الرجوع إلى القصة
ليلة الخميس
الفصل 2 186 دقائق تقريباً 21/07/2026

الفصل 2

شامة، اللي بقات جالسة بحال شي ملكة فوق عرشها، تنفست الصعداء وحست بلي داك الثقل اللي كان على صدرها بدا كيذوب مع خيوط الصباح. ركنت راسها لـ لور وهي كتردد في خاطرها “حليلة الشداد”، وحست بلي هاد “الخيمة الفخمة” ولات فعلاً هي حصنها المنيع.

من بعد ما خرج الأمير وخلّى وراه ريحة الهيبة والسكينة، تنهدات شامة واحد التنهيدة طويلة، كأنها خرجات معها كاع التعب والتقل اللي كان على كتافها. مشات لفراشها المنقوش، وتكات وهي باقة لابسة وقارها العباسي، ولكن عينيها بداو كيغلبهم النعاس من بعد ليلة ما كانتش كباقي الليالي.

قربات دادا رقية بوقارها المعهود، وجلسات في جنبها فوق طرف الفراش. بدات كتمسح بيديها اللي فيهم بركة السنين على شعر شامة، وبصوت رزين وهادي بحال لغا لطيور في الفجر، بدات كتدللها وتردد كلام كينزل على القلب بحال البلسم:

— “نعسي يا بنتي، نعسي يا نوارة بغداد اللي غرسناها في قلب الرمل وزهرات. نعسي يا لالة شامة، يا اللي وجهك قمر وضواك شمس ما كتغيب. دابا ارتاحي يا بنيتي، راه الساس اللي تبنى على الحلال ما يزعزعو ريح، والكلمة اللي خرجت من فم الشداد الليلة، كانت ميثاق وعقد صحيح.”

زادت رقية كتمسح على جبهة شامة بحنان، وكملات زجلها الحكيم:

— “يا بنتي، اللي صانت سرها وصبرات، ربي كيعوضها بالجاه والشان. الأمير اللي كان كيحلف بالقلب المسدود، لقى في رزانك الساروت والمكان. دابا الخيمة حامت عليك، والشداد ولى سورك العالي.. نامي وقرّي عينك، راه اللي عطاها الله ما يحيدو ليها لا جني ولا إنساني.”

شامة، وهي كتحس بلمسات دادا رقية الدافية، بدات كتدخل في سبات عميق، وكلام رقية كيدور في بالها بحال شي تعويذة ديال الأمان:

— “نامي يا الغالية، يا بنت العز والشان.. اليوم وليتي ‘حليلة الشداد’، وسلطانة هاد المكان. نمسح عليك بالرضى والقبول، ونغطيك بستر الله اللي ما عليه زول. نعسي يا بنتي، راه الصبح اللي بدا بوقار الأمير، غا يكمل بضحكة السعد والخير.”

بقات دادا رقية جالسة جنبها، كتحرس نعاسها وتسبح بذكر الله، وعينيها مراقبة باب الخيمة، حاسة بلي هاد “بنت بغداد” ولات هي الروح اللي غاتحيي هاد الصحراء القاحلة.

مع طلوع خيوط الفجر الأولى، ومين بدا الضباب يزول على خيام القبيلة، وقف الأمير الشداد في المحراب، وجهه مكشوف كأنه صفحة من كتاب الصدق، وعليه سيما الخشوع اللي كتمحي جرة السيف ووعورة الطريق.

مع طلوع خيوط الفجر الأولى، ومين بدا الضباب يزول على خيام القبيلة، وقف الأمير الشداد في المحراب، وجهه مكشوف كأنه صفحة من كتاب الصدق، وعليه سيما الخشوع اللي كتمحي جرة السيف ووعورة الطريق.

فـ قلب المصلى، والبرد كينسم بريحة الرمل والندى، وقف الأمير والصفوف وراه مرصوصة بحال البنيان المسبوك. حط رداءه، وحسر على وجهه اللي بدات كتشرق فيه أنوار السكينة، ونطق بـ “الله أكبر”؛ كلمة زلزلت الصمت، وهزت أركان الخلاء، وخلات الدنيا تصغار قدام جلال مولاها.

كان صوته في القراية بحال هدير الواد فاش كيهدا، يرتل الآيات بتأني، وكل حرف كيخرج من صدره المشرك باليقين. قرا بآيات المودة، وكأنه كيسقي بها عطش السنين، والرجال وراه خاشعين، هابطين مع ركوعه وصاعدين مع سجوده، بحال موج البحر اللي خضع لـ أمر خالقه.

سجد الشداد، وهذيك الجبهة اللي عمرها ما طاحت لـ غير الله، تعفرت في تراب المصلى. طول السجدة وكأنه كيشكر ربي على ما انعم عليه من نعم لي فاقت دعواته وامنياته

سلم الأمير، ودار جيهة المصلين، بان وجهه منور بـ نور الصبح؛ ملامحه اللي كانت ديما قاصحة بحال الحجر، ولات الليلة لينة بحال الحرير. رفع يديه ودعا بصوت خافت، بصوتٍ يملؤه اليقين، ووجهٍ يغتسل بضياء الفجر، رفع الأمير الشداد كفّيه نحو السماء، فسكبت الفصحى من لسان الفارس دعاءً يفيض بالخشوع:

— “اللهمَّ يا جامعَ الشتات، ويا مُؤلِّفَ القلوبِ على الطاعات، اجعلْ فجرَنا هذا مطلعَ يُمْنٍ وبركة. اللهمَّ إنَّ هذا البيتَ قد عُمِرَ بذِكرِك واستظلَّ بوقارِك، فصُنْه بجميلِ سِتْرِك، واحفظْه بعينِك التي لا تنام، واجعلْ مودَّتنا فيك، ورِباطَنا حلالاً يُرضيك.”

بعدما ترفعات أكف الضراعة للسما، وانجلى غبش الفجر على وجوه الرجال، تحرك الأمير الشداد بوقاره المعهود، مخلي وراه المصلى كيرن بدعوات الخير. قلبه كان مقسوم بين هيبة “الحليلة” اللي عاد ثبت مقامها، وبين حق “بنت العم” اللي عطاته أغلى مكسب وهي مزال في أيام نفاسها.

قصد الشداد خيمة زوجته الأولى، ذيك الخيمة اللي ليها معزة خاصة في قلبه، حيت هي السكن القديم والوفاء اللي ما كيتزعزع. دخل بـ “بسم الله” وصوت خطواته رزين، باش ما يزعج سكون المكان.

دخل لخيمتها الفخمة، ولقاها متكية فوق الأرائك الحريرية، لكن ملامحها كانت أبعد ما يكون على دلال القصور. وجهها اللي مولف الضيا والنعومة، بدا بحال الرخام البارد، شاحب ومخطوف لونه، وعينيها فيهم هيبة الملوك ممزوجة بـ انكسار “النفيسة”. هالات التعب تحت عينيها رسمات صورة ليلة دوزاتها في صراع بين وجع اللحم وقهر الروح.

شريفة اللي مولفة تلبس التيجان وتآمر وتنهى، لقاها الليلة غارقة في “حليب الحصرة” اللي فزق ثوبها الحريري الغالي، وكأنه كيدنس ذاك البهاء اللي عاشت فيه.

قرب الأمير بخطوة تقيلة، وجلس عند راسها بوقار الفرسان اللي كيداريو كسر الخواطر. مد يده وبغى يمسح على جبينها، لكنه حس برعشة الوجع في كتافها، ونطق بلسانه الفصيح وصوته فيه بحة الشفقة:

— “يا ابنةَ العم، كفكفي دموعَكِ وصوني مَقامَكِ من كَيْدِ الظنون.. فواللهِ ما نَقَصَ قَدرُكِ في الفؤادِ مِثقالَ ذرة، وما كان هذا القَدَرُ إلا لِيُعِزَّ الدارَ ويَحمي الديار. أنتِ السَّكَنُ الأول، والمَقامُ الأقدس، فلا تَجْعَلي الغَيْرةَ تَسلبُكِ بَهاءَ الصبرِ في مَقامِ الرضا.”

شافت فيه بـ نظرة فيها عتاب مسموم، عتاب بنت الأصول اللي كتحس بـ “الغدر” جاي من أقرب الناس ليها.

قبل ما ينطق الشداد بأي عذر، نطقات بـ فصحى كتقطر عزة وأنفة، وصوتها فيه رنة السيوف:

— “أبِهذا يُجازى الوفاءُ يا ابنَ العم؟ أفي عُرفِ الملوكِ تُكسرُ خواطرُ النفاسِ وتُذلُّ بَناتُ الكرام؟ لقد وأدتَ فرحتي بـسليلِكَ قبلَ أن نرفعَ لـعقيقتِهِ رأساً، وجعلتَ نِساءَ الإمارةِ يتهامسنَ بـهواني وأنا في عِزِّ ضَعفي. ألم يكن لِـمقامي عندكَ حُرمةٌ تَردعُك، أو لِـدماءِ العرقِ الذي يجمعُنا مَهابةٌ تمنعُك؟ لقد استعجلتَ الوصلَ بـغيري، وأهدرتَ دمَ كبريائي في يومٍ كانَ يُفترضُ أن يكونَ عيداً لِـعرشك.”

سكتات وهي كتشوف في ولدها اللي ناعس في مهده المنقوش، وكأنها كتقول للشداد بلي حتى هاد المزيود اللي جا باش يعز الملك، تظلم بـ فعلة والده اللي ما صبرش حتى تجف دموع نفاس أمه.

وقف الشداد وقفةً تليقُ بسلطانٍ تزدحمُ في رأسهِ شجونُ الرعيةِ قبلَ شجونِ القلب. ورغمَ لوعةِ ابنةِ عمه، ظلَّتْ رزانتهُ كالجبلِ الأصمِّ لا تُحركهُ رياحُ العواطف. ضيَّقَ عينيهِ بوقارٍ يشي بحزمِ القادة، ثمَّ أرسلَ كلماتهِ فصيحةً جزلة، توزنُ بـميزانِ الملوك:

— “يا ابنةَ العم، لقد صَمَتُّ تقديراً لِوَجعِك، وتجاوزتُ عن حِدَّةِ قولِكِ لِما تَمُرِّينَ به من ضَعف. لكنَّ مقامَ الإمارةِ وسياسةَ القومِ تقتضي ما لا تُدركُهُ لوعةُ النساء. اعلمي أنَّ مقامَ ‘شامة’ في هذه الدارِ ما هو إلا وثيقةُ سِلمٍ خُطَّت بـمدادِ الحكمةِ لِحَقنِ الدماء؛ فوفدُها يرقبُ الرَّحيل، والانتظارُ في عُرفِ السلاطينِ نكوصٌ عن العهد، والتأجيلُ في مَقامِ الصُّلحِ نذيرُ حَرْبٍ لا تُبقي ولا تذر.”

ثبَّتَ بصرهُ في عينيها بصرامةٍ لا تخلو من مودةٍ قديمة، وتابع:

— “أظننتِ أنَّ الشدادَ يرهنُ أمنَ الرعيةِ بانتظارِ عقيقة؟ أو يتركُ هيبةَ الدولةِ تتردى في الهاويةِ لِأجلِ مَراسيمَ يمكنُ قضاؤُها في أيِّ حِين؟ إنَّ القراراتِ الكبرى تُصاغُ لِحمايةِ العروشِ والأنفس، وما كان لي أن أجعلَ السكينةَ التي تنعمينَ بها اليومَ رَهينةً لِتأخيرٍ قد يجرُّ علينا الويلات. ارتاحي يا ابنةَ الأصول، فمقامُكِ هو السَّاسُ الذي لا يَميل، وما قِيامي بهذا الأمرِ إلا لِأصونَ لكِ ولِوليدِكِ داراً آمنةً وعِزاً مَكينا.”

التفتَ نحو المهدِ، وبنبرةٍ هادئةٍ لكنها قاطعة، أتمَّ قوله:

— “ستُقامُ العقيقةُ بـهيبةِ الملوكِ التي تليقُ بـسليلِنا، وسَيتمُّ الصُّلحُ بـحكمةِ القادةِ التي تليقُ بـمُستقبلِنا. فكوني عوناً لِي لا حِملاً عليَّ، فإنَّ سِياسةَ الديارِ لا تعرفُ للمشاعرِ سبيلاً حينَ يلوحُ الخطر.”

تسمر في مكانه كالسور المنيع حين رأى شريفة تنتفض من فراشها رغم ضعف نفاسها. وقفت أمامه بدموع غزيرة كأنها سيول جرفت كبرياء القصور، وارتجف صوتها وهي تشير ببنانها المرتعش نحو الخيمة الفخمة التي أقيمت لشامة، وقالت بنبرة يملؤها القهر:

— “أهذا كلُّ ما لديكَ يا ابن العم؟ لم يكفِكَ أنَّكَ عقدتَ عليها والدمُ لم يجفَّ من عروقي، حتى أغدقتَ عليها من المهورِ ما جعلَ نساءَ الرعيةِ يتهامسنَ بصغارِ شأني؟ لقد جعلتَ مهرَها قصةً تُروى، وحرقتَ قلبي بنارِ المفاضلةِ قبلَ أن يجفَّ دمعي. ألم يكن مقامُ ابنةِ عمكَ كافياً لِيُلجمَ يدكَ عن هذا البذخِ الذي صغَّرني في أعينِ الجميع؟”

التفت إليها الشداد، وبقيت هيبته حازمة كحد السيف، ولم ينحنِ أمام فيضان دمعها، بل ردَّ بوقارِ السلاطين الذين يزنون الذهب بميزان الهيبة لا بميزان العاطفة:

— “كُفِّي عن هذا الشجنِ الذي لا يليقُ بآلِ الحكمِ يا شريفة. إنَّ مهري لـ ‘شامة’ ما كان نكايةً فيكِ، ولا انتقاصاً من قدرِك، بل هو مهرُ الهيبةِ أمامَ سلطانٍ والدِها، ووفدٍ يرقبُ مِقدارَ مَن سيصهرونَه. أنا الشداد، وابنُ الأكابر، ولا يليقُ بمقامي أن أزفَّ أميرةً بمهرٍ ينقصُ عن مقامِها، فتصغرُ هي ويصغرُ معها قدري في عيونِ الملوك.”

ثبَّت نظراته الحادة فيها، وتابع بصوتٍ رزين يملأ أركان الخيمة:

— “إنَّ غلاءَ مهرِها هو رفعةٌ لشأني أنا قبلَ أن يكونَ إكراماً لها. أنا لا أشتري القلوبَ بالذهب، بل أشتري الوقارَ في عيونِ الأعداء قبل الأصدقاء. مهرُ الأميرةِ مرآةُ مقامِ زوجِها، وما كان للشدادِ أن يرضى بالدُّونِ وهو الذي يطالُ برأسهِ عنانَ السماء. فاحفظي لنفسِكِ وقارَكِ، واعلمي أنَّ ميزانَ الذهبِ عند الملوكِ سياسة، وميزانَ القلوبِ عند الكرامِ وفاء.”

ترك صدى كلماته يتردد كأنه حكمٌ نهائي لا يقبل النقاش، واضعاً حداً لـ “لوعة” القصور بمنطق “أنفة” العروش.

انهارت شريفة، وخانتها قدماها أمام صرامة منطقه، فسقطت جالسةً على الأرض وهي تئنُّ بمرارةٍ هزَّت أركان الخيمة الحريرية. غطت وجهها بكفيها، وشهقاتها المكتومة تخترق صمت المكان، ثم رفعت عينيها المبللتين، ونطقت بصوتٍ كأنه شظايا زجاجٍ مكسور:

— “تتحدثُ عن الملوكِ والسياسةِ يا ابن العم.. وتتسترُ خلفَ مهابةِ العروشِ لتبررَ ما لا يبررهُ عقلٌ أو قلب. هَبْ أنَّ العقدَ ميثاقُ صُلح، وهَبْ أنَّ المهرَ وقارٌ أمامَ السلطان.. فبماذا تُفسرُ ليلتَكَ التي قضيتَها في خِدرِها؟ أكانَ ‘الدخولُ’ بها شرطاً من شروطِ السياسةِ أيضاً؟ أم أنَّ بنودَ الصلحِ لا تكتملُ إلا بكسرِ خاطرِ ابنةِ عمكَ في أوجِ وجعِها؟”

انهارت شريفة، وخانتها قدماها أمام صرامة منطقه، فسقطت جالسةً على الأرض وهي تئنُّ بمرارةٍ هزَّت أركان الخيمة الحريرية. غطت وجهها بكفيها، وشهقاتها المكتومة تخترق صمت المكان، ثم رفعت عينيها المبللتين، ونطقت بصوتٍ كأنه شظايا زجاجٍ مكسور:

— “تتحدثُ عن الملوكِ والسياسةِ يا ابن العم.. وتتسترُ خلفَ مهابةِ العروشِ لتبررَ ما لا يبررهُ عقلٌ أو قلب. هَبْ أنَّ العقدَ ميثاقُ صُلح، وهَبْ أنَّ المهرَ وقارٌ أمامَ السلطان.. فبماذا تُفسرُ ليلتَكَ التي قضيتَها في خِدرِها؟ أكانَ ‘الدخولُ’ بها شرطاً من شروطِ السياسةِ أيضاً؟ أم أنَّ بنودَ الصلحِ لا تكتملُ إلا بكسرِ خاطرِ ابنةِ عمكَ في أوجِ وجعِها؟”

استجمعت أنفاسها المتهدجة، وتابعت بنبرةٍ تقطرُ سماً وعتاباً:

— “كنتَ تستطيعُ أن تعقدَ قرانكَ وتبني لها أفخمَ القصور، وتجعلَ مهرَها حديثَ الركبانِ لتصونَ هيبتَك.. ولكنَّكَ اخترتَ أن تهتكَ حُرمةَ نفاسي، وتدخلَ بها والمهدُ بجانبي لم يبرد بعد. لم يكن وجعي في حساباتِكَ يا أمير، ولا كرامتي كانت ضمنَ بنودِ مفاوضاتِك. لقد أردتَها لنفسِكَ قبل أن تُريدَها لِشعبِك، فلا تجعل من مصلحةِ الإمارةِ غطاءً لِـشهوةِ التجديدِ التي أحرقتْ بيتي.”

بقت شريفة جالسة في الأرض، وشعرها الحريري مسرح على كتافها في صورة كتقطع القلب، وحليبها باقي كيزلع على صدرها، كأنها كتفكر الشداد بلي هاد “المنطق” اللي كيهضر به، ذبح فيها الأنثى قبل ما يرضي فيها ابنة السلطان.

وقف الشداد صامتاً لبرهة، وثقل الحقيقة يزحم صدره، فهو الأمير الذي لا ينطق كذباً، وابن الأصول الذي لا يغدر بكلمته. نظر إلى شريفة نظرةً عميقة، ممزوجة بالهيبة والأسى، ثم نطق بصوتٍ رخيم يملؤه الوقار، مختاراً كلماته بميزانٍ لا يخدش صدقه ولا يكسر ما تبقى من خاطرها:

— “يا ابنةَ العم، ما كان الشدادُ يوماً ممن يستترون خلفَ زيفِ القول، ولا مِمَّن يُنكِرونَ فِعلَهم خوفاً أو مَلامة. اعلمي يقيناً أنَّ دخولي خيمتَها ليلةَ أمس لم يكن ‘دخولَ زفافٍ’ كما توهمتِ، فما نالَتْ مني مَنالَ الزوجةِ من زوجِها، ولا انتهكتُ فيكِ حُرمةَ نِفاس. أما عن مَبيتي هناك، فقد كان شأناً مبيتاً في نفسي، أردتُ فيه استجلاءَ أمرِ مَن دخلتْ داري، ووضْعَ مَوازينَ لهذا الصهرِ الجديد بما يليقُ بهيبتي وقَدري.”

ثم تابع بنبرةٍ حازمة، قاطعاً الطريق على فيضِ أسئلتها:

— “لا تسأليني عن تفاصيلِ ليلتي، ولا تفتشي في مَقاصدِ خلوتي، فحسْبُكِ من القولِ أنني لم أقربها حلالاً ولا حراماً، وأنَّ مَقامَكِ في الصدارةِ لم يمسهُ سوء. أنا الشداد، أدرى بـمواضعِ خطوي، وأعلمُ متى أقبلُ ومتى أُعرِض، وما كان لي أن أكذبَ عليكِ لأرضيَكِ، بل أقولُ ما أقولُ لتعلمي أنَّ كرامتَكِ مَصونة، وأنَّ حُرمةَ بيتِكِ لم تُنتهك في غيبتِك.”

حبس الشداد في جوفه ما كان من أمر إعجابه بـ “شامة” وما دار في خلوته من غزل، فصدقه منعه من الإنكار، وأنفته منعته من البوح بما يوجع بنت عمه في مقتل، فجاء كلامه فصلاً بين الحق والستر. نظر إلى وليده في المهد نظرةً أخيرة، ثم انصرف بوقار، تاركاً خلفه حقيقةً ناقصة، هي في عُرف الملوكِ أقصى درجات الرحمة.

خرج الشداد من خيمة “بنت العم” والوجع ينهش صمته، لكن ملامحه ظلت كالصخر الأصم لا تشي بكسرٍ أو ندم. توقف في وسط ساحة الإمارة، ونظر إلى الأفق حيث بدأ ضياء الفجر يطرد فلول الظلام، وكأن في هذا الضياء قراراً قد نضج في رأسه المزدحم بهموم الدار.

لم يلتفت خلفه، بل رفع يده إشارةً لـ “الحاجب” والمنادين الذين كانوا يرقبون خطوه بهيبة. اقتربوا منه بـ “سمعاً وطاعة”، فنطق الشداد بصوتٍ جهوريٍّ، رخيمٍ، يملؤه الجبروت والأنفة، وكأن كلامه نقشٌ على حجر:

— “يا قوم.. أسمِعوا مَن بَلغَهُ الخبر، ومَن لم يَبْلُغْه. إنَّ ابنَ الشداد، سليلَ المُلْكِ وحاملَ السِّر، قد أشرقَ بنورِهِ في دارِنا. وبِحقِّ مَن وَهَبَ وصان، وبِعِزِّ مَن رَفَعَ الشأن، آمُرُكم بـِـعقيقةٍ لم تَشهدْ مِثلَها الإمارةُ قَط. لِيُؤذَّنَ في العبادِ لسبعةِ أيامٍ بليالِيها؛ تُنحرُ فيها النوقُ وتُبسطُ الموائدُ للقريبِ والبعيد، ولْيَطعمِ الصغيرُ والكبيرُ من جُودِ مَن هو مَوجود.”

ثبَّت بصره في أعين الوفود المتربصة، وأكمل بنبرةٍ تفيض بالرسائل المبطنة:

— “لِيَعلمَ القاصي والداني، أنَّ هذا المزيودَ هو وارثُ العرين، وأنَّ أُمَّه ابنةَ الأكابرِ هي سيدةُ القصورِ وحاميةُ الذِّمار. فمَن أكرمَ عقيقتَه، فقد أكرمَ مَقامي، ومَن عَلِمَ قدرَ المزيود، فقد عرفَ حُرمةَ مَن جادتْ به في هذا الوجود. ارفعوا الراياتِ، وأشعلوا النيرانَ فوقَ القمم، فـفرحةُ الشدادِ اليومَ هي عيدُ الإمارةِ الأكبر.”

طار الخبر في الإمارة بحال البرق، وصوت المنادي كيهز الحيوط والقلاع. الشداد بغى يداوي جرح شريفة بـ “عز الملوك”، ويخلي كل لسان كان كيتهامس بالغيرة يرجع في كينونه. أمر بـ السبعة أيام ديال الصدقة والولائم، وبغى ريحة الشواء والبخور توصل لآخر خيمة في الصحراء، باش يعرف الجميع بلي “الزيادة الجديدة” ما غطاتش على مقام “بنت العم”، بل زادتها رفعة فوق رفعة.

بينما الرجال كينفذوا الأوامر، والخيام الكبيرة بدات كتنصب للعقيقة، كان الشداد واقف كيشوف في الأفق، وعارف بلي هاد “البذخ” هو الدوا الوحيد لـ “حليب الحصرة” اللي سال في الخيمة. بغى يرد ليها الاعتبار قدام “شامة” وقدام الوفود، ويأكد بلي الملك كيبدا من عند “شريفة” وينتهي عندها.

داخل الخيمة المذهبة، كانت شامة جالسة كأنها أيقونة من مرمر، حاطة يدها على خدها وعينيها ساهيين في خيوط الشمس اللي بدات كتسرب من ثنايا الحرير، وترسم خطوط ديال الضيا فوق البساط. كانت كتسمع لغوات المنادين برا وصياح الخيل في هاد الصباح اللي بدا بكري، وصدرها كيطلع وينزل بـ تنهيدة مكتومة، كأنها يلاه بدات كتلمس ثقل التاج اللي تحط على راسها في ليلة وضحاها.

بعد إعلان العقيقة، لم يكتفِ الشداد بضجيج الساحة، بل أراد فعلاً يخرس الألسنة داخل الخدور قبل خارجها. تحرك الأمير بوقاره المعهود نحو “بيت المال”، وأمر بإحضار الصناديق التي أُعدت بعناية، وانطلق في موكب مصغر يتقدمه العبيد يحملون “الهبة السلطانية” نحو خيمة ابنة عمه شريفة.

وقف الشداد على باب خيمتها، وفي عينيه نظرة تجمع بين الحزم والرضاوة، فأشار للصناديق أن تُوضع بين يديها وهي لا تزال في مرقد نفاستها.

نظر الشداد إلى ابنةِ عمِّه، وثبتَ بصرَهُ في عينيها المنكسرتين، ونطقَ بجزالةِ الملوكِ التي لا تقبلُ المراء:

— “يا ابنةَ العم، إنَّ مقامَكِ لا يُوزنُ بذهبٍ ولا يُثمنُ بجوهر، ولكنَّ الهدايا على قدرِ مُهديها. هذه ‘هبةُ المزيود’ لأمِّه، وهي ‘عطيةُ الشداد’ لِمن صانتْ عرضَهُ وحملتْ سِرَّه. لِيَعلمَ مَن في القصرِ ومن خَلْفَه، أنَّ يدَ الأميرِ حينَ تمتدُّ بالإكرامِ لـ ‘شريفة’، فإنما تُكرمُ رُكناً من أركانِ عرشِها.”

تحلات الصناديق وبان اللي يجهر العين ويطير النعاس.. ذهب منقوش بـ فن وإخلاص.

خناجر من فضة مرصعة بالياقوت لـ “المزيود”.. وحلي لـ شريفة تخلي الزين فيها ممدود.

عقود من اللؤلؤ الحر، وسباني د الحرير “الفاسي”.. كل قطعة كتقول: “مقام شريفة عالي وقاسي”.

نطق بصوته الرخيم الذي يجمع بين الوقار والرضاوة:

— “يا ابنةَ العم، إنَّ مقامَكِ لا يُصانُ بالذهبِ وحدَه، بل بالسيادةِ والتمكين. لقد وهبتُكِ ‘بستانَ النخيلِ الغربي’، الذي لا تشرقُ الشمسُ إلا على خُضرته، ليكونَ ملكاً لكِ ولولدِكِ من بعدِك، لا يُنازعُكِ فيهِ منازع. وأمامَ العبيدِ والحشمِ أقولُها: أنتِ ‘سيدة الحرم’، والكلمةُ في هذا البيتِ كلمتُكِ، ومفاتيحُ التدبيرِ بينَ يديكِ. مَن أكرمتِ فقد أكرمتُ، ومَن أقصيتِ فلا رادَّ لِـقضائك.”

— “يا ابنةَ العم، إنني ما سلمتُكِ مفاتيحَ الخزائنِ وسُلطةَ الحرمِ لِتكونَ سيفاً يُبيد، بل لِتكونَ ميزاناً يُقيمُ الحقَّ ويُسكتُ الوعيد. اعلمي أنَّ المُلْكَ قِوامُهُ العدل، والسيادةَ زِينتُها الترفعُ عن صغائرِ النفوس. فلا تجعلي من سُلطانِكِ باباً لِـظلمٍ أو حكر، ولا تظني أنَّ مَن وهبتُها صهري قد خرجتْ من حِمى رعايتي؛ فهي ضيفتُكِ قبلَ أن تكونَ ضرتَك، وحقُّ الضيفِ عند الكرامِ مُقدس.”

— “يا ابنةَ العم، إنني ما سلمتُكِ مفاتيحَ الخزائنِ وسُلطةَ الحرمِ لِتكونَ سيفاً يُبيد، بل لِتكونَ ميزاناً يُقيمُ الحقَّ ويُسكتُ الوعيد. اعلمي أنَّ المُلْكَ قِوامُهُ العدل، والسيادةَ زِينتُها الترفعُ عن صغائرِ النفوس. فلا تجعلي من سُلطانِكِ باباً لِـظلمٍ أو حكر، ولا تظني أنَّ مَن وهبتُها صهري قد خرجتْ من حِمى رعايتي؛ فهي ضيفتُكِ قبلَ أن تكونَ ضرتَك، وحقُّ الضيفِ عند الكرامِ مُقدس.”

— “يا ابنةَ العم، إنني ما سلمتُكِ مفاتيحَ الخزائنِ وسُلطةَ الحرمِ لِتكونَ سيفاً يُبيد، بل لِتكونَ ميزاناً يُقيمُ الحقَّ ويُسكتُ الوعيد. اعلمي أنَّ المُلْكَ قِوامُهُ العدل، والسيادةَ زِينتُها الترفعُ عن صغائرِ النفوس. فلا تجعلي من سُلطانِكِ باباً لِـظلمٍ أو حكر، ولا تظني أنَّ مَن وهبتُها صهري قد خرجتْ من حِمى رعايتي؛ فهي ضيفتُكِ قبلَ أن تكونَ ضرتَك، وحقُّ الضيفِ عند الكرامِ مُقدس.”

“ميزان النفس”

شريفة ابنة امراء، والدم اللي كيجري في عروقها فيه الأنفة والكبرياء. هي دابا قدام “حمالة أوجه”: كرم سلطاني، وسلطة مطلقة، وهبة ما حلمت بها امرأة.. ولكن في نفس الوقت، كاين “الشرط” اللي حطه الشداد؛ وهو العدل وصون مقام شامة.

بين القبول المرّ وعزّة النفس

شريفة شافت في المفاتيح، وشافت في الصناديق، ورجعات شافت في عينين الشداد الصارمة. في داخلها، كاين صراع؛ “العقل” كيقول ليها بلي الشداد رد ليها اعتبارها قدام القبائل وفوق قياسها، و “القلب” باقي كينزف حيت عارف بلي هاد العطايا هي “ثمن” صمتها وقبولها بـ الضرة.

استجمعت شريفة شتات نفسها، ووقفت بوقارٍ يضاهي شموخ النخيل في بستانها الجديد، ورغم وهن الجسد، إلا أنَّ نبرتها جاءت حازمة، تليق بسليلةالامراء، وقالت:

— “قَبِلْتُ الهبةَ يا ابن العم، وقَبِلْتُ السيادةَ والجاه، وما كان الشدادُ ليُعطيَ ابنةَ عمهِ إلا ما يرفعُ شأنَها ويُرضي مَقامَها. إنَّ هذا البستانَ بخُضرتهِ سيُروي غرسَ ولدِك، وهذه الخزائنَ ستصونُ عِزَّ دارِك، أما العدلُ الذي أوصيتَ به، فهو يسكنُ في دمي قبلَ أن يجريَ في عروقي نَبضِي.”

سكتت لبرهة، وكأنها تبتلعُ غصةً مريرة، ثم تابعت برزانةٍ وثبات:

— “لن يُظلمَ في حِمى شريفةَ أحدٌ ما دمتُ حية، ولكن قل لي يا أمير.. أَيُطفئُ الذهبُ ناراً استعرتْ في جوفي، أم يمحو بريقُ الجواهرِ أثرَ الكَيِّ في قلبي؟ سأكونُ عادلةً مع ‘ضيفتِك’ كما أردت، وسأصونَ مَقامَها لأنَّك مَن اخترتَ ورضيت. لن تحتقرَها شريفة، ولن تظلمَها يدُ ابنةِ السلاطين، ولكن.. اترك لي مَساحةً

لأعيشَ بوقاري، بعيداً عن مرارةِ الخذلان. مفاتيحُك في حِفظي وصوني، وكلمتي في الحرمِ هي الميزان، غيرَ أنَّ الوجعَ لا يبرؤُ بالبنيان، والقلوبُ لا تُشترى بغنى الأزمان.”

• رضيت كـ “أميرة” و”حاكمة”: شريفة ذكية، وعارفة بلي رفض هاد الهبة كيعني خسارة كل شيء (السلطة، الحظوة، وتأمين مستقبل ولدها). هي قبلت “الصفقة السلطانية” باش تحافظ على مركزها كـ رقم 1 في الإمارة.

• لم ترضَ كـ “أنثى”: جرحها من “ليلة شامة” ومهرها باقي حي. هي قبلت بالعدل والمسؤولية، ولكنها فرضت “المسافة”؛ يعني غا تقوم بواجبها، غا تسير الحرم بـ حكمة، ولكن قلبها غا يبقى بارد من جهة الشداد لواحد الوقت.

اما الشداد في هاد اللحظة، فهم بلي “بنت عمه” استوعبت الدرس، وبلي “البيت الداخلي” تأمن سياسياً، واخا عاطفياً باقي فيه الضباب.

الصباح في الإمارة بدا بـ الهرج والـمرج، وريحة البخور تخلطات مع ريحة الشواء اللي عاطية من بعيد. الدبايح بدات وقايمة القيامة، والمنادي ما سكتش من التبشير بـ يوم العقيقة الكبير.

داخل خيمة شامة، كانت الحركة دؤوبة. اليوم ماشي أي يوم، اليوم أول خروج رسمي لـ “الحليلة الجديدة” باش تواجه “لالة الحرم” قدام عيالات القادة وكبار القبيلة.

شامة واقفة والحرير كيزلق على كتافها.. والزين اللي فيها اليوم زاد كماله وشانها.

القفطان بالصقلي والجوهر مرصع في كمامها.. وخيط الروح فوق الراس كيحكي على مقامها.

دادتها رقية واقفة كتقاد السالف واللثام.. وعينيها ميزان

شامة (بنبرة محيرة):

“يا دادة رقية، اليوم المشية صعيبة والخطوة تقيلة.. غا نمشي عند ‘شريفة’ والقلوب باقة عليلة.

أشنو نهدي لـشريفة في يوم زيادة ولدها؟.. بغيت شي حاجة تطفي النار وتكون قد سعدها.

ما بغيتش الذهب، راه خزائنها تبارك الله عامرة.. بغيت هدية تحسسها بلي أنا ماني غدارة .”

رقية (بـ رزانة وحكمة):

“سمعي يا بنتي، الذهب كاين والفضة موجودة.. ولكن الهدية في هاد المقام خاصها تكون مجهودة.

شريفة قلبها عامر عليك واخا تكون فالوجه تتبسم ليك ، الضرة عمرها تكون حبيبة .

كان الأمير الشداد في الساحة يراقبُ نَحْرَ الإبلِ وتوزيعَ اللحومِ على الفقراء، وهو يدركُ بـ حِنكتِهِ أنَّ اجتماعَ النساء اليوم في خيمةِ شريفة هو الاختبارُ الحقيقيُّ لِـثباتِ ملكِه.

نظر إلى السماء وقال في نفسه بـ وقار:

— “لقد هيأتُ الأسباب، وبسطتُ مائدَ العدلِ للجميع. فـلْتكنْ ‘شريفة’ اليومَ هي الحاضنة، ولـْتكنْ ‘شامة’ هي الوافدةَ بالسلام. إنَّ عِزَّ الدارِ يُبنى بـ حِكمةِ النساءِ كما يُبنى بـ سيوفِ الرجال.”

داخل خيمة شريفة، كان الجو يفوح برائحة “الند” والمسك، والبخور السلطاني يتصاعد في الأركان ليغطي على أنين الوجع الدفين. الصالة الفسيحة غصّت بنساء القادة والوجهاء، اللواتي جلسن في صمت مهيب، يرقبن “السيدة الأولى” وهي في أوج جلالها.

شريفة لم تكن جالسة فحسب، بل كانت “متربعة” على عرشٍ من الأثواب، وكأنها تستمد من بريق الذهب قوّتها.

كانت شريفة ترتدي قفطاناً من “الخريب” الأصيل، بلونٍ ملكي يجمع بين هيبة الأرجوان ووقار الذهب. تطريزه

متداخل، كأنه عروقٌ تنبض بالعز، ومُحزّمة بـ “مضمّة” ذهبية ثقيلة، تضغط على خصرها لتجبر ظهرها على الاستقامة رغم وهن النفاس.

وضعت على رأسها “تاجاً” رصيناً من الياقوت، ينسدل منه وشاحٌ من الحرير الرقيق يغطي كتفيها، تاركاً شعرها الحريري ينساب كليلٍ هادئ على صدرها. ملامحها كانت “لوحة صامتة”؛ عيناها كحيلتان بنظرةٍ غامضة لا تُقرأ، ووجهها مشرق بـحمرة تخفي شحوب التعب، ويُظهرها في صورة القوية التي لا تُقهر كانت شريفة في تلك اللحظة تجسيداً لـ “غموض السلطة”. لم تكن تبتسم، بل كانت ترخي شفتيها في “وقارٍ بارد”. حركة يديها وهي تداعب مسبحتها من الزمرد كانت بطيئة وواثقة، وكأنها تضبط إيقاع الأنفاس في الخيمة.

حين دخلت “شامة”، لم تلتفت شريفة بجسدها، بل اكتفت بـ “إمالةٍ طفيفة” لرأسها، ونظرةٍ مائلة من طرف العين، تحمل من الكبرياء ما يجعل المسافة بينهما تبدو أميالاً رغم القرب. كان جسدها يقول: “أنا الدار، وأنتِ الطارئة”، دون أن تنطق بكلمة واحدة، محولةً فضاء الخيمة إلى مملكة تخضع لـ “هيبة الصمت”.

انفتح ستار الخيمة، وكأنَّ فصلاً جديداً من فصولِ القدرِ قد بدأ. دخلت شامة بخطىً موزونة، تجمع بين حياءِ العروسِ وأنفةِ “الحليلة” التي تحملُ ميثاقَ الصُلح. كانت كلُّ عينٍ في الصالةِ مِسماراً يترقبُ مَيلَ خطوتِها، وكلُّ نَفَسٍ في الخيمةِ يُحصي عليها رنةَ خلاخلِها.

في قفطانٍ من الحرير “الموبرة” بلونٍ أخضر زمردي، يُذَكِّرُ الناظرينَ بـِـخُضرةِ الواحات بعد المطر، مطرّزٍ بـِـخيوطِ الفضة التي تلمعُ مع كلِّ حركة. وضعت فوق رأسها وشاحاً رقيقاً يشفُّ عن وجهٍ صبوح، زينتْهُ مسحةٌ من الحياءِ الفطري، وعينانِ واسعتانِ تحملانِ نظرةً فيها الكثيرُ من الاحترام والقليلُ من التوجس. لم تكن تضعُ تاجاً كـ “شريفة”، بل اكتفت بـ “تاجِ جمالِها” وضفائرِ شعرِها التي زُينت بـِـحبّاتِ اللؤلؤ.

توقفت شامة على مسافةٍ قريبة من شريفة”. انحنت برأسها في تحيةٍ رزينة، ثم رفعت عينيها لتلتقي بنظراتِ شريفة الجامدة. في تلك اللحظة، كان الصمتُ في الخيمةِ أثقلَ من الجبال؛ شريفة بـ “جلوسِها العرشي” كانت تُمثلُ الأرضَ والتاريخ، وشامة بـ “وقوفِها الرقيق” كانت تُمثلُ الريحَ والتغيير.

ها هي ‘الرقة’ تقفُ أمامَ ‘الهيبة’، وها هو ‘العهدُ الجديد’ ينحني لـ ‘الأصلِ العتيد’

شافت في شريفة نظرة احترام، وبغات بـ هديتها تبدأ الكلام.

“— “آنـسـك الله بـالـخـير يا بنت العم.. وجعل هاد الزيادة محاية لـكل هم. الدار منورة بـسياد المكان، وحنا اليوم جينا نزيدو البنيان شان. هادي هدية لـلمولود لي فـمقام ولدي، ومقامك عندي محفوظ كيف عهدي ووعدي.”

سكنت الحركة حتى في ذرات البخور المتصاعدة. كلمة “بنت العم” وقعت في الخيمة كوقع السيف، وعبارة “المولود لي في مقام ولدي” رسمت حدوداً جديدة للندية والاشتراك في العز. شريفة، التي لم يرمش لها جفن، أمالت رأسها إمالةً لا تكاد تُرى، وأشارت بكفها لخدمها باستلام الصندوق، وكأنها توقع على معاهدةٍ فرضتها الضرورة وباركتها الحكمة.

قالت شريفة بصوتٍ رخيم، يخرج من أعماقٍ لم تبرأ بعد:

— “آنستِ يا شامة.. فالدار تسعُ من حفظَ عهدها، والصدورُ ترحبُ بمن عرفَ قدرَها.”

استقرت الهبة في مكانها، وانزاح خدم شريفة بالصندوق نحو الزاوية، لتبقى الخيمة مملكةً مغلقة على أسرارها، يلفها عبق البخور وتراقبها أعين نساء القادة اللواتي حبسن أنفاسهن أمام هذا المشهد المهيب. لم يكن هناك صوت يعلو فوق حفيف الحرير أو رنين الخلاخل الخافت

جلست شامة في المكان الذي أُفسح لها، مكانٌ يليق بـ”أميرة” دخلت الدار بميثاق الغلا والقدر. كانت النظرات بينها وبين شريفة تتبادل رسائل صامتة تحت عباءة الوقار؛ شريفة التي تتربع فوق وسائدها بزهو “السيادة الأولى”، وشامة التي استندت برزانة مَن حجزت لنفسها ركناً في هذا البنيان.

