هول الرحلة وثقل الحمل. دخلات شامة لخيمتها الملكية.. وكأنها دخلات لروض من رياض الجنة الموعودة، بعيداً على جدران قصور العباسيين اللي كانت كتخنق روحها وتضيق على أنفاسها.

سحر الشفق وفوانيس النور ،،

وقفت الأميرة فـ قلب الخيمة، اللي كانت آية فـ الصنعة، منسوجة بـ يدين كتعرف قيمة الجمال. سجاد “طبري” حريري مفرش فوق الرمل كأنه بساط ريحي، وأعمدة الخشب مشبكة ومزوقة بـ “المينا” والذهب، شادة سقف من القطيفة الرفيعة اللي كتعكس الضو بـ رقة ملكية.

كان الوقت هو وقت الغروب، ذيك الساعة اللي كتولي فيها السما عروس لابسة ألوان الشفق؛ من برتقالي محروق لـ أرجواني كيذوب فـ زرقة الليل. ومن ورا الفتحة د الخيمة، كانت شامة كترقب الشمس وهي كتودع الصحراء، وكتخلي وراها أفق لا حدَّ له، كأنَّ الدنيا وسعات فـ عينيها فجأة.

وفـ ذيك اللحظة، بدات الفوانيس النحاسية المنقوشة بـ رقّة “” كتشعل واحد مورا واحد. ضواوها الدافئة بدات كترقص على طيات الحرير، وكتوزع خيوط النور فـ الأركان، كأنها نجوم هبطات من السما باش تآنس وحشة الأميرة المستورة. ريحة اللبان المعتق مع ريحة الرمل البارد عطات للمكان هيبة ما كتوصفش.

شامة، بـ رزانة الملوك ورقة الأنوثة، تنهدات تنهيدة طويلة خرجت من أعماق قلبها. دارت عند كلثوم، وعينيها كيلمعوا بـ واحد البريق فيه بزاف د الأمل، ونطقت بـ صوت خافت كلو طمأنينة:

“يا كلثوم.. انظري لِهذا المَدى، فواللهِ ما ضاقت نفسي بـ حيطانِ القصر إلا لِتَفرحَ بِهاد الخلاء. واش شفتي هاد السما كيفاش عريانة ومهيبة؟ هاد الخيمة بـ فوانيسها وحريرها، جابت ليا ريحة الدار بلا خنقة الأسوار.”

• كلثوم (وهي كتمسح على كتف الأميرة): “يا لالة، هاد الرمل اللي كتشوفيه غريب، راه ولى اليوم كيبوس خطوتك. هاد الخيمة يا جليلة القدر، ما بقاتش غير ثوب وعوامد، ولات قلعة ليكِ وسط هاد البراح. وشوفي ضو الفانوس كيفاش كيرقص، ليلة الخميس هاذه ليست كمل الليالي يا مولاتي

• شامة (بابتسامة مستورة): “صدقتي يا كلثوم.. الحرية فـ هاد العراء عندها طعم كتر من مية قصر. هنا، الروح كطير الله يجعله منزل مبارك، ويجعل هاد الضو اللي فـ خيمتي، ضو فـ قلبي وقلب شداد.”

كان المشهد لوحة مرسومة بـ ريشة القدر: ألوان الغروب كتموت ببطء، والفوانيس كتحيا بـ دفء، وأميرة واقفة فـ صدر خيمتها، كتستقبل عهدها الجديد بـ نفس راضية وروح حرة فـ ديارالشداد.

خرجت شامة من الفتحة الخلفية د الخيمة، وكأنها غزال كينسل من وسط الظل لضوء القمر اللي بدا كيغلب على عتمة الليل. كانت لابسة قفطان من الحرير الرقيق، “شرب شرب” لونه كيشبه لزرقة السما فالفجر، توب خفيف لدرجة أن نسمة الريح الباردة كانت كتعلب بيه وتطيره موراها بحال الجناح. غطات راسها ووجها بوشاح رهيف، خبات السر ورا لثامها، ولكن خلات لروحها الحرية باش تعانق هاد الخلاء.

بدات كتمشى بخطوات موزونة فوق الرمل، ومع كل خطوة، كان كيتسمع رنين الخلخال الذهبي فـ رجلها، واحد الصوت رقيق “طن.. طن” كيكسر سكون الصحراء ويغني مع صوت الريح. أقدامها الناعمة كانت كتغرق فـ الرمل الدافئ، وملمس الحبات الرقيقة بين صباعها عطاها إحساس بالنشوة، إحساس بلي هي دابا جزء من هاد الأرض.

كلثوم كانت تابعة من اللور، كترقبها بابتسامة حذرة، ولكن شامة فديك اللحظة نسات هيبة الأميرة ونضام القصور. بدات كتنقز بخفة مابين التلال الرملية الصغيرة، وتهز الرمل بيديها الرقيقة وتزلعه فالهواء كأنها كترش الذهب فوق الظلام. ضحكتها الرنانة بدات كتعالى، ضحكة صافية خارجة من القلب، وتلاقات مع ضحكات كلثوم اللي جرفها الحماس. جلست شامة وسط الرمل بـ عفوية، وفردات رجليها قدامها، وبدات كتحركهم فـ وسط الكثبان الناعمة كأنها طفلة لقات كنزها المفقود.

فـ هاد الأثناء، كان شداد كيتحرك بجناب خيمة شريفة، قلبه مقسوم مابين قلق الولادة وهيبة العهد الجديد. رجله كانت كتديه بلا ما يشعر لجهة خيمة شامة، اللي كانت كتبان قدامه “مسدودة” ووقورة، كأنها حصن من الأسرار. ولكن، وسط داك الهدوء، تسرب لودنيه صوت ضحك رقيق، صوت كيشبه لخرير الماء فـ وسط العطش.

تقدم شداد بخطوات بطيئة، “ثقيلة” ورزينة، كيحاول يكتشف مصدر هاد الحياة اللي نبتات فجأة فـ ظهر الخيمة. وبمجرد ما دار مورا الكثبان، تبلّط فبلاصته.. المنظر خلاه يحبس أنفاسه.

شاف شامة، “ابنة الملوك” اللي كانت قبل قليل آية فـ الصمت والوقار، وهي جالسة فـ وسط الرمل، وشاحها كيطير مع الريح، ويديها عامرين بـ غبار الصحراء. ضو القمر كان نازل عليها كأنها تمثال من نور، وضحكاتها كانت كتسري فـ عروقه كأنها خمر قديم. شاف فـ دوك الرجلين اللي مزينهم الخلخال وهما كيعبثوا بالرمل، وحس بلي هاد المرأة خبات عليه “الروح” قبل ما تخبي عليه “الوجه”.

بقى واقف فـ الظل، كيرقب هاد اللوحة الساحرة: أميرة عباسية لقات حريتها فـ رمال البادية، وخلخال كيرن فـ أذن الليل، وضحكة خلات الأمير “الثقيل” يحس بلي قلبو بدا كيخف، وبلي هاد ليلة ياللاه بدأت ترسم أول فصولها السحرية.

تحت جنح الليل اللي بسط رداءه “الخسرواني” فوق كثبان ديارالشداد، وفـ ذيك البقعة المستورة اللي لايذه بستر الخيمة الملكية، كانت شامة كتخطو بقديمات حافيين كأنهم شقائق من مرمر شقوا طريقهم وسط تبر الرمال الدافئة. كان وشاحها “اللاجوردي” كينساب مع النسمات الرخية بحال شي غمام كيشتاق للتحليق، مخبية فيه شعرها الطويل المحلول للخلف واطرافه المتدلية كطل من تحت الوشاح ..ونازل على انفها كيخفي نصف وجهها وتارك عيونها تعيش اللحضة بحرية . مع كل خطوة وئيدة، كان رنين الخلخال الذهبي كيبعث فـ سكون الواحة لحناً شجياً، نغمة رنانة كتوقظ فـ النفوس هيبة الجمال المستور.

شامة كانت خلعات على روحها وقار القصور، واستسلمت لسحر العراء؛ فجثات على ركابيها بـ”أنوثة” عفوية، كتغرف من الرمل بيديها الناعمين، وتذروه فـ الهواء كأنها كتنثر مسكاً مطحوناً، وضحكاتها الصافية كتعالى باش تعانق ذؤابات النجوم القريبة.

وعلى مقربة منها، كان الأمير شداد شاخصاً فـ الظل، كأنه “طيف” مهيب من أطياف الفرسان الصناديد. وقف يرقب هاد المشهد اللي ما عمر عينه ألفاته؛ شاف فـ “فشامة ” روحاً طفولية ساكنة جسم امرأة متناسق ..كتلعب بالتراب، وكأنها كداوي جراح الغربة بملمس الأرض.

وبينما كان غارق فـ صمته الرزين، كيتأمل كيفاش الريح كتلاعب خصلات وشاحها، انشق دجى الليل على “حركة” مباغتة.

إنه عبيبوش.. ذاك القزم “الداهية”، ذو العقل الراجح واللسان اللاذع، اللي كيقرا فـ أسطر الخط ما وراء الطبيعة. تسلل كأنه “هباءة” فـ الريح من الجهة المقابلة، حتى استوى خلف شامة تماماً. وفجأة، وثب فـ الهواء كأنه “مارد” قفز من قوارير السحر، وصاح بصوته المجلجل الممزوج بالدهاء:

“يا جليلةَ القدر.. أفي هذي الساعةِ يُقامُ محرابُ الجمال؟ والنجومُ في كبِدِ السماءِ تشهدُ أنَّ سهمَكِ قد أصابَ الفؤاد، وأنتِ لا زلتِ بالرملِ تلعبين؟!”

انتفضت الأميرة كظبي فاجأه النبل، وشهقت كلثوم وهي كترجع للوراء من هول المباغتة. وبـ”طيش” محبب، جمعت الأميرة حفنة من الرمل بيديها، ودارت نحو عبيبوش وهي كتضحك بملء فيها، ثم قذفته بها وهي كتقول بلهجتها العباسية المسبوكة:

— الأميرة: “ويحكَ يا عبيبوش! أما وجدتَ غيرَ هاد الستر لِتُفزعَ رُوعي؟ واللهِ لقد كدتَ تقتلعُ قلبي من بين أضلعي بحماقاتك! خذها إليك، علَّ هاد الرمل يحجبُ لسانَك عن أسراري!”

عبيبوش وهو كينفض الرمل على ثيابه بضحكة خبيثة، غمز بـ عينيه لجهة الظل فين واقف شداد:

— عبيبوش: “ارجميني بما شئتِ يا “شامة” الدار، فما يمحو الرملُ ما كُتبَ فـ اللوح! إنَّ خلفَكِ ظلاً يرقبُ الخفاء، وأنتِ تجعلين منه شاهداً على طفولتِكِ المفقودة.”

هنا، تقدم الأمير شداد بـ”ثقالة” ترهب الرمل تحت قدميه، وبان طوله الفارع كأنه رمح صقيل تحت ضوء القمر. عينيه تلاقوا بـ عينيها اللي بهتوا وارتبكوا، ونطق بـ صوت رخيم، عميق الجرس، فيه نبرة السؤال الحازم اللي كيخبي موراها ألف استفهام:

— شداد: “صدقَ.. فواللهِ ما رأيتُ قطُّ ملوكاً يتوسدون الترابَ بمثلِ هاد الوقار. لا تذري الرملَ في وجهه، بل اذري أثرَكِ في آفاقِ دياري.. ولكن، قولي لي يا ابنة الأكابر، من يكون هاد “الماردُ القصير” اللي كيقاسمكِ خلوتَكِ، وكيتجاسر بلسانِه فـ حضرةِ مخدعِكِ؟”

رفعت الأميرة رأسها بـ ثقة ممزوجة بـ تقدير، ومسحت يديها من الرمل بـ حركات موزونة وخجل

—: “يا أمير.. هاد “عبيبوش” يأنس وحدتي بحكاياته .

بقى شداد واقف كالجبل، وعينيه الصقرية متبتة فـ “عبيبوش” بـ واحد النظرة اللي كانت كتقطع الأنفاس. وخا ملامح الأمير بقات رزينا وصارمة، إلا أنَّ نبرة صوته تبدلات لـ واحد البرودة اللي كتسبق العاصفة، وكأنَّ فكرة وجود راجل —وخا يكون قزم— بهاد القرب من مخدع “شامة” شعلات فيه واحد “النخوة” ما قدرش يسترها بالكامل.

دار شداد عند الأميرة، وبلا ما يشوف فـ عبيبوش، نطق بـ كلمات “ثقيلة” وموزونة، كأنها نصيحة مغلفة بـ أمر

:

—: “ياشامة .. ريحةُ الأهلِ غالية، والوفاءُ لـ عهودِ الماضي من شِيَمِ الأكابر. ولكن.. بَرّ الصحراء ليس بحيطان قصر العباس ، . هنا، “السترُ”يبدأ بـ المسافة، و”الهيبةُ”تكبر بـ القلة د الوجوه اللي كطلع على الخفايا.”

سكت لـ لحظة، ودار واحد الخطوة “رزينة” جهتها، وعينيه لمعوا بـ واحد الغموض حاد:

—: “خلوتُكِ في هاد الخلاء هي مَمْلَكتُكِ، ومن حُسنِ التدبيرِ أن يظلَّ “مخدعُكِ” بعيداً على كلِّ عين، حتى لو كانت بـ صِفةِ الأخِ أو الحارسِ او الونيس .

شار بحاجبو جهة عبيبوش وقال..

” مكانه مع الرجالِ فـ المجالسِ أو في أطرافِ الركب، أما ظِلالُ الخيامِ الخلفية.. فهي لِأصحابِها وحدهم .”

تحتَ سكونِ الليلِ الذي صارَ أثقلاً من الجبالِ، نزلتْ كلماتُ الأميرِ شداد على مسمعِ شامة كأنها وَقعُ النِّبالِ على صفحةِ الماءِ الرقراقةِ. في تلكَ اللحظةِ، تجمَّدَ الزمانُ بينهما؛ شامة التي كانتْ قبلَ قليلٍ تفيضُ بِبشرِ الطفولةِ، ارتسمتْ على وجهِها ملامحُ “رُخاميّةٌ” بَهتتْ فيها كلُّ ألوانِ الفرحِ.

لم تَنطقْ بكلمةٍ، ولم ترفعْ صوتاً، لكنَّ لغةَ جسدِها كانتْ أبلغَ من كلِّ حوارٍ؛ استقامَ قَدُّها بوقارٍ يفيضُ عِزةً، وجمعتْ أطرافَ وشاحِها “اللاجورديِّ” حولَ صدرِها ببطءٍ وتُؤدةٍ، كأنها تَرممُ شتاتَ روحِها التي خُدشتْ فجأةً. رَمقتْ شداداً بـنظرةٍ واحدةٍ؛ نظرةٍ طويلةٍ، عميقةٍ، غارقةٍ في عتابٍ صامتٍ بَقيتْ عالقةً بين أشفارِها، نظرةٍ كأنها تسألهُ عن “الوعدِ” الضائعِ خلفَ سُتورِ الغيرةِ.

