الرجوع إلى القصة
ليلة الخميس
الفصل 3 171 دقائق تقريباً 21/07/2026

الفصل 3

شامة وقفات فوسط الرواق، وبقات كتدور عينيها فهاد العجب اللي قدامها. النفس ديالها كانت كترجع ببطء، وكأنها يلاه بدات كتستوعب بلي هادشي اللي كتشوف ماشي غير حلم عابر أو سراب من سرابات الصحراء. شافت فشداد بواحد النظرة فيها خليط من الدهشة والرزانة، وقالت ليه بصوت هادئ ولكن فيه نبرة الاعتراف بالحق:

والله يا صقر، إيلا هاد العجب اللي شافت عيني اليوم، بدل ليا قياص كاع داكشي اللي كان فبالي. راه كان كيحساب ليا بلي هاد الأرض ما فيها غير الرمل العاري، والريح اللي كتسابق مع الريح، وشوية د الخيام اللي كتهزنا وتنزّلنا فين ما رشق للما.. كان كيحساب ليا بلي آخر الدنيا هي ديك الواحة اللي حدا خيامنا، وبلي حنا غير رحّالة تابعين النجم والغمام.”

حبسات شوية، وحطات يدها ببطء على واحد السارية د الرخام وكأنها باغا تأكد بلي هاد الحجر حقيقي وكاين بصح، وكملات كلامها:

“ما كنتش كنظن بلي وسط هاد الخلاء، كاينة مدينة قايمة بسوارها، وديور سكنية عالية كتشوف فالسما، وقصبة كتحكم وكتسير. هاد الأسوار وهاد البنيان اللي شفت، كيبين بلي الجدران هنا عندها عروق غارقة فالأرض، ماشي بحال الوتاد د الخيمة اللي كيتلعق بقلعة ريح.

ابتسم الشداد ابتسامة عريضة، ونظرة عينيه كانت واثقة وفيها فخر كبير وهو كيشوف في “شامة” منبهرة بالبنيان اللي وقف عليه سنين. تقدم خطوة لعندها، وصوته رجع يصدح في الرواق بهدوء كلو وقار:

“يا شامة، الخيمة هي الأصل وفين تعلمنا معنى الحرية، ولكن هاد الأسوار هي اللي كتخلي ديك الحرية تبقى صامدة. هاد المدينة اللي كتشوفي، ما تبناتش غير بالآجر والماء، تبنات بالصبر وبالرؤية اللي كتشوف البعيد. بغيتك تعرفي بلي هاد الأرض، من ورا هاد القصبة، راها غنية بأهلها وبخياراتها، وما بقاتش غير محطة للراحة، ولات هي الساس والراس.”

شاف جيهة الأسوار العالية وكمل كلامو بلهجة فيها طموح القادة:

“الخيمة كتطوى مع الفجر، ولكن هاد القصبة باقية هنا للأجيال.

شامة سكتات شوية، ودارت عندو بواحد النصّ لفتة، عينيها فيهم واحد الذكاء اللامع اللي كيقرا ما ورا السطور. تمشات بخطوات رزيينة جيهة الدروج اللي كيطلعو لواحد الجناح كيبان أكثر هيبة وسترة من كاع الأجنحة اللي شافو، ودارت عندو وقالت ليه بنبرة هادئة وصوت خافت:

“ودابا يا صقر، من بعد ما وريتيني الدار والدويرة، والمخازن اللي عامرة بالخير، وقبة المشورة فين كتخمم وتدبّر.. قولي ليا، فين هو الركن اللي كيرتاح فيه الصقر ملي كيعيا من الطيران؟ الجناح الخاص ديالك، اللي فيه كتسد عليك الباب وكتنزل سلاحك وتخلي الدنيا وراك.. فين هو؟”

شافت فالدروج اللي مأديين لواحد القبة عالية ومستورة بـ “المشربية” د العود، وكملات بابتسامة خفيفة فيها فضول ذكي:

“واش حتى داك الجناح مخدوم بالمرمر والزواق، ولا الصقر فاش كيبغي ينعس كيرجع لبساطة الخيمة اللي ولف عليها”

هنا شامة، بذكائها، بغات تدخل للمكان اللي كيمثل الخصوصية د الشداد، حيت تما فين كينزل القناع د القائد وكيبان الراجل اللي وراه، وتما فين غتقدر هي تبني جسور التأثير ديالها الحقيقي.

ضحك الشداد واحد الضحكة خفيفة ورزينة، فيها هيبة القائد وفي نفس الوقت فيها تقدير لذكاء شامة وفضولها. شاف فيها واحد النظرة عميقة وكأنه كايقول ليها بلي سؤاله كان في محله، ومشى جيهة واحد الدروج مستورين، مخدومين بالزليج المزيّن بنقوش خفيفة، وأشار ليها بيده باش تتبعه.

وهما طالعين، قال ليها بصوت هادئ:

“الصقر يا شامة، واخا يعيا من الطيران، عينه ديما على السما. وجناحي الخاص، صاوبته بعيد على الصداع، فين كيتلاقى السكون د الصحراء مع هيبة المكان. تما فين كينزل السلاح، وتما فين كيبان الصح من الغلط.”

وصلوا لواحد الباب ضخم من خشب الأرز، ريحة العود فيه عاطية من بعيد. غير حل الباب، بان جناح كيسحر العقل:

• الفراش والراحة: وسط الغرفة، كاين فراش عالي ومريح، مغطي بأثواب د الحرير والديباج بلون الأرض، وفوق منه خيمة صغيرة د الثوب الرفيع كتعطي إحساس بالسترة والوقار.

• الإطلالة: كاين واحد “المنظرة” كبيرة (شباك واسع) بمشربية د العود، كطل مباشرة على الكثبان الرملية. من تما كيقدر الشداد يشوف النجوم بالليل ويراقب الفجر ملي كيطلع، وكأن الغرفة امتداد للصحراء اللي برا.

• التفاصيل: الحيوط مدهونين بالـ “تدلاكت” بلون الرمل، وفالركن كاين صندوق قديم د العود المرصع بالفضة،

وقف الشداد وسط البيت، ودار عندها وقال ليها:

“هنا يا شامة، كينتهي ضجيج القصبة وكيبدأ صمت الصقر. هاد الجناح ما فيهش زواق بزاف، حيت بغيت الراحة ديالي تكون كتشبه لأصلي.. بسيطة وقوية. هنا فين كنخمم في اللي جاي، وهنا فين بغيتك تكوني معاي، باش المشورة ما تبقاش غير فـ ‘قبة القيادة’، ولكن تولي حتى فهاد الركن المستور.”

شاف فالتعبير د وجهها وزاد:

“دابا قولي ليا يا صقر، واش هاد الجناح للي كيشوف فالخلا، كايناسب المقام، ولا نزيدو فيه من سحر كلماتك باش يولي جنة وسط هاد السكون؟”

شامة وقفات فوسط الجناح، وتمشات ببطء جيهة ديك “المنظرة” اللي كطل على الخلا. حطات يدها على الخشب المنقوش د المشربية، وخلات عينيها يسرحو مع دوك الأمواج د الرمل اللي ما عندها حد. حست بنظرات الشداد متبعينها، كيتسناو منها شي كلمة، شي بيت شعري يبرد غليله ويوزن اللحظة، ولكن شامة كانت عارفة بلي كاين شي حوايج أبلغ من القوافي.

دارت عنده ببطء، والهدوء اللي فوجهها كان كبر من هدوء الصحراء فديك الوقيتة. ما نطقت بصدر بيت ولا عجز، ولكن شافت فيه واحد النظرة عميقة وقالت ليه بصوت كيوزن كل كلمة:

“يا صقر، كاين شي بيوت د الشعر إيلا تقالو كيتسالاو مع النفس اللخر د الكلام، وكيبقاو غير صدى بين الحيوط. وأنا اليوم، ما بغيتش نعطيك ريح الهضرة اللي كيطير، بغيت نعطيك الأثر اللي كيبقى.”

ودورات وجهها كتشوف قدامها وحدة قالت

“عندك هنا ورقة وقلم؟”

حرك الشداد راسو كيتبسم بالسمع والطاعة وم شا جهة واحد الطاولة عليها كرسي وفتح المجر جبد ليها المطلب وحطهم فوق الطبلة وشار بيدو ليها بلا مينطق كأنه كيقوليها تفضلي

مشات كتبسم وجلسات على داك الكرسي البني امام تلك الطاولة الخشبية من غود العرعار وبدات كتكتب .بقا واقف مربع يديه قدامو بعيد منها شوية حتى كملات كتابتها ووقفات لوات الورقة،

شافت فيه شامة بواحد النظرة ثاقبة، فيها من الدلال قد ما فيها من الهيبة، وقربات لجهة واحد الركن فداك الجناح اللي كان كيبان خاوي وناقصاه اللمسة د الروح. دارت عندو وقالت ليه بصوت فيه نغمة د التحدي الهادئ:

“يا صقر، هاد الجناح واخا فيه ريحة العود وهيبة السلاح، كيبان ليا مازال كينتظر الروح اللي تحييه. واش تقبل نخلي الأثر ديالي فهاد الركن الخاص ديالك؟”

الشداد عقد حواجبو بشوية بفضول، وهو كيتسنى يشوف شانو هاد الأثر اللي كتهضر عليه، واش قصيدة معلقة ولا زواق جديد، ولكن شامة كملات بكلام فيه المعنى بعيد:

ابتسم الشداد ابتسامة عريضة، فيها خليط من الاستسلام ، قرب منها حتى بقاو غير خطوات قليلة بيناتهم، وهز راسو بالموافقة وهو كيشوف فيها بواحد التقدير كبير:

“يا شامة، هاد الجناح وهاد القصبة، ومن وراهم هاد الصحراء كاملة، إيلا ما كانش فيها الأثر ديالك راها كتبقى غير خلا مقفر. قولي واش يقبل الصقر يطير بلا جنحين؟

مد يده بحال إيلا كيسلم ليها مفاتيح هاد المكان، وكمل بصوت رزين:

“قبلت يا شامة، بل ورغبت فداك الأثر. خلي روحك تدور بهاد الحيوط، ورتبي ليا هاد السكون كيف بغيتي. أنا بغيت هاد الجناح يولي هو ‘الخلوة’ فين كيتجدد العزم، وبغيت يدك الخفية هي اللي ترسم ليا الطريق ملي تضلام الرؤية برا. من دابا، هاد الركن أمانة عندك، شوفي كيفاش تردي هاد الحجر ينطق بهيبتك.”

مرة اخرى اصاب الصقر الهدف وفهم من شامة الخطوة لي بغات دير وكأنها نطقاتها بلسانها . خلات الورقة ملفوفة كما هي وقالت بهدوء

“نادي على النحاث.. ويكون حرايفي يليق بهاد الكلمات “

غمض الشداد عينيه مهبط راسو بابتسامة وقال

“السمع والطاعة”

وفديك اللحظة اللي عطى فيها الشداد الموافقة، كانت عارفة بلي هادي هي “الغرزة الأولى” اللي غتخيط بها هيبة هاد المكان. .

قلب ضهرو برشاقة وخرج من الباب عند العبد لي واقف تما قصير القامة وعليض البنية وعلى راسو عمامة صغيرة وشار ليه بيدو ينادي النحاث اللي كينحث الحجر لتحت . وماهي الا ثواني حتى كان النحاث حاضر ناضر قدام الامير وقدام لاللة شامة واقف ويديه عليهم اثر الغبار وشقاء العمل ، حدر راسو لبى الطلب .وهنا مدات ليه شامة الورقة الملفوفة وقالت

بصوت هادي وكلام موزون :

“هاك يا معلم.. هاد الكلام اللي فهاد الورقة، بغيتو يتنحت على الصدر د هاد الحيط العالي اللي اللي ليه الشرف يتسند عليه سرير مولاي . بغيت يدك تنقشو باتقان، حرف بحرف، وماشي غير نقش وصافي، بغيت اللي قراه يحس بلي الكلمة نابتة من وسط الحجر، وبلي الحجر نيت هو اللي نطق بها.”

وشارت لداك الحيط المزين بقوس مزغرف من العود وداخله ستار مجموع من الاطراف وفقلبه داك الجزء من الحيط لي كان خاوي .

شامة ما اكتفاتش بوضع البصمة ديالها على الحيط اللي كيتوسد عليه الشداد، بل بقات عينيها كيدورو فداك الرواق الداخلي اللي كيربط الجناح بالخلوات اللي حداه. حست بلي هاد “المملكة الصغيرة” اللي بناها صقر وسط القصبة، مازال فيها زوايا ميتة محتاجة لذكاء المرأة باش تولي تنبض بالحياة.

دارت عندو، والوشاح ديالها كيتحرك ببطء مع نسمة الهوا اللي داخلة من المشربية، وقالت بنبرة فيها هدوء الآمرين:

“يا صقر، إيلا كان هاد البيت هو العقل فين كتخمم، والقلب فين كترتاح، فأكيد هاد البيوت اللي مجاورة ليه هي العروق اللي كتغديه. بغيت نشوف دوك الغرف اللي على اليمين وعلى اليسار.. بغيت نعرف الساس كيف داير من الجناب، حيت السور العالي ما كيحميه غير البنيان اللي متكي عليه.”

حبس الشداد خطواتو عند العتبة، ودار جيهة شامة بواحد الرزانة اللي خلاتها تحس بلي كاين واحد الخط أحمر رقيق ما بين “المشورة” و”أسرار الدولة”. وقف وقفة السبع اللي كيحرس العرين ديالو، وشاف فيها بواحد النظرة فيها بزاف د الود ولكن فيها “المنع” بوقار السلاطين.

ابتسم ابتسامة خفيفة، وصوتو رجع خفات ولى فيه ثقل المسؤولية:

“يا شامة، أنتِ الروح لهاد الجسد، والكلمة ديالي اللي كنعتز بها.. ولكن هاد البيوت اللي سألتي عليها، هي ‘خبايا القوة’. فيها أسرار السلاح، وخرائط القبيلة، ومسالك اللي ما عرفهم حتى حد من غيري، باش نهار تضياق الديرة، نكون أنا الوحيد اللي عارف فين غنخرج أهلي وناسي لبر الأمان.”

“خلي هاد الغرف مسدودة، ماشي حيت ما كنثيقش فيك، حاشا ولله.. ولكن حيت بغيتك تبقاي بعيدة على حد السيف ودخان المدافع وتعب الحسابات اللي كتهد الكتاف. خلي شامة تكون هي النور اللي كنشوفوه فـ ‘المنظرة’ والصدر اللي كيرتاح عليه الصقر، وخلي هاد الظلام والحديد ليّ أنا وحدي. هاد الأماكن يا لالة شامة، إيلا تفتحات، كينقص مفعول السر ديالها، والسر عند الشداد هو السلاح اللخر اللي كيبقى ليه فالحرب.”

الشداد وضع حدود واضحة؛ هو كيعشق شامة وكيقدر ذكاءها، ولكن “أسرار القيادة” كيبقاو ملكية خاصة ليه، حيت هو اللي كيهز السيف وكيواجه الخطر بوجه مكشوف.

رجعات خطوة لـ لور بواحد الرشاقة، وجمعات يديها قدامها بـ هدوء، وقالت ليه بصوت ناعم فيه نبرة الاعتذار اللبق:

“حاشا يا الشداد، ما كان قصدي ننبش فـ خبايا السلاح ولا نكشف أوراق التدبير اللي هازها فوق كتافك. الصقر كيبقى صقر، وعندو خلوتو فين كيوجد مخالبو، وأنا كبنت السلطان ، كنعرف بلي السر إيلا خرج من واحد، مابقاش سر.”

“أنا قصدت غير هاد البيوت اللي حدا الجناح، اللي غيكونوا سند لـ لراحة ديالك.. بحال ‘بيت الوضوء’ ولا ‘المقصورة’ فين كتغير لباسك، أو البيوت اللي غتكون مخصصة لـ لخدم والمرافقين اللي كيسهرو على راحتك. بغيت نعرف غير المحيط اللي غيدور بيك وأنت فـ وسط جناحك،”

شافت فيه بـ ثقة وزادت:

“أما أسرار الدولة والقبيلة، خليها فـ صدرك يا صقر، أنا يكفيني نكون الصدر اللي كيرتاح عليه داك العقل ملي كيعيا من التفكير. قولي، هاد البيوت لـ لخرين، واش حتى هما فيهم هيبة هاد الرخام، ولا مخبين فيهم بساطة أهل الصحراء؟”

رتاح الشداد ملي شاف شامة بذكاءها المعهود سحبات الطلب ورجعات لـ “حرم” الدار والسكينة. تنهد واحد التنهيدة خفيفة فيها الراحة، وتقدم قدامها وهو كيحل واحد الباب خشبي صغير، منقوش بـ “الخراط” التقليدي، وقال ليها بنبرة فيها بزاف د الحفااوة:

“إيلا كان هكا، فمرحبا بيك فـ كاع الأركان اللي كتحييني وتخدمني. هاد البيوت يا شامة، هي اليد اللي كتسندني بلا ما تبان.”

دوزها لواحد المقصورة دافئة، الحيوط ديالها مكسيين بـ “الخشب د العرعار” اللي ريحتو كدوّخ الرأس، وقال:

“هادي هي ‘المقصورة’ فين كنحط تقلي د النهار، هنا فين كيتجمع لباسي وصايتي.. وهادا ‘بيت الوضوء’ اللي مخدوم بالمرمر البارد والزليج البلدي، فين كيبرد الواحد نار التعب بالما الصافي. وهاد البيوت اللي حداهم، مخصصين لـ ‘الخادمة’ و’المرسول’ اللي كيكون ديما على القرص، باش ملي تطلب شي حاجة، تلقاها واجدة فـ رمشة عين.”

وقف فـ وسط الرواق اللي كيربط هاد المرافق، وشاف فيها بواحد النظرة عميقة وزاد

“هنا يا شامة، البساطة هي اللي كتحكم. بغيت هاد البيوت يكونوا بحال الخيمة، كل حاجة فـ بلاصتها، وكل ركن فيه ريحة النقا والسترة. وأنتِ، بما أنك وليتي لالة هاد الجناح، فـ أي حاجة شفتيها ناقصة، أو أي لمسة بغيتي تزيديها لهاد الخدم والمرافق، فالشور شورك.”

شاف فيها بـ واحد الابتسامة رصينة وكمل:

“دابا، من بعد ما شفتي الدار وخبايا الراحة، واش تقدري تقولي بلي هاد الصقر، واخا بنى أسوار عالية، مازال محافظ على قلب البدوي اللي كيعشق البساطة والسترة؟”

شافت فيه شامة بواحد النظرة اللي فيها الهدوء والوقار، وهزات راسها بالموافقة وهي كتقلب عينيها فدوك المرافق اللي ورّاها. قربات منو بواحد الرزانة، وكأنها كترتب أفكارها قبل ما تنطق بطلب جديد، وقالت ليه بصوت موزون:

“البداوة يا صقر ماشي هي قلة الزواق، البداوة هي الصدق فالحاجة، وهاد الجناح فيه صدق كيشبه لقلبك. دابا راني شفت فين كيرتاح الصقر، وعرفت الركن اللي كيهبط فيه جناحو.. ولكن الصقر، واخا كيعشق الخلوة، كيحتاج يعرف بلي الحِمى اللي داير بيه عامر بالروح.”

سكتات شوية، وشافت فواحد الرواق طويل كيدي للأجنحة الأخرى د القصبة، وكملات بذكاء ودلال خفي:

“ودابا، من بعد ما طمنت على راحتك، بغيت نشوف البيوت لخرين.. الأجنحة اللي مخصصة لـ لالة شامة. بغيت نشوف فين غيكون مستقري ومكاني، وفين غتكون خلوتي أنا، اللي منها غنقدر نسهر على راحتك ونربي فيها هيبة هاد الدار. واش هاد البيوت قريبة لهاد الجناح باش يبقى التواصل بيناتنا بحال خيط الحرير، ولا الصحراء وسعات بيناتنا المسافات حتى وسط هاد الأسوار؟”

ابتسم الشداد وسحب نفس عميق، وكأنه كان كيتسنى هاد اللحظة اللي تملك فيها شامة مكانها الخاص. تمشى قدامها في واحد الرواق طويل، منقوش بالخشب والجبس اللي كيعكس الضوء بطريقة فنية، وبدأ كيفتح ليها الأبواب واحد بواحد:

“يا شامة، هاد القصبة كلها دارك، ولكن هاد الرواق بالخصوص، خليت فيه أحسن الأجنحة باش تختاري اللي يوافق طبعك ويبرد خاطرك.”

• الجناح الأول: كان واسع بزاف، فيه ثريات كبار من النحاس، وفراش ملكي بلون الأرجوان، وبيبانو كبار كيطلوا على الساحة الداخلية د القصبة (المشور)، فين كيتسمع صوت النافورة وحس الحركة.

• الجناح الثاني: كان أكثر هدوء، الحيوط ديالو مكسيين بالحرير المطرّز، وفيه شرفة كبيرة كطل على “العرصة” (الحديقة) فين كاينين شجر الرمان والزيتون، وريحة الزهر عاطية فيه.

• الجناح الثالث: كان هو الأقرب لجناح الشداد، بابه كيشوف فبابه مباشرة، ما بيناتهم غير خطوات قليلة. هاد الجناح كان جامع بين هيبة الحجر وسكون الصحراء، فيه “منظرة” عالية كتشوف في المدى البعيد، فين كيبان الرمل كيدهب مع الغروب.

وقف الشداد في وسط الرواق، وربع يديه وهو كيشوف فيها بابتسامة رصينة وقال:

“ها هما البيوت قدامك يا لالة شامة. كاين البيت اللي فيه الزينة والهيبة، وكاين اللي فيه الهدوء والسكينة، وكاين اللي مابينك وبين صقرك فيه غير غمشة عين. شوفي المكان اللي كترتاحي فيه الروح ديالك،

شامة تمشات ببطء، دخلات لكل جناح وخرجات، كتقلب النور والريح وسكون الحيوط.. حتى وقفات قدام واحد كان مسدود مافتحوش ليها ، وحطات يدها على الباب ديالو بقرار واثق.

شافت في الشداد وقالت بذكاء:

“هادا.. هادا هو اللي بغيت يا الشداد. هاد الركن هو اللي كيشبه لشامة اللي كتعرف، وهو اللي غيخلي الأثر اللي بدناه فجناحك يمتد حتى لهنا.”

شامة اختارت الجناح اللي قريب لجناح الشداد، باش تبقى هي “العين” اللي ما كتنامش والقريبة من مركز القرار والراحة ديالو).

تغيرت ملامح الشداد لثواني، وظهرت في عينيه نظرة فيها مزيج من التقدير والتردد الوازن. رجع خطوة لـ لور، وشاف في الجناح اللي حطات شامة يدها عليه، ثم شاف فيها بنظرة رزينة وهادئة، وقال ليها بصوت منخفض وكأنه كيكشف ليها على سر من أسرار هاد الحيوط

“يا شامة، ذكاءك ديما كيوصلك للأصل. هاد الجناح اللي وقع عليه اختيارك، راه هو نيت اللي اختارتو ‘لالة شريفة’ من قبل. وكأن هاد المكان كيجذب ليه غير العيالات اللي كلمتهم مسموعة ورأيهم كيوزن الجبال.”

سكت الشداد واحد الشوية، وكمل بوقار وهو كيراقب رد الفعل ديالها:

“لالة شريفة شافت فيه السكن والقرب من مركز الشور، وبغاتو يكون هو حصنها وسط هاد القصبة. ودابا، ملي جيتي وأشرتي عليه، كأنك كتأكدي بلي هاد البيت مكتوب غير للي كيعرفو قيمة القرب وقوة التأثير.”

شامة بقات ثابتة، وعينيها ما نزلوش من عينين الشداد، حيت عرفات بلي اختيارها ماشي مجرد صدفة، بل هو دليل على أنها غادية في نفس الطريق د الهيبة والسيادة اللي رسماتها شريفة من قبل، ولكن بلمستها الخاصة هي.

هنا تبدلات نبرة الكلام، والشداد وقف وقفة اللي كيزن فيها مابين “العهد” و”المعزة”. شاف فـ شامة بواحد النظرة ثاقبة وكمل كلامه بصدق:

“يا شامة، شريفة ماشي غير ختارتو فـ الخيال.. هي جات لهنا، ودخلات لهاد البيت، ووقفت فـ هاد المشربية اللي واقفة فيها أنتِ دابا، وقالت هاد الركن هو اللي كيشوف فيه قلبي السكينة. شريفة سبقاتك بالخطوة وبالشوفة، والشداد إيلا عطى الكلمة لشي حد، كيموت عليها.”

شامة حسات بلي هاد “الجناح” ولى دابا رمز لشي حاجة كبر من مجرد حيوط وسقف. ولى صراع صامت على “الأولوية”. ولكن بذكاء لالة العيالات، ما خلاتش ملامحها تبين الغيرة، بل بالعكس، رسمات ابتسامة فيها كبرياء وهدوء وقالت:

“إيلا كانت لالة شريفة شافتو بـ عينيها ووضعات فيه سرها، فأنا مابغيتوش يا الشداد. شامة ما كتدخلش لـ مكان ممسوس بـ خاطر غيرها، وما كنرضاش نسكن فـ بيت كانت فيه ‘سمية’ وحلم وحدة خرى قبلي،وشريفة هي اللولة. وهي لي ليها لحق والاولوية.”

دارت بـ بطء، وخلات الوشاح ديالها يجر وراها واحد الهيبة كبيرة، وتمشات فـ الرواق وهي كتشوف فـ الجوانب الأخرى وقالت:

وريني يا صقر، واش كاين فـ قصبة الشداد شي ركن ‘بكر’ مازال ما نطق بـ سمية حتى وحدة؟ ولا كاع الأركان عندكم محجوزة بـ وعود قديمة؟”

ابتسم الشداد ابتسامة عريضة، وهز راسو بتقدير كبير لهاد الكبرياء اللي كينطق من عينيها. حس بلي “شامة” ماشي غير امرأة سكنات القصر، بل هي روح حرة كترفض تعيش في ظل حد آخر، وهذا بالضبط هو النوع د الخصال اللي كيعشقهم الصقر.

دار جيهة واحد الرواق كيبان بعيد شوية على الحركة، ومسدود بواحد الباب ديال “الساج” الثقيل، وقادها لجهة البرج العالي اللي فجنب القصبة. فتح الباب، وبان واحد الجناح اللي كأن الشمس ما كتغيبش عليه. جناح عالي، كطل مشربياتو على الصحراء من جهة، وعلى المدينة من جهة ثانية، والريح فيه ديما نقية وباردة.

وقف الشداد فوسط داك الفضاء اللي مازال ريحة الصباغة والعود جديدة فيه، وقال بزهو:

“هاد البرج، بنيتو بعيد على الصداع، وعالي على عيون العسكر. هاد المكان يا شامة، ما دخلات ليه رجل وما شافتو عين من غير عيني أنا والمعلمين اللي بنوه. هادي هي ‘خلوة الصقر’ اللي كنت ناوي نخليها لراسي، ولكن دابا.. كيبان ليا بلي هاد المكان هو اللي كيشبه ليك.”

قرب لجهتها وكمل بصوت خافت:

“هنا، لا ذكريات حد، ولا وعد حد. هاد الجناح بكر، والحجر ديالو مازال كيتسنى أول سمية تنطق فيه. واش يقبل ‘عزة’ شامة تسكن فـ قمة القصبة، وتكون هي اللي كتشوف كاع اللي لتحت، بلا ما يقدر حد يوصل لـ مستواها؟”

شافت شامة فداك الفضاء الواسع، وحسات بالريح الدافية كتدوز بين صباعها وكأنها كترحب بقدومها. بقات ساكتة لثواني، كتملا عينيها من هاد العلو ومن هاد الرؤية اللي كتعطيك إحساس بلي الدنيا كلها تحت رجليك.

دارت عند الشداد، والمرة هادي كانت الابتسامة ديالها فيها واحد الرضا حقيقي، واحد القبول اللي جاي من اعتزازها بقيمتها عنده. قربات منه بخطوات رزينا مبسمة وقالت بصوت فيه

قبلت يا صقر.. وما قبلتوش حيت عالي على الناس، بل حيت قريب للسما وصافي من لغبار د الزحام. هاد البرج يا الشداد، غيكون هو ‘الخلوة’ فين ترتاح من تعب النهار، والمكان اللي تبرد فيه نار الفكر ملي تضياق بيك الأمور. شامة ما بغات علوّ، هي بغات غير ركن هادي تعتني فيه بـ ‘راحة الصقر’ بلا ما يشوش عليها حس ولا عين.”

قرب منها الشداد حتى مابقاش بيناتهم غير خيط رقيق د الهوا، وواحد الريحة د العود والمسك فاحت من لِباسو وخلطات مع ريحة النقا اللي فـ شامة. نزل يدو ببطء وحطها على السور ديال المشربية، حدا يدها مباشرة بلا ما يلمسها، ولكن حرارة القرب كانت أبلغ من اللمس.

شاف فـ عينيها بواحد النظرة اللي فيها “هيبة الفارس” و”لين المحب”، وقال بصوت خافت، فيه بحة رصينة وكلام خارج من الأعماق:

“يا شامة.. هاد العلو اللي ختارتيه، راه ماشي غير حيت البرج عالي، بل حيت مقامك فـ قلبي هو اللي حطك هنا. كنت كنخمم نخلي هاد المكان لراسي باش نهرب فيه من ضيق الدنيا، ولكن دابا عرفت بلي الدنيا ما غتوسع بيا، إلا إيلا كنتِ أنتِ هي السكن ديالي فهاد البرج.”

سكت واحد الشوية، وعينيه مسمرين فـ عينيها، وزاد كمل بنبرة فيها بزاف د المودة:

“ملي قلتي بغيتي الستر والهدوء، حسيت بلي هاد القصبة يلاه بدات كتدفى. إيلا كانت النفوس بغات ‘القرب’ اللي كيشوفوه الناس، فأنا بغيت معاك هاد ‘البعد’ اللي ما فيه غير أنا وأنتِ.. ودعواتك اللي قلتي غتكون هي حصني. واش كاين شي ملك كبر من أن الراجل يلقى فـ خلوتو امرأة بـ رزانة عقلك وبـ بهاء وجهك؟”

شامة، بـ واحد الحياء زوين، هبطات عينيها للأرض، وواحد الابتسامة خفيفة ترسمات على شفايفها، وحسات بقلبها كيضرب بـ واحد الرنة ما مولفاش عليها. قربات منو غير بـ شعرة، وكأنها كتحس بـ الأمان فـ ظلو، وقالت بصوت بحال الهمس:

“يا سيد الناس.. الستر اللي طلبتو هو اللي غيخليني نكون ليك وحدك، بعيدة على العين ونابتة فـ القلب. هاد البرج غيولي هو ‘الوطن’ الصغير ديالي، وفين ما طلعتي لهنا، غتلقى شامة كتسناك بـ داك الهدوء اللي كيبرد نار التعب، وبـ داك الحب اللي كيتزاد مع كل دعوة كنرفعها ليك للسما.”

فديك اللحظة، كان الصمت اللي بيناتهم فيه كلام كبر من اللي تقال، وكأن هاد البرج العالي شهد على ميلاد ميلاد ، أساسو ماشي غير الحجر والحيط،

ملي سمع هاد الكلمات الرقاق، حس بلي هاد “الخلوة” اللي ختارتها شامة هي نيت اللي كانت ناقصاه باش يرمي عليه ثقل السلاح وهموم القبيلة. قرب منها أكثر، حتى تلاقات أنفاسهم،فداك العلو الشاهق لي عليه بدات تغرب الشمس وتطلق عليهم حريرها البنفسجي وتنور الدنيا باللون الهادي. وكأنها متعمدة تجمعهم تحت انوارها الدافية

هز يدو ببطء ووقار، وحط صباعو تحت حنكها، ورفع وجهها لجهتو غير بشوية، وكأنها جوهرة خايف عليها تخدش.

شاف فـ عينيها واحد النظرة طويلة، فيها بزاف د الوعود وفيها امتنان كبير لهاد السكينة اللي عطاتها ليه. وبلا ما ينطق بحتى كلمة، ميل راسو وهبط عليها بـ قبلة دافية على جبينها، قبلة طويلة فيها ريحة التقدير والهيبة، وكأنها ختم كيوضعو على “السلطانة” ديال قلبو.

ما وقفش تما، بل نزل لـ كف يدها اللي كانت محطوطة على المشربية، وهزها بين يديه بجوج، وطبع عليها قبلة أخرى دافئة ورزينة،

حبس الشداد أنفاسه وهو كيشوف فدوك العيون اللي سكنوا خلوته،

قرب منها ببطء، ويديه بجوج أحاطوا بوجهها بحال إيلا كيحمي أغلى ما ك يملك، وهبط لعندها بواحد الشوق رزين ووقور.

طبع على شفاهها قبلة دافئة وطويلة،

فديك اللحظة، سكت حس الريح وسكنات الروح، وحست شامة بلي هاد “البرج” مابقاش غير حجر بارد، بل ولى عامر بالدفء اللي سكن فذاتها.

ملي حس الشداد بشامة كتجاوب معاه، وكأن ديك الروح الرزينة اللي فيها لانت بين يديه، زاد ضمها لجهتو بواحد الحماية دافئة، وكأن العالم كلو اختصر فداك الركن د البرج. سكت لثواني وهو كيستنشق ريحة النقا والسكينة اللي فـ أنفاسها، وهمس ليها بصوت فيه بحة د الحب الممزوج بالهيبة، كلام خارج من قلب صقر ما مولفش يلين:

“يا شامة.. كنت كنظن بلي هاد القصبة هي اللي غتحميك، صدقتي أنتِ اللي وليتي الحصن ديالي. هاد الرعشة اللي فـ يديك، وهاد الجواب اللي جاني من روحك، كيسواو عندي كاع ملك الدنيا. دابا عاد كملت الهيبة د هاد الدار، ودابا عاد حسيت بلي الصقر لقى السما اللي كيرتاح فيها.”

قرب من أذنها وكمل بـ نبرة خافتة،

تملكتِ المكان، وتملكتِ مولاه.”

دارت شامة ببطء، وكأنها كتحاول تجمع شتات نفسها من بعد ديك اللحظة القوية اللي دوزات مع الشداد.

وحطات يديها على الحافة الرخامية الباردة. قدامها، كانت الشمس بدات كتودع السما، ولات بحال قرص دهبي غارق فبحر من الألوان اللي مابين البرتقالي المحروق والأرجواني، والظل ديال القصبة بدا كيطوال فوق الرمل حتى ولى كيبان بحال شي عملاق ناعم.