نطقت إحدى كبيرات القوم، وهي امرأة عجوز طعنت في السن وشهدت تعاقب الأجيال في هذه الصحراء، لكسر حدة الصمت:

— “تبارك الرحمن على لالة شريفة، وعلى الوجوه النيرة اللي زانت الخيمة اليوم. الدار كبرات بـمولودها، وزيانت بـحبايبها، والله يجعل هاد الصلح والجمعة مبروكة على الجميع.”

— “يارقية، شامة اليوم في دارها، وأنتِ من أهل الدار. قومي باش تشرفي مع الخدم على تقديم واجب الضيافة لـهاد الوجوه الكريمة؛ فـكرم شريفة ما يوصفه لسان، وحق الجوار عندنا مقدس ما يزعزعه زمان.”

الجوّ فـالخيمة تـزيّـر، والـهوا رجع تـقـيل بـالـمرموز.. والـعيالات حـبـسوا الأنـفاس، كـل وحـدة كـتـسنى الـنـحـيـسة أشـنو غـا تـوز. شـريفة بـهـاد الـكلمة بـغـات تـرجّـع شـامة لـلـور، وتـبـيـّن لـلـحـاضرات بـلي “الـدادة” كـتـبـقى “خـدّامـة” وخـا يعلى الـسـور.

شـريـفة رمـات الـسـمّ فـكـلام مـعـسول.. وبـغـات تـكـسر جـناح شـامة لـلـمـهـبول.

نـطـقـات والـصـوت فـيـه الـبـرودة والـتـعـالي.. كأنـها كـتـقـول: “هـنـا سـاسـي، وهـنـا سـعـدي الـغـالي.”

شـريـفة (بـنـبـرة فـيـها الـتـحـكّـم):

“يـا رقـيـة، نـوضـي شـمّـري عـلى كـتـافـك.. الـضـيـاف كـتـيـرة والـعـيـن مـا تـخـافـك.

أنـتِ مـن أهـل الـدار، وعـارفـة أصول الـتـرحـاب.. شـرفي عـلى الـخدم، وخـلي كـرمي يـوصـل لـكـل بـاب.

شـامـة الـيوم ضـيـفـتـي، وبـغـيـتـك تـكـونـي فـالـمـقـام.. بـاش يـعـرفـوا الـنـاس بـلي شـريـفة كـتـعـزّ الـخـدام والـحـشـم”

الـخـيـمة كـلـها تـصـدمات، والـوشـوشة بـدات كـتـدور.. ورقـيـة حـسّـات بـالـغـصّة فـالـحـلـق، والـدم فـوجـهـها فـار وفـور. شـامـة شـافـت فـعـيـنـيـن دادتـهـا، وفـهـمـات الـلـعـبة.. شـريـفة بـغـات تـذلّـهـا بـرقـيـة، وتـديـر عند الـركـبـة.

شـامـة (ردّات بـتـباتة وعـزّة نـفس):

“الـدادة رقـيـة عـمـرها مـا تـرد لـلأصـول طـلـب.. وهي عـيـنـي لـي كـنشوف بـها، وقـلـبـي لـي مـا يـتـغـلـب.

سـيري يـا دادة، ورّيـهـم كـرم بـنـت عـمـي كـيـف داير.. راه الـكـرم بـالـنـفـوس، مـاشي بـالـلي فـالـخـزايـن حـايـر.

شـريـفة بـغـات تـكـرّمـك بـهاد الـشـغل والـتـعـب.. حـيـت عـارفـة بـلي يـدّك فـيـها الـبـركـة وكتوزن الـذهب.”

رقـيـة نـاضـت بـثـقـل الـجـبال، والـخـطوة فـالأرض رزينة.. غـمـزات شـامـة غـمـزة حكيمة

هاد اللحظة هي اللحظة اللي كانت الخيمة كاملة كتسناها، ولكن الطريقة باش طلباتها شريفة كانت بحال السهم اللي باغي يخرق الحيا والوقار. شريفة ما بغاتش غير تشوف الزين، بغات “تأمر” شامة وتكشف سرها قدام عيون العيالات، باش تحسسها أنها هي اللي كتحكم حتى

في “ستار” وجهها.

شريفة شافت في شامة نظرة فيها التحدي والوعود.

رخات يدها على الوسادة، وصوتها خرج قاطع ومرزون.. بحال الحاكمة اللي باغة تكشف المكنون.

“يا بنت العم.. الخيمة اليوم عامرة بالأحباب، والقلوب بغات تآنس بالصواب.

حيدي اللثام وخلي الوجوه تتلاقى في النور.. راه الدار دارك، وبين النسا مكاين حجاب”

“والوجوه اليوم حباب.. وما خفينا فخيمتنا سر ولا غطينا حجاب.

خلي نور وجهك يسطع في هاد المكان.. بغينا نشوفو هاد الزين اللي سمعنا عليه وكان.

ما كاين علاش الستر يبقى بين الأهل مخزون.. وحنا كرام النفوس، وعزنا فالدنيا مكيون.”

العيالات كلهم دارو لجهة شامة، والنفس تحبسات في الصدور..

عيالات القادة وكبار القبيلة جمدوا فبلاصتهم، وعينيهم مسمرة غير على ديك اليد اللي بدات كتحل فالعقدة د الحرير. شريفة كانت متربعة فوق وسائدها، وجهها بحال النحاس الجامد، وخا الداخل ديالها بركان كيطبخ؛ حيت شامة بكلمة “ضرتي” و”شريكتي” هرست كاع الحواجز، ودخلات نيشان لقلب الصراع على الجاه والدار.

شامة بدات كتهبط اللثام بمهل، خيط مورا خيط، وكأنها كتقشر الستر على قمر مخبي ورا لغمام. ومع كل سنتيم كيبان من وجهها، كانت الشهقة كتزيد فصدر الحاضرات. رقية، اللي واقفة وراها، كانت كتشوف فالسقف وكتدعي فسرها، حيت عارفة بلي هاد الزين اللي غا يبان دابا،هوا الجمرة لي غتحرق شريفة والنسا لي فهاد الخيمة”

طاح اللثام فمرة، وبان الوجه اللي خلى العيالات يشهقوا شهقة وحدة.

ديك الشهقة لي فاش كتشوف شي زوين كتهرجها مع صدرك وتخل فيه عينيهك

سرحات شامة بعينيها وطيف البسمة على محياها فعيون الحاضرين بلا تكبر،ديك البسمة هي قراية قراتها فعيونهم كتحي ما وراء دوك الشوفات، مشات بعينها لشريفة

نطقت، الهضرة ديالها ما كانتش مجرد كلام كيدوز مع الريح، كانت هضرة “مْـرِزنة”، كتخرج كلمة مورا كلمة بحال الحبات الجوهر لي كيدخلو فخيط لخرير بتقالة والخاطر، و بكل تؤدة ورخاوة.

صوتها كان فيه واحد “التنغيم” عجيب، بحال إيلا كتموسق الحروف. شامة عندها ديك القاعدة د الحراير: كتتكا على الحرف وتخليه ياخد حقه فالمسامع، كأنها كتذوق الكلمة فـلسانها قبل ما تعطيها لغيرها. هاد “الرّزانة” فـالنطق كانت مغلفة بواحد “البراءة” فطرية، نبرة حنينة ودافئة كتخليك تظن أنها طفلة فـنيتها، ولكن فـطياتها واحد الهيبة اللي كتخلي الصغير والكبير يسكُت باش يسمع.

“يـا ضـرتـي.. الـطـلـب غـالي، والـتـنـفـيـذ عـلى الـراس والـعـين.

حـيـدت الـلـثـام كـي بـغـيـتي، بـاش تـصـفـى الـقـلـوب ونـشـوفـو بـعـضـنـا بـالـيـقـيـن.

الـدار مـولـيـهـا واحـد، والـسـاس واحـد، وحـنا الـيـوم شـريـكـات فـالـعـز والـديـن.

قـبـلـي وجـهـي بـالـسـمـاح، كـيـف قـبـلـت مـقـامـك بـالـوقـار الـمـكـيـن.”

عيني شريفة تسمروا فوجه شامة، وداخلهـا شعلت نار الغيرة اللي كتـاكل الأخضر واليابس. جمال شامة ما كانش غير وجه زوين، كان جمال كيهضر بـ “الهيبة” و”الحيا”وهادشي هو اللي خلع شريفة. شافت الملامح المرسومة بالدقة، والعيون الوساع اللي فيهم واحد السحر غريب، والحيرة تملكاتها؛ حيت هاد “الزين” ماشي ساهل تكسرو بالكلمة ولا بالهيبة.

وفيك اللحظة د الذهول، طاح على بال شريفة خيال كحل. تخيلت الشداد، سيد الدار وكبير القوم،وأمير المؤمنين واقف قدامها ليلة امس ، وعينيه مسمرة حتى هو فوجه شامة. تخيلت النظرة ديالو؛ نظرة الانبهار والسحر اللي عمرها ما شافتها فيه من زمان. تخيلت كيفاش غا يدوخ قدام هاد الجمال الوديع، وكيفاش قلبو الصلب غا يدوب بحال الشمع قدام هاد البراءة المبطنة.

هاد الخيال زاد شعل العافية فقلب شريفة. حست بلي كرسيهـا، وسلطتها، ومكانتها فقلب الشداد، كلشي بدا كيتزعزع.

شريفة رجعات لواقع الخيمة، وزيرات على المسبحة حتى بغاو صبعانها يطرطقوا. شافت فشامة نظرة طويلة، نظرة ما فيهاش غير الغيرة، فيها حتى “الخوف” من المنافسة الجاية. عرفت بلي شامة، بهاد الجمال وهاد المنطق الموزون، غا تولي هي “الشوكـة” اللي غا توقف ليها فالحلق، وأن المعركة الحقيقية على قلب الشداد يلاه بدات دابا.

العيالات فديك الخيمة، وخا كانوا كياكلوا ويشربوا، كانوا حاسين بالهوا كيتزير بين الضراير. كل نظرة كانت بمثابة سهم، وكل صمت كان بمثابة هدنة مؤقتة قبل الانف

شامة حست بلي الرسالة وصلت، وبلي “السم” اللي رشات شريفة في كلامها ما هو إلا دليل على ضعفها قدام هاد الوافدة الجديدة. بقات محافظة على ديك الابتسامة الباردة والمنعشة، وجمعات وقفتها بواحد الهيبة خلات الحرير د قفطانها يوشوش مع رمال الخيمة. ما خلاتش شريفة تزيد كلمة أخرى، بل سبقاتها بالصواب اللي كيسد كاع الأبواب، وصوتها المنغم المرزون سكت كاع الوشوشات.

شافت في شريفة نظرة أخيرة، نظرة فيها الوقار وفيها الندية، وأشارت لـ “الدادة رقية” ولخدمها باش يتجمعوا وراها.

“يا ارض ترابها غالي وزربعتها غلا ، الـواجب درناه والـقـلب صـافي مـهـني.. والـدار مـواليها حـاضرين، مـا يـخـصهم مـني.

جـيـنا نـباركـوا ونـشاركـوا فـ هـاد الـسـعد الـمـبـني.. ودبـا الـمـقام نـسـتـأذنـوه، والـوقـار يـنـسـحب مـتـني.

خـليت لـكـم هـاد الـفـرح يـدوم، وعـز مـا يـفـني.. بنات الاصول كـتـعـرف وقـت الـدخـول، ووقـت الـخـروج الـمـسـني.

كـونـوا فـ الأمـان، وبـاقـي الأيـام غـا تـجـمـعـنا وتـغـني.”

شامة نادت على رقية بـ إيماءة خفيفة، وتحركت بخطوات تقيلة وموزونة لجهة باب الخيمة. رقية تبعتها وهي حانية الراس بـ وقار، والخدم هازين البخور اللي بقى كيرش ريحة العود موراهم. الخيمة كاملة سكتات، والعيالات وقفوا بلا ما يحسوا، كأنهم كيودعوا فـ سلطانة.

شريفة بقات مسمرة في بلاصتها، الكلمة وحلات ليها في حلقها. كانت باغة تبرد غايدها بـ زيادة في الهضرة، ولكن انسحاب شامة “في قمة هيبتها” خلى شريفة تبان بحال اللي بقات وحدها في الميدان من بعد ما الخصم دا الأضواء كاملة ومشى.

خرجت شامة من الخيمة، وخلات وراها عاصفة د الهضرة؛ نساء القادة بداو كيتهامسوا: “هادي هي لالة العيالات”، “شفتي المشية؟”، “شفتي الرزانة؟”. أما شريفة، فـ ديك اللحظة، رجع ليها الخيال ديال الشداد، وحست بلي شامة ما مشاتش لـ خيمتها، بل مشات لـ “مستقبل الدار” كاملة، وخلات شريفة غارقة في نار الغيرة وسط الحاضرات.

من بعد ما تباعدوا على خيمة الضيافة، وهدات رنة الخلاخل، شامة حست بالدادة رقية غادية جنبها ونفسها طالع نازل بـ”الغدة” والحرقة على داكشي اللي داز. رقية كانت شادة فطرف قفطان شامة وكأنها خايفة عليها من هاد الريح الغريب اللي هبّت على حياتهم.

شامة، بذكاء الأميرة وحنان البنت، وقفات وسط الطريق تحت ضو النجوم، ودارت لجهة رقية بكل تؤدة. شافت فديك الوجيه اللي شرب مع شامة المرّ قبل الحلو، ومدات يديها المنقوشة، وشدات فيدي رقية اللي كانوا كيرجفو شوية.

بصوتها المنغم، والتقيل، واللي فيه واحد البراءة كتدوب الصخر، نطقت شامة باش تطيب خاطر دادتها وتوريها بلي هادشي كامل “محسوب وموزون”.

“، لا يـضـيق خـاطـرك ادادا، ولا يـهـولـك هـاد الـحال.. راه الـشـجر الـعـالي ومعرض لـلـزلازل والـتـهـزال.

كـلام شـريـفة مـا هـو إلا ريـح، وقـلـبـها بـالـخـوف مـيـّال.. وحـنا جـيـنا بـ الـثـقـل، مـاشي بـ الـقـيـل والـقـال.

أنـتِ عـيـنـي الـلي كـنـشـوف بـها، وأنتِ الـسـتـر والـظلال.. وخدمـتـك لـلـضـيـف تـعـلات بـها رتـبـتـك، وتـزاد لـي بـها مثقال.

مـا نـزلـتِ مـن مـقـامـك، بـل ورّيـتـيـهم أصـل الـكمال.. والـحساب مـا زال طـويـل، والـثـبـات كـيـهـدّ الـجـبال.”

شامة تكات على الحروف الأخيرة بكل رزانة، وكأنها كطمن رقية بلي “الإهانة” اللي بغات شريفة تلصقها فيهم، رجعات “تشريف” بفضل صبروهم وذكاء ردهم.

شامة تكات على الحروف الأخيرة بكل رزانة، وكأنها كطمن رقية بلي “الإهانة” اللي بغات شريفة تلصقها فيهم، رجعات “تشريف” بفضل صبروهم وذكاء ردهم.

رقية، ملي سمعت هاد الكلام، تنهدات واحد التنهيدة طويلة، وحست بلي داك الثقل اللي كان على صدرها بدا كيخفاف. شافت فبنتها شامة بنظرة فيها الفخر، ومسحات واحد الدمعة كانت غا تهرب ليها، وقالت فسرها: “الله يرضي عليك يا بنتي، لسانك كيبرد النار، وعقلك كيسير جـيش.. دابا عاد ارتاح قلبي وعرفت بلي ربي عطاك السلاح اللي غا يحميك فوسط هاد الذئاب”.

كملوا طريقهم للخيمة ديالهم، والسكوت هاد المرة كان سكوت “المنتصر” اللي عارف بلي المعركة الأولى ربحها بالصبر وبالمقام الرفيع.

ليل الصحراء رخي سدوله على الخيام، والصمت ولّى هو سيد المكان من غير نباح الكلاب من بعيد ووشوشة الريح مع وتاد الخيمة. شامة دخلات لـ “محرابها” الخاص، خيمتها اللي ريحتها كتقطر بـ مسك بلادها وزهر قصور باها. حيدت قفطان “البرزة” بـ رزانتها المعهودة، ولبسات قميص د الحرير بارد، وجلست فوق الوسائد وراسها عامر بـ خيالات ليلة العقيقة ونظرات شريفة المسمومة.

كانت رقية كتحط ليها كاس د اللويزة باش تهدي أعصابها، حتى سمعوا حس حركة غريبة برا الخيمة، وصوت الحارس كيهمس بـ وقار. دخل واحد من “العبيد ” اللي جاو مع الوفد، وحط بين يديها جوج د الرسائل، مختومين بـ الخاتم السلطاني د القصر، وانسحب فـ صمت.

شامة حست بـ قلبها ضرب، حيت خبار القصر ديما كتكون مابين “البشرى” و”التحذير”.

بينما كان ليل الصحراء ينسج خيوطه فوق الرمال الممتدة، اعتزلت شامة الجميع في ركن هادئ خلف خيمتها، حيث السكون لا يقطعه إلا حفيف النسيم. جلست بوقار الأميرة وهيبة السلطنة، تملأ رئتيها ببرودة الليل لتطفيء ما علق بصدرها من ضجيج “العقيقة”. تناولت رسالة والدها السلطان، فضت ختمها الملكي بتمهل، وبدأت تقرأ كلماتٍ تقطر حباً، وفخراً، وحكمةً بالغة.

كان صوت السلطان عباس المنصوري يتردد في مخيلتها مع كل حرف، حازماً كالسيف، رحيماً كالأب:

“يـا بـنـتـي الـغـالـيـة، مـرضـيـة الـوالـديـن والـجـاه.. يـا ركـيـزة الـدول، ويـا نـوراً فـي طـريـق الـتـيـاه.

نـبـشـرك بـولادة زلـيـخـة، ونـاصـر ولـي عـهـدٍ مـن نـصـبـنـاه.. الـفـرحـة عـمّـت الـبـلاد، والـخـيـر ربـي أعـطـاه.

أنتِ يـا بـنـتـي الـهـديـة، الـتـي أطـفـأت حـربـاً فـي لـظـاه.. لـولاكِ لـسـالـت الـدمـاء، والـخـضـر يـبـس فـي جـفـاه.

الـشـعـب والـجـيـش مـمـتـنـون، والـسـلـم فـي يـدكِ أمـانـةٌ مـرعـاة.. كـونـي لـلـحـكـمـة عـنـوانـاً، وبـعـيـدةً عـن كـل تـافـهٍ وفـعـلاه.”

توقفت شامة قليلاً، غمرتها مشاعر العز وهي تدرك مقامها عند والدها، ثم تابعت القراءة لتهتز مشاعرها عند كلمات القوة والحماية:

“مـا أرسـلـتُـكِ ونـسـيـتُـكِ، أنتِ تـحـت الـرمـش والـمـنـاه.. وجـنـاحُـكِ لا يُـكـسَـر، والـسـلـطـانُ خـلـفـكِ حـامـي حـمـاه.

نـقـلـبُ الـكـرة الأرضـيـة لأجـلـكِ، والـثـمـنُ لا نـعـرفُ مـنـتـهـاه.. هـذه سـيـاسـةٌ، لـكـن غـلاتُـكِ فـي الـقـلـبِ مـا لـهـا مـضـاه.

إن مُـسَّـت مـنـكِ شـعـرةٌ، نـفـديـكِ بـالـروح والـدمِ والـجـاه.. والـبـلادُ كـلـهـا تـهـون، ولا يـقـربـكِ سـوءٌ فـي مـحـيـاه.

خـلـيـكِ رزيـنـةً وحـكـيـمـةً، ولا تـكـونـي لـلـفـتـنـةِ داعـاة.. فـإنَّ جـمـرةً مـنـكِ تـحـرقُ، وتـجـعـلُ الـخـضـرةَ رمـادَ الـمـنـافـاة.”

ضمت شامة الرسالة إلى صدرها، وشعرت بجبلٍ من الثقة يستند إليه ظهرها. لم تعد ترى في مضايقات “شريفة” إلا تفاهات لا تليق بمقام “صانعة السلام”. أدركت أنها ليست مجرد زوجةٍ سيقت لتهدئة الأوضاع، بل هي “روح الدولة” وكرامة السلطان.

استقامت في جلستها، ومسحت عبرة فخرٍ فرت من عينها بوقار، وقالت بصوتها الرخيم الهادئ:

“سمعاً وطاعة يا والدي.. سأكون الجبل الذي لا تهزه الريح، ولن يرى مني هذا القوم إلا الحكمة التي تليق بسليلة المنصوري، فخلفي سلطانٌ يزلزل الأرض إن جار الزمان عليّ.”

بعد أن استمدت شامة القوة من كلمات والدها السلطان، انتقلت للرسالة الثانية، تلك التي كانت تخشى لمسها. رأت الختم الشخصي لـ ابن عمها (ابن أخي السلطان)، ذاك الذي نشأت معه في أروقة القصر، والذى كان الجميع يعلم أنه هو “سكنها” القادم بكلمة رسمية وعهدٍ مقطوع من والده السلطان نفسه.

فضت الختم بيدٍ مرتعشة، فخرجت الكلمات كأنها زفيرُ محتضر، يحمل عتاباً مراً للقدر وللسلطة التي فرقت بين قلبين جُمعا بـ “الكلمة” ثم فُرقا بـ “السياسة”.

الحوار الزجلي (رسالة ابن العم المكلوم):

“يـا مـن كـنـتِ لـي بـ ‘عـهـدٍ’ مـن والـدي الـسـلـطـان.. كـيـف انـتـزعـوكِ مـنـي وألـقـوكِ فـي نـارِ الـحـرمـان؟

نـحـنُ عـصـبـةُ الـدمِ، والـكـلـمـةُ بـيـنـنـا سـورٌ وبـنـيـان.. فـكـيـف هُـدمَ الـسـورُ، وصـارَ عـهـدي هـبـاءً فـي خـلاءِ الـبـهـتـان؟

تـمـنـيـتُـكِ لـي، والـمـنـى كـانـت حـقـاً وبـالـرضـوان.. فـإذا بـالـسـيـاسـةِ تـجـعـلُـكِ ‘فـديـةً’ وتـجـعـلُـنـي الـقـربـان.

زفـوكِ لـلـشـدادِ، والـجـرحُ فـي صـدري مـا زال يـنـزفُ بـالـهـذيان.”

غامت الرؤية في عيني شامة، وصارت الحروف تتراقص بفعل الدموع الساخنة. أكملت القراءة لتجد سطراً يجسد قمة العذاب:

“يـا ابـنـةَ الـعـمِّ، كـيـف تـكـونـيـن لـغـيـري وأنـتِ لـي بـالـقـدرِ والـمـنـطق؟

كـيـف يـحـلُّ الـغـريـبُ مـحـلـي، والـعـهـدُ بـيـنـنـا لـم يُـطـلـق؟

لـكـنـه صـمـتُ الأمـراءِ، يـذبحُ الـقـلـبَ ولا يـنـطـق.. فـكـونـي بـخـيـرٍ، رغـم أنَّ وجـودي بـعـدكِ صـارَ يـغـرق.”

طوت شامة الرسالة ببطءٍ أليم، وضمتها إلى صدرها بجانب رسالة والدها. لقد صار صدرها الآن مسرحاً لصراعٍ أزلي: واجب الأميرة الذي تمليه رسالة السلطان، وحق المرأة الذي يصرخ به ابن عمها.

أدركت شامة الآن سر “ثقلها” في الكلام؛ إنها تحاول كتمان وجعٍ لو خرج لأحرق الصحراء ومن فيها. هي لا تواجه شريفة والشداد بجسدها فقط، بل تواجههما بقلبٍ مكسورٍ على أعتاب “الكلمة” التي ضاعت.

نظرت إلى السماء وقالت بصوتٍ رخيمٍ مكسور:

“يا ابن العم.. لقد أوفيتُ أنا بالعهد لدولتي، وكسرتُ عهدي معك. سأحمل جمرك في قلبي، وسأكون للشداد ‘الزوجة الرزينة’، ولشريفة ‘الندية الحكيمة’، وللعالم ‘الأميرة المضحية’.. أما لك، فسأبقى دائماً تلك الفتاة التي ضاعت أحلامها خلف ‘الكلمة’ الضائعة.”

استندت برأسها إلى وتد الخيمة، تاركةً ليل الصحراء يبتلع دموعها الصامتة قبل أن يحل الصباح وتعود لارتداء قناع الهيبة والوقار.

من بعد ما هدأت العاصفة في صدر شامة، ومسحت آثار الدمع اللي نزل غفلة على وجناتها، ناضت بوقار الأميرة اللي ما كيهزها ريح. شعلت شمعة صغيرة، وحطت الدواية والريشة، وجلست كتخمم فـ ميزان الكلام. هي دابا ماشي غير بنت كترد على باها، هي “سفيرة” كترد على “سلطان”، و”ركيزة” كترد على “دولة”.

تكات على الحروف، وبدات كتكتب بـ خط مغربي أصيل، وبـ لغة كتجمع بين خضوع الابنة وشموخ الملكة:

“إلى مقام والدي المنصور بالله، سيدي السلطان عباس المنصوري،

أقبلُ يديك بفيض الرضى والامتنان، وأرفعُ لك من أرض الغربة عهداً لا يلين ووقاراً لا ينحني. لقد وصلتني كلماتك الكريمة، فكانت لي برداً وسلاماً على قلبي، ودرعاً أواجه به عاديات الزمن.

أبارك لك وللوطن ولادة زليخة، وقدوم ولي العهد ناصر، جعله الله نصراً للأمة وسنداً للعرش. أما عني يا والدي، فاعلم أن ابنتك ما نسيَت يوماً أنها سليلة الأكابر، وأنها ‘الفدية’ التي ارتضت أن تكون جسراً للسلم. إن كنتُ قد خرجتُ من قصورك ‘ثمناً’ لإطفاء نيران الحرب، فإني أحملُ معي هيبتك التي لا تُباع، وكرامتي التي لا تُشترى.

اطمئن يا والدي، فرزانتك فيّ وراثة، وحكمتك لي منارة. سأكون الجبل الذي لا تحركه العواصف، وسأصون هذا السلم بعقلي وصبري، واضعةً مصلحة الشعب والدولة فوق كل اعتبار تافه أو ضيق. لن يرى مني هذا القوم إلا ما يليق بـ ‘أميرة المنصوري’، ولن أسمح لشعرة مني أن تُمسَّ بسوء، ليس خوفاً، بل لأنني أحمل في عروقي هيبة سلطانٍ لا ينام عن حق.

دمتَ لي سنداً وذخراً، ودامت رايتك خفاقة بالعز.”

شامة طوات الرسالة بـ رزانة، وختمات عليها بـ الخاتم ديالها. نادت على “الدادة رقية” بـ صوتها المنغم والتقيل وقالت ليها:

“يـا دادة، هـاد الرسـالة لازم تـوصل لـ يـد الـسلطان قـبل الـفجر. خـبري الـرسول بـلي ‘الأمـيرة’ بـخـير، وبـلي الـعـهد لـلي بـيـني وبـيـن مـولاي الـوالد مـقدس كـما الـروح فـ الـجسد.”

بعد أن جف مداد رسالتها للسلطان، والتحفت الخيمة بسكون الليل الموحش، بقيت شامة وحدها مع الورقة الأخيرة. كانت أناملها ترتعش وهي تهمّ بمخاطبة “الحسن”، ليس لأنه حبيبها السابق فحسب، بل لأنه قطعة من ماضيها الذي وجب ذبحه بسكين “الواقع”.

أرادت أن يكون ردها حاداً كالنصل، لا بدافع القسوة، بل بدافع “الرحمة”؛ لتقطع كل خيطٍ قد يتمسك به في غرق أوهامه. كتبت إليه بمدادٍ لم تخالطه الدموع هذه المرة، بل خالطته مرارة الرزانة واليقظة:

“إلى ابن العم، الحسن ابن محمد،

وصلني كتابُك، وقرأتُ ما فيه من حسرةٍ ونحيبٍ على ماضٍ ولّى وأدبر. واعلم يا ابن العم، أن لغة “العهود” قد طواها كتاب “القدر”، وأن البكاء على الأطياف لا يُحيي ميتاً، ولا يردُّ غائباً.

لقد جفّ الحبرُ ورُفعت الصحف، وما تسألُ عنه من “مستحيل” هو عينُ الواقع الذي أعيشه. عودتي للقصر ليست من سابع المستحيلات فحسب، بل هي نكثٌ لمواثيقِ الدول وقطعٌ لوعودِ الملوك التي لا تُخلف. أنا اليوم هنا، زوجةً للشداد، وبقائي معه ميثاقٌ غليظ لا يقطعه إلا الموت؛ فإما أن يأخذ الله روحي أو روحه، وما دون ذلك فهو هباء.

لذا، أطلب منك بكامل عقلي ووقاري، أن تكفَّ عن إرسال مدادك إليّ؛ فكل ما تكتبه ليس إلا كلاماً فارغاً وجدوى منه غير إيقادِ نارٍ أطفأتها الحكمة. كفَّ عن مطاردة السراب، واعلم أن شامة التي عرفتها قد ماتت خلف أسوار القصر، وما تراه اليوم هو “أميرة” تؤدي واجبها نحو أمتها، لا امرأةً تنتظرُ طيفاً في الخلاء.

أغلق هذا الباب، واصن عهد العائلة بوقارك لا بدموعك.”

طوت شامة الرسالة بجمودٍ لم تعهده في نفسها من قبل، وكأنها كانت تدفن قلبها مع كل طية للورق. لم تترك فيها ثغرة واحدة للأمل، لأنها تدرك أن “الحب” في مقامها هو “خيانة” للدولة.

نادت “الدادة رقية” مرة أخرى، وسلمتها الرسالة وقالت بنبرة خلت من كل نغمة:

“هادي لـ الحسن. قولي للرسول يوصلها ليه فـ يده، ويقول ليه: ‘شامة كتقول ليك، السبع ما كيدور وراه، والحرة إيلا خطات خطوة، ما كترجع فـ كلامها’.”

رجعت شامة لمكانها، ووضعت رأسها على الوسادة. كانت تشعر بفراغٍ مهول في صدرها، ولكنها كانت تشعر أيضاً بأنها الآن، ولأول مرة، مستعدة تماماً لمواجهة “الشداد” و”شريفة”؛ فمن استطاع قتل قلبه بيده، لا يمكن لأي عدو أن يكسره.

كان الليل قد انتصف، والصمت في معسكر الشداد صار ثقيلاً كأنه ينذر بعاصفة من نوع آخر. في تلك اللحظة، كان الشداد واقفاً بعيداً عن ضجيج خيمة شريفة، منفرداً بنفسه تحت سواد السماء، يراقب الخيام التي بدت كأنها أسرار مدفونة في الرمل.

فجأة، تحرك ستار خيمة شامة. خرجت “الدادة رقية” بحذر، وفي يدها لفائف الورق المختومة، وكان هناك فارس من وفد السلطنة ينتظر في الظل، يمسك لجام فرسه بصمت الموتى.

لم يكن الشداد يعلم محتوى الرسائل، لكنه رأى المشهد بوضوح؛ رأى “الأميرة” تُرسل أخبارها في جنح الظلام، ورأى كيف سُلمت الرسائل للفارس الذي انطلق بفرسه ينهب الأرض نهباً نحو الشمال، حيث قصور المنصوري.

وقف الشداد شامخاً، يراقبُ ذاك الوميض الخافت من خلف خيمة شامة. رأى “رقية” وهي تسلّم الرسائل للرسول بوقارٍ مريب، ورأى لمعان الختم السلطاني تحت ضوء النجوم قبل أن يختفي داخل سرج الفرس. لم يتحرك الشداد من مكانه، بل ظل يراقب أثر حوافر الخيل وهي تمحيها رمال الصحراء، وشعر بغموض هذه “الأميرة” يزداد تعقيداً في صدره.

تنهد الشداد تنهيدةً عميقة، وحرك مقبض سيفه بآلية. لقد أدرك أن شامة ليست مجرد “هدية” سياسية استقرت في بيته، بل هي “دولة” تتحرك، ورأسٌ يفكر، وقلبٌ له أسرارٌ بعيدة كل البعد عن رمال قبيلته.

كان يفكر في شريفة التي تركها في خيمتها تغرق في دموع الغيرة، وفي شامة التي تجلس الآن في خيمتها بعد أن “قطعت عهوداً” أو “أرسلت وعيداً” عبر البريد. لقد شعر لأول مرة أن معركته ليست مع الأعداء في الخارج، بل هي داخل هذه الخيام التي تضم “الماضي” و”الحاضر”، و”الحب” و”السياسة”.

فكر في المواجهة. فإما أن يسأل شامة عن تلك الرسائل، أو أن يراقب كيف ستتغير معاملتها له بعد هذا الليل الطويل.

وأخيرا ..قرر الشداد أن يلعب لعبة الصمت والترقب. لم يكن رجلاً متسرعاً، رغم صغر سنه وحيوية شبابه . كان يدرك أن “صيد الحقيقة” يتطلب نفساً طويلاً. انسحب بهدوء من الظل، عائداً إلى خيمته، لكن خيال الفرس المنطلق بالرسائل لم يفارق ذهنه.

أما شامة، فقد نامت ليلتها تلك بنوع من السلام البارد؛ سلام من حسم أمره وقطع خيوط الرجوع.

خيم الصمتُ على معسكر الشداد بعد ليلةٍ صاخبة، بقيت آثارُها عالقةً في رائحة الشواء المنبعثة من الرماد البارد، وأصداء الزغاريد التي تلاشت مع نسمات الفجر الأولى. في خيمتها الفسيحة، جلست شريفة وسط كومةٍ من الهدايا الفاخرة، والخدمُ من حولها يتحركون بصمتٍ مطبق، يفرزون الأثواب والحليَّ التي قُدمت لمولودها.

كانت شريفة تبدو كنميرٍ جريح؛ عيناها محتقنتان بالسهر والغيرة، ترقبُ كلَّ صندوقٍ يُفتح ببرود. وبينما كانت الأيدي تمتد نحو “صندوقٍ مخملي” تفوح منه رائحة المسك والعود الملكي—وهي هدية شامة التي جائت بها بالأمس—تصلبت ملامح شريفة، ورفعت يدها بحركةٍ حازمة أوقفت الجميع.

لم تكلّف شريفة نفسها عناء النظر إلى محتوى الهدية، بل وجهت بصرها نحو خادماتها بحدةٍ جعلت القشعريرة تسري في أبدانهم. أشارت بإصبعها نحو الصندوق المغلق، ونطقت بصوتٍ خافتٍ لكنه يحمل ثقل الصواعق:

“ارفعوا هذا الشيء من أمامي.. لا أريد لخيامي أن تتنجس بريح الوافدين.”

ترددت إحدى الخادمات وهمست: “لكن يا مولاتي، إنها من الأميرة شامة، ويُقال إن فيها ما لا ت عين رأت من الحرير والـ…”

قطعت شريفة قولها بنظرةٍ نارية، وقالت بلهجةٍ لا تقبل الجدال:

“أمرتُكم.. خذوه بعيداً، وأوقدوا فيه ناراً تأكل أخضره ويابسه. أريدها رماداً تذروه الرياح قبل أن يصحو الشداد. لا مكان لصدقات الملوك في داري، أنا السيدة، وأنا صاحبة المقام.”

خضع الخدم للأمر وهم يرتجفون؛ سحبوا الصندوق الملكي إلى خلف الخيام، حيث كانت بقايا نيران الشواء لا تزال تتأجج. ألقوا بالصندوق الفاخرة في جوف النار، فارتفعت ألسنة اللهب تلتهم اطراف الصندوق المغلف بالذهب، وتصاعدت رائحة احتراق العود النادر في فضاء المعسكر.

كانت شريفة تراقب من شق الخيمة وهج الحريق وهو ينعكس في عينيها. لم تكن تحرق مجرد هدية، بل كانت تحاول حرق “الوجود” الذي بدأ يزاحمها، ظناً منها أنها هكذا تفرض سيطرتها. لكنها لم تكن تعلم أن الدخان المتصاعد سيدخل انف القزم ، وأن رماد تلك الهدية سيكون أول مسمار في نعش هدوء المعسكر هذا الصباح.

انقشع ظلام الليل عن بياض الفجر، ومع آخر سجدة في صلاة الصبح، خرج الشداد من المسجد متثاقلاً بهمومه، يستنشق هواء الصحراء البارد لعله يطرد ما علق برأسه من هواجس الليل. لكن سكون الفجر لم يدم، فقد كان هناك كائن يتربص به عند باب المصلى؛ إنه القزم “عبيبوش”.

بجثته الصغيرة، ورأسه الكبير الذي يميل على كتفه، وعينيه الجاحظتين اللتين لا تغيب عنهما شاردة ولا واردة، كان عبيبوش ينطّ بحركات بهلوانية مستفزة، يوزع نظراته يمنة ويسرة، ويرسم على وجهه تلك الابتسامة الصفراء التي يكرهها الشداد، ابتسامة من يملك سراً سيقلب الموازين.

فتنة عبيبوش.

تقدم عبيبوش من الشداد بخطوات متعرجة، وطأطأ رأسه في تمثيلية خضوع لم تنطلِ يوماً على سيد المعسكر. انحنى حتى كاد يلمس الأرض، ثم رفع عينيه الجاحظتين ليلتقيا بعيني الشداد اللتين كانتا تنضحان بالصرامة.

نطق عبيبوش بصوت أبحّ فيه نبرة من “الشماتة المبطنة”:

الحوار الزجلي (كلام عبيبوش للشداد):

“صـبـاح الـخـير يـا سـيد الـقـوم والـهـيـبة.. شـفـت الـفـجـر طـلـع بـ خـبار غـريـبـة.

الـنار لـلي شـعـلات فـ خـيـمة الـنـسـيـبة.. مـا كـانت لـ دفا ولا لـ طـبـيـخ الـمـصيـبة.

شـفـت الـحـريـر يـتـحـرق والـعـود ريـحـتـه عـجـيـبة.. وصـنـدوق ‘الأمـيـرة’ صار رمـاد فـ لـيـل الـخيـبة.

أنـا غـير قـزم، وبـصـري فـ الـقـنـوب قـريـبة.. ولـكـن شـفـت الـغـيرة كـتـاكل الـكـبـدة والـشـيـبـة.”

تصلب جسد الشداد وهو يسمع كلمات القزم. لم تكن مفاجأة له بقدر ما كانت صدمة من “جسارة” شريفة. قبض بيده على حمالة سيفه، ونظر إلى عبيبوش نظرة كانت كفيلة بإسكاته، لكن عبيبوش لم يسكت، بل أضاف بحركة لولبية من جسده:

تقدم عبيبوش من الشداد بخطوات متعرجة، وطأطأ رأسه في تمثيلية خضوع لم تنطلِ يوماً على سيد المعسكر. انحنى حتى كاد يلمس الأرض، ثم رفع عينيه الجاحظتين ليلتقيا بعيني الشداد اللتين كانتا تنضحان بالصرامة.

نطق عبيبوش بصوت أبحّ فيه نبرة من “الشماتة المبطنة”:

الحوار الزجلي (كلام عبيبوش للشداد):

“صـبـاح الـخـير يـا سـيد الـقـوم والـهـيـبة.. شـفـت الـفـجـر طـلـع بـ خـبار غـريـبـة.

الـنار لـلي شـعـلات فـ خـيـمة الـنـسـيـبة.. مـا كـانت لـ دفا ولا لـ طـبـيـخ الـمـصيـبة.

شـفـت الـحـريـر يـتـحـرق والـعـود ريـحـتـه عـجـيـبة.. وصـنـدوق ‘الأمـيـرة’ صار رمـاد فـ لـيـل الـخيـبة.

أنـا غـير قـزم، وبـصـري فـ الـقـنـوب قـريـبة.. ولـكـن شـفـت الـغـيرة كـتـاكل الـكـبـدة والـشـيـبـة.”

تصلب جسد الشداد وهو يسمع كلمات القزم. لم تكن مفاجأة له بقدر ما كانت صدمة من “جسارة” شريفة. قبض بيده على حمالة خنجره، ونظر إلى عبيبوش نظرة كانت كفيلة بإسكاته، لكن عبيبوش لم يسكت، بل أضاف بحركة لولبية من جسده:

“مـولاي، الـعـيـون شـافـت شـريـفـة كـتـآمـر بـ لـحـريـق.. والـهـديـة الـغـالـيـة ضـاعـت فـ وسـط الـمـضـيـق.

شـامـة عـطـات مـن صـواب الـمـلوك لـ الـرفـيـق.. وشـريـفـة ردات الـجـواب بـ لـهـب الـزنـيـق.

إيـوا كـي غـا تـديـر يـا سـيـد الـفـريـق؟ راه الـرمـاد بـاقـي يـحـكي قـصة هـاد الـطـريـق.”

الشداد لم ينطق بكلمة. دفع القزم من طريقه ببرود، وتوجه بخطوات واسعة نحو مكان “الحريق” خلف خيمة شريفة. كان الدخان الرقيق لا يزال يتصاعد، والرماد الأسود يغطي بقايا الذهب والحرير الذي أرسلته سلطنة المنصوري.

في هذه اللحظة، كان الشداد يدرك أن صمته السابق لم يعد ممكناً؛ فالآن لم يعد الصراع بين زوجتين فحسب، بل صار “إهانة” لرسالة السلم التي جاءت بها شامة، وتحدياً صارخاً لسلطته هو كقائد لم يستطع حماية “صواب” ضيفته في عقر داره.

توقف النبض في عروق الشداد وهو يقف أمام بقايا الرماد. انحنى بهيبته التي لم ينحنِ بها يوماً لعدو، ومد يده القوية لينبش وسط السواد والشرر الخامد. سحب ببطء ما تبقى من الصندوق المحروق، فإذا به يستخرج كنزاً لم يتخيل أن شريفة ستبلغ بها الجرأة لحرقه.