عيناها، اللتانِ كانتا مَحراباً للضياءِ، صارتا الآنَ غريبتينِ، يسكنُهما حياءٌ “جريحٌ” وقوةٌ صامتةٌ لا تنكسرُ. لم تُشِحْ بصرَها عنه بضعفٍ، بل أسبلتْ جِفنيها ببطءٍ مَهيبٍ، في إشارةٍ لانسحابِها التامِّ من ذيك اللحظةِ اللي تلوثات بـ”الأمرِ” والتحكمِ.

أما عبيبوش، فـ قدْ تبدَّل حالُه في ثانيةٍ؛ اختفتْ ضحكتُه الماكرةُ، وحلَّت محلَّها رزانةٌ غريبةٌ. انكمشَ على نفسِهِ قليلاً، لا خوفاً، بل استشعاراً لثقلِ “الكرامةِ” اللي تقاستْ فـ مخدعِ أميرتِه. كان كيشوف فـ شداد بـأعينٍ صقريةٍ حزينةٍ، وكأنه كيعبر بـ ملامح وجهه المنقبضة على ذيك الخيبة اللي سكنات قلب شامة.

بـ”إيماءةٍ” خفيفةٍ من رأسِها، فيها من الأدبِ مِقدارُ ما فيها من “المسافةِ” الشاسعةِ، دارتْ شامة بـ حركاتٍ رزينا، وخطواتٍ ثقيلةٍ كتخلي وراها أثرَ الخلخالِ اللي صارَ رنينُه الآنَ بائساً. انسحبتْ من هاديك الخلوةِ وهي شادة فـ وقارِها، كأنها كتمشى فوقَ جمرٍ مكنونٍ، بلا ما تلتفتْ وراها ولا تزيد جرة قلمٍ فـ الكلامِ.

بقى شداد واقفاً فـ مكانِهِ، كيشوف فـ الظهرِ ديالها وهو كيبعد، وحسَّ بـ ذيك البرودةِ المفاجئةِ اللي سكناتِ المكانَ موراها. ملامحُ شامة الصامتة ونظرتُها “الجريحةُ” كانتْ كافيةً باش تخليه يحس بلي “الداهيةَ” اللي فيه أخطأَ التقديرَ؛ فـ الأميرةُ اللي جابتْ معاها ريحةَ بغداد، ما جاتش باش تسكنْ “سجناً” جديداً، وخا يكون مَسياجاً بـ حريرِ السترِ والوقارِ.

مابين هتافِ الديار وصمتِ الخيام

عمتِ الزغاريدُ أرجاءَ المراح، وشعلوا النيران باش يعلموا القبائل المجاورة بقدوم “الوارث”. شداد، وهو هاز ولده بين يديه، حس بلي ملكه اكتمل، ولكن عينيه كانت بـ غير شعور كتخطف النظرة لـ جهة الخيمة فين انسحبت شامة.

داخل الخيمة، كانت شامة جالسة فوق “الطنفسة”، ضوء القنديل كيرقص على ملامحها الرخامية. كانت ساكتة، وصمتها فيه بزاف د الهيبة. ملامحها ما بقاتش فيها ذيك ” النضرة” الضاحكة، بل رجعات للأصل ديالها: أميرة عباسية جرحها “التحكم” فـ أول ليلة ليها فـ العراء.

دخل عبيبوش كيتسلت بـ خطواته الرزينة، وبلا ما ينطق بـ كلمة، جلس فـ الركن المقابل ليها وربع رجليه ..كان كيشوف فيها بـ نظرة فاهمة، كأنه كيقرا الخيبة اللي فـ صدرها.

— شامة (بصوت رخيم خافت): “سمعتي يا عبيبوش؟ الديار فرحانة بـ السند، والقلوب كتهتف لـ شداد.”

عبيبوش هز راسه بـ بطء، ونطق بـ ذيك النبرة الخفيفة والنضرات البهلوانية اللي كتسبق سنه:

— عبيبوش: “الفرحةُ حقُّ أصحابِها يا شامة.. ولكن السعدَ الحقيقي هو اللي كيكون بـ “الخاطر” المجبور، ماشي بـ الأمرِ المسطور. الأمير شداد سكنات فـ قلبه “هيبة” ولي العهد، ولكن غفل بلي “المهرة” اللي جاب من موطن العباسيين ، قلبها كيتفتح بـ اللين، ماشي بـ السور.”

شامة شافت فـ عبيبوش، وواحد “الابتسامة” باردة ورزينة ترسمات على ثغرها، ونطقت بـ كلام موزون:

— شامة: “بَرُّ الصحراء علمني فـ ساعة، كثر ملي تعلمته فـ سنين القصور. شداد باغي يحميني بـ “الغياب”، وأنا بغيت نحميه بـ “الوفاء”. إيلا كان “الستر” عنده هو السجن، فـ غدا غيشوف بلي “شامة ” وخا فـ وسط القفص، ريحتها كتخرج لـ اللي كيعرف قيمة الجوهر.”

فـ هاد الأثناء، برا الخيمة، بدأت الحركة كتهدا شوية. شداد سلم المولود لـ “دادا رقية” باش تديه لـ أمه شريفة، وخرج لـ برا يشم هوا الليل. عينيه مشاو لـ خيمة شامة بـ واحد “الفضول” معذب؛ كان باغي يمشي عندها، يشاركها فرحتو ، وربما يصحح ذيك “البرودة” اللي خلى مورا كلامه، ولكن كبرياء “سيد القوم” خلاه واقف فـ مكانه.

حس شداد بلي هاد ليلة، وخا جابت ليه ولي العهد، خذات منه “قرب” شامة اللي كان كيطمع فيه. شاف فـ النجوم وهمس لـ راسه:

— شداد: “يا شامة.. وعر الخلاء كيعلمنا القسوة حتى على اللي كنبغيو نحميوهم. واش غتفهمني، ولا غيبقى هاد الصمت هو الحيط اللي بيني وبينك؟”

دخل شداد لقلب الخيمة الملكية، فين كانت ريحة “البخور” والنفاس مخطلة بوقار اللحظة. شريفة كانت متكية، وجهها شاحب بحال القمر فـ آخره، ولكن عينيها فيهم واحد النصر عظيم؛ نصر المرأة اللي عطات لـ سيد القوم “الخَلَف” اللي كان كيتسناه.

قرب شداد بخطوات تقال، وجلس فـ الجنب ديالها. هز يدها بـ رفق —وهادي حركة نادرة من رجل فـ صلابته— وحطها بين يديه. شاف فـ عينيها بـ واحد النظرة فيها بزاف د التقدير وبزاف د “الاعتراف” بالجميل، ونطق بصوت رخيم وهادئ:

— شداد: “بارك الله فـ صيدك يا ابنة الأكابر.. وبارك الله فـ هاد الوجه اللي جاب لينا السعد. اليوم، رفعتي راسي مابين القبائل، وعطيتي لـ ديار النعمان “سند” غيخلد سميتنا .”

شريفة، وخا العياء كان هادّها، ابتسمات ابتسامة رزينا، وشافت فـ الصغير اللي كان ناعس حداها، وقالت بصوت خافت فيه حكمة الزوجة اللي عارفة راجلها مزيان:

— شريفة: “هاد الولد هو “عربون” الوفاء ليك يا أمير.. هو الشجرة اللي غتضلل على هاد الخيام من بعدنا. ولكن كنشوف فـ عينيك، وخا الفرحة كاينة، كاين شي “خيال” كيشغل بالك. واش البادية ضيقات صدرك فـ ليلة بحال هادي؟”

شداد سكت لـ لحظة، وكأنه كيحاول يهرب من “سؤال” شريفة الذكي. زير على يدها شوية، ورجع شاف فـ الوليد، وقال:

— شداد: ” البدو ” ما مكيتحمش فـ صدري يا شريفة.. ولكن “المسؤولية” هي اللي كتقل الميزان. دابا وليتي أمّ ولي العهد، ومقامك عندي زاد وقار فوق وقار. ارتاحي، فـ غدا الديار غتذبح العقيقة، والقبائل غتعرف بلي “شداد” وراه سبع غياخد المشعل.”

شريفة سكتات، ولكن عينيها بقاو متبعين شداد وهو كيقوم. هي بـ “حس” المرأة، حست بلي كاين شي حاجة تبدلات فـ هاد الليلة، وبلي “الغموض” اللي فـ عينين راجلها مورا ما هدر مع شامة، خلى أثر وخا هو دابا كيهدر على الفرحة والوارث.

خرج شداد من الخيمة بـ هيبة الملوك، ولكن فـ قلبه كان كاين “صراع” خفي مابين فخره بـ ولي العهد، وبين ذيك “الغصة” اللي خلاتها نظرة شامة الحزينة فـ باله.

نسمةُ المسك في جِنانِ النخيل

في صبيحةِ اليومِ الموالي، كانتِ الواحةُ العظيمةُ تبدو كأنها “قطعةٌ من الجنةِ” سقطتْ وسطَ ذهبِ الرمالِ؛ خريرُ المياهِ في السواقي كيعزفُ لحنَ الطمأنينةِ، وظلالُ النخيلِ الباسقةِ كترمي بـ بُرودتِها على الخيامِ الملونةِ. وسطَ هاد الخضرةِ اللي كتسرُّ الناظرين، كانتْ شامة كترقبُ من خلفِ أستارِ خيمتِها حركةَ الأميرِ شداد.

ما كادتْ تلمحُ خيلَهُ كتقطعُ ممرَّ النخيلِ مبتعدةً نحو أطرافِ الواحةِ لتفقدِ إبلِ العقيقةِ، حتى تنفستِ الصعداءَ. لم تكنْ تُريدُ لعينِها أن تقعَ في عينيهِ؛ فـ “الصدُّ الصامتُ” صارَ هو ردَّها الوحيدَ على كلامِه القاسي.

خرجتْ شامة بـ خطواتٍ حذرةٍ ورزينةٍ، ملتحفةً بـ وقارِها العباسيِّ وسوادِ لثامِها الذي لم يرهُ شدادُ بعد. بـ خفةٍ، كأنها “خيالٌ” شاردٌ كيهربُ من ضوءِ الشمسِ، حتى وصلتْ لـ مخدعِ شريفة.

دخلتْ لـ خيمةِ النفاسِ، فاستقبلتْها برودةُ المكانِ الممزوجةِ بـ ريحةِ “الريحانِ” و”الزعفرانِ”. كانتْ شريفة متكئةً على وسائدِها، والوليدُ في حجرِها، والجوُّ داخلَ الخيمةِ كأنَّهُ مَحرابٌ للسكينةِ بعيداً عن صخبِ الفرسانِ.

— شامة (بصوتٍ خافتٍ ينسابُ كـ خريرِ الساقيةِ): “صباحُ البِشرِ واليُمنِ يا لالة شريفة.. جئتُ أباركُ لكِ في خلوتِكِ، بعيداً عن زحامِ القومِ وهيبةِ السادةِ. جادَ اللهُ عليكِ بـ هاد الصغيرِ في هاد “الجنةِ” المباركةِ.”

شريفة،شافت فـ هاد “اللثامِ” الرزينِ، وقالتْ بـ نبرةٍ حكيمةٍ:

— شريفة: “مرحى بـ ريحةِ العباسيين .. ادخلي يا شامة، فـ واللهِ إنَّ لـ طيفِكِ في هاد الواحةِ مَقاماً غاليا. اجلسي، فـ شدادُ قد أبعدَهُ النجِعُ اليومَ، ولن يقطعَ خلوتَنا أحدٌ.”

جثات شامة بجانبِ الفراشِ، ومدتْ أصابعَها الرقيقةَ تلمسُ ثوبَ المولودِ بـ حنانٍ مكسورٍ. كانتْ عيناها من وراءِ اللثامِ غارقتينِ فـ صمتٍ مهيبٍ؛ وكأنها كتحاولُ تلقى فـ هاد الخيمةِ “الأمانَ” اللي سلبُه منها كلامُ شداد بـ الأمسِ.

بقتْ شامة جالسةً، أذنُها معَ حفيفِ النخيلِ برا الخيمةِ؛ خوفاً من أن يباغتَها وقعُ حوافرِ خيلِ شداد، فـ تضطرَّ لـ مواجهةِ “نظراتِه” التي لم تَعُدْ تقوى على احتمالِ ثقلِها.

شريفة، اللي عينها ميزانها، شافت فـ هاد “اللثام” بـ نظرة فيها “توجُّس” مغلف بـ الأدب. هي عارفة بلي شامة هي “الوافدة” اللي خذات اهتمام الأمير شداد، ولكنها دابا كتحس بـ نصر ولادة “الوارث”.

— شريفة (بـ نبرة فيها سيادة هادئة): “هاد الوليد يا شامة، هو اللي كانت كترجاه هاد الرمال، واليوم ربي ثبت بيه أركان خيمة شداد.”

كانت كل كلمة من شريفة بحال “المسمار” اللي كيدق فـ جدار المسافة. هي ما عارفاش بلي شداد قسى على شامة البارح، ولكنها بـ “غريزة” الزوجة الأولى، كانت كتحرص تبين لـ شامة بلي مقامها هي (شريفة) محفوظ بـ “الدم” و”الولد”، وبلي شامة غتبقى ديما هي “الخيال” البعيد فـ حياة الأمير.

شامة ما رداتش بـ كلام مباشر على “السيادة” اللي كتحاول شريفة تفرضها. بقات ساكتة، وعينيها فـ الصغير، كأنها كتأمل فـ قدرها اللي رماها فـ هاد الصراع الصامت. ما نزلتش لـ مستوى الدفاع عن نفسها، بل اختارت “الترفع”.

— شامة (بـ هدوء عجيب): “الخَلَفُ هو أمانةُ الله لـ الصابرين يا لالة شريفة. والأمير شداد رجلٌ كيعرف قيمة الأمانة. نخليك ترتاحي مع ولي عهدك، فـ المقامُ اليوم ليه بوحده.”

قامت شامة بـ واحد “الخفة” المهيبة، وجمعات أطراف وشاحها. وقفت لـ لحظة، شافت فـ أرجاء الخيمة اللي عامرة بـ ريحة “شداد” وهيبة ملكه، وحست بلي شريفة بـ هاد “الاستقبال” الرزين، حطت حدود ما يمكنش يتخطاها حد.

انسحبت شامة بـ خطوات تقال، وهي كتحس بـ “ثقل” لثامها. خرجت لـ هوا الواحة، وفـ ذيك اللحظة سمعت وقع حوافر خيل الأمير شداد كيقرب. تجمعات دغيا وتوارت مابين ظلال النخيل، كأنها كتهرب من مواجهة “الحقيقة” اللي كتقول بلي فـ هاد الواحة، كاين مقام لـ “السيدة” ومقام لـ “الضيفة”.

ترجَّل الأميرُ شداد عن جوادِه عند مَدخلِ المراحِ، وسلّمَ لِجامَه لأحدِ غِلمانِه، والزهوُ بـ”وليِّ عهدِه” يسبقُ خُطاه الرزينةَ.، ودخلَ خيمةَ شريفة بـ هيبةٍ تَخفتُ فيها أصواتُ الدارِ.