فهاديك اللحظة، حست بالدفء كيقرب لظهرها. الشداد زاد لعندها بوقار، ووقف وراها مباشرة بلا ما يخلي بيناتهم حتى شبر. مد يديه بجوج وعنقها من اللور، حط يديه فوق يديها اللي محطوطين على السور، وجمعهم وسط كفوفو الكبار

بوقارها ولباسها اللي كيتمايل مع الريح، مد يدو بهدوء ورزانة نزل ليها السلهام على راسها وخرج شعرها لي كان مستور داخل سلهامها وطلقو ليها على ضهرها وكتافها ورجع دوز يديها على كرشها وضمها بين كتافو لعراض اللي كيمثلو القوة والأمان.نزل الشداد راسو شوية وحط ذقنو على كتفها، وخلا ريحة العود اللي فلحيتو تختلط مع ريحة المسك اللي فشعرها. كانت أنفاسو الهادئة كتقيس عنقها

بجوج كيشوفو فداك الأفق البعيد، فين السما والارض كيتلاقاو فخط واحد. الشداد زاد زير عليها شوية بـ حنان، وهمس ليها بصوت خافت كيشبه لوشوشة الريح فـ ليل الصحراء:

“شوفي يا شامة.. هاد الشمس اللي كتغرب، غدا غتطلع على دنيا جديدة أنتِ السلطانة ديالها. وهاد الرمل اللي كيبان ليك ما عندو حد، كلو كيشهد بلي الشداد لقى فهاد البرج ‘الكنز’ اللي ما يتقدر بـ ثمن. خليك هكا.. متكية على صدري

على داك التغيير لي قدامهم بقاو غير بجوج كيتأملو فـ صمت، تحت سما بدات كتعمر بالنجوم، وفوق برج ولى هو أرقّ مكان فـ القصبة كلها

الليل في القصبة ولى لوحة فنية، القناديل تعلّقات في الأركان ورسمات بضوها الذهبي خيالات ساحرة على الحيوط المنقوشة. ريحة الشوا المخلطة بعبق الفاخر والعود فاحت في السما، وكأن القصبة كلها كتحتفل بهاد السكينة اللي نزلت عليها.

فالصحن الخارجي بين الخصاصي دالماء لي كتشرشر والنجوم فالسما كتلئلئ والهواء الدافي دالصحراء

كانت الجلسة همس ووقار. الزرابي الأطلسية مفرشة بألوانها الدافئة، والمخاد د الحرير منضدة بعناية. الشداد، الصقر اللي كيهابوه الرجال، كان دابا في لحظة استراحة نادرة؛ متكي بـ رزانة، وحاط راسو على حجر شامة، مستسلم لديك السكينة اللي كتنبع منها ومن هدوء المكان وريحة العود والند المطلوق حداهم مع ريحة الشوا والفاخر الواصلة حتى لعندهم .

كانت شامة متكي على خدية بضهرها شعرها مستسلم لهواء الليلة الناعم .على جبهتها خيط الريح مذهب وفعنقها حوهر كيضوي.

كانت كدوز يديها ببطء على شعرو، وكأنها كتمسح عليه تعب الأيام، وفي نفس الوقت كانت عينيها كتجول في أركان القصبة و كترسم في خيالها كيفاش غيكون “المستقر” ديالها فديك القمة العالية و بدأت كتهضر بصوت رخيم وناعم، كيهمس في ودنو بحال وشوشة الحرير ونغمات ليه السمية وهي كتنطق بيها

“شداااد ، اللي عطيتيني، بغيت فراشو يكون كيشبه لروحه. بغيت الزرابي تكون منسوجة بـ خيوط الذاكرة، بألوان الأرض اللي كتحبها.. مابين الزعفران والدم الغزال. وبغيت النحاس يكون منقوش بـ يدين المعلمين اللي كيعرفو قيمة النور، باش القناديل ملي تشعل، ترسم لينا حكايات على هاد السقف العالي.”

الشداد، وهو مغمض عينيه ومستمتع بلمسة يديها، جاوبها بصوت فيه بحة دافئة ومرتاحة:

“ديري لي حبت خاطرك يا لالة، ولي تشهاتو ..المهم عندي هوا نتي تكوني مرتاحة “

شامة تبسمات ابتسامة رقيقة، وكملات وهي كتوصف ليه تفاصيل صغيرة

“بغيت ‘المنظرة’ تكون مفرشة بمخاد واطيين، باش ملي نجلسو، نكونو قراب للأرض وقراب لبعضياتنا. وبغيت واحد الركن يكون فيه ‘المركن’ د النحاس ديما عامر بـ زهر الليمون، باش الريحة تفكرنا بلي السكينة هي أساس هاد الدار. هاد الفراش يا سيد الناس، ما غيكونش غير للزينة، غيكون هو ‘الحصن’ اللي غترمي فيه كاع هموم التدبير وتلقى فيه الراحة اللي كتستاحق.”

الشداد حل عينيه وشاف فيها بنظرة كولها تقدير، وهز يدو ببطء ولمس خدها وقال:

“أنتِ هي الفراش وأنتِ هي الغطا يا شامة.”

بقاو هكاك، مابين همس الكلام وسكون الليل، والفاخر اللي كيزند بعيد كيعطي للمشهد دفء خاص حتى بدا كيتسمع حس الحركة الرزينة فـ الممرات. دخلوا العبيد بـ خطوات خفيفة وموزونة، هازين فـ يديهم “طيافر” د النحاس اللي كيشعلو بالنقاوة، وفوق منهم الشوا عاد نزل من فوق العافية، كيزند بالدخان وريحته اللي كتشهي سكنات أركان الفنا.

الشداد، اللي كبر وسط السلاح والخدم والحشم، العبيد بالنسبة ليه بحالهم بحال السواري د القصبة؛ كاينين ولكن ما كيحجبوش عليه الضو ولا كيغيروا من طبعو. بقا متكي على حجر شامة بـ ديك الرزانة والراحة،

العبيد دخلوا بـ رتابة وصمت، حطوا الطيافر د الشوا اللي كيشهي، وريحتو زكات المكان. الشداد ما ناضش، بل بقى مستسلم لـ يدين شامة اللي كانت كتدوز على شعرو.

مالت شامة لجهتو بـ دلال رزين. خذات قطعة من اللحم المشوي اللي كان رطب بحال الزبدة، وفرتتات منها طريف صغير، ومدات يدها لـ فمو بـ واحد الحركات كلها أنوثة ووقار.

الشداد خذا من يدها اللقمة وهو كيشوف فـ عينيها بـ واحد النظرة فيها بزاف د العشق الممزوج بالهيبة، وقال بـ صوت مسموع للي حاضرين:

“فيك الخير والبركة الزين السمية”

شامة تبسمات بـ حياء، وبدأت حتى هي كتاكل بـ رزانة، وهي كتحس بـ القوة د الشداد اللي واخا “متكي” ومستسلم لـ حضنها، كيبقى هو السلطان اللي كلمتو مسموعة. العبيد كملوا خدمتهم بـ سرعة واحترافية، نزلوا كيسان أتاي مشحرين بـ المنعنع، وانسحبوا بـ خطوات خفيفة لـ ورا السواري، وخلاو ليهم الجو عامر بـ ريحة الشوا ودفء الجلسة مابين الزرابي والمخاد.

الشداد رجع غمض عينيه وهو كيستطعم اللقمة والراحة، وزاد زير على يد شامة وهي كتحط ليه اللقمة من حين لاخر

الليل سكن، وريحة العود المخلطة بـ أريج الزهر بدات كتبرد مع نسمات القصبة الهادية. الشداد مازال متكي، مغمض عينيه ومسلم أمره لـ سكون اللحظة.

شامة، بـ صوت رخيم بحال همس الريح في النخيل، بدات كتحكي:

“كيقولوا يا الشداد، زمان كانت واحد الشجرة د السدر نابتة بوحدها في وسط الخلا. كانت صابرة على السموم وعلى العطش، وعروقها ضاربة في غرق الأرض. واحد النهار، داز عليها صقر جارح، عيا من الطيران وبغى يرتاح. شاف في ديك الشجرة وقال ليها: ‘يا سدرة، أنتِ قاصية والشوك فيك كيرمي، ولكن ظلك هو الوحيد اللي كيبان ليا مأمن’.”

سكتات شامة واحد الشوية، ودوزات صباعها على جبين الشداد بـ رزانة، وكملات:

“قالت ليه الشجرة: ‘يا صقر، الشوك ديالي حماية، والقسوة ديالي صبر. إيلا بغيتي السكن، نزل وسط غصاني، غتلقى الظل بارد، ولكن بشرط.. إيلا طرتِ للسما، خلي ريحتك في غصاني، وإيلا رجعتِ، رجع بـ يقين بلي هاد الشجرة ما كينبت شوكها إلا باش تحمي عشك’.”

حلات شامة عينيها وشافت فيه، وختمات الحكاية بـ رزانتها المعروفة:

“الحكمة يا سيد الناس، هي أن القوة بلا سكن كتولي تيه، والسكن بلا قوة كيولي عريان. والصقر الذكي هو اللي كيعرف بلي أغلى ما يملك، ماشي هو الجناح اللي كيطير بيه، بل هو الغصن اللي كيقدر يغمض فيه عينيه وهو مأمن.”

الشداد حل عينيه ببطء، شاف فيها نظرة عميقة خالية من اللغو، وقال باختصار:

“لقيت الغصن يا شامة.. ولقيت الأمان.”

تبسمات وحطات يدها على صدرو وتحنات لودنو بهمس ودلال ونبرة فيها شقاوة وقالت

“حجيتك ما جيتك.. على صقر فـ السما عالي، كيطوي الفيافي بـ جناحو الغالي.

نزل لـ واحد الدار، لقا فيها السر والمقدار..

خيطها مابين الصمت والجهر، وسرها غارق فـ غرق البحر.

تلبسها تلبسك، وتخرج منها تحرسك..

بلا يدين كتعطي، وبلا سيف كتحمي وتغطي.

يالّاه فكها يا سيد الرجال، إيلا كان عقلك يوزن الجبال.”

الشداد بقى ساكت لثواني، مغمض عينيه كأنه كيذوق الكلام فـ ميزان عقلو. تبسم ابتسامة خفيفة، وحل عينيه وشاف فيها بـ نظرة حادة وثاقبة،

“الكلمة.. يا شامة. إيلا خرجت تملكاتك، وإيلا سكنت صانتك، وهي اللي كتحمي العهد بلا سيف.”

شامة هزات راسها بـ علامة الرضا، وزادت دوزات يدها على كتفو بـ رفق، وقالت بتحدي زوين

“حجيتك ما جيتك.. على حاجة سكنات القصور، ودارت مابين السواري والأسوار تدور.

مالها رجلين وكاتمشى في الخفاء، ومالها لسان وكاتنطق بالوفاء.

كايعرفها الديب، ويخاف منها الغريب..

إيلا حضرت بان النور، وإيلا غابت ضاع التدبير والشور.

شكون هي يا صقر القصبة، اللي بلا بيها تولي العزيمة خربة؟”

الشداد بقى هادي، حال عينيه فسماء وجهها كأنه كيقرا الجواب في ملامحها قبل ما ينطق. هز يدو وشد ليها دقنها بصباعو وقال كيحرك وجهها بابتسامة

“الهيبة…الهيبة يا ولوريدة ..كتمشي بلا حس ، و بلا للسان كتقطع النفس ، وكتحكم بلا بلا ما تنطق وبلا متلمس”

شامة هبطات راسها لجهة ودنو، وهاد المرة نبرة صوتها ولات رزينا بزاف، وكأنها كتقلب في خبايا لغز قديم وصعيب. بدات الحجاية ببطء وهي كتمتحن ذكاء الصقر:

“حجيتك ما جيتك.. على واحد السلطان، كيحكم بلا تاج ولا صولجان.

ساكن فـ وسط القلعة، وما كيشوفو حد واخا يكون فـ الطلعة.

إيلا قسى، تيبس الجذور وتغيب الشمس.. وإيلا حنّ، يولي الجهر همس.

كايملك اللي يملك، ويقتل اللي يهلك..

مفتاحو ماشي د النحاس، وما كيعرفو غير اللي وزن كلامو فـ الميزان د الناس.

شكون هو هاد الحاكم الصامت يا الشداد؟”

الشداد بقى ساكت مدة، والهدوء ساد المكان حتى بدا كيتسمع غير طقطقة الفاخر. عقد غباشتو شوية كأنه كيغوص فـ المعنى، ومن بعد تبسم نطق بكلمة وحدة، خرجت بـ هيبة:

“القلب.. يا شامة. هو السلطان اللي كيحكم فـ الستر، وإيلا صلح، صلح بيه الشان والقدر.”

شامة سكتات لثواني، وشافت فيه بنظرة فيها تقدير كبير، وعرفت بلي الشداد ميزان عقلو ما كيخطاش الصواب.

هز الشداد راسو شوية من حجرها، وجلس جلسة نص-متكي، وعينيه فيهم واحد اللمعة د التحدي الهادئ. شاف فيها واحد الشوفة ثاقبة، ونطق بصوت رزين وقافية موزونة:

“حجيتك ما جيتك.. على ضيف جا بلا ميعاد، وسكن بلا وتد ولا بلاد.

كايزيد في القوة ويخفف الحمل، وكايدوب الحديد ويليّن الرمل.

إيلا سكن العين، فضح السر الدفين.. وإيلا سكن الروح، داوى كاع الجروح.

شكون هو هاد الضيف اللي كيدخل بلا استئذان يا لالة شامة؟”

شامة تبسمات ابتسامة فيها بزاف د المعاني، وهبطات عينيها للأرض بوقار قبل ما تجاوب بكلمة وحدة:

“العشق والغراااام هههه.. يا سيد الناس. هو الضيف اللي كيملك مول الدار

وكيدخل بلا ميستأذن.”

هز الشداد راسو بالرضا، وزاد رمى ليها الحجاية الثانية اللي أصعب من الأولى:

“حجيتك ما جيتك.. على حاجة كاتبان غير في الضلام، وكاتغيب ملي كيبدا الكلام.

كاتجمع مابين السما والأرض، وكاتسوى الطول وكاتسوى العرض.

كايتبعها المسافر ، ويخاف منها الغادر..

و الى كانت كبيرة، كاتحير فيها البصيرة.

فكيها يا لالعيالات، إيلا كنتِ قارية ما بين الكلمات.”

شامة بقات ساكتة، كأنها كتوزن الحجاية فـ كف عقلها، ومن بعد شافت فيه بثبات وجاوبات:

“النجمة.. يا شداد. كاتدوي في الظلام، والصباح كيتمحى أثرها بالتمام.”

الشداد ضحك ضحكة خفيفة مكتومة، وبانت عليه علامات العجب من ذكائها، وقال باختصار:

“ما يغلبك غلاب.. نزيدك وحدة اخرى .”

رمى ليها الحجاية الثالثة، وهادي كانت هي “العقدة”:

“حجيتك ما جيتك.. على سر محفور في حجر، ما كيمحيه ريح ولا مطر.

غالي وما كيتشرى بـ مال، وصعيب يهزو كاع الرجال.

إيلا ضاع، ضاع معاه الشان.. وإيلا بقى، بقى عليه الأمان.

هو الساس وهو الراس، وبه كيتوزنوا جميع الناس.

شكون هو هادالسر اللي تقل من الجبال والصخر؟”

شامة هنا سكتات، وحست بلي هاد الحجاية هي الامتحان الحقيقي. شافت في الشداد نظرة طويلة، وقالت بصوت واثق:

“العهد.. يا الشداد. هي الحجر اللي كيبني القصور، وهي اللي كتدوم فوق السور.”

الشداد رجع تكى على حجرها، ورجع يدو ليدها، وقال بـ كلمتين:

منتسالكش..الى قالو بنت السلطان بنت السلطان .

شاف فيها هاد المرة هاز حاجبو بابتسامة وقال :

“حاجيتك ماجيتك . بنت السلطان وام السلطان ومرت السلطان .. بيها سلمات كاع الاوطان ..وحطات السلاح ومرت على بر الامان . يالاه الاللاهم فكيها “

هزات راسها وضحكات ضحكة مسموعة وحركات راسها بشقاوة وقالت

“شااامة امولاي الزين.. هي الخيط المتين ، لي خيط بين جوج سلاطين .. وهي بنت السلطان ومرت السلطان ههه والى كتب الله ان شاء الله ام السلطان “

ضحك الشداد وغمض عينيه.. خلا يديها على شعرو كتسرح خصال الودايع . تنهد وشد فيدها بحال الصور المنيع وقال بصوت خافت مايهز ركان ما يفزع قطايع .

“بنينا القصور فوق الصم والصلب.. وعلينا السوار حتى ولات تهابنا القبايل.”

شامة (كملات بـ رزانة):

“وما نفع السوار يا سيدي إيلا كان القلب خالي.. وما حلاوة القصر إيلا غاب منو الساكن اللي يستاهل.”

الشداد:

“أنا الصقر اللي ما عمرو هبط لغير وكر العز.. وفي السما السابعة طريقي ديما باين.”

شامة

“والصقر وخا يعلى، لابد ليه من غصن دافئ يجمع فيه الجناح.. وفي قلبي يا الشداد، لقيتي العش اللي يصونك من كاع المحاين.”

شداد:

“سيفي جاب الملك وحمى العرض والدار.. وبالشدة والقسوة رزينا كاع اللي كان خاين.”

شامة:

“والكلمة الرطبة يا سيد الناس كتحل الباب المسدود.. وما بالجهد يتصان عهد، إيلا ما كان بالوفاء كاين.”

حبس الشداد النفس، وخل عينيه وشاف فيها واحد الشوفة عميقة، كأنه كيعاود يكتشفها من جديد. ضحك ضحكة خفيفة د الوقار وقال:

“رعينا الإبل فـ لفيافي وقطعنا بحور الرمال.. وعشنا فـ الخلاء ما كنهابو لا ريح ولا زوابع.”

شامة:

“وطويتو لرض تحت حوافر الخيل بـ عزم الرجال.. ولكن لرض اللي ما تسقات بـ المودة، كيبقاو عروقها جياع وناشفة فـ لمنابع.”

الشداد:

“حكمنا بـ الشرع والسيف مابين القريب والبعيد.. ولي غوى الشيطان طريقو، يلقى الشداد قدامو بـ الحق قاطع.”

شامة

“والحكم يا سيدي ميزان، كيبغي لحديد وكيبغي لوريد.. إيلا غلب السيف، خاف المظلوم، وإيلا غلب الصدر، ولى لعدل فـ الدار ساطع.”

الشداد

“ربيت الهيبة فـ قلوب الرجال بالصمت والجهر.. وما خليت للعدو ثقبة يدخل منها ولا حيلة كايصانع.”

شامة

“والهيبة يا صقر القصبة، هي هيبة الروح قبل مظهر الفخر.. بحال الشجرة اللي ظلها حنين، وجدرها فـ لرض مانع.”

شداد:

“قالوا عليا قاسي وقلبي حجر ما كيعرف مودة.. وقالوا الشداد ملك الدنيا ونسى ليلة السكن والولايع.”

شامة:

يقولوا ما بغاو، راه العين ما كتشوف غير الظاهر فـ الشدة.. وما عرفوا بلي تحت هاد الدرع قلب كبير، مايضيم ما يهزوه قلايع”

الشداد (وقف الكلام واحد الشوية وهو كيشوف فـ فصاحتها):

“يا شامة، لسانك سيف كتر من سيفي، وكلامك حرير غلب كاع لغاشي.. كملي وزيدي، راه ليلنا مازال طويل، وفيك لقيت حكاية ما عندها نهاية.”

شامة (زادت قربات منو وهمسات):

“الحكاية بدات ملي تلاقى العز بـالثقالة.. وملي ولى الشداد كيشوف فـ عين شامة، مملكته الكبيرة اللي ما كيوصل ليها لا طامع ولا صانع.”

شداد:

“إيلا كان الملك تاج، فأنتِ هي لجوهرة لي فيه.. وإيلا كان السفر تعب، فأنتِ هي الخيمة لي فيها كنرتاح ونرخي لمدامع.”

حبس الشداد الكلام، وجرها لجهتو وهو مبهور كيفاش هاد السجال الموزون زاد قرب قلوبهم كتر.حيت تنضيم الكلام عندو ولاد الاصل ، وفيه كيبان الواعي من الجاهل

تبسم الامير في غمضة عينه ، وقد غلبه الفضول ليعرف سر تلك الرزانة التي تفوق سنين عمرها،وقال لها متسائلاً بلهجة يملؤها التقدير:

“يا ابنة الأكرمين، أرى في لسانكِ بلاغة بغداد، وفي وقاركِ هيبة الخلفاء.. حدثيني، كيف كانت طفولتكِ في كنف العباسيين؟ وكيف صُقلت هذه الجوهرة في دار السلام؟”

استجمعت ذكرياتها، ثم بدأت تحكي بلسانٍ فصيح، وكأنها تستحضر طيف بغداد في تلك الغرفة:

“يا شداد، لقد نشأتُ حيثُ تعانقُ المآذنُ الغمام، في بغداد.. دار السلام، ومستقرِّ الخلافة.قبل ان يأتي قرار زواجنا واجمع رحالي الى قصر السلطان عباس..هناك في دار السلام بالقرب من قبر امي وتحت كنف عمتي .. طفولتي لم تكن لعباً ولهواً كبقية الصغار، بل كانت صياغةً لروحٍ وعقلٍ تحت إشراف عمتي، التي كانت ترى فيّ امتداداً لعزّ بني العباس.”

تابعت وهي تنظر إلى البعيد، وكأن شريط الذكريات يمر أمامها:

“أتذكرُ جيداً مجالس ‘المؤدبين’ في جنبات القصر، حيث كان الفجرُ يبدأ بتلاوة القرآن حتى يستقيم اللسان وتصفو المخارج. لم يكن مسموحاً لي باللحن في القول؛ فالعربية عندنا هي الرداء الذي لا نقبل فيه شقاً. كانوا يلقنونني عيون الشعر ومعلقات العرب، حتى حفظتُ من القوافي ما يملأ الدواوين، ليتعلم قلبي الشجاعة من أبيات الفرسان، والحكمة من أقوال البلغاء.”

وأضافت بابتسامة يملؤها الحنين:

“وفي ردهات ‘بيت الحكمة’، كنتُ أسترقُ السمع لمناظرات العلماء في الفلك والمنطق والفلسفة. تعلمتُ أن قوّة الأميرة ليست في حرير ثيابها، بل في رصانة رأيها وحجة لسانها. عمتي كانت تقول لي دائماً: ‘يا شامة، الجمال يذبل، لكنَّ العقلَ حصنٌ لا يُهدم، والمنطقَ سيفٌ لا يثلم’. كبرتُ والكتبُ خِلاّني، والمحابرُ عطري، حتى غدوتُ أنظرُ إلى العالم بعين الحكمة قبل عين الهوى.”

ختمت قولها وهي تنظر لوجه الشداد بنظرةٍ واثقة:

“هكذا كانت طفولتي.. مزيجاً من صرامة العلم وهيبة المُلْك. تربيتُ على أن أكون ‘ألفاً’ لا تقبل الانحناء، و’نقطةً’ في آخر السطر تمنحُ الكلام معناه. واليوم، حين أقفُ أمام صقرٍ مثلك، أدركُ أن تلك السنين لم تذهب سدى، بل كانت إعداداً لليلةٍ يجمعنا فيها القدر تحت سقفٍ واحد.”

ظل الشداد صامتاً لبرهة، غارقاً في رنين كلماتها الفصيحة التي نزلت عليه وقاراً وهيبة. كان ينظر إليها وكأنه يرى خلف ملامحها الرقيقة جيوشاً من العلماء والحكماء الذين صاغوا هذا العقل. سحب نفساً عميقاً، واعتدل في جلسته بوقار الفرسان، ثم رد عليها بصوت رخيم يملؤه الإعجاب:

“يا شامة، لقد أنطقتِ في صدري صمتاً طال أمره. كنتُ أحسب أن القوة تُنال فقط بحد السنان ومجالدة الفرسان في القفار، واليوم أرى أن القوة التي صُقلت في ‘دار السلام’ أمضى من نِصال السيوف. لقد رُبيتِ في كنف الملوك لتكوني ملكةً، لا في القصور فحسب، بل في عقول من يجالسونكِ.”

ثم تابع، وقد لمعت عيناه بصدقٍ نادر:

“عظيمةٌ هي بغداد التي أهدت للقصبة جوهرةً مثلكِ. كنتُ أخشى أن أجد في جِناحي امرأةً تستهويها الزينة ويغريها الحرير، فإذا بي أجدُ رفيقاً يُقاسمُني الرأي، وحكيماً يُسددُ لي الخطى. إذا كان بنو العباس قد علموكِ أن ‘العقل حصنٌ لا يُهدم’، فاعلمي أن الشداد سيكون السور الذي يحمي هذا الحصن، والمدار الذي يدور حول حكمتكِ.”

مد يده ليضعها فوق يدها ببطء ورزانة، وأردف قائلاً:

“أشعر اليوم يا ابنة الأكرمين، أن قدري لم يقدني إليكِ لأهبكِ السكن فحسب، بل ليجد الصقر فيكِ البصيرة التي يرى بها ما وراء الأفق. فخرٌ لي أن أكون زوجاً لمن كانت ‘المحابر عطرها’، واعلمي أن مقامكِ عندي قد علا فوق هامات السحاب، ليس لجمالكِ فحسب، بل لهذا النور الذي يسكن بين ضلوعكِ.”

هبطات عينيها لحضة وابتسمت مكملة كلامها

نطقوني بـ الذكر الحكيم؛ حفظت القرآن ورتلت آياته حتى صفى لساني وتقاد مخارج حروفي، وربينا على كلام سيبويه وقواعد النحو، حتى ولى اللحن فـ الهضرة عندنا بحال العيب فـ الثوب الأبيض، ما نرضاوش بيه. تعلمت ميزان البلاغة وكيفاش نختار الكلمة اللي تطيح فـ القلب قبل الودن، وهادشي هو اللي كتشوفو دابا فـ “تنظيم الكلام” بيني وبينك.

ما حبسناش هنا، بل حفظنا ديوان العرب من معلقات الجاهلية لـ أشعار المتنبي وأبو تمام؛ نهلنا من قصص الملوك وغزوات الفرسان باش ناخدو العبرة فـ الحكم والسياسة. وعلموني “أدب الملوك”.. كيفاش نجلس، وكيفاش نناظر بـ ذكاء، وكيفاش نجاوب بـ سرعة بديهة تخلي الخصم يحير فـ أمري.

وفـ خلوتي، كنت كنغرق فـ كتب الحكمة والمنطق، ونتبع حساب الرياضيات باش يتربى عقلي على التحليل والرزانة قبل ما ننطق بـ أي قرار. حتى يدي، علموها جمالية الخط وسر القلم، وودني تهذبات بـ مقامات العود وأصول الموسيقى الراقية.

وما نكذبش عليك يا الشداد، حتى الفروسية والرمي شميت ريحتهم فـ صغري؛ ركبت الخيل وتعلمت بلي الأميرة العباسية خاص يكون عندها قلب الفارس تحت حرير الثياب. هادشي كلو، هو اللي صنع شامة اللي قدامك دابا.. امرأة بـ عقل ملكي وقلب كيعرف قيمة “الصقر” اللي قدامو. أنا ماشي غير زينة فـ جناحك، أنا “تاريخ وقوة” جابتها لك الأقدار حتى لـ بين يديك.”

سكت حس الحركة في الصحن الدخلاني، وخمدت نار الفاخر حتى ولات غير رماد كيدفى به المكان. الليل خيّم بوقار، والقناديل بدات كتنطفئ واحد بواحد، إلا القليل اللي بقى شاعل كيضوي الطريق بخيط رقيق د الذهب.

ناض الشداد من حجر شامة بـ رزانة الفارس، ووقف قدامها بهيبته المعهودة. مد يده ليها بـ هدوء، وجمع كفها وسط يده الكبيرة، وشاف فيها نظرة فيها بزاف د المودة وبزاف د الحزم، وقال بكلمات قليلة:

“سلات قصارة الليل يا شامة.. وجا وقت المستقر.”

شامة ناضت معاه بوقار، وسلهامها كيجر وراها فوق الزرابي. خلات يدها في يده، وتمشاو بجوج بـ خطوات تقيلة وموزونة وسط الممرات اللي سكن فيها الريح. كان الصمت بيناتهم أبلغ من أي كلام؛ هو غادي كأنه كيقودها لـ مملكته الخاصة، وهي غادة معاه بـ يقين المرأة اللي لقات حصنها.

وصلوا لـ باب جناحه العالي،

دفع الشداد الباب بـ هدوء، ودخلها هي الأولى لـداك الفضاء

عامر بـ ريحة العود المعتق، وضو الشموع اللي كيرقص على الحيوط المنقوشة بـ أثر السنين.

سد الباب وراه، ودار عندها. وقف قدامها، ونزع السلهام من كتافه بـ رزانة، وبقى كيشوف فيها بواحد النظرة ثاقبة ودافية في نفس الوقت. قرب منها حتى مابقاش بيناتهم غير خيط د الهوا، وحط يده على كتفها، وقال بصوت خافت عامر بالهيبة:

“هنا يا شامة، كيسالي العالم وكيبدا السكن. هاد الجناح اللي كان بارد وسكت، اليوم غيسمع أول مرة حس السكينة اللي جبتي معاك.”

شامة، بـ داك الحياء اللي كيزيدها بهاء، شافت في أركان الجناح اللي عامر بـ التايل والوقار، الشداد ما زادش في الهضرة، بل ضمها لجهته بواحد العناق فيه القوة وفيه الأمان، وكأنه كيقول ليها بلي “الصقر” أخيراً حط جنحانه في عشه الدافي.

هبط عليها بـ قبلة عميقة ودافئة فـ الشفايف، قبلة كانت هي المفتاح اللي حل بوابات الشوق. كانت قبلة طويلة، فيها رزانة الشداد وفيها رغبة الصقر اللي لقى سكنو. شامة استسلمت لـ هاد القرب، ويدها طلعت ببطء لـ كتافو العراض، وكأنها كتثبت وجودها فـ هاد الحصن.

الشداد، وهو مازال غارق فـ ديك القبلة، بدا كيميل بيها لجهة الفراش العالي اللي مفرش بـ الحرير والمخمل. حركاتو كانت موزونة ورزينة، فيها بزاف د الحنان وفيها القوة د الراجل اللي عارف قيمة اللحظة. نزل بـ قبلاتو لـ عنقها، وبدا كينزع ليها السلهام بـ هدوء، وهو كيهمس كلام قليل ولكن كلو مودة:

شامة، اللي كانت ديما ميزان رزانة، حسات فهاد اللحظة بلي الحصون اللي بانية حول قلبها بدات كتدوب قدام دفء الشداد. غمضات عينيها واستسلمت لـ ديك القبلة، وبدات كتجاوب معاه بواحد الشوق كان مخبي ورا وقارها، شوق خلى أنفاسها تختلط بأنفاسه فـ واحد الإيقاع هادي وموزون.

يديها اللي كانوا فوق كتافه، طلعوا ببطء وسكنوا فـ شعره، وضمت راسها لجهته بـ واحد الرقة خلات الشداد يحس بلي “الصيد” اللي كان كيقاربه بـ هيبة، ولى دابا هو “السكن” اللي كيحميه. جاوبها بـ ضمة أقوى، وهو كيحس بـ دقات قلبها كتسابق دقات قلبه، وكأنهم بجوج كيرسموا عهد جديد بعيد على كلام الناس وحجايات الليل.

الشداد، ملي حس بـ هاد التجاوب اللي فيه الرضا وفيه المودة، زاد فـ القرب بـ رزانة، وهبط معاها لـ الفراش العالي مابين المخاد د الحرير. كان كيشوف فـ عينيها اللي غرقوا فـ بحر د الحياء والقبول

بين أركان هاد الجناح العالي، وتحت ضو الشموع اللي بدا كيذبال، سكن العالم وبقى غير حس الأنفاس. الشداد، بهيبته اللي ما غابتش حتى فـ هاد اللحظة، كان كيتعامل مع شامة بـ واحد الرزانة نادرة؛ يدو اللي مولفة السيف، ولات دابا ناعمة وهي كتلمس حرير روحها.

كانت المعاشرة بيناتهم عبارة عن عهد صامت، ما فيهاش لغو ولا كثرة كلام، بل كانت لغة الجسد هي اللي كتحكي. شامة تجاوبات معاه بـ واحد الرقة فيها براءة العروس وذكاء المرأة اللي عارفة كيفاش تملك قلب صقرها. كل لمسة من الشداد كانت موزونة، وكأنها غرزة فـ ثوب الوفاء، وكل همسة من شامة كانت كتدوب قسوة السنين اللي دوزها الشداد فـ الخلاء والمعارك.

مابين المخاد د الحرير ودفا الغطا، تلاقات القوة بالسكينة.

حتى فـ أوج القرب، بقات ديك الهيبة مخيمة على المكان، ليلة تلاحمات فيها الأرواح قبل الأجساد.

وخا فـ أوج رغبتو وقربو، كان حاس بكل تنهيدة وكل حركة د شامة. ملي حس بـ ديك القريصة د الوجع زيرات عليها، وبلي جسدها تشنج شوية بين يديه، حبس الحركة ديالو بـ رزانة ووقار.

ما كملش بـ قوة، بل هبط لجهتها وهمس فـ ودنها وصبعو كيمسح واحد الدمعة رقيقة نزلات من طرف عينها

رخى راسو فوق مخدة قريبة ليها، وزاد ضمه لـ صدرو بواحد الطريقة اللي فيها الحماية أكثر من الشهوة. بدأ كيمسح ليها على ظهرها بـ يدو الواسعة بـ حركات دائرية هادية، باش يخلي الدفا يسري فـ ذاتها وترخى. مابغاش تكون هاد الليلة مجرد قضاء حاجة، بل بغاها تكون سكن بـ الصح، وما بغاش يخلي الوجع يطفي ضو السكينة اللي بناوها طيلة المساء.

شامة، ملي حست بـ هاد التقدير ومن كونه “فهمها” بلا ما تهضر، بدات كترخى تدريجياً. الوجع بدا كيبعد وكيعوضو واحد الإحساس بالأمان بلي هاد الصقر اللي بين يديها، وخا قاصح مع الدنيا، راه رطب وحنين معاها هي.

الشداد مابداش من فين وقف، بل رجع لـ قبلات خفيفة ودافئة على جبينها وعنقها، كأنه كيعتذر ليها بـ صمت، وكأنه كيعاود يفرش ليها طريق الراحة من جديد. صبرو فـ هاد اللحظة ووقارو خلا شامة تزيد تيق فيه، وتفتح ليه بوابات روحها وجسدها بـ يقين بلي هي فـ يدين أمينة كتعرف قيمة “الجوهرة” اللي بين يديها.

وهي كتحس بداك الوجع الخفيف اللي كيتخلل الدفا ديال القرب، ما خلاتش الأنين يغلب على وقارها. شافت فـ عينين الشداد اللي كانوا قريبين منها بزاف، وبصوت فيه بحة د الرقة والصدق، همسات ليه بكلمات موزونة:

“هاد الوجع يا سيد الناس، هو اللي كياكد ليا بلي أنا دابا فـ ملكك بـ الصح.. وبلي الحجاية ولات حقيقة محفورة فـ الذات. لا تخاف على شامة، راه الوجع اللي كيجي من جيهتك، فيه دوا كتر م اللي فيه ألم.”