بين يديه، كان مصحفٌ شريف، مُجلّدٌ بجلد الغزال المذهب، وقد نالت النار من أطراف غلافه لكنها عجزت عن مسّ آياته. كان عنواناً للمجد، ووثيقة سلامٍ سماوية اختارتها شامة لتكون أثمن ما يُهدى في هذا المقام. وبجانب المصحف، كانت هناك رقعةٌ من جلدٍ رقيق، احترق نصفها وبقي نصفها الآخر شاهداً على حكمة “بنت المنصوري”.

انكسار الهيبة امام كلام الله.

نفض الشداد الرماد عن المصحف بيده التي ارتجفت لأول مرة، وفتح الرقعة المتبقية ليقرأ ما نجا من كلمات شامة. كانت الكلمات واضحة، قوية، وتخاطب الروح قبل العين:

نص الرسالة المتبقي:

.. لستِ بحاجةٍ لذهبٍ أو ثياب، فخزائن الملوك تضيقُ بما وهبكِ الله. أهديكِ هذا الكتاب الأعظم، ليكون ركيزة المجد، وعنوان السلام الذي جئتُ به، ودليلاً على أننا في الحق إخوة…”

ساد صمتٌ رهيب في المكان، حتى الريح توقفت عن العويل. أحس الشداد بمرارةٍ تفوق مرارة القهوة التي ارتشفها فجراً؛ فبينما كانت شامة تهدي “النور”، كانت شريفة ترد بـ “النار”.

“يـا ويـلـي مـن ذنـب الـنـار فـ الـمـيـزان.. كـيـف تـحـرقـي كـلام الله بـ نـار الـخـذلان؟

شـامـة عـطـات الـنـور، وعـنـوان الأمـان.. وأنـتِ رديـتِ الـفـضـل بـ لـهـب الـطـغـيـان.

مـا نـفـع ذهـب ولا نـفـعـوا تـواب الـكـتـان.. قـدام هـاد الـحـكـمـة لـي سـكـنـات الأركـان.

ظـنـيـتـك كـبـيـرة، وفـهـاد الـفـعـل بـان الـهـوان.. كـي غـا نـواجـه ربـي،، والـزمـان؟”

التفت الشداد نحو القزم “عبيبوش” الذي كان يراقب المشهد بوجل، وبصوتٍ زلزل الأرض تحت أقدام الواقفين، صرخ الشداد:

“يا عبيب. نـادِ على شريفة! الآن! لتقف أمام هذا الرماد وتخبرني بأي شرعٍ يُحرق كلام الله؟ وبأي عقلٍ تُردُّ هدايا الملوك بالنيران؟”

هرع عبيبوش لتنفيذ الأمر، لكنه لم يذهب مكسور الجناح، بل كان يقفز بخفةٍ شيطانية، يفرك يديه الصغيرتين بحماسٍ لا يوصف، والابتسارة تزداد اتساعاً على وجهه القبيح. كان يمسح يديه ببعضهما كأنه يغسلهما بماء الفرح، وعيناه الجاحظتان تلمعان ببريق الغدر؛ فقد بدأت اللعبة الكبيرة التي طالما انتظرها.

القزم لقى فرصته باش يخرج داك السم اللي فيه بـ “أدب” كتر من القياس. ووصل قدام خيمة لالة شريفة. وقف وقفة دليلة، ولكن عينيه الجاحظتين فيهم واحد البريق ديال الشماتة اللي يخلي الواحد يخرج من عقله.

وقف عبيبوش قدام باب الخيمة (أو الجناح)، كيتمايل بـ جسده الصغير، وعينيه الجاحظتين كيدورو فـ العبيد والخدم اللي واقفين حراسة بحال الغربان. بدا كيمسح يديه فـ بعضياتهم بـ واحد النشوة غريبة، وصوته الأبحّ خرج كيقطر سم ومغلف بـ أدب مصطنع.

نطق عبيبوش وهو يديه وراه و كيشوف فـ العبيد بـ استعلاء كأنه هو صاحب الأمر:

عبيبوش: “يا ولاد الخير.. يا حراس هاد المقام العالي.. نوضوا فيقوا سيدتكم ‘لالة شريفة’ من أحلامها. قولي ليها الخادم الذليل عبيبوش راه واقف بالباب، وجايب ليها دعوة كريمة من عند سيد القوم، الشداد العظيم. الشداد راه كيتسناها فـ الخلاء،

قدام بقايا ‘الجمر’ اللي شعلات بيديها الكريمتين.”

واحد من العبيد قرب منه بـ غضب، ولكن عبيبوش كمل بـ خبث وهو كيغمز ليه:

عبيبوش: “غير وسعوا لي الطريق يا رجال.. راه الشداد ما بغى حد يشوف هاد الوقفة إلا لالة شريفة. سيدي الشداد راه هاز بين يديه واحد ‘البركة’ كانت فـ قلب الصندوق، وبغى لالة شريفة تجي تشاركو ‘الفراجة’. مسكينة لالة

بدا كيدور بعينيه كأنه كيتسنى شريفة تخرج من ورا الستار، وزاد فـ كلامه باش يوصل لـ ودنيها وهي داخل:

عبيبوش: “يا عبيد لالة شريفة، قولو ليها تلبس خفها وتسرع المشية.. راه الشداد راه واقف وقفة ‘الصلاة’ قدام الرماد، والريح بدات كتدير خدمتها وكتنشر ‘الريحة’ فـ كاع الإمارة. قولو ليها عبيبوش راه خايف عليها من هاد ‘الصباح’ اللي طلع بـ ريحة الغدر والجهالة.”

عبيبوش كان كيتكلم وهو عارف بلي شريفة كتسمع كل كلمة من ورا الستار، وكان كيتلذذ بـ الخوف اللي كيزرع فـ قلبها، والعبيد واقفين مدهشرين ما فاهمين والو، كيشوفوا فهاد القزم اللي ولى اليوم كيتكلم بلسان “الشداد” وبـ قوة خلات الهيبة ديال شريفة تطيح قدام بابها.

تحرك الستار الحريري بجهد، وخرجات شريفة ووجهها صفر بحال الكبريت، وعينيها منفوخين بالسهر والخوف. شافت فـ عبيبوش بواحد النظرة بغات تدفنه فيها، ولكن عبيبوش، بكل مكر، انحنى حتى لـ الأرض، ومسح يديه فـ صدره وهو كيقول بـ صوت مرخم:

عبيبوش: “على سلامتك يا لالة شريفة.. يا شمس الإمارة اللي غطاها السحاب هاد الصباح. تفضلي، راه الشداد العظيم كيتسنى ‘نورك’ يضوي على الرماد اللي خلفه الصندوق. مسكين سيدي الشداد، شفته هاز واحد ‘الكتاب’ محروق الجناب، وكيمسح عليه بدموع العين.. وقالي: ‘نادي على شريفة تجي تشوف أشنو دارت يديها، وتشوف المعجزة اللي بقات حية وسط النيران’.”

شريفة حست بـ ركابها فشلوا، وصوتها خرج مخنوق:

“أشمن كتاب كتقول يا مسخوط؟ وأشمن معجزة؟”

عبيبوش (وهو كيغمز العبيد وكيضحك ضحكة مكتومة): “أويلي يا لالة! واش ما كنتيش عارفة؟ الصندوق اللي صيفطات لالة شامة، ما كان فيه لا حرير ولا جوهر.. كان فيه ‘كلام الله’ المسطور بذهب المنصوري. العافية كلات اللوح، والحرير،والمراسل، ولكن خلات ‘القرآن’ شاهد عليك وعلى غدر هاد الليلة.”

شريفة حطات يدها على فمها وصدمتها كانت كبر من الجبل. عبيبوش كمل بـ “الأدب” اللي كيدبح:

“تفضلي يا لالة، الشداد راه واقف تما، وبغاك تشوفي هاد ‘البركة’ اللي نجاها الله من نارك. راه الإمارة كولها صبحت كتهمس، والعبيد كيشوفوا، وأنا.. أنا غير عبد ذليل جايب ليك ‘البشارة’ بلي مكانتك عند الشداد، اليوم، راها ولات بحال هاداك الرماد.”

وصلوا لبلاصة الحريق. الريح كانت كتلعب بـ الرماد الأسود اللي بقى من “صواب” شامة. الشداد كان واقف بظهر مقوس شوية من ثقل الصدمة، عاطي بظهره لشريفة، وعينيه غارقة فـ سواد الرماد.

قرب عبيبوش، ووقف فـ واحد الجنب، وجمع يديه مورا ظهره، وبدا كيشوف فـ الشداد وفـ شريفة، وكيطلع ويهبط بـ عينيه الجاحظتين، كأنه كيسجل كل دقة قلب وكل رعدة يد باش يوصلها من بعد لـ شامة.

الشداد فـ ديك اللحظة ما كانش غير راجل مغبون، كان بحال الصخرة الصمّاء اللي ما زعزعها ريح. وقف والرزانة تافحة من كتافو، وهيبتو سابقة خطاه. هزّ المصحف الكريم اللي تفحمات جناب غلافو، ورفعه بـ يد قوية كأنها ميزان الحق، ووجهو ما فيه حتى رعدة، غير الغضب اللي كيسري بحال البرق فـ ليلة مظلمة.

نطق الشداد، وصوتو خرج رخيم، كيضرب فـ جدران “إمارة أنمارة” ويخلي الصدى يرجع بالهيبة:

“انظري يا شريفة.. تأملي بصركِ في هذا الرماد! كنتِ تظنين أنكِ تحرقين خرقاً من الحرير أو حلياً تتباهى به ابنة المنصوري، فإذا بكِ تضرمين النار في ميثاق الله الأعظم. أبهذا الجهل نُقابل الكرم؟ أم بهاد الغدر نردُّ ميثاق مَن استأمنتنا على أثمن ما تملك؟”

شريفة حست بالأرض كدور بيها، بغات تنطق، بغات تطلب السماحة، ولكن لسانها ولى حجر فـ فمها. الشداد زاد خطوة لجهتها، وصوتو ولى أثقل:

“لقد أحرقتِ بيدكِ حبل الوصال الذي كان يربطكِ بقلبي. اعلمي أنَّ النيران التي أوقدتِها لم تلتهم الورق فحسب، بل التهمت مكانتكِ التي كانت حصينةً خلف هذه الأسوار. لولا أنني أترفّعُ عن الفضيحة، ولولا أنَّ شموخ ‘أنمارة’ يمنعني من إفشاء سري أمام الرعاع، لكان لي معكِ قضاءٌ لا تردّه دمعة ولا ندم.”

عبيبوش كان واقف فـ الجنب، شاد النفس وكيتلذذ بـ “الفراجة” المعتقة. كيشوف فـ شريفة كيفاش ذابت بحال الشمعة قدام هيبة الشداد.

الشداد دار وجهو لجهة العبيد، وبصوت حازم ما فيهش النقاش،

انصرفي إلى خدركِ، واري سوأة فعلكِ عن الأعين، فلا مكان لكِ في مجلسي ولا نصيب لكِ في مشورتي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. لقد سقط القناع، وبقي الرمادُ شاهداً على من صان ومن خان.”

شريفة جرت أذيال الذل، ودخلت كتعثر فـ خطوتها، وصوت شهيقها مخنوق بالخوف. أما عبيبوش، فبقى كيمسح على لحيته الصغيرة بواحد المكر، وهو كيشوف فـ الشداد اللي بقى واقف بوحدو، شامخ كأنو جبل، ولكن عينيه كانت كتشوف لبعيد.. لجهة الخيمة اللي فيها “الرزانة” و”العقل”.

خيمة لالة شريفة، اللي كانت ديما مجمع للشان والمرشان وريحة العود القماري، صبحت هاد الساعة بحال “المحبس” المظلم. الستائر اللي كانت كتلوى بالحرير، ولات كتبان ليها بحال كفان بيضاء كتشمت في خيبتها. دخلت شريفة كتحرث في الأرض بركابيها، وطاحت فوق الفراش بحال الخاوية، وقلبها كيمخض فيها بحال القربة.

حطت يدها على وجهها، وبدات الحصرة كتاكل في جوفها، والندامة كتقطر من عينيها بحال الشتا وبأنين كيدوب الحجر”

“يا ذلي ويا هواني بين النسا.. يا ريت الأرض انشقت وبلعتني قبل ما نتحط هاد الحطة. واش يدي اللي كانت كتأمر وتنهي، وليت كنشوف فيها ريحة الحريق والذل؟ واش غيرة ساعة، هدمت ليا سور وبنيت فيه قاعة؟ يا ويلي من الشداد.. ويا خزيي من ربي اللي حرقت كلامو بجهالتي.”

بدات كتفكر في وقفة الشداد، وكيفاش كان هاز المصحف المحروق، وكيفاش شاف فيها بشوفة “البرودة القاتلة”. هاديك الشوفة كانت عندها أوعر من الذبح، حيت عرفت بلي “الشان” اللي كان عندها، طار مع الدخان.

هاد الصدمة اللي عاشتها شريفة خلات القلم بين يديها كيترعد، والدموع اللي نزلات على الورق كانت مخلطة بالمداد والسم. جابت “الرّق” وناوات تكتب لـ “لالة اليازية”، أم الشداد وسيدة القصر الكبيرة، اللي كتعرف خفايا القلوب.

“إلى مقام السيدة الجليلة، والمصونة النبيلة، لالة اليازية سيدة القصر وعمود الدار..

سلامٌ يتبعه خضوعُ الابنةِ لأمها، والودُّ الذي لا تشوبه شائبة.

أما بعد؛ فإنني أرفعُ إليكِ نداءَ روحٍ ذابلة، وقلبٍ باتَ في ليلِ الهمِّ وحيداً. تعلمين يا خالة أنَّ ‘الشداد’ لم يكن لي يوماً مجرد بعل، بل كان هو النفسَ الذي أستنشق، والوعدَ الذي كبرتُ عليه وظننتُ أنه حصني المنيع. لقد كنتُ أرى مكاني من مكانه، لا تُنافسني فيه جاريةٌ ولا سيدة، وكنتُ أمني النفسَ بأنَّ حبه لي سيجعلني دوماً في الصدارة، مهما تعاقبت الوجوهُ ودارت الأيام.

لكن يا لالة اليازية، لقد نزلت بساحتي صدمةٌ لم أرسم لها قدراً في مخيلتي. لقد تهمشتُ في الدار التي كنتُ آمرُ فيها وأنهى، وشعرتُ بأنَّ كياني قد تهدم حين وفدت علينا ‘الأميرة شامة’. ورغم أنَّ الشداد قد برهن لي على وده حين عقد قرانه عليَّ في أوجِ الضغوط والسياسة، فاستكنتُ وقلتُ: ‘ستبقى شريفة هي الروح، وتبقى ابنة المنصوري ضيفةً عابرة’.

بيدَ أنَّ الواقع كان أمرَّ من العلقم؛ فقد غفلتُ عن أنَّ القادمة تحملُ خلفها سطوةَ سلطنة، وهيبةَ (أعرافٍ سلطانية) لم أعتدها. لقد رأيتُ في مشهد وصولها أبهةً صغرت أمامها نفسي، وزعزعت ثقتي، وشعرتُ بأنَّ زمام الأمور قد فُقد من يدي، وأنَّ هاد ‘الأميرة’ لم تأتِ لتكون زوجةً ثانية، بل جاءت لتمحو أثري وتغير وجه سيدي الشداد عني.

والفاجعةُ يا خالة، أنَّ سيدي الشداد قد قطع وصلي، وهجرَ مجلسي بـ جفاءٍ لم أعهده منه قط. يُعاملني اليوم كـ غريبةٍ منبوذة، وفي أيِّ وقت؟ في وقتٍ أنا فيه فـ غايةِ الضعف والوهن؛ حيثُ ما يزالُ دمُ ‘نفاسي’ لم ينقطع، وآلامُ ولادتي لم تجفَّ آثارها. يتركني وحيدةً أصارعُ قهر الروح ووجع الجسد، ليميلَ بكل جوارحه نحو القادمة التي سحرت العقول برزانتها، وشتتت شملنا بهدوئها.

“يا خالة، لقد حاصرني هواني وأنا أرى مَهرها يُساق كأنه خراجُ دولةٍ لا صَداق امرأة، خيولٌ مُطهمة وحرائرُ تضيقُ بها الفِجاج، كأنَّ كلَّ قطعةِ ذهبٍ نُثرت في ركابِها كانت مِسماراً يُدقُّ في نعشِ مَقامي، ويُعلِنُ لـ ‘أنمارة’ قاطبةً أنَّ ابنةَ المنصوري لم تأتِ لِتُشاركني الدار، بل جاءت لِتشتري بمالِ أبيها عقلَ الشداد وتَسحقَ تحت أقدامِ حاشيتِها كرامةَ سِنيني.”

“ولم يقفِ الهوانُ عندَ حدودِ الذهبِ والحريرِ يا خالة، بل تعدّاهُ لِما هو أمرُّ وأدهى؛ فقد وهبها الشدادُ من أرضِ أجدادِنا ما لا يُوهبُ إلا للفاتحين، وبسطَ عليها وعلى حاشيتِها رداءَ ‘الحصانةِ’ المنيعة، حتى غدت حاشيتُها في أزقةِ ‘أنمارة’ كأنهم ملوكٌ لا يُسألون، لا تطالُهم يدٌ ولا يلحقُهم لوم، وكأنَّ الشدادَ قد اقتطعَ من هيبتِنا وهيبةِ أهلِنا ليصنعَ لها سياجاً يحمي غُربتَها، ويجعلَ منَّا نحنُ أصحابَ الدارِ غُرباءَ على أعتابِ سُلطتِها.”

أستجيرُ بـ مقامكِ الرفيع يا خالة، فشريفة ابنتكِ قد تاهت في دروبِ الغيرةِ والضياع، وما عادت تدركُ لها مقاماً في إمارةٍ هربت فيها المقاديرُ عما كان متوقعاً. أنقذيني بـ حكمتكِ، فقد ضاع الشانُ واهتزت المكانة، ولم يبقَ لي إلا وجهكِ الكريم.”

الفجر يالاه بدا كيشقشق بخيطو لبيّض، والبرد ديال “أنمارة” كينغز فـ العضام. خيمة لالة شامة كانت ساكتة، والوقار مغطي جدرانها، حتى تقطعات هاد الخلوة بدخلة “كلثوم” اللي دخلات كتعثر فـ أذيالها، وجهها مخطوف كأنها شافت القيامة قامت.

لقات لالة شامة يالاه ناضت من فراشها، كتغسل وجهها بالما ورد الصافي. انحنات كلثوم وهي كترعد، وصوتها كيخرج مبحوح كأنه صدى من بير غارق:

كلثوم (بصوت مخنوق بالخوف):

“يا لالة شامة.. يا ستي وتاجي.. نوضي شوفي الصبح أش رمى فـ حجرك. راه المصيبة وقعات، والخبر اللي جاني كيتلف العقل! لالة شريفة، الله يحضر السلامة، شعلات النار فـ الصندوق اللي صفتي.. إيه يا لالة، الصندوق اللي كان فيه ميثاق الصلح والهدية، ولى اليوم رماد تذروه الرياح!”

شامة حطات المنديل بـ هدوء، وحسات بقلبها قبضها، ولكن ملامحها بقات ثابتة بحال الصخر. شافت فـ كلثوم بـ نظرة ثاقبة وقالت بصوت رزين:

شامة: “أش كتقولي يا كلثوم؟ الصندوق

اللي فيه كلام الله وميثاق الحق تحرق؟

كلثوم بهول:

يا لالة، شريفة شعلات فيه العافية فـ نصاصات الليل، والشداد يا لالة.. الشداد راه غلى دمه وفار، وشاف الهدية رماد قدام عينيه. الخبر دابا داير بين العبيد والخدم كأنها فضيحة، وكولشي كيهمس بلي شريفة بغات تبرد غدايدها فـ الميثاق، والشداد راه قطع عليها الوصل وهجر خيمتها وهي فـ ‘نفاسها’ بسباب هاد الفعلة الشينة.”

شامة بقات ساكتة، عينيها غارقين فـ ضو الشمعة اللي قرب يطفا. حسات بلي “الصلح” اللي بغات تبني، رجع “حرب” معلنة.

شامة (بصوت هادئ وموزون):

“يا ويلي على جهل العقول يا كلثوم.. شريفة حفرت جباها بيديها.

انزاح سجف الخيمة ببطء مريب، ودلف عبيبوش يتخطى الضل كأنه قطٌّ يخشى الضوء، حانياً هامته الصغرى، ووجهه يرتدي قناع الفجيعة والمسكنة. كان يجرُّ خطواته بتمهُّل، وعيناه تزيغان يميناً وشمالاً كأنه يتقصى أثراً، بينما قلبه في الداخل يرقص على إيقاع “الروينة” التي طبخها بيده.

وقف على مبعُدٍ من لالة شامة، ونكس رأسه بتمسكنٍ ومكر، ثم نطق بصوتٍ متهدج:

عبيبوش (بصوت مخنوق كأنه يُغالب عبراته):

“يا لالة شامة.. يا ستي وتاج راسي.. أعوذ بالله من شرِّ ما خلق، وحفظكِ الله من غدرِ النفوسِ الضعيفة. واش بلغ لسمعكِ العالي الخبر اليقين، ولا مزال الإمارة سادة عليها بوابها؟ راه ‘أنمارة’ اليوم صبحت على ريحة الحريق، ولالة شريفة ـ الله يسترنا من عايبها ـ دارت اللي ما يتدير.. عماها الحقد وجهالة العقل، حتى شعلات العافية فـ الصندوق اللي كان فيه ميثاق الغلا وكلام الله.”

رفعت شامة بصرها إليه بنظرةٍ باردة، تخرقُ جدار تمثيله، وسألت بوقارٍ لا يهتز:

شامة: “نارٌ شبت في جوفِ الليل يا عبيبوش؟ وكيف لصندوقٍ محروسٍ بمواثيقِ السلطنة أن تأكله النارُ هكذا.. وأين كانت العيونُ التي لا تنام؟”

عبيبوش (وهو يفرك يديه ببعضهما بتوترٍ مدروس):

“يا لالة، ومن يجرؤ على ردِّ يدِ ابنة المنصوري وهي في ‘فورتها’؟ أنا يا لالة، كنتُ أرومُ المكان من بعيد، أحرسُ بعينيَّ هديتكِ الغالية، وساعةَ رأيتُ الدخان يعلو، حسبتُه بخوراً، فإذا بي أجدُ ‘شريفة’ تقفُ كالريحِ العاتية، وتزعمُ أمام الملأ أنَّ ميثاقكِ هو ‘نحسٌ’ جرَّ عليها النار! جئتُ أهرول لأستنجدَ بالخدم، فوجدتُ ‘الشداد’ وافقاً كالطود، يرى رمادَ الميثاقِ يتطاير أمام عينيه.. والله يا لالة، لقد انخلع قلبي خوفاً أن يظنَّ الظانُّ بي سوءاً، أو يُقال إنَّ هاد ‘البراني’ (يقصد نفسه) قصّر في الأمانة. لستُ إلا عبداً ذليلاً، وما أردتُ لهاد الفتنة أن تمسَّ ركابكِ الشريف.”

سكت عبيبوش، يختلسُ النظر إليها ليرى وقْع كلماتِ “التبرئة” في نفسها، ظلت شامة صامتة، ملامحها كأنها نُحتت من رخام القصور العتيقة، لم تُبدي غضباً ولم تُظهر شكاً، بل قالت بكلماتٍ موزونة كأنها وقعُ حديدٍ على سندان:

شامة: “نمْ قريراً يا عبيبوش، فالحقُّ أبلج والباطلُ لجلج. من أحرقَ المواثيقَ أحرقَ داره، والرياحُ لا تُسقطُ إلا الشجرَ النخر. اخرج الآن، وكنْ أذناً في كل زاوية

وقفت شامة وقفة السلطان، وصوبت عينيها فـ عبيبوش بحال نصل من حديد، حتى ولى القزم كيحس بالخوف كيطلع مع ركابيه. ساد واحد السكات تقيل فـ الخيمة، ما كيقطعو غير فحيح الشمعة اللي قربت تطفى. قربات منه بخطوات موزونة، حتى ولى كيسمع دقات قلبها الرزينة، ونطقات بصوت خافت ولكن حاد بحال “الموس”:

شامة (بلهجة فيها الوعيد المر):

“اسمع يا عبيبوش، واجعل كلامي هادا طوق فـ عنقك ما يحيدش.. أنت وهاد الحاشية اللي جات معايا، دخلتكم تحت جناحي، ووهبت ليكم حصانة فـ هاد الأرض ما تطالها يد، وراكم فـ أمني وأماني ما دام الرأس كيتبع العقل وما كيخرجش على الشور.”

ضارت ببطء، وعاودت شافت فيه بواحد الشوفة جمدات الدم فـ عروقو:

شامة:

“والله يا عبيبوش، إلا بان ليا بلي مكرك هادا فات القياس، ولا كنتي سباب فـ شي كارثة جرات عليا النحس، لا نخصي فمك من لسانو، كفما أنت مخصي فـ رجولتك. اللي خرج لي على الطوع، نخرج فيه طول وعرض، وما نهاب حد. سير دابا، واجعل مكرك يخدم سكاتي، وما يشعلش عافيتي.”

انحنى عبيبوش وخرج كيتعثر فـ خيالو، والخلعة واكلة قلبو. عرف دابا بلي “الرزانة” اللي كيبان بها وجه شامة، مخبية وراها هيبة سلطانة اللي غدرها كلفته غالية، وبلي اللسان اللي كينطق بالحكمة، يقدر يقطع الرقاب إلا حاد الميزان.

خرج عبيبوش كيتمايل بين النخل، شاد في يديه عرجون صغيور د التمر كينقي فيه ببرودة دم، وعينيه كيشوفوا في العبيد اللي خدامين في “المنزلة”. شاف واحد العبد غليظ، كتافو هازين الجبال، سميتو “الجيلالي”، كان كيجر الصنادق، وبدا كيتحكك عليه بضحكة مسمومة.

عبيبوش (وهو كيمضغ التمرة وكيشوف في الجيلالي بقلة قيمة):

“تبارك الله على صحة الجيلالي.. ولكن يا حسرة، القوة في الكتاف والرزق في يد ‘قاسم’. واش فراسك بلي قاسم الخماسي راه قال للعريف بلي أنت كتسرق نص الوقت في الضل، وهو اللي هاز عليك الحمل كولو؟ قاليهم الجيلالي بلا بيا ما يسوى بصلة في هاد الواحة!”

الجيلالي (حبس الخدمة وعروق عنقو تمنفخوا):

“قاسم؟ هاداك اللي ما كيقدر يجر حتى رداه؟ قال هاد الكلام في حق الجيلالي؟”

عبيبوش (كيبرد ليه الجوف بضحكة صفرا):

“إيوا راه اللسان ما فيه عضم.. وزيدك هادي، راه شفتو كيتغمز مع الخدامة د لالة شريفة ويضحكوا على المشية ديالك، قالو بلي كتتمشى بحال الجمل اللي ضاربو الهيم!”

خلا الجيلالي كيرعد بالغدايد، ومشى كيتسلل جيهة الكوزينة الكبيرة، لقى تما “فطومة” الطباخة و**”مباركة”** الصبّانة، وبدا كينفخ في الرماد اللي بيناتهم.

عبيبوش (بصوت حنين وكأنه خايف عليهم):

“يا ناري على ‘مباركة’ الصبّانة.. شفت ‘فطومة’ اليوم كتقطر السم، قالت بلي الصابون ديالك ريحتو خنزات الحوايج، وبلي لالة شريفة ولات كتشم ريحة العفن في كتانها بسباب يديك اللي ما بقاو يعرفو ما بين الما والتراب.”

مباركة (هزات يدها كتشير بـ المخبط):

“فطومة؟ هاديك اللي الماكلة ديالها كولها محروقة؟ هي اللي كتهضر على النقاوة؟”

عبيبوش (كيهرب بضحكة مكتومة وهو كيغمز فطومة):

“أنا ما قلت والو! أنا غير ‘حمام زاجل’ جاب الخبار وطار.. غير ردو بالكم لا تنوض بيناتكم شي عجاجة ف هاد العشية، والواحة راهي ولات صغيرة على غدايدكم!”

رجع عبيبوش، تكي بـ ظهرو على حيط د الطوب، خرج ‘سبسيه’ وبدا كيتفرج . الجيلالي شاد في خناق قاسم حدا الساقية، وفطومة ومباركة كيتناقرو بالمعاني والقدور.. وهو وسط هاد الصداع كولو، كيضحك من أعماق قلبه، كيحس براسو هو “سلطان اللسان” في هاد الواحة، اللي خلى “الكبار” يتناطحو بسباب كلمة رمى ليها جمرها وهرب.

رجع عبيبوش لجهة خيمة شامة وهو كيتمايل بضحكةٍ خفيّة، كتافو كيهتزّوا بالشمتة، وعينيه كيلمعوا بمكر من داك “الهرج” اللي نوضو بين الخيام.

دخل عبيبوش يتختل، وجهه مزال فيه أثر الشمتة من “الخبال” اللي نوضو بين العباد والخيام، لقى المكان عامر بالهيبة والوقار. شامة كانت واقفة كأنها نخلة في عزّ عافيتها، ودادا رقية كتحط ليها السلهام فوق كتافها بوقار كأنها تلبسها بردة الحكم.

دارت شامة عند دادا رقية، وصوتها فيه الرزانة اللي تبرد الجوف:

شامة:

“وقفت شامة قدام المرايا الكبيرة، قادت السلهام فوق كتافها بـ إيدين ثابتة، وشافت في خيالها بشوفة فيها ثقة المتمكن. دارت عند دادا رقية وقالت ليها:

شامة: “يا دادا، سيري لعند مولاي، وقولي ليه بلي شامة تشهات ريحة التراب الفازق وخضورية النخل. قولي ليه بلي بغيت نهبط للواحة نسرح رجليا ونشوف هاد الجنة اللي عطاه الله، واش كياذن ليا نخرج من ضيق الخيمة لسع الأرض؟”

دادا رقية شافت في لالة شامة بواحد الابتسامة مخبية، حنات راسها وخرجت تخبر الشداد. عبيبوش اللي كان كيدور فـ الركن، قرب وهو كينقز وكيمسح يدو مع كسوته:

عبيبوش: “إيوا يا لالة، واش غتخرجي لهاد الغبار؟ راه العباد برا كياكلوا فـ بعضياتهم، والواحة صابحة مرونة بـ لغوا.. واش هاد الخرجة فـ وقتها؟”

شامة دارت عنده، وشافت فيه بواحد الهدوء كأنها كتقرا اللي ورا وجهه:

شامة: “يا عبيبوش، اللي كيبغي يشوف الشمس ما كيخافش من شوية د الغبار. والواحة أرض الله، وما نزلت ليها باش نحاسب حد ولا نسمع لـ حد. نزلت غير باش نرد الروح لـ ذاتي وسط هاد الخضورية.

وصلات دادا رقية لـ “خيمة الحكم”، لقات الشداد جالس فوق الطنفسة، بين يديه السلاح كيمسحو، وعينيه غارقين فـ تفكير بعيد، والغمامة د “حريق الصندوق” مزال مخيمة على وجهو. غير شافها داخلة بوقارها المعروف، حط السلاح وقاد جلسته، حيت كيقدر هاد “الميمة” اللي جاية من ريحة شامة.

دادا رقية (بصوت حنين ورزين):

“صباحك يصبح بعير الجنة امولاي.. جيتك بـ مرسول من عند لالة شامة. قالت ليك بلي الخيمة ضاقت بأنفاسها، وقلبها تشهى ريحة النخل وسرحة الرجلين فـ خضورية الواحة. كطلب منك الإذن، واش تخرج تشم هوا الله وتشوف كرم أرضك اللي كيحكيو عليه؟”

الشداد، غير سمع سمية شامة، ترخاو ملامح وجهو، وبانت واحد الابتسامة خفيفة ما قدرش يخبيها. حس بلي هاد الطلب هو “النفس” اللي محتاج ليه حتى هو وسط هاد المشاكل اللي نوضات شريفة.

الشداد (بصوت رخيم وفيه التقدير):

“.. الواحة واحتها، والأرض أرضها. قولي لـ لالة شامة بلي الخروج لـ ‘أنمارة’ ما كيحتاج إذن، بل كيزيدها نور على نور. قولي ليها بلي الشداد كيقول ليها: الأرض كترعد بـ الشوق لـ مشيتك، والسواقي كتسنى خيالك يمر فوق ماها.”

رجعات دادا رقية وهي كتخلف بخطوات واثقة، والابتسامة مرسومة على وجهها اللي شبعان وقار. دخلات لخيمة لالة شامة، لقاتها مزال واقفة كتقاد في راسها، وعبيبوش حداها كينقز بحال المشّ المشطون.

حطّات دادا رقية يدها على صدرها كتحاول تجمع نفسها، وقالت بنبرة فيها العز:

“أبشري يا لالة.. دخلت على سيد القوم الشداد، ولقيت كلامك عنده غالي ومقامك عالي. غير سمع سميتك، وجهو تنور بحال إلا طلعت فيه شمس الصباح. قالي بلي الواحة واحتك، والأرض أرضك، وبلي خروجك لـ ‘أنمارة’ ما كيحتاج إذن، بل هو نُزهة للعين والروح.”

زادت قربات من شامة وكملات بصوت حنين:

“قال لي يا لالة: ‘الأرض كترعد بالشوق لمشيتك، والسواقي كتسنى خيالك يمر فوق ماها’. وراه أمر العريف والحراس باش الطريق تصفى، والعبيد يزمّوا فمهم، واللي صدر منه العيب في حقك، راه عمره ما يشوف النور في هاد الواحة.”

شامة سمعات الكلام، وواحد الابتسامة خفيفة ورقيقة بانت على شفايفها، عينيها لمسوا خيالها في المرايا،

عبيبوش (وهو كيفرك يديه بالضحك):

“إيوا هادي هي الهمة ولا بلاش! الشداد عطاك السوارت د الواحة يا لالة. دابا نخرجوا وحنا نافخين صدرنا، واللي حل فمه، نردوه هو والتبن خوت!

شامة شافت في عبيبوش بـ نص عين باش يزم فمو ، ودارت عند دادا رقية:

“أنا غادة نخرج دابا، وبغيت نسمع غير صوت الريح في الجريد، وما بغيت حتى حس يشوش عليا هاد السرحة.”

هزات شامة طرف من سلهامها، وهبطات وهبطات لثامها وخرجات من الخيمة بخطوات ثابتة، وعبيبوش قدامها كيتمايل بحال شي عريف صغير، كيعلم الناس بلي “السلطانة” راها هابطة للواحة.

خرجات شامة من ضيق الخيام، وكأنها كتولد من جديد. هادي أول مرة في حياتها كتحس بلي الأرض واسعة، وبلي السما ما حابساهاش جدران القصر العالية فين كبرات، تما فين كانت كتشوف النخل غير من ورا المشربية، واليوم، ها هي واقفة وسط الجنة.

تمشات جيهة قلب الواحة، والجريد فوق راسها كيدير واحد الصمت موسيقي، بحال إلا كيرحب بقدومها. الشمس كانت كتدوز من وسط النخل، وكترسم خيوط ديال الذهب فوق الرمل الفازق.

شامة (وهي كتشوف فالسما اللي باينة بين النخيل، وصوتها فيه دهشة الطفولة):

“يا ربي على راحة.. واش هادي هي الدنيا اللي كان مخبيها عليا القصر؟ النخلة هنا كأنها شادة فالسما، والريح اللي كيدوز بين الجريد كأنها كتوشوش بـ لغز قديم. سبحان اللي خلق هاد الخضورية وسط هاد الصهد، وكأنها جنة نزلت من السما وحطت فـ وسط الرمل.”

وصلات لـ واحد الساقية كبيرة، الما فيها صافي بحال المرايا، كيجري بنغمة كترد الروح. حنات شامة، وهزات شوية د الما بيديها، وحسات ببرودته كتمشي مع عروقها. شافت الخضورية اللي دايرة بالما، “النعناع” و”الفليو” نابتين فـ جناب الساقية، وريحتهم معطرة المكان كوله.

شامة (وهي كتأمل خيالها فـ الما):

“شوفي يا شامة.. حتى الما هنا كيهضر. فـ قصر با كان الما محبوس فـ الفوارات، كيدور ويرجع لـ نفس البلاص.. أما هنا، الما حرّ، كيجري وفين مشى كيخلي وراه الحياة. هاد الشجر كيشرب بـ عزة، وهاد الورد البلدي اللي نابت غير هكاك، ريحتو ما كتشبه لـ ريحة عطور الملوك.. هادي ريحة الأرض.”

بدات كتغلغل وسط الغابة د النخل، شافت “الرمان” مدلي حمر بحال القناديل، و”التين” كينضح بـ العسل ديالو تحت الضل. مشات ببطء، ومرة مرة كانت كتحط يدها على جدر نخلة قديمة، كتحس بـ حرارة الخشب والقشرة اللي شبعانة شمس.

شامة (بهمس وفرحة فـ عينيها):

“والله إلا أنمارة جنة فـ الأرض.. والشداد، يا حسرة، ملك هاد الكنز كولو وهو غارق فـ مشاكل لا كتسالي لا كتحد. هاد النخل كيعلم الصبر، وهاد السواقي كتعلم بلي الحياة دايما كاينة طريق، خاصنا غير نعرفو فين نسرحو رجلينا.”

عبيبوش كان غادي وراها بـ وقار غريب، حتى هو سكتات فيه “سوسة” التبركيك، وبدا كيستنشق هاد الهوا النقي. خلات شامة سلهامها يجر وراها فوق الرمل، وحسات بـ الخفة، كأنها طير يالاه حلّ القفص ديالو وطار فـ ملك الله الواسع. هاد الخرجة، خلاتها تعرف بلي “أنمارة” غتكون هي بدايتها الحقيقية، وماشي غير محطة فـ طريق الهروب.

وقفت دادا رقية بعيد بشوية، مخليا لـ شامة الوقيت والمساحة فين تنفس هاد الحرية الجديدة، ولكن عينيها ما غفلوش عليها لحظة. كانت رقية واقفة بحال السور، هازة راسها بوقار، وشادة في طرف ملحفتها، كتراقب كل حركة وكل نفس كتاخدو “بنتها” اللي رباتها على يديها.

شافت في شامة وهي كتحس بالدهشة قدام الساقية، وابتسمات رقية واحد الابتسامة رقيقة، فيها حنان الأم وفخر المربية.

دادا رقية (فخاطرها وهي كتشوف فشامة):

“سرحي يا بنتي، وتنفّسي هاد الهوا.. شحال ضاقت بيك جدران القصر، وشحال صمتّي على غدايد الزمان. اليوم أنمارة كتحل ليك أحضانها، وأنا هنا وراك، ظلك اللي ما يغيب، وسندك اللي ما يميل. والله يا بنتي، لا يطالك ضيم وأنا حية، ولا يمس شعرة منك ريح مادام فيّ النفس.”

كانت رقية كترد البال لكل كبيرة وصغيرة؛ شافت عبيبوش واش غادي في الطريق، وراقبات بعينيها الثاقبة الجريد واش كيتحرك بشي حركة غريبة، وحتى العبيد اللي كانوا بعيد، كانت نظراتها ليهم كتحذرهم قبل ما يفكروا يقربوا.

قربات شوية من شامة فاش شافتها طولات الوقفة قدام الما، ونطقات بصوت هادي بحال الرخام:

دادا رقية:

“يا لالة شامة.. الما كيداوي الجراح، وهاد الخضورية خلقها الله باش تبرد نار القلوب. شوفي فـ هاد النخل كيفاش صابر على الشمش

حسات شامة بواحد الشوق غريب للما، ريحة الساقية وبرودتها سكنات ليها في ذاتها، وبغات فـ هاد اللحظة تنسى كاع البروتوكول والقيود، وتعيش حريتها كاملة بحال بنية صغيرة تحت ضل النخل.

شافت فـ دادا رقية وعينيها كيلمعوا بواحد الطلب غريب:

“يا دادا، قلبي تشهى برودة هاد الما.. بغيت نطلق شعري ونحط رجليا وننزل وسط هاد الساقية نبرد غدايدي. ولكن ما بغيت نديرها بـ الخفية، بغيت سيد القوم الشداد يكون فـ علموا بلي شامة اليوم غادة تعانق مياهه.”

دادا رقية شافت فيها بشوفة فيها الخوف على هيبتها وفي نفس الوقت الحنان، ودارت عند واحد العبد من “عبيد الوفد” اللي كيمتازوا بالسرعة وكتمان السر، وعيطات ليه:

دادا رقية:

“سير يا وليدي، قصدي خيمة الشداد بـ مشية الريح، وبلغوا هاد الكلمة وما تزيدش عليها: لالة شامة كتقول ليك بلي الما غواها، وبغات تنزل تبرد فـ سواقي ‘أنمارة’ وتطلق شعرها لـ ريح الواحة.. كتعلمك بالشور باش يكون فـ بالك بلي حرمة المكان دابا فيها ضيفة غالية كترد الروح لـ ذاتها.”

انطلق العبد كيهرول بين النخل، مخلف وراه غبرة خفيفة، وشامة بقات واقفة فـ جنبات الساقية، بدات كتحل بـ يديها “العقاد” لولين ديال السلهام بـ تمهّل، وعينيها مراقبة الما اللي كيجري، كأنها كتستعد لواحد اللقاء بينها وبين الأرض.

عبيبوش، اللي شاف هاد المنظر، وقف بعيد وهو كيمسح جبهته، وقال فـ خاطره: “والله يا لالة شامة إلا نويتي على الروينة.. هادي ماشي غير نزلة للما، هادي غادة تطير العقل لـ اللي فـ الخيمة واللي برا الخيمة!”