ما إن تجاوزَ أستارَ الخيمةِ حتى استقبلتْه “نسمةٌ” غريبةٌ عن ريحِ الصحراءِ؛ ريحٌ باردةٌ، عطِرةٌ بـعود عباسي عتيقٍ، ريحٌ كيعرفُهاة انفه .

كانت شريفة متكئةً تُداعبُ وليَّ العهدِ، وعيناها تفيضانِ بـ بِشرِ السيدةِ التي مَلكتْ زِمامَ الدارِ وبَقيتْ صخرةً في قلبِ الأميرِ. نظرَ شداد في أرجاءِ الخيمةِ بـ نظرةٍ “داهيةٍ” ما كَتفوتْها حتى ذرةُ رملٍ، ثم وقعَ بصرُه على زوجتِهِ.

— شداد (بصوتٍ رخيمٍ فيهِ تساؤلٌ مَبطنٌ): “أرى أنَّ الخيمةَ تفيضُ بـ طِيبٍ ليسَ من بَخورِنا المعتادِ يا شريفة.. وكأنَّ “نسمةً” من رِحابِ القصورِ حلَّت بـ مخدعِكِ في غيابي.”

شريفة، التي كانتْ أعرفَ الناسِ بـ ما يدورُ في خَلَدِ زوجِها، ابتسمتْ ابتسامةً رزيناً، فيها من “الأنفةِ” ما يليقُ بـ أمِّ وليِّ العهدِ. رتبتْ لِحافَ الغلامِ بـ هدوءٍ، ونطقتْ بـ صوتٍ فيه رنينُ السيادةِ:

— شريفة: “صدقتَ يا أبا الغلام.. فقد تشرَّفتِ الخيمةُ بـ زيارةِ “شامة” صبيحةَ اليومِ. جاءتْ بـ وقارِها ولِثامِها لـ تُبارك لـ وليِّ عهدِك في خلوتِه..

سكتَ شدادُ لـ لحظةٍ، وكانَ لـ ذِكرِ “اللثامِ” وَقعٌ على قلبهِ؛ فهي لا تزالُ تَحتجبُ عنه، وتختارُ “الغيابَ” لغةً لـ عتابِها.

— شريفة (تُكمل بـ ذكاءٍ لا يخلو من حِدّةٍ): “لقد كانتْ قصيرةَ المُكثِ، رقيقةَ الخُطى.. باركتْ وانصرفتْ لـ خيمتِها، وكأنها تَعرفُ أنَّ مَقامَ “السيدةِ” في هاد المخدعِ لا يزاحمُه غيرُ السكينةِ. لقد أعجبني فيها يا أمير، كبرياؤها الذي يمنعُها من الكلامِ الزائدِ.”

شدادُ أحسَّ بـ مرامي كلامِ شريفة؛ فهي بـ أدبِها “الموزونِ” كترسم ليه الحدود، وبـ مديحِها لـ كبرياءِ شامة، كانتْ كتقول ليه بلي “الضرةَ” العباسيةَ قد قَبِلتْ بـ العزلةِ مقاماً.

هزَّ شدادُ رأسَه بـ إيماءةٍ خفيفةٍ، وجلسَ بجانبِ وليدِه، لكنَّ فِكرهُ كانَ لا يزالُ معلقاً بـ ذاك “الأثرِ” العطِر. أحسَّ بـ صمتِ شامة الذي بدأَ يتحولُ لـ “جدارٍ” صلدٍ؛ فهي قريبةٌ منه بـ جَسدِها وبعيدةٌ عنه بـ روحِها.

خرجَ شدادُ بعدَ حينٍ لـ باحةِ الخيمةِ، ونظرَ لـ جِهةِ النخيلِ حيثُ تَتواري خيمةُ شامة، وهمسَ في صدرِه بـ حرقةِ الفارسِ الذي لم يَعِتد الهزيمةَ أمامَ الصمت:

— “يا ابنةَ الأكابر.. أتزورينَ مَخدعَ أهلي في غيبتي، وتعتصمينَ بـ حياءِكِ في حضوري؟ واللهِ إنَّ هاد “الحجابَ” الذي تضعينَه بيني وبينَكِ، لهو أقسى من رمالِ الصحراءِ في ليلِها الصقيع.”

ليست مجرد “ضرة” في واحة، بل هي غريبةٌ تحمل ثقل ذنبٍ لم تقترفه (دم ولي العهد السابق)، وتعيش في خوفٍ مستتر من أن تتحول لعدوة في عيون القوم. انطواؤها خلف اللثام ليس تكبراً فقط، بل هو “درعٌ” يحميها من نظرات الحقد، ورسائلها هي الجسر الوحيد اللي كيربطها بـشداد بلا ما تخسر وقارها أو تغامر بـ كرامتها.

رسولُ الحريرِ.. في مَهبِّ الجفاء

عادت شامة لـ خيمتها بخطواتٍ يطاردها القلق، وجلست فوق “الطنفسة” وهي كتحس بـ ضيقٍ في صدرها. رغم أنها باركت لـ شريفة، إلا أن خوفها القديم بدأ يتحرك في داخلها؛

التفتت لـ جهة عبيبوش، اللي كان واقف فـ ركن الخيمة كيرقب ملامحها بـ بصيرةٍ نافذة.

— شامة (بصوتٍ خافت يفيضُ حزناً): “يا عبيبوش.. الواحةُ جميلة، ولكنَّ قلوبَ أهلِها أسوارٌ لا تُفتح. زرتُ شريفةَ لأضعَ غصنَ زيتونٍ بيني وبينَها، ولأُعلمَها أني ما جئتُ لـ أزاحمَها فـ مَلكِها ولا فـ قلبِ سيّدِها. لكنَّ شداد.. شداد هو مَن يخشى قلبي تقلبَه؛ فـ هو الجارحُ والمجروحُ، وإنْ سدّدتُ بابي فـ وجهه، فـ خوفاً من أن تُكسرَ المودةُ نهائياً، لا رغبةً فـ العِداء.”

أخرجت شامة رقاً صغيراً، وغرست ريشتها فـ الحبر بـ يدٍ مرتعشة، وكتبت بـ خطٍ عباسي أنيق، يجمعُ بين رقةِ الأنثى وهيبةِ الأميرة:

“إلى مقامِ الأميرِ شداد..

بوركَ لكَ فـ الموهوب، وشكرتَ الواهب، وبلغَ أشدَّه، ورُزقتَ بِرّه. إنَّ مَن اختارت الصمتَ فـ حضرتِك، لم تختره جفاءً، بل وقاراً ، وحفظاً لـ مودةٍ أخشى عليها من عواصفِ الكلام. جعلَ اللهُ هاد الوليدَ مفتاحاً لـ كُلِّ بابٍ مَسدود، وسنداً لـ دارٍ ما تمنيتُ لها إلا الخير والرفعة.”

مدتها لكلتوم وقالت

“خُديها ، وسلّميها لـ يده. لا تقطعْ فـ حقه صلة، ولكن لا تفتحْ له باباً لـ ملامتي. أريده أن يعرف أنَّ شامة خلفَ هاد الأستار ليست عدوةً لأحد، بل هي جارةٌ تطلبُ السكينة.”

خرجات كلتوم كتقلب على الامير. لقاتو بين الرجال واقف .. رجعات للخيمة ومداتها لعبيبوش .شدها بيدو الصغيرة ونقز من مقعده وخرج بـ خطواته الموزونة، متوجهاً لـ “المشور” فين كان الأمير شداد جالس مابين فرسانه. دخل القزمُ الصغير بـ هيبةٍ تفرضُ احترامَها، وانحنى بـ وقارٍ واضعاً الرسالة مابين يدَي شداد.

تغيرت ملامح شداد ملي شاف “الخاتم” ..

حول نضره للقدم لي حاني راسو فالارض شاف فيه بحدة قرى فيها حجمه ورجع للرسالة …. من نسمة العود العباسي لي طالعة منها عرف صاحبة الكتاب. تفرقوا الفرسانُ بـ إشارةٍ من يده، وبقى بوحده تحت ظل النخلة العظيمة. فتح الرسالة، وبدأ يقرا الكلام الموزون. عيناهُ كانت كَتنتقل مابين الحروف، وفي كل سطر، كان كيحس بـ “الرجفة” اللي مخبية وراء كبرياء شامة.

لم يبتسم، ولم يغضب. بل طوى الرسالة وهزَّ رأسه لـ جهة خيمة شامة بـ نظرةٍ طويلة، غامضة،

وضع شداد الرسالة فـ “خُرجِ” سرجه، وقام لـ خيلِه بـ صمتٍ أبلغ من الكلام. لم يرسل رداً، ولم يذهب لـ خيمتها، بل ركبَ جواده وانطلق فـ الواحة،

حلَّ الليلُ على الواحة، وسادَ السكونُ بين النخيل، إلا من حفيف السعفِ مع النسمات الباردة. داخل الخيمة، كان القنديلُ يرسلُ ضوءاً خافتاً يرقصُ على الأستار. جلست شامة مرخيةً شعرها اللي ينساب كليلةٍ مظلمة على كتفيها، بينما كانت دادا رقية تغمرُ خصلاتِها بزيتٍ عُجن بـالعود الكمبودي العتيق. كانت رائحةُ العودِ تملأُ أركان الخيمة، ثقيلةً، وقورةً، وتفوحُ بـ شموخِ العباسيين .

في تلك اللحظة، اقتربَ الأميرُ شداد بخطواتٍ رزينةٍ وئيدة، وقعُ حوافر خياله في ذهنه لا يزال يتردد، لكنَّ وقعَ خطواته على الرمل كان له هيبةُ الحاكم. وقف أمام مدخل الخيمة، فاستنشقَ الهواءَ بعمق؛ كانت رائحةُ “العود” التي انبعثت من خلف الأستار كافيةً لتجعله يتوقفُ في مكانه. ضاقت عيناهُ وهو ينظرُ إلى السترِ المسدول، ويده استقرت بـ ثباتٍ فوق حزامه، بينما ظلَّ وجهه كـ صفحةِ الصخر، لا تشي بـ سرٍّ ولا تفضحُ وجداً.

همَّ الأميرُ بالحديث، لكنَّ السترَ انزاحَ قليلاً لتخرجَ دادا رقية، فوقفت بـ شموخٍ يضاهي شموخَ النخيل، وعيناها تلتقيان بـ نظرة الأمير بـ ثباتٍ لا يلين.

— شداد (بصوتٍ جهوريٍّ منخفض، فيه نبرةُ الآمرِ المطاع): “يا رقية.. بلغي ابنةَ الأكابر أنَّ الأميرَ بالباب، جئنا لـ نرى أثرَ السكينةِ في خيمتِها بعد كتابِ الصباح.”

نظرت رقية إلى الأمير، ثم خفضت رأسها قليلاً في انحناءةٍ موزونة، لكنها لم تتحرك من مكانها، وظلت سداً منيعاً أمام المدخل.

— دادا رقية (بصوتٍ هادئ ورزين): “يا سموَّ الأمير.. المقامُ الآن لـ السكنِ والهدوء. لالة شامة غلبها تعبُ السفرِ وطولُ السهر، فقد آوت إلى فراشِها لـ تنالَ حظاً من الراحة. وما نامت إلا وهي تدعو لـ هاد الديار باليُمنِ والبركة.”

تجمدت ملامحُ شداد لـ لحظة. ارتفع حاجبُه الأيمنُ في حركةٍ خاطفة، ونظر إلى السترِ المسدول خلف رقية بـ نظرةٍ ثادة، وكأنه يحاولُ اختراقَ الثوبِ لـ يبصرَ ما وراءه. ظلَّ صامتاً، وجسدُه مشدودٌ كـ وترِ القوس، وعيناهُ تلمعانِ تحت ضوءِ القمر بـ بريقٍ غامضٍ لا يُعرفُ أهو غضبُ السيّدِ أم تساؤلُ الفارس.

أزاح نظره بـ بطءٍ عن الخيمة، ونظر إلى سماءِ الواحة، ثم عاد لـ يثبتَ نظرتَه في رقية.

— شداد: “طيّبٌ هو مَنامُها إذن. بلغيها أنَّ الخيلَ لا تنسى مسارَ الطريق، وأنَّ الردَّ على “التحية” مَقامُه لا يُحدده الليلُ، بل تُحدده الأفعال. لـ ترتاح ابنةُ ابنة العباس، فللحديثِ شجونٌ يُؤجلها ضوءُ النهار.”

استدار الأميرُ بـ حزم، ومشى بـ خطواتٍ واسعةٍ تضربُ الأرض بـ وقار، دون أن يلتفت وراءه. داخل الخيمة، كانت شامةُ ممسكةً بـ يدها على صدرها، تسمعُ رنينَ صوته وقوةَ كلماته، وعيناها غارقتانِ في ضوء القنديل، تُصارعانِ حيرةً لم تجد لها جواباً في صمتِ الليل.

مع بزوغ خيوط الفجر الأولى فوق الواحة، بدأت الحركة تدب في أرجائها؛ فالعقيقة لم يعد يفصل عنها إلا أيام معدودة، والتحضيرات بلغت ذروتها. داخل خيمة، لم تكن العيون تنام كما تنام الأجساد؛ فخادمت شريفة المقربة وكاتمة أسرارها، خناثة، كانت بمثابة “جاسوسة” فطن، تلتقط دبيب النمل في الرمل وتوصله لسيدتها بذكاء.

انحنت خناثة قرب رأس شريفة، التي كانت ترقب ممر الخيل من شق الستر، وقالت بصوت خافت لا يجاوز الأذن:

— خناثة: “يا لالة شريفة.. الخبر يقين. الأمير شداد وقف البارحة بباب العباسية، وطال وقوفه تحت جنح الظلام. لكن “رقية” كانت له بالمرصاد، ردته بوقارِ مَن لا يفتح الباب إلا بإذن، وقالت إن سيدتها غلبها النوم.”

رمقت شريفة خادمتها بنظرة حادة امتزج فيها الفخر بالقلق، ثم عدلت من وضع رضيعها وقالت بصوت هادئ وموزون:

— شريفة: “العباسية تتقن فن الحجاب يا خناثة.. والصدُّ في لغة النساء أحياناً يكون أقوى من الجذب. شداد ما اعتاد أن يرتد عن بابٍ قرعه، لكنه يحترم الكبرياء الذي يشبه كبرياء خيله. المهم عندي أن تظل عيناكِ على “عبيبوش”، فما يخرج من خيمتها من رسائل، هو ما يرسم طريقنا القادم.”

في الجهة المقابلة، كانت الخيمة العباسية تفوح برائحة العود الثقيل الذي اختلط ببرد الصباح. استيقظت شامة والهدوء يلف ملامحها، لكن عينيها كانت تحملان أثر سهر طويل. نظرت إلى رقية التي كانت تجهز لها بخور الصباح بتمهُّلٍ ورزانة.

— شامة (بنبرة رزينة): “يا دادا .. هل ارتد الأمير راضياً أم غاضباً؟ فالصحراء لا تغفر لمن يرد أسيادها، وأنا ما أردته إلا حفظاً لما تبقى من حياء مكسور.”