زادت تكات راسها على صدره، وكملات وهي كتحس بـ دقات قلبه اللي كتطمنها:

“القصبة أسوارها قاصحة باش تحمي اللي لداخل، وأنا اليوم كنحس بلي هاد الوجع هو الثمن ديال داك الأمان اللي لقيت فـ حضنك. غير كون قريب.. راه قربك هو اللي كيهون كل عسير.”

هاد الكلمات بساط، ولكن نزلوا على قلب الشداد بحال البلسم. حس بلي هاد المرأة ماشي غير جسد، بل هي روح كتعرف تقلب الألم لـ ميثاق د الوفاء، وزاد ضمها ليه بـ رزانة، وكأنه كيوعدها بـ صمت بلي من هنا لـ قدام، ما غيكون غير الخير والسكينة.

شاف فيها نظرة طويلة، نظرة خالية من اللغو ولكنها عامرة بـ الهيبة، وقال بـ صوت هادئ ورزين:

“يا شامة.. الشداد عاش حياتو كيطارد الريح، واليوم كيحس بلي الريح هي اللي جابتني لـ عندك باش نرتاح. هاد الوجع اللي كتحسيه، راه واجعني قبلك

زير على يدها شوية، شاف فيها وهي ناعسة فـ أمانو، وقال بصوت خافت ورزين:

معاشرتك ماشي غير وصال جسد، بل هي ‘مرسى’ لواحد عاش حياتو كلها فـ الموج.”

كمل وهو كيدوز يدو على كتافها بـ وقار:

“معاك أنتِ، كيحس الشداد بلي مابقاش محتاج يلبس درعو. هاد القرب اللي بيننا، عطاني واحد القوة من نوع آخر.. قوة الراجل اللي لقى ‘سره’ فـ أمان. ليلتي معاك يا شامة، هي أول ليلة كينعس فيها الصقر وهو حاط جناحو بـ يقين.”

في ديك اللحظة اللي كيوصل فيها الإحساس لـ قمتو، والنشوة كتغلب على رزانة الصقر، الشداد ما فقدش وقارو، بل زاد غرق فـ كيان شامة. خرجت منو كلمات قليلة، خرجات من أعماق قلبو بحال الوشوشة د الرعد البعيد، وقال وهو ضامّها لـ صدرو بـ كول قوتو:

“شامة.. سكنتِ الروح قبل الذات. أنتِ هي ‘الفتح’ اللي ما بعدو طمع.”

شامة، اللي كانت ديما ملقبة بـ “الرزينة”، فهاديك اللحظة دابت كاع الحصون اللي بانية ورا وقارها. ملي بلغات حد النشوة، وحسات بلي روحها تلاقات مع روح الشداد فـ واحد المقام اللي مابعدو كلام، غمضات عينيها بقوة، ويدها زيرات على كتافو العراض وكأنها كتشد فـ أمان الدنيا كولها.

خرجت منها كلمات قصيرة، مخلطة بـ أنفاس متسارعة ولكنها كلها رزانة، وهمسات فـ ودنو:

“يا الشداد.. غرقني فـ بحرك، راه الغرق فـ حضنك هو النجاة.”

وزادت بصوت خافت كيرجف

“وليت منك ولّيت ليك.. أنت هو السور ونتا هوا الدرع”

شامة فـ ديك اللحظة سلمات مفاتيح قلبها بـ المكمول؛ ما بقاش غير حياء العروس، بل ولى عشق المرأة اللي لقات فـ “الصقر” ديالها الراجل اللي كيقدر يطوع الروح بـ الهيبة والحنان فـ وقت واحد. كانت كلماتها هي الختم اللي بصمات بيه على أن هاد الليلة هي ليلة “الولادة الجديدة” لـ لالة شامة فـ قلب القصبة.

شامة فـ ديك اللحظة سلمات مفاتيح قلبها بـ المكمول؛ ما بقاش غير حياء العروس، بل ولى عشق المرأة اللي لقات فـ “الصقر” ديالها الراجل اللي كيقدر يطوع الروح بـ الهيبة والحنان فـ وقت واحد. كانت كلماتها هي الختم اللي بصمات بيه على أن هاد الليلة هي ليلة “الولادة الجديدة” لـ لالة شامة فـ قلب القصبة.

مع إشراقة شمس هذا الصباح، كان حال شريفة يغني عن سؤالها. لقد مرت عليها ليلة هي الأطول في عمرها؛ ليلة لم يغادر فيها جسدها الأرض منذ سقطت مغشياً عليها بالأمس، ولم تجد سوى تراب الخيمة وسادةً لوجعها.

حين دخلت السعدية بإناء الحليب ووجدتها على تلك الحالة، كانت صورة شريفة تحت ضوء الصباح “كسرةً” لا تُجبر

غابت النضرة التي كانت تميز وجه “الزوجة الأولى” وحلّ مكانها ذبول مرعب. وجهها صار لونه مائلاً للاصفرار، وعيناها غائرتين يحيطهما سوادٌ هو نتاج ليلة من القهر قبل السقوط.

• الجسد المنهك: كانت أطرافها متيبسة بفعل البقاء في وضعية واحدة منذ الأمس، وثيابها الحريرية التي كانت تفتخر بها بالأمس بدت الآن مجعدة ومتربة، وكأنها تعكس حال قلبها الذي “تمرغ” في تراب الإهمال.

• الاستفاقة المرة: عندما بدأت السعدية ترش الماء على وجهها، لم تستيقظ شريفة بفزع، بل فتحت عينيها ببطء شديد، نظرة باردة وخاوية، وكأن الروح التي عادت إليها لا ترغب في هذا العود.

السعدية، وهي تحاول إسناد رأسها وتقديم الحليب لشفاهها اليابسة، قالت بصوت مخنوق:

“يا لالة شريفة، شربي غير نغزة.. راه الشمس طلعت والناس خرجات خيامها ، ما بغينا حد يشوفك بهاد الحال.”

رد شريفة:

لم تنظر شريفة للحليب، بل نظرت إلى الفراغ الذي يخترقه شعاع الشمس، وقالت بصوت جاف كأنه يخرج من بئر مهجور:

“طلعات الشمس يا السعدية؟ طلعات باش تضوي على ‘العرس’ اللي ذبحني؟ ليتني بقيت فـ ظلام البارح ولا شفت ضو هاد النهار اللي أنا فيه ‘زايدة’..”

كانت حالتها هي “حطام الكبرياء”؛ امرأة لا تشكو مرضاً في بدنها، بل تشكو “موت المكانة”. حاولت الوقوف، لكن خانتها ركبتاها، فسقطت مرة أخرى في حضن السعدية، وهي تدرك أن شمس اليوم لم تشرق لتنير يومها، بل لتكشف حجم

الخسارة التي تكبدتها في ليلة واحدة.

بينما كانت السعدية تحاول جاهدة إسناد سيدتها المنهكة وتخفيف روعها، تعالت جلبة خفيفة خارج الخيمة. توقفت الحركة فجأة، وظهر ظل رجل عند المدخل؛ إنه مرسول القصر، يرتدي لثامه الذي لا يظهر منه إلا عينان جامدتان، ويحمل في يده لفافة من الرق المختوم بختم”اليازية”

لم يقتحم الخيمة وقاراً، بل مد يده بالرسالة إلى السعدية التي هرعت إليه بخطوات مضطربة، وقلبها يضرب طبول الخوف. استلمت الرق بوجل، وكأنها تحمل جمرة نار، وعادت مسرعة لتضعها في يد شريفة.

كانت يد شريفة ترتجف، باردة كالثلج، وهي تتسلم الرسالة. نظرت إلى الختم، ذلك الختم الذي طالما انتضرت قدومه

اتكأت بظهرها على وسادة خالية، وحاولت جمع بقايا كبريائها. بجهد جهيد، وبأصابع مرتعشة، بدأت تفك الختم والشمس تسطع على الرق لتكشف ما خطه القلم. السعدية كانت تقف بجانبها، تحبس أنفاسها، تراقب ملامح سيدتها التي كانت تتغير مع كل سطر تقرأه؛ من شحوب الموت إلى حمرة القهر، ثم إلى جمود الصدمة.

“من لالة اليازية، إلى ابنة الأصول شريفة..

بلغنا خبر ‘الوصل الجديد’ في القصبة، وبلغنا قبله ما قد يختلج في صدرك من ضيق. اعلمي يا شريفة أن العز لا يزول بقدوم وافدة، وأن الدار الكبيرة تسع القلوب الصبورة. الشداد صقرٌ، والصقر لا يُحبس في قفص واحد، لكنه يعود دوماً للعش الذي بنى فيه أول مجده.

امسحي دموعكِ، وتجملي بصبر الحرائر، ولا تدعي للشماتة طريقاً إليكِ. القوة لا تكون في البكاء، بل في الثبات حين تميل الريح. كوني كما عهدناكِ، سيدة الدار وأولى النساء، وانتظري منا ما يسر خاطركِ حين يهدأ غبار الاحتفال.”

رفعت شريفة رأسها ببطء، وكأن كلمات اليازية أحيت فيها جزءاً من كبريائها الميت، لكنها حياة ممزوجة بالمرارة.

• ابتسامة صفراء: ارتسمت على شفتيها اليابستين ابتسامة باهتة، وقالت بصوت متهدج: “حتى اليازية فـ العاصمة وصلها الخبر.. القصر كلو تفرّج فـ ذبحي، وجاية توصيني على الصبر؟”

• استرداد الهيبة: رغم مرضها، حاولت شريفة أن تعتدل في جلستها. رسالة اليازية كانت “تذكاراً” بأنها لا تزال تحت حماية السلطة الأمومية، لكنها أيضاً كانت “أمراً” بالخضوع للواقع الجديد.

خرج الشداد من بين الاقواس بوقار الصقور، تاركاً خلفه جدران القصبة التي لا تزال تعبق بعطر شامة وحديثها الرصين. كان يفضل العودة للخيام وحيداً،للاعلان عن خبر الرحيل وطي الخيمات لاهل بيته .

عند مشارف الخيام، وجد المرسول في انتظاره. لم يكن هذا مجرد خادم، بل كان من خاصة رجال للا اليازية، يحمل على وجهه ملامح الجدية التي تطبع رجال العاصمة. انحنى المرسول بوقار ومد يده بالرسالة المختومة بختم الأم الكبيرة.

فض الشداد الختم، وقرأ الرسالة التي جاءت بصيغة رسمية لا تقبل التأويل:

“من اليازية إلى ابننا الشداد..

نُخبرك أننا قد عقدنا العزم، وحركنا الركب في اتجاه دياركم . المسافة بيننا وبينكم تطوى، ونحن الآن في الطريق إليكم.

نأمركم أن تُعدوا لنا مقاماً يليق بقدومنا، وأن تُفرش لنا الساحة بما يُناسب هيبتنا، وتُجهز الخيام والقصور لاستقبالنا في أحسن حال. خبرُنا سيسبقُ ركبنا، فكونوا على أهبة الاستعداد.”

أغلق الشداد الرسالة ببطء، ونظر نحو الأفق. كان يعرف أن مجيء والدته في هذا التوقيت بالذات ليس مجرد زيارة عابرة، بل هو وضعٌ للموازين تحت المجهر.

التفت إلى المرسول وقال بصوت رخيم وهادئ:

“بلغ لالة اليازية أن الدار دارها، وأن الصدر لها قبل المكان. القصبة ستتزين بقدومها، وكل ما أمرت به سيكون قبل أن يطأ ركبها ترابنا.”

انصرف المرسول، وبقي الشداد واقفاً وحيداً أمام الخيام. كانت شمس الصباح تذكره بأن الهدوء الذي عاشه مع شامة ليلة أمس، قد تعقبه عاصفة من نوع آخر.. عاصفة الحنكة والسياسة التي تقودها “لالة اليازية”.

دخل الشداد لخيمة المجلس مباشرة بحيث كانو تما القادة والمشايخ على موعد مجلسهم مع اميرهم ،

سكتت فيه الهمسات بمجرد وقع خطواته. اعتدل في جلسته، ونظر في وجوههم نظرةً ثاقبة، ثم ألقى بكلماته التي صاغها بوقارِ مَن يضع حجر الأساس لعصرٍ جديد.

الشداد:

“يا حماة الديار ورجال المشورة.. اعلموا أن زمن الارتحال قد طويت صحائفه، وأن القصبة اليوم قد اكتملت أركانها وبلغت لمساتها الأخيرة. لم تعد الجدران صامتة، بل صارت حصناً يضجُّ بالعز والمَنَعة.”

ساد صمتٌ مطبق، فتابع بنبرةٍ قاطعة:

“من يومنا هذا، نرفعُ الوتد ونطوي الخيام. لقد جعلنا للقوة مستقراً، وللحكمِ داراً. مجالسنا التي كانت تقام تحت سقف الشعر والوبر، ستنتقل من هذه الساعة إلى ‘القبة’.. هناك حيثُ تعلو الكلمة، ويُبرمُ الأمر، ويُصانُ العهدُ خلف الأسوار والبروج.”

ما إن أنهى الشداد كلامه، حتى عمّت الهيبة أرجاء المجلس، وانحنى الشيوخ برؤوسهم تقديراً لهذا العزم الذي لا يلين. تقدم كبير الشيوخ، وهو رجل اشتعل رأسه شيباً وخبر الأيام والحروب، ورفع يديه بالدعاء وصوته يرتجف بوقار السنين:

كبير الشيوخ:

“اللهم اجعلها قبةَ عزٍّ لا تُهدم، ومنارةَ عدلٍ لا تنطفئ. نصرك الله يا شداد، وجعل في القصبة مستقرّاً لخيرك، ومجمعاً لرجالك، وحصناً يكسرُ شوكة أعدائك. بارك الله في خطوتك، وأتمّ عليكَ نعمته بالعز والتمكين.”

ضجت الخيمة بصوت واحد: “آمين.. آمين”.

ثم قام القادة والشيوخ صفاً واحداً، ووضعوا أيديهم على صدورهم، وأدوا له تحية الإجلال العسكرية والقبلية، وقالوا بلسانٍ واحد:

سمعاً وطاعة يا مولاي.. خلفك في اليُسر والعُسر، وفي القباب كما كنا في الخيام.”

ما إن طاح الخبار فودنو وهوا متكي على حبل الخيمة ويديه قدامو مجموعين كيتسنط لشنو كيدور لداخل..حتى نقز قبل ما يخرجو المشايخ من المجلس و طار من مكانو و رجليه مكاتقيسش الأرض من كترت الفرحة، والضحكة واصلة ليه تال ودنيه. طار نيشان لخيمة دادا رقية، دخل عليها كيرعد وبالنفس مقطوعة، وعينيه كيخرج منهم الشاروق.

وقف قدامها وهو كينهج، وصاح بجهد:

“يا دادا رقية! يا وجه الربح! حلي ودنيك وسمعي البشارة اللي غتخرج من فم عبيبوش!”

تبسمات دادا رقية بواحد الميوعة اللي مخلطة بالرزانة، ودارت عندو ببطء وهي كتسرح الشال ديالها، وشافت فيه بقرصات فـ العينين اللي كيخليو عبيبوش يحس براسو عريان قدام حكمتها. قربات منو حتى شم ريحة البخور والمسك اللي خارجة من ثيابها، وقالت ليه بصوت كيقطر بالمعنى:

“غير بشوية على هاديك النفس أ عبيبوش.. اللي جابو النيف، تديه الريح، واللي جابو العقل، كيبني بيه القصور.اشنو جايب فودنيك يادعاوي البلا؟”

“الشداد حسمها أ الدادا! الخيام غيتجمعو، والرحيل غيبدا، ومن اليوم المقام غيولي فـ ‘القبة’!الشداد نطق بها قدام الشيوخ والعيان، والمجالس من هنا لفوق غتولي فـ قلب القصر والأسوار. القصبة وقفات على رجليها أ الدادا، وشامة غتولي لالة الدار والمتحكمة فـ السوارت، وراه جا ماجات معاه ..وسمعت بلي هاد القصبة من زماااان وهوا كيرمم فيها ويدور بيها الاسوار..قالك قبل من زيادة ديالو كانت تضربات وتردم فيها شي طرف وخلات ..ومن داك العهد ما حياة حتى حياها الشداد”

درات يد على يد وخرجات عينيها

“القصبة غتجمع ‘الضرة’ و ‘الضرة’، وغتجمع ‘القديم’ و ‘الجديد’.. تما فين فين غينوض السوط والمضارب بالحديد”

هز عبيبوش يدو كيشير ليها ويشوف فيها ويشوف فالخدم

“جمعي قشك وقش شامة راه الريح زربانة والخفيف كيقلب فين يبات والتقيل يوسد العتبات . انا كموسيتي على ضهري وخفي فرجلي وماحد الرمال سخونة كتكَلي يالاه دفعني دغيا نوصل بكري.. ايوا خليت ليكم لامان “

الخفة لي فعبيبوش والزربة مكايناش فالعافية لي كطرطق بين الحديد الحامي.

دغيا رما كموستو على ضهرو وماتسنا رحال ما تسنا طي الخيام.دغيا زاد خلفة هلا كلشي وراه وشد الطريق تابع اول بغلة بشواريها شدات طريقها راكبها عبد حاملة الزرابي فكفة وعبيبوش فالكفة لخرى دشواري .

دخل الشداد خيمة شريفة بوقارٍ يسبقه صمتٌ ثقيل، خطواته كانت كأنها وقعُ القدر. وجدها متكئةً في زاوية الخيمة، وجهها شاحب كغسقٍ حزين، وبجانبها السعدية التي انحنت وانسحبت في صمت بمجرد رؤيته، تاركةً المكان لـ “سيد الدار”.

لم ترفع شريفة عينيها إليه فوراً، بل ظلت متمسكةً بكبريائها الجريح، فتقدم الشداد بخطىً رصينة، وانحنى قليلاً ليرى ابنه النائم بجانبها. مسح على رأس الصبي بيده فيها حنانٍ أبويّ نادراً ما يُظهره، ثم التفت إليها ونطق بصوتٍ عميق، رخيم، يحمل هيبة الأمر ومرارة العتاب:

الشداد:

“يا شريفة.. جئتُ أتفقدُ من يحملُ اسمي، وأقول لكِ إنَّ دوامَ الحالِ من المحال. الخيامُ التي ألفتِها ستُطوى مع غروب شمسنا هذه، ومن الغد، لن تشرق عليكِ الشمسُ إلا وأنتِ تحت ظلال ‘القصبة ‘.”

سكت ليرى أثر الكلمات في عينيها، ثم أكمل:

“القصبةُ اكتملت، و تحتاج لسيدة وام الوريث . اجمعي شتاتَ نفسكِ، وهيئي رداءَ كبريائكِ؛ فالعزُّ لا يُنال بالدموع، والدارُ الكبيرة تحتاجُ لربةِ بيتٍ تعرفُ كيف تضبطُ موازينَ الحجر قبل البشر.”

رفعت شريفة رأسها ببطء، وكأن كلمات الشداد كانت السوط الذي جلد كبريائها، لم تبتسم،وقفت امامه رغم الوهن الذي يسكن أطرافها، ونظرت في عينيه بنظرةٍ حادة صقلها الوجع حتى صارت كالخنجر.

قالت بصوتٍ رخيم، فيه بحّة القهر لكنه يقطر بالثبات:

شريفة (بنبرة تفيض عتاباً وقسوة):

“أهذا أنت يا أبا ابني؟ جئتَ لتتفقد أطلال ما تركتَ خلفك؟ أم جئتَ لتتأكد أن قلب شريفة لا يزال ينبض لكي تُجهز عليه بما بقي لك من جفاء؟”

لم تترك له مجالاً للرد، بل تابعت وصوتها يرتجف بوجعٍ دفين:

“أخذتَها للقصبة يا شداد.. القصبة التي بنيناها معاً بوعودك قبل حجرها. نسيتَ كلامك لي تحت ضوء القمر؟ نسيتَ حين كنت تقول إنني شريكةُ السيف والقلم، وأنَّ لا امرأة ستطأ عتبة ملكك غيري؟ كيف طاوعك قلبك أن تكسر ظهري في ليلةٍ وضحاها، وتجعل من ‘الغريبة’ سيدةً على حصنٍ كنتُ أحسبه عشي وحدي؟”

اقتربت منه قليلاً، وعيناها تلمعان ببريق الدموع المحبوسة:

“تحدثني عن ‘القبة’ وعن ‘جناح يليق بي’؟ أتظن أن شريفة تُرضيها الجدران المزخرفة بعدما هدمتَ سقف الأمان في صدرها؟ لقد خنتَ العهد قبل أن تخون الوداد. أخذتَها إلى هناك، في مكاننا، وتحت حمايتك، وتركتني هنا للريح والرمال وشماتة الخدم..

“انظر إلى هذا الصبي.. كنتُ أظنه سيتربى في ظل أبٍ يفي بعهده لأمه، فإذا بك تجلب له ‘ضرةً’ قبل أن يشتد عوده. اذهب لقبتك يا شداد، وافرشها بالحرير كما تشاء، لكن اعلم أنَّ قصراً يُبنى على أنقاض قلب امرأةٍ صانتك، هو قصرٌ أساسه من رمال.”

ظلت واقفة، شامخة رغم انكسارها، تنتظر منه كلمة، أو اعتذاراً، أو حتى غضباً يبرر لها هذا الغدر الصامت.

: وقف الشداد أمامها ببرودٍ يقطع الأنفاس، ولم تزد حِدة كلماتِها إلا قسوةً في تقاسيم وجهه. لم يأتِ ليعتذر، بل جاء ليضع النقط فوق الحروف التي طمستها دموعها. نظر إليها بنظرةٍ فاحصة، وكأنه يزن قدرتها على تحمل ما هو آت، ثم نطق بكلماتٍ كانت كوقع المطرقة على السندان

الشداد:

“كفى! ما جئتُ لأسمع رثاءً لعهودٍ تظنينها انقضت، بل جئتُ لأرى امرأةً تليقُ بمقام ‘سيدة القصر’. لقد وضعتُ في يدكِ مفاتيح الخزائن، وسلمتُكِ رقاب الخدم والعبيد، وجعلتُكِ الحاكمة في شؤون داري الداخلية.. لكنني اليوم لا أرى أمامي إلا امرأةً غلبها الضعف، فكيف لمن لا تقوى على حماية كبريائها أن تأتمنني على تربية ولي عهدي؟”

خطا نحوها خطوةً واحدة، وزاد صوته صرامة:

“اسمعي يا شريفة، القبة التي سنرتحل إليها لا مكان فيها لـ ‘الدلال’ الفارغ. السيادةُ جُرحٌ لا يندمل، ومسؤوليةٌ تزن الجبال. إما أن تجمعي شتات نفسكِ، وتكوني تلك السيدة الصلبة التي تروي ابني بحليب العز والأنفة، وإما أن تكتفي بظل الخيام والراحة، وأنزع عنكِ المفاتيح والأمر.”

صمت لبرهة، وعيناه تخترقان صمتها، ثم أردف:

“في قاموسي يا ابنة الأصول، لا يلتقي الدلالُ والسيادة في قلبٍ واحد. اختاري الآن.. فمن لا تقدرُ على الوقوف في وجه عواصفها، لن تقدر على تسيير رعايا القصبة. غداً عند الفجر، سأعرفُ مَن ستدخل القصر معي؛ هل هي ‘شريفة السيدة’ أم ‘شريفة المنكسرة’؟ وإن لم أجد فيكِ القوة، فاعلمي أنني لا أتركُ مفاتيح ملكي في يدٍ ترتجف.”

بهذا التخيير القاتل، وضع الشداد شريفة أمام مرآة حقيقتها، وتركها تدرك أن مكانتها في القصر الجديد ليست هبةً للحب، بل هي استحقاقٌ للقوة.

ما إن توارى ظل الشداد خلف أستار الخيمة، حتى سقطت الأقنعة وتلاشت تلك القوة المصطنعة التي تسلحت بها شريفة أمام كبريائه. خيم صمتٌ جنائزي على المكان، وكأن الهواء نفسه قد تجمد من هول الصدمة.

هوت شريفة على ركبتيها بجانب مهد ابنها، لا لأنها اختارت الانحناء، بل لأن جدران روحها انهارت تماماً. كانت صدمتها فيه لا توصف؛ لم يكن عتابها له مجرد كلام، بل كان صرخة استغاثة لقلبٍ ظنته مأواها، فإذا به يتحول إلى حجرٍ صلد لا يرى فيها إلا “مديرةً لشؤون خزائنه”.

ملامح الانكسار:

• غصة الصمت: حاولت أن تصرخ، لكن صوتها غرق في أعماق حنجرتها. أحست بمرارةٍ علقمية، وكأن الخيانة لم تكن في زواجه بأخرى فحسب، بل في “تجريدها من حقها في الألم”. الشداد لم يكتفِ بكسر قلبها، بل أمرها بأن تكنس حطامه وتدعي القوة.

• برودة اليقين: نظرت إلى يديها اللتين كانت تفركهما ببعضهما من شدة الرعب الداخلي. كلامه عن “اليد التي ترتجف” أصابها في مقتل. أدركت في تلك اللحظة أن الرجل الذي أحبته قد مات، وحل محله “سيد القصبة” الذي يزن النساء بميزان المنفعة والسيادة.

• خيبة العمر: تذكرت كل لحظة دلال، كل كلمة غزل، وكل وعدٍ قطعه لها في الخفاء.. قارنتها ببروده وهو يخيرها بين “الدلال والسيادة”. أحست بأن سنواتها معه كانت مجرد سراب، وأنها كانت تبني قصراً من الرمل في مهب ريح طموحه.

انكفأت على مهد ابنها، وضمت صدرها بيدها وكأنها تحاول منع قلبها من التفتت، وهمست بصوتٍ مخنوق، لا يسمعه إلا سواد الخيمة:

“يا ليتني بقيتُ في بيت أهلي غريبة، ولا صرتُ في بيتكَ ‘سيدةً’ بلا روح.. أردتَ السيادة يا شداد؟ ستنالها.. ولكنك فقدتَ شريفة التي كانت تراك الدنيا وما فيها. غداً سأدخل قصرك، لكنك لن تجد في عينيَّ سوى مرآةٍ تعكس قسوتك.”

عبيبوش وصل كيطير، رجليه مكاتقيسش الأرض، والنهجة واصلة ليه تال ودنيه من كترت الجري والحماس. دخل من الباب الكبير ديال القصبة وهو كيتلفت، غير شاف شامة جالسة في “الرّحبة” (الفناء) ديال القصبة ، وهي فـ قمة الهدوء والجمال، زاد فـ السرعة حتى كان غيتكفا على وجهه.

المشهد كان كيسلب العقل ، شامة جالسة فوق لمطربز بوقار الاميرات فقفطانها المطرز والشعر مطلوق حداها ، وقدامها صواني د النحاس كيشعلو، البراد كيشحر فوق المجمر الصغير، وطبيلات التمر المجهول واللوز محطوطين بـ تأويل. وهي كتشرب كاسها بـ المهل، والسكينة نازلة عليها وسط هادوك السوار الكبار.والشجر والخصات دالماء

وقف قدامها وهو كينهج، وعينيه كيخرج منهم الشاروق ديال الفرحة، نطق بصوت مجهد ومبحوح بالنهجة:

“يا لالة شامة! يا وجه السعد والخير! حلي بيبانك، راه الغبرة ديال الركب طلعات فـ السما!”

قرب لعندها وهو كيشير بـ يديه الصغار لجهة الباب:

جيت لرجلي ماجابني حد ..خليت الخيام ورايا كتجمع فيامها وشي يحط وشي يهز وشي يعطي ويمد”

شاف فـ صينية أتاي وبحماس القزم اللي مولف الفوضى زاد:

“الله الله على ريحة النعناع! غير شربي وزربي راه لي خليت ورايا مايخليك حتى تشمي.. شتي هاد السكات وهاد الطبور لي كتغرد وهاد السقاية دالماء لي كتشرشر ..كووولشي هادشي غيشركوك فيه غير نوضي دغيا الى فنفسك شي حاجة ديريها دااابا قبل ما يدخل هاجوج وماجوج مع هاد الباب “

حطّات شامة الكاس بـ المهل فوق الصينية، وواحد الرنة خفيفة د النحاس سكتات عبيبوش اللي كان كيهضر بلهفة. شافت فيه بواحد النظرة باردة ورزينة، بحال إلا كتقرا اللي ورا السطور، وجمعات كلامها فـ سطور:

“اسمع يا عبيبوش وقيد هاد الكلام فـ بالك، راه أيام ‘السراح’ فـ الخيام مشات، وجات أيام ‘الضيق’ وسط هاد السوار.. تما كانت الخيام مباعدة والريح كيدي الهضرة للخلاء، ولكن هنا، الحجر عندو ودان، والسقف واحد كيجمع الضرة والضرة، والعدو والصديق.”

وزادت حدّرات فيه عينيها وكملات الوصية:

“رد بالك لـ خطوتك يا عبيبوش، راه القصبة اليوم غتولي عامرة بـ شلا خدم وعبيد، والعائلة تجمعات وكُلّها غيضرب على عرامو. هنا الودن مطلوقة مورا كل سارية، والعين سارحة فـ كل تركينا، والعيب إيلا طاح هنا دغيا يتجبد ويتعلك فـ اللسان. اللي كان مخبي فـ الخيام غيولي هنا باين للعين، وحنا فـ قصر ‘بني العباس’ كبرنا بلي السر إيلا فات جوج راه شاع.”

ختمات كلامها وهي كتشوف فيه بـ صرامة أميرة:

“كون أنت هو الخيال اللي كيشوف ومكيتحسش، واللسان اللي كينطق بالصواب وما كيغلطش. اللي بغا يجبد لينا العيب، خليه يلقى حيوطنا عاليين وصمتنا أغلى من كلامهم. سير يا عبيبوش، وكون فطن، راه الدار إيلا تجمعات، كيكبر شأنها.. وإيلا كثر لغى فيها، كيهدم بنيانها.”

وقف الركب العظيم أمام بوابات القصبة، وانحبست الأنفاس حين اختلط غبار الطريق بهيبة الحجر العالي. كان المشهد مهيباً، والعبيد والخدم قد اصطفوا كالبنيان المرصوص في “نصرة” تليق بسيد الدار؛ ريح العود والجاوي كانت تعبق في الأجواء، وصوت الزغاريد ارتفع ليملأ فناء القصر، لكنه لم يكن فرحاً خالصاً، بل كان مشوباً بفضولٍ قاتل لمعرفة من ستحكم هاد “الخلية” الجديدة.

دادا رقية من العربة بتمؤد ورزانة، عيناها كعيني الثعلب كانت تمسح كل ركن في القصبة، لا تبحث عن الجمال، بل تبحث عن الثغرات. كانت توزع نظراتها بين الخدم لتفرز بذكائها الفطري من سيكون “عينها” ومن سيكون “خصمها”، وهي تهمس في سرها أن الحجر يستر المكائد أكثر من ثوب الخيمة، وأن اللعب الحقيقي في القصبة لا يحتاج لصوتٍ عالٍ، بل لـ “دقة” في الهمس.

أما شريفة، فقد كان دخولها “زلزالاً” صامتاً. لم تنزل من هودجها إلا حين استقر الركب تماماً في وسط “الفِينا”، وخرجت بخطواتٍ تزن الجبال، ويدها تقبض بقوة على مفاتيح الخزائن المعلقة في حزامها، وكأنها ترسل رنيناً معدنياً يسمعه كل من في القصر: “أنا الحاكمة هنا”. دخلت بشموخٍ جريح، رأسها مرفوع وكأنها تتحدى الحجر والزمان، ولم تلتفت يميناً ولا شمالاً، بل اتجهت مباشرة إلى جناحها بوقار “أم الوريث”، تاركةً خلفها صدمتها في الشداد مخبوءة تحت طيات ثوبها الرفيع، لكي لا يرى الخدم انكساراً في عين السيدة.

وفي تلك اللحظة، أُغلقت الأبواب العظيمة للقصبة، ليجتمع الجميع تحت سقفٍ واحد؛ الشداد في مجلسه يراقب ملكه، وشريفة في جناحها تلملم شتات روحها، وشامة في ركنها العباسي تنتظر ببرود الأميرات، ودادا رقية تبدأ بفتل أول خيوطها في الظلام. من هنا تبدأ الحكاية، حيث الحجر عندو ودان، والعيب الى فات اللسان فالحين يبان.

دخلت شريفة جناحها الجديد بخطوات مثقلة بالكبرياء والجرح، وسرعان ما امتلأ المكان بحركة الخدم الذين بدؤوا في تفريغ الصناديق وترتيب الأغراض تحت نظراتها الصارمة. كانت الغرفة تعبق بريحة “الخزامة” و”العود”، والخدم يهرولون لوضع الأفرشة والمخايد الحريرية في أمكنتها، بينما ظلت هي واقفة في وسط الغرفة كتمثال من رخام، لا تحرك ساكناً، تكتفي بمراقبة “مفاتيح الخزائن” التي لا تزال تقبض عليها بيد مرتجفة من الداخل، وثابتة من الخارج.

كانت عيناها تائهتين في زخارف السقف، وكلما وضع خادم قطعة من أثاثها، شعرت وكأنها تبني سجناً لقلبها الذي انكسر بالأمس؛ فبينما كان الخدم يتسابقون لإرضائها وترتيب “بيت السيدة”، كانت هي تتساءل في صمتها إن كان هذا الترف قادراً على تعويضها عن النظرة التي خلت من الحب في عيني الشداد. لم تكن ترى في الأثواب الفاخرة ولا في الحلي التي تخرج من الصناديق سوى “دروع” ستلبسها لتواجه بها عيون الشامتين وعيون الضرة التي تنتظر خلف الجدران.

وعندما اقتربت منها “السعدية” لتسألها عن مكان وضع صندوق المجوهرات، لم تجبها بلسانها، بل اكتفت بإشارة حادة من يدها، وكأن الكلام أصبح عزيزاً عليها في هذا القصر. أحس الخدم بتلك الهيبة الممزوجة بالمرارة التي تفوح من سيدتهم، فخفتت أصواتهم وصاروا يمشون على أطراف أصابعهم، مدركين أن شريفة التي دخلت القصبة اليوم، ليست هي تلك المرأة التي غادرت الخيام؛ فقد ولدت هنا سيدة قوية، لكنها سيدة بقلب مغلق، تماماً كما ستغلق تلك الخزائن التي تحمل مفاتيحها.