بقات شامة كتسنى “الجواب” يرجع ليها من عند الشداد، والريح كتدعب خصلات من شعرها اللي بدات كتسلت من تحت الشدة، وصوت الساقية ولى كيبان ليها فـ هاد اللحظة هو الصوت الوحيد اللي كيستحق يتسمع.

بقات دادا رقية واقفة مبهوضة، وصدمتها خلاتها تسكت لواحد اللحظة وهي كتشوف فـ لالة شامة. هاد الطلب اللي نطقات بيه “بنت القصر” طايش ومحفوف بالمخاطر، حيت فـ “أنمارة”، العينين عندها جنحين، والناس والعبيد منتشرين بين النخل بحال النمل، وكولشي كيتسنى غير فين يزلق البراني باش يشبع فيه تشفّي.

قربات رقية من شامة، وهضرات بصوت خافت فيه الخوف والحرص:

دادا رقية:

“يا لالة، واش عارفة أش كتقولي؟ نزول الأميرة للما قدام الغاشي راه أمر ما يقبلو لا عقل لا قاعدة. القبايل هنا كتحسب حتى النفس، والواحة راهي عامرة بعيون الخدم والحراس اللي كيشمو الخبار من ورا الجريد. هاد الفعلة يا بنتي تقدر تولي حكاية على كل لسان، وتجيب لينا ريح ما سدينا ليه باب.”

شامة شافت فـ رقية بواحد النظرة فيها التحدي، وكأنها بغات تهرس كاع السلاسل اللي ربطوها سنين:

شامة:

“يا دادا، أنا ما جيت لهنا باش نبقى محبوسة فـ قفص ذهبي آخر. الما خلقو الله للجميع، والشداد سيد هاد الأرض، وإلا عطاني كلمتو، ما كاين اللي يتجرأ يحل فمو. أنا بغيت ننزل للما كأنثى بغات تحس بالحياة، وماشي كـ ‘أميرة’ خايفة من ضلها. صيفطي المرسول يا دادا، وخلينا نشوفوا الشداد واش كيقدر الرغبة د القلب، ولا كيقدر غير القواعد والمظاهر.”

خرج العبد كيجري بـ وصية رقية اللي زادت أكدات عليه يوصلها لـ “الشداد” بـ كتمان، وشامة بقات واقفة فـ جنب الساقية، كتشوف فـ الما بـ واحد الشوق غريب.

وصل المرسول عند الشداد وهو كينهج، وقف قدام “الزربية” المفرودة فخيمة الحكم، ونطق بالكلام اللي وصاتو بيه دادا رقية. غير سمع الشداد الطلب، سكت واحد السكتة طويلة، وجمّد عينيه فالأرض، وكأن هاد الكلمة اللي جابها العبد تقيلة كتر من الجبال.

الشداد بـ “عين عقلو” وبحكم معرفتو لصحراءه، عارف بلي هاد الطلب ماشي مجرد رغبة في برودة الما، هادي “قنبلة” موقوتة وسط الواحة. هو عارف والناس كولها عارفة بلي:

• عين الغاشي لا تنام: الواحة ماشي قصر مسدود، هي غابة د النخل اللي فيها “العينين” أكتر من الجريد. كولشي كيتسنى “زلة” من البرانية. نزول أميرة للما، وتعرية شعرها قدام الهوا، هي بمثابة “انتحار” للهيبة في عرف القبايل.

• خروج عن الملة والقاعدة:

قواعد الأميرات قاسية بحال الحجر؛ الأميرة “جوهرة” مخبية، والما بالنسبة ليها هو طاس د الذهب وسط الخيمة، ماشي ساقية مفتوحة قدام اللي يسوى واللي ما يسواش.

• هيبة الحكم:

الشداد عارف بلي إلا وافق، راه كيعطي للناس “سلاح” يضربوه بيه، وغيقولوا بلي “الشداد” رخى الحبل لضيفته حتى ميعات وقار الأرض.

تزيرت ملامح الشداد، وحس بلي شامة بـ هاد الطلب كتمتحن “الرجل” اللي فيه، وكتحطو بين نارين: نار الرغبة ديالها اللي بغى يحققها ليها، ونار “القبيلة” والتقاليد اللي تقدر تحرق كولشي فثانية.

دار الشداد عند العبد، وعينيه كيطيرو منها شرارة د التفكير العميق، وقال بصوت حازم

ونادى بـ أعلى صوته على “عريف العبيد” وعلى “الحرس الخاص” (الرماة)، وبدات الأوامر كتنزل بحال الصاعقة:

الشداد (بصوت يزلزل الخيمة):

“اسمعوا…الواحة اليوم غتولي حرم محرم. بغيت ‘الساقية الكبيرة’ ومحيطها من جيهة نخل ‘الغار’ تخلى في رمشة عين. ما بغيت عين تشوف، ولا وذن تسمع، ولا حتى عبد يبقى كيدور تما. اللي لقاوه رجالي تما من ورا هاد الساعة، راسو غيطير قبل ما يرمش!”

خرج الأمير شداد من عتبة الخيمة الكبيرة، والجو تبدل غير بخطواته الرزينة. كان لابس سروال أسود “سليم” مفصل بوقار، مجموع على الساق كيبين قوة الفارس اللي ما كتعيبه حركة، وفوق منه سترة سوداء قصيرة، مسدودة بصدايف منقوشة بإتقان، مخدومة من ثوب خفيف كيتجاوب مع ريح الصحراء ولكن فيه هيبة الملوك.

لف العمامة الصحراوية السوداء على راسه، وضار بها على وجهه لثام ما خلى يبان منه غير عينيه؛ عينين صقور كيلمع فيهم الحزم والغيرة على الحرمة. أشار بيده إشارة وحدة قصيرة وحازمة، وفي رمشة عين، تحرك المكان كوله.

الشداد (بصوت رخيم كيهز الخيمة):

“الخيل! والحرس ورايا.. جيهة الساقية!”

طلع فوق عوده الأسود بجمزة واحدة، وكأن الرجل والعود خلقوا حاجة وحدة. غير نغزه بمهمازه، انطلق العود كالسهم وسط الرمل، وتبعه طابور من حرس الرماة، لابدين فوق خيولهم، كباطل غبار ورا الأمير.

العمامة كطير وراه في الجو بحال جناح غراب، وصوت حوافر الخيل كيزلزل الأرض بحال الرعد. كان الركض ديالهم فيه واحد “السرعة الرزينة”، الأمير حاني شوية على عنق العود، وعينيه مركزة على الهدف. أي واحد شاف داك “الموكب الأسود” غادي كيشق الرمل، كيعرف بلي الشداد خارج

بدأ الهدوء ينسحب من الواحة ليحل محله صوت الحوافر المقتربة، وفجأة، تحولت السكينة إلى حركة عسكرية دقيقة. انطلق حرس الرماة بين النخيل كأنهم أشباح، وبدأوا في إخلاء المكان بصرامة؛ أشاروا للخدم والعبيد بالابتعاد، وقطعوا الممرات المؤدية للساقية، حتى مابقى في المكان غير صوت الريح في الجريد وصوت الماء.

وسط هذا الصمت المفاجئ، شق غبار الرمل عود أسود كأنه قطعة من الليل، وعلى ظهره الأمير شداد. وصل الأمير لمكان وقوف شامة، وجذب لجام عوده بقوة خلات الحصان يتوقف بوقار وشموخ قدامها مباشرة.

وقف العود كيهز راسو، والشداد فوق منه، بلباسه الأسود واللثام اللي مخبي ملامحه إلا من عينيه اللي ثابتة في شامة بحدة وهيبة. كان المنظر فخم؛ الأمير فوق فرسه شامخ كالجبل، والحرس دايرين حزام أمني بعيد، وشامة واقفة في جناب الساقية، كتشوف في هاد الرجل اللي خلى الواحة كولها توقف على رجل واحدة باش يحقق ليها رغبتها.

نزل الشداد من فوق العود بخفة، وخطواته فوق الرمل الفازق كان ليها رنة الهيبة. قرب من شامة، وبقى واقف قدامها بوقار، بلا ما ينطق بكلمة، ولكن شوفة عينيه من ورا اللثام كانت كتقول كولشي: “أنا هنا، والواحة دابا ملكك بوحدك”. كانت هاديك الوقفة هي أعلى درجات الستر والحماية، حيث الأمير براسه ولى هو “الحارس” اللي واقف على عرضو ومراتو.

حبسات شامة أنفاسها وهي كتشوف هاد “الزلزال” اللي وقع قدام عينيها. الخلاء اللي كان عامر بالحركة، خوى في رمشة عين وصار الصمت هو سيد المكان، إلا من صوت نهيج العود ديال الشداد وصوت الما اللي كيجري.

شافت فيه وهو نازل من فوق العود بذاك الوقار، وداك السواد اللي لابسه زاد هيبته هيبة. حسات بواحد الرعدة خفيفة في قلبها؛ ماشي خوف، ولكن “رهبة” من هاد القيمة اللي عطاها. شافت في عينيه اللي باينين من ورا اللثام، وعرفت بلي هاد الرجل ما جاش غير باش يحميها، بل جاء باش يقول ليها: “أنا كلي حرس لراحتك.”

نزلت عينيها للأرض في الحين، وحست بوجناتها سخنوا بالخجل. هاد “الزلزال” اللي داره الأمير على قبلها، وهاد الحراسة المشددة اللي خلاتها تحس بلي راهي أغلى ما يملك، خلو لسانها يتقال.

بقات شادة في طرف السلهام بيديها اللي كيرجفوا شوية، وصمتت واحد السكتة طويلة فيها ألف كلمة ديال الحياء. ما قدرتش تهز عينيها وتشوف في عينيه مباشرة، حيت هيبة “الرجل” اللي واقف قدامها وهيبة “الزوج” اللي غار عليها وسترها، غلبوا على شجاعتها.

نطقات بصوت خافت، يالاه كيتسمع مع خرير الما، وهي مزالة كتشوف في الرمل:

شامة (بنبرة فيها حياء وحشمة):

“يا الشداد.. كترتي عليا بفعايلك. هاد الستر كولو وهاد الخيل.. بزاف على شامة. لهلا يخطيك.”

سكتات وضغطت على طرف ثوبها، وحست بلي هاد “الحياء” اللي تملّكها هو أحسن جواب يقدر يشوفه الشداد في وجهها. كانت باغية تبرد غدايدها في الما، ولكن دابا، الوقفة ديال الشداد وحمايته ليها بردت ليها قلبها كتر من الما نفسه.

رفعات عينيها غير “خطيفة” شافت في لثامه الأسود ورجعت نزلتهم، وهي حاسة بلي هاد اللحظة غتبقى محفورة في ذاكرتها؛ اللحظة اللي وقف فيها ” الامير ” حارس على خصلة من شعرها.

وقف الشداد مسمر بحال السارية، ونزل لثام على وجهه وصوتو خرج رزين، فيه النخوة د الرجال والحرقة د الغيرة اللي ما يطفيها غير الستر. هدر بكلمات موزونة، كل كلمة فيها توزن الذهب:

الشداد:

“يا لالة شامة.. الساقية دابا ملك يديك، والواحة سدات عينيها حشمة منك ومن مقامك. طلقي داك الشعر للريح، وخليه يشم ريحة النخل، ونزلي للما بقلب هاني..،اليوم أنا والليل والرمال عساسة على خيالك.نزعي لثامك لالة، وعانقي الما اللي كيتسناك، راه حدك هو حدي، وسترك هو شاني.”

سكت شوية، وزاد نبرة فيها الهيبة:

“ما بغيتك تحسي بضيق وأنا حي، وما بغيت عين تخطف منك نظرة. خدي راحتك فـ ملك الله، وراك جبل ما ينهد، وسيف ما يبرد.”

زاد في الوقفة ديالو، زير على مقبض الخنجر وهو كيمسح الواحة بعينيه، مخلي وراه “حرمة دارو” تعيش ديك اللحظة اللي عمرها حلمت بيها وسط جدران القصر. كانت الهدرة ديالو بحال العهد؛ عهد بلي هاديك الساقية دابا ولات مكان مقدس، ما يدوز ليه غير الريح اللي كيبوس وجه شامة.

حطات شامة السلهام ببطء، وحيدات اللثام اللي كان مخبي سر جمالها. فاش حلات ضفائرها، طاح شعرها الأشقر النحاسي على كتافها بحال خيوط الذهب اللي دابت فيها شمس العشية، لون كيخطف العين، كينطق بالهمة والسر والجمال اللي ما عمر شافت أنمارة بحاله.

مع الريح د الهيمة، بدا داك الشعر الأشقر النحاسي كيطير وكيتماوج، وكأن كل خصلة فيه كتحكي قصة العز اللي جاية منه. هبطات للما، وفاش قاست البرودة جلدها، تنهدات واحد التنهيدة طويلة شفت غلايلها، وصوت ترشاش الما بدا كيعلا وسط الصمت.

الشداد، وهو واقف بظهره، سمع صوت الما وزاد زير على مقبض الخنجر. وخا ما كيشوفش، كان كيتخيل داك الشعر النحاسي وهو كيتعانق مع الما، وقلبو كيدق بنخوة الراجل اللي قدر يحمي هاد الكنز.

وسط هاد اللحظة، عينين الشداد اللي وسط اللثام لمحوا “خيال” كيتنقل بين النخل البعيد فجيهة الكدية. حرك ودنه، وميز حس حركة غريبة ماشي ديال الريح. عرف بلي كاين اللي باغي يسرق الشوفة، ولا باغي يختبر “الحرم” اللي داره لمراته.

بلا ما يدور جيهة شامة، نطق الشداد وهو كيشير لـ “رماة الحرس” بواحد الحركة خفية بيده:

” اللي كيهز عينه كتر من القياس، محلل فيه قص الراس.”

غمز الرماة، وانطلقوا بحال البرق جيهة ديك الكدية، والشداد بقى واقف “سد” منيع، عينيه جمر وسط السواد، كيحمي هاد اللوحة الربانية؛ امرأة بـ شعر أشقر نحاسي كتعانق الما، وأمير بـ قلب حجر كيحرس الأرض والسما.

الشداد واقف تما، مسمّر كأنه سارية د الرخام، عاطي بظهرو للساقية ووجهو للهيمة الشاسعة. وخا عينيه كيمسحو الرمل والنخيل، راه قلبو كامل تما وراه، مع شامة.

كيسمع صوت “الترشاش” د الما وهو كيقيس الدات ديالها، ومع كل رشة، كيتخيل داك الشعر الأشقر النحاسي وهو فازق، كيتلامع بحال السبيكة د الذهب وسط الما الصافي. كيتخيلها وهي كتمسح وجهها بيديها، والما كيسيل على عنقها.. نار الغيرة شاعلة فيه، كغير من القطرة اللي قاست جلدها، وكغير من الريح اللي شم ريحة شعرها قبل منو.

واش يدور يشوف؟

النفس اللي بين ضلوعو كتقول ليه “دور تمتع بمراتك”، ولكن “النخوة” والرجولة اللي فيه حبساتو. الشداد عارف بلي شامة ما نزلت للما بقلب هاني إلا حيت عارفة “الشداد” عاطيها بظهرو وداير ليها الستر. إلى دار وشاف، غيكون بحال إلى غدرها، وبحال إلى هرس ديك الكلمة اللي عطى قدام راسو وقدام الخلائق.

حبس النفس فصدرو، وزيّر على مقبض الخنجر حتى بغا يطرطق بين يديه. كان كيحس بواحد “العز” كبير؛ فخر الراجل اللي مراتو تحت حمايتو، لدرجة أنها نسات الخوف ونسات “عين الغاشي” وسلمت ذاتها للما، حيت عارفة بلي ظهرها محمي بجبل ما يتهد.

غمض عينيه وسط داك اللثام الأسود، واستنشق ريحة الواحة اللي مخلطة ببرودة الما، وكأن روحو هي اللي كتعانقها تما، بلا ما تحتاج العين تشوف.

في خيمة لالة شريفة: صراع الهمة والغيرة

داخل الخيمة اللي كتفوح بريحة المسك واللبان، كانت لالة شريفة متكية فوق “المطاريح” د الطرز الرباطي، وبجنبها المهد ديال ولدها. وخا ملامحها فيها أثر النفاس، كانت الوقار والأنفة باينين في حطتها. دخل الخويدم، وقف بعيد وهو حاني راسو، كيستنى الإذن باش يتكلم.

شريفة (بنبرة هادية ولكن فيها “ثقل” السؤال):

“تكلم.. شنو الخبار اللي جات من جيهة الساقية؟ وكيفاش الأمير والضيفة ديالو قضاوا نهارهم؟”

الخويدم بلع ريقو، وبدا كيحكي بتلعثم:

“يا لالة.. الأمير الشداد دار اللي ما يطرا. سد الواحة بالحرس، ووقف هو بوقارو وسواده عاطي بالظهر للساقية، وخلى لالة شامة تاخد راحتها في الما، تعري شعرها وتبرد غدايدها وهي في أمانه.. الواحة خلات غير ليهم، والأمير واقف صخرة ما كتحرك.”

هنا، شريفة سكتات واحد السكتة طويلة. عينيها بقاو مركزين في “الفتيلة” د القنديل اللي قدامها وهي كتحرك. هاد الهدرة قاست فيها “النخوة” ديالها كزوجة وكأم لوريث الأمير. حسات بلي هاد “الدلال” اللي كيعطيه الشداد لشامة فيه رسالة قوية ليها ولأنمارة كاملة.

شريفة (بصوت رزين، كتحاول تخبي فيه غصتها):

“مزيان.. الأمير الشداد ديما كان راجل النخوة والكرم، وما غريبة عليه يحمي حرمة اللي تحت سقف خيمته. ولكن هاد ‘الحرم’ اللي دار اليوم، غيخلي لسان القبيلة يطوال، والناس فأنمارة كيعرفو غير الوقار والقانون اللي بناه جدودنا.”

تنهدات وهي كتشوف في ولدها الصغير، وكملات كلامها وكأنها كترتب أوراقها في صمت:

شريفة:

“سير دابا.. وخليني بوحدي. وبغيتك توصل خبار لهاديك اللي عاسة على أخبار الشيوخ؛ قول ليها لالة شريفة كتقول ليك: ‘العز اللي كيجي في غفلة من الناس، كيخصو حكمة باش يدوم’. بغيت نعرف رد فعل شيوخ القبيلة فاش يوصلهم بلي الساقية تسدات على قبل امرأة وحدة، وخا تكون هي شامة.”

بقت شريفة جالسة، كتحس بلي مكانتها كـ “كزوجة وأم لولي العهد ” ، قاصها الضر من “الضرة” جديدة، ومابقاتش كتفكر تحمي زواجها وعلاقتها بشداد دابا ، اللي عطا الله عطاه وشافت الذل معاه ووراها الوجه لي عمرها عرفاتو فحياتها . كتسمع وشتوف دابا شداد اخر من غير لي كتعرف ، شداد تبدل بين ليلة وضاحاها ..رجع كيخلعها وبدات كتفكر كيفاش تحمي “حق” ولدها في وسط هاد الاهتمام الكبير اللي بدا الشداد كيعطيه لشامة.

فـي “أنمارة”، كلام الشيوخ والفقهاء هو الميزان اللي كتعبر به القبيلة أفعال كبارها. فاش وصلات الخبار لـ “مجلس الشيوخ”، اللي كيترأسوهم الفقيه سي الطاهر، واحد الرجل اللي كولشي كيهاب وقارو وعلمو، ناض الصداع واللغط بيناتهم.

فـ المنظور الديني والقبلي العتيق، التصرف اللي دار الشداد تقسم عليه الرأي لـ جوج جيهات:

1. جيهة “الحرمة والستر” (المؤيدين):

الفقيه سي الطاهر، اللي كيشوف الأمور بـ حكمة وبعد نظر، نطق وصوتو فيه صدى الوقار:

“يا جماعة الخير، الأمير الشداد ما دار إلا اللي كيمليه عليه الدين والرجولة. راه الستر فـ الإسلام قيمة غالية، وكونو وقف بـ ظهرو وحمى أهل بيته باش تعيش لحظة فـ ملك الله بلا ما تقيسها عين الغاشي، فهذا قمة المروءة. الأمير ما خرقش شرع الله، بل بالعكس، جسّد معنى ‘القوامة’؛ الرجل هو السور اللي كيحمي حرمة دارو. فاش كيوقف الأمير حارس لـ لالة شامة، راه كيعطي مثال للامارة بلي المرأة عِرض وخاصو يتحمى.”

2. جيهة “هيبة القانون والقبيلة” (المعترضين):

بـ المقابل، كاينين شيوخ اللي كيشوفو بلي “الجمهور” وحق الجماعة فـ الما غالي، ونطق واحد منهم بـ صرامة:

“ولكن يا فقيهنا، الساقية ملك للجميع، وسدّها بـ الحرس على قبل امرأة وحدة، وخا تكون لالة شامة، فيه نوع من ‘الخروج’ على اللي ولفناه. الدين كيقول ‘الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار’. الأمير فضل راحة زوجته على حق الرعاة وعابري السبيل فـ ديك الساعات. هاد ‘الدلال’ الزايد يقدر يفتح باب للفتنة، ويخلي الناس يقولو بلي الأمير غلبتو العاطفة على مصلحة لامارة.”

الشيوخ الدينيين فـ لخر بقاو فـ حيرة؛ من جيهة، هما كيقدسو “الستر” اللي دار الشداد وكيعتبروه فعل ديال “سيد الرجال”، ومن جيهة أخرى، كيتخوفو من “تأليه الجمال” لدرجة تعطيل مرافق إمارة “أنمارة”

نزل كـ “الصاعقة” فـ المجالس، وبداو كيتساءلوا:

• واش هاد شامة عندها سحر خاص خلى الشداد ينسى “بروتوكول” الحكم ويولي حارس شخصي ليها؟

• واش هاد الشي بداية لـ عهد جديد فـ أنمارة، فين غتولي “الكلمة للقلب” ماشي لـ “قانون الامارة “؟

هاد الانقسام فـ الرأي هو اللي كانت لالة شريفة كتسناه، حيت عارفة بلي “كلام الفقهاء” هو اللي كيقدر يزعزع مكانة الشداد أو يثبتها.

بمجرد ما خرجات شامة من الما، وقبل ما تحط رجلها على الرمل، كانت يديها سباقة لـسترها. وخا الما باقي كيسيل من شعرها الأشقر النحاسي، ما خلاتوش يبقى مطلوق لهوا الهيمة بزاف. بـ حركات رزينة وفيها حياء كبير، جمعات خصلات شعرها المبلولة، ولوات عليها ثوبها بـ إتقان، وعاودات حطات اللثام فوق وجهها حتى ما بقى يبان منها إلا عينيها اللي عامرين بـ واحد السكينة غريبة.

لبسات سلهامها، وزمات عليه مزيان، ورجعات ديك “المرأة اللغز” اللي كيحترمها الصغير والكبير. فاش قرب منها الأمير الشداد باش يركبها فوق العود، شاف فيها ولقاها رجعات لـ وقارها المعهود، وكأن ديك اللحظة وسط الما كانت “حلم” عابر، والواقع هو هاد الحشمة اللي كتزيدها هيبة فوق هيبتها.

قرب الشداد لجهة شامة بخطوات فيها هيبة، والركاب فـ يديه. وعمايمو السوداء ملوية بإتقان كتزيد تبرز حدة عينيه. وخا اللثام مخبي نص وجهو، كان “البريق” اللي فـ عينيه كافي باش يحكي اللي فـ قلبو؛ عينين كبار، حلّاكين، وفيهم واحد اللمعة د الفرحة اللي نادراً ما كتشوفها أنمارة فـ وجه أميرها.

وقف قدامها، وبان الفرق د الطول بيناتهم؛ هو طويل، عريض الكتاف، وفـ ريعان شبابه، كولو قوة ونخوة. نزل راسو شوية جيهتها، وخرجات من عينيه ديك “الابتسامة” الساحرة وبريق عينيه كينطق بالرضى

الشداد (بصوت هادي ومبحوح، فيه حنان الزوج ودلال الحبيب):

“يا لالة شامة.. قولي ليا، واش هاد الما برد الخاطر؟ واش فرحتي فـ هاد الخلاء، ولا باقي فـ قلبك شي غصة من ضيق الخيام؟”

شامة، اللي كانت عاد رجعات لثامها ووقارها، رفعت عينيها وشافت فـ عينيه. لقات فيهم واحد “الاعتزاز” كبير، كأنه كيسولها وهو عارف الجواب، باغي غير يسمع صوتها يطمن قلبه.

الشداد (وهو كيمد ليها يديه القوية باش يعاونها تركب):

“شوفي فـ عينيّ وقولي الحق.. واش هاد الساعة اللي دازت، خلات شامة تحس بلي راها سلطانة فـ أرض الشداد؟ بغيت نشوف الفرحة فـ نظرتك، حيت هي اللي كتخلي هاد التعب كولو يولي عندي بحال نسيم الصيف.”

فـ هاد اللحظة، الشداد ما كانش كيهدر كـ “حاكم”، فـ هاد اللحظة، الشداد ما كانش كيهدر كـ “حاكم”، كان شاب فـ مقتبل العمر، باغي غير يرضي “مولاة القلب”. ملامحه كانت مرخوفة، وداك الغضب اللي كيكون فيه ديما ذاب قدام الحياء د شامة. مد يديه اللي عامرين بـ “العروق” د القوة والرجولة، وحطها بـ رفق تحت ذراعها باش يساعدها تطلع فوق العود، وكأنها قطعة د الزجاج خايف عليها تهرس.

فاش استقرات فوق السرج، بقى واقف حداها لحظة، كيشوف فيها بواحد “البريق” عجيب، وكأنه كيقول ليها بلا هدرة: “أنا السور ديالك، وأنا اللي غنخلي الدنيا كولها تفرح لفرحك.” كانت ريحة “العود” والرجولة اللي خارجة منو مخلطة بـ ريحة الخيل، كتعطي لـ شامة إحساس بلي هاد الرجل هو “الأمان” اللي عمرها غتخاف فـ حضرته.

وصل الموكب لقلب “أنمارة” مع ديك الوقيتة اللي كتبدا فيها الشمس تغبر ورا الكديات، وكتخلي السما لونهـا برتقالي بحال النحاس. كان الصمت مسيطر على المكان، غير صوت حوافر الخيل اللي كضرب في الرمل.

في الخيمة الكبيرة، كانت لالة شريفة واقفة ورا “الشق” د الثوب الغالي، عينيها مركزين في جهة الموكب بحال شي صقر. ما بغاتش تخرج وتبين بلي راها مهتمة، ولكن قلبها كان كياكلها باش تشوف هاد “الرجعة” اللي هدرت عليها القبيلة قبل ما توصل. من داك الشق الصغير، كانت كتشوف كلشي بوضوح.

بان ليها الشداد، بشبابه ونخوته، راكب على عوده الأدهم، وجنبه شامة اللي مستورة بسلهامها بحال شي سر مصون. غير وصلوا قدام الخيمة، نزل الشداد بـ خفة السبع من فوق سرجه. تحرك بـ هيبة وجا وقف جنب العود د شامة.

شريفة زيرات بيدها على الثوب د الخيمة وهي كتشوف الشداد كيمد يديه القوية لـ شامة. ما مدش ليها غير صباعو، بل حط يديه بجوج بـ وقار وحنان، وغمزها بواحد النظرة فيها بريق كيذوب الحجر. شامة حطت يديها الصغيرة وسط يديه، وهبطت بـ رفق وهي كتحس بـ “التقل” د اليد اللي هازاها.

الشداد (وهو كيشوف فـ عينيها فاش حطت رجليها على الأرض):

“على سلامة لالة شامة فـ مقامها. الدار دارك، والقلب قبل الخيمة راه ليك.”

كانت الحركة فيها واحد “الدلال” باين؛ الشداد ما نزلهاش غير كيف كينزلوا العيالات، بل نزلها كأنها “أمانة” غالية خايف عليها من الرمل. وقف حداها واحد اللحظة، كيعدل ليها السلهام بيده، وعينيه كيطوفوا عليها بـ واحد الابتسامة مخبية ورا لثامه، وكأنه كيطمنها قدام عينين الغاشي.

شريفة (من ورا شق الخيمة، كتهمس لراسها):

“إيوا هادي هي اللي بقات.. الشداد بيديه كينزلها؟ الشداد اللي كانت الركبة كترعد قدام عتبته، ولى اليوم يفرش يده لـ بنت الناس؟”

حست شريفة بواحد “النهجة” ضيقت عليها صدرها. شافت في شامة وهي داخلة بـ وقارها، مستورة ومحجبة، ولكن ريحة “الرضى” اللي خارجة من حركاتها كانت كتكوي شريفة كتر من العافية. عرفت بلي هاديك الهبطة من فوق العود بـ يد الأمير، كانت إعلان رسمي قدام أنمارة كاملة بلي شامة “سلطانة” فـ قلب الشداد، ماشي غير ضيفة عابرة.

الشداد بقى واقف كيشوف في شامة حتى دخلت، وعاد دار جيهة الحرس بـ ملامح رجعت قاسية ورزينة، وكأنه كيمسح ديك اللحظة د الحنان باش يرجع لـ دور “الأمير”

تحت أضواء الغروب اللي صبغات خيام “أنمارة” بلون الدم والنحاس، كانت الخيمة الكبيرة د المشور كتستعد لواحد من أصعب المجالس. الشداد جالس فوق “الطنفسة” العالية، لابس سوادو، ومخلي السيف ديالو محطوط قدامو فوق الزربية، كرسالة صامتة بلي هيبة الأمير لا تُمس.

دخلوا شيوخ القبيلة، يتقدمهم الفقيه سي الطاهر بوقارو ولحيته البيضاء، ووجوه الشيوخ كانت عابسة، محملة بـ “عتاب” الامارة

وصداع الرعيان اللي بقاو صابرين قدام الواحة. جلسوا في حلقة، وسكتوا حتى عطى الشداد الإذن بالكلام.

نطق الفقيه سي الطاهر بصوت هادئ ولكن فيه ثقل:

“يا أمير أنمارة، نحن ما جئنا لننازعك في مُلكك، ولكن جئنا لنذكّر بـ ‘سُنّة’ الآباء. الواحة سُقيا للرائح والغادي، وسدُّها بالحرس من أجل ‘حُرمة’ واحدة، ولو كانت في مقام لالة شامة، قد فتح علينا أبواباً من القيل والقال نحن في غنى عنها. العدل يا أميرنا هو أساس البقاء.”

هنا، الشداد رفع راسو، وعينيه اللي فيهم بريق التحدي والشباب صغاروا. تنفس بعمق، وكأنه كيستحضر هيبة الأجداد وفصاحة اللسان، ونطق بـنبرة

قوية، وزلزلات أركان الخيمة:

الشداد:

“يا معشر الشيوخ، لقد جئتم تتحدثون عن ‘سُقيا الماء’ وجئتُ أحدثكم عن ‘سُقيا الكرامة’. إنَّ الشدادَ لم يغلقِ الواحةَ بَطراً ولا طُغياناً، وإنما صانَ مَن هي تحتَ حِماه، ليعلمَ القاصي والداني أنَّ حُرماتِنا ليست كَلأً مُباحاً لعيونِ الغرباء. أليسَ في شرعِكم أنَّ ‘المروءةَ’ تسبقُ العُرف؟ وأيُّ مروءةٍ تبقى للأميرِ إذا استباحَ الريحُ خصلةً من شعرِ أهلهِ وهو ينظر؟”

وقف الشداد بـ طوله الفارع، وكمل كلامه بنبرة فيها حدة السيف:

الشداد:

“إن كانَ الرعاةُ قد انتظروا ساعةً من نهار، فقد كسبوا عهداً من الأمانِ لدهر. فمن حَمى حُرمةَ بيتِه في الخلاء، هو الأقدرُ على حمايةِ حدودِ قبلتِكم في اللقاء. إنَّ لالة شامة .. تفيأت ظلالَ سيفي، وإنَّ سدَّ الساقيةِ كانَ ليبقى ليبقى ‘وقارُها’ غاليًا كما هي في قلبي. فليعلمْ مَن خلفَكم أنَّ مَن أَرادَ الماءَ فليصبرْ لَحينِ صدورِ الأمير، ومن أَرادَ الفتنةَ فليذُقْ حدَّ هذا السيف.”

سكت الشداد، وبقاو الشيوخ كيشوفوا في بعضياتهم. كلامه كان بحال الرعد، ما خلى ليهم فين يزيدوا كلمة. الفقيه سي الطاهر هبط راسه بشوية، وعرف بلي الشداد راه “سلطان” بقلبه وبلسانه، وبلي “شامة” بالنسبة ليه هي الخط الأحمر اللي ما يقدر حد يتجاوزه.

خرج الشداد من الخيمة وخلاهم وراه كيتساءلوا: كيفاش هاد الشاب اللي كوله نار وقوة، قدر يجمع بين قساوة الحكم ورقّة الحماية لـ امرأة وحدة؟

خرج من الخيمة، والريح الباردة د الليل قاست وجهو، وكأنها نبهات فيه شي حاجة كانت باقة مخبية فـ صدرو. يلاه دار خطوة ولا جوج، وهو يوقف. عينيه صغاروا وهو كيشوف فـ الظلام ليل المضوي بقنادل فرق الرمل والنخل ، وفجأة تفكر شي حاجة او طاحت فباله شي حاجة

دار نص دورة، ورجع دخل عند الشيوخ اللي كانوا يلاه كينوضوا باش يغادروا. غير شافوه راجع، رجعوا لبلاصتهم فـ صمت مطبق، وكأن الهيبة ديالو رجعات ضاعفات فـ ديك اللحظة.

وقف الشداد فـ قلب المجلس، والمرة هادي ما جلسش، بقى واقف شامخ، وعينيه كيدوروا فـ وجوههم واحد بواحد، ونطق بـ نبرة فيها ” كلمة ” أخيرة ،والمرة هادي النظرة ديالو كانت فيها صرامة أكتر وكأن وضع الختم على القرار. تنفس بعمق، ونطق بصوت رخيم وهادئ، ولكن الحروف ديالو كانت كتخرج بحال الرصاص اللي كيرسم حدود الأرض:

“يا معشرَ الشيوخ، إنَّ للرعيةِ أيامَهم، وللأرضِ سُقياها، ولكم منَّي فضلُ القولِ والشورى. غيرَ أنَّ في دورةِ الزمانِ يوماً لا شريكَ لـ ‘شامة’ فيه. لقد جعلتُ من يومِ الخميسِ وليلتِهِ حَرَماً مَقْدِساً، يمتدُّ من حُدودِ الواحةِ إلى آفاقِ الهيمةِ التي تعرفون.”

سكت لحظة باش يخلي وقع الكلام يوصل للقلوب، وكمل بـ حكمة الأمير اللي كيعرف يوازن بين العطاء والمنع:

الشداد:

“لكم الأسبوعُ كُلهُ بلياليهِ وأيامِه، تَرعون في كَلئِهِ وتَشربون من مائِهِ وتَسعون في مناكبِه. أما الخميسُ، فهو مِلكٌ لمن استوطنتِ الروح، يومٌ تَستردُّ فيه الأميرةُ شامة سكينتَها، لا تُشارِكُها فيه عينٌ باصِرة، ولا قَدَمٌ عابرة، ولا لسانٌ لاغٍ. فمن أرادَ سُقيا يومِهِ ففي بقيةِ الأيامِ مُتَّسع، ومَن أرادَ سُقيا كرامةِ الأميرِ فليجعلْ من الخميسِ يوماً للسكون، ومن ليلِهِ مِيقاتاً للسترِ الذي لا يُهتك.”

ثم ختم كلامه بـ نبرة قاطعة:

“لقد رفعتُ الحرجَ عن مَن صان، وأثمتُ مَن استباح. الخميسُ لـ ‘شامة’، وباقي الدهرِ لكم.. فليُبلِّغِ الشاهدُ منكم الغائب، إنَّ قولَ الأميرِ فصل، وما هو بالهزل.”

خرجوا الشيوخ وهما كيهزوا روسهم بالوقار والرضى، حيت الشداد عرف كيفاش يعطيهم “الأسبوع كلو” ويخلي لراحه ولـ “شامة” يوماً واحداً، ولكن بـ لسان الحكمة والعدل اللي خلى كولشي يحس بلي هاد “المنع” هو تشريف لامارة قبل ما يكون تشريف لـ “شامة”.

داخل خيمتها، كانت لالة شريفة شادة ” التسبيح” ، وعينيها كيمسحوا المكان بقلق، كتسنى “لخبير” اللي غيبرد ليهاقلبها . فجأة، دخل لخويدم كيجري، وجهو فيه خلطة ديال الدهشة والخلعة، ووقف بعيد وكينهج.

شريفة (بصوت مخنوق بالترقب):

“تكلم يا وجه الشؤم! واش جرا ورا هبال الشداد؟ واش شيوخ أنمارة ردو عليه

لخويدم (بصوت مرعد):

“يا لالة.. الخبر طالع للسما. الأمير الشداد ما سكتش، نطق بـ لسان ما خلى ليهم فين يدوزوا. الشيوخ خرجوا من عندو وعينيهم في الأرض، والفقيه سي الطاهر كيمدح فيه فـ وسط الزقاق.. كيقولوا عليه ‘سيد الرجال’ اللي غيغير على انمارة كتر ما غار على لالة شامة.”

شريفة زيرات بيدها على الثوب، والغيض بدا كيطلع ليها لوجهها:

“وكلام الناس؟ والصداع د الساقية؟ والناس اللي ضاعوا فـ ماهم؟”

لخويدم:

“يا لالة، كلشي تقلب لصالح ديك شويمة . الفقيه سي الطاهر قال للرعيان بلي صبرهم ‘أجر وثواب’ حيت ستروا امرأة مسلمة، ورجعوا الناس كيدعيو مع الشداد حيت صان الحرمة. وماشي غير هادشي.. الأمير حط ‘الختم’ على قرار جديد: يوم الخميس وليلته، الواحة والصحرا من جهة الهيمة غتولي ‘حرم مقدّس’ لـ لالة شامة بوحدها. العباد ممنوع عليهم الخروج لديك الجيهة لا ليل لا نهار، ومن خالف الأمير، سيف الشداد غيكون جوابو.”

هنا، شريفة وقفت وكأنها تقرصات، الدموع جمدوا فـ عينيها من شدة الصدمة. هاد الخبر نزل عليها بحال الصاعقة،

شريفة (بصوت كيرجف، كتحاول تضحك باستهزاء وهي مقهورة):

“الخميس؟ الخميس وليلتو ليها وحدها؟ ولى الشداد كيقسم أيام الله على قبل عينيها؟ واش ولات أنمارة ملك خاص لهاد البرانية؟”

حسات بلي المكان بدا كيضيق عليها. هي، بنت العم، اللي عطات للشداد وريث العرش، عمرها ما تحط ليها “يوم” خاص، وعمر الشيوخ ما خرجوا يمدحوا فـ غيرتها. شافت فـ ولدها، وحست بلي “الحصانة” اللي عطاها الشداد لشامة، هي سد منيع ما غتقدرش تهرسو

شريفة (كتهمس بمرارة):

“مزيان يا ولد العم.. خليتي الخميس ليها، وخليتي ليا الرماد. ولكن الخميس كيدور، والزمان غدار. اللي جعلتوها اليوم ‘حرم مصون’، غيجي نهار تولي فيه هي القصة اللي غتهز أركان هاد الخيام.”

سكتات شريفة، وطفت الشمعة اللي حداها، وبقات جالسة فـ الظلام، كتحس بلي هيبة شامة ولات حقيقة ملموسة، وبلي الشداد بـ فصاحته وقراره، سد كاع البيبان اللي كانت ناوية تخرج منهم ريح الفتنة.

وسط الخيمة اللي مفرشة بـ “الحنابل” الملونة وريحة العود القماري، كانت شامة جالسة فوق وسادة مطروزة، وباقي أثر البرودة د الما مخلي وجهها منور بحال ليلة أربعطاش. دخل عليها عبيبوش، هاداك القزم اللي عينيه ديما كيطيرو بالخبيرات، وكان كينهج وفرحان بحال إلا هو اللي خدا القرار.

وقف عبيبوش قدامها، وبدا كينقز بـ خفة وكيعاود ليها كولشي بـ “التفصيل الممل”. حكى ليها كيفاش الشداد وقف فـ وسط الشيوخ بحال النخلة، وكيفاش نطق بالفصحى اللي خلاتهم يرجعوا لور، وكيفاش فـ لخر زلزل المجلس بـ “يوم الخميس” اللي ولى ملك ليها وحدها.

عبيبوش (وهو كيمثل حركات الشداد بيديه الصغار):

“يا لالة شامة.. كون شفتي الأمير كيفاش نطق سميتك! نطقها وخرجات من فمو بحال الجوهر. قال ليهم ‘الخميس لـ شامة’، واللي حط رجليه فـ جهة الواحة ولا فـ طريق الهيمة، راسو يطير قبل ما يرمش. الشيوخ خرجوا كيسبحو بـ حمد الله، والفقيه سي الطاهر ولى كيشوف فـ الشداد وكيهز راسو بالرضى.. ولى كيقول ليهم هادا هو السبع ولد السباع اللي يغير على حُرمتو!”

شامة، فـ ديك اللحظة، حسات بـ واحد القشعريرة دازت فـ لحمها. حطات يدها على صدرها كتحاول تسكت دقات قلبها اللي هربوا ليها. وخا هي حياوية ووقارها ديما سابقها، كلام عبيبوش شعل فيها واحد “النار” د الفخر والحب اللي ما عمرها حسات بيه.