وضعت رقية المبخرة جانباً، واقتربت من شامة، ومسحت على كتفها بيدٍ فيها بركة السنين، ونطقت بدارجتها العباسية الرزينة:

— رقية: “يا بنتي، ارتد بوقار السادات وعزّ الملوك.. عينيه ما نطقوا بـ شين،مرسول السلم اللي صيفطتي وصلت لـ مرساها، ولكن يا بنتي، عيون هاد الواحة راه مية وألف، وشمشامة شريفة راه من فجر الله وهي كتحوم مابين الشقوق بحال الظل المحموم.” وانا غير شفتها عقلت عليها ..

سكتت رقية لثانية، وكملت بصوت فيه نصيحة الحكيم:

— رقية: “لا يضيق صدرك يا بنتي، راه الحُرّة هي اللي كتخلي السبع يترجى قدام بابها، والمقام اللي جيتي منه راه علّمك باللي القصور كتبنى بـ الصم الحجرة ،

وقفت شامة بوقارها، وأصلحت من لثامها الذي عاهدت نفسها ألا يراه شداد إلا بشروطها. خرجت إلى شرفة الخيمة، ونظرت إلى النخيل الباسق، وعيناها التقت من بعيد بـشداد وهو يمتطي جواده استعداداً لرحلة قنص صباحية. لم تلوح بيديها، ولم يلتفت هو بجسده، لكن “لغة العيون” في ذلك الفضاء الفسيح كانت أبلغ من كل قصائد الغزل؛ نظرة حادة من فارس يراقب “قلعته” الممتنعة، ونظرة ساكنة من أميرة تحمي حدودها بالصمت.

تحرك شداد بجواده، وغبار الرمل يرتفع خلفه، تاركاً الواحة تغلي بانتظار يوم العقيقة العظيم، حيث لن ينفع الحجاب ولا الاختباء وراء الأستار.

: “خيمة الصلح.. عقد القران تحت ظلال السيوف”

الريح ديال الجنوب كانت كتصافر برا، وكتحرك الجوانب ديال الخيمة العظيمة اللي تنصبت وسط الإمارة. الخيمة ما كانتش عادية، كانت من وبر الجمال المنسوج بدقة، ومفرشة بزرابي ثقيلة بألوان الأرض. الوسط كان عامر بـ “أهل الحل والعقد”؛ من جهة، كبار المستشارين ديال الأمير شداد بملامحهم اللي منحوتة من صخر الجبل، ومن جهة أخرى، وفد شامة اللي جاو من قصر باها، لابسين أحسن ما عندهم باش يحافظوا على هيبة أميرتهم وسط هاد الغربة.

وراء “الخدر” (الستارة الغليظة)، كانت شامة جالسة على وسائد من مخمل. كانت حاسة ببرودة في أطرافها رغم صهد الجنوب. وجنبها، كانت واقفة كالسد المنيع “دادا رقية”.

دادا رقية كانت امرأة في خريف العمر، لكن وقفتها كانت كتشبه وقفة النخلة.عينيها واسعين وكحلين بحال ليل الصحراء، فيهم واحد الحكمة وواحد “القصوحية” اللي كتخلي الصغير والكبير يحترمها. كانت لابسة ملحفة سوداء مطروزة بالصقلي، ودايرة لثام خفيف كيبين غير عينيها اللي ما كيغفلوش على شامة. يدها العروقية كانت محطوطة على كتف شامة، كأنها كتعطيها القوة اللي ناقصاها.

القاضي (بصوت رزين كيوصل لكل ركن في الخيمة):

“الحمدُ لله الذي جعل الميثاق الغليظ بين العبادِ حِصناً، وصيّر النكاح للمودةِ والسكينةِ رُكناً، والصلاةُ والسلامُ على من بُعث بالحقِّ هادياً وبشيراً، وعلى آلهِ الذين طهّرهم تطهيراً.

أما بعد..

يا أيها الأميرُ المظفّر شداد، ويا سادةَ القومِ وأعيانَ الديار؛ إن الله قد كتبَ على خلقهِ أحوالاً، وجعلَ بين القلوبِ أسباباً وآمالاً، وما اجتماعنا في هذه البيداء، تحتَ ظلِّ هذه الخباء، إلا لربطِ عهدٍ تعظُم به الحرمات، وتُحقنُ به المهجات. إن هذا الزواجَ ليس مجردَ اقترانِ نفسٍ بنفس، بل هو رتقٌ لفتقٍ، وتأليفٌ لقلوبٍ، وصهرٌ لأنسابٍ كريمة، لِيذهبَ اللهُ بفضلهِ ريحَ الخصام، ويُحلَّ ببركتهِ رغدَ السلام.

يا أميرَ شداد، إن الأميرةَ شامة بنت الأمير (فلان)، قد سِيقت إليك في قدرِ الله، لتكونَ لك زوجاً وسكناً، وعلى سنةِ اللهِ ورسولهِ مأمناً.

فهل قبلتَ نكاحها لنفسكَ، بما شرطتَ على نفسكَ من إكرامٍ وإعزاز”

شداد كان جالس في الجهة المقابلة، حاط يدو على مقبض خنجره والعمامة الملكية على راسو ، وعينيه كيشوفوا في الستارة اللي مخبية شامة. سكت لحظة خلات الكل يحبس نفسو، حتى تسمع صوت احتكاك الرمل بالخيمة.

شداد (بصوت عميق ومنخفض):

“”قبلتُ نكاحها لنفسي، على عهد الله وميثاقه.”

وقف وكيل شامة، وسوى العمامة ديالو، وشاف في الأمير شداد والشهود شوفة اللي عارف قيمة الكلام اللي غيقول. تنحنح وبدأ بلهجة فيها الرزانة والدفاع المستميت على مقام الأميرة:

كان رجلاً بليغاً بخبر سياسة الملوك ومخاطبة الأمراء، نظرة واثقة صوب الأمير شداد، ثم قال بصوت يملأ جنبات الخيمة:

“أعز الله الأمير وأدام دولته.. إن ما اجتمعنا له اليوم هو ميثاق غليظ، وعهدٌ تُحقن به الدماء وتُجمل به السير. ولتعلموا أيها السادات، أن في العرف والقانون القديم، الدية إنما هي حقٌ خالص لأهل القتيل من عائلة الأمير، جُعلت لتطييب الخواطر ووأد الفتنة ووقف نزيف الدم. أما الصداق، فهو حقٌ مفروض للمرأة لا يشاركه فيه والدٌ ولا بعل، وهو ملكٌ خالص للأميرة شامة.

ولو كان انتقال الأميرة إلى قصر الأمير شداد بصفتها ‘ديةً’ فحسب، دون عقد إملاك وصداق معلوم، لكانت مكانتها في ذلك مهينة، ولغدت في عداد السبايا.. وهذا لعمري أمرٌ لا يستقيم ومقامها كأميرة حرة بنت أمراء.

وكي يستوي هذا الزواج شرعاً، ويغدو صلحاً معترفاً به بين الديار والقبائل، وجب أن تُعامل معاملة الحرائر، والنكاح من الحرة يقتضي الصداق حتماً ولا ريب فيه. إن هذا الصداق في نظر الأميرة ليس عرضاً من أعراض الدنيا، بل هو إقرارٌ بحريتها وعزتها؛ فلو نُزع منها أو تهاونتم فيه، لصار كأنه مقايضة لنفسٍ بدم، وأما وجوده فهو الذي يجعلها ‘زوجةً’ لها من الحقوق ما للملكات.

ولأجل ذلك، فإنا نُعلمكم أن والد الأميرة قد سيّر معها من ‘الجهاز’ —من نفائس الهدايا، وفاخر الأثاث، وحشود الخدم— ما يفوق في قيمته قدر الدية المتفق عليها، لئلا تظهر ابنتنا في موقف الضعيفة، ولتدخل دار الأمير وهي في أوج عمتها، مصونةً مهابة كعهدنا بها.”

ساد الصمت في الخيمة بعد هذا الكلام البليغ، ونظرت دادا رقية من وراء الخدر بعينين يملؤهما الفخر، بينما كان شداد يتدبر كل كلمة قيلت، مدركاً أن التي خلف الستار ليست مجرد “ثمن” لدم أخيه، بل هي نِدٌّ له يحمل عزة الملوك.

نزل الامير جبهته شوية ، وسحب يده من مقبض خنجره لي على حزام خصره ببطء، وعيونه كتقدح نار، وصوته خرج بجهارة عباسية هزت أوتاد الخيمة:

“رويدك يا وكيل الأميرة، فقد أطلتَ القول فيما لا يحتاج إلى بيان، وظننتَ بنا ظنَّ من يجهل أقدار الحرائر أو يغفل عن سنن الملوك!

إن كان والدها قد سيّر معها جهازاً ليفاخر به، فليعلم أن خيامنا لا تضيق بما عندها، وأن بيوتنا لا تُبنى بمالِ غيرنا. أما قولك بأن الصداق إقرارٌ بحريتها، فإنا لا نحتاج لصكوككم لنعرف قدر من دخلت تحت لواء إمارتنا.

والله لا يُكتب صداقها إلا من كدّ يدي!

لن تقبل مروءة الأمير شداد أن تُزف إليه زوجةٌ بمهرٍ دفعه أبوها، وكأنه يشتري لها مكاناً في قلوبنا أو مقعداً في مجلسنا. إن كانت هي ‘ديةً’ في عُرف السياسة، فهي عندي ‘زوجةٌ’ يُساق إليها المهرُ سوقاً، تمليكاً لا تشوبه شائبة، وإقراراً بعزتها التي لا تُستجدى من أحد.

فليُكتب في العقد: أن الأمير شداد قد أصدق شامة بنت الأمير من ماله الخاص، نِحلةً وطيب نفس ، لقوله تعالى “«وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُوقَاتِهِنَّ نِحْلَةً».، وليُردّ ما جاء به والدها من مالٍ لصداقها إلى خزائنه، فنحنُ أغنى بكرامتنا من أن نأخذ ثمنَ صلحنا من يدِ خصمنا!

وقف شداد، وعطى بالظهر لوكيل شامة، وشاف جهة “الخدر” فين كاينة هي، كأن كلامه موجه ليها هي مباشرة واخا هي مخبية. صوته خرج جهوري، فيه بحة القوة، وكل كلمة كينطقها كانت كتوزن هيبته:

شداد (بصوت ثابت ورزين):

“اسمع يا قاضي القضاة، واكتب يا كاتب العهد.. ليعلم القاصي والداني أن الأمير شداد لا يقبل لزوجته مهراً يُحمل من غير خزائنه.”

هز يدو وأشار للخدم اللي واقفين ، وكمل كلامه:

“أصدقتُها عشرة آلاف دينارٍ ذهبية عيناً، (اقراص من ذهب خالص منقوش ) تُنثرُ تحت أقدامها قبل أن تطأ عتبة خيمتها . وجعلتُ لها خمسين من عتاق الخيل، لا يركبها غيرُ حشمها، ومائةً من نوق العصافير تتبعُ أثرها.”

سكت لحظة، وزاد بصوت أعمق وفيه تحدي:

“وزيادةً في التمليك، أهبتُها ضيعة ‘قصر الرمال’ بآبارها ونخيلها، تكون لها ملكاً خالصاً، وخراجها (ربحها) ليدها لا يشاركها فيه أحد. ومع هذا، طقم الياقوت الرماني الذي لم تلبسه حرةٌ قبله.. هذا صداق شامة بنت الأمير، نِحلةً مني، ليعرف أهلها أننا نُكرم من نُصاهر، بقدر ما ننتقمُ لمن نُعادي!”

صمتُ الخِدْرِ وقلمُ الأميرة

خيّم على الخيمة صمتٌ مهيبٌ ثقيل، صمتٌ تتردد فيه أنفاس الرجال وتتوجس منه القلوب. كانت شامة، خلف حجابها الحريري، ترقبُ بميزان عقلها كل ما يُقال؛ حللت كلمات شداد عن الذهبِ والياقوتِ والضياع، فأدركت بفطنتها أن هذا الكرم الباذخ ليس إلا قيداً من ذهب، أراد به الأميرُ تطويق عزة أهلها وفرض سطوته قبل أن تطأ قدماها عتبة خيمتها

مالت شامة بوقار كأنه انحناء النخيل، وهمست في أذن دادا رقية بكلماتٍ خفية، كلماتٍ لم يلتقط المجمعُ منها حرفاً، لكن أثرها تجلى في وقفة رقية التي ازدادت شموخاً. لم تلبث رقية أن مالت بدورها نحو “العوين” (غلام الخدمة) وأودعته ذات السر في أذنه.

تحرك الغلام كأنه ظلٌّ يسعى وسط المجمع، مخترقاً نظرات المستشارين والشهود التي كانت تقرأ ما وراء الحركات الساكنة. وقف الغلام عند وكيل شامة وهمس له؛ وفي تلك اللحظة، عمّ في الخيمة صمتٌ من نوعٍ آخر، صمتٌ يترقبُ انبثاق أمرٍ لم يكن في حُسبان الأشهاد.

كان الأمير شداد يراقبُ هذا الخيط الخفي الذي يمتد من خلف الخدر وصولاً إلى وكيلها؛ رأى الوكيل وهو يسلم الغلام “رِقّاً” وقصباً للكتابة. عاد الغلام بخطواتٍ رزيناً، منكس الرأس إجلالاً، وتقدم نحو الخدر تحت أنظار شداد التي لم ترمش، ومدّ يده بالورقة والقلم، لتتلقفهما أناملُ شامة من خلف الحرير في حركةٍ رآها الجميعُ ولمسوا هيبتها.

في هذه الأثناء، كان كاتب العدل يخطُّ بمداده تفاصيل المهر العظيم، وهمّ القاضي أن يفتح فاهُ ليتمّ مراسيم الإملاك ويختم المجلس بالبركة.. ولكن، في لمح البصر، رفع الأمير شداد يده بحركةٍ آمرة، جمدت الكلمة في حنجرة القاضي والمداد في سنّ القلم.

استقام شداد في جلسته، ورمق الخدر بنظرةٍ ثاقبة وهو كيشوف خيال يد شامة وهي تخطُّ في الرق أمراً، ثم نطق بصوته الجهوريّ البليغ:

“كُفَّ يدكَ يا كاتبَ العهد، وأمسك عنِ النطقِ يا قاضي القضاة! فما استوى ميثاقٌ ولا استقامَ عقدٌ والخواطرُ لم تزل تَمورُ بما وراء الخُدور. إنَّ لنا وراء هذا الحجابِ ‘نِدّاً’ لا يَرضى بذهبي صَمتاً، ولا بقبولي حُكماً، وها هي يمينُ الأميرةِ تَخطُّ في الرَّقِ شأناً لستُ أدري ما مَداه. واللهِ لا يُختمُ هذا الكتاب، ولا يُبرمُ هذا الميثاق، حتى نرى ما الذي أخطأه مالي وأدركهُ فكرُها، وما الذي أعجزَ كرمي وابتغاهُ رأيُها.. أتمّوا صمتكم أيها الشهود، وأعرونا سمعكم، حتى يَبينَ لنا ما خَبأه القلمُ في طوايا الرَّق!”