انفتح باب الجناح بوقار، ودخل الشداد بخطواته الثقيلة التي تعرفها شريفة جيدا، لكنها لم تلتفت إليه فوراً، بل ظلت شاخصة ببصرها نحو النافذة، وكأنها ترسم حدود مملكتها الجديدة في صمت. كان الجناح يضج بحركة الخدم الذين يضعون اللمسات الأخيرة، لكن بمجرد دخول الأمير، ساد صمت مطبق، وانسحب الجميع بخفة كأنهم أشباح، تاركين “السيد” و”السيدة” في مواجهة ما لا مفر منه.

وقف الشداد وسط الجناح، وعينيه كيدوزو على الخدم اللي كيجريو، حتى رساو على شريفة اللي كانت عاطياه بالظهر. نطق بصوت رزين وتقيل، فيه الهيبة ديال الأمير اللي متمكن من كلامو:

“وجدي راسك أ شريفة، ووقفي وقفة السيدة اللي كنعرف.. راه الرسل جابو الخبار، وللالة اليازية راهي على الأبواب. ما تغيب شمس هاد النهار، حتى تكون وسط القصبة.”

وجهها اللي كان شاحب وقاسح تفتحات فيه واحد النورة د الفرحة، وكأن الروح رجعات ليها من بعد الخذلان اللي عاشتو. اليازية ماشي غير “أم الأمير”، هي السند، وهي اللي غتكون “الحيط المثين ” اللي غتتكا عليه شريفة باش ترد اعتبارها قدام الضرة وقدام برودة الشداد.

دارت عند الشداد، وهاد المرة الابتسامة سبقات كلامها، وقالت ليه بلهفة وصوت فيه العز:

“الله على خبار شحال تفرح القلب !! هادي هي البركة اللي كانت ناقصة هاد القصبة باش تكمل هيبتها. هي العين اللي كنشوفو بيها الطريق. قدومها سعد لينا، والدار اللي غتحط فيها رجليها ما يخافوش ماليها.”

وقفت وقفة مقادة، وبدات كتشير للخدم بحماس جديد، وكملات كلامها الموزون:

“كون هاني يا الشداد، غتشوف شريفة كيفاش غتفرش ليها الأرض حرير والقلب ورد. لالة اليازية غتلقى ‘أم الوريث’ هي اللي قايمة بالشأن، وهي اللي حافظة المقام. اللي بغا يشوف التاويل والأصول، غيلقاه فـ جناحي وفـ استقبالي لأمي اليازية.”

شريفة، فـ هذيك اللحظة، حست بلي ربي صيفط ليها “الحق” اللي غيوقف معاها ضد شامة وضد أي حد باغي يزحزحها من بلاصتها. غمزت “السعدية” واحد الغمزة د النصر، وبدات كتوجد لأكبر استقبال غتشهدو القصبة.

خرج الأمير من جناح شريفة والخطوة ديالو عندها رنة خاصة فوق الدروج ديال الرخام، نزل لـ “الفِينا” وهو كيشوف الروينة والنشاط اللي مالي المكان؛ العبيد هازين الصنادق الثقيلة، والخدم كيجريو كل واحد وأشنو فـ يديه، والصوت ديال النحاس والمواعن داير ضجة وسط الحيوط العالية.

وسط هاد الزحام كامل، عينيه طاحو على شامة. كانت واقفة فـ واحد القنت بوقارها المعهود، وبجانبها دادا رقية اللي كانت كتهمس ليها فـ ودنها بشي كلام خلى واحد الابتسامة رقيقة ترسم على وجه شامة. غير شافها الأمير، تبدلات ملامحو القاسية لليونة غريبة، قرب لعندها بخطوات موزونة، والكل جمد فـ بلاصتو احترماً ليه.

وقف قدامها، وبكل ودّ وحنان، نطق بصوت خافت مسموع غير ليها:

“يا لالة شامة، شفت الزين متبسم والدار بدات تضوا بيك.

وقف قدامها، وبصوت خافت ورزين

“اسمعي ليا يا شامة، وفتحي ودنك مزيان لهاد الكلام اللي غنقول ليك.. راه لالة اليازية الوالدة ديالي في الطريق، وما هي إلا ساعة وتكون وسط هاد السوار. أنتِ عارفة مقامها، وعارفة بلي هاد الدار اليوم غتولي فيها العين متبوعة، والحساسية تقدر تنوض من أقل حاجة.”

سكت واحد الشوية، وشاف في عينيها ذيك اللمعة ديال الهلع والخوف، وكمل كلامو بوضوح:

“أنا عارف بلي وجودك هنا كان هو ‘الثمن’ باش يبرد دم خويي وتطفي نار الفتنة فـ أراضيك، وعارف قدرك وعزك. بغيتك تكوني واجدة وتصبري، وتلقاي الوالدة بالرزانة والتبات اللي كبرتي بيهم. كوني حكيمة يا شامة، وخلي العاصفة تدوز بـ هدوء، راه العين عليك كثر من أي حد آخر.”

شافت فيه شامة بابتسامة وخدات نفس رزين وقالت

“مايكون غير لخير ان شاء الله ، لالة اليازية غتلقى قدامها ‘شامة’ اللي كتعرف تسبّق الصبر على الهضرة، والوقار على الزربة. إيلا كانت هي الساس، أنا غنكون لـ هاد الساس عتبة “

حنات راسها شوية فـ إشارة ديال الاحترام والود، ورجعات لـ هدوئها، خلاتو يفهم بلي الرسالة وصلات، وبلي “الدّية” اللي جابها لقصبته ماشي غير وجه جميل، بل هي عقل كيوزن بلاد.

ارتسمت علامة الرضا على وجه الشداد، وحس بواحد الحمل تقيل حيد من فوق كتافو وهو كيسمع رزانة كلامها. شاف فيها شوفة أخيرة قبل ما ينصرف، وقال ليها بكلمات قليلة ولكن فيها تقدير كبير:

“هذا هو الظن بيك يا بنت الأصول.. اللي هضرتو ميزان وفعلوا برهان، ما كيتخافش عليه. خليك على هاد التبات، راه هاد القصبة اليوم محتاجة لـ عقل بحال عقلك كثر ما هي محتاجة لـ سُوارها.”

انصرف الشداد وهو مطمن بلي شامة فهمات اللعبة، وبلي “الدية” اللي جابها ما غتكونش هي السبب فـ الصداع، بل غتكون هي “الرزانة” اللي غتجمع الشتات قدام قوة للا اليازية.

غير غبر الشداد على العين، وشافت شامة بلي “الفِينا” رجع فيه الصداع د الخدم، تبدلات ملامحها الرزينة وبان واحد الخيال د الخوف فـ عينيها. دارت عند دادا رقية، وقربات ليها بزاف حتى تلاصقو كتافهم، وقالت ليها بصوت مهزوز شوية:

“سمعتي يا دادا؟ للا اليازية! هاد السمية بوحدها كترعد الحجر فـ القصور. الشداد جا يوصيني ويطلب الصبر، وكأنه كينبهني بلي اللي جاي أصعب من اللي فات. أنا خايفة يا رقية، خايفة هاد ‘الدية’ اللي جيت بيها، تحرقني فـ نارها لالة اليازية قبل ما نلقى بلاصتي فـ هاد الدار.”

دادا رقية، اللي كانت ديما هي الصخرة، زيرات على يد شامة، وشافت فيها بشوفة قاصحة ولكن فيها الخوف حتى هي، وقالت ليها بلهجة حذرة:

“ودنك هي عينك يا بنتي، وهاد الخوف اللي فيك دابا خليه يكون هو ‘الفطنة’ ديالك. لالة اليازية ما كتمزحش، وهي الساس د هاد القبيلة. إيلا شافت فيك الضعف، غتاكلك، وإيلا شافت فيك العناد، غتكسرك. حنا دابا وسط حيوط، ماشي وسط خيام، والهربة ما كاين فين.. خاصنا نوجدوا للسم اللي كيتكب فـ العسل.”

“ودنك هي عينك يا بنتي، وهاد الخوف اللي فيك دابا خليه يكون هو ‘الفطنة’ ديالك. لالة اليازية ما كتمزحش، وهي الساس د هاد القبيلة. إيلا شافت فيك الضعف، غتاكلك، وإيلا شافت فيك العناد، غتكسرك. حنا دابا وسط حيوط، ماشي وسط خيام، والهربة ما كاين فين.. خاصنا نوجدوا للسم اللي كيتكب فـ العسل.”

شامة تنهدات بواحد الضيق، وشافت فـ السقف د القصبة العالي، وكأنها كتحس بلي هاد الحيوط بداو كيضيقوا عليها قبل ما توصل “الملكة الأم”.

في قلب القصبة، كانت الحركة لا تهدأ، والشمس ترسل خيوطها الذهبية لتكشف غبار العمل المتطاير في الفضاء. العبيد والخدم مشتغلين في خلية نحل حقيقية؛ شي هاز صناديق الخشب الثقيلة وعروق جبهتو بارزة، وشي حاط أكياس الحبوب والزرع كيرتبها في المخازن الأرضية، وصوت “التحياط” وصياح المشرفين كيتداخل مع دقة المطارق وخرير الماء اللي كيتكب في الخوابي الكبيرة.

وفي ركن منزوي ورا الأقواس العالية، فين الظل بارد والحيوط الحجرية غليظة، تجمعوا ثلاثة من الخدم، رؤوسهم ملاصقة وكيهمسوا بكلام موزون ومخفي. الخبار اللي عندهم ماشي ساهل: مجيء اليازية.

• الأول كان كيهز يديه بحال اللي كيوصف شي حاجة خيالية، وعينيه خارجين: “كايقولوا القافلة ديالها غادية وتجر، والخدم والحشم كثر من النمل!”

• الثانية، اللي كانت كتمسح يديها في مئزرها بتوتر، ردت عليه بخوف: “إلى دخلات اليازية لهاد القصبة، مابقا لينا راحة.. هادي راها جاية بجهدها وخبارها سابقها.”

وبجنابهم، لاصق في الحيط بحال الخيال، كان عبيبوش القويزم. واقف وقفة اللي ما مسوقش، ولكن ودنيه مطلوقين بحال القط، كيشرب كل كلمة وكل تنهيدة. وجهه كان كينطق بالفضول، وعينيه الصغار كيشعلوا بذكاء ومكر.

ماقدرش يصبر، قرب لعندهم بذكاء وهو كيدير راسو كيسقم شي حاجة، وسول بجهد كلو فضول:

“”إيوا.. القصبة غتزيان بالحاشية الجديدة، غيكثر القفطان والحرير، والخدم ديال البراني ديما كيجيو بالفشوش والراحة، ماشي بحال كرفيصنا حنا. غتولي لالة اليازية ماشية وهوما مضللين عليها، بحال إلا نازلة من السما.”

سكت واحد الشوية، وحك النحاس بجهد وهو كيشوف فيهم من تحت لواحد بنص عين، وزاد كمل:

“غير هو.. اللي موالف السكات والرزانة فطبعه، غتجي هاد الحاشية وتلف ليه الراي. كايقولوا الناس اللي طبعهم صعيب كيبانوا من وجوه خدمهم؛ إلا كانوا الخدم ضاحكين راه السيدة قلبها حليب، وإلا كانوا كيرعدوا.. راه باينة القصة. الله يخرج هاد المجيء على خير وصافي، حيت اللي بحال لالة اليازية، طبعهم كيكون غالب على خيالهم.”

بقى كيمسح ويدوز يدو على النحاس، كيتسنى “السنارة” تخطف، وعارف بلي واحد فيهم ضروري غايبغي يصحح ليه هاد الهضرة ولا يزيده شي خبار باش يبين بلي راه عارف كثر منه.

واحد من الخدم، اللي كان كيبان عليه الشيب فجنابو وكتر من غيرو تجربة، حط الكيس اللي كان هاز من يدو وتنهد تنهيدة طويلة. شاف فـ عبيبوش اللي غارق فمسح النحاس، وقرب لعندو وهو كينفض غبار الطريق من كتافو:

“إيوا كون كان غير الفشوش يا عبيبوش، كون راه الأمر ساهل.. هاديك راه طبعها بحال الريح العاصفة، اللي لقا قدامو كيطير. لالة اليازية ما عندهاش مع ‘اللعب’ ولا ‘الهدرة الزايدة’، والكلمة اللي تخرج من فمها خاصها توقف فالحين.”

السيد الثاني اللي معاهم، قرب حتى هو وزاد بالهمس: “واش ما سمعتوش شنو دارت فداك المشرف ديال القصر العام الفايت؟ كايقولوا المسكين غير غلط فترتيب الجلسة ديال الضيوف، وحط واحد من الأعيان فبلاص ماشي ديالو.. اليازية شافت فيه غير شوفة وحدة، جمد الدم فـ عروقو. ما غوتات، ما صرخت.. نادت عليه ببرود وقالت ليه: ‘اللي ما كيعرفش قدر الناس، ما يستاهلش يشوف قدرو فـ هاد القصر’. الصباح لقا راسو مطرود بجلابيتو، وما عقل عليه حتى واحد.”

الخادم الثالث كمل وهو كيعدل شاشيتو: “وزيدك.. هادي راه ما كتنساش. كايقولوا واحد الوصيفة كانت غفلات غير شوية وهي كتوجد ليها ‘المخرقة’ والحلويات، اليازية لاحظت بلي العسل ما واصلش للقلب ديال الحلوة.. خلاتها واقفة ليلة كاملة فـ صحن القصر وهي هازة الطبق فوق راسها، وقالت ليها: ‘باش المرة الجاية تعرفي بلي الصبر هو اللي كيوصل العسل للقلب’. ومن تما، حتى واحد ما بقا يزعم يغلط قدامها.”

عبيبوش كان كيسمع وكيزيد يبرك على النحاس، وعينيه كيلمعو بضحكة مخفية. عرف دابا بلي القصبة داخلة عليها سيدة اللي غتخلي الكبير والصغير يضرب ليها ألف حساب، وبلي خبار اليازية غادي يكون هو “العملة” الغالية فالايام الجاية.

فجأة وسط داك الفيناء لي وقفات فيه شامة ودادا رقية ، انقطع الكلام وتشتتت الهمسات بحال إلا ضربهم الريح. بان خيال شريفة وهي نازلة من الدروج العراض ديال المشور، بخطوات متباعدة وموزونة، كل دقة من “شربيلها” على الرخام كانت كتعطي إشارة بلي سيدة القصر خرجات من خلوتها.

كانت لابسة قفطان من “المليفة” الرقيقة بلون أخضر ملكي، مطروز بـ “الصقلي” الحر اللي كيلمع مع حركة يديها، ومحزمة بـ مضمة ديال الذهب ثقيلة كتبين هبتها. أما راسها، فكانت دايرة عليه “الشدة” الشمالية مقادة بالشور، والجوهر كيدلى على جبينها بانتظام، ووجها اللي كان قبل حزين ومهموم، تبدل دابا ورجعت فيه واحد الصرامة هادئة، وعينيها مكحلين بـ “الإثمد” كينطقوا بالنخوة والأنفة.

شريفة ما بقاتش كتشوف فالأرض، وقفات فالوسط، وراسها مرفوع، وبدات كتدور عينيها فالأرجاء بحال الصقر اللي كيتفقد عشه. شافت جيهت العبيد اللي كيهزو الصناديق وقالت بصوت مسموع وواثق، فيه نبرة الآمر الناهي:

ما نزلاتش لمستوى الهضرة مع أي واحد، هيبتها كانت كتفرض مسافة بينها وبين “الرعاع” والخدم. وقفت وسط الساحة بحال النخلة، نادات بصوت رزين ولكن قاطع:

“يا التاقي!”

من وسط الزحام، خرج “التاقي”، عبد أسود طويل القامة، عروق يديه محفرة بسنين ديال الخدمة والولاء، لابس دراعية بيضا نقية وفوقها فرجية ديال الصوف الخفيف. قرب لعندها بخطوات سريعة ولكن منحنية شوية احتراما، ووقف قدامها مطأطأ الراس، كيتسنى “الكلمة” اللي غيوزعها على الجميع.

شريفة ما شافتش جيهتو كاع، بقات كتشوف للأفق ديال القصبة، وقالت ليه بنبرة آمرة:

“يا التاقي، القصبة مروونة، والخدم عاطيينها للغل واللسان الطويل. بغيت المخازن تترتب، والزرع يتنقى بالغربال الرقيق، وما يجي الليل حتى يكون كل صندوق فبلاصتو. واللي بان ليك تقال ولا غفل، أنت كتعرف شغلك معاه.. القصر خاصو يولي مراية، والضياف اللي جايين خاصهم يلقاو النخوة فكل ركن.”

التاقي، بلا ما يهز عينيه، جاوب بصوت عميق وفيه الخضوع:

“أمرك لالة شريفة، كوني هانية، اللي رخت يدو غيتحمل جزاه، وكلامك غيطبق قبل ما تغيب الشمس.”

دار التاقي عند الخدم وبدات عينيه كيتوعّدوا فيهم، أما شريفة فكملت طريقها بنخوة، مخلية التاقي هو “السوط” اللي غيحرك دوك الخدم اللي كان عبيبوش كيجبر فيهم الخبار، وبدا الصياح ديال التاقي كيزلزل الركن: “يلاه يا وجه النحس! تحرك أنت وياه! سمعتو لالة شنو قالت!”

كانت شامة واقفة ورا المشربية، ملامح وجهها هادئة ومستقرة، والضوء اللي كيدوز من بين خشب المشربية كيرسم خطوط ظل ونور على عينيها. شافت شريفة وهي كتعطي الأوامر للتاقي، وبدل ما تدهش، ابتسمت، و ديك الابتسامة بقات مرسومة على وجهها بحال شي لوحة ما كتحركش. عينيها ما كانوش كيتابعوا شريفة بحدة، بل كانت كتشوف فيها بـ تأمل عميق، وكأنها كتقرأ فيها شي حاجة أبعد من اللباس والنخوة.

دادا رقية شافت فيها ولاحظت هاد “السهوة” اللي متعودة تشوفها فشامة قربات ليها وقالت: “فين مشيتي يا شامة؟ كنشوفك سهيتي فلالة شريفة بزاف..”

شامة ما حيداتش عينيها من الساحة، وبقات ديك الابتسامة الخفيفة والباردة على وجهها، وردت بصوت هادئ ومنخفض بحال إلا كتهضر مع راسها:

“ما مشيت فين يا دادا.. غير كنتأمل فهاد الثبات اللي نزل عليها فجأة. بحال إلا كنشوف شي خيال كيرسم راسو قدامي. شوفي فيها يا دادا، كيفاش واقفة.. واش هاديك قوة حقيقية، ولا صور لاللة اليازية الدافي..راكي فهمتيني

المشربية (أو “الروشان” في بعض المناطق) هي عنصر معماري أصيل وجميل بزاف، كان كيميز القصور والديور القديمة في الحواضر العربية والإسلامية، وهي باختصار:

1. من الناحية الهيكلية

هي ديك النافذة البارزة (خارجة على الحيط) اللي كتكون مصنوعة من الخشب المنقوش بدقة عالية. الخشب ديالها مخدوم بطريقة “الخراطة”، يعني قطع خشبية صغيرة مركبة مع بعضياتها بلا مسامر، كتشكل ثقوب وهندسة رائعة.

2. الدور الاجتماعي (الستر والخصوصية)

هذا هو أهم دور ليها فداك الزمان:

• كتسمح للعيالات (بحال شامة باش يشوفوا اللي واقع في الزنقة أو في ساحة القصر بلا ما يشوفهم حد من برا.

• كتعطي خصوصية كاملة لـ”حريم القصر”، بحيث كتوصل ليهم الإضاءة والهواء وهما مستورين ورا داك النقش الخشبي.

3. الدور المناخي (التبريد)

• كلمة “مشربية” جاية من “الشرب”، حيت كانوا كيحطوا فيها قلال (خوابي) الماء ديال الفخار.

• الريح اللي كيدوز من بين تقابي الخشب كيتبرد بفعل رطوبة الفخار، وهادشي كيعطي “تكييف طبيعي” بارد للغرفة، ومن هنا جات التسمية.

4. الجمالية والضوء

• المشربية ك تهرس حدة أشعة الشمس القوية وتخلي غير الضوء اللي “حنين” يدخل للبيت.

الضوء اللي كيدوز منها كيرسم مربعات وضلال على وجه شامة، وكيخليها تبان غامضة وهي كتراقب شريفة من الفوق.

باختصار: هي “العين” اللي كيشوف بيها القصر بلا ما يتشاف، وهي رمز للنخوة والسترة في المعمار التقليدي.

وصل اليوم الموعود، وانحبست الأنفاس في القصبة. من بعيد، وسط غبار الصحراء اللي كيرقص مع خيوط الشمس، بانت القافلة بحال شي حنش ذهبي طويل كيزحف جيهت الأسوار. أصوات الطبول والنفار بدات كتسمع من بعيد، كتعلم بقدوم لالة اليازية.

في قلب القصبة ، كانت شريفة واقفة في أعلى الدروج، شامخة بحال الصومعة، والمرة هادي اللباس كان كثر فخامة، والوجه قناع من الصرامة اللي ما كيخترقهاش ريح. بإشارة من صبعها، وعطاتو الأمر الأخير،

اتفتحات بوابات القصبة العظيمة، ودخل الموكب المهيب. في الوسط، كان الهودج فوق جمل ضخم، مغطى بالحرير المطرز والستائر المسبولة اللي ما كتبين والو من اللي لداخل، ولكن الهيبة اللي خارجة منو كانت كافية باش تسكت الجميع.

شريفة نزلت لساحة الاستقبال، كانت هازة في يديها طبق من النحاس المنقوش، عامر بورد بلدي يلاه مقطوع، ريحتو عاطية في المكان. ومع كل خطوة كيتقدم فيها الهودج، كانت شريفة كتهز حفنة ديال الورد وترشها في الأرض، الورد كيطير في الهواء ويطيح تحت خفاف الجمال،

الشداد كان واقف بجنبها، كيشوف في الهودج بنظرة فيها بزاف ديال الحكايات القديمة، والتاقي والخدم مصطفين بحال الحيوط، والراس مطأطأ.

وصل الهودج للوسط، وقف الجمل وناخ. سكتت الطبول، وبقى غير صوت الريح والورد اللي كيرشوه الوصيفات فوق الرخام. شريفة وقفت قدام الهودج تماماً، رشت آخر حفنة ورد، وقالت بصوت رزين وصل لكل ركن في القصبة:

“دارك ومحلك يا لالة اليازية.. القصبة نورت بمجيتك، والورد قليل في حقك.”

الشداد كان واقف بجنبها، كيشوف في الهودج بنظرة فيها بزاف ديال الحكايات القديمة، والتاقي والخدم مصطفين بحال الحيوط، والراس مطأطأ.

وصل الهودج للوسط، وقف الجمل وناخ. سكتت الطبول، وبقى غير صوت الريح والورد اللي كيرشوه الوصيفات فوق الرخام. شريفة وقفت قدام الهودج تماماً، رشت آخر حفنة ورد، وقالت بصوت رزين وصل لكل ركن في القصبة:

“دارك ومحلك يا لالة اليازية.. القصبة نورت بمجيك، والورد قليل في حق أم الأمير.”

قطع سكون اللحظة صوت خطوات متسارعة وخفيفة على الرخام، وبانت شامة وهي جاية من جيهة الدرج الداخلي للقصبة، والأنفاس ديالها متلاحقة شوية، ووراها دادا رقية اللي كانت كتحاول تساير خطواتها وهي كتسقم ليها طرف من الرداء.

وقفت شامة بجنب الشداد، وفي هاد اللحظة بالذات، تسرق الأنظار من الهودج لثواني. كانت لابسة قفطان من “الجوهرة” البيضاء، خفيف وناعم بحال خيال، مطروز بخيوط من الحرير الرقيق بلون الورد الناشف. الحزام (المضمة) كان من الذهب المرصع بالعقيق الحر، كيبين رقة خصرها، وفوق كتافها كانت دايرة “دفينة” من الدونطيل الشفاف اللي كيزيدها غموض وجمال.

أما زينتها، فكانت كتجمع بين البساطة والنخوة:

كانت دايرة “خراص” (أقراط) كبار من الذهب اللي كيهتزوا مع كل نفس كتاخدو، وفي عنقها “ليبة” رقيقة فيها تعليقة دائرية من الزمرد الأخضر.

عينيها كانوا مكحلين بـ “المكحلة” التقليدية، تكحيلة “مجبودة” لوزية كتخلي نظرتها تبان أعمق وأكثر حدة، خصوصاً مع داك الارتباك اللي بان في عينيها لأول مرة. ملامحها كانت موردة بفعل السرعة، والابتسامة الباردة اللي كانت عندها فوق ورا المشربية، غابت دابا وحل محلها تعبير ديال “الارتباك

وقفت شامة وهي كتحاول تنظم نفسها، وراسها منحني شوية للجهة ديال الشداد، وقالت بصوت هامس ومضطرب:

“سمح ليا يا الشداد.. ما بغيتش نتأخر على مقام لالة اليازية، ولكن الرهبة غلبتني.”

الشداد شاف فيها بنظرة خاطفة، فيها استغراب من هاد الحضور المفاجئ وهاد “الزينة” اللي خلات شريفة تلمحها بنص عين وهي ما زال هازة طبق الورد.

دابا، السكون غايولي أعمق، والأنظار كلها غتتجه لواحد النقطة: الستارة ديال الهودج.

بدات الستارة كتحرك ببطء شديد، كأن اللي لداخل كيختبر صبر القصبة وماليها. خرجات يد لالة اليازية، يد بيضاء ومخضبة بـ حناء “فاسية” متقونة، كتحمل خواتم ذهبية فيها فصوص ديال الياقوت كتشعل مع أشعة الشمس. اليد تحطات على طرف الهودج، وبانت لالة اليازية وهي كتنزل بوقار كيهز الأرض.

كانت لابسة تكشيطة من “الخريب” الحر، داك النوع الثقيل اللي كيعبر على السلطة والجاه، بلون “الباج” الملكي المطرز بخيوط الذهب. وجهها كان فيه وقار السنين، وعينيها، رغم الهدوء اللي فيهم، فيهم نظرة حادة كتقرأ النفوس قبل الوجوه.

نزلت اليازية، ووقفت قدام شريفة والشداد وشامة. شافت في شريفة بنظرة فيها تقدير مستور وقالت بصوت هادئ ولكن فيه رنة ديال السلطة:

“الدار منورة بماليها يا شريفة.. والورد اللي رشيتي، ريحتو وصلت لقلبي قبل ما توصل لرجليا. الوفاء شيمة الأصول، وأنتِ بنت الأصول.”

ثم دارت وجهها جيهت الشداد، وعينيها دبلوا شوية بحنين مخفي:

“يا الشداد.. القصبة كبرات، والزمان دار دورته، ولكن ريحة هاد الأرض ما كتبدلش.”

وفجأة، تحولت نظرتها لـ شامة. اليازية بقات كتشوف فيها لثواني طويلة، خلات شامة تزيد ترتبك وتزير على طرف قفطانها. اليازية قربات خطوة واحدة، وديك النظرة الحادة ولات نظرة استكشاف، وقالت بصوت منخفض سكن القصبة كلها:

“وهاد النوارة اللي واقفة جنبك يا الشداد؟ شكون هاد الغزالة اللي لابسة ‘الجوهرة’ وهازة الرهبة في عينيها؟”

هنا، شريفة زيرات على طبق النحاس اللي في يدها، وحسّات بلي الأضواء بدات كتسحب منها جيهت شامة، والجو ولات فيه “برودة” غريبة رغم حرارة الشمس.

عبيبوش القويزم، اللي كان مخبأ م ورا السواري، كان كيتبع المشهد وعينيه كيلمعوا. عرف بلي هاد “اللقاء الثلاثي” (اليازية، شريفة، وشامة) هو بداية ديال صراع صامت، صراع الهيبة، والجمال، والسلطة وسط أسوار القصبة.

اليازية ما حيداتش عينيها من شامة، ولكن ملامحها بقات جامدة بحال الرخام. قربات منها واحد الشوية، حتى بدات ريحة “العنبر” الغالية اللي دايرة اليازية كتختلط بريحة الورد اللي رشات شريفة. شافت فـ شامة من الفوق لتحت، وابتسمت واحد الابتسامة باهتة ما وصلاتش لعينها، وقالت بصوت هادئ كيرعد القصبة:

“إيوا.. هادي هي ‘الأمانة’ اللي جاب الشداد من أراضي الدم؟ سبحان اللي كيعطي القبول للوجوه، واخا تكون القلوب هازة ما هازة. كنت كنسمع بلي ثمن الغالي كيكون غالي.. وفعلاً، ‘الجوهرة’ جات معاك يا بنتي.”

كلمة “الأمانة” و**”ثمن الغالي”** كانت رصاصة موجهة لشامة؛ اليازية كتفكرها بلي هي هنا غير “دية” ومقابل ديال دم ضاع، وماشي زوجة جات بالاختيار أو بالحب العادي.

شامة، رغم الارتباك اللي كان فيها، حسات بالسم اللي في كلام اليازية. شريفة، من جيهتها، تنفسات الصعداء ملي شافت اليازية ما عطاتش قيمة لشامة كـ “زوجة”، بل شافتها كـ “بضاعة” أو “أمانة” تقضى بها غرض.

الشداد حس بالثقل ديال الهضرة، وحاول يلطف الجو، حط يدو على كتف شامة وقال برزانة:

“لالة اليازية.. شامة دابا ولات طرف من هاد القصبة، واليوم نهار فرح بمجيك، ما بغينا نجبدو فيه غير الخير.”

اليازية دارت عند الشداد وضحكات ضحكة خفيفة،

“الخير هو اللي باغيناه يا الشداد.. والدم ملي كيبرد، كيخلي بلاصتو للسياسة. يلاه يا شريفة، وجدي لينا فين نرتاحو، الطريق كانت طويلة.. والقصبة توحشت ماليها.”

هنا تبدلت موازين القوة في ثانية، وحس الجميع بلي القصبة غتضيق بماليها. من ورا الهودج العظيم ديال لالة اليازية، خرج هودج ثانٍ أصغر حجماً، مغلف بالثوب الأسود المنسوج بخيوط الفضة الباهتة، كيعلن على حداد ما بغاش يسالي.

نزلت خيزران، أرملة ولي العهد الفقيد. وبمجرد ما حطت رجليها على الرخام، ساد واحد الصمت رهيب، حتى الريح بحال إلا حبس نفسو. كانت لالة خيزران لابسة قفطان أبيض ناصع (لباس الحزن والحداد)، وفوق منه “حايك” من الحرير الرقيق اللي مخبي نص وجهها، ولكن عينيها اللي غارقين في الكحل والدموع المتحجرة كانوا كينطقوا بالويل.

خيزران ما شافتش في شريفة، وما عطاتش قيمة للخدم؛ عينيها نيشان مشاو لـ شامة. نظرة خيزران كانت بحال الموس، نظرة امرأة كتشوف في “ثمن دم” راجلها وهي حية قدامها، لابسة الجوهرة ودايرة العقيق في أراضي القصبة

خيزران تقدمات بخطوات تقيلة، كل دقة من شربيلها الأبيض على الرخام كانت كتحس بها شامة بحال دقة فقلبها. وقفت قدام شامة، والمسافة بيناتهم ولات قصيرة بزاف، لدرجة أن ريحة “الكافور” والحزن اللي فلباس خيزران غطت على ريحة الورد والعنبر.

خيزران حيدات الحايك ببطء، وكشفات على وجه شاحب بحال القمر فليلة باردة، وعينين منفوخين بالسهر والدموع اللي جمدات وما بغاتش تطيح. شافت فـ “الجوهرة” اللي لابسة شامة، وفداك العقيق اللي كيلمع فـ عنقها، وضحكات واحد الضحكة في شكل، ضحكة فيها القهر والسم:

“الجوهرة.. والزمرد.. والزينة.. فـ القصبة اللي ريحة الغدر مازال فـ حيوطها؟”

دارت خيزران وجهها جيهت لالة اليازية، وقالت بصوت كيرعد بالمرارة:

“شفتي يا لالة؟ هادي هي اللي عوضاتني على اللي مشى؟ هادي هي اللي ولات كتمشى بنخوتها فـ المشور فين كان راجلي كيحكم ويأمر؟”

اليازية حطات يدها على كتف خيزران، وضغطات عليها بجهد، وكأنها كتعطيها الضوء الأخضر باش تفرغ داك السم كله. اليازية شافت فـ الشداد بنظرة باردة وقالت:

“خيزران قلبها مازال كينزف يا الشداد.. والدار اللي دخل ليها ‘ثمن الدم’ بلا حساب، ما يتسناش من ماليها الابتسامة.”

شامة فـ هاد اللحظة، رغم أن عينيها كانوا موردين بالارتباك، إلا أنها رجعات لداك الهدوء العجيب ديالها. سكنات ملامحها، ورجعات ديك الابتسامة الباردة والمتأملة كأنها كتشوف فـ خيزران من بعيد، وردت بصوت منخفض ورزين:

“الله يرحم اللي مشى ويصبر قلبك يا لالة خيزران.. أنا هنا ماشي اختيار، أنا قدر محتوم بحالي بحالك. والجوهرة اللي كتشوفي، راهي غير غلاف، أما اللي فـ القلوب راه ما كيعلم بيه غير الله.”

شريفة، اللي كانت واقفة وطبق الورد بين يديها، حسات بلي “السلطة” بدات كتسحب من تحت رجليها. خيزران جابت معاها “شرعية الحزن”، واليازية جابت “شرعية الحكم”، وهي لقات راسها بيناتهم مجرد “مضيفة” كترش الورد لضرتها الجديدة ولأرملة حاقدة.

الشداد، باش يقطع هاد السجال اللي بدا كيكبر قدام عينيه تبسم ابتسامة باردة لاكن حادة فنفس الوقت وقال بصوت هادي :

“يا التاقي! وجد الجناح الشرقي لالة اليازية ولالة خيزران. شريفة، مرافقة لالة خيزران عليك، تهلاي فيها راه الجرح مازال خضر.”

خيزران دازت من جنب شامة، وكتفها قاس كتف شامة فـ حركة مقصودة، وهمسات ليها بكلمة واحدة خلات شامة تزيد تسهى فـ بلاصتها:

“القصبة اللي دخلتي ليها بالورد.. غتخرجي منها بالكفن.”

مشاو كاملين لداخل، وبقاو غير العبيد كيجريو بالصناديق، وعبيبوش القويزم واقف كيشوف فـ شامة اللي بقات مسمرة فـ بلاصتها، والابتسامة الباردة بدات كتلاشى من وجهها وهي كتشوف فـ أثار رجلين خيزران على الورد المهروس.

انصرف الجميع، وبقات الساحة خاوية إلا من الشداد وشامة. الشداد بقى واقف بلاصتو، عاطي بظهرو للباب فين دخلات اليازية، وعينيه ساهيين فالسماء اللي بدات كتغرب. بقى ساكت لثواني طويلة، واحد السكوت فيه ثقل الجبال، قبل ما يدور جيهت شامة ببطء.