شامة (بصوت رزين ومبحوح، وعينيها فيهم واحد البريق د الحياء):

“قول والله يا عبيبوش؟ الشداد قال هادشي قدام الشيوخ؟ واش بصح دار ليا الخميس ليلة ونهار، وحرّم على العباد خيالي؟”

عبيبوش:

“وحق اللي جمعنا بلا ميعاد يا لالة! أنمارة كاملة اليوم كتهدر بـ هيبتك. وليتي ‘الحرم المصون’ اللي ما يقدر حد يحل فيه فمو. الشداد يا لالة، بنا ليك سور من الهيبة قبل ما يبنيه من الحجر.”

شامة هبطات راسها، وواحد الابتسامة خفيفة تترسمات على شفايفها

حسات بلي هاد الرجل، اللي كيبان لـ الناس قاسي وبحال الصخر، راه كيدوب قدامها هي، وبلي ” الجنة ” اللي عطاها نهار الخميس، هو أكبر “رسالة حب” يقدر أمير يعطيها لمراته فـ وسط قبيلة كتعرف غير القانون والشدة.

غمضات عينيها وتفكرت كيفاش كان كيشوف فيها فاش نزلها من فوق العود، وفهمت دابا بلي داك “البريق” اللي شافته فـ عينيه، كان هو هاد القرار اللي ولى دابا حقيقة.

شامة (كتهمس لراسها):

“الله ينصرك يا ولد الأكابر.. كيف ما عليتي شاني قدام الغاشي، الله يعلي مقامك فـ السما والارض. الخميس.. ياك يا الشداد؟ بغيتي تخلي ليا الهيمة نلعب فيها بـ خيالي بلا خوف؟”

بقت شامة جالسة، والليل بدا كيغلب على الخيمة، ولكن قلبها كان مضوي أكتر من الشمعة اللي حداها. عرفت بلي من اليوم، الخميس غيولي هو “العيد” ديالها، واليوم اللي غتحس فيه بلي راها فعلاً “سلطانة” فـ مملكة الشداد.

من بعد ما خرج عبيبوش ونقز من الخيمة بحال البرق باش يوصل الخبيرات لبرّا، بقات شامة جالسة وحدها، والكلمات ديالو باقة كتدور في راسها بحال النحل. حطت يدها على وجهها، وحست بـالسخونية طالعة مع حناكها؛ واش بصح هاد “الشداد” القاسي، اللي كيهز الأرض بـخطوتو، ولى يقلب ليها على الرضا لدرجة يوقف ضد الشيوخ ويعطيها “الخميس” ملك ليها؟

هزت شامة المراية د النحاس اللي كانت حداها، وشافت في خيالها. شافت عينيها اللي كان فيهم واحد البريق غريب، وشافت “الشامة” اللي تحت شفتها، وتفكرت كلامو عليها.

شامة (كتهمس لـخيالها في المراية):

“يا بنت الناس، هاد العز اللي حطك فيه الشداد، راه ميزان تقيل. الخميس وليلتو.. واش قديت على هاد الدلال كلو يا ولد العم؟”

فـ هاد اللحظة، دخلت عليها دادا رقية، المربّية اللي كتعرف خبايا قلب شامة أكتر من راسها. دخلت وهي كتنهج، ولكن عينيها كان فيهم واحد الخوف مخبي ورا الفرحة.

دادا رقية (بصوت خافت ورزين):

“بنتي شامة.. سمعت الخبار اللي جاب عبيبوش. مبروك عليك هاد الجاه، ولكن ردي بالك. الشداد اليوم سد الأفواه بـسيفو وفصاحتو، ولكن راه شعل نار الغيرة في قلوب العيالات. لالة شريفة راه خيمتها الليلة ما طفاتش فيها الشمعة، والسم اللي شرباتو اليوم غتحاول تخرجو غدا.”

شامة (وقفت بـوقار وجمعات سلهامها):

“يا دادا رقية، اللي عطاه الله ما يفكوه العبد. الشداد هو سوري وظهري، وإلا كان الخميس ديالي، فراه بـكلمتو وهيبتو. أنا ما طلبت جاه ولا مال، أنا طلبت غير الستر، وهو جازاني بـسلطنة ما حلمت بيها.”

دادا رقية:

“الله يحفظك من العين يا بنتي. ولكن راه الخميس مابقاش ليه بزاف، والقبيلة كولها غتكون عينيها على الساقية باش يشوفو ‘حُرمة الأمير’ وهي غادية فـخلاها. خاصك توجدي راسك لـهاد الخرجة، حيت غتكون أول ليلة خميس في تاريخ أنمارة.”

شامة مشات جيهة الفتحة د الخيمة، شافت في السما اللي كانت عامرة بـالنجوم، وحست بـالريح د الهيمة كيهب عليها. كانت كتفكر: كيفاش غتكون ديك الليلة؟ وكيفاش غتكون هي والشداد وحدهم فـديك الواحة، بعيد على عيون الشيوخ،وعين الخلق اجمعين

شامة (بـصوت فيه ثقة وهدوء):

“يا دادا، الخميس غيكون يوم السكون. والشداد إلا وعد وفى. وجدي ليا حويجاتي د الحرير، ووجدي ليا اللثام الرقيق.. بغيت نهار الخميس نكون لـلأمير كيف بغاني نكون، وبغيت الهيمة تعرف بلي شامة راها بنت أصل وكتعرف قيمة الستر.”

مع إشراق شمس نهار جديد، وبعد ليلة الخميس اللي خلات الإمارة كلها كتهضر، فاقت شامة والسكينة باقة في ملامحها، ولكن عقلها كان خدام. شافت في المراية وتفكرت بلي “العز” اللي هي فيه، كاين وراه قلب محروق في الخيمة الأخرى.

دادا رقية كانت كتوجد “الفطور”، وغير شافت شامة بدات كتلبس سلهامها وبغات تخرج، وقفت قدامها بحال السد المنيع.

دادا رقية (بصوت فيه خوف وحرص):

“فين يا بنتي؟ ياك ما غادة لجهة خيمة لالة شريفة؟ الله يرضي عليك، الحية فاش كتكون مجروحة كيكون سمّها قاطع. ريحي الأرض، والشداد دابا يلقى ليها حل.”

شامة (بـ هدوء ورزانة):

“يا دادا، النار إلا بقات شاعلة غتاكل الأخضر واليابس. أنا ما بغيت جاه ولا بغيت نكون ضرة قاسية. شريفة بنت الأصل، وأنا غادة نقابلها باش نطفي هاد الجمر. بغيتها تعرف بلي شامة ماشي عدوة، وبلي القلب اللي هازو الشداد راه واسع للكل.”

دادا رقية:

“والله يا بنتي إلا قلبك كبير، ولكن راه الغيرة كتعمي البصيرة. راه شريفة لسانها ما يرحمش، وقلبها عامر بالسم.”

بغات تحط رجلها برا الخيمة، والـسلهام ديالها كيجر وراها بوقار، خرجات ليها دادا رقية كترغى وتزاوك، شادة ليها فـ طرف الثوب: “يا بنتي يا شامة، ريحي الأرض، العافية فاش كتشعل ما كتعرف لا حق ولا باطل، وشريفة الليلة قلبها فيه السم د الحية”.

يلاه شامة بغات ترد عليها، وهو يخرج ليها عبيبوش من جنب الخيمة بحال إلا نبت من الرمل، وقف قدامها وسد الطريق بـيديه الصغار، وعينيه كيطيرو يمين وشمال بحال شي مش كيشوف فـ الظلام.

عبيبوش (وهو كينهج وكيغمز بـ عينية):

“لالة شامة.. لالة شامة! فين غادة بـ هاد الزين وهاد الوقار فـ هاد الساعة؟ واش غادة تقلبي على الريح وسط العاصفة؟”

شامة (بـ رزانة وهدوء):

“بعد يا عبيبوش من طريقي. غادة نطفي واحد الجمر قبل ما يحرق الخيام كولها.

عبيبوش ضرب يد بـ يد، ودار واحد الضحكة صفراء فيها مية معنى ومعنى، وقرب من شامة وهو كيهس بـ صوت مبحوح:

عبيبوش:

“غير ريحي الأرض يا لالة، وبقاي فـ مقامك معززة مكرمة. واش يسحاب ليك ‘الحية’ باقة فـ جحرها كتسناك؟ لالة شريفة راه شفت خيالها دايز بحال العجاج الكحل جيهة خيمة الأمير الشداد. وجهها يا لالة.. وجهها ما كيبشرش بالخير، بحال إلا هازة فيه صهد الهيمة وقسوة الصخر. غادة بـ واحد المشية كتقول ‘يا أنا يا هي’، والخلعة اللي فـ عينين لخويدم ديالها كتقول بلي الليلة غتكون نايضة فـ المحكمة د الأمير.”

شامة وقفت فـ بلاصتها، وحست بـ واحد القشعريرة دازت فـ كتافها، ولكنها بقات شادة فـ رزانتا.

عبيبوش (كمل كلامو وهو كينقز بـ خفة):

“إيوا شفتي دابا؟ جيتي تطفي النار، لقيتيها سبقاتك لـ عند السبع. لالة شريفة غادة تفرغ كاع داك المرار فـ حجر الشداد، وغادة تمشي تلومو على ‘الخميس’ وعلى ‘الحرم المصون’. نصيحة من عبيبوش.. ريحي فـ خيمتك، وخلي السبع يواجه العاصفة بـوحدو، راه الشداد إلا تنفس، كاع الرياح كتسكت.”

دادا رقية (زيرات على يد شامة):

“سمعتي يا بنتي؟ ربي حبس حفاك. لو كان تلاقيتي معاها فـ الطريق، كان لسانها غيقطرك بالسم. دابا، خلي ‘بنت العم’ تصفي حسابها مع ‘ولد العم’. الشداد راه كيعرف كيفاش يوزن الكلام، وكيعرف شكون اللي غادة بـ النية وشكون اللي غادة بـ الغيض.”

شامة بقات كتشوف لـ جيهة الخيمة الكبيرة،

دخلت شريفة خيمة الأمير كالعاصفة التي لا تبقي ولا تذر، كان وجهها شاحباً كليلةٍ لا قمر فيها، وعيناها تقدحان شرراً يمتزج بدمعٍ مكتوم. وجدته جالساً بوقاره المعهود، يقلب في أوراقه وهيبته تملأ المكان صمتاً، لكنها لم تبالِ بذاك الصمت، بل اخترقته بصوتٍ متهدجٍ بالمرارة:

شريفة:

“أهذا أنتَ يا شداد؟ أم أنني بتُّ أعاشرُ غريباً يرتدي ملامحَ ابنِ عمي؟ أقسمُ أنني في هذه اللحظة لا أعرفُ من أنت! لقد صدمتني صدمةً هزت أركانَ سنيني التي أفنيتها في انتظارك.”

سكتت للحظة وكأن خنجراً ينغرس في صدرها، ثم تابعت بصراخٍ مكتوم:

“الخميس؟ أعطيتها يومَ الخميسِ ملكاً خالصاً؟ أيُّ جودٍ هذا الذي استيقظ فجأة في قلبك؟ لقد وقفتَ بنفسكَ، أنتَ الأميرُ الذي تخرُّ له الصناديد، لترسمَ حدودَ حراستِها، وكأنكَ تحرسُ درةً لم تنجبِ الأرضُ مثلها! جعلتَ اسمَها يترددُ في فِجاجِ الإمارةِ حتى علا صوتُ ‘شامة’ على كلِّ صوت، وأبحتَ لها ماءَ الساقيةِ تنزلُ فيه بوقارٍ لم نحلم به نحنُ حرائرُ الدار!”

خطت نحوه خطوةً والوجعُ يقطرُ من كلماتها:

“أنا ابنةُ عمك.. أنا التي شربتُ معك مرارةَ البداياتِ وحلاوةَ القصةِ التي قلتَ يوماً إنها لا تُنسى. لم يسبق لكَ أن كسرتَ المستحيلَ لأجلي، ولم تسيّج ميعادنا بظلك وسيفك كما فعلتَ معها. لماذا يا شداد؟ هل كانت سنيني معك مجردَ هباء؟ أم أنَّ ‘شامة’ قد أعادت صياغةَ قوانينِ قلبك لدرجةِ أنني لم أعد أجدُ لي مكاناً حتى في ذاكرتك؟”

وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول تهدئة نبضٍ مكسور، واستطردت:

“لقد صدمتَ فيَّ تلك المرأةَ التي كانت تظنُّ أنها تعرفُ سرَّكَ وعلنَك. اليومَ، أنا أقفُ أمامَ أميرٍ لا أفهمُه، ورجلٍ لا أتعرّفُ عليه. لقد جعلتَ المستحيلَ ممكناً لها، وجعلتَ الممكنَ مستحيلاً عليَّ!”

كان الشداد ينظر إليها بعينين ثقيلتين، لا يقطعهما إلا حفيفُ ثوبها، تاركاً لغضبها أن يحترق في صمت خيمته، قبل أن ينطق بما يغير مجرى هذه العاصفة.

استقام الشداد في جلسته، ووضع الأوراق من يده بهدوءٍ مرعب، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة أو ينهيها. نظر إلى شريفة بنظرةٍ ثاقبة، نظرةٍ لا تجرح ولكنها تضع كل ذي حقٍّ في حقه، ثم نطق بصوتٍ رخيم، تملؤه الحكمة والقسوة معاً:

الشداد:

“كفكفي دموعَكِ يا شريفة، فما عهدتُ ابنةَ عمي ترهنُ وقارَها لثورةِ غضب. تسمعينني الآن جيّداً؛ أنا الشداد، لا أبتدعُ من عندي المشاعر، ولا أفرضُ الدلالَ فرضاً. أنتِ لم تطلبي يوماً، ولم تسألي الروحَ ما يبهجُها، كنتِ دوماً تختارين السكون، فمنحتُكِ الاحترامَ والمقامَ الركين. أما شامة.. فشامةُ روحٍ مزهرة، ما زالت في مقتبلِ العمرِ تبتغي الحياة، أرادت أن تطلقَ العنانَ لنفسِها في رحابِ كرمي، فهل كُنتِ تظنينني كاسراً لخاطرِ مَن استجارت بظلي؟”

ثم وقف وتقدم نحوها بخطواتٍ موزونة، وتابع بلهجةٍ فيها فصلُ الخطاب:

“لا تخلطي بين المقامات يا ابنةَ الأصول. مقامُكِ عندي هو مقامُ العِشرةِ والدارِ والعهدِ القديم، وهو مقامٌ لا يطالهُ ريح. أما شامة، فلها مقامُ الغرسِ الجديدِ الذي يطلبُ السقيا ليزهر. شامةُ صغيرةٌ، وترى فيَّ القوةَ التي تحمي رقتَها، وأنا لن أكونَ القيدَ الذي يمنعُها من أن تعيشَ أزهى أيامِها. فلا تضعي نفسَكِ في كفةِ ميزانٍ لم أضعكِ فيها أصلاً.”

واستطرد بحدةٍ مهذبة:

“أنْ يرجعَ إليكِ البصرُ الآن لترينَ ما لم تطلبيهِ طيلةَ سنين، فهذا ليس ذنبي. مقامُكِ أرفعُ من أن تقارنيهِ بصبيةٍ تكتشفُ العالمَ في كنفِ أميرِها. لا تخلطي الأوراق، ولا تجعلي الغيرةَ تخدشُ صورةَ السلطانةِ التي كنتِها في عيني، فالمقاماتُ لا تتشابه، والقلبُ يتسعُ للوقارِ بقدرِ ما يتسعُ للدلال.”

ترنحت شريفة وكأن كلماته كانت سياطاً تجلد كبرياءها، لم يكن عتابه هيناً، بل كان أقسى من صمته. ضحكت ضحكةً مخنوقة بالدموع، وهزت رأسها بذهول وهي تنظر إلى وجهه الذي لم يعد يرى فيها سوى “الوقار الركين”.

شريفة:

“لم أطلب؟ ومنذ متى كانت ابنةُ الأصول تطلبُ من فارسِها أن يراها أنثى يا شداد؟ هل كان عليَّ أن أتسولَ الدلالَ على أبوابِ قلبك لكي تدرك أنني ما زلتُ حيّة؟ لقد كنتُ لكَ السكنَ حين ضاقت بك الفيافي، وكنتُ الوقارَ لأنني ظننتُ أنَّ هذا ما يطلبهُ الأميرُ في سلطانتِه. لم أكن أعلمُ أنَّ جزاءَ رزانتي هو أن أصِيرَ في عينيكَ قطعةً من أثاثِ الدار، تُحترمُ ولا تُعشق، تُصانُ ولا تُدَلل!”

ثم مسحت دمعةً تمردت على جفنها، واستطردت بصوتٍ يملؤه القهر:

“تقولُ إنها صغيرةٌ وبحاجةٍ للسقيا؟ وأنا؟ هل جفت عروقي في انتظارك حتى ظننتَ أنني لا أحتاجُ لغيثِ اهتمامك؟ لقد وأدتُ أنوثتي في محرابِ هيبتك، وكسرتُ رغبتي في ‘الدلال’ لكي لا أخدشَ وقارَ إمارتِك، فجاءت هي لتقطفَ ثمارَ تضحيتي، وتُعلمني أنَّ الشداد الذي عرفتُه لسنوات، كان يخبئُ خلفَ قسوتهِ فيضاً من الرقة، لم أكن أنا الجديرةَ به.”

اقتربت منه، وعيناها تغرقان في عتابٍ أزلي:

“لا تطلب مني ألا أخلطَ المقامات، فالمقاماتُ يا ابنَ عمي تُبنى بالحبِ لا بالتراتيب. اليومَ، أنتَ قتلتَ فيَّ السلطانة، وأحييتَ فيَّ امرأةً مكسورة، تكتشفُ بعد فواتِ الأوان أنها أضاعت عُمرها وهي تحرُسُ عرشاً.. استوطنهُ غيرُها بابتسامةٍ ودلال.”

رمقته بنظرةٍ أخيرة، نظرةٍ تودع فيها تلك الشريفة القديمة، ثم قالت بنبرةٍ خافتة:

“اذهب إليها يا شداد.. سقِ غرسَك الجديد كما شئت، ولكن لا تعد لتحدثني عن ‘العهد’؛ فالعُهودُ التي لا تُروى بالود، تصبحُ أغلالاً.. وأنا لا أطيقُ العيشَ مغلولةً بـ مسمياتِك الباردة.”

لم يتحرك الشداد من مكانه، بل ظلَّ شاخصاً بصرَه فيها، وكأنَّ كلماتِها المسمومةَ بالوجعِ قد أصابت منه مكمناً لم يكن يريدُ كشفَه. سادَ صمتٌ ثقيل، لم يقطعه إلا صوتُ الريحِ وهي تداعبُ أطرافَ الخيمة، ثم تنفسَ بعمقٍ، وخرجَ صوتُه هادئاً كجريانِ النهرِ في ليلةٍ شاتية:

الشداد:

“يا شريفة.. أوجعتِ القلبَ بعتابِكِ، وما كنتُ أظنُّ أنَّ صمتَ السنينِ سيولدُ كلَّ هذا الضجيج. أتلومينني لأنني رأيتُ فيكِ الملاذَ الذي لا يتزعزع؟ لقد كنتِ لي ‘الأصلَ’ الذي لا أحتاجُ معه لتمثيلِ الأدوار، كنتِ اليقينَ الذي أستندُ إليه حين يميلُ العالم. هل تحسبينَ أنَّ وضعَكِ في مقامِ ‘الوقار’ هو إقصاءٌ لكِ؟ بل هو أسمى ما يمنحهُ رجلٌ لامرأةٍ شاركتهُ عبءَ الحياة.”

دنا منها قليلاً، وخفّت حدةُ نظرتِه لتظهرَ خلفَها مسحةٌ من أسى:

“تقولين إنكِ وأدتِ أنوثتَكِ في محرابِ هيبتي؟ بل أنا الذي ظننتُ أنَّ هيبتَكِ تأنفُ صِغارَ الأمور. شامةُ لم تأخذ مكانَكِ، بل فتحتْ نافذةً كنتُ قد أغلقتُها بيدي لفرطِ انشغالي ببناءِ هذه الإمارة. هي لم تسرقْ سُقياكِ، بل طلبتْ غيثاً لم تعتقدي يوماً أنكِ بحاجةٍ إليه. لستِ قطعةً من أثاثِ الدار يا ابنةَ العم، بل أنتِ الدارُ نفسُها.. والشخصُ لا يُدللُ جدرانَ بيتِه، بل يحتمي بها ويقدسُ سكونَها.”

ثم وضعَ يدَه على كتفِها برفقٍ غريبٍ لم تعهده منه في لحظاتِ الخصام، وأكملَ بحزمٍ هادئ:

“لا تقولي إنَّ العهودَ أصبحتْ أغلالاً، فواللهِ ما قيدتُكِ إلا بقلبي. إن كنتِ تبتغينَ الدلالَ الذي تراهُ عينُكِ اليومَ عند غيرِك، فلكِ ذلك، ولكن لا تطلبي مني أن أصغّرَ مقامَكِ لأجعلهُ مجردَ دلالِ صبية. أنتِ شريفة.. سيدةُ الدارِ ورفيقةُ الدرب، وإن كان غرسُ شامةَ يزهرُ اليوم، فجذورُكِ أنتِ هي التي تُمسكُ بالأرضِ لكي لا تنهارَ بنا الإمارة. عودي إلى خيمتِكِ، واعلمي أنَّ الشدادَ لا ينسى مَن كانت له سنداً يومَ لم يكن له في الأرضِ ظل.”

صمتَ الشداد، تاركاً لصدى كلماتِه أن يترددَ في رُوحِها، مدركاً أنَّ ما انكسرَ الليلةَ يحتاجُ لما هو أكثرُ من الكلماتِ ليرتِق، لكنَّ هيبتَه كأميرٍ لم تكن لتسمحَ له بأكثرَ من هذا الاعترافِ الضمنيِّ بالتقصير.

نظرت إليه شريفة نظرةً طويلة، نظرةً امتزج فيها الكبرياء بالانكسار، وكأنها تعيد قراءة ملامحه للمرة الأخيرة. لم تُزح يده عن كتفها، لكنها بقيت جامدة كتمثالٍ رخامي، لا تدفئه الكلمات ولا تُريه الوعود. سحبت نفسها ببطء، وتراجعت خطوة إلى الوراء، ثم نطقت بصوتٍ خافت، لكنه كان يثقب الصمت كإبرةٍ من جليد:

شريفة:

“تسميها ‘جدران البيت’ يا شداد؟ وتظن أنك بهذا تُكرمها؟ هل سألتَ الجدران يوماً إن كانت تملُّ الصمود؟ هل سألتها إن كان الصقيع قد نخر في أحجارها وهي تنتظر دفء يديك؟ الجدرانُ لا تنكسر يا ابن عمي، لكنها تنهارُ صمتًا حين تكتشف أنَّ مَن تحميه، يرى في وقوفها واجباً، وفي صمتها جماداً، وفي ثباتها قدراً محتوماً لا يستحقُّ الالتفات.”

ابتسمت بمرارة، وعيناها تلمعان ببريقِ الدموع التي رفضت أن تسقط أمام كبريائه:

“تقول إنك لم تقيدني إلا بقلبك؟ عذراً يا أمير ‘أنمارة’.. فقلبُكَ الذي تتحدث عنه قد وُزّع اليوم حصصاً؛ جعلتَ لي منه ‘الوقار البارد’، وتركتَ لغيري ‘النبض والحياة’. لا تطلب مني أن أفخر بكوني ‘الجذور’ التي تمسك الأرض، بينما غيري هي ‘الثمرة’ التي تتلذذ بقطفها وتتباهى بجمالها أمام القبائل. أنا امرأة يا شداد، ولستُ مجرد ‘أصلٍ’ في حكاية إمارتك.”

ثم رفعت رأسها بشموخٍ جريح، واستطردت:

“سأعود إلى خيمتي كما أمرت، وسأبقى تلك ‘السلطانة’ التي عهدتَها.. ليس لأنني قبلتُ بتبريراتك، بل لأنَّ شريفة لا تليقُ بها الوقفةُ على أبوابِ قلبٍ صار يرى في دلال غيرها ‘سقيا’، وفي وجودي ‘سكوناً’ مفروضاً. اذهب لغرسك الجديد، فما عاد للجدران القديمة ما تقوله، سوى أنَّ الريحَ حين تشتد.. لا يحمي الدارَ إلا مَن سكن الروحَ، لا مَن سكن التاريخَ فحسب.”

التفتت وأسدلت خلفها رداءها بوقارٍ مهيب، وخرجت من الخيمة تاركةً خلفها صمتاً أثقل مما كان، وصدى عتابٍ سيبقى يطنُّ في أذني الشداد كلما نظر إلى جدران بيته التي ظنَّ يوماً أنها لا تشعر.

خرجت شريفة والريح تلطم وجهها، لكنها لم تشعر ببرد الليل، بل كانت تشعر بنارٍ داخل صدرها تأكل ما تبقى من تلك “السلطانة” التي كانتها. أما الشداد، فقد ظل في مكانه، متصلباً كصخرة أعيته السيول. نظر إلى مكان وقوفها، ثم إلى نار خيمته التي بدأت تخبو، وأدرك لأول مرة أن الحكم من الظل لا يقتصر على السياسة، بل إن القلوب أيضاً تُحكم بالظلال، وقد ترك شريفة في ظلٍ لا تشرق فيه شمس.

المشهد: عودة شريفة وانكسار الكبرياء

وصلت شريفة إلى خيمتها، فوجدت خادماتها ينتظرنها في صمتٍ مريب. لم تنطق بكلمة، بل أشارت لهن بالانصراف بلمحة من عينها المتعبة. ارتمت فوق وسائدها الحريرية، تلك الوسائد التي شهدت سنين انتظارها، وانفجرت في بكاءٍ صامت، بكاءٍ لا صوت له، كأنه نزيف داخلي.

كانت تردد في سرها: “لقد قال إنني الدار.. وهل يُترك الدار مهجوراً هكذا يا ابن عمي؟”

وقف بين يدي خالقه يؤدي صلاة الضحى.

كانت حركاته رصينة، وسجوده طويلاً، وكأن الأرض تحت جبهته تشكو له ثقل المهمة. فما عجزت عنه القبائل برماحها، عجز عنه الشداد برزانته أمام “دمعة” ابنة عمه.

بعد أن سلم، بقي جالساً يسبّح، ثم رفع يديه نحو السماء، ونطق بدعاءٍ خافت، فيه اعترافُ القوي بضعفه، وفصاحةُ الأمير الذي تاهت عنه الحيلة:

الشداد (بصوت يملؤه التضرع):

“اللهمَّ يا مالكَ الملك، ويا مُقلبَ القلوب، أنتَ تعلمُ سري وعَلانيتي. لقد وليتني أمرَ القومِ فصبرت، وحملتُ السيفَ فعدلت، ولكنني اليومَ أمامَ قلبِ ابنةِ عمي ‘شريفة’ قد عجزت. اللهمَّ إني لا أريدُ لها كسراً، ولا أبتغي لخاطرِها ضيماً، فأنتَ تعلمُ أنها العهدُ والدار، وأنها الصاحبةُ في الضيقِ والمقام.”

أغمض عينيه وهو يستحضر وجه شريفة المكسور، وتابع:

“اللهمَّ ألقِ في رُوحِها السكينة، وأرِها في كرمي ما يرضي كبرياءها، وافتح لي باباً إلى قلبِها لا يُغلقُه غيضٌ ولا عِتاب. يا رب، ألهم الشدادَ حكمةً يجمعُ بها شتاتَ هذا الدار، فلا تنهارُ الأركانُ بظلمٍ، ولا تذبلُ الأرواحُ بجفاء. اللهمَّ لَيِّن قلبها كما لَيَّنتَ الحديدَ لداود، واجعل في قربي منها طمأنينةً تغسلُ مَرارةَ ما فات.”

بقي الشداد في مكانه مدة، وكأن سكينة الدعاء بدأت تتسلل إلى صدره. كان يفكر: كيف يرضيها وهو الأمير الذي لا يحب كسر الكلمات؟ هل يهديها “خميساً” أعظم؟ أم أنَّ شريفة لا يرضيها إلا أن يُعيد لها “الشداد القديم”؟

طقوس الخميس

كانت شامة واقفة وسط الخيمة بحال تمثال من مرمر، ثابتة والسكوت ضارب عليها، إلا من رنة السوار في يديها كلما تحركت. دادا رقية كانت منحنية وراها، يديها كيمسحوا على الثوب د الحرير الأخضر اللي نازل على جسد شامة بحال الشلال، وكيسحبوه باش يجي مقاد على المنكبين.

رقية كانت كتهز القفطان بوقار، كتدخل العقدة في العيون ديالها بتمهل، عقدة ورا عقدة، والوقت بحال إلا واقف. شامة كانت عاطية بظهرها ومقبلة مع “المرآة” الكبيرة، كتشوف في خيالها وهي كتغيب في ملامحها؛ عينيها المكحلين كيحكيو حكاية الخميس، ووجها الصافي كيعكس ضوء الشموع اللي بدا كيخفت مع خيوط الفجر.

مدات شامة يديها، وهزات دادا رقية “المضمة” (الحزام) الثقيلة د الذهب، وحطاتها على خصرها بـ “تزييرة” فيها هيبة. شامة تنهدات واحد التنهيدة خفيفة، وعلات راسها للفوق وهي كتشوف في سقف الخيمة، كأنها كتستجمع القوة ديال “السلطانة”.

في الأخير، هزات دادا رقية “القطيب” (اللثام) الرقيق، وحطاتو ل شامة على وجهها، ما بقى كيبان منها غير العينين اللي كيشعلوا بالذكاء. شامة دارت عند دادا رقية، وعطات إشارة بيديها للقزم عبيبوش اللي كان واقف في ركن الخيمة كيتسنى الإشارة بـ “الخوف” والحذر.

دارت شامة لجهة عبيبوش، اللي كان منكمش فـ ركن الخيمة بحال شي خيال صغير، وشافت فيه بـ نظرة حادة خلاتو يجمع وقفتو فـ الحين. نطقات بـ صوت هادئ ورزين، ولكن فيه نبرة الآمر اللي ما كيثنيش كلامو:

شامة:

“سير يا عبيبوش.. ادخل على مولاي الشداد، وبلّغ لسان حالي بـ كمال الأدب. قُل ليه: لالة شامة كتقول ليك اليوم الخميس نطق بـ حقو، والقلب ما تشهى لا يبرد فـ شلال، ولا يرتاح فـ واحة، ولا يقطع فيافي الصحرا. اليوم بغات تمشي لـ ملكها، وتشم ريحة التراب اللي وهبتي ليها فـ مهرها، وتتبارك بـ أرضها اللي ولات بـ اسمها تحت ظلك.”

شافت فيه شامة بـ عينين كيشعلوا، وزادت أكدات عليه:

“رد بالك من لسانك، وبلّغ المراد بـ السكات وبلا كثرة حرك، وقول ليه: الغزالة واجدة لـ مراعيها.. والشور بين يديك.”

عبيبوش حنى راسو بـوقار، وتسلل من تحت فتحة الخيمة بحال الزيوان، وغبر فـ الزحام ديال الخدم غاد لـ جيهة “المشور”.

تسلل عبيبوش بـ خطوات خفيفة وسط الضبابة د الصبح، كيقصد المسجد اللي فـ قلب الإمارة. وقف حدا السارية البرانية، كيستنى والبرد د الفجر كينخر عظامو، حتى تحل الباب وخرجت الهيبة د الشداد وسط المصلين.

كان الأمير لابس سلهامو الأبيض، وجهو كيشع بـ وقار الصلاة، وعينيه فيهم واحد السكون كأنه جبل صامد. عبيبوش، وخا كيهابو، زعم وقرب منه بـ انحناءة كبيرة حتى قارب يمس لرض، ونطق بـ كلام موزون كأنه كيهمس للريح:

“يا مولاي الأمير.. لالة شامة كتقول ليك اليوم الخميس نطق بـ حقو، والخاطر ما بغى لا شلال ولا واحة ولا فيافي. شامة اليوم تشهات تبارك خطواتها فـ الأرض اللي وهبها ليها جودك فـ مهرها، وبغات تشم ريحة ترابها اللي ولات بـ اسمها تحت ظلك.”

الشداد وقف، وشاف فـ الأفق البعيد جيهة الأرض اللي وهبها ليها. ملامح وجهو ترخات بـ واحد “الرضى” خفي، وكأنه عجبو هاد التعلق بـ الأصل والتراب. هز يدو بـ وقار، وأعطى إشارة بـ القبول، ونطق بـ صوته الرزين:

الشداد:

“سير قُل ليها.. الأرض أرضها، والخميس يومها. ليها الإذن تخرج وتفقد ملكها كيف تشهات.

شاح الشداد بـ وجهو وكمل طريقه بـ رزانة، وعبيبوش طار بـ الفرحة كيجري جيهة الخيمة باش يوصل لـ شامة “كلمة الأمير” اللي حلات ليها بيبان ملكها الجديد.

انقضى الفجر وبدات خيوط الشمس الأولى كتذهب رمال “أنمارة”. في هاد اللحظة، تحلّت فتحة خيمة لالة شامة، وخرجات منها بوقار كيخطف الأنفاس.

كانت لابسة قفطانها الأخضر الملكي اللي كيشبه لغابة في عز الربيع، واللثام الرقيق مخبي نص وجهها وما مخلي يبان غير عينيها اللي فيهم واحد النظرة د العز والظفر. خرجات وخطواتها موزونة، ما هي بالخفيفة ولا بالثقيلة، والخدم دايرين بيها بحال النحل على النوارة.

عبيبوش كان كينقز قدام الموكب بزهو، وكأنه هو اللي جاب لفتح المبين، ودادا رقية كانت غادة موراها، ساندة القوام ديالها بوقار السنين، وعينيها كيدوروا في المكان ، كتحضي “بنتها” من العين ومن القيل والقال.

قدام الخيمة، كان قنبر واقف على راسو، ومعاه طائفة من الحرس الشجعان فوق خيولهم العربية الأصيلة، السروج ديالها مطروزة بالذهب وصليل لجمها كيسمع من بعيد. غير شافتهم شامة، وقفت وقفة السلطانة.

قرب قنبر، وحنى راسو بتقدير، وأشار لـ “العمارية” اللي كانت واجدة ومهيأة، مكسية بالحرير والدمقس:

“بإذن مولاي الأمير.. الركاب واجد، والطريق مفرشة بالأمان يا لالة.”

طلعت شامة للعمارية بهدوء، والعبيد هزوها على الكتاف بحال إلا هازين درّة غالية. انطلق الموكب، وصوت الحوافر د الخيل بدا كيدق بانتظام فوق الأرض الناشفة، والحرس دايرين بيها بسلاحهم ولباسهم اللي كيعكس ضوء الشمس.

شامة، من ورا ستار العمارية، كانت كتشوف في الخيام اللي كتصغار وراها، وعقلها كولو مع الأرض اللي غتولي “وطنها” الصغير. الموكب كان غادي بهيبة خلات كل من شافو يوقف ويحيد لثامو تقديراً

كانت لالة شريفة واقفة فـ صدر خيمتها، شادة فـ الثوب د الخيمة بـ إيدين كيرجفوا، وعينيها كيشوفوا فـ الموكب اللي غاد وكيتمختر فـ قلب الإمارة.

كانت واقفة وقفة “الجبل” اللي هزة الثقل، ولكن من الداخل كانت كتغلي. شافت العمارية مهزوزة على الكتاف، وشافت قنبر والحرس اللي عمرهم خرجوا بـ هاد الهيبة إلا لـ الأمير أو ليها هي “أم ولي العهد”. ريحة البخور اللي تابعة الموكب وصلت لعندها، وكانت فـ نيفها كأنها ريحة “الخسارة”.

“شفتي يا يامنة؟ شفتي هاد ‘الريحانة’ اللي يلاه نبتت كيفاش ولات كتدلّ وتمدلّ؟ هاد شامة ما بغات ترصى، وما بغات خيمتها تجمعها. من امتى يا يامنة كانوا عيالات الأمراء والحرائر كيدوروا فـ الخلا بلا قياس؟ ومن امتى كانت الأميرة كتخرج مع كل طلعة شمس تبارك هادي وتشوف هادي؟”

سكتت شوية وهي كتشوف فـ البخور اللي طالع، وكملت بـ هيبة مجروحة:

“المرأة الأصيلة بحال الجوهرة، حلاوتها فـ خباها، ووقارها فـ سترها. أما هاد المجي والمشي، وهاد الخروج اللي ولا بالعلالي، راه كينقص من الهيبة ويقلل من القيمة. واش هادشي ولات كديرو باش تثبت وجودها؟ ولا بغات توريني بلي مفاصل الدار ولاو بـ إيديها؟”

دارت يامنة عند لالتها، وهي حادرة عينيها بوقار، وصوتها فيه نبرة بحال الهمس، خايفة تزيد تشعل النار اللي فـ قلب شريفة:

يامنة: “لالة.. راه الخبار اللي طار فـ وسط الخدم وبلغو عبيبوش، كيقول بلي لالة شامة اليوم ما قصدت لا واد ولا شلال، ولا بغات تبرد فـ واحة.. راها غادة تقصد الأرض اللي وهبها ليها الأمير فـ مهرها.

شريفة فاش سمعت “الأرض” و”المهر”، تزيّرات قبضتها على الثوب د الحرير اللي فوق ركبتها، وعينيها جمدوا فـ الفراغ.

وصل الموكب لقلب الأرض، وتما وقفات العمارية فـ بلاصة عالية كطل على جنان ممتد مابينو وبين السما غير الأفق. نزلات شامة من العمارية بـ تمهُّل، وخطواتها لمسات التراب لأول مرة؛ تراب أحمر سخون، رطب وكيتفرتت بين الصباع بحال المسك.

كانت الأرض “عظيمة” بـ معنى الكلمة، بحال إلا ربي كبّ فيها بركتو كولها. السواقي د الماء كتحمحم بين الشجر، وصوت خريرها كينعش الروح. أشجار الزيتون الرومية بـ عروقها الغليظة واقفة بحال الحراس، وأغصان الرمان محنية بـ ثقل الغلة اللي بدات كتحمار، وعناقيد العنب دالية من العرايش بحال الثريات د البلور. ريحة الأرض مخلطة بـ ريحة “الحرّيقة” والنعناع العبدي وريحة الشجر اللي شبعان ماء.

وقفت شامة وسط هاد الجنان، والريح الخفيفة كتلعب بـ طرف لثامها وكسوتها الخضراء اللي انسجمت مع خضورية الشجر. بقات كتشوف فـ المدى البعيد، وعينيها كيدوروا بـ اعتزاز وبـ رزانة على كل شبر. نظرتها ما كانتش نظرة طمع، بل كانت نظرة “سلطانة” لقات أخيراً العرش اللي غتغرس فيه جذورها.

هزات راسها لـ السما، وغمضت عينيها وهي كتستنشق ريحة ترابها بـ قوة، وكأنها كتشرب هاد الملك بـ صدرها. حطت يدها على كدية د التراب، وحست بـ الدفىء ديالها كيسري فـ عروقها. فـ ديك اللحظة، بان فـ نظرتها واحد العزم كبير؛ الأرض سكتات، وشامة سكتات، ولكن النظرة اللي فـ عينيها كانت كتقول بلي هاد التراب غيولي هو القلعة ديالها، ومن هنا غيبدا الحساب والتمكين.

وقفت دادا رقية ورا شامة، وحطات يديها على كتافها وهي مبهورة بلي كتشوفو عينيها. دارت دورة كاملة بعينيها فـ هاد الجنان العظيم، وبانت ليها الغلة اللي كتسر الخاطر والماء اللي كيجري فـ السواقي بحال الفضة. تنهدات واحد التنهيدة طويلة فيها ريحة الرضا والخوف فـ نفس الوقت، ونطقت بصوت خافت وموزون:

دادا رقية:

“تبارك الله وصلى على النبي.. هادا ماشي غير مهر يا بنتي، هادي ‘إمارة’ وسط إمارة. شوفي هاد الزيتون اللي عروقه شادة فـ قلب الأرض، وشوفي هاد الشجر اللي محني بـ خيرة الله.. هاد الخير كولو نطق اليوم بـ اسمك، والشداد ما عطاك هاد الساس إلا وهو عارف بلي غرسك غيكون تابت وصبار.”

قربات من ودن شامة وهمست ليها بـ حكمة العيالات الكبار:

“شوفي يا شامة.. هاد الأرض راها ‘الوتد’ اللي غيحمي خيمتك من الريح العاصفة. ولكن ردي بالك، الشجرة اللي كتعطي أحلى غلة هي اللي كيكثروا عليها الحجارة. هاد الخضورية وهاد الماء غيخليو عيون كثيرة تسهر اليوم بالسم والغيرة. كوني بحال هاد الأرض يا بنتي؛ صبارة وكريمة، ولكن اللي بغى يقلع ليك عرق منها، كوني ليه شوكة ما كتزولش.”

سكتت دادا رقية وهي كتشوف فـ شامة اللي باقة غارقة فـ نظرتها للأفق، وزادت:

“اليوم يا بنتي وليتي مولاة ملك وشان. هاد التراب اللي تحت رجليك هو اللي غيعطيك الهيبة فاش يغيب الدلال، وهو اللي غيسندك فاش تميل بيك الأيام. الله يجعلها مباركة مسعودة، ويجعل غلتها محبة وستر.”

هزات شامة راسها ببطء، وكأن كلام دادا رقية نزل على عقلها بحال الضو اللي كشف ليها طريق كانت مخبية. شافت فـ يديها اللي قاسوا التراب، ودارت عند رقية بنظرة تبدلات فيها اللمعة د الفرحة لـ لمعة د الحكمة والقوة.

شامة:

“عندك الحق يا دادا.. وكلامك اليوم حل لي عيني على اللي كان غايب. كنت كنشوف هاد الأرض مهر ودلال، وساعة هي السارية اللي غتسندني النهار اللي يغيب فيه هاد الدلال ولا يميل. الخناث (الغنج والدلال) يا دادا بحال ريح الصيف، كينعش الروح ولكن دغيا كيبرد ويتبدل، والجمال والكلمة الحلوة كيقدر الزمان يمحيهم.”