بمجردما نشف المدادُ على الرَّق، تحركت اليدُ من خلف الخِدْرِ بخفةٍ ووقار، رجعات الرقَّ للعوين” بنفس الطريقة اللي جاءبها. ساد سكونٌ أطبق على أنفاس الحاضرين، وعيونهم تتبعُ الغلام وهو يخطو بخطواتٍ موزونة، كيشقُّ صفوف الشهود، حتى وقف بين يدي الأمير شداد.

تناول شداد الرقَّ، وفديك اللحظة خُيِّل للحاضرين أن حتى رمال الصحراء برا الخيمة توقفت عن الحركة. فضَّ الأميرُ الورقة، وأرخى عينيه على ما خطَّته يدُ شامة، فقرأ الكلماتِ في صمتٍ مطبق، لم تظهر معه على وجهه ملامحُ غضبٍ أو رضا، بل كان وجهه كالصخرِ الأصمِّ في عتمة الليل.

لم تطلب شامة في رقّها قنطاراً من ذهب، ولا ضياعاً تُضاف لملكها، بل كتبت بلغةٍ تقطرُ عزةً وأنفة:

“ايها الامير الكريم ..

بلغني ما أفضتَ به من كرمٍ ونحلة، وما جُدتَ به من ذهبٍ وضياع، غير أني لا أبتغي مالاً يُفنى أو مَتاعاً يَبيد. إن كان لي من مهرٍ أرتجيه في هذا المجمع، فهو ‘ميثاقُ حصانةٍ’ لا يُنقض، وأمانٌ لا يُخفر، يمتدُّ إليّ وإلى حاشيتي وخاصتي.

اجعل صداقي أن نكون جميعاً في ذمتك وذمة إمارتك، أحراراً مصونين، لا يمسنا سوءٌ ولا يُضام لنا جانبٌ مهما تقلب الودُّ أو جرت به المقادير بيني وبينك. اجعل أماني وأمان من معي من وفدي هو المهر الموثق أمام الأشهاد؛ فإن أجبتَ فذلك عهدنا المصون ، وإن رددتَ فلا حاجة لي بذهب الأرض.”

رفع راسو من الرق، وقد تجلت في صوته هيبة الممالك وأنفة السلاطين ، عينيه باتجاهها كيخاطب الخدر” جذار الحرير” وكاع لي جالسين موراه من حاشيتها شاهدين

“أخبروها.. أنَّ الذهبَ يملكهُ حتى السَّوقة، أما الذِّممُ فلا يملكُ عقدَها إلا الملوك. لئن طلبتِ الأمانَ والحصانةَ لنفسِكِ ولمن تَبِعَكِ، فقد نِلتِ ما هو أعظمُ من المهرِ وأغلى من الدية. واللهِ، لا يكونُ لشدادٍ عهدٌ إن غُدِرَ بِمَن دخلَ في حياطتِه، ولا كانَ لِي سيفٌ إن لم يَكن لَكِ ولِحاشيتِكِ درعاً وحِصناً.

ألا فليشهدِ المجمع: أنَّ الأميرةَ شامة ومن معها من وفدها ، في ذمتي التي لا تُخفر، وعهدي الذي لا يُنقض. هُم مَحرمون على الأذى، مصونون من كل ريبة، آمنون في حِمى إمارتي أينما حَلّوا وارتحلوا، لا يُمسُّ لهم جانبٌ مهما جرت به المقاديرُ بيننا.. هذا ميثاقُ اللهِ عليّ، ومهرُها الذي لا يرتد.”

ثم التفت لكاتب العهد وقال بلهجة آمرة قاطعة:

“دوّن في الرقِّ ما طلبت، واجعل ‘الأمانَ والحصانة’ رأسَ الميثاقِ وصدرَهُ، وأما الذهبُ والضياعُ فَتِباعٌ له، كرامةً لا تليقُ إلا بحرة نَزلت بدارِنا.”

زغاريد النصر وقرع أجراس العهد

ملي طبع الأمير شداد بخاتمو على الرَّق، وتبادلات اليدين الشديدة صك الميثاق، انطلقت أول شرارة ديال الفرح من خيمة شامة باش تعمر الآفاق وتوصل لكل ركن في الإمارة.

داخل الخيمة ، تهرس داك الصمت التقيل بصرخة فرح بدات من الحنجرة ديال دادا رقية، اللي أطلقات زغرودة مجهدة، طويلة ومرعدة، كانت بمثابة إعلان السيادة والأمان. تبعوها العبيد والخدم بزغاريد متصلة، خلات الخيمة تهتز وتعلن للبراني والقريب بلي “لالة شامة” ما بقاتش دية ولا ضيفة، ولات مولات الدار وصاحبة الكلمة والميثاق.

وفي ديك اللحظة، ارتجت أرجاء الديار كلها بـ قرع الأجراس النحاسية العظيمة، اللي ما كانت كتنطق غير في النصر الكبير ولا في ولادة الملوك. كانت أصوات الأجراس كتجاوب بين قمم الجبال وعروق الرمل، وكأنها كتقول للريح بلي واحد العهد غليظ توثق بمداد العزة والأنفة.

برا الخيام، تخلط عويل الأجراس مع ” ضرب المدافع ” اللي طلقوه فرسان شداد في السما، ترحيباً بهاد الأميرة اللي غلباتهم بعقلها قبل ما يشوفوا وجهها. السكون اللي كان لاف الإمارة تحول لضجيج ديال الاحتفال؛ الطبول بدات كتضرب إيقاع رزين، كيتناسب مع هيبة المقام ووقار النسب اللي تجمع اليوم.

شامة، وسط هاد الهيصة ديال الفرح، كانت جالسة فقلب خيمتها ، الفنانيس كدور بيها والود كيترش عليها من كل جهة ، والابتسامة الخجولة اللي في وجهها بدات كتزاد إشراق وهي كتعيش أصوات الأجراس والمدافع اللي ملأ الدنيا. كانت كتحس بكل دقة جرس وكل ضربة مدفع وكأنها توثيق للمطلب ديالها، وكل زغرودة وكأنها حيط جديد كيبنى حول ناسها وحاشيتها.

مالت دادا رقية على شامة، وهي كتمسح دمعة ديال الفرح غلباتها، وقالت بصوت مسموع وسط الزغاريد:

“سمعي يا بنتي.. هاد الرعد هوا صوت العز ..كيرعد في قلوب العديان قبل الأحباب. اليوم، اسمك سكن فكاع لاركان من هاد البلاد. . الله يرضي عليك ويعلي مقامك ،، كنا عليتي مقامنا ومقام اهلك واحبابك “

فاللحظة اللي وصل فيها صدى “البارود” لقمة الذروة، ودقات الأجراس ولات كترعد في السما بحال الرعد، تكسرات الهيبة ديال شريفة فدقة وحدة. ديك اللبؤة اللي كانت كتشوف في راسها هي الآمرة والناهية، تحولات لحطام وسط خيمتها اللي ولات كتبان ليها بحال القبر المزيج بالذهب.

هواة روحها و يديها بدات كترجف رجفة خايبة، رجفة خلات عقد الجوهر يطيح من بين صباعها ويتشتت حباتو فوق الأرض، بحال دموع غالية غدرات بيها. طاحت على ركابيها وسط ديك الحبات المشتتة، وبدات كتحس بالقلب ديالها كيتعصر،

هزات يديها لوجها، وبدات كتخمش في صدرها وكأنها باغا تخرج داك الوجع اللي تما، ونطقات بصوت مخنوق بالبكا، صوت كيتلف بين مشاعرها

“يا ويلي على سعدي.. ك سنين وأنا كنفرش ليه الروح والقلب، سنين وأنا حامية ظهرو وهازة شانو.. وفي ليلة وحدة، يبيع هاد العِشرة كلها بـ ‘جرة قلم’ لوحدة غريبة؟ كتب ليها الأمان اللي ما عمرو عطاه ليا؟ عطى ليدها القلم باش تشرط، وأنا اللي كنت كنشرط غير بعيني، وليت اليوم نسيا منسيا؟”

بدات كتشوف في أركان الخيمة، في الفراش اللي شهد على عزها، وفي القناديل اللي كانت كتضوي على فرحتها مع شداد، وبان ليها كلشي باهت. شهقات واحد الشهقة طويلة، ودموعها نزلوا سخان كيكويو خدودها، وبدات كتدق بجبهتها على الأرض وهي كتنوح

“كتضرب في جنازتي .. كتضرب في جنازتي…. كتضرب في جنازتي…كتضرب في جنازتي…كتضرب في جنازتي…

هزوها عبيدها بحال ورقة فازكة كتقطع ..رجليها خانوها ويديها ماتو .. وجهها شحب فضربة وحدة وحلقها نشف وجف كما جفات الشمس واحات الصحرا

“هاد الزغارت كفني. يا ريتني كنت رملة وتدريني الريح، ولا نعيش حتى نشوف ‘شريفة’ كتولي ضل في دار كانت هي مولاتها. يا شداد.. هدمتي الصرح اللي بنيتو بدم جوفي، وخليتيني غريبة في وسط داري.”

حطوها كما كيحطو الميت قدام غسالو ..ووقفو كيشوفو ويدهم على فمهم والدموع كتنزل من حر الجمرة .. شريفة لي كانت صوت شداد فغيابو ..دابا ، شريفة. اللي كانت كتهز الأرض بمشيتها، دابا طايحة للأرض، مكسورة، وشعرها مطلوق فوق كتافها بحال شي خيمة هدمتها العاصفة.

هزات راسها للسما، وعينيها مغرغرين، ونطقات بكلمة وحدة خرجت مع الروح:

“تكسرت يا ربي.. تكسرت كسرة ما عندها جبيرة.”

ساد الصمت في الخيمة، إلا من صوت الشهيق ديالها اللي كيقطع القلب، وصدى الأجراس اللي برا، اللي كانت في كل دقة، كتزيد تهرس قطعة من قلب شريفة المكلوم.

يا ليتني لم أعِش لهذا اليوم.. يا ليت رمال القفر وارتني قبل أن أسمع أجراس “شامة” وهي تقرع فوق أنقاضي.

انكسار النفاس.. وحليب الحسرة

فوسط ديك الخيمة اللي كانت بالأمس جنة، ولات شريفة اليوم بحال شي خيالة طاحت من فوق عودها فوسط المعركة. كانت مازال بدم نفاسها، والوجع ديال الولادة مازال كينغز في عظامها، ولكن وجع الروح كان كبر وأمرّ.

طاحت على ركابيها، ويديها كترجف وهي شادة على صدرها اللي عامر بالحليب.. داك الحليب اللي كان من حق “سليل شداد” الصغير اللي ناعس في المهد، ولي كان خاصو يكون فرحة وتاج فوق راسها. ولكن مع كل دقة جرس، ومع كل زغرودة جاية من خيمة “العروسة الجديدة”، كان قلبها كيتعصر عصرة خايبة.

نزلات دمعة حارة كترعد، وتخلطات مع شهقة ديال القهر، وفديك اللحظة.. بدات كتحس بسخونية غريبة على صدرها. الحليب صاع منها؛ نزلات قطراتو البيضاء كتجري فوق ثوبها الحريري، ماشي فرحاً بالمولود، ولكن “حسرة” وكسرة خاطر. الحليب اللي خاصو يحيي الروح، سال اليوم بحال دموع الروح المكسورة.

نطقات بصوت مهدود كيقسم القلب:

يا قهرتي يا عذابي.. ويا حُـرگـة جـوفي

الناس بزغاريتها.. وأنا المـوت بـكفوفي

النفاس كـاوي عضامي بـنيرانـو

والفرح اللي تـسنيت.. غدروني ضـيفانـو

دُقّ يا طبل العار.. وزيد فـ عـذابي دُقّ

مات الحيا اليوم.. وضاع معاه الحـق

كنت نخلة فـ هاد الدار.. والشان بـيا عـالي

واليوم ولّـيت غـريبة..والرخيص ولّا غـالي

(كتشوف فصدرها والحليب كيسيل فوق الحرير)

شوف يا صـدري الحزين.. كـيف صـاع حـليبك

سـال دموع بـيضا.. مـلّي غدر بيك حـبيبك

حليب العز اللي كان.. لـسليل الشـداد مـذخور

ولّا اليوم ذلّ وهوان.. وبـالـغدر مـقهور

صـيع يا حـليبي صـيع.. فـوق تـوب الـديباج

مـا بـقات لـينا هيبة.. ولا بـقى لـينا تـاج

شـداد خـلّى النـفيسة.. وحـيدة فـ الفراش

ومـشى يـتبع خـيال..مانزاح عليه قماش

يا ريتني كنت رمـلة.. تـدريـها الريـح وتـغيب

ولا نـشوف سـعدي.. كمات قـدام الـغريب

الدف جـنازتي …وهادا نهاري

والحليب اللي صـاع.. هـو خـراب داري!

لحليب لي صاع ..هوا خراب داري..

لحليب لي صاع ..هوا خراب داري..

كتردد ودق على صدرها ..

يا لالة يا شامة.. يا نوّارة هاد الديار

سعدك اليوم تـبنى.. وشـاع مابـين الأنوار

بـعقلك المـوزون.. حـكمتِ السيف والـميزان

وبـصكّ الأمان.. ولّـيتِ أنتِ مـولات الشأن

تحت ضو القناديل اللي كترقص على الخوامي في الخيمة، وفالوقت اللي الأجراس برا مازال كتغني بعهد الأمان، جلست دادا رقية ركبة ونص، وحطت قدامها المهراز النحاسي اللي كيلمع بحال الذهب. هاد المرة، الدق ماشي للطياب، الدق لـ “الوشام” لي عادة معتادة عند ناس زمان ،، غيطبع عز شامة فوق جلدها، كعلامة بلي الفرح دخل لدارو وبلي الأميرة ولات ملكة . كدق وتغني ودندن..

دق دق يا المهراز لشامة .. دقدق يا المهراز على منقوش الوشام

(دادا رقية كتدق المهراز بواحد الرنة موزونة، وكتردد مع كل دقة)

دُقّ يا مهراز الـنحاس.. وسمّع الحـاضر والغايب

نـوجدو لـشامة وشامها..حنا وكاع وكاع الحبايب

كُـحل الـنّيلة والـصـمغ.. والـعطر الـلي يـفوح

نـرسمو شامة على الـخد.. تـردّ لـلعاشق الـروح

(كتزيد المقادير فوسط المهراز وصوت النحاس كيرن)

دقة لـلعين الكـحلة.. ودقة لـلجبين الـعالي

وشام لميرة مـيزان.. قوامو تقيل و غالي

نـقشة ف الصدر.. تـغني بـلحن الأمان

و”خـطيف الـمرية” فـ اليد.. تـحيّر مير وسلطان

(كتشوف فـ شامة اللي جالسة قدامها بخجل)

دُقّ وزيد يا المهراز .. خـلّي الـدقة فـ الخـيمة تـدور

وشـامـك يا لالة شامة.. سـور مـبني عـلى سـور

مـا هو وشام الـسوقة.. ولا وشـام الـعبـيد

هادا وشام الـحرّة.. اللي عـقلـها حـديد فـ حـديد

سِـيل يا وشام السعد.. واطـبع الـعهد المـوثوق

فـ وجـه الـقمر الـضاوي.. اللي بـالـهيبة مـسروق

زغـرتي يا رقية.. ودُقّـي الـمهراز وعجني الحنة

الـيوم شامة وشـمناها.. بالعز والشان والهمة .