شاف فيها نظرة هادئة، نظرة ما كتحكمش ولكن كتسأل. قرب منها بوقار، وبلا ما تبان عليه ذرة غضب أو تأثر بكلام خيزران، قال بصوت عميق ومرزّن:

“شفت الرهبة فـ عينيك يا شامة.. وشفتك جيتي مسرعة بجنبي. واش هاد القصبة، بـ ماليها وناسها، مازال كتبان ليك غريبة؟ واش مازال كتحسي بلي هاد الزواج ‘حمل’ ثقيل كتهزيه غير حيت هادشي اللي كتب الله؟”

شامة، وهي كتحس بالثقل ديال حضور الشداد، وبالحماية اللي كيعطيها غير بوقفتو، قربات منو بواحد الهيبة رقيقة. حطات يدها على دراعو، وبقات ديك الابتسامة الباردة والمتأملة فـ وجهها، وقالت بصوت هادئ:

“الشداد.. القصبة هي داري دابا، وعمري حسيت بالغربة وأنا فـ ظلك. الرهبة اللي شفتي، هي رهبة من مقام لالة اليازية، ماشي من قدري. أنا هنا حيت مكاني هو جنبك، وكنت غنكون مجبرة كون كنت فـ دار أخرى.. أما هنا، أنا ‘سلطانة’ بيك.”

الشداد سكت، وبقى كيشوف فـ عينيها المكحلين بـ الإثمد. كلامها فيه ذكاء وفيه اعتراف بلي هو “السند”، ولكن الشداد رجل كيقرا ما بين السطور. ما عجبوش أنها خبات الحقيقة ورا “الرهبة من المقام”،

الشداد هز راسو، ورجع لبرودو المعتاد، وقال بصوت فيه نبرة الآمر الناهي ولكن بلا غضب:

“مزيان.. لالة اليازية هي مقام الدار، وخيزران هي جرحها. كوني فـ جنحي، وما تخليش ‘السهوة’ تاخدك بزاف.. حيت هاد الحيوط دابا، خاصهم اللي عقلهم حاضر، ماشي اللي كيتأملوا فـ الخيال.”

دار الشداد وجهو، وتم غادِي بـ رزانة جيهت المشور، مخلّي شامة كتشوف فـ ظهره. الرد ديالها ما طفاش النار اللي لداخل ديالو، حيت حس بلي شامة “كتحامي” بيه كـ قوة، ولكن قلبها مازال غايب فـ عالم آخر ما كيوصلوش هو.

دخلات لالة اليازية للجناح الشرقي، وتمشات حتى لوسط القاعة، دارت دورة خفيفة بعينيها فـ الأركان بحال إلا كتقيس واش “الهيبة” ديالها كاينة فـ الحيوط ودارو بحسابها ولالا؟

جلست على المنزة العالية بوقار، وتكات على المخدة، ودارت إشارة لشريفة باش تجلس قدامها، بينما خيزران بقات واقفة جيهت السرجم، كيل على لـ “الفناء” بمرارة.

اليازية شافت فـ شريفة بواحد الهدوء كيريّح ويخوف فـ نفس الوقت، وقالت بصوت رزين:

“جلسي يا شريفة.. القصبة مازال شادة ريحتها، والزليج مازال كيلمع. كنشكرك على هاد الوقفة، وعلى هاد الورد اللي رشيتي.. كيبين بلي الدار مازال فيها ماليها اللي كيعرفوا حق الضيافة.”

شريفة انحنات شوية وقالت: “هذا واجب يا لالة، الدار دارك والقصبة كانت كتسناك.”

اليازية كملات كلامها وهي كتلعب بـ “خاتم” الياقوت فـ يدها، وقالت بـ حكمة باردة:

“سمعي يا بنتي.. الزمان كيدور، والشداد ، وحنا درنا لي كيبان لينا فيه صلاح للجميع . ‘شامة’ ضيفة ثقيلة، هادشي ما فيه شك، ولكن الحكمة كتقول بلي السبع ملي كيدخل لدارو شي حاجة غريبة، كيخصو يعرف كيفاش يسكنها بلا ما تزعزع السواري. أنتِ يا شريفة، عقل الدار وسواريها.. والرزانة هي اللي غتخلي هاد القصبة تبقى واقفة.”

خيزران دارت عندهم، وصوتها فيه غصة: “ولكن يا لالة.. واش هاد الرزانة غتنسينا بلي راجلي غاب، وبلي ‘ثمن الدم’ ولات سيدة فـ المشور؟”

اليازية هزات عينيها فـ خيزران، نظرة فيها هيبة الأم وحزم الحاكمة، وقالت:

“خيزران.. الجرح ملي كيكون غارق، ما كيداواش بالصياح. كيداوا بالصبر والوقت. شامة دابا ولات ‘أمانة’ فـ ذمة الشداد، والأمانة ما كتخانش عند ولاد الأصول. ولكن الأمانة خاصها تعرف قدرها، وخاصها تعرف بلي هاد القصبة عندها ‘قانون’ قديم، اللي ما فهموش.. كيغرق فـ ظلو.”

دارت وجهها لـ شريفة وكملات بـ نبرة هادئة ومبطنة:

“يا شريفة.. تهلاي فـ شامة، وعلميها أصول الدار. ورّيها كيفاش كيعيشوا لالات القصبة، وخلّيها تفهم بلي توب ‘الجوهرة’ بوحدو ما كيصنعش سيدة . خليها تحس بلي هي ‘ضيفة’ عزيزة، ولكن السوارت باقين فـ يديك أنتِ. الحكمة هي تخلي العدو يظن بلي هو آمن، حتى كيعرف بلي الحيوط براسها عندها وذنين.”

شريفة فهمات بلي اليازية كتعطيها “الخيط” باش تخنق شامة بـ “الآداب” وبلا ما تبان هي الظالمة. ردت شريفة بـ رزانتها:

“كلامك حكمة يا لالة. شامة غتاخد حقها من التقدير، ولكن مقامك ومقام لالة خيزران هو الأول والآخر.”

اليازية ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت وهي كتغمض عينيها بتعب:

“يلاه سيري يا شريفة، شوفي لينا شي براد ديال أتاي بالمنتة والشيبة، يبرد علينا حرارة الطريق.. وخلينا نرتاحو شوية، حيت ليل القصبة من غدا غيبدا يطوال.”

بين السواري المنقوشة وجذوع الشجر العالية اللي كتعانق شرفات جناح لالة اليازية، كان عبيبوش “القويزم” منزوي بحال شي خيال ديال طير كاسر. ما كانش واقف في الأرض، بل كان لاصق فالحجر الأصم، شاد بصباعه المحفرين فثنايا النقش، ورجليه متبتين فغصن شجرة “الرنج” الغليظ اللي كيميل جيهت “المشربية”ديال جناح لاللة اليازية

كان عبيبوش كيجمع أنفاسه، وكيحبس الحركة فذاته حتى رجع كأنه طرف من خشب الشجرة أو حجر السارية. وذنيه كانت محلولة

كتلقف كل همسة وكل كلمة كتخرج من وسط الجناح، مابين رنة صوت لالة اليازية الرزينة، ونبرة خيزران المقهورة، وحرقة شريفة اللي بدات كتخرج على الصمت.

كان كيتنفس ببطء، وريحة “العود القماري” والبخور اللي خارجة من الشرفة كانت كتغطّي على وجوده. سمع لالة اليازية وهي كتوصل شريفة بالسياسة والصبر، وسمع شريفة وهي كتنطق بمرارة: “هاد الحكمة واش غتطفي النار اللي شاعلة فيّ؟”

حرك عبيبوش راسو واحد التحريكة خفيفة، وواحد الابتسامة ماكرة تترسمات على وجهه. كان كيسجل فخاطره كل وعيد، وكل خطة، وكل تنهيدة. بالنسبة ليه، هاد السّر اللي كيتجمع دابا وسط هاد الحيوط المرممة حديثاً، هو اللي غيخليه يتحكم فخيوط اللعبة من بعد.

فجأة، تحركت ريح خفيفة صفقات بها لوراق، جمد عبيبوش فبلاصه وبقى مسمر حتى عينيه ما بقاش كيرمش بيهم، خوفاً لا يلمحه حرس أو تباغته شوفة من الداخل. استنى حتى رجع السكون، وكمل سريقة السمع.

كان كيقول فخاطره: “يا لالة اليازية.. الحكمة ديالك كوزها ضيق، وشريفة قلبها غلا ونطق، وأنا عبيبوش راه “سوسة” هاد الحيوط، غير شاف شريفة خارجة من الجناح بحرقتها، رخى يديه وهبط بـسلاسة وسط الظل، بلا ما يخلي أثر وراه، مخلّي جناح لالة اليازية غارق فتدبير ليل طويل ومشا كينقز طالع مع الشجر حتى للشرفة ديال جناح شامة وغرس بديه فالصور وطلع بمشقة النفس ونقز عليها وسط البيت حتى هزها من بلاصتها مفزوعة

وقفات من بعد ما كانت جالسة وحطات يدها على صدرها وقالت

“خلعتيني يا وجه الهم فهاد الليل !!! اشنو جايب معاك عاوتاني من ويل راني كنعرف قدامك حارين مارريين “

قرب عبيبوش واحد الشوية، وهبط راسو وهو كيهمس بكلمات مسمومة ومرزنة:

“يا لالة شامة.. القصبة الليلة ولات عامرة بالوذنين والعيون. لالة اليازية كتحيك ‘السياسة’ بخيوط من الحرير، ولالة خيزران قلبها محروق بدم الفقيد وكتحلف فـ ‘ثمن الدم’.. أما لالة شريفة، فـ النار اللي فيها حرقات حتى ‘الرزانة’ اللي كانت كتحاما بيها.”

هنا، دارت عندو شامة ببطء، وعينيها المكحلين وسعوا واحد الشوية:

“وشريفة؟ واش قدرت تنطق باللي فقلبها قدام لالة اليازية؟”

رد عبيبوش بابتسامة باهتة:

“نطقات وصرخات، وقالت بلي ‘البرانية’ سلبات منها حتى النوم. لالة اليازية عطاتها ‘الخيط’ باش تخنقك بالآداب والأصول، وقالت ليها تخليك تظني بلك آمنة حتى تعرفي بلي الحيوط عندها وذنين. هما دابا كيدبروا ليك ليل طويل يا لالة، والشداد رجلو على السرج وقدامو خرجة فيها يوماين ولا ثلت ايام ولا حتى سبع ايام . شامة رجعات شافت فالمشربية، ويديها زيروا على طرف “الدفينة” ديالها، وقالت بصوت بحال الهمس الرخامي:

“إيوا مزيان.. كنت خايفة غير من السكوت، أما دابا ملي نطقوا، غايكون اللعب على المكشوف. اليازية باغا ‘السياسة’، وشريفة باغا ‘الانتقام’.. وأنا يا عبيبوش، ما عندي غير هاد ‘الخيال’ اللي كنتمشى فيه وهاد الظل ديال الشداد اللي كيحميني.”

سكتات شوية، ورجعات ديك الابتسامة الباردة والمؤدبة لوجهها، وكملات:

“سير يا عبيبوش، خليك قريب من جيهة لالة خيزران.. الجرح اللي كينزف هو اللي كايغدر بصاحبو قبل غيرو. وأنا غانتسنى ‘الشداد’ يشوف واش القصبة اللي رممها، غاتهز هاد الثقل كلو ولا غاتطيح علينا كاملين.”

توقف الشداد عند رأس الممر المؤدي للجناح الشرقي، والليل قد أرخى سدوله فوق “القصبة” المرممة، فغدت الحيوط والأسوار تئن تحت وطأة الصمت والانتظار. كانت خطواته فوق الرخام رصينة، لكنها تحمل ثقلاً لا تشي به ملامحه الجامدة؛ لم يكن يرتدي سلهام الرسميات، بل كان متخففاً في لباس من ثوب “الكتان” الرهيف، قميص وسروال منسوجان بدقة من خيوط “اللولان” الصافية، بلون الرمل عند الغروب، يشفان عن نبل وقامة مهابة دون تكلف، وفي قدميه “بلغة” مخزنية من الجلد الرطب، صامتة لا توقظ هدوء الممرات.

وصل إلى عتبة الباب الموصد، وتوقف. كانت دادا رقية قد خرجت لتوها، تحمل بيدها مبخرة “الند” وتجر أذيالها بوقار، فاصطدمت بهيبته عند الباب. انحنت برأسها في صمت مطبق، وانسلت كخيال في الظلام، مفسحة الطريق لسيد المكان.

بقي الشداد واقفاً أمام الباب، ويده التي اعتادت قبض أعنة الخيل وشد الوثاق ترددت هذه المرة في ملامسة الخشب المنقوش. كان صدى كلام شامة في الساحة ما يزال يتردد في مسمعه، وذيك “البرودة” التي ردت بها عليه جرحت فيه كبرياء الرجل الذي لا يُرد له طلب.

تنهد بصمت، وعيناه تجولان في زخارف السقف العالية، وكأنه يزن موازين القوى في داره؛ فكر في اليازية وهي تترقب في جناحها، وفي شريفة التي يغلي صدرها خلف الجدران، وفي شامة القابعة خلف هذا الباب، بابتسامتها الباردة وسهوتها التي لا تنتهي. أحس أن الدخول في هذه الساعة، والنفوس ما تزال مشحونة بمرارة العتاب، قد ينقص من وقاره أمام نفسه، أو يجعله يبدو طالباً لوصلٍ لم يكتمل نضجه بعد.

بقي الشداد لثوانٍ عالقاً بين الإقبال والإدبار، والريح تداعب أطراف قميصه الكتاني الرقيق. وفي لحظة حسم، تراجع خطوة إلى الوراء بوقار أميري. لم يطرق الباب، ولم يطلب الإذن، بل آثر الكبرياء على الرغبة. أدار ظهره ببطء، وعاد من حيث أتى بخطوات هادئة، تاركاً خلفه باباً لم يُفتح، ومسافة من الجفاء بدأت تتسع بينه وبين “جوهرة” القصبة الجديدة.

انسحب الشداد في سكون الليل، مخلفاً وراءه شامة وهي ترقب خلف المشربية، تسمع وقع خطواته تبتعد، وتدرك أن ليل القصبة قد بدأ فعلاً يطول.

في تلك الساعة المتأخرة من الليل، كانت لالة اليازية تقف وحيدة في شرفة جناحها الفخم، شامخة كأنها مئذنة قديمة لا تهزها الرياح. كانت القصبة من حولها قد سكنت، إلا من حفيف أوراق الشجر ووقع خطى الحراس البعيدة.

كانت اليازية ترتدي “منصورية” من الحرير الثقيل بلون الأخضر السلطاني، مطروزة بخيوط الذهب الخالص “الصقلي” الذي يلمع في العتمة كلما تحركت بنبض أنفاسها الرزينة. لفت حول رأسها “رزة” رقيقة من الثوب الرفيع، وثبتتها بـ “مساك” من الزمرد، يحيط بوجهها الذي خط فيه الزمان أخاديد من الهيبة والحكمة.

اتكأت بيديها المحناتين بـ “نقش” قديم على حاجز الشرفة الرخامي، ورفعت عينيها نحو السماء الصافية. لم تكن تنظر إلى النجوم كباقي البشر، بل كانت تقرأ في صمت الفضاء مسارات القدر التي قادت قبيلتها إلى هذه الجدران المرممة.

وفجأة، وسط لمعان النجوم، تراءت لها صورة ابنها المرحوم. لم تكن صورة باهتة، بل رأته بوضوح تام؛ رأته بفروسيته المعهودة، بابتسامته التي كانت تضيء جوانب القصور ، شعرت وكأن ريح الليل تحمل صوته، وهو يناديها من وراء الغياب،

لم تدمع عين اليازية، فالدموع في شرعها ضعف لا يليق بمقاامها

، لكن قلبها انقبض انقباضة شديدة. تمتمت بشفتيها بكلمات لم يسمعها أحد، وكأنها تخاطب طيفه:

“يا ولدي.. الدار اليوم استجمعت حيوطها، والشداد سد الثغرة بالصلح.. ولكن مكانك في الصدر باقٍ فجوة لا يملؤها لا ذهب ولا حرير.”

أما في الجناح القصي، حيث يسكن الحزن ويتربع الصمت، كانت خيزران تقبع في غرفتها التي تفوح منها رائحة “الجاوي” و”المسك الأسود”، وكأنها تحاول أن تخنق برائحة البخور أنفاس “شامة” التي تسللت للقصبة.

كانت الغرفة غارقة في عتمة لا تكسرها إلا شمعة واحدة يتيمة وُضعت في مشكاة منقوشة، يرقص لهبها فوق الجدران المرممة رقصاً يشبه اضطراب روح خيزران. كانت جالسة على الأرض، فوق “نطع” من الجلد المدبوغ، ومسندة ظهرها لسارية من الخشب. بين يديها، كان كينام “خنجر” زوجها المرحوم، بـ “قبضة” من العاج ونصل من الفولاذ الدمشقي الأصيل، وهو كل ما بقى ليها من ريحة “الفروسية” والكرامة اللي ضاعت في نهار أسود.

كانت خيزران ترتدي قفطاناً بسيطاً من الصوف القاتم، خالية من كل زينة، وشعرها منسدل في ذهول. يداها النحيفتان كانت كتمسح على نصل الخنجر البارد، وعيناها مسمرتان في الفراغ، لا ترى الجدران ولا الأثاث، بل ترى “ساحة الطعان” وذاك اليوم المشؤوم اللي سلبها سندها بضربة غدر.

نطقت بصوت مخنوق، كلمات خرجت من أعماق جرح لا يندمل:

“يا الشداد.. جدران القصبة اليوم باردة، والحرير اللي غطيتي بيه كتاف ‘البرانية’ راه طعنة ثانية فصدر الفقيد. كيفاش قدرت تنعس وصليل السيوف مازال كيطن فـ وذني؟”

كانت حرارة صدرها تفوق حرارة المبخرة القابعة بجانبها. لم تكن خيزران تبحث عن جاه أو سلطة كما تفعل شريفة، ولا عن “سياسة” كما تدبر اليازية؛ كانت تريد فقط أن ترى “العدالة” متمثلة في انكسار تلك التي جاءت لتأخذ مكانها ومكان كرامة زوجها.

فجأة، سمعت صوت الريح يضرب “المشربية”، فانتفضت كأنها سمعت وقع خيل في المنام. لم تكن تبكي، بل كان في عينيها بريق “الثأر” الذي بدأ ينضج على نار هادئة. غمدت الخنجر في غطائه بـ “رنة” معدنية حادة، وتمتمت بيقين يسبق العاصفة:

“الليل غيدوز يا خيزران.. ولكن الصباح اللي غيشرق على هاد القصبة، غيكون بـ حد السيف.”

جناح شامة ما كانش مجرد بيت وسط القصبة، بل كان هو “التاج” اللي فوق هاد البرج العالي، جناح كيشرف على الدنيا من كاع الجوايه. السرير ديالها، المنحوت من خشب الأرز والمعشق بالعاج، كان محطوط فـ قلب الشرفة الواسعة اللي ما عندها جدران تحجب الشوف، غير سواري رقيقة كتهز سقف منقوش ب

كانت شامة متكية فوق الحرير، والليل من حولها ممدود بحال شي بحر ديال الظلام، ونور المدينة البعيد كيبان ليها بحال لآلئ منثورة فوق رملة كحلة. البرد ديال الفجر كان كيغازل خيوط “الستور” الرقيقة اللي كانت كترفرف بحال جنانح ديال الفراشات، وريحة الند والياسمين اللي طالعة من رياض القصبة كانت كتخلط مع ريحة الحرية اللي كيعطيها العلو.

شامة كانت شادة في يدها “مرآة” من الفضة المصقولة، ولكن ما كانتش كتشوف فيها وجهها، بل كانت كتشوف فيها انعكاس النجوم اللي فوق راسها. كانت كتحس براسها بحال شي طير ملكي، معزولة على الصدع، وعلى غليان جناح اليازية، وعلى حرقة شريفة.

بدات كتحس بواحد البرودة غريبة، ماشي برودة الريح، ولكن برودة “الخوف” اللي كياكل فـ العظم. الأنوار ديال المدينة اللي كانت كتبان ليها لآلئ، رجعات دابا كتبان ليها بحال عيون ديال دياب كيتسناو الطيحة ديالها.

تجمعات شامة على راسها، وعنقات رجليها لصدرها وهي كترجف. فهاد اللحظة، طار داك القناع ديال “الرزانة” و”البرود الملكي” اللي كانت كتحاما بيه قدام الكل

بانت شامة الحقيقية: بنت صغيرة، وحيدة، وغريبة، لقات راسها وسط “غابة” ديال حيوط القصبة

شافت في يديها، وفكرات فـ لالة اليازية اللي كتدبر بالسياسة ديال سنين، وفي شريفة اللي كتحركها غيرة وعشرة طويلة، وفي خيزران اللي قلبها عامر بدم الفقيد. سولات راسها بمرارة:

“أنا شكون وسط هاد الناس؟ أنا مجرد ‘دية’، مجرد رهان خذاه الشداد باش يطفي نار الحرب. آش جاب هاد التجربة ديالي لهاد الذكاء ديالهم؟ أنا يلاه بديت كنشم ريحة الدنيا، وهما شبعوا منها غدر ومرارة.”

وفجأة، نزل عليها واحد الخوف رهيب ملي تفكرات الشداد. كلامو الموزون، والغزل اللي كان كيطرز ليها فـ الطريق، والوعود اللي عطاها بلي غيكون ليها “الدرع” و”السند”.. كلشي هادشي بدا كيبان ليها دابا بحال “فخ” مخدوم بالحرير.

“الشداد كيهضر بلسان الصياد”، همسات لراسها بوجع. “هاد الغزل كلو غير باش يروض الجاموح اللي فيّ. نهار تبرد نار الرغبة، شكون غيبقى ليا؟ واش الشداد غيضحي بـ أمّو اليازية وبـ ولاد شريفة على قبل ‘برانية’ جابها ليل القدر؟”

حسات براسها محاصرة بين نيران كتاكل من كاع الجوايه: نار الغيرة اللي تحت رجليها، ونار السياسة اللي فوق راسها، ونار الشداد اللي ما عرفات واش حب ولا مجرد “تملك”.

بدات كتشوف فـ كفوف يديها وكأنها كتقلب على خيط نجاة، ودمعة هربات ليها من تحت الكحل، دمعة دافية حرقت ليها خدها. حسات بلي هاد “البرج العالي” اللي هي فيه، ما هو إلا سجن بـ جدران من الريح. حيرة كبيرة تملكاتها: كيفاش تخرج من هاد اللعبة وهي حية؟ كيفاش تقدر تعيش وسط ناس كيشوفوها “غريمة” قبل ما يشوفوها “إنسانة”؟

شامة فـ هاديك الساعة، كانت كتحس بلي الزمان غدر بيها، وبلي الحمال اللي حطو فوق كتافها الشداد، أثقل بزاف من ديك “الجوهرة” اللي معلقة فـ عنقها. كبرات في عينيها صورة الضياع، وبقات كتنهد وسط الظلام، كتقلب على “شامة” القديمة اللي كانت كتنعس وراسها خالي، قبل ما تولي “جوهرة” في قصبة عامرة بالسموم

بينما كانت شامة تصارع خوفها في البرج العالي، كان جناح شريفة يغرق في لجة من نوع آخر؛ لجة من القهر الصامت الذي يفتت الصخر. كانت الغرفة واسعة، جدرانها المرممة حديثاً ما زالت تفوح منها رائحة الجير والتراب الممزوج بماء الورد، لكن الهواء فيها كان ثقيلاً، وكأنه يختنق بآهات صاحبتها.

كانت شريفة جالسة على “نطع” من الصوف المرعزي، بجانب مهد رضيعها المصنوع من خشب الجوز. كان الصغير غارقاً في نوم عميق، لا يدرك أن صدر أمه الذي يرضع منه مليء بالمرارة لا بالحليب.

مدت شريفة يدها المرتجفة، ولمست جبين طفلها بأطراف أصابعها، ونزلت دمعة حارة مسحتها بـ “كم” قفطانها بسرعة، وكأنها تخجل من ضعفها حتى أمام طفلها. لم يكن حزنها حزناً عادياً، بل كان “عشقاً مجروحاً”؛ فهي لم تكن ترى في الشداد سيداً وقائداً فحسب، بل كانت تراه وطنها الذي سكنته قبل أن تُبنى هذه القصبة، واليوم تشعر وكأنها أصبحت “لاجئة” على أبواب قلبه.

همست بصوت مكسور، وهي تنظر إلى خيال الشموع الراقص على الجدران:

“يا الشداد.. يا اللي عطيتك صغري وصبري، وهزيت معاك ثقل الخيام قبل ما نتحاماو بهاد الحيوط.. واش هان عليك تزرع فـ صدري ‘شامة’ وتخليها تسقيها بـ دموعي؟”

استبدت بها الغيرة، غيرة لا تشبه غيرة النساء العاديات، بل هي غيرة “الاستحقاق”. تذكرت الشداد كيف كان ينظر إليها، وكيف كانت كلمته هي الأمان لها، والآن تتخيله واقفاً أمام باب تلك “البرانية”، يوزع عليها نفس نظرات الود التي كانت تظنها ملكاً لها وحدها.

ضمت رداءها حول كتفيها بقوة، وكأنها تحاول أن تمنع قلبها من الانفطار. كانت تتخيل “شامة” برقتها وغلالتها وجوهرتها، وتنظر إلى نفسها كـ “أم” أضنتها السنين والولادة وحمل هموم الدار. أحست فجأة أنها أصبحت “قديمة” في عينيه، وأن حداثة شامة هي السلاح الذي ذبح كبرياءها.

نظرت إلى رضيعها مرة أخرى، وقالت في سرها بحزم يشوبه الانكسار:

“ولدي.. أنت اللي بقيتي ليا من ريحة الشداد اللي بغيت. أما هو، راه خذاه الريح لبرج عالي، وخلاني هنا كنعس مع الحيوط ونحاجي للظلام.”

في تلك اللحظة، لم تكن شريفة “سيدة القصبة” القوية التي تخيف الخدم، بل كانت امرأة محطمة، تتقلب بين نيران الشوق لرجل غائب، ونيران الغيرة من امرأة سكنت قلبه بلا عناء. كان مشهدها درامياً بامتياز؛ امرأة تعيش “الضياع” في قلب بيتها، وتنتظر فجراً لا تدري إن كان سيحمل لها الرضا، أم سيزيد من وحشة ليلها الطويل.

مع بزوغ الفجر، كانت القصبة كتعيش حركة غير عادية. الشداد قرر يخرج يتفقد حدود الأراضي ويشوف أحوال القبائل في الصحراء، وكأن هاد السفر هو هروب من “الخناق” اللي بدات كتدير فيه الحيوط من بعد ليلة البارح.

في الساحة الكبيرة، كان الخيل “المطهم” ديال الشداد كيضرب الأرض بحوافره، وصهيل الخيل كيقطع سكات الصباح. الشداد كان واقف وسط الساحة، لابس لباس السفر والحروب: “مدرعة ” من الكتان الغليظ، وسروال كحل محموع بحزام من الكرش ومشدود داخله خنجر من الوبر كيحميه من غبار الطريق، واللثام كان مغطي نص وجهه ولفة صحراوية على راسو زرقاء، ما مخلّي غير عينيه الحادين كيبانو، عينين فيهم غضب مكتوم وبرودة كتشبه لبرد الفجر.

خرجت النسوة الثلاث لوداعه، واصطففن في الساحة كأنهن أقدار الشداد المتصارعة:

لالة اليازية (الأم):

كانت تقف في الصدارة، شامخة كأنها نخلة عتيقة. لم تكن تحتاج للكلام لتفرض هيبتها. تقدمت من ابنها الشداد، وضعت يدها على كتفه، وقرأت في أذنه آيات من الذكر الحكيم “للتيسير”، ثم همست له بصوت الأم التي تدير خيوط القصبة:

“يا ولدي، سر وقلبك هاني.. القصبة في يد أمك، والحق ما يضيع مادام النفس طالع هابط. سير رتب أمور القبائل، وخلي أمورك هنا تصفى على خاطرها.”

كانت نظراتها لجاماً لكل من في الساحة، وكأنها تقول للجميع إن “السيادة” لها في غيابه.

شريفة (الزوجة الأولى):

كانت تقف خلف اليازية بخطوة، تحمل في عينيها انكسار ليلة لم يطرق فيها الشداد بابها. كانت تضم رضيعها إلى صدرها بقوة، وكأنها تستمد منه الشجاعة لتواجه نظرات الشداد الباردة. لم تجرؤ على الكلام أمام هيبة “لالة اليازية”، لكن دموعها المحبوسة كانت تقول كل شيء؛ هي ترى زوجها يرحل وهو غاضب، وتخاف أن يرحل قلبه مع “الغريبة” التي قلبت كيان الدار.

شامة (الزوجة الجديدة):

كانت تقف بعيداً، عند طرف الرواق المؤدي لبرجها. لم تقترب لتودع، ولم تنحنِ لتطلب الرضا. كانت واقفة بوقار يشوبه الخوف الذي تداريه بالكبرياء. شالها يرفرف مع ريح الصباح الباردة، وعيناها تراقبان الشداد بدقة. كانت تشعر بثقل “غضبه” يضغط على صدرها، وتعلم أن رحيله وهو “هاز من جهتها” يعني أنها ستبقى وحيدة في مواجهة “نيران” اليازية وشريفة بلا حماية.

الشداد لم يلتفت لأحد. قفز فوق صهوة جواده ببراعة الفارس، وجذب الأعنة بقوة جعلت الحصان يصهل صهلة دوت في أركان القصبة. وقبل أن ينطلق، رمى بنظرة أخيرة، نظرة حادة مرت فوق شريفة كأنها لم تكن، واستقرت لثوانٍ على شامة.. نظرة وعيد وعتاب

نطق بصوت جهوري:

“الدار أمانة.. والي غدر الأمانة ماله عندي غير حد السيف.”

انطلق الشداد وخلفه غبار الفرسان، مخلفاً وراءه القصبة غارقة في صمت ثقيل.

حقك عليّ، هاد الملاحظة في محلها تماماً. اليازية قوتها في كونها “صندوق أسود” لا يُقرأ ما بداخله، والتلميح لنواياها كيُضعف هيبتها التاريخية.

إليك المشهد مركزاً فقط على الفعل ولغة الجسد:

انقشع غبار خيول الشداد خلف التلال البعيدة، وعاد السكون ليطبق على ساحة القصبة. بقيت النسوة الثلاث في أماكنهن كأنهن تماثيل من رخام، لا يحركه إلا ريح الصباح الباردة.

شريفة انحنت فوق رضيعها، ضمت اللحاف حول جسده الصغير بيدين ترتجفان، ثم استدارت بخطوات متعثرة نحو جناحها، ورأسها مائل نحو الأرض، دون أن تلتفت خلفها أو تنظر لأحد.

أما لالة اليازية، فظلت واقفة لبرهة في قلب الساحة، تنظر إلى الأفق حيث اختفى ابنها. سوت وضع “خاتمها” في إصبعها بحركة بطيئة ورزينة، ثم أدارت جسدها بوقار. مرت بمحاذاة شامة دون أن تلتفت جهتها، ودون أن تسرع أو تبطئ في مشيتها. كانت نظراتها مصوبة للأمام، ملامح وجهها جامدة تماماً كأنها منحوتة من صخر القصبة، لا تحمل وداً ولا وعيداً.

عند وصولها لباب الرواق، توقفت اليازية للحظة، رفعت يدها وأشارت لـ “رئيس الخدم” إشارة خفيفة برأسها، ثم اختفت داخل الظلال الطويلة للممرات.

بقيت شامة وحدها في الساحة. رفعت يدها لتثبت طرف شالها الذي عبثت به الريح، ونظرت إلى الفراغ الذي تركه رحيل الشداد، ثم إلى الرواق المظلم الذي ابتلع اليازية. لم يصدر عنها سوى تنهيدة صامتة، قبل أن تقرر هي الأخرى العودة بخطى هادئة نحو برجها العالي، تاركة الساحة خالية إلا من صدى صهيل الخيل الذي بدأ يتلاشى في المدى.

فداك الركن البعيد من “البرج العالي”، فين الضو دالشمس كيدخل محشم من تقابي المشربية، جلست شامة فوق “نطع” مطروز، وقدامها دادا رقية وعبيبوش. الصمت كان هو سيد الموقف، ما كيقطعو غير هفهفة الستائر، حتى قررت شامة تهرس هاد البرودة.

شافت شامة في دادا رقية اللي كانت كتقاد المسائل بوقارها الصامت، ودارت عند عبيبوش اللي واقف بحال خيال ما كينامش. سولات بصوت خافت ولكن فيه واحد الحنان مكور بالدهاء:

“قول ليا يا عبيبوش.. وهاد الناس اللي مسهرين على راحة هاد الحيوط، هاد الخدام اللي كنشوفهم غادين جايين بحال الخيالات.. كيف دايرة أحوالهم؟ واش هاد القصبة اللي وجهها ملمع ومرمم، حتى قلبها من لداخل هاني؟”

تبادل عبيبوش ودادا رقية واحد النظرة سريعة، فيها دهشة حيت ما مولفينش يسمعوا هاد السؤال من “لالة” الدار. تنحنح عبيبوش، وقرب خطوة وهو كيشبك يديه ورا ظهره:

“يا لالة.. الخدم في هاد الدار بحال السواري؛ هازين السقف ولكن حتى واحد ما كيشوف فيهم. لالة اليازية كتحكمهم بـ ‘الهيبة’ والوقار اللي كيوصل للخلعة، وللا شريفة كتشوف فيهم غير يدين كيقضيو الغرض وصافي. أما لداخل ديالهم.. راه القلوب عامرة بالخوف من الغلط، والخصاص اللي كاين ماشي في الماكلة والشراب، ولكن في الكلمة الزينة والتقدير.”

هبطات شامة راسها، وكأنها كتوزن هاد الكلام بميزان الذهب. حسات بلي هاد الناس المهمشين هما العروق اللي كيجري فيها الدم ديال القصبة، واللي ملك العروق ملك الجسد كامل.

ناضت شامة من بلاصتها، وحلات واحد الصنديق صغير من خشب الأبنوس، جبدت منه واحد “الصرة” ديال التوب الرفيع، حطاتها في يد دادا رقية وقالت بابتسامة دافية:

“يا دادا.. بغيتك من اليوم تبداي تفقدي أحوالهم بـ ‘خيْري’. هاد الصرة فيها ما يسد الخصاص ديال اللي محتاج، وبغيتك تعلميهم بلي جناح لالة شامة مفتوح للي ضاقت بيه الدنيا. اللي مريض يلقى دواه، واللي ضرب تمارة يلقى جزاؤه بزيادة.”