سكتات واحد الشوية، وشافت فـ أشجار الزيتون اللي عروقها غارقة فـ لرض، وكملت بـ صوت فيه يقين جديد:

“الخناث ما كيدومش مع الأيام، وفـ كل حال يقدر الشداد يتبدل ولا يملّ، ولكن هاد الأرض هي الجدور الصحيحة. اليوم فهمت بلي بلاصتي فـ ‘أنمارة’ ما خصهاش تتبنى غير على هبّة الريح، خصها تتبنى على هاد التراب. اللي عندو ملكو، كلمتو مسموعة وخا يشيخ، واللي عندو ساسه، ما تطيحش ليه الخيمة وخا يجهاد الريح.”

تبسمات شامة واحد الابتسامة رزيينة، وزادت وهي كتمسح على قفطانها الأخضر:

“من اليوم، غنزرع راسي هنا قبل ما نزرع الغلة. والشداد غيبغيني كتر فاش يشوفني قوية بـ ملكي، ماشي غير بـ دلالي. الجدور يا دادا.. الجدور هي اللي كتعيش، أما النوار دغيا كييبس.”

عبيبوش، اللي كان واقف كيتصنت فـ الضل د واحد الزيتونة كبييرة، وديناتو كينتقطوا كل كلمة، ملامح وجهو الصغير تبدلات فاش سمع كلام شامة على “السارية” و”الجدور”. دادا رقية قالت كلامها بـ نية الصلاح والستر، ولكن عبيبوش، بـ مكر الشيطان اللي فـ راسو، فهم المعنى البعيداللي قصدات شامة: بلي هاد الأرض هي “السلاح” وهي “الدولة” وسط الدولة.

بـ حركاتو المعهودة اللي فيها الخفة والنشاط، نقز عبيبوش من بلاصتو ووقف قدام شامة، وبدا كيدور بـ يدو فـ لرض وكأنو كيرسم شي مملكة، وعينيه كيشعلوا بـ واحد البريق د الحماس والذكاء.

عبيبوش (بـ صوت واطي وفيه نغمة د الحيلة):

“إييه يا لالة.. نطق الحق على لسانك! الخناث ريح، والريح كتمشي وتجي، والشداد سبع، والسبع إلا شبع كينعس، وإلا جاع كيهيج. ولكن هاد التراب؟ هاد التراب يا لالة صمّ وبكمّ، كياكل وما كيشبع، واللي غرس فيه ساريتو، كيكون هو مولا الشور فـ وقت الرخا وفـ وقت الشدة.”

وقف عبيبوش واحد الوقفة فيها الهيبة وخا قصر قامتو، وهز صبعو لـ السما بـ حماس زاد شعل العافية فـ راس شامة:

عبيبوش:

“دادا رقية كتقول ليك الستر، وأنا كنقول ليك ‘التمكين’! اللي عندو الأرض، عندو الخيل، واللي عندو الخيل، عندو الكلمة فـ المشور. هاد الخير اللي كتشوفيه، غيولي هو اللي كيوكل ويشرب، وفاش كيولي بنادم كياكل من يدك، كيطيح ليه الراس قدامك. عيشي لالة بـ دلالك للشداد، ولكن عيشي بـ هاد الجدور لـ ‘أنمارة’ كولها. اليوم غرسنا الوتد، وغدا غيبان ليك شكون اللي خيمتو كتبات وشكون اللي كيديها الريح!”

دار عبيبوش واحد “الشطحة” صغيرة بـ رجليه فوق التراب، وكأنو كيثبت خطوات لالة شامة بـ يديه ورجليه، وبقى كيشوف فيها بـ واحد الضحكة مكارة زادت أكدات ليها بلي هاد “القزم” فهم الخيط الأبيض من الخيط الكحل، وبلي اللعبة يلاه بدات.

تبسمات شامة واحد التبسمة عريضة، ونظرة الرضى فـ عينيها بانت وهي كتشوف فـ عبيبوش. حسات بلي هاد القزم ماشي غير “مرسول” ولا خادم، ولا ونيس ، بل هو مراية لعقلها، كيفهمها من الرمشة قبل الكلمة، ويقرأ اللي مخبي فـبحر عينيها بلا ما تنطق.

شافت فيه بـ حنان فيه هيبة، وقالت بـ صوت خافت كأنها كتشارك معاه سر من أسرارها:

شامة:

“عمرك خيبتي ظني يا عبيبوش.. كتعرف تقرأ اللي فـ قلبي قبل ما يوصل لـ لساني. الناس كتشوف فـ صغر قامتك، وأنا كنشوف فـ كبر عقلك. اللي كيفهم العين، هو اللي كيستحق يكون فـ اليمين.”

شافت فـ الأفق البعيد ورجعات شافت فيه بـ نظرة فيها “حلف” صامت، وزادت:

“هاد الأرض اللي تحت رجلينا، غتولي هي عينيا اللي كتشوف، وودني اللي كتسمع. ومن اليوم يا عبيبوش، كلامي وكلامك غيكون بحال خيط الحرير، متين وما كيبانش، حتى نهار يولي حبل كيجر السفينة فين بغينا.”

عبيبوش فاش سمع كلام “الرضى” من لالتو، حس بـ راسو كأنه زاد فـ الطول شبرا، وعينيه شعلوا بـ واحد البريق د الوفاء والمكر فـ نفس الوقت. عرف بلي من هاد اللحظة، مابقاش غير قزم كينقز، بل ولى “الساعد الأيمن” لـ شامة فـ بنيان ملكها الجديد، وبلي هاد التفاهم اللي بينهم هو اللي غيغير حسابات بزاف د الناس فـ “أنمارة”.

علات شامة راسها للسما، ووقفت وقفة كلها عزة وهيبة وسط جنانها. شافت فـ عبيبوش بـ نظرة فيها “الأمر” اللي مغلف بـ “الرضى”، وأشارت ليه بيديها باش يقرب، وقالت ليه بـ كلام فيه الميزان والذكاء:

شامة:

“سير يا عبيبوش، ارجع منين جيتي. ادخل على مولاي الشداد وقول ليه لسان حالي بـ الوفاء: ‘شامة شافت الأرض اللي وهبها ليها جودك، ومشات على ترابها، وذاقت من غلتها اللي كتشبه لـ كرمك. يا مولاي ما بخلتيش عليها، وهي كتدعي معاك دعوة الخير؛ الله يزيد فـ هيبتك ويعلي مقامك، راه الإمارة صغيرة فـ حقك، وأنت كبير فـ عينيها وكبير فـ قلبها.’.”

سكتت شامة واحد الشوية، وبانت واحد اللمعة مكارة فـ عينيها، وكملت بـ صوت رزين:

“وقول ليه يا عبيبوش، بلي هاد الأرض وبركتها، شامة غتقسم غلتها على ثلاثة، باش يبقى ذكر الخير والدوام:

الثلث الأول: لـ ‘بيت مال الأمير’، اعترافاً بـ فضله وتاجا على راسي.

الثلث الثاني: لـ ‘الضعفاء والمساكين’ فـ أنمارة، باش تدوم البركة ودعوات الخير تحمينا.

والثلث الثالث: لـ ‘خيمة شامة ودوام عزها’،”

ضحكات شامة ضحكة خفيفة، وشافت فـ عبيبوش اللي كان كيهز راسو بـ الفهامة، وزادت:

“وزيدو هادي يا عبيبوش، باش يوصل الخبر للي بعيد قبل القريب.. قول ليه لالة شامة، وفرحاً بهاد النهار وبالأرض اللي عطيتيها، بغات تخرج من ‘مالها الخاص’ صدقة جارية وكبيرة على ‘أنمارة’ كلها. بغات الصغير والكبير ياكل ويترحم ، وبغات كل خيمة في هاد البلاد يوصلها حقها من الفرحة اللي في قلبها اليوم.”

شافت في دادا رقية اللي كانت كتشوف فيها بذهول، وكملت بابتسامة رزينة:

“سير يا عبيبوش.. قول ليه الصدقة غتفرق اليوم، باش يعرفوا الناس بلي شامة نهار ملكات الأرض، أول حاجة فكرت فيها هي الإحسان لبلاد الشداد.”

طارت الكلمة من لسان شامة، وعبيبوش فهم بلي هاد “الصدقة” هي الضربة القاضية؛ غتخلي اسمها على كل لسان في أنمارة، وغتولي “أم المساكين” قبل ما تولي “عزيزة الشداد”، وهادشي كلو باش تبني سور عالي يحميها من غدر الأيام ومن عيون الضراير.

انطلق عبيبوش بحال السهم، وشامة بقات واقفة وسط أرضها، شموخها كيزيد مع كل كلمة، وعارفة بلي هاد العشية، أنمارة كلها غتدوي بـ “جود شامة” و”هيبة الشداد”.

خرج عبيبوش من الجنان بحال السكات، هاز فقلبو كلام شامة اللي كيوزن جبال، ولكن وجهو بقى “لوحة بياض” ما فيها حتى أمارة. وصل للمشور، لقى الخيول مربوطة والسيوف عند الباب، عرف بلي الشداد راه وسط “ديوان الحرب” مع القادة ديالو.

ما دخلش، وما زاحمش. تكمش فجنب باب الخيمة العظيمة، ربع رجليه وغمض عينيه، وكأنو غير خادم كيرتاح من شمش النهار. لداخل، كان صوت الشداد طالع وهو كيناقش حدود “أنمارة” وتأمين المراعي، وعبيبوش كيتسنى “اللحظة” اللي غيخرج فيها السبع من عرينو.

دازت ساعة، وخرجو القادة واحد ورا واحد، وجوههم مكشرة بهموم القبيلة. بقى الشداد بوحدو، كيمسح عرق جبينو وباقي فيديه خريطة الجلد. تما، تحرك عبيبوش بحال الضل، وقف فالباب ودار التحية الصامتة.

الشداد (شاف فيه وبانت ليه الرزانة في وجه القزم):

“عبيب ،،، شنو لي جابك من الجنان بحال خفاش الليل ؟ اش هاز معاك من مراسل فطيات ودنيك؟ .. نطق”

قرب عبيبوش بوقار، وهبط لرض بصوت واطي وكلمات موزونة،

“جبت ليك مرسول من لاللة شامة حر من جوف الصحرا..خلاني نطير مانقيس الرملة حتى لخيمة مولاي امولاي”

عبيبوش وقف قدام الشداد، نزل كتافو شوية باش يبان “خادم صغير” قدام هيبة الأمير، ولكن لسانو كان كينقط بـ “السم والعسل” اللي عطاتو شامة. هاد المرة ما غايهضرش بـ صفتو، بل غايكون هو “الصدى” ديال صوتها.

شلح عبيبوش لـ “طاقيتو” وحطها على صدرو، وشاف فـ الشداد بـ واحد النظرة فيها الوقار، ونطق بالحرف كيف قالت ليه لالتو:

عبيبوش (بصوت رزين وموزون):

“يا مولاي.. لالة شامة كتقول ليك لسان حالها بـ الوفاء: ‘شامة شافت الأرض اللي وهبها ليها جودك، ومشات على ترابها، وذاقت من غلتها اللي كتشبه لـ كرمك. يا مولاي ما بخلتيش عليها، وهي كتدعي معاك دعوة الخير؛ الله يزيد فـ هيبتك ويعلي مقامك، راه الإمارة صغيرة فـ حقك، وأنت كبير فـ عينيها وكبير فـ قلبها.’.”

سكت عبيبوش شوية باش يخلي “الحلاوة” د الكلام تذوب فـ ودن الشداد، وكمل بالثقل اللي وصاتو بيه:

“وكتقول ليك يا مولاي، بلي هاد الأرض وبركتها، شامة غتقسم غلتها على ثلاثة، باش يبقى ذكر الخير والدوام:

الثلث الأول: لـ ‘بيت مال الأمير’، اعترافاً بـ فضله وتاجا على راسي.

الثلث الثاني: لـ ‘الضعفاء والمساكين’ فـ أنمارة، باش تدوم البركة ودعوات الخير تحمينا.

والثلث الثالث: لـ ‘خيمة شامة ودوام عزها’.”

هنا عبيبوش نزل راسو وبقات ديك الابتسامة المكرة مخبية، وكمل الضربة الأخيرة اللي غاتخرج الخبر لـ “أنمارة” كلها:

“وزادت كتقول يا مولاي، باش يوصل الخبر للي بعيد قبل القريب.. بلي لالة شامة، وفرحاً بهاد النهار وبالأرض اللي عطيتيها، بغات تخرج من ‘مالها الخاص’ صدقة جارية وكبيرة على ‘أنمارة’ كلها. بغات الصغير والكبير ياكل ويترحم، وبغات كل خيمة في هاد البلاد يوصلها حقها من الفرحة اللي في قلبها اليوم.”

حبس عبيبوش الهضرة، وبقى كيتسنى “الرعد” ولا “الشمس” اللي غاتخرج من وجه الشداد. الكلام وصل مسطر، والرسالة دابا مابقاش فيها “قال ليا وقلت ليه”، ولات ميزان محطوط قدام الأمير.

الشداد بقا ساكت، وعينيه ما تحركوش من على عبيبوش، ولكن فـ داخلو كان كيقرا السطور وما وراء السطور. نزل يديه اللي كانت شادة الخريطة، وتمشى بـ رزانة جيهة الفتحة د الخيمة، كيشوف فـ لفق لبعيد فين كاينة الأرض اللي ولات دابا “حديث الساعة”.

تبسم الشداد واحد التبسمة رزينة، فيها وقار الأمير وحكمة الراجل اللي شاف الدنيا وجرب تقلباتها. دار عند عبيبوش وهز راسو بـ علامة الرضى

بانت ليه صورة شامة وهي واقفة وسط ديك الأرض، مشي كـ “عروس” مهداة، ولكن كـ “قائد” كيحط أول حجر فـ البنيان ديالو. فهم الشداد بلي شامة ما بغاتش تبقى “عابرة سبيل” فـ حياتو، ولا “أمانة” كيحميها السيف ديالو؛ هي بغات تولي هي “الأرض” وهي “السقف”.

بـ ديك الابتسامة المخبية، الشداد قرأ “المغزى البعيد”: شامة ذكية، عرفات بلي الناس فـ “أنمارة” يقدروا يشوفوها “برانية” ولا “دخيلة” طمعات فـ عز الأمير. وبالصدقة اللي سبقات، وبالقسمة اللي دارت، سدت أفواه الغدر قبل ما تنطق. هي دابا كتدخل لقلوب الرعية من باب “الإحسان”، وهاد الباب هو اللي كيجعل البراني “ولد البلاد”، والضيف “مول الدار”.

حس الشداد بواحد النوع من الاحترام لهاد “الدهاء”؛ شامة كتحركها “غريزة البقاء” اللي كتحول لـ “طموح التمكين”. فهم بلي شامة كتحفر جدورها. فارضه

أشار لـ عبيبوش بـ يديه باش ينصرف، وبقى بوحدو فـ الخيمة. فهاد اللحظة، الشداد مابقاش كيشوف فـ شامة كـ “زوجة”، بل كـ “ندّ” سياسي كيعرف يسير الخطوات بـ ميزان، وعرف بلي من هاد العشية، “أنمارة” مابقاش عندها غير “سيد”، بل ولات عندها “سيدة” كتعرف تفرش لـ راسها وسط الشوك حتى يولي حرير .

قبل ما يرصا مركب لالة شامة وسط لخيام، ونزلات بديك الرزانة والسر اللي كيخطف العين، الخبار طارت قبل ما هي توصل لخيمتها. ناض البراح، علق الطبل فكتافو، وشد الطريق لقلب السوق الكبيرة فين مجموعين الناس والقبائل.

تما فديك الزحمة، وبين السلات د العطرية وريحة الصوف والجلد والقطران، وقف البراح فوسط الحلقة وضرب الطبل بجهد:

السوق كامل جمد فبلاصتو. العطارة حبسو لموازين، والجمالة عقلو جمالهم، وكاع الرقاب تلوات جيهة الصوت. نطق البراح بصوت كيخلخل لودنين:

“يا ناس الإمارة، ويا صحاب لخيام العالية فـ أنمارة.. اسمعوا الخبار اللي يفرح الخاطر! لالة شامة، نهار حطات رجليها فهاذ لرض، فكرت فالضعيف قبل القوي.. ومن صداق لاللة شامة فجنان العز ..كتوهب الثلت من رباحو ليكم ياناس انمارة.. حلو ودنيك لخبار الخير.. لاللة شامة ليوم كتخرج صداقة الود والوصال من مال خزينتها وصدقة جارية واصلة لكل خيمة..ياناس انمارة…حلو ودنيكم ماتسمعو غير خبار لخير…

البراح كيدور وصوتو كيبعد.. وعينين التجار تابعاه

الزغاريد بدات كتشق السما من ورا لخيام، والناس فالسوق بداو كيدعيو معاها. العطارة من كترت الفرحة بداو كيزيدو للحوانة فالحفنة، والدراري الصغار بداو كيجريو وهما كيعاودو سميتها: “شامة.. لالة شامة!”.

فديك العشية، قبل ما تغبر الشمش، ما بقات حتى خيمة فأنمارة ما عرفات بلي الشداد جاب ليهم “أم المساكين” قبل ما يجيب زوجة، وبلي شامة بكلمة وحدة، فرشت بلاصتها فقلب كل واحد، وصار اسمها ميزان د الجود فكل لسان ورزق غيوصل كل باب

الليل نزل على أنمارة، ولكن هاد الليلة ماشي بحال كاع الليالي. البرد اللي جاي من الجبل كان كيهز معاه صدى الزغاريد ودعاوي الخير اللي باقة مسموعة من جيهة خيام المساكين.

فالخيمة الكبيرة ديال لالة شريفة، الضو ديال الشمع كيترعد بحال إلا خايف من شي عاصفة جاية. شريفة كانت جالسة فوق الطيفور، عينيها مثبتين فـ “رشم” الزربية، ويديها كيزيرو على طرف التوب اللي فوق حجرها. السعدية، وصيفتها ولسان حالها، كانت غادة وجاية، كتخبط مواعن النحاس بجهد، والصوت كيوصل بحال ضربات السيف فالعصب.

السعدية (بصوت فيه النغزة والمرارة):

“إييه يا لالة شريفة.. الزمان كيدور فليلة وضحاها. شفتي هاد الصداع اللي برا؟ الناس نساو شكون هي مولاة الدار، ونسوا يديك اللي كانت ديما ممدودة. البراح مابقاش كيقول ‘شريفة’، ولا كيقول ‘شامة أم المساكين’. واش هادي عروسة جاية تستر، ولا سلطانة جاية تعزل وتفرز؟”

شريفة هزات عينيها، وكانت فيهم لمعة قاصحة، لمعة ديال اللي كيشوف حقو كيتخطف قدامو.

شريفة (بصوت مخنوق ولكن حاد):

“سمعت، يا السعدية، سمعت وفهمت. السارية اللي كان كيسحاب لينا غرسناها بالصبر والسنين، هادي جات بغات تقتلعها فـ نهار واحد. هاديك ‘البرانية’ ما عطاتش من مال الشداد، عطات من مالها.. باش غدا فاش توقف قدامو، تبان ليه نقرة صافية مكاينش بحالها”

السعدية (قربات لعندها وبصوت واطي):

خيمة لالة شريفة ولات كتبان بحال الشمعة الطافية قدام شمس لالة شامة. غدا غتلقاي راسك ضيفة فدارك، وهي اللي هازة السوارت.”

شريفة:

لي فيا يكفيني.. حيدي من قدامي “

السعدية بتودد:

لاللة شريفة..سمحي ليا على قباحتي ولاكن… علاش ماديريش بحالها تباني نتي مولات الري والشوار ..والبراح يبرح ويقول لاللة شريفة ام ولي لعهد كتوهبكم الثلت فبراح جنانها..الجنان لي هداك مولاي حتى هوا بخيرو وخميرو

ضارت عندها شريفة وشفات فيها بخزي

“شنو ؟؟ بغيتي الشداد يقول عليا كنتعاند معاها..وزايدون الناس ماتقر فيهم طعيمة ..واخا تعطيهم لحمك يطمعو ليك فالجلدة،،،اشنو غنربح من هاد الناس وانا الشداد عطاني بضهرو

نفضات توب القفطان على رجلها وناضت .

برا الخيمة، عند “العافية” فين مجموعين العبيد والخدم، الكلام كان كيتوزن بميزان آخر.

الخادم مبارك (وهو كيعمر الكيسان وبصوت مخفي):

“سمعتو البراح؟ شامة ما طلباتش الإذن، هي ‘أمرت’ بالصدقة. هادي حجة وقوة. شريفة كتعطي باش ترحم، وشامة كتعطي باش ‘تحكم’. الفرق كبير يا سيادي.”

لخويدم الزاهية (بهمس):

“سكت يا مبارك، الحيوط عندها ودنين. ولكن عندك الحق.. شامة اليوم شرات الودّ والجاه. غدا غتولي هي السارية، وحنا غنوليو ظلها. شريفة بقات حاضية غير الوقار، ما عرفاتش بلي الدنيا زحام كتاف، والبرانية كتافها عراض بالذهب.”

داخل الخيمة، شريفة وقفت، وتمشات جيهة الفتحة د الخيمة وهي كتشوف فـ ضو العافية اللي شاعلة جيهة خيمة شامة.

شريفة (وهي كتدوي مع راسها والسعدية وراها):

“الصدقة جارية.. والسم جاري حتى هو فـ لودنين. بغات تولي ‘أم المساكين’؟ خلّيها. ولكن الأرض اللي كتحلف بسميتها اليوم، هي اللي غتكون قبرها غدا لا زكلو ليها الخطوة. الشداد ديالي يا السعدية، وما غنخلي حتى وحدة تشركني فـ ظلو، واخا تفرش ليه الطريق بالياقوت.”

السعدية (ختمات كلامها وهي كتحط البخور):

“عطري خيمتك يا لالة.. راه ريحة ‘جود شامة’ غطات على كاع العطور الليلة. ولا ما تحركتي اليوم، غدا غتصبحي بلا سمية وسط ناس وأنمارة.”

الليل نزل وجمع كاع الأصوات، وبقى غير الصمت الثقيل كيدور بين الخيام. فخيمة شامة، الجو كان معطر بـ أندر أنواع العود والبخور، والضو ديال الشموع الكبيرة المصبوبة كيعكس ألوان الزرابي وفخامة الأثاث.

شامة كانت جالسة فوق “المنكب” (فراش عالي)، بحال شي مَلكة كتسنى العرش ديالها. ما كانتش لابسة لباس العرس الثقيل، بل كانت لابسة قفطان من الموبرة الرقيقة بـ لون “الدم الغزال”، مطروز بخيوط الذهب، وطالقاه عليها براحة ورزانة. شعرها كان مجموع نص جمعة، ونازلين خصلات منو على كتافها، عينيها كانوا مكحلين كحلة “عربية”، وفمها مرسومة فيه واحد الابتسامة خفيفة، ابتسامة اللي عارفة شنو تابعها. كانت بحال شي “تحفة” مصبوبة، كتجمع بين الرقة ديال الأنثى والهيبة ديال السلطان.

جنبها، كانت دادا رقية واقفة، لابسة تكشيطة طولها فوق البلغة ..الشمار ضاير على ضهرها وكتافها جامع كمام يديها . كانت مرى متولة وزينة والشعر كحل كيبان تحت السبنية .يدها رطبة وحنينة مزينة بدمليج الفضة تقيل وعلى معصمها وشام كيحكي رموز عباسية.

هزات المرشة وبدات كترش على شامة وتقاد وسايدها

“تنعسي في حما الله ورسول الله العيون درقية.. رتاااحي ونعسي على جنب الراحة..انا غنتوضا ونصلي شي ركيعات وندعي معاك .. عاد نجي لمكاني “

حطات شامة يدها على يد دادا رقية وبعيون بريئة قالت”

الله يخليك ليا ديما نور قبل مني..انا مرتاحة حيت نتي معايا وفجنبي”

فجأة تحرك ستار الخيمة ودخل هوا الصحرا السخون مرافق بعطر العود الفاخر وصوت الخطوات ال الواثقين…دخل الشداد

دخل بخطوات واسعة ورزينة، وعينيه مشاو نيشان لـ وجه شامة. كان لابس عبايتو الكحلة مطروزة بالصقلي، وداير “الرزة” فوق راسو بـ هيبة كتخلع. عينيه كانوا كيشعلو بواحد اللمعة غريبة؛

الصمت المطبق نزل على الخيمة، دادا رقية غير شافتو قبل ماتلفت شامة تشوفو رجعات خطوة لور وجمعات يديها قدامها ونزلات راسها بتحية وقالت بوقار وابتسامة

طاب مساك امولاي..

رجعات للجنب وانسحبت ورات الخدم وراه ا

الشداد بقا واقف وراسو عالي ويديه قدامو شادين عبايتو المجموعة بين صبعانو .. بقا كيشوف فشام وكيفاش كتحرك ..كيفاش كتشوف فيهم والخجل وصل لسقف الخيمة

عينيه ما تزحزحوش على شامة، وكأنه كيعيد اكتشاف هاد “السر” اللي نزل عليه في خيمتو. شامة، اللي كانت قبيلة كتناقش رقية بكل براءة، لقات راسها دابا تحت نظرات اللي كتقلب على الجواب في صمتها.

حطات يدها على المخدة، وحاولت تجمع ذيك الرزانة اللي بقات ليها، وقفت ببطء، والحرير ديال قفطانها “دم الغزال” كان كيشطح مع ضو الشموع.

الشداد بقى واقف في بلاصتو، كيقرا في ملامحها شي كتاب عمره ما شاف لغته. أما شامة، فجمعات ذيك الرزانة اللي بقات ليها، وناضت ببطء كيشبه لهيبة المكان، والحرير ديال قفطانها “دم الغزال” كيتجر وراها كأنه أثر ديال شي سلطة جاية من زمان آخر. وقفت قدامو، والمسافة اللي بيناتهم ضاقت حتى مابقى كيفصل بيناتهم غير ريحة البخور اللي في صدرها،

نظرات الشداد بدات كترخى وتفقد ذيك القسوة، ولات فيها واحد اللمعة هادية مخلطة بالعجب والتقدير. نزل يده اللي كانت شادة طرف العباية، وخطى خطوة واحدة خلات ظله يغطي عليها، بلا ما يكسر ذيك الرقة اللي هي فيها.

الشداد (بصوت رخيم وهادئ، كأنه وقع حوافر الخيل على أرض صلبة):

“طابَ مساؤكِ يا لالة شامة.. لقد غفت ‘أنمارة’ الليلة على اسمكِ،. كنتُ أظن أنني جئتُ بـ ‘أنيسة’ لداري، فإذا بي أجدُ نفسي أمام سيدةٍ تديرُ شؤون السلم والحرب في ليلةٍ واحدة.”

شامة نزلت عينيها لثانية واحدة، والخجل صبغ وجهها بلون كثر من لون القفطان، ولكن دغيا هزات عينيها فيه بثبات الأصول، وجاوبته بكلمة ميزان:

“الأرض أرضك يا مولاي، والناس ناسك.. وما أنا إلا يد سقات اللي كان عطشان باش يروى. واش يضير سيد هاد القباب إذا غرسوا الناس سمية ‘حرمه’ في قلوبهم بالمعروف؟”

تبسم الشداد واحد التبسمة خفيفة، تبسمة الرضا اللي كتليق بفارس لقى الطلبة ديالو. مد يده ببطء، ولمس طرف التطريز الذهبي اللي في كمامها، وعينه مرخية كيتأمل في ذيك الرزانة.

الشداد:

“الجودُ زينةُ النساء يا شامة، ولكن مَن يطرقُ أبوابَ القلوبِ قبل أن يدخل الديار، فذاك يبني ساريةً لا تقهرها الرياح. لقد غلبَ ذكاؤكِ جمالكِ الليلة، وهذا ما جعل الشداد يدرك أنه وجد ‘الروح’ التي كانت تنقص هذه الخيام.”

في ذيك اللحظة، سكت الكلام وبقى غير “المعنى” هو اللي خدام. الشداد شاف في ذيك البراءة اللي في عينيها، وفهم بلي شامة، واخا بعقلها كتحكم دولة، بقلبها ما كتقلب غير على الأمان في حماه. انحنى جيهتها شوية حتا كان غيلامس خدودها ، وهمس بصوت دافئ كيقيس الوجدان:

الشداد:

“اطمئني يا لالة شامة.. فالحمى الذي ترفعه ‘ساريتكِ’، لن يدخله إلا بَرْدٌ ترضينه، ولا ريحٌ تأذنين لها.”

شامة حست بقلبها كيخبط بقوة، ولكن نظرة الشداد اللي لانت قدامها خلاتها توقن بلي معركة اليوم سالات بعهد جديد، وبلي هاد الراجل، بقدر قسوته مع الدنيا، لقى في سرها مستقره.

مد يده ببطء، ولمس خصلة من شعرها اللي نازلة على كتفها، وكأنه كيتأكد بلي هاد الجمال حقيقي ماشي خيال. شامة، فديك اللحظة، حست بنظراتو التقيلة كتخترقها. الشداد كانت عندو واحد الشوفة غامضة وساحرة، وفيه واحد “الفطنة” وقوة الملاحظة اللي كاتخلي شامة تحس بلي كيقرا أفكارها قبل ما تنطق بيهم. ديك الحدة اللي فعينيه خلاتها ترمش بزاف ومقدراتش تصمد قدام ذيك النظرة اللي كاتهز الكيان؛ نزلت عينيها ببطء، والخجل صبغ وجهها بلون الورد، وابتسامة حيا مرسومة على فمها.

الشداد (بصوت كأنو همس الروح):

“كنتُ أحسبُ أن ‘أنمارة’ لا تنبتُ إلا الخيل والسيوف.. فإذا بأرضنا التي تنجبُ الشداد، تخبئُ خلف هذا الجمال عقلاً يغلبُ حكمة الشيوخ. لقد أربكتِ حساباتنا يا لالة شامة.”

شامة، وهي مزال منزلة راسها وكتحاول تنفس بصعوبة من شدة الحياء، ردت بصوت رقيق خارج فيه وقار الأصول:

شامة:

“المقام كبير يا مولاي.. وشامة ما بغاتش تكون غير صورة فـ خيمتك، بغات تكون هي ‘الروح’ اللي كتحس بـ البرد قبل ما يوصل ليك.”

الشداد رخى وقار الأمير تماماً، ومال جيهتها ببطء حتى تلاقاو الجباه. شامة غمضت عينيها، وحست بالأمان فحضرة هاد الراجل اللي كانت كيسحاب ليها بلي قلبو من حجر، ساعة لقاتو سكن مريح. الليلة مابقاش فيها كلام، مابقاش فيها سياسة.. بقات فيها غير السكينة والعهد اللي تضرب فصمت الخيمة.

قرب منها خلاه يسمع نهجتها اللي تسارعت بالحياء. يدو اللي كانت شادة خصلة من شعرها، تمشات ببطء وبعناية كبيرة فوق كتافها، ونزلت ليد شامة. لمساتو كانت دافية، وقبضتو كانت فيها واحد “الحنان” اللي ما كيبانش للناس برا، حنان خاص غير بهاد اللحظة.

قرب منها حتى ولا كيسمع نهجتها اللي تسارعت بالحياء. يدو اللي كانت شادة خصلة من شعرها، تمشات ببطء وبعناية كبيرة فوق كتافها، ونزلت ليد شامة. لمساتو كانت دافية، وقبضتو كانت فيها واحد “الحنان” اللي ما كيبانش للناس برا، حنان خاص غير بهاد اللحظة.

“يقولون إنّ القلوبَ قلاعٌ لا تُفتحُ إلا بالصبر.. وأنتِ يا شامة، لم تفتحي قلاعي فحسب، بل سكنتِ الروح قبل أن تستقري في الدار.”

غمضات عينيه وروحها وقفات بين صدرها وحلقها ورجعات ليها سهام حروفها لي كتبات بيدها. عمرها ضنات انه غيجي يوم تسمعهم من فمو كما خطاتهم يدها على الورق .. واسمع كلمات رسائلها كتخرج من ثغره دافية ويتسمع صدى صوتو كالزلزال فقلب صدرها

شامة، اللي كانت مزال منزلة عينيها وكترمش بخجل من ديك “الفطنة” اللي فعيونه، حست بقلبها كيقفز. الشداد مد يده الأخرى ورفع ليها وجهها ببطء، صبعه الكبير مسح على خدها اللي سخن بالحياء، حتى اضطرات تهز عينيها وتشوف فيه لثانية وحدة؛ ديك النظرة الساحرة والغامضة ديالو خلاتها ترجف، فغمضت عينيها دغيا وهربت لصدره.

شامة (بهمس مسموع بصعوبة):

“خفتُ من هيبتك يا مولاي.. حتى وجدتُ في عينيك سَكناً لا يصله ريح ولا غبار.”

الشداد ضحك ضحكة واطية ودافية، وجمعها بين يديه بـ واحد الوقار اللي فيه حب كبير. فهاد اللحظة، القفطان د “دم الغزال” تلاقى مع العباية الكحلة، وريحة العود القماري اختلطت بريحة المسك

نزل راسو لعندها، وطبع قبلة هادية على جبينها، وكأنو كيمضي عهد جديد

الشداد رخى يديه من كتافها وهبطهم لخصرها بوقار، وقرب منها حتى تلاقى نفسو مع نفسها. عينيه الغامضة اللي فيهم ديك “الفطنة” نزلوا فيها بـ ثقل كيهز الكيان، وكأنه كيرسم بيهم قدر جديد.

خيمتي الليلة تفتقدُ لسكَنها يا شامة.. وأنا لا أبتغيها داراً للقوم، بل أريدكِ فيها زوجةً وروحاً، فقد طالَ الانتضار”

هاد الجملة وقعات على مسامع شامة بحال صدى الزلزال؛ هي “أمر” مغلف بالرغبة، وكلمة “زوجة” فـ لسان الشداد كان ليها وزن كتر من مجرد لقب. شامة حست بقلبها كيقفز بين ضلوعها، والرزانة اللي كانت مخبية وراها دابت كولها فـ رمشة عين، وما بقات عارفة واش هادشي “حق” مفروض ولا “ميل” مخبي. نزلات شفرها بـ حياء طاغي، وصوتها خرج همس رقيق مغلوب بالخجل:

“الخيمةُ لا تقوى على الرِيحِ إلا بأوتادِها يا مولاي.. وشامة ما وجدَتْ في عاصفتِكَ مفرّاً، إلا أن تكونَ ركناً في ديارِك.”

الشداد ما زادش كلمة، هاد التلميح كان كافي باش يفهم بلي شامة عطات القبول بوقار الأصول.

الشداد، فديك اللحظة اللي سمع فيها قبول شامة الموزون، رخى كتافو وكأن حمل تقيل نزل عليه، وعينيه الغامضة زاد لَمَع فيها التقدير. مد يدو ببطء، وقلب خصلة من شعرها اللي كانت نازلة على وجهها، وكأنه كيتأكد من ملامح السكن اللي لقى أخيراً وسط عجاج القبايل.

هبط راسو بوقار الأمير، وطبع قبلة هادية وتقيلة على جبينها، قبلة كانت هي “العهد” الصامت اللي كيربط قدرو بقدرها.

تراجع خطوة لور، وعدل العباية الكحلة فوق كتافو بكل هيبة،

الليلة.. تنامُ ‘أنمارة’ تحتَ حراسةِ سيوفِي، وأنامُ أنا في حمى صونِكِ. خيمتي تنتظرُ مولاتَها.”

عطى بالظهر وتحرك بخطوات تقيلة وموزونة كتقسم الصمت، وخرج من الخيمة جيهة مقامو العالي، وخلى وراه ريحة العود القماري وصدى كلماتو كيدور فـ راس شامة. شامة بقات واقفة فـ مكانها، والقبلة اللي على جبينها مزال دافية، كتحس بلي الأرض اللي واقفة عليها مابقاش فيها خوف، وبلي “الشداد” بـ هاد الخرجة، رسم ليها الطريق لخيمتو.. ماشي كـ ضيفة، ولكن كـ زوجة وسكن كيكمل وقار ملكو.

بقى ضو الشموع كيرقص على خيالها، وهي كتحاول تستوعب بلي من هاد اللحظة، مابقاش “الشداد” غير سيد القبايل، ولى هو الحصن اللي كيتسناها فـ مقامو.

بمجرد ما توارى خيال العباية الكحلة ديال الشداد خلف ستائر الخيمة، وتسمعات خطواتو التقيلة وهي كبعد، دخلات دادا رقية بحال البرق، كأنها كانت حابسة نفسها وراء الرواق كتسنى غير اللحظة اللي يخوى فيها المكان.

لقات شامة مزال واقفة فمقامها، بحال شي نخلة هازها الريح، وجهها فيه علامات مخلطة كتحكي صراع داخلي كبير. الحمرة اللي صبغات خدودها كانت مزال سخونة، وعينيها فيهم واحد “التيه” وتوتر باين، كأنها واقفة على حافة خطوة غتغير مجرى حياتها كولها.

قربات منها دادا رقية بلهفة، وشافت فـ ملامح شامة اللي كانت كترعد بخفة، وقرأت فـ عينيها هاديك “الفطنة” اللي ولات دابا حيرة وقلق من هاد “العهد” اللي تضرب فـ صمت الليل.

دادا رقية (بصوت واطي ومحمل بالخوف والرجاء):

“بنيتي شامة.. شفتو خرج ووجهو فيه هيبة متبدلة، وكأن الدنيا ضحكات ليه. قولي ليا يا كبدي، واش ربي نزل السكينة؟ واش الخيمة الكبيرة غتفتح بيبانها لـ لالة لعيالات؟”

شامة هزات عينيها فـ دادا رقية، وبان فيها التوتر بوضوح؛ شفايفها كيرجفوا وهي كتحاول تجمع شتات راسها. هاد الخطوة جيهة خيمة الشداد ماشي ساهلة، هي دخول لـ عالم مجهول، عالم كتحكمو القوة والسياسة، وهي دابا غتدخلو كـ “روح” وكـ “زوجة”.

شامة (بصوت مخنوق بالارتباك):

“دادا رقية.. الكلام تقاضى، والعهد تضرب بـ قبلة على الجبين. الشداد كيتساني فـ مقامو.. وقالي بلي خيمتو تفتقد لسكَنها. قلبي يا دادا كيضرب بحال طبول الحرب، وخايفة هاد الخطوة تكون كبر مني.”

دادا رقية، بـ حكمتها وتجربتها، شدات يد شامة اللي كانت باردة بحال الثلج، وزيرات عليها كأنها كتنقل ليها القوة من قلبها.

دادا رقية:

“ما تخافي ما دهشي يا لالة شامة. اللي هزات راسها قدام الشداد فـ الخصام، تقد تملك قلبو فـ الوئام. هادي خطوتك للملك، وهادي الليلة اللي غتثبتي فيها بلي شامة ماشي غير صورة، بل هي السارية اللي غيميل عليها الشداد فاش يضيق بيه الحال. نوضي يا بنيتي، وقاري راسك، وزيدي لمقامك بوقار الأصول.”

شامة نفست الصعداء، وحاولت ترجع ديك الرزانة اللي كتعرفها، وخا التوتر كان مزال كياكل فـ كيانها. بدات كتعدل فـ قفطانها، وتأكدت من رشة عطرها، وهي عارفة بلي هاد المشية جيهة خيمة الشداد، هي أصعب وأهم مشية غتمشيها فـ حياتها كولها.

بمجرد ما بدات شامة كتستوعب حجم الخطوة، دخلوا لخدم بخطوات خفيفة ورزانة كتعكس هيبة المناسبة. حطوا فوسط الخيمة “جفنة” نحاسية كبيرة، منقوشة بنقوش عريقة، وريحة النحاس المسخن بدات كتختلط مع ريحة البخور اللي كانت ديجا مونسة المكان.

بداو كيصبوا الماء السخون اللي طايب بالأعشاب والورد، والبخار بدا كيطلع ويغلف أركان الخيمة بضباب رقيق، كأنه غطاء كيحمي خصوصية هاد اللحظة. شامة كانت كتشوف فداك الماء وكتحس بلي كل قطرة منو هي تطهير من مرحلة قديمة، وبداية لغسل الهموم وتوجد لمقام جديد.

دادا رقية، بحال شي حارس أمين، كانت واقفة كتشرف على كل صغيرة وكبيرة، عينيها مابردوش من الشوف فبنيتها وهي كتشوفها كتوجد لأهم ليلة فـحياتها

دادا رقية (بهمس حنين):

“يالله يا بنيتي، الما وجد، والوقت مابقاش كيتسنى. غسلي عليك غبار الحيرة، ولبسي الوقار اللي جيتي بيه من دار باك، وزيدي لمقام الشداد وأنتِ عروسة مكملة ومنملة.”

شامة بدات كتحيد عليها أثوابها ببطء، وتدخل وسط داك الماء الدافي اللي غمر جسدها بواحد الراحة كانت محتاجة ليها باش تهدأ دقات قلبها المتسارعة. كل حركة كانت كديرها، كانت كتزيد تأكد ليها بلي “شامة” اليوم غتولد ولادة جديدة؛

•نضير العروس

بدات الخيمة كتعمر بضباب المسك والعود، والبخار طالع من الجفنة النحاسية اللي كيلمع فيها ضو الشموع بحال الذهب. دخلوا لخدم، وحدين هازين الأباريق والآخرين هازين الثوب الرفيع، وبداو طقوس “التنضير”:

• ماء الورد والرياحين: الجفنة ما كانش فيها غير ماء سخون، بل كان “ماورد” مقطر، مخلط بـ “الخزامي” و”السنبل” (أعشاب كانت معروفة عند العباسيين بتهدئة الأعصاب وتنوير البشرة). شامة بدات كتنزل فـ الما، وكتحس بلي كل مسام فـ جسدها كيتفتح باش يشرب هاد الوقار.