حيث لا يصل ضجيج الاحتفال الخارجي إلا كصدى هامس، ساد صمتٌ وقور، تخرقه بين الحين والآخر رنة “المرود” النحاسي على أطراف المهراز، وزفرات دادا رقية الموزونة. كانت الخيمة موقدة بمسك وعود، ونور القناديل الخافت يضفي هيبة السحر على “صدر” المكان.

ملي بردات نار البارود ورجعات الخيل لمرابطها، ساد واحد الصمت مهيب في أرجاء الديار، ما كيقطعو غير صدى الأجراس اللي بقى كينوح فالفيافي بحال أنفاس مجهدة. شق الأمير شداد عباب الليل بخطوات رزينا، كيجـر وراه ضل الهيبة، وقاصد خيمة شامة؛ الخيمة اللي ولات من هاد النهار قلعة حصينة، ما كيدخلها حد إلا بميثاق وعهد.

عند باب الخيمة، كان العبيد واقفين بحال السواري الرّاسخة، متلثمين بوقار الصحراء، وهـازين رماحهم اللي كتلمع تحت ضو القمر. غير شافوه، حناو الراس انحناءة الطاعة والمودة، ولكن بقاو شادين الستار بوقار، احتراما لحرمة “الخلوة” اللي كتصان فيها لالات النسا.

توقف شداد، وقبل ما ينطق بشي كلمة، تسرب لودنيه واحد الصوت رخيم، دافي بحال شمش الشتا، كان صوت دادا رقية وهي كتغني بكلام زجلي موزون، ومعاها الجواري كيرددو بـ “همهمة” خفيفة وتصفيق رقيق ما كاد يتسمع:

عقد شداد حاجبيه بفضول، والتفت لكبير العبيد اللي واقف فالباب، وسألو بصوت فيه هيبة الآمر ورزانة :

ما بالُ هذي المَغاني تملأُ رِحابَ الأميرةِ شَدواً؟ وأيُّ شأنٍ يَجمعُ النسوةَ في حَضرةِ السكونِ وجُنحِ الليلِ البَهيم؟”

— أجاب العبد وهو مطرق الراس:

— “يا مولاي، هادا طقس الوشام. طقس من طقوسنا في ليلة الزفاف

ارتسمت على وجه شداد واحد الابتسامة خفية، ما بانت غير فبريق عينيه. ما تسنى إذن ولا اشارة، مد يده القوية وأزاح الستار بهدوء عجيب، ودخل بشموخ الفاتح اللي ما كيكسرش الوقار.

في تلك اللحظة الساحرة، حبسَ الزمانُ أنفاسه عند عتبةِ الخيام، وكأنَّ عقاربَ الساعةِ قد تجمّدت لِتفسحَ المجالَ لمشهدٍ لا يتكررُ إلا في خيالِ الشعراءِ وعتقِ الأساطير. أزاح الأميرُ شداد الستارَ بهدوءٍ مريب، فسكنتِ الحركةُ في ذاتهِ قبل أن تسكنَ في المكان؛ هناك، ولأولِ مرة، وقعت عينُ السبعِ على الغزالةِ التي خلبت لُبَّ صيادِها بسحرِ كلمتِها قبل أن يراها بنظرةِ عينِه.

كانت شامة توليه ظهرَها، متربعةً فوق النمارقِ بهيبةِ الملوكِ وأنفةِ السلاطين. المشهدُ الذي ارتسمَ أمام عينيه كان قصيدةً كُتبت بمدادِ السحرِ والوقار، لوحةً فنيةً صاغتها يدُ القدرِ لتمتحنَ ثباتَ فارسٍ لم يَهتزَّ يوماً أمام صليلِ السيوفِ وزئيرِ المدافع.

شلالُ الذهب.. وميثاقُ الجمال

أولُ ما خطفَ بصرَ الأميرِ وهو يتقدمُ بخطواتٍ رصينة، كان شعرُها المنسابُ على ظهرِها كأمواجٍ رمليةٍ متموجةٍ تحت ضوءِ القمر. لونٌ عجيب؛ أشقرُ قانٍ يميلُ للنحاسِ المصقول، كأنَّ غُبارَ الذهبِ قد تشتتَ فوقَ حريرٍ أسودَ غالي الثمن. ومع كل حركةٍ خفيفةٍ من رأسِها وهي تميلُ نحو “دادا رقية”، كان ذاك الشعرُ يتمايلُ كسنابلِ القمحِ في ريحٍ ملهوفة، طويلاً وسارحاً مع مقعدِها من كل جانب، كأنَّ الشمسَ قد أطلقت خيوطَها في جميعِ الاتجاهاتِ لتعلنَ أنَّ النورَ يبدأُ من هنا. وحين يلامسهُ ضوءُ القنديل، يشتعلُ فيه لمعانٌ ذهبيٌ يخلبُ الألباب، وكأنَّ خيوطَ الشمسِ قد سُرقت في غفلةٍ من ليلٍ بهيمٍ واستقرت فوق كتفيها لتصنعَ تاجاً من ضياء.

أما جسدُها، فكان يلوحُ من تحتِ قميصٍ خفيفٍ وناعم، ثوبٌ رقيقٌ كالنسمةِ يشفُّ ولا يكشف، يحكي قصةَ قوامٍ ممشوقٍ وعنقٍ طويلٍ كأنه مرمرٌ صُقل في معاملِ الروم. كان القميصُ ينسدلُ على كتفيها بنعومةٍ حريرية، يُظهرُ بياضَ بشرتِها الذي ينافسُ ضوءَ الشموعِ صفاءً، وكأنها قطعةٌ من ثلجٍ لم تلمسها يد. جسدٌ يجمعُ بين رقةِ الغزالِ في خفتهِ وشموخِ الخيلِ الأصيلةِ في وقفتِهِ، قوامٌ ينطقُ بالعزةِ قبل أن ينطقَ بالأنوثة.

وهو يُصوّبُ عينيه بذهول، لمحَ قدميها المجموعتينِ إلى الجنبِ بوقارٍ وحياءٍ يقطرُ سحراً؛ وقد أخفتْ أقدامَها الجميلةَ وسط “بلغةٍ” من “الصمّ” مطروزةٍ بخيوطِ الذهبِ الخالص، تلمعُ وكأنها تحاورُ ضوءَ القنديل. وفي كاحلِها، كان يغفو “خلخالٌ” من ذهبٍ ثقيل، مسبوكٌ بصنعةٍ قديمةٍ توارثتها الأجيال، يبرزُ فوق بشرتِها المرمريةِ كقيدٍ من نور، يرسلُ رناتٍ صامتةً تهزُّ كيانَ الفارسِ الجبار.

قراءةُ السبع.. ونطقُ السيف

لم يرَ شدادُ في تلك اللحظةِ مجردَ امرأةٍ فاتنة، بل قرأ في هذا المشهدِ “سِفرَ عزةٍ” مفقوداً. أدركَ أنَّ هذا “الظهرَ” الذي لم ينحنِ أمامَ سيفِهِ، هو نفسُه الذي يسلبُ الآن لبَّهُ بجمالِهِ المهيب. أحسَّ أنَّ هذه الغريبةَ التي دخلت إمارتَهُ بـ “صكِّ الأمان”، قد جلبت معها سحراً لا تقدرُ عليه خيلٌ ولا مدافع، سحراً يسكنُ في ثنايا وقفتِها وصمتِها.

ابتسمَ شدادُ في خفايا روحِهِ، وهو يشعرُ لأولِ مرةٍ أنَّ “هيبتَهُ” قد وجدت هيبةً تفوقُها. وقفَ مكانه، مبهوراً بذاك اللمعانِ الذهبي، وبدقةِ الخلخالِ في كاحلِها، يراقبُ لغةَ جسدِها التي تتحدثُ بالأنفة، وينتظرُ اللحظةَ التي ستلتفتُ فيها ليكتملَ النصابُ ويرى الوجهَ الذي ملكَ الدنيا قبل أن ينطقَ بكلمة.

وفجأةً، ووسطَ تلك السهوةِ الحارقةِ ونظراتِ الشوقِ التي أشعلت النارَ في وجدانِه، لمحَ يدَ رقية وهي ترفعُ “المرود” لترسمَ أولَ نقطةِ وشمٍ على ذاك الجبينِ العالي. في تلك اللحظة، تحركَ السبعُ في داخلِه، ونطقَ بصوتٍ رزينٍ تملؤه هيبةُ السلاطينِ ووقارُ الفرسان، كلمةٌ نزلت كالسيفِ الذي يقطعُ الشكَّ باليقين:

— “ارفعي يدكِ يا رقية.. وكُفّي عن هذا الرّقن! لا تضعي على هذا الوجهِ ذرةً من نيلة، ولا ترسمي فوقَ هذا الجبينِ نقطةً واحدة!”

تجمّدَ المكان، وتوقفتِ الأنفاس. كان صوتُهُ يحملُ تملكاً رهيباً، كأنه يعلنُ أنَّ جمالَ شامةَ قد صارَ ميثاقاً مقدساً لا يقبلُ الزيادةَ ولا النقصان، وأنَّ نوراً كجمالِها لا يحتاجُ لمدادِ البشرِ ليُعرفَ قدرُه.

في تلك اللحظة التي دوّى فيها صوت شداد كقصف الرعد، تجمدت الدماء في عروق شامة. لم تكن صرخة غضب، بل كانت نبرة تملّكٍ طاغية زلزلت كينونتها وهي لا تزالُ توليه ظهرها.

أحست بشعرها “الفات” المنسدل كأنه صار ثقيلاً فوق كتفيها، وبشرتها التي كانت قبل قليلٍ باردة تحت ملمس القميص الناعم، اشتعلت فيها حرارةٌ مفاجئة سرت من أسفل قدميها المزينتين بالخلخال وصولاً إلى أذنيها. قلبها، ذلك المتمرد الذي واجه الحصون، صار الآن كعصفورٍ سجين يضربُ جدران صدرها بقوة، حتى خُيل إليها أن الأمير الواقف خلفها لا بد ويسمعُ دقاته المتسارعة.

كانت شامة تشعر بـ “هيبته” تملأ المكان، وبثقل نظراته وهي تخترق ظهرها وتتأمل تفاصيل حسنها المستور. لم تجرؤ على الالتفات؛ ليس خوفاً من بطشه، بل من “خجلٍ” عذريٍّ ملكَ عليها جوارحها. غضت بصرها نحو أقدامها، وراحت أصابع يدها تعبثُ بطرف ثوبها الحريري في ارتباكٍ حاولت إخفاءه بوقفتها الرزينة.

همست في سرها: “أهذا هو الرجل الذي نازعتُه الملك؟ أهذا هو الصدى الذي ترتعدُ له الفرائص؟”

حين نطق الأمير بمنع الوشام، شعرت شامة بزهوٍ غريب يختلط بالرهبة. أحست بيد دادا رقية وهي ترتخي وتبتعد عن جبينها، فزاد خجلها؛ فالحصن الذي كانت تحتمي خلفه (طقس الوشام) قد انهار، وباتت الآن وحدها في مواجهة “السبع”.

ظلّت مطرقة الرأس قليلاً، وعنقها المرمري يميلُ في رقةٍ فطرية، وشعرها يغطي جانباً من وجهها كستارٍ أخير. لم تلتفت، بل بقيت ثابتة في مجلسها كتمثالٍ من نور، تخشى أنَّ التفاتتها قد تفضحُ “زلزال” الشوق والحياء الذي يكتسح عينيها الفيروزيتين. كانت لغة جسدها تنطق بما عجز عنه لسانها؛ كتفاها المرتعشان تنهيدةً خفيفة، وأصابعها المشدودة، ورنة الخلخال الصامتة.. كلها كانت تقول إن شامة، الأميرة القوية، قد هُزمت لأول مرة بسلاحِ “الهيبة” قبل أن يرى الأمير وجهها.

لقد أحست به يقترب، أحست بلفح أنفاسه يداعبُ خصلات شعرها الذهبية من الخلف، فغمضت عينيها بقوة، مستسلمةً لهذا الشعور الذي جعل “الندّة” تتحول إلى “أنثى” يقتلها الحياءُ قبل أن يقتلها السيف.

تلاشاو شلاقم دادا رقية وطاحوا لتحت بالدهشة، وعينيها بداو كيدورو وسط راسها بحال المش كيشوف فالظلام. ملي فاقت من الصدمة، بدات تقلب بعينيها على الوصيفات اللي بجنابها، وخرجت فيهم واحد العينية حارقة، كتغمز هادي وتنهر هادي، حتى بغاو عينيها يخرجوا من بلاصتهم.

البنات مساكن ولى الحجر كيتفتف ليهم بين اليدين، ما عرفوا واش ينوضوا يهربوا بجلدهم ولا يبقاو مسمرين فبلاصتهم. غير شافوا غمزات الدادة، بداو كيتسللوا وحدة ورا وحدة، هازين قفاطنهم وكيهربوا بحال الخيالات، حتى بقات رقية وحدها فالميدان.

هزات الطبق ديالها اللي فيه سوائل الوشام والمرود، ويدها كترعد غير بوحدها، وقالت وهي كتمتم بالهضرة بالسيف:

— “ابنتي شامة.. راني برا، غير عيطي ليا نكون حداك.”

فديك اللحظة، دارت شامة غير نص دورة، وعينيها الفيروزية تعلقوا فـ “الدادة” بواحد الشوفة كتقطع القلب؛ شوفة عامرة بالخوف، وكأنها كتقول ليها: “لا تخليتينيش، راني شادة غير فيك، وبلاك أنتِ راه التلفة غتاكلني وما غنعرف باش نبدأ ولا باش نسالي”.

ولكن دادا رقية، بوقار الحكيمات، غمضات ليها عينيها ببطء، واحد الغمضة اللي معناها: “راني حاضياك، كوني هانية وماتدهشيش”. وانسحبت بـ “السترة”، وخلات موراها الخيمة خاوية كيطوف فيها غير الريح، والخوامي كيتمايلوا بحال كيشهدوا على هاد الساعة الكبيرة.

بقا شداد واقف بحال الصخرة، وشامة كتحس بالهوا كيبرد على كتافها.. الصمت ولى أثقل من الجبال، وبقات غير النظرة اللي غتحسم كلشي.

مالت شامة بهبال وهيبة، بغات تجر الوشاح اللي كان مرمي فوق “النمارق” فـ القاع، ومع ميلة راسها، ساب ذاك الشلال النحاسي وهبط جارف، غطى وجهها وكتفها كأنه خيمة من غبرة الذهب تضربات عليها فـ ليلٍ ساكن.

وفـ الحين اللي بغاو صبعانها يلمسوا طرف الثوب، حسات بـ صهدٍ حارق جمد ليها الحركة؛ نزل شداد بـ هيبته، وحط كفه الرزينة فوق يدها، وزيّر عليها بـ لمسة فيها ملكية السبع وحنان الفارس اللي لقى مراده.