ودارت عند عبيبوش وكملات بحزم:

“وأنت يا عبيبوش.. بغيتك تكون عيني اللي كتشوف ‘وجع’ هاد الناس قبل ‘خدمتهم’. الود يا عبيبوش كيبني قلاع صح من هاد الحيوط ديال الحجر. الشداد واليازية كيحكموا بالهيبة، وأنا بغيت نحكم بالخاطر. اللي تهليتي فيه في عشه، يدافع على بابك بـ روحه.”

دادا رقية حسات بواحد الرعشة في يدها وهي شادة الصرة، وشافت في شامة بواحد النظرة فيها بذور ولاء جديد يلاه بدا كينبت. أما عبيبوش، فديك الابتسامة الماكرة ديالو زادت عرضت، وفهم بلي “الجوهرة” بدات كتعرف أصول اللعبة الحقيقية؛ اللعبة اللي ما كتشعلش من فوق الكراسي العالية، ولكن من الكوزينة والممرات المنسية ديال القصبة.

قالت شامة وهي كترجع تجلس بوقار:

“سيروا دابا.. وخليو الخدم يحسوا بلي كاين ‘نور’ جديد في البرج العالي كيشوفهم، وماشي غير كيتسنى منهم السخرة، دادا ..راكي عارفة كيفاش ديري بلا منوصيك”

كانت شريفة كتسنى غير تشع الشمس على سقف القصر ..وغير عيات نورها مشات دخلات لعند اليازية، لقاتها جالسة فوق المنبر ديالها العالي، شادة في يدها سبحة من اليسر، وعينيها كيشوفو في “المرمة” د الحائط وكأنها كتقرا الغيب. شريفة حطت ولدها في المهد ورمات راسها على رجلين اليازية، وبدات كتبكي بمرارة:

“يا لالة.. يا ليلة الدار وسندها، واش هان عليك ولدك يخرج وغضبان عليّ؟ واش هان عليك هاد الغريبة تسرق منه حتى كلمة ‘بسلامة’ اللي كان كيقولها ليا؟ قلبي راه محروق يا لالة، والغيرة كلات فيّ كثر من اللي كلات السنين.”

لالة اليازية ما تحركاتش، وما تبدلاتش ملامحها. بقات كدوز حبات السبحة بين صباعها ببرود، ومن بعد واحد الصمت اللي خلى شريفة تحس بلي حتى الحيوط كتسمع شهيقها، نطقت اليازية بصوت رزين بحال الرخام:

“هزي راسك يا شريفة.. اللي دارت بحالك ما تنزلش الراس وهي جامعة في حجرها ولد الشداد. الشداد راه راجل، والراجل بحال الريح، مرة يضرب في العالي ومرة يبرد في الظل، ولكن الساس كيبقى هو الساس. أنتِ العتبة، وهي غير زواقة في السقف.. والزواق، شحال ما تلمع، كيدبال مع الوقت.”

شريفة مسحات دموعها وشافت في لالة اليازية بلهفة:

“ولكن يا لالة، هي ولات هي ‘النور’ اللي كيشوف فيه، وأنا وليت غير ‘الماضي’. حتى الخدم والعبيد كيقولو بلي شامة هي مولات الدار ، ومولات الري والشوار وشريفة مشات على عينها ضبابة كحلة .”

هنا، اليازية وقفات السبحة بين صباعها، ودارت عند شريفة بواحد النظرة حادة خلات الكلام يحبس في حلقها. قالت اليازية بصوت فيه رنة ديال الحكم والحكمة:

“الخدم والعبيد غير حجر يابس.بيد تحركيه وبيدك نخليه فبلاصتو حابس.، والراجل كيميل للي كينسيه همو.. ولكن القصبة كتميل للي كيعرف يشد لجامها. أنتِ دابا في غياب الشداد، خاصك تكوني هي ‘الحرمة’. خليها هي تبان كما بغات تبان ، وأنتِ لعبي بـ ‘الأصول’. الدار عندها قوانين، والقوانين ما كتعرف لا جمال ولا غزل.حلي بابك، وجمعي وقارك، وخلي هاديك ‘الجوهرة’ تصدى في البرج ديالها.. الجوهرة اللي ما كتحكش، كتموت بوحدها.”

شريفة حسات بلي كلام اليازية بحال الماء البارد اللي طفى نارها شوية، ولكن خلاه بلاصتها واحد “السم” صامت. فهمات بلي اليازية ما غاتعاونهاش بالصداع، ولكن غاتوريها كيفاش “تخنق” شامة بالقوانين ديال الدار والتقاليد اللي ما كترحم حد.

ناضت شريفة، وقبلات يد اليازية، وقالت بيقين:

“فهمت يا لالة.. الدار داري، والأصول ديالي، والشداد غ يرجع ويلقى الساس هو اللي شاد السقف.”

فالوسط ديال القصبة، فـ “قاعة المرمر” اللي كتمتاز ببرودتها وهيبتها، تحطات مائدة الغدا اللولة من بعد سفر الشداد. لالة اليازية جالسة فـ الراس، بحال شي صخرة ما كتحركش، وعن يمينها شريفة اللي لابسة قفطان غامق ومزييرة بشدة على راسها بوقار زايد، وعن شمالها خيزران اللي عينيها كيشعلو بالغل وكأنها كتسنى غير السبة.

اليازية دارت إشارة بسيطة لواحد من “الغلمان”، ونطقت بكلمة وحدة: “ناديها”.

فـ البرج العالي، كان الجواب واجد. شامة ما بغاتش تنزل وهي “دليلة”، بل قررات تواجه “الأصول” بـ “الجمال الملكي”. وقفات قدام المراية، وخلات دادا رقية تطرز ليها حضورها: لبسات قفطان من الحرير “الموبر” بلون الزمرد، ودارت “مضمّة” ديال الذهب اللي كانت هدية من الشداد، وخلات شعرها مجموع بـ “شبيكة” ديال الجوهر. ريحة العود والمسك كانت كتمشي قدامها قبل ما توصل.

نزلات شامة الدروج، ووراها دادا رقية غادة بخطوات موزونة، وكأنها كتحمي هاد “النوّارة” من ريح القصبة.

ملي وصلات لباب القاعة، سكت كاع الكلام. الحواجب تهزات، والنفوس تزيّرات. دخلات شامة بـ مشية فيها العز، ووقفت قدام لالة اليازية، انحنات انحناءة خفيفة ورزينة، وقالت بصوت هادي وواضح:

“الله يجعل هاد الدار ديما عامرة بوجودك يا لالة اليازية. جيت نلبي الطلب، ونشارككم مائدة الخير.”

شريفة شافت في شامة من الفوق لتحت، وحسات بـالنار كتحرق حلقها ملي شافت ديك الزينة كاملة والشداد غايب. شافت في اليازية كأنها كتسناها تهضر، ولكن اليازية بقات ساكتة، عينيها غير على المايد، خلات الجو يتكهرب بالصمت.

خيزران هي اللي نطقت اللولة، بضحكة فيها بزاف ديال المرارة:

“تبارك الله على لالة شامة.. هاد الزينة كاملة والدار خاوية من سيدها؟ حنا صحاب لينا ‘الغيبة’ كتوقرها الدمعة، ماشي الكحل والجوهر.”

شامة ما فقداتش هدوءها، شافت في خيزران ببرود، وجات بغات تجلس فـ البلاصة اللي كانت كتجلس فيها ديما (جنب الشداد)، ولكن شريفة حطت يدها فوق الزربية ديال هاديك البلاصة بسرعة، وقالت بصوت فيه رنة ديال “القانون”:

“هاديك البلاصة يا شامة، كتكون لـ ‘سيد الدار’.. وفي غيابه، كيبقى هاد الكرسي خاوي تقدراً ليه. وبما أنك باقة جديدة على ‘أصولنا’، فـ البلاصة اللي بقات ليك هي هاديك.. فـ الطرف.”

وأشارت ليها لواحد البلاصة بعيدة، فـ آخر المائدة، فين كيجلسو عادة “الضيوف” أو اللي مقامهم قل من صحاب الدار.

شامة شافت في البلاصة، وشافت في دادا رقية اللي كانت واقفة وراها ويديها كترجف بالغيرة على “بنتها”. القاعة كاملة ولات كتسنى: واش شامة غتحني الراس وتجلس فـ “التهميش”، ولا غتطرطق هاد المائدة من أولها؟

شامة بقات واقفة لثواني، عينيها فالبلاصة اللي أشارت ليها شريفة، ولكن ملامحها ما تبدلاتش. ما بينات لا غضب ولا إحراج، بل بالعكس، رسمات واحد الابتسامة رقيقة وباردة بزاف، خلات شريفة تزيد توتر.

شافت شامة فـ لالة اليازية، اللي كانت كتشوف فـ”الطواجن “لي مزالة كتغلي بسخونية قدامها وكأنها ما مسوقاش، قبل ما تجلس، دارت عند دادا رقية وبصوت مسموع للقاعة كاملة، قالت:

“يا دادا، حطي الكرسي ديالي فـ هاد الطرف.. راه البعيد على العين كيشوف أحسن، والي كيجلس فـ الأخير كيكون هو اللي كيحمي ظهر الجماعة.”

جلست شامة بوقار، وسرحات قفطانها الزمردي بكل هدوء. شريفة غمزات الخادم اللي كان كيسقي الماء، وإشارة منها خلاته يبدا بـ لالة اليازية، ومن بعدها خيزران، ومن بعدها شريفة.. وتعمد الخادم يتخطى شامة وكأنه ما شافهاش، ومشى يسقي لـ “عريفة” الخدم اللي كانت واقفة بعيد.

هنا،شريفة نطقت وهي كتمسح فمها بـ منديل ديال الحرير:

“الدار عندها نظام يا شامة.. والترتيب فالماكلة كيمشي بـ ‘الأقدمية’. اللي سبقات لهاد الحيوط هي اللي كتسبق للقمة وللما. الصبر راه فضيلة، والضيف خاصو يتسنى نوبته.”

شامة شافت فـ الطاسة ديال الما اللي دازت من قدامها، ودارت عند شريفة وقالت بصوت رزين:

“الأصول على الراس والعين يا لالة شريفة. والسبق فـ الماكلة كيعني غير الجوع، وأنا الحمد لله شبعانة بـ ‘الخير’ اللي خلاه ليا الشداد قبل ما يمشي. غير سقيو للأقدم، راه البركة كتمشي مع الناس اللي شرفوا فـ هاد الدار.”

كلمة “شرفوا”نزلات على شريفة وخيزران بحال الصاعقة. شريفة حسات بلي شامة كتعايرها بلي هي ولات “قديمة” وبلي شامة هي “الشباب” و”الزين”.

لالة اليازية، هنا ولأول مرة، هزات عينيها من الطبسيل، وشافت فـ شامة شوفة طويلة، خلات القاعة تسكت تماماً. اليازية ما دافعاتش على شريفة، وما نهراتش شامة، بل قالت كلمة واحدة للخادم:

“سقي لـ لالة شامة.. اللي كيجلس فـ طرف المايدة، كيكون هو اللي كيسالي الضيافة.”الخادم رجع بسرعة وسقى لـ شامة، وشريفة حسات بلي اليازية عطات لـ شامة “مخرج” بوقار، ولكنها فـ نفس الوقت ثبتات عليها مقام “الضيفة”.

بدات “المائدة” كدور، والخدم كيحطو الأطباق الرئيسية. شريفة دارت إشارة خفيفة لواحد من الخدم، اللي جاب “طاجين” صغير مغطي، وحطو قدام شامة بوحدها، بينما الطبق الكبير المشترك ديال “اللحم بالبرقوق واللوز” المحمر بقى قدام اليازية وشريفة وخيزران.

شريفة شافت في شامة بواحد النظرة فيها برود وقالت:

“يا شامة، حنا عندنا قاعدة في هاد القصبة.. الزوجة اللي باقة ‘جديدة’ ومازال ما ثبتاتش العتبة ديالها بـ ‘خلف’ (أولاد) للشداد، والزوج ديالها غايب، خاصها تاكل ماكلة ‘خفيفة’. هاد الطويجين فيه غير الخضرة مسلوقة وشوية ديال الثريد، باش تبقى خفيفة ورشيقة.. هادي هي ‘أصول الحشمة’ عندنا، باش ما يبانش عليك أثر النعمة والراجل بعيد فـ المحاين.”

خيزران زادت الزيت فوق النار بضحكة صفراء:

“ايه يا لالة شريفة، هاديك هي القاعدة. اللحم والخيرات ديال الذبايح كياكلوها غير ‘أصحاب الدار’ اللي عروقهم نابتة هنا، واللي هزوا الهم والغم مع الشداد سنين هادي. أما ‘الضيوف’ والجديدات، خصهوم يصوموا صيام العز حتى يرجع اللي جابهم.”

شامة شافت في الطاجين الصغير اللي قدامها، اللي كان كيبان فقير بزاف مقارنة بالوليمة اللي قدامهم. ريحة اللحم المحمر كانت كتعمر القاعة، والهدف كان هو “تجويع” كبرياء شامة قبل كرشها.

دادا رقية، اللي كانت واقفة ورا شامة، بدات كتحس بالدم كيغلي في عروقها، وقربت لودن شامة وهمست ليها بصوت مسموع:

“يا لالة، هادشي راه ‘حكرة’ باينة.. نوضي نطلعو لبرجنا، والخير موجود تما.”

ولكن شامة، بهدوئها اللي كيقتل، حطت يدها على يد دادا رقية باش تسكتها. هزت المعلقة بوقار، وحلت الطاجين الصغير، وشافت فيهم بابتسامة الواثق:

“الخضرة والثريد هما دوا الذات يا لالة شريفة.. واللحم راه كيضعف القلب وكيصعب الهضم، وأنا بغيت قلبي يبقى خفيف. أما ‘النظام’ اللي كتهضر عليه خيزران، راه الدار دار الشداد، والرزق رزقو، وهو اللي وصاني وقالي: ‘كولي من أطيب ما كاين’، ولكن كرامتي كتشبعني قبل ما تمد يدي لـ ماكلة حد.”

بدات “المائدة” كدور، والخدم كيحطو الأطباق الرئيسية. شريفة دارت إشارة خفيفة لواحد من الخدم، اللي جاب “طاجين” صغير مغطي، وحطو قدام شامة بوحدها، بينما الطبق الكبير المشترك ديال “اللحم بالبرقوق واللوز” المحمر بقى قدام اليازية وشريفة وخيزران.

شريفة شافت في شامة بواحد النظرة فيها برود وقالت:

“يا شامة، حنا عندنا قاعدة في هاد القصبة.. الزوجة اللي باقة ‘جديدة’ ومازال ما ثبتاتش العتبة ديالها بـ ‘خلف’ (أولاد) للشداد، والزوج ديالها غايب، خاصها تاكل ماكلة ‘خفيفة’. هاد الطويجين فيه غير الخضرة مسلوقة وشوية ديال الثريد، باش تبقى خفيفة ورشيقة.. هادي هي ‘أصول الحشمة’ عندنا، باش ما يبانش عليك أثر النعمة والراجل بعيد فـ المحاين.”

خيزران زادت الزيت فوق النار بضحكة صفراء:

“ايه يا لالة شريفة، هاديك هي القاعدة. اللحم والخيرات ديال الذبايح كياكلوها غير ‘أصحاب الدار’ اللي عروقهم نابتة هنا، واللي هزوا الهم والغم مع الشداد سنين هادي. أما ‘الضيوف’ والجديدات، خصهوم يصوموا صيام العز حتى يرجع اللي جابهم.”

شامة شافت في الطاجين الصغير اللي قدامها، اللي كان كيبان فقير بزاف مقارنة بالوليمة اللي قدامهم. ريحة اللحم المحمر كانت كتعمر القاعة، والهدف كان هو “تجويع” كبرياء شامة قبل كرشها.

دادا رقية، اللي كانت واقفة ورا شامة، بدات كتحس بالدم كيغلي في عروقها، وقربت لودن شامة وهمست ليها بصوت مسموع:

“يا لالة، هادشي راه ‘حكرة’ باينة.. نوضي نطلعو لبرجنا، والخير موجود تما.”

ولكن شامة، بهدوئها اللي كيقتل، حطت يدها على يد دادا رقية باش تسكتها. هزت المعلقة بوقار، وحلت الطاجين الصغير، وشافت فيهم بابتسامة الواثق:

“الخضرة والثريد هما دوا الذات يا لالة شريفة.. واللحم راه كيتقل القلب وكيصعب الهضم، وأنا بغيت قلبي يبقى خفيف باش نراقب كل كبيرة وصغيرة فـ هاد الغيبة ديال الشداد. أما ‘النظام’ اللي كيهضر عليه خيزران، راه الدار دار الشداد، والرزق رزقو، وهو اللي وصاني وقالي: ‘كولي من أطيب ما كاين’، ولكن كرامتي كتشبعني قبل ما تمد يدي لـ ماكلة حد.”

هزات يدها شامة بوقتو حطاتو على النعم وباست يدها وقالت بوقار وابتسامة

“لقيتوني ليوم صايمة..ولاكن فاش نادات عليا لاللة اليازية لبيت النداء فالحين ..يحصل لي الشرف نتشارك معاها الغدا .

وقفات وحنات راسها احتراما واجلالا وكملات كلامها وقالت

“بصحة لاللة .. مقامك عندي على عيني وراسي ..نتي صاحبة الجود والكرم وفوجود مايسري الجوع لا فبطون الاحباب ولا فبيون العديان..خليت الهنا وراحة البال الاللة اليازية”

طلعات شامة للدروج ديال البرج العالي، ووراها دادا رقية كتنهج، ماشي من العيا ولكن من الغدايد اللي شعلات فيهم شريفة. غير سدوا باب الجناح، رقية ما قدراتش تسكت:

“يا بنتي يا شامة، هاد الحكرة ما كيتسكتش عليها! الخضرة مسلوقة وحنا في خير الشداد؟ وداك السم اللي كتقطر بيه خيزران؟ لو كان غير خليتيني نجاوبهم!”

شامة حيدات الشال ديالها ببرود، وشافت في المراية وهي كتقاد خصلات شعرها:

“السكوت فـ وقته جواب يا دادا. اللي كينبح بزاف كيبين غير خوفه، وشريفة خايفة حتى من خيالي. المهم دابا، هو نلقاو خيط الوصل.”

وهما كيهضروا، سمعوا دقة خفيفة في “السدة” ديال البرج. كان عبيبوش، دخل وبوجهه واحد التكشيرة ديال القلق:

“يا لالة شامة، لالة اليازية عطات أوامرها.. السوارت ديال الممرات اللي كتدّي للرياض والجنان تجمعوا عند خيزران. وقالت بلي ‘الحريم’ ممنوع يخرجوا من الأجنحة ديالهم في غياب سيد الدار، إلا للضرورة وبإذن منها. القصد باين يا لالة.. بغاو يرجعوا هاد البرج سجن، باش ما توصلي بـ خبر، وما يعرف حد بخبارك.”

شامة تمشات حتى للشرجم الصغير اللي كيطل على فناء القصبة، وشافت لتحت لقات جوج من “العساسة” واقفين فـ المدخل ديال الممر. ضحكت ضحكة قصيرة:

“بغاو يسدوا الأبواب؟ خليهم يسدوا. اللي كيسد الباب على الذيب، راه غير كيحبسوا مع الغنم ديالو لداخل. يا عبيبوش، الدار دابا ولات فيها ‘العيون’ كثر من الحيوط. بغيتك تعرف ليا شكون في هاد الخدم اللي كيوصل السخرة للبرج، شكون فيهم اللي قلبه حنين ومحتاج، وشكون اللي عينه غدارة.”

عبيبوش قرب منها وهمس:

“كاين ‘الزاوي’، الولد اللي كيجيب الحطب والشمع، دري يتيم وعلى قد حاله، ومهمشينه بزاف حيت كيعرج شوية. وشريفة ديما كتعايرو. هاداك يا لالة، يقدر يكون هو ‘الحمام الزاجل’ ديالنا.”

شامة دارت عند دادا رقية:

“دادا رقية..غير يطلع الزاوي تهلاي فيه .. وأهم حاجة.. الكلمة الطيبة. الزاوي خاصو يحس بلي هاد البرج فيه ‘أهله’، ماشي غير ‘سيدات’ كيتسناو الخدمة.”

وهي كتهضر سمعو غوات شريفة من البعيد وهي كتعطي الأوامر للخدم باش يزيرو الحراسة ويطفيو الشموع في الممرات الجانبية بكري.

كمشات دادا رقية يد على يد قدامها وقالت بحرقة

“شوف ابنتي..حتى الماكلة لي كتجي ماتحطيهاش ففمك..ماتعرفي شمن سم دسو ليك فيه..الله خبيز وقلة الماء ولا لحمة مسمومة”

حركات ليها شامة راسها بالايجاب وقالت

“عندك الحق ادادا..والصيام حتى هوا نعمة .. نصومو هاد الفترة حتى يحن مولانا ويرجع لينا الشداد بالسلامة.. جيبي لينا شي كميميسة فيها شي تميرات تسد الجوع وشي قلة دالما ..حتى الزرع بوحدو الى مّكّلي على نار مهيلة يقضي حاجة ..راه الحمام عايش على الحب وجناحو صحاح وكيحلق فالسما. اما حنا غير الارض شادانا ما نطلقو جنحين وكافينا لقمة “

شافت فعبيبوش وهزات حاجبها وقالت

“نتا دابا وليتي من هاد الرمال اعبيبوش وطير ماعندو حبّاسو..سيير…وشيييّع هاد الخبار فالمدينة وبين السواق..خلق الفتنة بين الناس ..خليهم يعرفو بلي لاللة شامة محبوسة وعايشة على الخبز والماء.. وارضها وخيرها فملك الله واصل وصولو ومعييش كبير وصغير..خليهم يعرفو بلي شامة لي وحدة منهم تخت رحمة نسا ما فقلبهم لا شفقة ولا رحمة”

تبسم عبيبوش بمكر ومسح يديه وقال

“هي اللي ماتعاود الاللة شامة..هنا يبان ولد الاصل من ولد الجوع..كاين للي فرق حقو بالقلب الصافي وكاين لي خزاينو مليانة وحابس النعمة على لي ولات منهم وليهم ..حسبلاك البراني لي معولين عليه ..وناس المدينة مكتسكتش والقيل ولقال مايساليش والشداد مااااغيعجبوش هادشي هه..خليت لامان هه”

خرج عبيبوش من باب القصبة الصغير، حاني الراس وكأنه “مغبون”، لابس جلابة مرقعة وشاش قديم، باش ما يجرش العين. مشى نيشان لـ “سوق الغزل” و**”رحبة الزرع”**، البلايص فين “الودينات” كثر من “العينين”، وفين الكلمة كتمشي أسرع من الريح.

وقف عبيبوش قدام حانوت ديال واحد “العطار” كيتجمعوا عنده كبار السوق، وجلس فـ الركن كأنه كيرتاح، وبدا كيتنهد تنهيدات وازنة. ملي سوله العطار: “مالك يا عبيبوش؟ ياك القصبة هانية والشداد سافر بالسلامة؟”

هنا، حرك عبيبوش راسه يميناً وشمالاً بأسى مصطنع، وقال بصوت خافت، ولكن مسموع للناس اللي حداه:

“آه يا معلم.. القصبة هانية من برا، ولكن القلوب راه شاعلة فيها العافية. الشداد غاب، وخلا ‘جوهرة’ بغات تضوي المكان، ولكن الظلام غلبها. مسكينة لالة شامة، اللي كانت كتعطي من حقها وتفرق كرامتها على الصغير والكبير، راها دابا صايمة بـ الجوع، عايشة على التمر والما فـ برج عالي، ومسدود عليها بـ السوارت.”

بدات الحركة كتبرد في الحانوت، والناس بداو كيجمعوا وذيناتهم. كمل عبيبوش وهو كيمسح عينيه بطرف كمّه:

“واحد النهار كنا كنسمعوا بلي شامة هي وجه الخير على هاد المدينة، وأرضها خيرها واصل لكل دار.. ودابا، نسا القصبة بغاو يطفيو داك النور. قالوا ليها: ‘أنتِ برانية’، وجوعوها في رزق رجلها. والشداد، مسكين، كيحساب ليه خلا ‘أمانة’ فـ يد أمنة، وما عرف بلي الأمانة ولات سجينة الخبز والما.”

نطق واحد من كبار التجار بغضب: “واش لالة شامة اللي عتقات شحال من دار فـ الأزمة؟ واش هاديك اللي كتوصلنا هداياها بلا ما نشوفو وجهها؟ هادشي ما يرضي لا ربي ولا عبد!”

عبيبوش ناض وهو كيتمسكن، وزاد “الملحة” في الكلام:

“أنا ما قلت والو.. أنا غير ‘خادم’ كنشوف الوجع وكنسكت. غير دعيو معاها، راه البرد والجوع فـ داك البرج ما كيرحموش، وهي صابرة وكتقول: ‘الله ياخذ الحق’. المهم، خليت ليكم الراحة، السخرة ديال الخضرة المسلوقة كتسنى!”

مشى عبيبوش وبدا كيدور من حلقة لـ حلقة، فـ سوق الدباغين، وفـ باب القصبة فين كيتجمعوا الحمالة.. في كل بلاصة كان كيرمي “جمرة” صيرة ويخليها تشعل. وبدا الكلام كيدور بحال النار في الحلفاء:

“شفتي لالة شامة؟”

“سمعتي آش داروا فيها نسا القصبة؟”

“الشداد خلا وراه ظلم كبير..

هذا المقطع زاد من قوة شامة؛ حيت بدلات اللعبة من صراع وسط الحيوط لصراع “سمعة” في الزنقة، وفهمات بلي هيبة القصبة برا هي نقطة ضعف اليازية وشريفة.

إليك مشهد عبيبوش القويزيم وهو كينسج خيوط الفتنة في أسواق المدينة:

خرج عبيبوش من باب القصبة الصغير، حاني الراس وكأنه “مغبون”، لابس جلابة مرقعة وشاش قديم، باش ما يجرش العين. مشى نيشان لـ “سوق الغزل” و**”رحبة الزرع”**، البلايص فين “الودينات” كثر من “العينين”، وفين الكلمة كتمشي أسرع من الريح.

وقف عبيبوش قدام حانوت ديال واحد “العطار” كيتجمعوا عنده كبار السوق، وجلس فـ الركن كأنه كيرتاح، وبدا كيتنهد تنهيدات وازنة. ملي سوله العطار: “مالك يا عبيبوش؟ ياك القصبة هانية والشداد سافر بالسلامة؟”

هنا، حرك عبيبوش راسه يميناً وشمالاً بأسى مصطنع، وقال بصوت خافت، ولكن مسموع للناس اللي حداه:

“آه يا معلم.. القصبة هانية من برا، ولكن القلوب راه شاعلة فيها العافية. الشداد غاب، وخلا ‘جوهرة’ بغات تضوي المكان، ولكن الظلام غلبها. مسكينة لالة شامة، اللي كانت كتعطي من حقها وتفرق كرامتها على الصغير والكبير، راها دابا صايمة بـ الجوع، عايشة على التمر والما فـ برج عالي، ومسدود عليها بـ السوارت.”

بدات الحركة كتبرد في الحانوت، والناس بداو كيجمعوا وذيناتهم. كمل عبيبوش وهو كيمسح عينيه بطرف كمّه:

“واحد النهار كنا كنسمعوا بلي شامة هي وجه الخير على هاد المدينة، وأرضها خيرها واصل لكل دار.. ودابا، نسا القصبة بغاو يطفيو داك النور. قالوا ليها: ‘أنتِ برانية’، وجوعوها في رزق رجلها. والشداد، مسكين، كيحساب ليه خلا ‘أمانة’ فـ يد أمنة، وما عرف بلي الأمانة ولات سجينة الخبز والما.”

نطق واحد من كبار التجار بغضب: “واش لالة شامة اللي عتقات شحال من دار فـ الأزمة؟ واش هاديك اللي كتوصلنا هداياها بلا ما نشوفو وجهها؟ هادشي ما يرضي لا ربي ولا عبد!”

عبيبوش ناض وهو كيتمسكن، وزاد “الملحة” في الكلام:

“أنا ما قلت والو.. أنا غير ‘خادم’ كنشوف الوجع وكنسكت. غير دعيو معاها، راه البرد والجوع فـ داك البرج ما كيرحموش، وهي صابرة وكتقول: ‘الله ياخذ الحق’. المهم، خليت ليكم الراحة، السخرة ديال الخضرة المسلوقة كتسنى!”

مشى عبيبوش وبدا كيدور من حلقة لـ حلقة، فـ سوق الدباغين، وفـ باب القصبة فين كيتجمعوا الحمالة.. في كل بلاصة كان كيرمي “جمرة” صيرة ويخليها تشعل. وبدا الكلام كيدور بحال النار في الحلفاء:

“شفتي لالة شامة؟”

“سمعتي آش داروا فيها نسا القصبة؟”

“الشداد خلا وراه ظلم كبير..

دازت تلت أيام، والهدوء اللي في القصبة من برا كيقابلو “غليان” مخبّي لداخل. في العشية ديال اليوم الثالث، والظلام بدا كيرخي سدولو على الممرات، سمعوا دقات خفيفة ومرتعدة على الباب ديال البرج العالي.

كان هذاك هو الزاوي، الدري اليتيم اللي كيسخر لخدمة الحطب والشمع. كان هاز فوق ظهره “شوار” تقيل، وكايعرج بخطوات كتحاول ما تديرش الصداح. غير دخل، لقى دادا رقية كتسناه ورا الباب بحال “العسّاسة” ديال الخير.

الزاوي حط الحطب فـ الركن وهو كينهج، وصوته كيرجف بالخوف:

“هاكِ يا لالة رقية.. هادشي اللي عطاتني لالة شريفة ليك وللالة شامة. شمعة وحدة لليل كامل، وشوية ديال الحطب السارد (الفازك).. وقالت ليا: ‘قول ليهم اللي قلبه محروق، ما يحتاج عافية تسخنه’.”

دازت تلت أيام، والهدوء اللي في القصبة من برا كيقابلو “غليان” مخبّي لداخل. في العشية ديال اليوم الثالث، والظلام بدا كيرخي سدولو على الممرات، سمعوا دقات خفيفة ومرتعدة على الباب ديال البرج العالي.

كان هذاك هو الزاوي، الدري اليتيم اللي كيسخر لخدمة الحطب والشمع. كان هاز فوق ظهره “شوار” تقيل، وكايعرج بخطوات كتحاول ما تديرش الصداح. غير دخل، لقى دادا رقية كتسناه ورا الباب بحال “العسّاسة” ديال الخير.

الزاوي حط الحطب فـ الركن وهو كينهج، وصوته كيرجف بالخوف:

“هاكِ يا لالة رقية.. هادشي اللي عطاتني لالة شريفة ليك وللالة شامة. شمعة وحدة لليل كامل، وشوية ديال الحطب السارد (الفازك).. وقالت ليا: ‘قول ليهم اللي قلبه محروق، ما يحتاج عافية تسخنه’.”

دادا رقية شافت في الحطب الفازك وبقات فيها الحرقة، ولكن تفكرت كلام شامة. قربات للزاوي، وحطت يدها على كتفه بحنان، ومدت ليه صرة كبيرة كانت مخبياها تحت الشال:

“الله يرضي عليك يا ولدي ويصلح خطاوك. ما تبقاش هاز الهم، حنا عارفين بلي أنت غير مأمور. هاد البركة خذها ليك، فيها قفطان د الصوف يسخن عظيماتك فـ هاد البرد، وشي تميرات وخبز مدهون بالزبدة البلدية.. لالة شامة كتسلم عليك وكتقول ليك: ‘الصبر يا ولدي، راه العرج فـ الرجل ولا العرج فـ القلب والنفس’.”

الزاوي تحلو عينيه بالدهشة، وبدا كيشوف فـ الصرة وكأنه حلم. عمر شي حد فـ هاد القصبة شاف فيه بـ هاد الشوفة ولا عطاه “الكلمة الزينة”. باس يد دادا رقية وهو كيمسح دموعه:

“الله يحفظ ليكم لالة شامة.. والله يا لالة رقية، الخدام كاملين لتحت قلوبهم معاها. واليوم فـ السوق، سمعت الحمالة والعطارة كيهضرو غير على جودها وظلم نسا القصبة ليها. راه المدينة بدات كتغلي، والبارح واحد من الحراس تلاسن مع خضار حيت ما بغاش يبيع ليه السخرة وقاليه: ‘حتى تخرج لالة شامة من سجنها عاد يخرج خيرنا ليكم’.”

شامة كانت كتسمع الكلام من ورا الستار، وابتسمت ابتسامة هادية. عرفت بلي عبيبوش دار خدمته بـ الإتقان اللازم.

دادا رقية همست للزاوي:

“سير يا ولدي، ورد بالك لا يلاحظوا شي حاجة. وقبل ما تمشي، خود هاد ‘الرسالة’ الشفوية وعطيها لـ عبيبوش: قولي ليه ‘النار بدات كتدخن، وتسنى الريح نهار الخميس’ (يوم السوق الكبير).”

خرج الزاوي وهو حاس بلي ظهره ما بقاش تقيل، وبلي هاديك الرجل العرجاء ولات قادرة تجري باش توصل الأمانة لـ عبيبوش.

فـ هاد الأثناء، فـ الجناح ديال لالة اليازية، كانت “عريفة الخدم” واقفة قدامها ووجها صفر:

“يا لالة.. الخبار خابت. الهضرة وصلت للحوانيت والمساجد. الناس كيهضرو بلي لالة شامة محبوسة وكتعاني الجوع، وبلي ‘البرانية’ هي اللي صدقات فيها الكبدة على ولاد البلاد، وبلي حنا فـ هاد القصبة ولينا ظلام. لالة، راه هيبة الشداد وهيبتك أنتِ راها فـ الميزان وسط السوق!”

اليازية حطت السبحة من يدها ببطء، وعينيها صغاروا بحال عيني الصقر. الصمت اللي ساد فـ البيت كان مرعب، قبل ما تنطق بكلمة واحدة:

“شريفة.. ناديوا ليا على شريفة دابا!”

اليازية جالسة فـ قاعة “النقش”، وشريفة دخلات وهي كتعدل شالها، حاسة بلي كاين شي حاجة ماشي هي هذيك، خصوصاً ملي شافت وجه اليازية جامد كثر من القياس.

اليازية ما تسناتش شريفة تجلس، وقفت بوقارها المهيب وقربات منها، ونطقت بصوت رزين ولكن فيه نبرة بحال الموس:

“يا شريفة.. القصبة بنيناها بالحجر وبالكلمة الموزونة، وأنتِ في تلت أيام، خليتي ‘البرانية’ تولي هي ‘بنت البلاد’ المظلومة، وحنا ولينا هما ‘الظلام’ اللي كياكلو حق الدرويش والضيف.”

شريفة تبدلو ألوانها: “يا لالة، أنا ما درت غير اللي قلتي.. طبقت الأصول، وزيّرنا الخناق باش تعرف قدرها..”