• التدليك بالصندل والمسك: دادا رقية بدات كتدلك ليها كتافها بـ “الغسول” المخلط بـ “المحلب” وسحق “الصندل”، وهادي مادة كانت كتخلي الجسد رطب بحال الحرير وريحتو كتبقى لاصقة لأيام. شامة كانت غارقة فـ البخار، كأنها كتغسل عليها بقايا “شامة القديمة” باش تخرج عروس الشداد

• بخور “الند”: وسط الغسل، كانت الخيمة كتملا بـ “الند”، وهو نوع فاخر من البخور العباسي مصنوع من العود والمسك والعنبر، كيتلقوه لخدم فـ “المجامر” باش يشرب الجسد والشعر ذيك الريحة الملكية وهو مزال فازك.

• تسريح الشعر بـ “الكدة”: بعد ما غسلات شعرها الطويل، بدات دادا رقية كتسرحو بـ “مشط” من العاج، وكدهنو بـ “دهن البان” المعطر، وهي كتمتم بكلمات “التحصين” والبركة، باش يكون هاد الشعر هو التاج اللي غيسحر عين الشداد.

شامة كانت وسط هاد الدلال كتحس بـ “الرزانة” كترجع لكيانها. كل قطرة ما نازلة، كانت كتمسح توترها وتعوضو بـ “هيبة” العروس العباسية اللي عارفة بلي جمالها هو أول سلاح غتدخل بيه لمقام الامير

ملي خرجات من الجفنة، لفوها لخدم فـ “ملحفة” من الكتان الرقيق المنقوش بـ “الزركش” (تطريز ذهبي)، وبقات شامة واقفة وسط البخار، فايحة منها ريحة الخزامى والمسك، وجدات للخطوة اللي غتنقلها من خيمة الانتظار لمقام الاستقرار

بمجرد ما نشفات شامة جسدها بأثواب الكتان المعطرة، بدات الطقوس الأخيرة باش تخرج لالة العرايس فـ أبهى صورة. الخيمة كانت غارقة فـ ريحة “الند” والعود القماري، ولخدم كيتحركوا فـ صمت، كل وحدة عارفة شغلها فهاد الليلة اللي ماشي بحال كاع الليالي.

جابت ليها دادا رقية “القميص” التحتاني، ثوب من “الشرب الرفيع” أبيض كأنه غيمة، مخدوم بـ “الرندة” والحرير الصافي، لبساتو شامة وحست بالنعومة ديالو فوق جلدها اللي مزال سخون بدفا الما. ومن بعد، جا الدور على القفطان العباسي الأصيل، قفطان بـ لون “دم الغزال”، مخدوم بـ “الزواق” والحرير المذهب، كيلمع تحت ضو الشموع وكأنه كيحكي قصة ملك وسلطة.

دادا رقية (وهي كتمسح على كتاف شامة بـ حنان):

“تبارك الله على بنيتي.. هادي هي الطلعة اللي كتحمر الوجه. الليلة غتدخلي لدارك وزمانك وأنتِ مكملة بالدين والجمال والرزانة. سيري يا بنيتي، ربي يسخر ليك فهاد الخطوة ويجعل قدمك قدم الربح.”

شامة شافت فخيالها فالمراية، الحمرة فـ خدودها مخلطة بين أثر الحمام وحياء العروس. طلقت شعرها اللي فايحة فيه ريحة “المحلب” ودهن البان، وخلاوه لخدم نازل وراء ظهرها بحال موجة مذهبة وقوية، وزادت عليه ” خيط الريح” ذهبي رقيق كيرصع جبينها اللي قبلو الشداد قبل قليل.

واقفة وسط الخيمة، وجسدها كلو كيرعد بخفة مابين هيبة الموقف وحرارة الحمام. قفطان “دم الغزال” كان تقيل عليها، ماشي غير بالصقلي والجوهر، ولكن بالخطوة اللي كيمثلها. يدها كانت كترجف وهي كتحاول تقاد “المسكة” د الإزار، وعينيها المسبلين فيهم واحد الخوف طفولي غلب على كل ديك القوة اللي كانت كتشخصها قدام الناس.

دادا رقية حست ببنيتها، قربات منها وشدات ليها يديها الباردين وسط كفوفها الدافية، وبدات كتمسح عليهم بـ رفق كأنها كتهدئ خيل جامحة.

دادا رقية (بصوت حنين وكله أمان):

“هدي نفسك يا كبدي.. هاد الرعدة هي اللي كتزيد العروس وقار وحياء. ما تخافي من والو، الشداد وخا قاصح في كلامه، راه قلبو قدام زينك ورزانتك غيولي رطب من الحرير. أنتِ اليوم غادة لسكنك،

هزي راسك بيا، وشدي في ربي.”

شامة شافت في دادا رقية وعينيها غارقين بالدموع اللي حابساهم بالعز، نطقت بصوت متهدج كولو توتر:

“خايفة يا دادا.. هاد الخطوة جيهة خيمتو مجهولة. الشداد اللي كنعرفو في ماشي هو الشداد اللي كيتسناني الليلة. قلبي غيخرج من بلاصتو، ورجليا مابقات هازاني.”

دادا رقية (وهي كتقاد ليها التاج فوق راسها):

“الخوف يا بنيتي هو اللي كيخلي الوحدة فينا ترد البال لخطاها. ديري يدك في يد الله، وخرجي بخطوة رزينة.”

زيرات شامة على الإزار الحريري، وغمضت عينيها لثانية كتحاول تجمع شتات نفسها. وبمساعدة دادا رقية، بدات كتحرك بخطوات مترددة في الأول، ثم ولات تقيلة وموزونة بوقار “العروس” اللي هازة معاها حياء جيل ورهبة قدر جديد.

خرجات من الخيمة، والليل كان كأنه كيتسناها. حس الريح البارد قاس وجهها السخون وزادها توتر. كانت غادة ووراها دادا رقية كتمتم بالدعاء، وكلما قربت من الخيمة الكبيرة، كلما كان نبض قلبها كيتسمع في ودنيها كتر من حس خلخالها.

وصلت لعتبة مقام الشداد، ووقفت. الستار كان كيبان ليها جبل عالي خصه يتسلق. دارت عند دادا رقية نظرة أخيرة فيها طلب الأمان، ودادا غمزت ليها بعينيها وبابتسامة طمأنينة خلات شامة تزيد القدام، وتحط يدها المرتعشة على طرف الستار، وتدخل لمقام زوجها وهي غارقة في حياء ماله مثيل.

دخلت شامة بخطوات كتعثر فـ هيبتها، والستار التقيل نزل وراها كأنه كيعلن نهاية عالم وبداية عالم آخر. الخيمة الكبيرة كانت غارقة فـ صمت مهيب، مضوية بـ شموع كبار كيرقص ضوهم على الحيوط المبطنة بـ ثوب “الملف” الرفيع. ريحة العود القماري كانت مجهدة، كتخدر الحواس وتزيد فـ رهبة المكان.

لقات الشداد واقف فـ ركن الخيمة، عاطي بالظهر وكيشوف فـ واحد المجمر كيشعل، وكأن حتى هو كان كيسين هاد اللحظة بـ صبر ممرر. ملي سمع حس الحياء فخطواتها كيسبقها

دار ببطء. نظرتو كانت تقيلة، وعينيه اللي فيهم ديك “الفطنة” المعهودة نزلوا عليها بـ انبهار خلاه يسكت لثواني؛ شاف عروس بـ قفطان “دم الغزال”، وجهها أحمر بـ الحياء وعينيها للغرض مسبلين، والتوتر باين فـ يدها اللي زادة مزيرة على الإزار.

شامة حست بـ ركابيها فشلوا فاش تلاقات عينيها مع عينيه. هبطت راسها بـ وقار، وصوتها خرج مخنوق بـ الحياء:

شامة:

“مساءُ الخيرِ يا مولاي.. جئتُ كما أمرت، والروحُ تسبقُ الخطى لمقامِك.”

الشداد تمشى جيهتها بخطوات هادية، كل خطوة منها كانت كتزيد فـ ضربات قلب شامة. وقف قدامها، وبقات ريحة “المسك” اللي فايحة منها كتصارع ريحة “العود” اللي فيه. مد يدو بـ رفق كأنه كيخاف يطير هاد الحياء، وحطها تحت ذقنها وهز راسها غير شوية باش يشوف فـ عينيها المليانين رهبة.

الشداد (بصوت رخيم وهادئ):

“لا يرهبُكِ مقامي يا شامة.. فأنتِ اليومَ صاحبةُ الدار، وما أنا إلا سكنٌ لكِ كما أنتِ سكنٌ لي. ارفعي رأسكِ، فالحياءُ زانَكِ، ولكنَّ قربَكِ هو ما يحيي هدهِ الخيمة.”

كلماتو كانت بحال البلسم اللي برد شوية من ديك الرعدة اللي فيها. الشداد، بـ رزانة الفارس، خد بـ يدها المرتعشة وقادها لـ واحد “المنكب” عالي مفروش بـ الحرير، وجلسها بـ تقدير كأنه كيجلس ملكة فوق عرشها. جلس حداها، وبقا كيشوف فيها بواحد النظرة مخلطة بـ الفخر والود، وكأنه كيطمنها

الشداد بقا كيشوف فـ شامة، وكأنه كيعيد اكتشافها من جديد؛ هاديك الأنثى اللي مخبية ورا قناع القوة والرزانة، بانت ليه الليلة فـ أبهى صورها وهي غارقة فـ حيائها. مد يدو ببطء، وحيد ليها داك الإزار الحريري اللي كان مخبي جمال القفطان، وحطو بجنبو بوقار، بلا ما يحيد عينيه على عينيها.

شامة كانت حانية راسها، وصدرها كيعلا ويهبط بأنفاس متسارعة، كتحس بـ حرارة نظراتو كتخترق هاداك الخجل اللي لافّها. الشداد قرب منها كتر، حتى شم ريحة “المحلب” و”دهن البان” اللي فايحة من شعرها، وهاد المرة ما نطقش بـ “أمر” ولا “حكم”، بل همس بصوت رزين وقريب بزاف من ودنيها:

الشداد:

“يا شامة.. يقولون إنَّ الخيلَ الأصيلةَ لا تُروَّضُ إلا بـ الودّ، وأنا الليلةَ وضعتُ سيفي وقسوتي خارجَ هدهِ الخيمة.. فلا تتركي لـ الخوفِ مكاناً بيننا.”

هاد الكلمات خلات شامة تهز عينيها فيه لثانية، لقات فـ عينيه واحد الحنان غريب ما عمرها شافتو فـ المجالس. هاديك “الفطنة” اللي ديما كانت سلاح بيناتهم، تحولات الليلة لـ لغة تانية، لغة العيون اللي كتقول بلي هاد الراجل المهيب راه محتاج لـ “السكن” ديالو كتر ما هي محتاجة لـ حماه.

شامة، وبـ واحد الحركة عفوية نابعة من أنوثتها وحياها، حطت يدها المرتعشة فوق يدو اللي كانت محطوطة على “المنكب”، ونطقت بصوت رقيق كأنه وشوشة الريح:

شامة:

“مولاي.. شامة ما خافت من مقامِك، بل خافت أن لا تكونَ على قدرِ ما ترجوهُ في سكنِك. الحياءُ يا سيدي هو أولُ قرباني في خيمتِك.”

الشداد ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة نادرة خلات ملامحو الرجولية تزيان كتر، وزاد زير بـ رفق على يدها، وكأنه كيطمنها بلي هي فعلاً “السكن” و”المقام”. بدات الشموع كتدوب ببطء، والبخار د العود كيتلاشى باش يخلي المكان لـ سكون أعمق، سكون كيحكي بداية فصل جديد فـ حياة “أنمارة”.

قبل ما يتسد الستار وتطوى لغة الكلام، قرب من شامة اللي كانت جالسة حداه بحال شي وردة غارقة فـ حياها، ومد يدو اليمنى بـ رفق ومسح على مقدمة راسها (ناصيتها)، فوق داك التاج الذهبي الرقيق. غمض عينيه، ونطق بصوت رخيم، هادئ ومطمئن، خلى السكينة تنزل على قلب شامة اللي كان كيضرب بالجهد:

“اللهمَّ إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه.. اللهم اجعلها لي سكناً، واجعلني لها سكناً، وبارك لنا في جمعنا.”

كلمات الدعاء نزلت على مسامع شامة بحال الشتا الباردة على أرض سخونة. حست بلي هاد الامير

بـ هاد الخطوة، قدّس العلاقة اللي بيناتهم وردّها ميثاق غليظ قدام الله، ماشي غير رغبة أو تملك.

بمجرد ما كمل الدعاء، هبط راسو بـ وقار وطبع قبلة طويلة ودافية على جبينها، قبلة فيها ريحة الوعد والعهد. شامة، فـ ديك اللحظة، ترخات كتافها وحست بلي داك الجبل ديال التوتر اللي كان هازاه داب كولُّو. هزات عينيها فيه لثانية، لقات نظرة الشداد تبدلات؛ ولات فيها واحد الطمأنينة اللي خلاتها تحس بلي هي فعلاً فـ “حماه” وفي أمانو.

الشداد زاد قرب منها، ويدو مزال شادة فـ يدها المرتعشة بـ رفق، وهاد المرة سكت الكلام كولُّو، باش تخلي المكان لـ لغة الروح والوصال، وسط خيمة الشداد اللي ولات الليلة شاهدة على بداية عمر جديد.

بدا كيقرب منها ببطء شديد، وكأنه كيعطيها الوقت باش تولف بـ وجوده فـ حماها. مد يده اليمين وحطها بـ رفق خلف ظهرها، واليد اليسرى قربها لوجهها، وبصبع كبّيرو (الإبهام) بدا كيمسح بـ خفة على خدها اللي كان مشعل بالحمرة، وكأنه كيمسح أثر الخوف اللي كان مرسوم فـ ملامحها.

الشداد (بصوت رخيم كلو حنين):

“ارخي عليكِ حملَ القلقِ يا شامة.. فما أنا الليلةَ إلا ثوبُكِ الذي تلبسين، وما أنتِ إلا سكَني الذي إليهِ آوي.”

شامة، من قوة الحياء، غمضت عينيها واستسلمت لـ لمساته اللي كانت كتحترم رهبتها. الشداد بدا كيحيد ليها “هيط ريح” الذهبي بـ رزانة، وحطه بجنبه، وتبعو بـ فك خصلات شعرها اللي كانت مجموعة، حتى طاح داك الشلال الذهبي قدام بريق عينيه

بـ حركات هادية، بدا كيفتح أول “عقاد” القفطان بـ رفق، وعينيه دايماً فـ عينيها كيشوف ردة فعلها، وكأنه كيسولها بـ نظراته على “الرضى”. شامة حست بـ رعشة خفيفة دازت فـ كيانها، ولكن هاد المرة كانت رعشة “الاستسلام” لـ راجلها، ماشي رعشة الخوف.

الشداد مال بجسده المنيع حتى غطى عليها، وهبط راسو لـ عنقها وبدا كيشم ريحة المسك والمحلب بـ عمق، بدات يده كتسلل بـ هدوء لـ كتفها، وبدا الفصل الأول من “الوصال” بـ رزانة الفارس وحياء العروس، وسط سكون الخيمة اللي مابقا كيتسمع فيها غير نبض القلوب اللي ولات دابا قلب واحد.

كان كيجسد قمة “الهيبة السلطانية “؛ شاب فـ مقتبل العمر، ولكن التقل ديال المسؤولية رسموا على وجهه وقار كبر من سنّه. كان كيبان فـ ديك اللحظة بحال شي سيف صيقل، فيه لمعة الزين وفيه حدة الهيبة.

وجهه منحوت بـ رزانة، عنده جبهة عريضة كتدل على “الفطنة” والجاه،عينيه فيهم عمق اعمق ووقار وفنفس الوقت فطنة ..ونضرة صعبة الاختراق ، لاكن فهاد اللحضة تزادهم بريق دافي موجه غير لشامة ، كانت عنده لحيته كحلة، محددة ومسرحة بـ عناية (على سنة أمراء القصور)، خفيفة فـ الجناب ومجموعة فـ الوسط، كتعطيه واحد الوقار رجولي متميز، وريحتها كانت ديما فايحة بـ “دهن العود”. وخا مزال شاب، كان عريض الكتاف، جسده قاسي ومشحن بـ القوة د الفروسية، ولكن حركاته كانت فيها واحد “الرشاقة” ملكية؛ كيعرف كيفاش يتحرك وسط الخيمة بـ هدوء بلا ما يزعج السكون، وكأنه نمر فـ وقت الهدنة.كان لابس توب خفيف بالعقاد من الصدر لونه اسود شفاف كيهضر ما وراء داك الضلال وكأن داك الثوب محطوط فوق ارض صلبة ممتدة ، وسروال من نفس توبو اسود لاكن غامض بجيوب فالجواب مدلي منهم تسبيح بني اللون بكرات خشبية بنية.

لاول مرة قدام شامة يبان قوامه الرشيق والهبة لي كتخلي اي واحد ينحاني ليه ، ولاكن هوا الليلة ختار ينحني لقوام شامة

وفـ لحظة سكن فيها كلشي حتى ريح الليل برا الخيمة، كانت أول قبلة بيناتهم.

ما كانتش قبلة عابرة، بل كانت قبلة هادية، رزينة، وطويلة على شفاهها؛ قبلة كتحمل فـ طياتها كاع ديك “الفطنة” اللي كانت كتجمعهم، وكاع داك الصبر اللي صبروه حتى تلاقاو فـ هاد المقام. شامة، اللي كانت كتحس بقلبها غيخرج من بلاصتو، غمضت عينيها واستسلمت لـ هاد السحر اللي كولُّو طمأنينة. حست بـ دفء شفاه الشداد وبـ رقة ملمس لحيته المحددة، وكأن هاد اللمسة هي اللي حيدات آخر حجاب كان بين الروح والروح.

الشداد فاش باسها، باس فيها “العز” و”الرزانة” و”الحياء” اللي خلاه يهيم فيها. يدو بقات شادة فـ ناصيتها بـ رفق، وكأنه كيطبع ختم التملك والرضى على شفايفها. هاد القبلة كانت هي “الفتح الحقيقي”؛ تمّاك عرفت شامة بلي مابقاش رجوع، وبلي هاد الشاب المهيب اللي قدامها، بـ هيبته ورجولته، ولى هو قدرها اللي مكتوب فـ اللوح.

بقات شامة مخدرة بـ حرارة ديك القبلة، وبدا التوتر كيدوب ويتحول لـ سكينة عجيبة. الشداد انسحب بـ رفق، وبقا وجهو قريب بزاف من وجهها، وعينيه كيشوفو فـ عينيها بـ واحد النظرة فيها “الود” و”الغلبة” و”العشق” اللي ما كيتقالش باللسان.

شامة ماردتش بكلام، الرد ديالها كان فـ دمعة حيا نزلت ببطء ومسحها الشداد بصبعو،

الشداد (بهمس رخيم مزال فيه صدى القبلة):

“”يا روحَ الشدادِ وسَكَنَه.. ما عدتِ ‘شامة’ القومِ الليلة، بل أنتِ ‘أنا’.. ونبضُ هذا الجسد الذي طالَ صيامُه عن الوِصال.”

بمجرد ما نطقها، عاود طبع قبلة أعمق وأرق على شفايفها، وكأنه كيسقي عطش السنين بـ هاديك اللمسة. يدو اللي كانت شادة فـ ناصيتها نزلت بـ رفق لـ عنقها، وبدا كيسحبها لعندو بـ واحد الحنان اللي كيمحي أي أثر للخوف. شامة، اللي كانت غارقة فـ بحر هاد الكلمة الجديدة، لقات راسها بلا ما تحس كتحط يديها المرتعشة على كتافو العراض،

فاش ترفع الحجاب وبانت شامة بكامل زينتها، الشداد لثواني فقد ديك الرزانة اللي ديما كيرسمها قدام الناس. هو اللي كان كيتخيلها “خصم” عنيد أو “شريكة” سياسية تحت داك الخمار اللي كيبين غير القليل، لقا راسو قدام “أنثى” فاقت كاع اللي كان كيرسمو خيالو فلحظات الخلوة.

شاف فيها وشاف هاداك الجمع الغريب بين “الهيبة” اللي ورتاتها

وبين “الرقة” اللي خباها الحمام والحياء. قرب منها، وهاد المرة بقات عينيه غارقة فـ عينيها، ونطق بواحد الصوت خافت، وكأن الكلمات كيتخطافو من بين شفايفو:

الشداد (بدهشة ممزوجة بالافتتان):

“كنتُ أحسبُ أنني ملكتُ من ‘أنمارة’ أذكى عقولها.. فإدا بي الليلةَ أقفُ أمامَ أجملِ نسائها. يا شامة.. كنتِ في خيالي صورةً أرسمها بـ حبرِ الهيبة، فإدا بكِ حقيقةً تفوقُ الحلمَ بـ رقتِها. ما كنتُ أعلمُ أنَّ وراءَ داك اللثامِ ‘قمراً’ يخجلُ منه ضوءُ هدهِ الشموع.”

ابتسم ابتسامة خفيفة فيها اعتراف بالهزيمة قدام جمالها، وزاد قرب منها وهمس:

الشداد:

“ظننتُ أنني سآوي إلى سكنٍ يحملُ همومَ الحكمِ معي.. فإدا بي آوي إلى ‘جنةٍ’ تنسيني من أنا، ومن أكون. سُبحان من جبلَ هدا الحسنَ فيكِ، وجعلكِ حلالي.”

شاف فـ تقاسيم اللي ولات منحوتة بـ رقة، وفـ قوامها اللي كيحكي قصة نضوج وسر كتمو القفطان

الشداد، بـ صراحة الفارس اللي ما كيعرفش يزوق الكلام فـ لحظات الصدق، همس وهو كيشوف فـ عينيها المسبلين:

الشداد (بصوت محمل بـ الدهشة والافتتان):

“كنتُ أظنُّ أنني سأنتظرُ طويلاً حتى تزهرَ البراعمُ يا روحَ الشداد.. فإدا بي أجدُ نفسي أمامَ بستانٍ يفوحُ بـ سحرِ الأنوثةِ وعزِّ السيادة. ما أنتِ بالطفلةِ التي كنتُ أحميها في خيالي، بل أنتِ الليلةَ ‘المرأةُ’ التي تزلزلُ ركائنَ قلبي وتصرخُ بالجمالِ الذي لا يُرد.”

مد يدو بـ رفق، وهاد المرة لمس خصرها العاري

بـ واحد “الثبات” فيه اعتراف بـ نضجها، وزاد كمل بـ همس فيه بحة رجولية:

الشداد:

“في عينيكِ الليلةَ يا سَكني، أرى أنوثةً لا يملكها إلا مَن خُلقَت لتكونَ لـ ‘سلطان’.. لقد كبُرتِ ياروح شداد، وكبُرتِ بـ شكلٍ يجعلُ الصبرَ عليكِ ضرباً من المحال.”

شامة حست بـ هاد الكلمات كتلمس أنوثتها فـ العمق؛ الشداد الليلة ما شافش فيها البنت اللي خصه يعلمها، بل شاف فيها “الند” و”الزوجة” اللي غتكون هي النصف الحقيقي ليه. هاديك النظرة اللي كانت فـ عينيه، كانت نظرة راجل منبهر بـ “المرأة” اللي قدامه، امرأة كتحرك فيه كاع أحاسيس التملك والعشق اللي كان حابسهم وراء وقار الأمير.

هبط راسو لـ يديها المرتعشة، وطبع عليهم قبلة دافية وطويلة، وكأنه كيعتذر لديك الطفلة اللي كانت فـ خيالو، وكيرحب بـ “المرأة” اللي ولات دابا هي صاحبة الشأن فـ خيمتو وفي قلبو

الشداد حَس بهاديك الرعدة اللي دازت فجسد شامة، وحَس بيديها اللي جمدوا وسط يديه مّلي قربت اللحظة الحاسمة. هو عارف بلي هاديك “الرزانة” اللي كتشخصها قدام العالم، دابا ذابت كولها، وبقات بلاصتها غير عروس شابة كتواجه رهبة “الوصل الأول”؛ خوف فطري من مجهول كيتخلط فيه الألم بالحياء بالارتباك.

نزل لعندها بـ رفق كبر من الأول، وضمها لصدره العريض بـ هدوء، كأنه بغى يدخلها وسط ضلوعه باش يحميها من خوفها. مابقاش كيشوف فيها كـ “سلطانة” أو “ندية”، بل شاف فيها “أمانة” بين يديه.

الشداد (بهمس رزين ودافئ، أنفاسه كتمسح على أذنها):

“ارخي عليكِ هاد الخوف يا سَكني.. لا تظني أنني الليلةَ غازٍ يطلبُ غنيمة، بل أنا حبيبٌ يطلبُ الودَّ بـ رفقِ الأصول. هاد ‘الرهبة’ التي تسكنُكِ هي تاجُ حيائكِ، وأنا لن أكسرَ فيكِ إلا ما يجعلُكِ مني، وبـ قدرِ ما تطيقُه روحُكِ.”

وهي فـ قمة ارتباكها، وصدرها كيعلا ويهبط

هزات عينيها الغارقين بالحياء فـ عيني الشداد. فـ ديك اللحظة،وقالت بنبرة مرتجفة بحال الطير لي طاح فاليد .

“أخافُ وجعِ الخطوةِ الأولى، ومن لحظةٍ يُكشفُ فيها ستري لأولِ مرةٍ أمامَ عينيك. فرفقاً بـ حيائي، ولا تجعلني أشعرُ أنني مجردُ ‘فتحٍ’ أو غنيمة، بل اجعلني أشعرُ أنني ‘الروحُ’ التي آويتَ إليها.”

تأثر الشداد بصدق حزنها وحيائها، فاقترب منها حتى تلامست جبهتاهما، ونطق بنبرةٍ رخيمة تفيضُ حناناً:

الشداد:

“واللهِ يا روحَ الشداد، ما كانَ هذا الجسدُ يوماً ليعبثَ بـ حياكِ، ولا كانت هده الليلةُ إلا عهداً بالرفقِ والوفاء. لستِ غنيمةً ولن تكوني، بل أنتِ ‘المقامُ’ الذي أنحني أمامه بالودِّ قبل القوة. أقسمُ لكِ بخالقِ هذا الجمالِ فيكِ، أنني سأكونُ أرقَّ عليكِ من نسمةِ الفجر، ولن تعبري هده اللحظةَ إلا وأنتِ غارقةٌ في أماني. أغمضي عينيكِ يا سَكني، ودعي الروحَ تلتقي بالروحِ قبل الجسد، فما وُجدتُ إلا لأصونَكِ.. حتى من خوفكِ.”

ثم طبع قبلةً طويلةً وهادئةً على جفنيها، فاستسلمت شامة لدفء حضنه،لاكن عندما تحللت الأثواب، وانكشف جسد الشداد العلوي لأول مرة أمام ناظريها، شعرت شامة بـ “صدمة الجمال” التي لم تكن في حسبانها. هي التي اعتادت رؤيته بعباءاته العريضة وعمامته الرزينة، وجدت نفسها الآن أمام حقيقة رجولية طاغية، جسدٌ صقلته الفروسية وشدّته حياة الصحراء والنزال. تجمدت أنفاس شامة، واتسعت عيناها بغير قصد وهي تتأمل تقاسيم صدره العريض، المكسو بـ “سمرة” خفيفة من الشمس الأصيلة، وعضلاته التي كانت تبرز مع كل نفسٍ عميقٍ يأخذه، كأنها منحوتة من صخر “أنمارة” القاسي. سرعان ما غلبها حياؤها، فأشاحت بنظرها بعيداً، وحاولت أن تغطي وجهها بكفيها المرتعشتين، فجسد الشداد كان ينطق بـ “هيبة” جعلتها تشعر بضآلة حجمها ورقة أنوثتها أمام هذا المارد الذي صار الليلة سكنها.

الشداد، بـ “فطنته”، أدرك وقع رؤيته عليها. لم يبتعد، بل زاد قرباً وهو يرى احمرار وجهها الذي وصل حتى أذنيها، وابتسم بوقار الأمير الذي يرى انبهار رعيته بجماله.

الشداد (بصوتٍ عميقٍ هادئ):

“لا تشيحي بنظركِ يا روحَ الشداد.. فهذا الجسدُ الذي يرهبهُ الأعداء، ما صُقلَ في الميادين إلا ليكونَ الليلةَ حصناً لكِ، وستراً يضمُّ رقتكِ. انظري إليَّ، فما ترينه هو ملكُكِ، وملاذُكِ الذي لا يُضام.”

ثم أخذ يدها المرتعشة ببطء، ووضع كفها الصغير فوق صدره، جهة قلبه تماماً. شامة أحست بـ “نبض” الشداد القوي والمنتظم تحت يدها، وشعرت بصلابة عضلاته التي كانت توحي بالأمان بقدر ما توحي بالقوة.

شامة (بهمسٍ يكادُ لا يُسمع):

“سُبحانَ من وهبك الخَلقَ والخُلق يا سيدي.. خِفتُ من هيبتك، فإدا بجمالك يزيدني ارتباكاً فوق ارتباكي.”

الشداد مّلي تفتحات “العقاد” اللخرة وطاح القفطان والموبرة وبقا القفطان على الفراش

لقى راسو قدام مشهد حبس ليه الأنفاس وزلزل الرزانة اللي ديما كيفتخر بيها. بانت شامة قدام عينيه بـ بياضها الناصع اللي كيشبه لـ نور القمر وسط ليلة كحلة، وبـ جسدها اللي كان كينطق بالأنوثة الصارخة والجمال اللي مخبّي ورا الحياء العباسي.

وقف الشداد مبهور، وعينيه اللي ما كيرمشوش قدام العدو، دابا بقاو تائهين فـ تفاصيل هاد “الآية” د الجمال. شاف فـ رقة خصرها، ونعومة كتافها، والأنوثة اللي كانت كتصرخ فـ كل جزء منها، وحس بلي كاع داك الصبر اللي صبروا هاد المدة كولها كان قليل فـ حق هاد اللحظة.

قرب منها والدهشة باينة فـ ملامحو، وبصوت فيه بحة ديال الشوق المكبوت والافتتان، همس:

الشداد (بفصحى تفيضُ انبهاراً):

“سُبْحانَ مَنْ صَوَّرَ هدا الحُسْنَ وَأَتَمَّه.. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّني خَبِرْتُ مَعاني الجَمالِ في شِعْرِ العَرَبِ، فَإدا بِي اليومَ أَقِفُ أُمِيّاً أَمامَ هدا المَقامِ. يا شامةُ.. أَمِثْلُ هدا البَهاءِ كانَ يَسْتَتِرُ خَلْفَ الرِّداء؟ واللهِ لَقَدْ ظَلَمْتِ الحُسْنَ بِحَجْبِهِ عَنْ عَيْنِي

شامة مّلي حست بـ نظراتو التقيلة كتمسح جسدها العاري، غرقات فـ واحد الحياء ماله مثيل. حاولت تغطي صدرها بيديها المرتعشة، وهبطت راسها ، الشداد ما خلاهاش تدارى ورا خوفها؛ قرب منها بـ رفق وخد يديها بين يديه، وبعدهم بـ هدوء باش يتأمل فـ “الأمانة” اللي ولات ملكو، وقال بصوت حنين كيطمن الروح:

الشداد (بهمسٍ رخيم):

“لا تَسْتُري ما أحلَّهُ اللهُ لِي.. فَأَنْتِ الليلةَ جَنَّتِي المَوْعُودَة، وَأَنا حارِسُ هدا الجَمالِ وَعابِدُهُ. ارفَعِي رَأْسَكِ يا سَكَنِي، فَمَا رَأَتْ عَيْنِي قَطُّ أَكْمَلَ مِنْكِ خَلْقاً، وَلا أَرَقَّ مِنْكِ أُنُوثَةً.”

الشداد فـ ديك اللحظة، تعامل بـ “تقدير الملك” لـ أغلى جوهرة عندو؛ بدا كيمسح بـ يدو الدافية على بشرتها الناعمة بـ رفق كأنه كيتأكد بلي هاد الجمال حقيقة ماشي خيال. ومع كل لمسة، كان كيحس بـ شامة كتزيد تذوب بين يديه، وبلي هاديك الهيبة اللي كانت بيناتهم تحولات لـ “وصال” حار، بدا بـ العين وكمل بـ القلب، فـ ليلة غتبقى محفورة فـ تاريخ “أنمارة” كـ أجمل ليلة وصل .

فاش حس بنفسه بدات كتخرج طوعو فلحضة الدخول بيها غمض عينيه وحط يدو على جبهتها وقال بصوت تقييل خافت

“اللهمَّ بارِكْ.. اللهمَّ بارِكْ. أُعيذُ جَمالَكِ باللهِ من عيني، ومن نَفْسي، ومن شَرِّ نَظرةٍ سبَقَ فيها إعجابي صَبْري. بسمِ اللهِ أرقيكِ من كُلِّ نَظرةٍ حاسدة، ومن كُلِّ نَفْسٍ لاهِثة، ومن سِحْرِ هدا الوجهِ الذي أذهبَ لُبِّي وعَقلي. أنتِ في حِمى الخالِقِ من شَوْقي، وفي حِرزِ اللهِ من جُموحِ قلبي.”

بقات شامة ساكنة بين يديه، والسكينة نازلة عليها، وعرفات بلي الشداد الليلة غيكون هو “الراقي” وهو “الحامي”، وبلي هاد الوصل غيكون طاهر ومبارك كتر مّلي كانت كتحلم.

تم بدا كينزل بـ رفق، وباس مكان الرقية فـ جبهتها بـ قبلة طويلة فيها ريحة الالتزام والوقار، وبدا الوصل ينسج خيوطو بـ رزانة تليق بها

كان جسدها الرقيق كلو كيرتعش، واحد الرعشة خفيفة ما بغاتش تبرد، وأطرافها كانوا باردين وخا الحرارة اللي فـ الخيمة.صدرات الااه لي خرجات من اعماقها باحّة كتكي عنق الاحساس، غمضات عينيها بالجهد حتى تحفروا جفونها، وكأنها كتحاول تحبس الوجع والحياء داخل روحها. يديها كانوا مشبكين فـ كتاف الشداد بـ واحد القوة فطرية، ضوافرها غرسوا شوية فـ لحمو بلا ما تحس، وكأنها كتقبط فـ “النجاة” وسط داك البحر د الأحاسيس الجديدة اللي هجمات عليها.

الشداد، فاش سمع داك الصوت الخافت وديك ل “اااه” اللي خرج من أعماق شامة مع أول “وعكة” د الوصل، هاداك الصوت ما كانش غير صرخة وجع، بل كان “إعلان” باللي شامة الليلة سلماتو المفتاح د الروح والجسد، وبلي هاد الوجع هو الثمن الغالي اللي كيخلصوه العشاق باش يوليوا جسد واحد.

فـ هاديك اللحظة، وقف الشداد الحركة ديالو، وضمها لـ صدره العريض بـ واحد القوة فيها الحنان والخوف عليها، وبدا كيمسح بـ يدو الدافئة على شعرها وهو كيهمس فـ ودنيها بصوت رخيم، كلو هيبة وود:

“ارخي عليكِ حملَ الألمِ يا سَكني.. فواللهِ ما كنتُ لأؤذِيَكِ لولا أنَّ هدا الوجعَ هو طريقُ الخلودِ في دمي. هدهِ ‘الوعكةُ’ يا شامة هي الميثاقُ الغليظ، وهي الدليلُ على أنكِ أصبحتِ الليلةَ حِمى الشدادِ، ومُلكَهُ، وسِرَّهُ المَصون. صبراً يا رُوحَ الشداد، فما بعدَ هدا الضيقِ إلا سعةُ الوِصال، وما بعدَ هدا الأنينِ إلا سكونُ القلوب.”

وجهها كان شاعل بالحمرة، ماشي غير حياء، بل حتى من أثر “الجهد” والارتباك. دموع صغيرة وصافية نزلت من جنب عينيها بلا بكاء، كانت غير “فيض” ديال المشاعر اللي ما لقاتش فين تمشي. تنفسها كان متقطع، وصدرها كيعلا ويهبط بـ سرعة، وكأن الروح يلاه بدات كتستوعب باللي عهد “الطفولة” تسد، وعهد “المرأة” والميثاق الغليظ بدا فـ هاد اللحظة بالذات.

كانت كتشوف فـ الشداد بـ واحد النظرة فيها “انكسار عزيز”؛ نظرة كتقول ليه: “أنا دابا كلي بين يديك، فكن ليا رحيم.” وهاديك الحالة هي اللي خلات الشداد يزيد يغرقها فـ حنانه، حيت شاف فيها الصدق اللي ما كينطقوش اللسان.

هاد الدمعة ديال شامة “هزمات” كاع الجبروت ديالو ورجعاتو أرق من النسمة.

نزل لـ عندها بـ رفق كبر، وهاد المرة بشفايفو مسح ديك الدمعة بـ “قبلة” دافية ورقيقة، وكأنه كيشرب حزنها باش ما يوصلش لـ الأرض. بقا وجهو ملاصق مع وجهها، وبدا كيهمس ليها بـ كلمات اللي كانت بحال “المرهم” على الجرح:

الشداد (بفصحى تفيض حناناً):

“لا تَذْرِفي الدَّمْعَ يا سَكَنِي، فَوَاللهِ ما خُلِقَتْ هدهِ العُيونُ لِتَحْزَن، وَما كانَ لِلشَّدَّادِ أَنْ يَكُونَ سَبَباً في كَدَرِكِ. هدهِ الدَّمْعَةُ يا شامةُ أَغْلَى عِنْدِي مِنْ كُلِّ نَصْرٍ حَقَّقْتُهُ، وَأَطْهَرُ مِنْ كُلِّ عَهْدٍ قَطَعْتُه. ارْخِي عَلَيْكِ جَفْنَكِ، فَأَنْتِ الليلةَ في حِمى قَلْبِي”

الشداد ما كتافاش بـ الكلام، بل جرها لـ عندو بـ واحد “الضمة” قوية ولكن حنينة، ودفن راسها فـ صدرو العريض باش يخليها تسمع “دقات قلبو” اللي كانت كتسابق الريح، وكأنه كيقول ليها بلي راه حتى هو مأثور بـ هاد اللحظة بحالها.

بيدو الدافئة، بدا كيمسح على ظهرها بـ حركات هادية ومرزنة، وكيطبع قبلات خفيفة على ناصيتها وعلى وذنيها، ويشم ريحة شعرها بـ قوة، كأنه باغي يغرقها فـ ريحتو وفـ الأمان ديالو حتى تنسى داك الوجع

شامة، فاش حست بـ صدرو كيعلا ويهبط وسمعات كلامو، بدات كترخى تدريجياً، وحست بلي ديك الدمعة كانت هي آخر حاجة كتربطها بـ خوفها، ومن وراها بدا وقت “الطمأنينة” وبدات كتغفى تدريجيا تحت لمسات يدو على ضرها حتى غفات.

الفجر بدأ كينفاس من ورا خيام “أنمارة”، والضوء الخافت الأول بدا كيتسلل لداخل الخيمة الكبيرة، وكيرسم خيوط ذهبية فوق الفراش والزرابي. شامة بقات فـ نفس البلاصة فين لقات الأمان لبارح؛ راسها مدفون فـ صدر الشداد، ويديها باقية متشبثة بـالغطاء لي كيجمعهم ، وكأنها خايفة تفيق وتلقى هاد السكينة غير حلم. ما نعساتش بزاف، ولكن داك “النعاس” اللي داته كان هو الأعمق فـ حياتها، حيت كان فـ حضن الرجل اللي عطاها العهد والرفق.

الشداد، اللي عينيه كيتفتحوا مع أول نفس ديال الصباح، حل عينيه بـ رزانة. أول حاجة حس بها هي التقل الدفئ ديال شامة فوق صدرو، وريحة المسك والأنوثة اللي باقة عالقة فـ المكان. بقات عينه تائهة فـ ملامحها وهي ناعمة ومرتاحة، وبان ليه وجهها فـ ضوء الفجر بحال شي “جوهرة” صقيلة، زادها الوصال ديال لبارح نور على نور.

الشداد (بنبرة تفيضُ عِزّاً وَرِفْقاً):

“صَباحُ العِزِّ يا سَكَنَ الشَّداد.. صَباحُ الطُّهرِ الذي أَشْرَقَ في خَيْمَتي فَأَضاءَ زَوايا عُمْري. نِمْتِ في كَنَفِي بِنْتَ أُصولٍ، وَتَسْتَفِيقِينَ الليلةَ سَيِّدَةَ القَوْمِ وَتاجَ الرَّأس. واللهِ ما رَأَتْ عَيْني فَجْراً أَجْمَلَ مِنْ وَجْهِكِ، وَلا حَسَّ قَلْبي بِأمانٍ مِثْلَ الذي وَجَدْتُهُ في قُرْبِكِ.”

شامة، مّلي سمعات هاد النبرة الرزينة، بدات كتحل عينيها بـ رفق. لقات عيني الشداد كيشوفو فيها بـ واحد “الفخر” خلى قلبها يرفرف. حست بـ الدفو ديالو وبـ الأمان اللي غلف روحها، ورجعات غمضات عينيها لـ ثانية وكأنها كتشكر الله على هاد المقام.

الشداد (بهمسٍ وقور):

“ارفعي رأسَكِ يا شامةُ، وانظري لِفَجْرٍ جديدٍ نَحنُ فيهِ رُوحٌ واحِدَة. لقد أصبحتِ الليلةَ عِرْضي وَشَرَفي، وَما دامَ في الصَّدْرِ نَفَسٌ، فَلَنْ تَرَيْ مِنِّي إلا ما يَرْفَعُ قَدْرَكِ وَيُعْلي شَأْنَكِ.”