انحنى الأمير مع ميلتها، هبط لعندها حتى ولات أنفاسه الحامية كتداعب خصلات شعرها المنسدل، وقرّب من مسمعها ورا ذاك الستار الذهبي، وهمس بـ صُوتٍ رخيم يزلزل الوجدان:

— “علاش الاستتار بالثوب يا لالة البنات؟ وهاد الزين ما تخلقش باش يتوارى على عينين ولات بيك مسلوبة. خلّي الوشاح لبرد الليالي.. أما أنتِ، راه دفا عهدي وكلمتي هو اللي غيولي ليك غطا وسِتر ما يتقطع خيطه، وما يبلى سداه.”

بقات يد شامة مسجونة تحت يده، والوقت وقف بيهم فـ ديك السجدة ديال الوقار. بقات عاطياه بالظهر، وحروفه كينزلوا عليها بحال الشهد المر، كيحييوا فيها خجلٍ قديم وعزّة جديدة.

حست شامة بلي النفس تقطعات ليها، وكأن كلمات شداد سدات عليها كاع بيبان الهروب. لمسة يدو الدافئة فوق يدها كانت بحال القيد ديال الذهب؛ ثقيلة بالهيبة وخفيفة بالحنان.

غمضات عينيها وسط داك الستار ديال شعرها اللي مغطيها، وحست بقلبها كيقفز قفزة أخيرة قبل ما يستسلم لهاد السحر. ما سحباتش يدها، وما قاوماتش، بل بقات ميلة راسها فديك الوضعية، وكأنها كتشرب كل حرف نطق بيه الأمير.

بصوت رقيق، فيه الرنة ديال العز ولكن غالب عليه الحيا، ردات عليه وهي مازال ماشافت فيه، وهضرتها كانت موزونة بحال دقة الذهب:

— “الوشاح يا ابن الأكرمين، ما هو إلا سِتر للعين من الوهج.. وأنا فحضرة مقامك، وليت كنخاف غير من وهج عينيّ لا يفضحوا سرّ قلبي قبل ما ينطق بيه لساني. عهدك يا شداد قلادة فعنقي، ولكن خليني نستتر بحيائي، راه أغلى ما تملك الحرة هو وقار صمتها.”

وفحركة مفاجئة ومزيونة، سحبات يدها بنعومة من تحت كفه، ووقفت ببطء وهي مازال عاطياه بالظهر. جمعت شعرها بلمسة وحدة لجهة كفتها اليسرى، وبان عنقها المرمري كيلمع تحت ضو القناديل،

وبصوت خافت فيه بحّة الهيام، كأنه كيرتل آيات الجمال اللي كانت مخبية وسط الورق قال

“أجمعُ شعري تارةً، وأطلقه تارةً أخرى.. في كل خصلةٍ حكاية، وفي كل ميلةِ رأسٍ رواية’.. والآن، وأنا أرى هذا العنقَ يشرقُ كالفجر من بين سحبِ شعرك، أدركتُ أنَّ الروايةَ قد بدأت، وأنَّ بطلها أسيرٌ، وقيدهُ خصلةٌ من مذهب،

أهذا هو الشعرُ الذي وصفتِ؟ أم أنه سحرٌ نُثر على الورق فصار حقيقةً تزلزلُ كيان الشداد؟ كنتِ أميرةَ الحروف، واليومَ أنتِ مَلِكةُ هذا الوجود.

شامة جمدات فبلاصتها، وحسّات بكلماتها اللي كتباتهم وهي بعيدة كيرجعوا ليها دابا بحال السهام. الخجل زاد ملكها، وعنقها المرمري تورد بدم الحيا، ويدها بقات شادة فخصلات شعرها، ما عرفات واش تزيد تجمعه وتخبي بيه ارتباكها، ولا تطلقه وتخلي الأمير يغرق كتر فبحر سحره.

نطق شداد بكلمات الرسالة، وكأنه كينبش في ذاكرة شامة ويحيي حروفها اللي كتبات بمداد الحيرة، وقع في المكان واحد السكون مهيب، بحال السكون اللي كيسبق انحباس المطر.

شامة، في هذيك اللحظة، جمدات في بلاصتها. حسات بالحروف كينزلوا على كتافها أتقل من السلاسل اللي وصفت؛ كلمات كتباتها وهي بعيدة، دابا كترجع ليها بصوت الفارس اللي قدامها، بصوت فيه بحّة الهيام وقوة السُّلطة.

يدها اللي كانت جامعة الخصلات لجهة عنقها، ارتخات بواحد الرزانة عجيبة. صبعانها، اللي كانوا يادوب شادين في “الذهب النحاسي” ديال شعرها، بداو كيتحركوا ببطء، وكأنها كتجاوب مع النبرة ديال صوته. ما دورتش وجهها ليه مباشرة، ولكن مالت بـ “عنقها المرمري” شوية لجهته، وخلات ذاك الشعر ينسل من بين يديها بحال شلال ديال الحرير طالع منه ريحة “البخور القماري” و”الورد البلدي”.

قصيدة بلا حروف .

كتفها المايل، وصدرها اللي كيعلا ويهبط بأنفاس متسارعة، كيبينوا بلي “السبع” قدر يوصل لعمق الحصن. سبلات عينيها الفيروزية، ونابت “الرعدة” اللي في يدها على الكلام اللي هرب من لسانها. كانت حركة يديها وهي كتطلق شعرها ببطء، بمثابة “استسلام أبيض”؛ ماشي ضعف، ولكن قبول بلي هاد السيد اللي واقف وراها، ما هو إلا القدر اللي كانت حروفها كتناديه.

نزلت خصلات شعرها ورجعات غطات داك العنق اللي كان كيشعل بالبياض، وكأنها كترد “الخمار” لجمالها بعد ما فضحوا كلام شداد. مالت براسها لجهة الأرض، وارتسمت على شفايفها واحد الابتسامة رقيقة، مخبية وسط الظل ديال شعرها.. ابتسامة فيها “الانتصار” حيت عرفات بلي حروفها سكنت قلبه، وفيها “انكسار الحياء” قدام هيبة الحضور.

بقات عاطياه بالظهر، صامتة ورزينة، ولكن كل خلية فيها كانت كتحس بحرارة أنفاسه وقرب خياله، كتسنى اللمسة الجاية اللي غتفك لغز هاد الصمت اللي ولى أبلغ من كل كلام.

ساد الصمت وبقى غير النفس ديالهم كيتسامع، مد شداد يدو بوقار الفارس اللي كيقرب من أغلى غنيمة، ولمس طرف الخصلة اللي نازلة على كتافها بصباعو. حس بالحرير ديال شعرها كيداعب يدو، وفيك اللحظة، هبط بصوتو لديك البحة اللي كتدوب العز، ونطق بـ “ملاغية” زجليّة، باش يهرس داك الجدار ديال الحيا اللي وقفاتو شامة بيناتهم:

“يا لالةَ البناتِ.. يا سِرّاً تَوارى بالذهبْ”

“أهذا شَعرٌ ذابَ في كَتفِكِ.. أم ليلٌ من نُحاسٍ انْسكبْ؟”

“زَعمتِ في الحروفِ أنَّكِ تَحكمينَ القَبضةَ عليهِ..”

“فما بَالُ قلبي أنا، بين خُصلاتِكِ قد استَلبْ؟”

ضحك واحد الضحكة مكتومة، خفيفة بحال رنة السيف فـ الغمد، وزاد همس ليها وهو كيقلب على “السر” اللي مسمية عليه:

“أتظنينَ يا لالةَ البناتِ أنَّ هذا السِّترَ النحاسيَّ يحجبُ عن بصيرتي مَرامي؟ لقد لمحتُ ‘شامتَكِ’ في صدى حروفِكِ قبلَ أن تَراها عيني. فجودي عليَّ بموضعِ ‘نُطفةِ العَنبرِ’ طوعاً، وإلا غامرتُ بأصابعي بين هذهِ الخِصالِ، لأستردَّ ‘خاتمَ الحُسنِ’ الذي سَرقتِ بهِ لُبَّ الشداد.”

ضحكات شامة واحد الضحكة مكتومة، يادوب هزات كتافها بواحد الرقة، وبقات عاطياه بالظهر وراسها مازال مايل للأرض بوقار “الدية” اللي عارفة قدرها. رغم قرب أنفاسه، بقات ثابتة بحال النخلة، وستار شعرها النحاسي مغطي عليها كلشي، وقالت بلسانٍ أدبي فيه رنة التحدي من ورا داك الحجاب المذهب:

— “إذن، فليختبرِ الأميرُ مَلكةَ حدسِهِ التي لا تُخطئ.. أتراها استقرَّت ‘نُطفةُ العَنبرِ’ فوقَ صُدغي لِتُراقبَ دبيبَ أفكاري؟ أم نَزلتْ مَنازلَ الشَّوقِ فوقَ خدي لِتُنافسَ الوردَ في حُمرتِه؟ حزّر يا سليلَ المجد، فما كُلُّ صيدٍ يُنالُ بمجردِ القُرْبِ، وما كلُّ سرٍّ يَهبُ نفسَه دونَ غِمار.”

نطق بصوت هادي، فيه بحة الملوك اللي كيعرفو قيمة الكنز، وقال

— “أتظنينَ أنَّ مَن تتبَّعَ نُورَ الحروفِ في دُجى الورق، سيخطئُ مَوضعَ السِّحرِ حينَ يحلُّ في دِياره؟ إنَّ الحسنَ الذي تملكينَه يا شامة، لا يرضى بمنازلِ الصُّدغِ ولا بأطرافِ العُنق.. بل يَطمعُ في مَقامٍ لا يَنطقُ إلا بالدُّرَر(الشفاه).”

مد يدو ببطء، وبلا ما يلمسها، دوز صبعو فـ الهوا قدام الموضع اللي كيتوقع فيه السر، وكمل بمزحة فيها دلال ملوكي:

— “أحزرُ أنَّ ‘نُطفةَ العَنبرِ’ قد سَكنتْ جِوارَ الثَّغرِ، كأنَّها حارسٌ على بابِ الحِكمة، أو نُقطةُ ختامٍ لقولٍ لم يُكتملْ بَعد. فهل أصابَ الشدادُ مَرماهُ، أم أنَّ خمرَ الدلالِ قد تاهَ بي عن سِكةِ اليقين؟”

هنا، زاد انحنى لجهة ودنها وهمس بـ رزانة:

— “أريني مَوضعَ ‘نقطةِ البدءِ’ جِوارَ شفتيكِ، فما عادَ في الصبرِ مُتَّسعٌ لِمزيدٍ من الألغاز.”

استقرت رصاصة حدسه في قلب الحقيقة، شعرت شامة بزلزالٍ صامت يرتجّ في كيانها؛ فقد كان توقعه دقيقاً لدرجةٍ جعلت الهواء في صدرها يضيق. لم يكن “شداد” يحزر فحسب، بل كان يقرأ تضاريس حسنها بـ “عينِ قلبٍ” رأت ما وراء الستار النحاسي، وكأن تلك الشامة قد نبضت له وحده لتدلّه على مستقرها.

انحلت عقدة التحدي في كتفيها، فارتخيا بلينٍ لم تعهده من قبل، ومالت رأسها ميلةً خفيفة، سمحت للخصلات المذهبة أن تنزاح عن جيدها ببطءٍ يحاكي ذوبان الشمع تحت سطوة اللهب. لم تكن هذه الحركة استسلاماً، بل كانت “إقراراً” بهيبة رجلٍ غلب ذكاءها بفرسته، وهزم تمنّعها ببراعة قوله.

سرت قشعريرةٌ خفيفة في جسدها، وكأن أنفاسه التي تداعب خفايا عُنقها قد كتبت ميثاقاً جديداً للتبعية؛ فانفطرت شفتاها عن تنهيدةٍ محبوسة، وارتسمت عليهما ابتسامةُ إعجابٍ مكتومة، اختلطت بحمرةِ حياءٍ قانية صبغت وجنتيها تحت الظلام المخملي للخيمة.

نطقت بصوتٍ خفيض، فيه بحّةٌ أنثوية غلبها الانبهار، وقالت بصوتٍ خفيض، فيه بحّةٌ أنثوية غلبها الانبهار،

أصبتَ المَرْمى يا صَقْرَ، حتى خُيّل إليَّ أنَّكَ كنتَ تَرعى أثرَ هذه النُّطفةِ في مَنامِك..، أهيَ البصيرةُ التي تسكنُ صدورَ الفرسان، أم أنَّ الحقيقةَ في حَضرتِكَ لا تُطيقُ الاستتار؟”

سادَ الصمتُ أرجاءَ الخباء، وثَقُلتِ المهابةُ حتى كأنَّ الأنفاسَ أضحت ميزاناً للوقار. تقدّم الشدادُ بخطىً وئيدة، ومدَّ يدهُ بنبلٍ كأنما يقطفُ الثمرَ من عالي الشجر؛ تغلغلت أناملهُ في الخصالِ النحاسية، وأزاحَ ستارَ الشعرِ برفقٍ مَهيب على خدها، حتى انقشعَ الغمامُ عن فجرِ الملامح.

هناك، بجوارِ الثغرِ الفصيح، استقرّت “الختمةُ” السوداء كأنها نطفةُ عنبرٍ في كفِّ صانع. جمدَ الشدادُ في مَكانه، وتلاشت كبرياؤه أمام جلالِ الخالق، فنطقَ بصوتٍ رخيمٍ يملؤه الورعُ والذهول:

— “سبحانَ مَن صوّر، وسبحانَ مَن جعلَ الطينَ نوراً يزهو.. تبارك اللهُ أحسنُ الخالقين، كأنَّ هذا الحُسنَ آيةٌ تُلِيَت، فخرَّت لها حواسُّ العبادِ سُجَّداً.”

ثم أردفَ ببيانٍ رصين، يخرجُ من فمِ سيدٍ لا تكسرهُ إلا مَهابةُ الجمال:

— “واللهِ يا ابنةَ الحَسَب، ما كنتُ أحسبُ أنَّ الرَّحمةَ تسكنُ جِوارَ الشفاه، حتى أبصرتُ ختْمَكِ المكنون. لَعمري إنَّ هذهِ ‘النُّقطةَ’ هي مجمعُ البحرين، ومَرسى السفائنِ التائهة. جئتِني بميثاقِ الوفاءِ دِيةً، فغدوتِ في خيمتي سلطانةً؛ قيدُكِ الحياءُ، وسلطانُكِ هذا السحرُ الذي ينطقُ بلا لسان.”

تراجعَ خطوةً إلى الوراء، وأسندَ كفَّه على مِقبضِ خنجره بوقارٍ، وقال:

— “يا شامةً غلَبتْ في حُسنِها طِيبَ الشمائل، مِيلي بوجهكِ نَحوَ الشداد الذي رأى بقلبهِ ما خفيَ عن الأنام.. فقد حانَ لفجرِكِ الملثّمِ أن يُشرق، ولعينيَّ أن تقرأَ مكتوبَ القدرِ في ملامحكِ كاملة.”

عندما حانَ الحين، ومال ميزانُ الصمتِ لِكفّةِ الحقيقة، استدارت شامة بـ “ثقلٍ” يوزن الجبال؛ دارت بـ خطوةٍ رزينا، كأنَّ جلايلَ قفطانها كتمسح غبار السنين على الزمان. بخطواتٍ موزونة، تالاوْ خيوط “الصقلي” فوق الزربية، وعزف الخلخال نغمةً خفية، كأنها “بيعة” روحية كتقدمها لـ صقر البيداء.