قطعاتها اليازية ببرد:

“زيّرنا الخناق فـ الممرات، ماشي فـ السمعة! ها علاش شامة كتعطي من حقها لولد لبلاد حيت الى سدات فمها فالقصر ،غتحل قلب المدينة. دابا السوق كلو كيهضر بلي ‘الجوهرة’ صايمة على الخبز والما، وبلي شريفة واليازية حابسين عليها حتى الشمع والتدفئة. واش بغيتي نهار يرجع الشداد، يلقى المدينة دايرة عليه ثورة حيت مراته ‘الضيفة’ تهانت في داره؟”

شريفة بدات كترعد: “والحل يا لالة؟ واش نفتحوا ليها الأبواب ونخليوها تسرح وتمرح؟”

اليازية شافت فـ الشرجم اللي كايطل على المدينة وقالت بـ مكر:

“لا.. اللي سد الباب ما كيحلوش بالضعف. الحل هو نردوا ليها الصرف بـ ‘الأصول’ نيت. غدا الخميس، يوم السوق الكبير، وبغيتك توجدي ‘وليمة’ ما شافت بحالها القصبة. غنعرضوا على كبار عيالات المدينة والأشراف، وشامة غتكون هي ‘صدر المكان’. غنخليهم يشوفوا بعينيهم بلي هي عايشة في النعيم، وبلي هادشي اللي كيسمعوا غير ‘إشاعات’ ديال الفتنة.”

شريفة هبطات الراس وقالت كترمش

“واخا لاللة هي اللولة”

دخلات شريفة لجناح شامة وهي هازة الراس، وخطواتها فيها واحد “التبختر” مصطنع، كأنها بغات تزيد تأكد لراسها بلي هي لالة الدار. كانت ناوية تشوف شامة دبلانة، وجها شاحب من قلة الماكلة، وعينيها مطفيين من الحزن والبرد.

غير دخلات، لقات البيت مظلم شوية، والريحة ديال “العود القماري” خفيفة كتدور. شافت شامة جالسة فـ الركن، لافة راسها بشال بسيط. ضحكت شريفة ضحكة باردة وقالت

“يا لالة شامة.. جيت نطل ونشوف واش هاد البرج العالي برد عليك شوية، ولا مازال فيك حرارة ‘الجوهرة’؟ قالي قلبي بلي الصيام والوحدة كيهدو الروح.. وجيت نشوف واش دبالت الغصنة ولا مازال صابرة لبرد غياب الشداد.”

شامة بقات ساكتة، ما جاوباتش فـ الأول. شريفة زادت قربت، وبدات كتدور فـ البيت

“شفتي يا لالة؟ اللي كتعلى بزاف، كيكون السقوط ديالها واعر. الشداد دابا راه فـ خلاء الله، ناسي البرج وماليه، وحنا هنا اللي بقاو لينا الحيوط والأصول. واش جربتي طعم ‘الثريد’ البارد؟ راه هداك هو طعم الحقيقة فـ هاد القصبة.”

هنا، شامة وقفات ببطء. حيدات الشال على راسها واحد الرزانة مرعبة، ودارت عند شريفة. لأول مرة، شريفة شافت وجه شامة بدون نضرة البرائة لي تعودات تشوفها فعينيها وكأن دي البرائة كانت مجرد رداء فقط ودابا تعرا على الوجه الحقيقي

عينيها ما كانوش مطفيين، بل كانوا كيقدحو بنار حمراء، ووجها كان فيه واحد “الحدة” ما عمرها شافتها فيه.

قربت شامة من شريفة حتى ولات “الأنف للأنف”، ونطقت بصوت فحيحه بحال الأفعى، صوت واطي ولكن كيزلزل:

“سمعي يا شريفة..وحللي وذنيك مزيان لهاد الكلام. كيحساب ليك بلي هاد الحيوط سجنوني؟ راه السجن هو اللي فـ راسك. أنتِ دابا كتشوفي فيّ ‘ضعيفة’ حيت صايمة؟ راه الصيام كيقوي السباع، وأنا دابا شامة اللي ما كتعرفيهاش.. شامة اللي تحت هاد الزين والوقار، عندها ‘نياب’ يقدروا يمزقوا اللي قرب لـ حماها.”

شريفة رجعات خطوة للوراء، الدهشة والخوف بداو كيبانو فـ عينيها. كملات شامة وزادت قربات منها خطوة اكثر وهي كتشوف فيها بـ “نظرة الموت”:

“أنا حذرتك بالصمت، ودابا كنحذرك بالكلمة. اتقي شري يا شريفة.. وابعدي على طريقي. راه اللي كيحفر حفرة لـ ‘البرانية’ بـ هاد الغدر، كيطيح فيها هو الأول. خليهم يديروا الوليمة، وخلي لالة اليازية تمثل.. ولكن أنتِ، إلا عاودتي حطيتي رجلك فـ هاد الجناح بـ نية الغدر، غنخليك تعرفي بلي شامة نهار كتعري على نيابها، ما كترجعش لـور حتى كتشم ريحة الدم.”

شريفة حسات بـ ركابيها كيرجفوا. هاد السيدة اللي قدامها دابا ماشي هي “شامة” الرقيقة ديال ديما؛ حاولت شريفة تجمع راسها ونطقت بصوت مرعد:

“كتـ.. كتهدديني يا شامة؟ فـ دار الشداد؟”

شامة ابتسمت ابتسامة كبينت سنانها بـ مكر:

“كنبهك.. واللبيب بالاشارة يفهم. دابا، خرجي من عندي، وخلي ريحتك تمشي قبل ما يفيض بيّ الكيل.”

خرجت شريفة كتجري، والنهجة طالعة معاها، وكل خطوة فـ الدروج كانت كتحس فيها بلي “السم” اللي كانت باغية تعطيه لـ شامة، رجع ليها فـ قلبها. أما شامة، فـ رجعت لـ مكانها، عينيها على الباب، وهي عارفة بلي دابا بدات الحرب الحقيقية.

تنهدات دادا رقية من بعد ماشافت داك الاعصار لي كان غينوض قدامها لولا تراجع شريفة وخروجها من البيت..قربات من شامة وحطات يدها على كتفها وقالت

“يهديك الله ابنتي..كنتي تخليها تقول لي بغات وتمشي بحالها حسن ما تلقط الهضرة وتوصلها لليازية .

ضارت شامة فهاد اللحضة وصدرها كينهج بالغضب وقالت بصوت رقيق حاد كأنه كيقطع فاللحم

“مابقا مايتخبا ادا رقية..ولي حط راسو للسياف يعول على قطيع الريوس،، حنا في وكر الدياب والى كنتي نعجة يحلال لحمك ويبنان عضمة ..والدياب مكتاكلشي الجيفة ..والجيفة دابا هما لي قلبو عليها والى بقات فالوكر كتخنق بريحتها وتقتل لي قرب منها”

خرجت شريفة من جناح شامة والنهجة طالعة معاها، وجهها كان شاحب والخلعة باينة في حركاتها، وكأنها شافت “جن” وسط داك البرج. غير دارت مع الممر المظلم، لقات قدامها خيزران، واقفة بحال شي صخرة، يديها مخشيين في حزامها، وعينيها كيتقبوا الظلام.

خيزران شافت الحالة ديال شريفة، وطلعاتها وهبطاتها بواحد الشوفة فيها بزاف ديال الاحتقار. نطقت بصوت بارد وناشف:

“مالك يا لالة شريفة؟ ياك لاباس؟ كنشوف ركابيك كيتصادقوا، ووجهك هرب منه الدم.. واش ‘الجوهرة’ سحرات ليك ولا غير ريحة العود دوخاتك؟”

شريفة، وهي كتحاول تجمع أنفاسها، شدات في كتف خيزران وقالت بصوت كيرجف:

“يا خيزران.. هاديك ماشي مرا، هاديك شي حاجة أخرى. هددتني يا خيزران! شفت في عينيها الموت.. قالت لي ‘اتقي شري’ وبينت لي على نيابها.. هاديك راه ناوية لينا على الخناق!”

خيزران ما تحركت فيها حتى شعرة. طرطقات صباعها ببرود، وضحكت واحد الضحكة صفراء خلات شريفة تزيد ترعد. قربت منها خيزران حتى ولات أنفاسها الحارة في وجه شريفة، وقالت بصوت فيه رنة ديال الحديد:

هدداتك؟ وإذا هدداتك؟ الخوف يا لالة شريفة راه خليناه للضعاف اللي بحالك. أنا راه ريحة الخوف تبخرات من عيني نهار دفنت قلبي تحت العتبة ديال داك القصر

تهديدها راه غير ريح، والنياب اللي شفتي راه غير حيت شافت فيك ‘الفريسة’. اللي كيهدد راه كيبين بلي وصل لـ ‘الحيط’.. شامة دابا بحال الطير اللي كيتخبط قبل ما يموت.”

شريفة شافت فيها بذهول: “ولكن يا خيزران، كلامها كان فيه واحد القوة مرعبة..”

خيزران قاطعتها بحزم، وحطت يدها

على كتف شريفة وزيرات عليها حتى بدات شريفة كتتألم:

“سمعي مزيان.. شامة دابا كتلعب آخر ورقة عندها: ‘الخوف’. بغات تخلعك باش ترجعي لور وتخلي ليها الطريق خاوية. والوليمة ديال غدا اللي وجدات ليها لالة اليازية؟ راه هي اللي غتكون ‘المصيدة’ ديالها. غدا، قدام عيالات المدينة، غنخليوها تبان صغيرة.. وصغيرة بزاف.”

كملت خيزران وهي كتشوف جيهة جناح شامة بواحد النظرة خاوية من أي رحمة:

“أنا ما كيهمنيش التهديد، وما كيهمنيش ‘الشر’ اللي كتهضر عليه. غدا غتشوفي كيفاش غنهرسو ليها داك الوقار، ونخليوها هي اللي تطلب السلة بلا عنب. شريفة.. مسحي وجهك، واجمعي وقارك، ولا تبينيش لهاد الخدم بلي ‘البرانية’ هزات عليك الصوت. القصبة عندها ‘سيدات’.

شامة ما كانتش ناوية تسنى “الضربة” ديال يوم الخميس حتى توصل لعندها. هي عارفة بلي اليازية وشريفة وخيزران كيبنيو “مسرحية” باش يغسلوا وجههم، وقررات تهدم المسرح فوق راسهم قبل ما يبدا العرض.

هاد الليلة، والظلام لاف القصبة،دادا رقية سيفطات الزاوي يكلم عبيبوش، وحيت العبيد دايرين الحصار مانعين الرجل تتخطا البرج فمكان لعبيبوش غير حل الحبل وطلوع مع النخل والحيوط حتى دخل مع الشرفة وجا واقف قدامها بحال القدر المكتوب فزع دادا رقية وهي كتصلي عاطية وحجها للقبلة قدام داك الليل والنجوم المضوية، قطع صلاتها بغوتة وحدة وهزات تيمومة لي حداها كانت غتحل ليه الراس

“الله قل حدك وينقص عمرك يا خطاوي البلا سكتي ليا قلبي “

رجع عبيبوش لور كيضحك وقال مخبي بين كتافو

“هادا غييير انا بشار الخير ادادا رقية..ايوا هزي كفك ودعي معايا دعوة الخير..ياك نتي لي ناديتي عليا! ايوا هانا حضرت فالحين هههخخ

قطعات كلامهم شامة وناضت وقفات قدامو ، شافت فيه بواحد النظرة حادة، وقالت ليه بكلمات موزونة بحال دقات الساعة:

“يا عبيبوش.. الريح اللي هضرتي عليها، بغيتها تعصف غدا فـ الصباح. ما بغيتش عيالات المدينة يدخلوا للوليمة وهما كيتسناو الشوا واللوز؛ بغيتهم يدخلوا وهما كيسمعوا غوات المحرومين فـ الباب. بغيت ‘الحق’ يسبق ‘الزواق’. سيّر الخبار، وحرّك القلوب اللي كواتها الحكرة، وخلي المدينة توقف قدام باب القصبة ‘ليوم قبل غدا’.”

تبسم عبيبوش ديك الابتسامة اللي كتوصل حتى لودنيه،”مسح يديه ورجع اللور

“دااابا الاللة شامة ماحد الجوامع عامرة كتذكر الناس بالخير السابق.خليت ليكم الهنا وراحة البال

وقبل مايمشي شاف فدادا رقية

“شي دعيوة الخير ادادا رقية راني واقف عليها”

تنهدات دادا رقية ووقفات دارت يد على يد كتشوف فيه

“ايوا شغنقوليك…سير الله يعشر خطاويك ..ولاتبقاياش تفزعني كل ساعة ..دير الحس ولا علم عاد دخل

رجع عبيبوش للشرفة عوال ينقز للنخلة وقال

“الحيطان عندها ودنين ادادا رقية..الله تفزعي نتي بوحدك ولا يسيقو خبارنا كاع هل هاد القصبة ..قوي قلبك. ادادا مكاين غير يفزع “

ونقز على النخلة خلاها كتشوف ىتنعل الشيطان وتعاود الصلاة من اللول

ليلة “الزلزال الصامت” – أسواق المدينة

خرج عبيبوش من باب القصبة وهو لابس “دبالة” (هيئة) الدرويش المكسور. ما مشاش لعند الأعيان، بل مشى لـ “فم الفران” و “سقاية الحومة” و “حلقة الحكواتي”؛ البلايص فين الكلمة كتسوى وزنها ذهب.

وقف قدام السقاية، فين كيتجمعوا العيالات والحمالة، فهاد الساعة مع العشا الماء كيهبط بارد وكلشي كيسقي بالليل واسوار المدينة كانت ضاوية والحركة كثيرة وحر النهار كيطفي برودة الليل .حط “قلة” خاوية وبدا كيشوف فيها بواحد الحزن عميق. ملي سألوه: “مالك يا عبيبوش؟”، جاوب بنبرة مخنوقة ويديه كيرجفو:

“كنشوف هاد القلة خاوية، وكنتفكر بلي حتى ‘قلوب’ القصبة خاوية من الرحمة. يا ناس، لالة شامة اللي كانت كتمسح الدمعة، دابا هي اللي كتبكي بالدم. واش شفتو الشمع مطفي في ممرات القصبة؟ واش شفتو البرج العالي كيف ولى مظلم؟”

دار عند واحد الحمال كبيير فالسن وحط يده على كتفه وقال ليه بصوت واطي ومسموع للجميع:

“يا عمي الحاج.. أنت اللي كتعرف معنى الشقاء، واش يرضيك لالة شامة، اللي وصاتني نوصل ليك ‘صلة الرحم’ (صدقة) نهار كان المحصول قليل، تكون دابا عايشة على الخبز والما والبرد؟ اليازية وشريفة سدوا عليها السوارت، حيت بغاو ‘يقتلو’ فيها ريحة المدينة.. بغاو يرجعوها برانية، وهي اللي عروق كرمها نابتة في حوانتكم.”

شاف فالجيمع بقهرة وانكساروقال وهوا غادي هاز القلة

“ليوم تقطعات عليها المونة ..غدا غتقطع على الجميع”

لاح ليهم الهضرة وخلاهم كيشوفو فبعضياتهم ..هضرات وحدة من النسا ولثامها على فمها وقالت

هادشي ماشي ماشي معقول..لاللة شامة ماشفنا منها غيرر الخير..مونتنا وصلاتنا الحمد لله وخيرها سابق..هيا منا وحنا منها..ولي صابها يصيبنا جميع”

تكلم الحمال وهوا كيورد البغلة

“اااشنو فيدنا مانديرو..سور القصر راه عااالي وحنا ماااشي قدو

تكلم شاب اخر وهوا كيهز القلات وقال

“الى مولاي الشداد غاب وخلا وراه نسا ماعرفات تسير امورها..حنا نديرو ليهم عقلهم ونردوهم للطريق الصواب..يمشيو الشيوخ والناس لكبار للقصر ويتكلمو مع لاللة اليازية..راه العدل الى بداش من لداخل ماتسناش منو لخير على برا..وحنا مانرضاو بالضلم لا للاشامة لي برانية ولا لوحدة من هاد الارض ديالنا”

انتقل عبيبوش لـ “رحبة الزرع”، ووقف وسط “حلقة”، وبدا كيهضر بـ “لغة الرموز” اللي كيفهمها ولد البلاد:

“يا ولاد الأصل.. غدا كاين ‘الزواق’ في القصبة. غدا كاين اللحم والبرقوق لعيالات الجاه، ولكن سولو راسكم: داك اللحم منين جا؟ راه جا من رزق الشداد اللي وصى على شامة، وهي دابا محرومة منه. غدا غيضحكو عليكم بالبخور والورد، باش يغطيو ريحة ‘الغدر’. واش غتسكتو حتى يرجع الشداد ويلقى ‘الجوهرة’ دبالت؟ واش غتقبلوا يدخلو ضياف القصبة فوق ‘حزن’ ديك الوحيدة لي مدات ليكم يدها بالخير؟ واش هادا هوا العرف فبلادكم؟ هادا هوا اجر لي كيدير لخير ؟ هادا راه ضلم اعباد الله.. والضلم مايبغيه لا ربي ولا عبدو”

بدات الناس كتهضر: “والله ما نسكتو!”.. “غدا نوقفو تما ونشهدو بالحق!”. عبيبوش، ملي شاف النار شعلات، انسحب بـ “مكر” وهو كيقول ليهم:

“أنا غير خادم.. ما عندي جهد. ولكن نتوما راه المدينة. نهار الخميس هو يوم الحساب.. اللي كيبغي لالة شامة، غيبان قدام باب القصبة مع شروق الشمس ..مااشي بلهراوة..مابغينا فتنة ..بغينا كلمة الحق لي نجيو فيها على بعضنا..ليوم علينا وغدا عليكم..ولاللة شامة وخدة منكم ولي مد يدو يلقا الخير “

مع أول خيوط الفجر، بدات المدينة كتنفس بواحد الحركة غريبة. السكات اللي كان كيطبع أزقة انمارة

هاد الوقيتة تعوض بـ “همهمة” خفيفة وبخُطى تابثة متجهة نحو القصبة. عبيبوش، اللي ما نعسش هاد الليلة، كان كايراقب المشهد من بعيد، بحال شي صياد كيشوف المصيدة ديالو وهي كتعمر.

لداخل فـ القصبة، كانت شريفة كتحرك بحال النحلة الزنانة

كتغوت على الخدم، كتفرش الزرابي، وكتشرف على الموائد اللي بدات كتعمر بـ أحسن ما كاين. ريحة الشوا بدات كطلع، والبخور بدا كيعطر الممرات. اليازية ويخزران لداخل كيتسناو هاد “الوليمة” باش يغسلو وجههم ويتبتو بلي “ا الدار كبيرة ومولاتها لالة اليازية مازال هي السارية”.

لكن، غير بدات الشمس كتشق السما، وقع اللي ما كانوش حاسبين ليه حساب.

فـ الوقت اللي الخدم كانوا كيمسحوا النحاس ديال الباب الكبير باش يستقبلوا ضياف “الجاه”، تصدموا بلي الساحة اللي قدام القصبة ما بقاتش خاوية.

مئات ديال الناس.. الشيوخ بـ جلالبهم البيضاء، الحمالة بـ كتافهم العريضة، والعيالات بـ لثامهم، كلهم واقفين صفوف صامتة ومرعبة. ما كاينش غوات، ما كاينش هراوة، كاين غير واحد “الصمت” اللي كيقطع القلب.

الناس حطوا قلال خاوية قدام الباب، ووقفو وقفة “الشهود”. عبيبوش كان كيدور وسطهم بـ خفية، كيهمس لهدا: “خلي عينك فـ الشرجم العالي”، ولهادي: “هزي السبحة وصلي على النبي بصوت مسموع”.

كانت شريفة واقفة قدام المراية الكبيرة، كتقاد الشدة على راسها وخيط الريح والخدم ضايرين بيها بـ “المباخر”. كانت كتحس بنشوة السلطة، خيزران كانت واقفة في الممر الكبير، كتعطي الأوامر لـ “عريفة الخدم” بصوت ناشف:

“بخور العود يتحط دابا، والزرابي يتنفضو للمرة اللخرة. الضياف ديال لالة اليازية على وصول، وبغيت هاد الوليمة تكون هي الحديث ديال أنمارة.”

في ديك اللحظة، دخل واحد من الحراس ديال الباب الكبير كينهج، وجهو مخطوف وكايترعد. مشى نيشان عند خيزران، ولكن قبل ما ينطق، سمعو واحد “الهمهمة” غريبة جاية من ورا السور العالي، بحال الصداح ديال الرعد من بعيد.

خيزران شافت فيه ببرود وقالت: “مالك يا هاد الراجل؟ واش شفتي غول؟ تكلم!”

الحارس نطق وصوتو كيرجف: “يا لالة خيزران.. المصيبة وقعت! أنمارة كاملة راها فـ الباب! الحمالة، الخضارة، الصنايعية.. وحتى العيالات لابتين فـ الساحة. سادين الطريق على الضياف، وما بغاو يخليو حتى عماربة تدوز!”

خيزران ما رف ليها جفن، بقات كتشوف فيه بواحد النظرة حادة وقالت ببرود مرعب:

“والناس مالهم؟ واش عرس هادا ولا جنازة؟ علاش مجموعين؟”

جاوبها الحارس وهو كيمسح العرق: “كيغوتو باسم لالة شامة! كيقولو راكم سادين عليها ومجوعينها، وبلي هي ‘بنت البلاد’ المظلومة وسط دارها. الفضيحة يا لالة واصلة لراس المدينة وشي عيالات من الأعيان اللي وصلوا لتم، ملي شافو الزحام والغوات، خافو يدخلو وبقاو واحلين وسط الناس!”

فـ هاد اللحظة، نزلت شريفة من الدروج الكبار، لابسة قفطانها المخزني ومقادة الشدة كتحسب بلي غتبدا تستقبل الضياف. غير شافتها خيزران، مشات عندها بـ خطوات ثابتة وقالت ليها بكلمات بحال الرصاص:

“جمعي وقارك يا لالة شريفة، ووجدي راسك. السوارت اللي فـ حزامك دابا، هوما اللي غيوليو غلا في عنقنا. أنمارة ناضت عليها القايمة فـ الباب، والخبر ديال ‘سجن شامة’ وصل لكل دار فـ المدينة.”

شريفة هربات من فمها الابتسامة وماهضرات ما نطقات بقات مصمرة فبلاصتها وكتسمع الصوت من ورا الابواب غادي وكيطلع

لداخل فـ البرج، شامة كانت جالسة فـ ركنها، ودادا رقية حداها. فجأة، وصلهم صوت “الغوات” ديال الناس اللي فـ الباب، وصوت التكبير والدعاء لـ “الجوهرة”.

دادا رقية وقفت، وعينيها كيلمعو بالدموع والفرحة: “سمعتي يا لالة؟ سمعتي صوت أنمارة؟ راه عبيبوش وفّى بالوعد. الريح جابت ليك حقك قبل ما تطلبي الكلمة.”

شامة ابتسمت ابتسامة هادية، وعدلات وقفتها بوقار ملكي. شافت فـ الباب وهي كتسنى تسمع خُطى شريفة وهي جاية تجر أذيال الهزيمة، وتفتح ليها بيديها الباب اللي سداتو بيديها

لالة اليازية كانت فـ قاعة “النقش”، جالسة فوق سرير عالي وكتشرف على ترتيب طباق الورد والفاكهة. كانت فـ قمة الأبهة، حاطة يد على يد وكتحس بلي الأمور غادة كيف بغات. ولكن، غير سمعات “الهزة” اللي وقعات فـ الرياض، وشافت خيزران داخلة وجهها فيه “برودة الموت” وشريفة تابعة لوراها ووجها مخطوف، عرفات بلي “العقدة” اللي كانت كتحاول تفكها، تزيّرات كثر.

خيزران قربات منها بـ خطوات ثابتة، ونطقت بصوت ناشف خالي من أي خوف:

يا لالة اليازية، المدينة راها فـ الباب، والخبر ديال ‘حصار شامة’ ولى حديث أنمارة كاملة. الضياف ديالك راهم واحلين وسط ‘غضب’ الناس، وحنا لداخل ولينا محاصرين فـ دارنا.”

اليازية، وخا الصدمة كانت قوية، ما فقداتش السيطرة. وقفات بوقار كيهز الأرض، وعينيها داروا فـ شريفة اللي كانت واقفة كتشوف فيها كأنها حبل “النجاة”. نطقت اليازية بـ نبرة مخنوقة

“شفتي يا شريفة؟ شفتي فين وصلاتنا ‘السوارت’ ديالك؟ كنت باغا تسدي على شامة فـ البرج، صدقتي سادة علينا حنا فـ ‘الفضيحة’. أنمارة اليوم ما بقاتش كتشوف فـ كرم اليازية، بقات كتشوف غير فـ ‘ظلم لي وجع عاين باين.”

شريفة بدات كتمتم: “يا لالة.. أنا ما درت غير اللي قلتي.. بغيت نربيها على الأصول..”

اليازية قاطعاتها بـ ضربة يد على المائدة خلات الكيسان يطرطقوا:

“الأصول ما كتحتاجش لـ ‘القفل والمفتاح’! الأصول هي أن الضيف يكون ‘سيد’ فـ داره. دابا، هاد الفضيحة خاصها تموت قبل ما توصل لـ وذنين الشداد .. خيزران، سيري عند ‘عريفة الخدم’ وقولي ليها تفتح الأبواب الجانبية وتدخل الضياف دغيا وبلا ما يحسوا بالزحام. وأنتِ يا شريفة..”

قربات اليازية من شريفة، وجرات السوارت من حزامها بـ قوة خلات خيوط الذهب تتقطع:

“أنتِ دابا، غتمسحي هاد الرعدة من وجهك، وغطلعي عند شامة. غتحلي ليها الباب بـ يدك، وغتقولي ليها بلي ‘الضياف’ كيتسناوها باش هي اللي تبدأ ‘الوليمة’. قولي ليها بلي ‘صدر المكان’ كيتسناها بـ الشوق.. وبلي هاد ‘الخلوة’ اللي كانت فيها، راها كانت بـ خاطرها وبـ رضاها.”

شريفة تراجعات اللور وشهقات شهقة وحدة وقالت مخرجة عينيها

“هااا؟؟؟؟ انا نطلع نقولها هاد الكلام هادا؟؟ هي هدداتني قالت لي الى رجعتي خطيتي جناحي نشرب من دمك.. اللي خلا المدينة كلها تجمع عند باب القصر راه يلوح شريفة من البرج العالي قدام جميع الناس والعين كتشوف!!! الاللة اليازية”

خيزران شافت فـ اليازية بـ واحد “المكر” صامت، وقالت ببرود:

“ولكن يا لالة اليازية، شامة ذكية. غتعرف بلي هاد ‘الدعوة’ هي ‘استسلام’. واش غتقبل تخرج وتغطي على هاد الفضيحة؟؟ وماشي بعيد تكون هي نيت لي دارت هاد الفتنة..علاه شكون لي خرج خبارنا من قلب القصر لزقاقي المدينة ؟”

اليازية ضحكت ضحكة مرّة:

شامة بنت الأصل، وما غترضاش بـ ‘الفضيحة’ لـ دار راجلها. غتخرج باش تستر ماستر الله ، قدام الناس، ولكن الثمن غيكون غالي.. الثمن هو أننا اليوم سلمنا ليها ‘السوارت’ ديال القلوب قبل السوارت ديال الحيوط.”

كحزات شويفة للجنب كتعتر فجلايل القفطان وقالت كتحرك راسها بالنفي

“لااالاالالا انا بعدا منطلع لداك البرجع منعتب عندها ..حجارها يشدوها مانا من سهمها ماهي من سهمي،

كملات كتمتم

“سير نتي اخيزران قولي ليها هاد الكلام..نتي بعدا عندك الجهد اما انا بااااقا رجل فالدنيا رجل فلاخرة،،مزال حتى اربعين فالنفاس ماكملاتهاش..غيري سيري نتي لي تعرفي ليها

طلعات خيزران الدروج بقدها الممشوق وخطواتها اللي كأنها كتدق فوق القلب. وصلت للباب، حطات الساروت فـ القفل ودارته بـ “طقطقة” مسموعة خلات دادا رقية تقفز من بلاصتها.

حلات خيزران الباب ودخلات بوقار مرعب. لقات شامة واقفة قدام الشرجم، ريحة النصر فـ عينيها وريحة أنمارة فـ ريتها. شامة ما دارتش عندها، بقات كتشوف لـ برا وقالت بـ سخرية:

“شريفة صيفطات ليك السوارت يا خيزران؟ قولي ليها راه اليد اللي كترعد ما عمرها تحكم فـ ‘الحديد’.”

في البرج العالي، وقفت خيزران ببرودها المعهود كتنتظر شامة تتحرك، ولكن شامة بقات مسمّرة في بلاصتها قدام الشرجم، وعينيها كيشوفوا في الحشود اللي كتهتف بسميتها.

نطقت خيزران بنبرة فيها استعجال خفي:

” طلقينا للفراجة اشامة..لاللة اليازية كتسناك لتحت ..قالت شامة بنت الاصول ..حمامة السلام.مغتخليش الفتنة بين ناس القصر وناس المدينة..وكن ما الفتنة مكانش الشداد يشد يطريقو على قبلها ويبعد على اهلو وحبابو..ايوا يالاه..زيدي قدامي وفكي خيوط هاد الحرير..”

شامة دارت عندها بـ واحد الثبات كايخلع، وقالت بـ صوت هادي ومرزن:

“نزولي دابا يا خيزران؟ لاش؟ باش نكذب عينين هاد الناس اللي شافوني محبوسة أيام؟ وباش نكذب وذني جيراني اللي سمعوا السوارت كيدوروا فـ القفول؟ شامة ما غتنزلش باش تستر ‘غلطة’ دارتها شريفة.”

خيزران قربت منها وقالت بـ همس:

“ولكن الضياف لداخل، إلا ما نزلتِش غيقولوا بلي بصح أنتِ مسجونة، وغتولي فضيحة لأنمارة كاملة!”

جاوباتها شامة بـ دهاء:

“وفين كان هاد ‘الخوف’ على الفضيحة نهار كانت شريفة كتسد الممرات وكتمنع عليا الما والزاد؟ أنا ما حرضت حد، وما قلت لـ حد يجي. هادوك ناس ‘أنمارة’ شافوا الظلم بـ عينيهم وحسوا بـ الضيم اللي وقع فـ دار الشداد. إلا نزلت دابا وضحكت، غنكون كنضحك على راسي قبل ما نضحك عليهم. أنا ما غنزلش حتى يجي ‘الاعتبار’ لـ عندي.”

خيزران صغارت عينيها: “آشمن اعتبار كتقصدي؟”

شامة: “الاعتبار هو أن لالة اليازية وشريفة يعرفوا بلي ‘الجوهرة’ ماشي دمية كيتحكموا فيها بـ السوارت. أنا غنبقى هنا، وهاد الصداع اللي برا هو اللي غيجاوب الضياف على سؤالهم: ‘فين هي لالة شامة؟’.”

“هزات خيزران راسها وقربات منها وبقات كطلع فيها باشمأزاز

“عنداك يقولك راسك راك قطعتي الواد ونشفو رجليك.. خصك تعرفي بلي هل المدينة مغتلقايهمش فجنبك ديما..الى خسرتي ناس القصر راك بديتي الضربة اللولة فتراب قبرك ..

رجعات اللور شوية وتبسمات بسخرية

” بصحتك هاد الساعة ..وملقانا فساعة اخرى “

عطاتها خيزران بالضهر ودفعات الباب خلاتو محلول ومشات

نزلت خيزران بـ خطوات سريعة، لقات اليازية واقفة كترعد بالسم وشريفة وجها ولى بحال الشمعة اللي كدوب. القاعة بدات كتعمر بـ عيالات الأعيان، والهمس بدأ كيكبر: “علاش شامة ما كايناش؟”، “واش بصح هاد الغوات اللي فـ الباب كيهضر على سجنها؟”.

اليازية جرات خيزران لـ الركن: “فين هي؟ علاش ما نزلتش معاك؟”

خيزران نطقت بـ برود كايقتل:

“رفضت. قالت بلي ما غتكونش ‘ستار’ لـ غلطتكم. قالت بلي الناس اللي برا ما جاوش من فراغ، وبلي نزولها دابا غيكون كذبة هي ما مستعداش تقولها. شامة راه ‘عاصية’ الفوق، والوقت راه كيهرب منا.”

شريفة شهقت: “يا لالة اليازية! هادي باغا تفضحنا! الضياف بداو كيسولو، وإلا ما نزلتش دابا، راه سمعتنا فـ أنمارة مشات!”

اليازية شافت فـ شريفة بـ واحد النظرة مرعبة وقالت:

“دابا ارتاحيتي؟ هادي هي ‘التربية’ اللي بغيتي تعطيها ليها؟ شامة راه حطاتنا بين جوج نيران: نار الناس اللي فـ الباب، ونار الفضيحة قدام الضياف. إلا ما نزلاتش بـ خاطرها، غنضطروا ننزلو حنا لـ عندها بـ ‘الطلب’.”

خيزران زادت سم فـ الهضرة:

“الناس برا بداو كيدقوا فـ الباب الكبير بـ الجهد، والعيالات لداخل بداو كيسولوا واش يخرجوا بحالهم حيت الجو مريب. إلا ما تحلش الباب لـ شامة بـ شروطها، راه أنمارة اليوم غتسمي هاد الدار ‘دار الظلم’ ماشي ‘دار الشداد’.”

في قلب الصحراء القاسية، بعيداً عن أسوار أنمارة الهادئة، كان الأمير شداد يقود حملة عسكرية لترويض القبائل التي شقت عصا الطاعة. لم يكن شداد مجرد فارس يحمل السيف، بل كان تلميذاً لدهماء السلاطين الذين يمزجون بين “السم والعسل”.

وصل الشداد إلى مشارف ديار بني كليب، وهي القبيلة التي حرضت الآخرين. لم يهاجم فوراً، بل أرسل “رسلاً” في جنح الليل يحملون صرر الذهب وكتباً مختومة بختمه الشخصي إلى شيوخ القبائل المتحالفة معهم.

• الواقعة: استطاع إقناع شيخ قبيلة “بني ذبيان” بأن الخلافة

ستمنحه “إقطاعيات” جديدة وستعفيه من خراج ثلاث سنوات إذا انسحب بفرسانه قبل الفجر. مع طلوع الشمس، استيقظ المتمردون ليجدوا قلب جيشهم قد انقسم، فدبّ الرعب في قلوب الباقين.

2. قطع العروق (حصار العطش)

كانت القبائل تعتمد على بئر “العسيلة” كشريان وحيد للحياة في تلك المنطقة. بدلاً من مواجهة النبال، أمر الشداد كتيبة من الرماة والمهندسين بالسيطرة على المرتفعات المطلة على البئر وتسميم موارد المياه الفرعية.