شامة، بـ واحد الحياء الصباحي الرقيق، زادت تخشات فـ حضنو، وعرفت بلي هاد الفجر ماشي غير بداية يوم جديد، بل هو بداية عمر غيكون فيه الشداد هو “الظل” وهي “الروح” اللي كتسكن فيه. استنشقات ريحته بـ قوة، وحست بلي الدنيا كولها ضحكات ليها فـ هاد الصباح المبارك.

شامة، بصوت فيه بحة رقيقة ديال الصباح وباقي محمل بآثار الحياء، جاوباته وهي كتشوف في العز اللي في عينيه:

شامة (بفصحى تقطرُ رِقّة):

“مولاي.. لَقَد وجدتُ في صَدرِكَ الليلةَ مَوطناً أَغنانِي عن كُلِّ الدِّيار. إن كانَ هدا الفجرُ قد أشرقَ على ‘أنمارة’، فقد أشرقَت في روحي شمسٌ لا تَنطفئُ مُنْدُ استندتُ إلى قَلبِك. رِفقُكَ بي ليلةَ أمس، كانَ أبلغَ عهدٍ خَططتَهُ في وجداني.”

الشداد ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها كبرياء الفارس اللي لقى ضالته. قرب منها وطبع قبلة طويلة على جبهتها، قبلة فيها ريحة “الوعد” والالتزام، وبدا كيمسح بصبعه الإبهام على شفايفها بـ رفق:

الشداد:

“قُومي يا سيدةَ الدار، فالعالمُ ينتظرُ إشراقتَكِ، والقبائلُ لابدَّ أن تَعلمَ أنَّ لِلشدادِ مَلكةً تَحكمُ قلبَهُ قبلَ أن تَحكمَ خِيامَهُ. أنتِ الليلةَ أصبحتِ ‘الساريةَ’ التي أستندُ إليها إذا جارَ الزمان، فَلا تَبخلي عليَّ بِودِّكِ، كما لَن أبخلَ عليكِ بدمي.”

هاد الكلام خلى شامة تحس بواحد “القوة” جديدة. ناضت بـ رزانة، وهي حاسة بلي جسدها وروحها ولّاو ملك لهاد الراجل المهيب. لبسات رداءها بـ حياء، والشداد كيشوف فيها بـ نظرة امتلاك وفخر، وكأنه كيعيد اكتشافها من جديد في ضوء النهار.

الشداد، فاش زاح الرداء وشاف دوك قطرات الدم اللي بقات شاهدة على ليلة الوصل، وقف وقفة د العز والشموخ. هادوك القطرات ما كانوش بالنسبة ليه مجرد أثر جسدي، بل كانوا “وثيقة” شرف ورسالة صدق

نزل لـ عندها بـ واحد الرزانة ملكية، وهز يدو الدافئة وحطها فوق مكان الأثر بـ تقديس، وكأنه كيبارك هاداك الوفاء. شاف فـ شامة اللي كانت كتشوف فيه بـ حياء طاغي، ونطق بـ صوت رخيم كيهز أركان الخيمة بـ الفخر:

الشداد (بفصحى مهيبة):

“هدا الدَّمُ يا بِنْتَ الأُصولِ هو تِيجانُ العِزِّ التي سَأُطَوِّقُ بِها عُنُقَكِ كُلَّ عُمْري. لَقَد بَيَّضْتِ وَجْهَ الشَّدَّادِ في مَقامِ العِهد، وَواللهِ لا يَضامُ مَن كَانَ هدا طُهْرَهُ. أَبْشِري بِمَكانَةٍ عِنْدِي لا يَبْلُغُها حَتَّى كِبارُ القَوْم، فَأَنْتِ الليلةَ ‘شَرَفي’ الذي أَذودُ عَنْهُ بِمُهْجَتِي.”

تم هز يدو وطبع قبلة طويلة ومقدسة على كف شامة المرتعشة، وزاد همس ليها وهو كيشوف فـ عينيها بـ نظرة امتلاك وتقدير:

الشداد:

“سأجعلُ هدهِ القطراتِ مِسكاً يفوحُ في تاريخِ ‘أنمارة’.. ليعلمَ الجميعُ أنَّ مَن اختارها الشدادُ كانت أطهرَ النِّساءِ نفساً، وأكرمَهُنَّ مَحْتِداً. ارفعي رأسَكِ يا سُلطانتي، فقد مَلَكتِ الروحَ قبل الجسد.”

الشداد فـ هاد اللحظة، تعامل بـ نبل السياد؛ ما خباش فخره، بل خلاه يبان فـ حركاته. خدى الرداء وستره بـ وقار، وضم شامة لـ صدره بـ واحد الحنان اللي كيقول ليها “انسي الوجع، راه بدا وقت العز”. كانت ردة فعله هي الختام الحقيقي لليلة الدخلة؛ ميثاق مبني على الدم، ومحمي بـ سيف الأمير وقلبه.

ما كتافاش غير بالنظر، بل قام بواحد الحركة فيها قمة النبل والتقدير. نزل للأرض وهز هاداك الثوب اللي تبلل بدم العذرية بـ وقار، وكأنه كيهز راية نصر. طواه بـ رزانة وحطه فـ مكان آمن، تم رجع عند شامة اللي كانت باقة فـ فراشها، وشد يديها بين يديه بـ جوج، وحس بالحرارة ديالها وباقي فيها أثر السكينة د لبارح.

ناض وقف بـ كامل قامته المنيعة، ولبس عباءته بـ ثبات،

أما شامة، ناضت بـ رزانة، وجمعات شعرها، وهي حاسة بلي هاديك “القطرات د الدم” كانت هي الثمن اللي خلصاته باش تولي “الكلمة المسموعة” و”الروح المسكونة” فـ حياة أقوى راجل فـ الصحراء. ولات كتشوف فـخيال الفجر من الفتحة الخلفية المحصنة للخيمة وكتتأمل داك الصباح لي شرق بحياة جديدة عليها وهي فكامل انوثها وشعرها منسدل وراء ضهرها ..لتلفت الشداد بصدرو العاري والسروال الاسود الواصل للزربية لي واقف عليها والعباية الكحلة عليه محلولة من الامام.

شاف شامة واقفة قدام خيال الفجر، والوقار كينطق من مشيتها، حس بلي الكلام العادي ما بقاش كافي باش يوصف هاد المقام. قرب منها بـ واحد الهيبة ملكية، ووقف وراها حتى حست بـ أنفاسه الدافئة على عنقها، وبصوت رخيم وعميق، بحال صدى الجبال فـ ليلة هادية، بدا كينطق أبيات شعرية تقيلة، موزونة، ومقطوعة من صميم قلبو، أبيات ماقالها حد من قبلو ومايقولها حد من بعده

شاف شامة واقفة قدام خيال الفجر، والوقار كينطق من مشيتها، حس بلي الكلام العادي ما بقاش كافي باش يوصف هاد المقام. قرب منها بـ واحد الهيبة ملكية، ووقف وراها حتى حست بـ أنفاسه الدافئة على عنقها، وبصوت رخيم وعميق، بحال صدى الجبال فـ ليلة هادية، بدا كينطق أبيات شعرية تقيلة، موزونة، ومقطوعة من صميم قلبو، أبيات ما سمعها حد من قبلو ولا غيسمعها حد من بعدو:

الشداد (بصوتٍ جهوريٍّ خافِت):

أَشَامَةُ.. يَا قَدَرَاً سَرَى فِي عُرُوقِي مَسْرَى الضِّيَاءْ

لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَكِ صَخْرَاً عَتِيَّاً.. وَصِرْتُ فِي يَدَيْكِ مَاءْ

دَخَلْتُ عَلَيْكِ وَفِي نَفْسِي عِزُّ المُلُوكِ وَسَطْوَتُهُم

فَوَجَدْتُ فِيكِ جَلَالاً.. طَأْطَأَ لَهُ الكِبْرِيَاءْ

رَقَيْتُكِ بِاللهِ مِنْ عَيْنِي.. وَمِنْ لَهَفِ الحَشَا

فَأَنْتِ الطُّهْرُ فِي زَمَنٍ.. ضَاعَتْ فِيهِ النِّسَاءْ

وَتِلْكَ “الـوَعْكَةُ” يَا رُوحِي.. كَانَتْ مِيثَاقَ دَمٍ

بِهِ صِرْتِ لِي أَهْلاً.. وَصِرْتُ لَكِ السَّمَاءْ

فَلا تَبْكِي بَعْدَ اليَوْمِ.. فَإِنَّ دَمْعَكِ نَارٌ

تُحْرِقُ قَلْبَ الشَّدَّادِ.. وَتُقِيمُ فِي أَرْضِي العَزَاءْ

بقى الشداد ساكت لـ لحظة، وكأنه كيخلي هاد الكلمات يتغلغلوا فـ روح شامة. تم زاد كمل بـ نبرة فيها واحد “الامتلاك” العجيب:

الشداد:

“هدهِ الأبياتُ يا شامة، هي خَتْمِي على رُوحِكِ. لم يَنْطِقْ بِها لِسَانِي لِغَيْرِكِ، وَلَنْ تَسْمَعَها أُذُنٌ بَعْدَكِ. أَنْتِ القَصِيدَةُ الوَحِيدَةُ التي انْحَنَى لَها سَيْفُ الشَّدَّاد، وَأَنْتِ المَلِكَةُ التي لَا تَعْرِفُ مَمْلَكَتِي سِواها.”

شامة، وهي كتسمع هاد الشعر اللي كلو عزة وفخر، حست بقلبها كيضرب بـ قوة. هاد الراجل اللي كيهابه الجميع، راه دابا “أسير” لـ جمالها ولـ طهرها. دارت عندو بـ رفق، ولقت عينيه كيشوفوا فيها بـ واحد الحب اللي ما كيتوصفش

خرج الشداد من المسجد بعد صلاة الفجر بوقار كيهز الأرض، كانت المشية ديالو فيها واحد “الزهو” مكتوم، وعينيه فيهم بسمة ك مصحوبة ب لمعة الظفر اللي ما كتخطاش فراسة القبيلة.اتاجه

للمجلس، مشيته رزينة وكلمته مسموعة،وسرح عينيه فديك الخيمة لكبيرة لي في حنابها مرفوع عليهم الستار وسقفها كامل خوامي ومنسقة بطريقة خرافية .. لقا نضرة على وجوه الخير الحاضرة فصفوف قدامو مقابلة مع بعضها والطوابل كتفصل بينهم فصف مستقيم من بداية مربع الشداد وزربيتو الى باب مدخل الخيمة المقابل معاه .

الشداد (بفصحى رصينة وجادة):

“يا أبا المنذر، ويا شيوخَ القوم.. اليومَ نُطوي حديثَ الأمس، ونفتحُ باباً للصلةِ والود في هاذه الجمعة المباركة ..لقد استقرَّ المَقام، وحانَ وقتُ العمل. اجعلوا هدا اليومَ يوماً لإكرامِ الضيفِ وإطعامِ المسكين، دونَ لغوٍ أو إطالةٍ في القول. فالعزُّ في الصمت، والقدرُ في الفعل.”

هنا بوجه يطفح بالبشر والفخر. سيأمر بذبح “الكومة” (الإبل والغنم) وإطعام كل من في الدوار والقبائل المجاورة.ومع اخر كلمة بدأ التنفيد وبدا العبيد كيجريو من جهة لجهة بينما افتتح الشداد مجلس الوقار والقيادة والشؤون السياسية .

الجو هنا يختلف؛ لا مكان للبخور والتهاني، بل ريحة الجلد والحديد وصهيل الخيل القريب. الشداد دخل وجلس بوقار الفارس الذي لا تُلهيه الأفراح عن حماية الثغور.

الشداد (بفصحى حازمة وصارمة):

“يَا رِجَالَ ‘أَنْمَارَة’.. لَقَدِ انْقَضَتْ أَيَّامُ الـدَّعَة، وَمَا كَانَ لِلشَّدَّادِ أَنْ يَطِيبَ لَهُ قَرارٌ وَحُدُودُ أَرْضِهِ مَحَلُّ طَمَع. خُبُورُ العُيُونِ تَأْتِي بِمَا لا يَسُرّ؛ تَقَلُّبَاتٌ فِي قَبَائِلِ الشَّمَال، وَتَحَرُّكَاتٌ تُرِيدُ جَسَّ نَبْضِ عِزِّنا. سَأَخْرُجُ مَعَ الفَجْرِ القَادِمِ فِي طَلِيعَةٍ لِتَأْمِينِ الثُّغُور، وَلَنْ أَعُودَ إِلا وَقَدْ أَدَّبْتُ مَنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ اقْتِرَاباً مِنْ حِمَانَا.”

فصلُ المُلْكِ: “ساريةُ العاصمةِ ودِرعُ الجنوب”

فـ داك الزمان، المُلْك ما كانش غير تاج وكرسي، كان بحال شي خيمة عظيمة هازة السما على كتافها؛ السارية ديالها الكبيرة مغروسة فـ قلب العاصمة، فين كاين “الخليفة” (الوالد ديال الشداد). تما، فـ القصر العالي، كيتخاط الصبر وكيتفصل القدر، ومن تما كتخرج الكلمة اللي كتمشي من مطلع الشمس حتى لمغربها. الخليفة هو “العقل” اللي كيدبر الشأن الكبير، كيشوف لبلاد كولها بحال رقعة ديال الشطرنج، وعينيه على كاع الأطراف وخا يكونوا بعاد.

ولكن هاد الخيمة الكبيرة، قد ما كانت عالية، قد ما كانت محتاجة لـ “أوتاد” ديال الحديد، تضرب فـ لرض وتصبر لريح الغدر. وهاد الوتد المتين ما كان غير “الشداد”. لخليفة فاش عين الشداد امير على جنوب المملكة ماشي باش يحكم وصافي، بل دور شداد كان اكبر من هاد الكلمة ..كان هوا القوة “العسكرية ” ،

و ماشي حيت بغى يبعدو على العز، بل حيت حطو فـ “فم السبع”. الجنوب كان هو “الباب” اللي كيطمع فيه كل دخيل، والشداد تما هو القفل والمفتاح. تما فـ “أنمارة”، الشداد كيحكم بـ سمية الوالد وبـ هيبة السلطان، ولكن بـ “سيفه” هو. هو “الدرع” اللي كيتلقى الضربة اللولة قبل ما توصل لقلب الدولة، وهو “العين” اللي مكاتنعسش على رمال الصحرا.

الدخلاء والطامعين مكيجيوش بـ جيش باين ورايات منشورة؛ كيبداو بـ المكر، يزرعوا الفتنة بين القبايل، ويصيفطوا “العيون” فـ كسوة تجار ولا دراويش، كيساينوا غير اللحظة اللي يرتخي فيها “سبع الجنوب” ولا تلهيه الأفراح على السلاح. حيت عارفين سقوط اللامارات والبلدان كيبدا من ترخوبن الحكام بين ملذات الحياة والنياء .،وسبب سقوط عدة ممالك عضيمة كانت بسبب استهتار حكامها وغرقهم فالشهوات بين النساء والحواري ، الشداد، وخا هو أمير وفي عز شبابه وقوته، كان كيشوف باللي الغرق في ملذات النساء والجواري هو أول خطوة لسقوط الهيبة. كان كيآمن باللي الراجل اللي كتهزمو شهوتو، ما يقدرش يهزم عدو فالميدان. و ما كانش من دوك اللي كيتسناو العدو يدق عليهم باب الخيمة. ولا تجيه اشارة او تنبيه لعمق ملذاتو ، الحكم فـ مذهبو هو “الضربة الاستباقية”؛ يقطع اللسان قبل ما ينطق بالفتنة، ويحرق ليد قبل ما تمد للسيف. خروجه للثغور ماشي غير سفر، بل هو “رسالة” لكل من سولت ليه نفسه يقرب من حدود الخليفة: “بلي سبع الفيافي ، وخا مرخي على تواب حرير العروس الجديدة ، راه باقي يدو على مقبط السيف وعينه على لبلاد.”

الخليفة فـ العاصمة كيبني العز، والشداد فـ الجنوب ك يحمي هاد العز بـ دمه، باش تبقى البلاد واقفة ، والاوتاد شادة ، والمهابة صاينة، والجنوب ديما “عاصي” على كل من بغى يتخطى الحدود

بعدما فاح عَبقُ الورد والمازهر فـ أركان الخيمة، وخرجت شامة من “الخلوة” د الغسل بحال شي قمر يلاه انشق عليه الغمام،رجعات لخيمتها وكانو الخدم كيتسناوها بالماء والمناشف .ومن بعد ما تحممات ولبسات توبها المتحف اللمخزاني فالخضر بالفصالة المخزانية التقيلة اللي على حقها وطريقها. ودارت نبالتها فيدها ومالج الذهب فالثد لاخرى وخيط مجموع على عنقها من اللويز مدلي والحوالق مذهبة . وشعرها باقي مندي بماء الورد ومطلوق على كتافها بحال ليل السكون.

جلست فوق الوسايد الحريرية، ووجها فيه واحد “النور” هادئ، مزيج بين حياء العروس ووقار السلطانة. كانت “دادا رقية” جالسة جنبها، كتمسح ليها رجليها بـ المِسك، وكتحقق في ملامح بنتها اللي كبرات بين يديها وصارت مرى حرة غرة بقوامها مرت الاسياد.

بقات ساكتة لـ لحظات، عينيها تائهة فرشم الزربية الحمرا المزخرفة بالاسود والاخضر والاحمر والابيض، تم تنهدات واحد التنهيدة رقيقة، مسموعة غير لـ رقية،

رقية(كطوي القفطان لي حيدات ) :

ماااال صدرك ابنتي كيرعد ..مااال نفسك محبوسة بين ضلوعك وغيير كتخممي”

شامة (بعينين مسمرة فـ الأرض وبصوت رزين):

“يا دادا، سهم الشداد صاب القلب فـ الصميم ودق ببانو

لقيت راسي فـ حمى فارس، رقيق فـ خلوتو وقاصي فـ زمانو

ما كنت كايسحاب لي القلب يميل، ولا الروح تفتن فـ ميزانو

سهمو يا دادا فات اللحم، وخلاني نحس بـ الأمان فـ جنانو.”

دادا رقية (وهي كتدور بالبخور):

“هاداك سهم الغرااااام هههه..يجرح ويداوي الجرح..

شامة (بتنهيدة رقيقة فيها بزاف ديال المعاني):

“يا دادا، الشداد لبارح كأنه عاود ليا لخلوق بـ كلامو

لقيت فيه الرفق اللي مخبع، والصدق اللي باين فـ أحكامو

أنا دابا فـ حماه، وحماه هو عزي وتاج مقـامو

سهمو صاب قلبي، وصار مكتوبي مربوط بـ قدامو.”

دادا رقية:

“الله يثبت الغرس، ويجعل ليلكم كلو فرح ويُسر

يا مرت الأسياد، كوني كتمان السر وكوني الستر

الشداد لقى فيك هناه ، واليوم نتي لـ دارو النور والفخر.”

شامة بقات ساكتة من ورا هاد الكلام، مكتفية بـ لمعة فـ عينيها كتحكي كاع داكشي اللي ما بغاتش تخرجو لسانها، حاسة بلي القلب مال ونضرة عيونها ما بقاتش كيف كانت قبل ماتحط قدامها فالخيمة

سكتات رقية، وجمعات شتات الثوب اللي كان ملوح، وبقات غير الريحة د العود القماري كترقص فـ ليدين. شامة شافت فـ يدها اللي فيها النبالة، وحركاتها بـ رفق، وصوت الذهب دار واحد الرنة خفيفة فـ سكات الخيمة، كأنها كتفيقها من حلم الغرام لواقع الشأن والمقام.

دادا رقية (وهي كتحط يديها على كتاف شامة):

“نوضي ابنتي.. الحرة ما كيطول جلوسها على الوسايد والنهار طلع.

سمعات دادا رقية العياط من برا وخرجات هازة راسها وضهرها واقف ويديها محنية والكحل فعينيها والسواك ففمها

لقات قنبر واقف وراسو محني ويديه للقدام مجموعين. بديك السترة لي بلا كنام والرزة وسروال قندريزي مع البلغة الصحراوية، كانو لعبيد كلهم كيلبسو نفس السروال نفس البلاغي ونفس الرزة ولونهم سمر غامق

قنبر (بـ كلام موزون)

يا لالة رقية، يا حافظة السر والنية..

مولاي الشداد كيقول ليكم: الخيل تسرجت والوقت مابقا فيه بقية.

قولي لـاللة شامة، بلي الشداد راه برا كيتسنى

دادا رقية (ردت عليه بـ رزانة تليق بـ مقامها):

“بلغ. مولاي باللي “الأمانة” واجدة فـ يده،

وغرسو ،فالحال يبان عنده .

الحرة كتلبس لثامها ، والبرنوس المخزاني فوق كتافها بان حده.

دخلت رقية للخيمة، وقنبر رجع بـ خطواتو لخفيفة يوصل لخبار

دخلات دادا رقية للخيمة وهي كاتسابق ريح العود، لقات شامة واقفة بحال النخلة فـ عز الظهر، البرنوس فوق كتافها والرزانة فـ عينيها. قربات منها رقية، وضبطات ليها الطوية د الثوب على كتافها، ونطقات بكلام موزون كيقدر بالشان:

“بنت الاسياد ومرت الاسياد وان شاء الله ام الاسياد، مولاي برا كيتسناك ابنت لشراف ، خرجي عندو بهيبتك وريه مقامك ورفيع شانك “

تنهدات شامة بتنهيدة طويلة وناضت وقفات ، حطات عليها دادا رقية السلهام وغطات وجهها بالثام.وخرجات موراها حتى وصلات عند الشداد لي كان واقف قدام جوج خيول كيمسح على واحد فيهم بيد الطييبة والتسبيح على معصمه ملفوف. كان بلباس حر مفرز قوامو . سروال لونه كحل بحال العادة وسترة باليدين مسدودة وعماماة صحراوية ملفوفة وعلى كتفو ممدودة.

غير شافها جايا تبسم ومد يدو وفتح كفو باش تحط يدها فيه وقال بصوته الجوهري الرخيم

“يا سِكنَ الفؤادِ وربةَ الأمجادِ،

هل فيكِ حيلٌ لامتطاءِ الخيلِ، أم حالَ الجُرحُ دونَ المُراد؟

إن كانَ في النفسِ وهنٌ، فعودي لخيمتِكِ في سِترٍ ووِداد،

فما كانَ للشدادِ أن يُرهقَ رُوحاً، هي للمقامِ السندُ والعماد.”

هبطات راسها بحياء وابتسامة وتلفتات لدادا رقية شافت فيها بعيون خجولة ..استمدت منها القوة ورجعات بعدات نضرها ويدها على وجه الحصان بحنان

“يا سيّدَ الروحِ، مَن صانَ الودَّ لا يُرهقهُ المَسير،

وجرحٌ أصابَهُ سهمُكَ، يبرأُ بلمحِ البصرِ ويستنير.

لستُ ممّن يثنيها الوهنُ وعِزُّكَ لي مَدادٌ وظهير،

سأركبُ الخيلَ خَلْفَكَ، ففي حِماكَ يَهونُ كلُّ عسير.”

مال الشداد برأسه قليلاً، وكأن جوابها زاد من هيبتها في عينه، ورد عليها بصوت فيه وقار وفخر:

“امتطي صهوةَ العزِّ يا ابنةَ الأصولِ، فبِكِ يكتملُ النصرُ والظفرُ،

ومَن كانتْ للشدادِ سكَناً، فلن يمسَّها ضيمٌ ولا خَطرُ.”

توقف الشداد عند صهوة جواده، لكن عينيه لم تفارقا خطواتها الرزينة. تقدم نحوها بوقار، وحين دنت من فرسها، مد يده القوية ببطء كأنها جسر من أمان. لم تكن مجرد مساعدة، بل كانت إعلاناً أمام الملأ بأن هذه المرأة هي “ضلعه الثابت”.

وضع يده تحت كفها، وشعرت شامة بدفء قوتّه يسري في عروقها، بينما رفعت طرف برنوسها الأخضر بحياء يقطر وقاراً. وبحركة خفيفة، رشيقة رغم ثقل الثوب والمقام، أعانها لتستقر فوق السرج بتمكن.

أرخى الشداد يده، لكنه بقي واقفاً بجانب ركابها للحظة، ونظر إليها بعينين تلمعان بفخر صامت، ثم نطق بصوت خفيض لا يسمعه غيرها:

“ثبّتي الغرسَ يا ابنةَ الأكرمين، فقد استقامَ الميسمُ على الميناء،

لكِ في الصهوةِ عِزٌّ، وفي قلبي مَنزلٌ فوقَ كُلّ بناء.

سيري على يميني ، فما أنتِ اليومَ إلا لواءٌ، يُرفرفُ في الأفقِ ويملأُ الفضاء.”

سحبت شامة طرف لثامها، وأمسكت الأعنة بيدٍ ثابتة، ولم تنطق بكلمة؛ بل كانت نظرة الود الصادق في عينيها، وهي تستند إلى فرسها بجانب حصانه، أبلغ رد على سؤاله وهيبته. انطلق الركب، وكان وقع حوافر خيلهما على الرمال يكتب أول سطر في حكايته

شريفة” هي سيدة الخيمة الأولى، هي الأصل التي لا يُعلى عليها، وقهرتها اليوم ليست كأي قهرة؛ لأنها ترى بساطاً كانت هي ملكته الوحيدة يُسحب من تحت قدميها.

شريفة” هي سيدة الخيمة الأولى، هي الأصل التي لا يُعلى عليها، وقهرتها اليوم ليست كأي قهرة؛ لأنها ترى بساطاً كانت هي ملكته الوحيدة يُسحب من تحت قدميها.

وجه شريفة، الذي كان يقطر هيبة ووقاراً، صار اليوم مرآة لليلة من السواد. عيناها اللوزيتان غارتا في محجريهما، يحيطهما ظلٌّ داكن يحكي قصة سهرٍ لم تذق فيه للنوم طعماً. الجفون متورمة، حمراء كأنها غُسلت بماء النار، وكل رمشة عين هي وخزة وجع في قلبها المشروخ.

صدرها يعلو ويهبط في زفيرٍ مسموع، “نهيتة” ثقيلة تخرج من أعماق الرئتين، وكأن تلك “القهرة” صخرة حقيقية تفتت عظام صدرها. يدها التي كانت تأمر وتنهي، ترتجف الآن وهي تمسك بقلادة كانت هديته في زمنٍ مضى، تضغط عليها حتى كادت تنغرس في كفها.

شريفة لا تبكي الآن؛ فدموعها جفت مع خيوط الفجر الأولى. هي الآن في مرحلة “الصبر المُر”. ملامحها متصلبة كالحجر، ترفض أن تظهر ضعفها أمام الغلمان أو الجواري، لكن في خلوتها، تبدو كشجرة عتيقة ضربها البرق، واقفة لكن روحها من الداخل رماد.

تعرف أن زوجها أمضى ليلته هناك، تحت كساءٍ آخر، وبين أحضانٍ غريبة عنها. تفكر في “شامة” (الضرة) وفي تلك الصبية التي سرقت منها هدوء أيامها، وتشعر بمرارة العلقم تصعد إلى حلقها. شريفة ليست مجرد زوجة غيورة، هي “المرأة الحرة” التي تشعر أن كرامتها دِيست تحت سنابك خيل الغدر.

تحاملت على جسدها المنهك، حاولت الوقوف لتستعيد وقارها كـ “للا شريفة”، لكن الأرض تحت قدميها بدأت تميد. شعورٌ غريب بالخدر من أطراف أصابعها نحو قلبها المشروخ. فجأة، صار الضوء النافذ من شقوق الخيمة باهراً لدرجة العمى، تحول إلى بياضٍ مطلق يبتلع معالم المكان. بدأت تضيق، وكأن ذرات الرمل في الهواء تحولت إلى زجاج يجرح حنجرتها. حاولت أن تمسك بعمود الخيمة، لكن يدها خانتها، ارتخت أصابعها وسقطت القلادة من كفها لترتطم بالتراب بصوتٍ أصم.

شعرت بـ “القهرة” التي شقت صدرها تخرج من حدود قلبها لتطبق على وعيها بالكامل. انسحب اللون من وجهها تماماً، وانعقد لسانها عن النداء. لم تكن صرخة، بل كانت زفرةً طويلة ومريرة خرجت من أعماقها، تلتها ظلمة مفاجئة.

جسدها، الذي كان يوماً رمزاً للشموخ والوقار، تهاوى ببطء، كأنها ثوبٌ حريري فُقد منه الخيط الذي يمسكه. سقطت شريفة فوق البساط، واصطدم رأسها بالوسائد المهترئة دون أن تشعر بالألم، فقد كان ألم روحها قد غطى على كل حواسها.

انقطع الأنين، وسكنت الحركة، وبقيت شريفة ممددة في وسط خيمتها، شاحبة كأنها قطعة من الرخام، بينما شمس الظهيرة تواصل صبّ لهيبها فوق الوبر، غير آبهة بقلبِ حرةٍ انطفأ نوره من شدة الغدر.

ركب الشداد صهوة جواده، واعتلت شامة متن فرسها بوقارٍ لافت، وتحرك الركب يقطع الفيافي نحو الوجهة المقصودة. كانت الرمال تحت حوافر الخيل تحكي قصة العز، وقنبر يتقدم القافلة بخطواته الموزونة، حتى بدت من بعيد أسوارٌ عالية، تعانق السماء وتكسر حدة الأفق.

انحبست الأنفاس حين لاحت “القصبة”حصنٌ منيع يضرب في الأرض جذوراً من هيبة، وأبوابه المشرعة تحكي صولة أهله.

مال الشداد بفرسه قليلاً نحو شامة، وبصوت هادئ يحمل فخراً مكتوماً، قال وهو يشير بيده نحو القلعة:

“انظري يا ابنة الأكرمين، هناك ‘تلك القصبة’ ترقبُ المَسير،

حصنٌ صانَهُ الأجدادُ، واليومَ بقدومِكِ يزهو ويستنير.”

ابتسمت شامة خلف لثامها، اقترب الركب من الباب الكبير، حيث وقف الخدم والحراس في صفين كأنهما جناحي صقر، ونادى قنبر بأعلى صوته ليعلن وصول “امير الصحراء”

دخلت شامة خلف الشداد إلى صحن القصبة، وكان وقع حوافر خيلها على الحجر الممهد يعلن بداية عصر جديد في هاذه القصبة

ترجل الشداد أولاً، ثم اتجه نحوها ليُعينها على النزول، في مشهدٍ جعل أعين الجميع تدرك أن مقام هذه المرأة عند سيدهم ليس له مثيل.

حطّت شامة رجليها على الرخام البارد د لَعراصي، والبرنوس كيجره وراها بوقار كأنه كيمسح غبار الطريق وكيطبع ملكية جديدة. القصبة من الداخل كانت كتشبه لشي حلم تاريخي قديم؛ السواري عالية ومزوقة بـ “الزليج البلدي” اللي ألوانه كتخطف العين، والمازهر فايح من الرشاشات كأنه كيغسل الروح قبل الجسد.

“وقفت شامة فـ قلب ‘الدار الكبيرة’، وهزات عينيها لـ ‘القبّة’ المنقوشة بـ خشب الأرز، فين الشمس داخلة خيوط خيوط من بين الزواق، ومرسومة فوق الأرض بحال شي زربية د النور. كانت القصبة ولكن حيطانها كيهضرو بـ هيبة الأسياد اللي دازو منها.

الشداد وقف بعيد عليها بخطوة، مخلي ليها المساحة فين تحس بـ ‘مقامها’. شامة ما تسرعاتش، مشات بخطوات تقيلة، وصبعانها دازو على الحيط المنقوش بـ ‘الجبس المحفور’. كانت كتحس بـ النقوش تحت يدها بحال إيلا كتقرا تاريخ هاد الدار.

بصوت شامة (وهي كتمسح على السارية):

يا “ام الخير” جيتك بـ النية والصبر، وبـ هيبة الشداد اللي جعلني ليك قمر. حيطانك شافو التاريخ، وأنا جيت نكتب فيك سطور العمر. كوني ليَّ الحصن وكوني ليَّ المفر، راه الحرة بـ دارها كتعلى، وبـ مقامها كتكبر.”

على مشارف الصحراء، حيث تلتقي حرارة الرمال ببرودة الظلال. أمامك تنبثق هذه القصبة المهيبة كأنها جوهرة نُحتت من طين الأرض وزُينت بزمرد الجنان.

كان المشهد من بعيد

تنتصب الأسوار العالية بلونها الآجري الدافئ، تحمي في جوفها عالماً من السحر. تعلوها صومعة شامخة تخاطب السماء، مزينة بنقوش هندسية دقيقة تحكي مهارة الصانع الذي لم تغلبه قسوة الطبيعة. القباب الخضراء اللامعة، بلونها المستوحى من ريش الطاووس، تكسر رتابة لون الرمال الذهبية التي تحيط بالمكان من كل جانب، وكأنها واحة أبدية تأبى الزوال.

في قلب القصبة

بمجرد تجاوز البوابة الضخمة المقوسة، يستقبلك الرياض الفسيح. هنا، الصمت ليس فراغاً، بل هو همس النوافير التي تتوسط الساحة، حيث ينساب الماء في سواقٍ مرصوفة بـ “الزليج” الملون، ليروي عطش الحديقة المنسقة بعناية. أشجار النخيل الباسقة ترسم بظلالها نقوشاً متغيرة على الأرضية، بينما تفوح رائحة التراب المبلل والياسمين لتنعش الأنفاس.

الأروقة: تحيط بالساحة ممرات مظللة بأعمدة مرخمة، تمنح الناظر شعوراً بالأمان والسكينة، وتدعو العابر للتأمل في تفاصيل الأقواس والزخارف الجبسية التي تغطي الجدران.

• الأفق: خلف الأسوار، تمتد الكثبان الرملية كأمواج بحر من ذهب، لا يقطع صمتها إلا صفير الريح، مما يجعل هذه القصبة تبدو وكأنها قلعة صامدة في وجه الزمن، تحرس أسرار التاريخ وهيبة الصحراء.

إنها ليست مجرد بناء، بل هي قصيدة مكتوبة بالآجر والماء، تجسد شموخ الحضارة في قلب العزلة.

هنا هزات شامة راسها فالسما فقلب هاد القصبة ..ونزلات بنضرها ببطىء تتأمل روعة هاذه القصبة مع موسيقى الطيور والعصافير وخربر المياه فالخصات وبصوتها الضعيف الناعم بدات كتردد ما يجول في خاطرها ووتنطق باحساسها عبر كلمات ابيات شعرية :

يا قصبةً في هجيرِ الرملِ تنتصبُ

تاجٌ من الطينِ، للأمجادِ يُنتسَبُ

سورٌ صمودٌ بلونِ الأرضِ وشحهُ

عزٌّ مَكينٌ بذكرِ اللهِ يختضبُ

قبابُها الخضرُ كالأحلامِ ساطعةٌ

فوقَ الرمالِ كما لو أنها الشُهبُ

وفي الرياضِ مياهٌ زانَ مَنبَعها

صوتُ الخريرِ بروحِ الزليجِ ينسكبُ

نخلٌ يميلُ إذا ما الريحُ لامَسَهُ

يحكي السكينةَ والأغصانُ تحتطبُ

خلفَ البوابةِ تاريخٌ نرتلهُ

وعندَ عتبتِها القوافلُ ترتقبُ

يا واحةَ الفخرِ في بحرٍ من الذهبِ

في حُسنِكِ العقلُ والأبصارُ تغتربُ

شخصية شداد، بهيبتو ووقار القادة، ما قدرش يبقى مجرد مشاهد قدام هاد اللوحة اللي رسمات شامة بصوتها. كان واقف فواحد من الأروقة المظلة، عاطي بظهرو لواحد السارية د الرخام البارد، وعينيه ما مفارقاش خيالها اللي كان كيبان وسط الرياض بحال شي نسمة صيفية.

ملي سكتات شامة، وبقى غير صدى صوتها كيدور بين الأقواس والزخارف، تقدم شداد بضعوات رزيينة، الدقة د صباطو فوق الزليج كانت هي الموسيقى الوحيدة اللي بقات كتسمع. وقف وراها بمسافة قصيرة، خلى عينيه يسرحو فديك القباب الخضراء اللي وصفتها، وعاد نطق بصوت رخيم فيه هيبة الصحراء ودفء المحبة:

“يا شامة.. هاد الحجر والطين لي حصنت بيه هاد القصبة اللي كتشوفيه، وقفتو بجهدي باش يحميها ويسترها على عيون الناس، ولكن هاد الكلمات اللي نطقتي بيهم دابا، عطاو لهاد القصبة روح ما كانتش عندها. القصبة كانت غير بنيان صامت، وحتى نطقتي أنتي عاد ولات كتهضر، وولى لكل نقش فيها معنى.”

“قلتي عليها واحة الفخر.. وإيلا كان فيها شي فخر حقيقي، فهو أن هاد الأسوار غتحمي وسط منها لالة العيالات اللي كتشوف بقلبها قبل عينيها. واش هاد الشعر كلو كان مخبي ورا هدوءك، ولا هاد القصبة هي اللي سحراتك حتى نطقتي بمكنون صدرك؟”

قرب منها خطوة وحدة أخرى، وبصوت خافت فيه ثقة الحاكم اللي عارف قيمة الكنز اللي بين يديه، زاد:

“إيلا كانت هاد القصبة كتحرس أسرار التاريخ، فكوني أكيدة بلي أنتي اليوم وليتي أغلى سر فهاد المكان، والسر اللي غنحرسو بروحي وسط هاد البحر د الذهب.”

شامة بقات عاطية بظهرها لشداد، عينيها مازال مسمرين فداك الأفق فين كيتلاقى الرمل مع السما، وما التفتاتش جيهتو واخا حست بلقرب ديالو وبديك الهيبة اللي كيرخيها المكان. الابتسامة ديالها كانت هادئة، رصينة، وماشي من النوع اللي كيخلّي الواحد يفرط فلي فقلبو.

بهدوء كبير، وبصوت فيه نغمة الرزانة، ردات عليه بأبيات موزونة، خلات فيها المسافة باينة بين “جمال الوصف” و”ثقل المسؤولية”،

عزُّ القلاعِ بسورٍ صانَ هيبتَها

لا بالقصيدِ إذا ما خُطَّ في الكتبِ

يا مَن بنيتَ بجهدٍ كلَّ ساريةٍ

حِفظُ الأمانةِ أغلى مَنجمِ الذهبِ

سِترُ الديارِ وقارٌ لا ينكشفُ

والحزمُ طبعٌ لذي السلطانِ والأدبِ

هذي القبابُ التي بالخُضرِ قد زُينت

تحتَ السكينةِ تُخفي صادقَ الغلبِ”

زاد شداد فالهيبة ديالو، ودار عندها بواحد الحركة رزيينة وهو كيشير لداخل د القصبة: “تفضلي يا شامة،لداخل كاين اللي يسر نضرك اكثر “

تمشاو بجوج، والصمت كان كيقطعه غير صدى الخطوات فوق الرخام . والعبيد كينضفو ويمسحو المكان كأنهم غيستقبلو ضياف ثقال فالميزان،شداد بدا كيوريها خبايا القصبة، جناح بجناح،

1. الدويرة (جناح الاستقبال والضيافة)

أول ما بداو به هو “الدويرة” اللي جاية فالدخلة، قاعة كبيرة وساسها غارق. الحيوط مخدومين بالتدلاكت الصافي، والسقف عالي بالعواد د الأرز المنقوش بـ “الزواق” الفاسي. شداد قال ليها: “هنا غيكون مجمع الأعيان والقبيلة، الزرابي د الزياينة غتفرش الأرض، والمطارح د الوبر غتكون مسند للي جا قاصدنا.”

2. الجناح الخاص (بيت الخزين والراحة)

دوزها لواحد الرواق طويل كيوصل لواحد الجناح معزول، بعيد على الصداع. تما كاين “بيت الخزين” اللي عامر بصناديق العود د العرعار، فين كيتخبى الحرير والذهب والوثائق اللي عليها العمدة. شداد وراها “البيوت” اللي غيكونو مخصصين للراحة، شبابيكهم كيشوفو غير للداخل د الرياض، باش تبقى “السترة” هي العنوان. قال ليها بلهجة حنينة: “هنا راحتك يا قلب شداد، بعيد على عين البراني.”

3. قبة القيادة (المكتب والمشورة)

طلعو فواحد الدروج ضيقين ومزليجين، حتى وصلو لواحد البيت عالي كيشرف على القصبة كاملة وعلى الصحراء اللي برا.ومنو كتبان المدينة لكبيرة والاسواق والاسوار العالية والمساجد . هاد الجناح هو “العقل” د القصبة. طوابقو كبار، وفيه “تفريجة” كطل على الكثبان. شداد شرح ليها: “هنا غيكون المرسم ديالي وفين كناخدو القرارات الكبار. من هنا كنشوفو الخطر قبل ما يوصل، ومن هنا كنسيرو القوافل.

4. المطبخ والمرافق (قلب القصبة)

نزلات عينيهم لجهة “المطابخ” والفران التقليدي اللي مبني بالطوب والتراب. تما فين كيطيب الخبز د القلال ورائحة الطاجين اللي كتسكت الجوع. العرصات اللي دايرين بيه فيهم غرس د النعناع واللويزة، باش تكون “البركة” ديما حاضرة فكل لقمة

شداد وقف فوسط واحد القبة صغيرة فالسقف، وشاف فشامة وقال ليها بصوت واثق:

“هاد القصبة يا شامة، ماشي غير حجر ومرمر.. هي دولة صغيرة وسط هاد الرمل. كل ركن فيها عندو هيبة، وكل جناح فيه سر. ودابا، من بعد ما شفتي العين والثرى، قولي ليا ..فين لقيتي راحتك هنا ولا فلخيام،اما حسن؟

يتبع

شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.