وقفت بـ وقارِ الأندلس، وراسها مازال مايل للأرض، كأنها نخلةُ صبورة حانية غصونها أمام العاصفة. شعرُها النحاسي انسدل بحال “شلالِ الذهب” في ليلةٍ قمراء، حاجب الضو ومغطي الأسرار، مخلّي الخيال يسرح في ملامحٍ سكنت الأساطير قبل ما تسكن الخيام.

تقدّم الشداد، وفي كل خُطوةٍ منه هيبةُ ملكٍ كيقرب من محرابه؛ قرب حتى شمّ ريحة “العود

” و”العنبر” و”الورد” اللي فايحة من لثامها المذهب. مدّ يده بـ رزانة، وصبعانه طوال فيهم قسوة الحرب ولين العشق، وأزاحَ خصلات الشعر اللي كانت دايرة على وجهها حراسة مشددة.

بان “الجيدُ” مرخم، بياضه يجهر العين، ناصع كـ الثلج فوق قمم الأطلس اللي ما داسها بشر. نطق الشداد بصوتٍ رخيم، فيه رنةُ الملوك وبحةُ الوجد، وقال باللسان الفصيح:

— “سبحانَ مَن صوَّرَ فأبْدَع، وسُبحانَ مَن جَعلَ من الطينِ مَعْدناً لِلنُّور.. تبارك اللهُ أحسنُ الخالقين! لَعمري ما ظننتُ أنَّ الأرضَ تُنبتُ مثلَ هذا الجلال، ولا أنَّ عيني ستكتحلُ يوماً بـِـ فجرٍ أندلسيٍّ يُشرقُ في قلبِ القِفار.

أهو وجهٌ أم مِرآةٌ لِعظمةِ الخالق؟ لَقَد جمدَ الكلامُ في عُروقي، وغدا الصمتُ في حَضرتِكِ أبلغَ من كُلِّ خُطبة. تبارك مَن أودعَ كُلَّ هذا الوقارِ في لفتةٍ، وكلَّ هذا الجلالِ في نَظرة.. ما كنتُ أصدقُ أنَّ الجمالَ قد يَقتلُ مَهابةَ الملوك، حتى رأيتُ في ملامحِكِ مالم تسعهُ كُلُّ قصائدِ العرب.”

ملي وقع اليقين، وانكشف السر اللي كان مخبي ورا اللثام، الشداد ما بقاش هو هاداك الفارس اللي دخل الخيمة بـ نية الحساب.. ولى إنسان مبهور، كأن يد الله رسمات قدامو معجزة.

إليك

ساد الصمت، وولات الأنفاس هي الميزان اللي كيوزن هيبة اللحظة. الشداد، اللي عمرو ما رماش السلاح ولا نزل راسو قدام عدو، لقى راسو كيذوب بحال الشمع قدام “فجر” وجهها. بقات يدو شادة ذقنها بـ واحد الرقة عجيبة، خايف يزول هاد الحلم إلا حرك صبعانو.

بـ خطوات وئيدة، وتقيلة بـ وقار الملوك، زاد قرب منها حتى تلاقت الأنفاس، وشم ريحة العنبر الأصيل اللي فايح من جيدها. ما قدرش يحيد عينو من عينيها الفيروزية، وكأنها بحور غارقة كندهات عليه يرمي فيها كاع كبرياء الماضي.

بـ حركة فيها “بيعة” روحية، حط يدو الثانية على مقبض خنجره، ماشي باش يهدد، ولكن باش يسلمها مفاتيح قلبه بـ وقار. انحنى شوية، حتى صار جبينو قريب من جبينها، وقال بصوت رخيم كيرعد بالصدق:

— “يا شامة.. واللهِ ما كنتُ أحسبُ أنَّ خيمتي ستسكنُها الشمس، ولا أنَّ الصمتَ في حضرتكِ سيُصبحُ ديناً يُعتنق. جئتِني بميثاقِ ‘الدية’، فغدوتِ في ناظري ‘السيادة’؛ قيدُكِ الحياء، وسلطانُكِ هذا السحراللذي جعل الشداد يشعر وكأنه ولد الليلة.”

ساد الصمت، وبقى الشداد غارق في ملكوت وجهها، كأنه كيقرا مكتوب القدر في ملامحها. الشامة اللي بجوار الثغر كانت بحال “نقطة ختام” لهاد الرواية

بـ حركة فيها “بيعة” ووقار

هبط يدو من وجهها بـ بطء، وخذات يدو “نصل” داك الخنجر العريق الاصيل، وحطو قدام رجليها بـ علامة الخضوع النبيل، وقال:

— “هذا الخنجرُ الذي ما انحنى يوماً لِـبأسِ فارس، يخرُّ اليومَ ساجداً أمامَ حُسنِكِ يا ابنةَالعباس. آمري يا سلطانةَ الخِباء، فما بعدَ هذا الوجهِ وجه، وما بعدَ هذهِ الليلةِ ليل.”

شامة، اللي كانت واقفة بحال النخلة، حست بـ “زلزال” صامت كيهز كيانها. شافت في الخنجر، وشافت في عيني الشداد اللي فيهم واحد الصدق كيجهر العين، وحست بلي “الفارس” اللي كان قبالتها، قدر يهزم كبرياءها بـ هاد النبل اللي ما كانتش كتوقعه.

الشداد، اللي كتعرف القبائل كاملة بأس خنجره وقوة كلمته، دابا حاط سلاحه ووقاره بين يديها، وكأنه كيسلمها مفاتيح مملكته.

شامة بقات واقفة، صامدة بحال مئذنة أندلسية، ولكن لداخل ديالها كاين زلزال. شافت في الخنجر المحطوط قدام رجليها وانحاء الشداد كانه كيقدم ليها الولاء ، وشافت في عينيه اللي فيهم واحد “الاعتراف” صريح؛ بلي هي دابا ماشي غير “دية” جابتها الأقدار، بل هي “السلطانة” اللي غتحكم في مصير هاد الدار.

تحنات لمقامو حتى هي و مدات يدها بـ رزانة، وصبعانها الرقاق قاسو “برودة” فضة الخنجر. ما خداتوش منه، ولكن حطات يدها فوق يده بـ “ثقة”، ورجعات يده بـ الخنجر لـ صدره،

وقالت بـ صوت فيه رنة الحكمة وتدوال الكلام:

— “يا سليلَ المجد، ما جئتُ لأسلبَ الفارسَ سلاحَه، بل جئتُ لأكونَ لـ خِنجرِه جِفناً، ولـ قلبِه حِصناً. هاد الخنجر مكانُه في حزامِك، يحمي الحِمى ويصونُ العِرض.. أما أنا، فـ يكفيني أنَّ ‘الشداد’ الذي تهابُه السباع، قد انحنى لـ نورِ الحقِّ في وجهي.”

هزات عينيها الفيروزية فيه بـ واحد النظرة فيها “الرضى”، وزادت بـ دارجة زجلية تقيلة:

— “البيعة اللي عطيتيني يا شداد، وصلات لـ الروح قبل ما توصل لـ اليد. ودابا، مادام الفجر شرق في وسط هاد الخيمة، واش غانبقاو في وقار ‘الخصوم’، ولا غانشربو ‘كاس الصلح’ اللي كيرد للقلوب صفاها؟”

الشداد، ملي حس بـ لمسة يدها وبـ “عقلها” اللي كوزن الذهب، رجع الخنجر لـ مكانه بـ حركة سريعة وواثقة، وضحكة خفيفة بان فيها “النصر” الحقيقي؛ نصر العشق ماشي نصر الحرب.

مد يديه بجوج بـ “نبل”، وجمع يدين شامة وسط كفوفه الخشنة، وقال بـ صوت رخيم فيه بحة ديال الوجد:

— “يا شامة.. في هذه الليلةِ طوينا سِجِلَّ الثأرِ إلى الأبد، وأحرقنا في مِوقدِنا هذا غُربةَ الروحِ وأوراقَ الشتات. ولتكن هذه الخيمةُ شاهداً علينا؛ أنَّ ‘الشداد’ الذي لم يَهزمهُ صليلُ السيوفِ ولا زرقُ الرماح، قد غلَبَه ‘نورُ الحقِّ’ المنبثقُ من وجهِكِ. فكوني ليَ السكنَ أكن لكِ الحِصن، وكوني ليَ اليقينَ أكن لكِ السندَ الذي لا يميلُ مهما اشتدتِ الرياح.”

هبطات شامة راسها للأرض، وكسات عينيها بواحد الحياء اللي غلب كبرياءها؛ ما قدراتش تزيد تصبّر عينيها في شوفات الشداد من بعد ما بان ليها نُبلُه اللي كيزلزل الجبال. ما نطقاش بكلام كبير ولا موزون، بل اكتفات بهمس رقيق، كأنها كتهضر مع خيوط الزربية، وبصوت فيه رعشة الوقار:

— “يا أميرَ الخِباء.. اللي صان العِرض وأكرم الغريبة، كلمتُه هي اللي تسود بلا ملام. شفت في فعلك ما كفى ووفى على اللسان، وما أنا إلا أمانة في حماك، والوفاء راه طبع للي نبت في معدن الطيب.”

ما زادتش حرف، وجمعات عليها ثوبها بخفر، كأنها كتتغطى بحياءها من ذيك النظرات اللي كتشعل في الروح.

بحركة “صامتة”، مكسيّة بالرزانة، مد الشداد يده للشموع اللي كانت شاعلة ودايرة بيهم؛ بدا كيطفيها وحدة بـ وحدة بهدوء مهيب، حتى خلى غير شمعة يتيمة بعيدة، كتعطي واحد الضو خافت كيستر خجلها و ويخفف من “جهر” النور اللي كيكشف ارتباكها.، وكيعطي لهاد الخلوة وقارها.

الشداد، بـ هيبته اللي كتهز الجبال، ما بغاش يتخطى حدود “الحرمة” في ملك شامة. جلس في ركن قريب شوية على مفرشها، فوق وسادة “نطع” كبيرة،حط سلاحه واستسلم لـ جلال المكان.

جلس

وسند ظهره، وخلا عينيه في الأرض، كأنه كيعطي لـ شامة “الأمان” بلي راه ضيف خفيف تحت حماها، قبل ما يكون زوج وسيد.

خلاها واقفة لـ لحظة، والسر في ذلك أنه بغى يعطيها “وقتها” باش تستوعب بلي هي “الآمرة” وسط هاد الفخامة، وباش يمتع نظره بـ ذيك الوقفة اللي فيها عزة النخيل وشموخ الجبال، ونطق بصوت رخيم فيه بحة التقدير:

اجلسي في مقامِكِ، فـ الشدادُ اليومَ ضيفٌ في حِماكِ، ولا يطيبُ لهُ مقامٌ إلا بـِرضاكِ.”

شامة، اللي كان الحياء كاسيها، تحركات بـ خطوات متمودة وسط ذيك الزرابي، وجلست فوق مفرشها العالي بـ وقار سلطانة أندلسية. جمعات يديها في حجرها، ونزلت راسها بـ حياء، وحست بلي هاد الرجل اللي كيخافوا منه الفرسان، عنده قلب كيعرف قيمة “الحرمة” وكيعرف يوزن الكلمة قبل ما تخرج.

ساد الصمت وسط الخيمة الفخمة، وبقى غير “نفس” الشموع وريحة البخور كتحكي قصة ليلة، بدات بـ ثقل الثأر، وغتسالي بـ سكون الروح تحت سقف واحد.

مع نغمة “الله أكبر” اللي شقّت صمت الصحراء، وقف الأمير الشداد وقفة ديال الشموخ، هيبة الملوك اللي موالفة تسبق كلامهم. هاد الأذان جا بحال الميزان، فرق بين ليل الخصام وصباح الوئام.

دار جيهة شامة، وبصوت فيه وقار السلطة وحنين الوجدان، نطق بـ كلام موزون بـ ذهب الرزانة:

— “أسمعتِ يا ؟ هذا منادي الحقِّ يُعلنُ انقشاعَ دَيجورِ الليلِ وبزوغَ فجرٍ لا يُظلمُ فيه أحد. إنَّ الأميرَ الذي بسطَ هيبتَه على الفيافي، يخرُّ طائعاً أمامَ جلالِ خالقه.. وليشهدْ هذا الصباحُ أنَّ ‘الشداد’ قد وجدَ في خِبائِكِ مأمنَه، وفي حُسنِكِ مأواهُ ومسكنَه.”

دار الأمير جيهة شامة، اللي كانت جالسة بحال شي رسم في كتاب العز، ونطق بـ لسانه الشرقي الفصيح، وصوته فيه رنة السيف والوقار:

— “أسمعتِ يا حليلة الشدّااد ؟ هذا نداءُ الحقِّ يطوي صفحةَ الليلِ بما حملَت. واعلمي، أنَّ الصبحَ لن يشرقَ عليكِ بعد اليومِ وأنتِ دِيَةٌ أو غريبة، بل يشرقُ وأنتِ ‘حليلةُ الشداد’.. ومَن كانت حليلةً للأمير، فقد ضُرِبَ حولَ خِدْرِها سورٌ من مَهابةٍ وعزٍّ لا يُرام.”

نزّلات عينيها للأرض بـ حياء كيهز الجبال، وقالت بـ صوت رقيق كينسم بالسكينة:

— “سبحان مَن جعل الفجر باب للفرج، ونور كيضوي على كل قلب انحرج. الصلاة في وقتها هي العز الحقيقي، والرضى بالمكتوب هو اللي غاينوّر طريقي.”

مع نهاية هاد الحوار اللي وزنُه ذهب، ساد واحد الصمت مهيب في أركان الخيمة، صمت ماشي ديال الخوف، بل ديال الاحترام والوقار اللي كيكون بين الكبار. الأمير الشداد، بـ مروءته العالية، فهم بلي شامة محتاجة تسكن لـ هاد السكينة وتراجع أنفاسها من بعد ليلة غيرات مجرى حياتها.

عدّل الأمير الرداء فوق كتافه بـ حركة رزينا، وعطى لـ شامة نظرة أخيرة فيها واحد الهيبة ممزوجة بـ “الرضى”، ونطق بـ لسانه الشرقي الفصيح وهو واقف عند العتبة:

— “استقرّي في مَقامِكِ يا حليلةَ الشداد، ونامي قَريرةَ العينِ مَصونةَ الجانب.. فمَا بَزغَ فجرُ هذي البلادِ اليومَ إلا لِيُعلِنَ أنَّكِ السيدةُ الآمرةُ في هذي الرِّحاب. سأمضي لِـصلاتي، وأتركُ الخِدرَ لِـسكونِه ولَكِ لِـراحتِك.”

بـ هاد الكلمات اللي خلات الخيمة تزيد وقار، دار الأمير وخرج بخطوات رزينا كتحفر في رمال الصحراء ميثاق جديد. غير خرج، بردات الحركة وبقات ريحة العود والمسك كتموج في المكان.

يتبع

شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.