• الواقعة: في غضون ثلاثة أيام، بدأت خيول المتمردين تنفق، وصياح الأطفال من العطش كسر صمود المقاتلين. جعلهم الشداد يدركون أن الموت لن يأتيهم بضربة سيف سريعة، بل بذبول بطيء.

3. الصدمة والترويع (غارة الفجر)

بينما كان شيوخ التمرد مجتمعين في خيمة القائد الكبير “ابن الأزور” يتشاورون، انشق سكون الليل عن صرخات “الله أكبر”. لم يرسل شداد جيشه كله، بل أرسل “فرقة الموت” المكونة من نخبة الفرسان • الواقعة: استخدموا “النفط” المشتعل لإحراق مخازن علف الخيول، وفي وسط الفوضى، اخترق الشداد بفرسه قلب المعسكر، وبضربة واحدة أطاح برأس “ابن الأزور” قبل أن يستل الآخرون سيوفهم. سقط الرأس، فسقط التمرد معه في لحظة واحدة.

4. نظام الرهائن (الضمانة المُرّة)

بعد انكسار الشوكة، لم يقتل الشداد الجميع. جمع شيوخ القبائل المنهزمين في خيمته، وبصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة، قال لهم: “عفا الله عما سلف، ولكن لضمان ولائكم، سيصحبني أبناؤكم الصغار إلى أنمارة ليتعلموا في مدرستنا أصول الطاعة والفروسية”.

• الواقعة: انتزع خمسة من أبناء الشيوخ (أغلى ما يملكون) وجعلهم في ركابه. كان هؤلاء “ضيوفاً” في العلن، ولكنهم في الحقيقة “دية” ستُدفع إذا فكر أحد الآباء في رفع السلاح مجدداً.

5. المصاهرة السياسية (قيد المصاهرة)

لكي يغرس جذور الدولة في تلك الأرض، طلب الشداد يد “هند”، ابنة أكبر شيوخ قبائل الشمال تأثيراً،

ليزوجها لأحد كبار قادته المقربين، وألمح بذكاء إلى أنه قد يتخذ زوجة ثانية من بناتهم إذا أثبتوا الولاء.

• الواقعة: تحول العداء المرّ إلى “نسب” و”حرمة”. في العرف القبلي

من يغدر بصهره فقد غدر بشرفه، وهكذا قيدهم برباط أقوى من قيد الحديد.

6. العفو المشروط (هيبة الخلافة)

في اليوم الأخير، وقبل أن يمتطي صهوة جواده عائداً إلى أنمارة، وقف الشداد أمام الجموع المنكسرة وأعلن “الأمان” لكل من وضع سلاحه، بشرط تقديم ألف ناقة ومائة فرس “زكاة” لبيت مال المسلمين تعويضاً عما أتلفه التمرد.

• الواقعة: لم يتركهم معدمين فيثوروا من الجوع، ولم يتركهم أقوياء فيثوروا من الغرور. تركهم في “المنطقة الوسطى” تحت رحمة سطوته.

بينما كان الشداد يمسح دماء الغدر عن سيفه ويستعد للعودة، التفت إلى وزيره وقال:

“أخمدنا ناراً في الخلاء، ولكن قلبي يخبرني أن في قصبة أنمارة ناراً أخرى توقدها الأيادي الناعمة.. فليجهزوا لنا الخيل، فالسفر طويل والخبر يسبق الركب.”

بينما كان الشداد يمسح سيفه بقطعة من الحرير، وعيناه تراقب الأفق البعيد لجهة أنمارة، شقّ سكون المعسكر صوت حوافر حصان يركض جنوناً، وكأن صاحبه يطارد الموت أو الموت يطارده.

لم تمر ثوانٍ حتى اقتحم الفارس قلب المعسكر، الحصان يزبد وعروقه ناترة من شدة الإعياء، والفارس وجهه شاحب، يغطيه غبار السفر وعرقه يختلط بالتراب. سقط الفارس من فوق صهوة جواده قبل أن يتوقف تماماً، وارتمى على وجهه أمام خيمة الشداد.

تحلق حوله الحراس، لكن الشداد أشار بيده: “اتركوه!”.

اقترب الشداد بخطى ثقيلة، هيبته تسبقه. رفع الفارس رأسه بصعوبة، وأنفاسه متقطعة كأنها تخرج من جمر، ونطق بصوت مبحوح:

“يا مولاي.. الغدر! القصبة في غليان.. أنمارة خرجت عن بكرة أبيها، والبيبان الكبار تدكها حشود الرعاع!”

تصلب جسد الشداد، وعيناه أصبحتا كقطعتي جمر: “تكلم يا رجل! من تجرأ على طرق بابي في غيابي؟”

الفارس، وهو يلهث:

“الفتنة يا مولاي.. الخبر شاع في الأزقة كالبرق بلي ‘الجوهرة’ لالة شامة محبوسة ومظلومة في برجها. الناس ما بقاو بغاو لا طعام ولا صدقة، بغاو غير يشوفوا لالة شامة حرة. لالة اليازية ولالة شريفة محاصرين لداخل، والضياف وسط الروينة.. والقصبة ولات بحال العش ديال الدبابير

سكت الفارس، وساد صمت رهيب في المعسكر. القادة تبادلوا نظرات الحيرة، لكن الشداد غرس سيفه في الأرض بقوة، والتفت إلى وزيره بصوت هزّ أركان الخيمة:

“الشداد يبني القلاع في الثغور، والنسوان كيهدموا الأصول في الدار! خيلنا لا ترتاح.. سنطوي الأرض طياً إلى أنمارة. وإذا وصلت ولقيت بلي شرف الدار اتلمس، والله ما غيبقى حجر على حجر في ديك القصبة!”

ركب الشداد جواده، ولم ينتظر جمع الخيام. انطلق كالسهم في مقدمة فرسانه، وفي عقله سؤال واحد كيكويه: شكون هاد القوة اللي خلات مدينة كاملة تنوض على كلمة، وشكون اللي تجرأ وحط “الجوهرة” في قلب العاصفة؟

من اسوء ما يمكن يكون فصرامة الامراء والسلاطين هوا الفتنة..والتمرد، حيث ماكيبقا لاقلب يحن ولا سيف يرحم .

اليازية ماضناتش توصل بيهم الامور لهاد واخرج على السيطرة والاسوء والاخضر هوا حاكم المكان غايب. وهادشي ان ذل على شيىء فهوا يدل على عدم قدرة في ادارة الامور وحماية الضهر فاش الوجه كيدور للجهة لاخرى . دابا مابقاتش بغات غير ضيوفها يشوفو شامة او الخوف من الفضيحة.. دابا خصها لي يسكت هاد الروينة لي نايضة قبل ما الوضع يزيد يتأزم ولا بصدقو فما كتر وشكون عرف..عيون العدو عليهم وكيقلب على الفجوة منين يدخل ، والى لقا الطريق ووالقائد والدرع الحامي مكاينش كلشي غيصبح فخبر كان ،، ومن اميرات وسيدات غيوليو رهينات وعبدات وجاريات كما كيوقع فاش كتسقط شي جهة .

اليازية

عرفات بلي الدار شعلات فيها العافية، وإلا ما طفاتهاش دابا بـ “الحكمة”، غتولي أنمارة كاملة تخت خطر محتوم

جرات خيزران وشريفة لركن بعيد على الوديين ونطقت بصوت مخنوق ولكن حازم:

“شريفة، حبسي هاد الرعدة! خيزران، قولي للخدم يبداو يحطوا ‘الفاكية’ والزهر دغيا، ويشعلوا الموسيقى والأمداح بجهد باش يغطيو على الصداع اللي فـ الباب. الضياف لداخل خاصهم يدوخوا بالبخور والزواق باش ما يركزوش مع الغوات.”

شريفة كانت غايبة على الوعي، كتشوف غير الخراب. اليازية عطاتها السوارت بـ “جهد” وقالت ليها:

“سمعي مزيان، شامة دابا هي اللي شادة السكين من اليد، وحنا شادينه من الحد ، غتطلعي عندها للمرة اللخرة، ولكن هاد المرة ماشي بـ ‘الأمر’.. غتطلعي بـ ‘العار’. قولي ليها: ‘على وجه الشداد وستره، نزلي وسترينا، واللي بغيتيها تكون’.”

خيزران، اللي بقات هادية، شافت بلي هاد الحل ما كافيش، وقالت ببرود:

“لالة اليازية، شامة ما غتنزلش بـ ‘العار’ ديال شريفة. شامة بغات ‘الشهود’.

قولي ليها بلي لالة اليازية غتفتح الباب الكبير وتخلي الناس يدعيو معاها، وبلي هي اللي غتفرق ‘الصدقة’ بيديها قدام عيالات أنمارة. هادشي هو اللي غيخلي الحية تشطح على نغماتو ويبين للناس بلي هي في الحفظ والصون

طلعات شريفة وهي كتجر رجليها، وصلت قدام الباب ووقفت. هاد المرة ما دخلاتش بـ “عنف”، بل دقات دقة خفيفة، والغصة فحلقها ونطقت بـ صوت فيه “ذل” ما عمرها عاشته:

“لالة شامة.. العار على لالة اليازية، وعلى وجه الشداد اللي غايب. حنا غلطنا، والشيطان دخل بيناتنا. أنمارة راها فـ الباب، والضياف كيسولو.. سيري نزلي وخذي مكانك، والدار دارك، والسوارت من اليوم غيكونوا فـ الحزام اللي بغيتيه أنتِ. غير سترينا هاد النهار، وما يكون غير خاطرك.”

شريفة مانت كتهضر وصبعها فمها عاضاه ، اما شامة، لداخل، شافت فـ دادا رقية وابتسمت ابتسامة باردة. عرفت بلي “القلعة” طاحت بلا ما تضرب فيها حجرة واحدة. نطقت بوقار:

“قولي لاللة اليازية،، خاطينا الفتنة ماحنا منها ماهي منا ..الى رضات لاللة وحلات الخزاين ؟ عشا انمارة فالجوامع بسميتنا ..باش الناس تعرف بلي شامة حرة ماهيا ورا الحيطان مسجونة . وعشاهم طعام باللحم وراه قليلة فحقهم .”

غرسات شريفة سنانها لحمها ورا الباب كتمتم

“شوف لك الدية ولات تشرط على عيالات الاسياد .. ايوا صاافي زيان حالنا”

ردت بصوت مسموع

“وصلات اشامة ..غير طلقي راسك راه هادشي ماشي فالصالح ديالنا”

شافت شامة فدادة رفية وتبسمات ليها التسامة خفيفة

“ناوليني المحلد اداد وداك القلم .. الى مكانوش عارفين بحق الاصول حنا نوريوهن الطريق ليه…ومرت الراجل فبلادنا محصنة..ماتنزل عند قومان ماتخرج عند عيان.. وفغياب راجلها كما قالو كدير الحداد؟ وحنا هنا بقانا فحدادنا حتى برجع اللي جامعنا يفاصل بيناتنا ..الى كانت نييت وعودو صادقة “

كتبات خطاب فالمجلد ولفاتو ومداتو لدادا رقية وقالت بوقار وابتسامة..عطيه لعبيبوش..يطفي بيه عاد النار الحامية

دادا رقية، التي تعرف القصبة وممراتها السرية ككف يدها، انسلت بوقار وحذر نحو الباب الخلفي الصغير المخصص للخدم. استدعت أحد الحراس الوفياء، وهمست في ودنو .

بعد دقائق، وصل عبيبوش، يلهث وعينه تقطر ذكاءً وبريق ، سلمته رقية المرسول وقالت له بصوت خفيض: “هدا كلام لاللة شامة ..قراه على الخلق بالصوت العالي..يالاه قضي”

شد عبيبوش المرسول وخرج من داك الممر كينقز ومشا كيجري طلع فوق الصور والعبيد كيشوفو فيه كيتعلق ختى وصل للقمة مقابل مع الناس فجأة، انتبهت الحشود الغاضبة إلى رجل يظهر فوق السور الشاهق، يقف بثبات في الوسط تماماً فوق الباب الكبير. رفع عبيبوش يده للسماء، فخمد الضجيج تدريجياً حتى ساد سكون يقطع الأنفاس. فتح الرق وبدأ يقرأ بجهورية وصلت لآخر زقاق في المدينة:

“يا أهل أنمارة الأوفياء.. اسمعوا ما خطت لكم يد لالة شامة، جوهرة هذا الدار وسندكم:

تقول لكم لالة شامة: أنا منكم وأنتم مني، دمنا واحد وديننا واحد ما دمنا تحت راية الإسلام. إن وقفتكم اليوم لم تكن فتنة، بل كانت وفاءً أعادني من الظلمات إلى النور.

واعلموا يا أهل الجود، أن ما جرى لم يكن إلا ‘سوء تفاهم’ مما يقع في أرقى البيوت، وقد انقشع بفضل الله. فلا يُظلم في أيام الأمير الشداد أحد، ولا يضام في حمى لالة اليازية الفاصلة بالعدل والميزان، إنسان.

واليوم، القصر يفتح أبوابه لقلوبكم قبل بطونكم. لالة شامة تأمر بذبح الإبل، وتوزيع العشاء في كل مساجد أنمارة، لتكون هذه الليلة ليلة اتحاد القصر مع شعبه ضد كل من تسول له نفسه الدخول بيننا!”

ما إن أنهى عبيبوش خطابه حتى اهتزت المدينة بهتافات لم تسمعها أنمارة من قبل: “الله ينصر لالة شامة!”، “الله يرضي على بنت الأصل!”. الغضب الذي كان سيقتلع الأبواب تحول إلى “زغاريد” وفرح عمّ المكان.

تخزات للارض بحوافر الخيل كأنه زلزال كيضرب وضهر الأمير الشداد في مقدمة خيله، وجهه ملثم بشد أسود لا يظهر منه إلا عينان تقدحان شرراً. الحصان يزبد، والسيوف في أيدي الفرسان تعكس ضوء الشمس الأخير. كان يتوقع أن يجد “حرباً”، لكنه وجد “عُرساً”.

شد لجام حصانه بقوة حتى كاد يرفعه في الهواء. ، الناس الذين قيل له إنهم “متمردون” يرفعون أيديهم بالدعاء: “نصرك الله يا شداد! حفظ الله لالة شامة!”. يلتفت لوزيره بنظرة حائرة وم غاضبة:

“يا هذا.. هل أخطأنا الطريق؟ أم أن الفارس الذي أتاني كان يرى في منامه كوابيس؟ أين الحريق؟ وأين الصياح؟”

تقدم عبيبوش اولا امام اقدام الخيل الحارقة انحنى حتى كاد يلمس الأرض، وقال بنبرة مسموعة:

“أهلاً بـأمير أنمارة. الفتنة كانت نهاراً، والسكينة حلت مغرباً. بـ ‘رسالة’ من يد لالة شامة، انصرف الناس لبيوتهم، وبذبيحة منها، صار العدو صديقاً. لقد رددتْ عنا وعنك فضيحة كانت ستسير بها الركبان.”

خيم سكونٌ ثقيل على ردهات القصر، صمتٌ يسبق العاصفة التي كان يجرها الأمير شداد خلفه وهو يطوي الرخام بخطواته العسكرية الواثقة. لم يكن وقع حذائه مجرد صوت، بل كان نبضاً ينذر بالحساب. الغبار الذي يكسو رداءه، ورائحة العرق والخيول التي تفوح منه، كانت تزيد من هيبته كقائد عودته المظفرة من الميدان تلطخت بأخبار “خيانة” في عقر داره.

اندفع الشداد إلى قاعة “المشور”، حيث كانت لالة اليازية تجلس على أريكتها المذهبة، متماسكة كقلعة قديمة هزتها الرياح. انحنى الشداد ليقبل رأسها بآلية جافة، ثم انتصب أمامها كرمحٍ مسنون، وعيناه تقدحان شرراً لم تطفئه مياه أنمارة.

المكان مظلم نوعاً ما، إلا من شموع قليلة تعكس ظلالاً طويلة على الجدران المزينة بالزليج. الشداد لم يخلع ثياب سفره بعد، الغبار ما زال يعلق بلحيته الكثيفة، ووقع خطاه الثقيلة يتردد صداه في المكان.

“يا لالة اليازية،” نطق الشداد بصوت رخيم مخنوق بالغضب، “تركتُ لكِ حصناً حصيناً، فعدتُ لأجده مستباحاً بألسنة الرعاع. كيف صار سرّ دارنا مشاعاً في الأزقة؟ وكيف أصبحت ‘الجوهرة’ التي استأمنتكِ عليها حديث الغوغاء عند بوابتي؟”

ارتعشت يد اليازية وهي تقبض على سبحتها، لكنها ردت بنبرة حادة تحاول استعادة سلطتها المهدورة:

“يا ولدي، الفتنة لم تطرق بابنا إلا حين ركبت ‘شامة’ رأسها وعصت أمري. أمرتُها بالنزول لتكذيب الخبر وستر العيب، فأبت إلا العناد والصمود في برجها، وكأنها تتعمد إحراجنا أمام الأعيان. لقد كسرَت كلمتي يا شداد، وكلمتي من كلمتك!”

حدق الشداد في عيني أمه طويلاً، وفي تلك اللحظة لم يتكلم كابن، بل كحاكم

“بل صانت هيبتي حين عجزتم أنتم! اللوم يا أمي لا يقع على من رفضت الكذب، بل على من جعل ‘بنت الأصول’ تضطر للمفاضلة بين كرامتها وبين طاعتك.”

ترك الشداد أمه في ذهولها وصعد الدرج المؤدي إلى البرج العالي بجهدٍ يشي بعمق اضطرابه. كان صرير الخشب تحت قدميه يعلن لكل من في القصر أن ساعة الحسم قد حانت.

فتح الباب بقوة، ليرى شامة جالسة في سكونٍ مهيب. لم تكن تبكي، ولم تكن ترتعد. كانت رائحة البخور تحيط بها كدرعٍ غير مرئي، وفي يدها ريشة الكتابة التي غدت أمضى من سيفه. لم ينطق بكلمة، بل جالت عيناه في أركان الغرفة، من “الرّق” المكتوب بمدادِ الحكمة إلى وجه شامة الثابت. كان صمته أشدّ عتاباً من أي صراخ.

الشداد (بصوتٍ عميق، يخرجُ كزئيرٍ مكتوم):

“أرُجوعي بـ ‘النصر’ من القفار، كان لزاماً أن يسبقه صيتُكِ في الأزقة؟ أخبريني يا ابنة الأكرمين.. أصار ذكاءُ النساء زعامةً في غيابي، أم أن القصرَ لم يعد يملأُ عينيكِ؟”

شامة (بهدوءٍ رخيم، وعينانِ ثاببتان لا ترفّان):

“يا أميرَ القلوبِ والحصون.. الزعامةُ فِطرة، لا تُستجدى ولا تُسرق. وما صيتي في الأزقة إلا صدىً لعدلٍ يُفترضُ أنه يملأُ هذا البيت. حين كادَ ‘الجورُ’ أن يهدمَ هيبتَك، وقفتُ بكلمتي سدّاً.. لا رغبةً في مُلك، بل حمايةً لعرينِ الشداد.”

الشداد (يخطو خطوةً واحدة، ويضيقُ عليه الفراغ):

“رددتِ أمرَ ‘الوالدة’، وكسرتِ هيبةَ الحُكمِ في ‘الحرم’.. وفي شرعنا، من يعصِ الكبار، فقد شقَّ عصا الطاعة.”

شامة (بنبرةٍ فيها عزةُ الأصول):

“طاعةُ الكبارِ واجبةٌ ما لم تُهدر كرامةَ الصغار. طلبتْ مني ‘زيفاً’ أسترُ به عورةَ الظلم.. فرفضتُ. فهل يرضى الشدادُ لنفسه زوجةً تكونُ شاهدةَ زور؟ وهل تقبلُ أن أنزلَ للناسِ مكسورةً، والكسرُ فيَّ هو وصمةُ عارٍ في جَبينك؟”

سكت الشداد. كان كلامها كالمرآة التي وضعت الحقيقة أمام عينيه عارية. نظر إلى شموخها، فأدرك أن طاعة “الضعفاء” لا تليق به، بل تليق به قوة هذه المرأة التي لم تنكسر حتى أمام أمه.

ثم اكملت كلامها قائلة

“او لم يكن كلامي على الورق كافٍ؟ ام وجب علي الخروج علنا والسيد غائب عن دياره؟ او انني لست من المحصنات عندك؟”

الشداد (بصمةٍ فيها تقديرٌ خفي):

“لقد صدقَ من قال إن ‘الجوهرة’ لا تُعرف قيمتها إلا في الظلام. لسانُكِ أمضى من ذؤابةِ سيفي، ووقارُكِ أشدّ حصانةً من أسوارِ أنمارة.”

شامة (بحزمٍ هادئ):

“السيفُ لِلعدو، والوقارُ للدار. والآن، الرعيةُ بالبابِ ينتظرون فضلَ الأمير.. فهل ننزلُ بـ ‘عزّنا’، أم نتركُ للفتنةِ باباً؟”

أومأ الشداد برأسهِ إيماءةً واحدة، فيها الحسم والقبول.

“تزيّني بما يليقُ بـ ‘أمير أنمارة’..فلنا عودة بعد انتهاء الحساب

الشداد لم يحتاج لإصدار الأحكام الآن، فحضوره الطاغي كان كافياً. انسحب بجسده المثقل بعناء السفر نحو جناحه الخاص، حيث ينتظره الطقس المعتاد لأمراء العصر العباسي؛ طقس “التطهر والراحة”.

“ملاذ الأمير.. طقس الماء والنار”

فخامة الحمام الملكي:

خلف الأبواب الخشبية المرصعة بصدف البحر، يمتد حمام الأمير كأنه قطعة من قصور “ألف ليلة وليلة”. الرخام المرمر يغطي الأرضيات والجدران، محفوراً بنقوش إسلامية هندسية تتداخل فيها الألوان الزرقاء والذهبية.

في الوسط، تبرز بركة مربعة من الرخام الأبيض، ينبعث منها بخارٌ كثيف يملأ المكان برائحة “المسك” و”الورد الطائفي”. السقف عبارة عن قبة مرصعة بفتحات زجاجية ملونة (الجامخانات)، تسمح لضوء القمر بالتسلل على شكل حزمٍ ضوئية تتراقص فوق الماء.

لم يكن الاستحمام للأمراء مجرد غسل للجسد، بل كان قواعدا استجمامياً دقيقاً:

وضع الشداد سيفه الثقيل ورداءه الملوث بغبار الصحراء جانباً، وكأنه يخلع معه ثقل المسؤولية والسياسة.

بدأ بالجلوس في الغرفة “الدافئة” لتهيأة جسده، ثم انتقل إلى “المغطس الساخن”. كان الماء يُجلب من قدور نحاسية ضخمة سُخنت بنار الحطب العطري (خشب الصندل)، لتمتص مسام جلده رائحة الهيبة.

• التمريخ والتطهير: استسلم الشداد ليدي “المُدلك” (المسّاح) الذي استخدم ليفة من الحرير الخشن وصابوناً مصنوعاً من زيت الزيتون والغار والغاسول المغربي الممزوج بالأعشاب الصحراوية. تم فرك جسده القوي لإزالة وعثاء السفر، وتنشيط الدورة الدموية في عضلاته التي تيبست من ركوب الخيل لأيام.

لحظة الصفاء وسط البخار:

غطس الشداد في البركة الرخامية، حيث الماء الدافئ يحيط بصدره العريض. أغمض عينيه، تاركاً البخار يغسل تعب الصراخ، وصهد الشمس الحارقة، وضجيج الفتنة. في هذا الصمت، لم يكن يفكر في شريفة أو اليازية، بل كان خياله يسترجع صورة تلك “الجوهرة” التي وقفت أمامه في البرج بوقارٍ هزّ أركانه أكثر من صليل السيوف.

بعد خروجه من الماء، لُفّ جسده بمناشف من القطن الدمشقي الأبيض المطرز بخيوط الذهب. ثم ارتدى

ارتدى “طقما ” من قطعتين واسعاً من ثوب “الولان” أو ما يُعرف تاريخياً بـ “القصب”، وهو كتان رقيق جداً، ناعم الملمس كالحرير، يسمح لجسده بالتنفس بعد حرارة الحمام. كان لونه أبيضاً ثلجياً، بعنق واسع يتميز بـ “خياطة خفيفة” عند الياقة والأكمام، مطرزة بخيوط الحرير (الصقلي) الرقيقة التي لا تُرى إلا عن قرب، مما يعطيه فخامة صامتة لا تكلف فيها.

. السروال الفضفاض يتميز بقصته الواسعة التي توفر حرية الحركة والراحة التامة. كان السروال يجمع عند الخصر بـ “تكة” (حزام داخلي) من الحرير المنسوج، ويضيق قليلاً عند الكاحلين بخياطة يدوية دقيقة تبرز مهارة “خياط القصر”.

في قدميه، وضع “بلغة” مخملية مريحة، مصنوعة من الجلد المدبوغ بمهارة مبطنة بالقطن الناعم لتوفير الراحة لآثار المشي الطويل، ومزينة بنقوش باهتة تليق بجلسات الاستراحة الخاصة.

لم يكن الشداد يرتاح في أي مكان، بل في ركنٍ خُصص ليكون “ملاذ الأمير” داخل الجناح الفسيح:

جلس على “مراتب” محشوة بريش النعام، مغطاة بأقمشة “الديباج” و**”المخمل”** الأرجواني الداكن. كانت الأرائك منخفضة ومنتشرة حول الغرفة لتمنح شعوراً بالاتساع والراحة.

• الوسائد (المساند): نُثرت حوله وسائد ضخمة مطرزة بـ “الزركشة”مسنداً ظهره المتعب إلى وسادة كبيرة محشوة بقطن “البعلبكي” الفاخر.

الأرضية مفروشة بـ “الطنفسة” (سجاد فارسي سميك) يغرق فيه القدم، وألوانه تمازجت بين الأحمر القاني والذهبي. أما الستائر فكانت من الحرير الثقيل المنسدل، تمنع تسلل الريح

وتسمح فقط لنسمات الليل العليلة بتهوية المكان. بجانبه “مبخرة” نحاسية ضخمة ينبعث منها دخان “الند” المعتق، وطاولة صغيرة (مائدة) من خشب الساج المحفور، عليها إبريق من الفضة الباردة يحتوي على شراب “الجلاب” المنعش الممزوج بماء الزهر.

كان الشداد في هذه الجلسة يجسد “هيبة الاسترخاء”؛ جسدٌ مرتاح وعقلٌ يتدبر ما جرى، بينما رائحة المسك والكتان الرطب تفوح من حوله،

فتح الأمير شداد عينيه ببطء، وقد سرى في جسده خدر الراحة بعد حمامٍ ملكي وجلسةٍ فوق وسائد الديباج. استقبل وجهه نسيمٌ عليل يحمل عبق العود، لكن عينيه استقرتا على ذلك الجدار الرخامي فوق سريره، الجدار الذي تركه قبل سفره صخرةً صماء، والآن يراه وقد تحول إلى لوحةٍ تنطق بالهيبة.

أغمض عينيه برهة ليسترجع ذلك اليوم الذي دخلت فيه شامة إلى جناحه لأول مرة، حين وقفت أمام ذلك الجدار وقالت بلهجةٍ فيها من الثقة ما فيها: “الخشب تأكله الأرض، والحرير يبليه الزمان، أما النقش في الرخام فيبقى ليشهد أن ملكاً مرّ من هنا.. وأثراً لا يزول.”

نهض الشداد بوقار، بخطواتٍ وئيدة حتى وقف أمام النقش. كانت يد النحات قد أبدعت في حفر الكلمات بـ خط الثلث العباسي، مذهبةً بماء الذهب الخالص، قرأ الشداد ما نُقش بتمعن، فإذا بها كلماتٌ صاغتها شامة لتكون “ميثاقاً” بين قلبه وعرشه:

“لِصَاحِبِ هَذَا المَقَامِ: قَلْبٌ كَالصَّحْرَاءِ فِي اتِّسَاعِهِ، وَعَزْمٌ كَالصَّخْرِ فِي ثَبَاتِهِ.”

“مُلْكُكَ فِي هَيْبَتِكَ، وَهَيْبَتُكَ فِي عَدْلِكَ، وَعَدْلُكَ فِي صِدْقِ مَنْ حَوْلَكَ.”

“نُقِشَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ لِتَكُونَ ظِلاًّ لَكَ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ، وَأَثَراً لِـ ‘جَوْهَرَةٍ’ تَعْرِفُ أَنَّكَ الحِصْنُ، وَأَنَّهَا المِلاَذُ.”

وقف الشداد صامتاً، يلمس بأطراف أصابعه برودة الرخام وحرارة المعنى. لقد أدرك في تلك اللحظة أن شامة لم تكن تخطط فقط لليوم الذي تسكن فيه القصر، بل كانت تخطط لتسكن “ذاكرة” المكان وعقل صاحبه.

هذا النقش لم يكن مجرد زينة، بل كان “رسالة مبطنة” ذكّرته بكلماتها في البرج: “العدل هو الذي أخرجني”. لقد تركت له أثراً في مخدعه ليكون أول ما يراه حين يصحو، وآخره حين ينام؛ لتذكره بأن قوته تستمد وقارها من “صدقها” هي، ومن مكانتها بجانبه.

ابتسم الشداد ابتسامة خفيفة، ابتسامة إعجاب برجلٍ وجد “ندّاً” له في الحكمة، والتفت نحو الباب منادياً خادم جناحه الخاص:

“أخبر لالة شامة.. أن النقش قد اكتمل، وأن المعنى قد وصل.”

الشداد، بوقاره الجديد وهدوئه الذي يسبق العاصفة، قرر أن يضع النقاط على الحروف بعيداً عن ضجيج القصر وتبريرات اليازية أو دموع شريفة. نادى على “العريفة” (كبيرة الخدم والمسؤولة عن شؤون الحريم)، فهي الصندوق الأسود للقصر، وهي التي تعرف ما يقع في الزوايا المظلمة وتحت الأدراج.

لم يكن الأمير ليغمض له جفن قبل أن ينكشف المستور. لم ينادِ أمه، ولم يطلب شريفة، بل أراد الحقيقة من أفواه من لا مصلحة لهم في الكذب.

رفع صوته الرخيم منادياً خادم الجناح الواقف خلف الباب:

“أحضر لي ‘العريفة’.. الآن. ولتدخل من الباب الخلفي، لا أريد لعينٍ في القصر أن تلمح ظلها وهي في طريقي إليّ.”

ساد الصمت الجناح، ولم يبقَ إلا دخان العود يتصاعد، والشداد يرقب الباب بعينين قاصيتين، منتظراً وصول الصندوق الأسود لأسرار الحريم.

دخلت العريفة بخطى مرتجفة، ورأسها مطأطأ، تدرك أن عيني الأمير لا تغفلان عن زلة.

لم ينظر إليها الشداد مباشرة، بل ظل يتأمل النقش على الجدار، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تخترق الصمت:

“ادخلي وضعي وجلكِ جانباً. أريد كلاماً أبيض ، أخبريني عن ما جرى .. منذ اليوم الذي غادرتُ فيه أنمارة، وحتى اللحظة التي سمعتُ فيها صياح الرعية في الباب.”

“يا مولاي.. لستُ أذيع سراً، ولكن القصر صار منذ رحيلك ‘سجناً’ لواحد، و’مرتعاً’ لآخر. لالة شامة لم تُسئ لأحد، بل انزوت في برجها، لكن لالة شريفة كانت ترى في وجودها تهديداً لمكانتها. ليلة الفتنة، لم تكن هناك رغبة في ستر العيب، بل كانت هناك رغبة في ‘كسر الكبرياء’.”

الشداد (بحدة): “تكلمي بوضوح.. كيف أُوصد الباب على زوجتي؟”

العريفة (بصوت مخنوق):

“لالة شريفة هي من أمرت الحراس بسد المنافذ، وادعت أنها أوامر لالة اليازية.امرت بإطعامها فتات الخبز ومنعت عنها التدفئة ، ثم ارسلت حطبا مبللا وقليلا من الخضر المصلوقة .. ومن ذالك اليوم صار طعام لاللة شامة لا يغني من جوع وحين بدأت هتافات الناس في الخارج، ظنوا أن شامة ستنكسر وتخرج مستجدية. لكنها فعلت ما لم يتوقعه أحد.. لقد صمتت صمت الملوك، ورفضت أن تكون لقمة سائغة لضعفهم. حتى لالة اليازية، يا مولاي، وجدت نفسها محاصرة بين نارين، وحين طلبت من شامة النزول، كان ذلك لإنقاذ ماء الوجه ، لا لإنصاف شامة.”

سكت الشداد طويلاً، كان صدره يعلو ويهبط مع كل كلمة تنطق بها العريفة. لقد فهم الآن أن شامة لم تعصِ اليازية “تمردًا”، بل “أنفةً” وترفعاً عن أن تكون وسيلة لتغطية حقد ينهش في القلوب

رفع الشداد بصره إليها، وكانت نظراته حادة كخناجر الفولاذ، وسأل بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقل الجبال:

القصور لها جدران، والجدران لها آذان، لكن كيف صار حديث غرفتي الخاصة يُتلى في الساحات؟ من الذي تجرأ وفتح أفواه العامة على حُرمة داري؟ ومن الذي أخرج خبر سجن لالة شامة للرعية؟”

ارتبكت العريفة، وبلعت ريقها بصعوبة، ثم أجابت بصوت يرتجف صدقاً:

“يا مولاي.. يشهد الله أننا بحثنا وحققنا، لكننا لم نجد يداً واحدة تمسك طرف الخيط. لا أحد يعرف يقيناً من الذي بدأ بالكلام، ولكن.. كيف يُخفى ضوء الشمس في رابعة النهار؟”

اقترب الشداد بجسده قليلاً، فتابعت العريفة بشجاعة أكبر:

“يا صاحب المقام، القصر كله كان يغلي. من أصغر خادم يمسح الرخام إلى أكبر حارس بالبوابات، الجميع كان يرى ويسمع. رأوا الوجبات تُرد من أمام باب البرج، وسمعوا صمت لالة شامة الذي كان أقوى من الصراخ. لالة شريفة كانت تظن أن الجدران صماء، لكن الخدم يتهمسون، والحراس يتناقلون نظرات الريبة. الكلام يا مولاي لم يخرج من باب واحد، بل تسلل مع الريح.. فالكل كان يعلم أن ‘الجوهرة’ تُعامل كالغريبة في غيابك، والناس في أنمارة لهم عيون في كل زاوية.”

صمت الشداد، وبرقت عيناه بوعيد مرعب، فقد أدرك أن الفضيحة لم تكن “غلطة” فرد، بل كانت “نتيجة” لظلم فاحت رائحته حتى لم يعد القصر قادراً على كتمانها.

“إذن.. كان الجميع يعلم، إلا أنا.” نطقها الشداد بمرارة، وهو يلوح بيده للعريفة بالانصراف، مدركاً أن الحساب القادم لن يستثني أحداً ممن علموا وصمتوا، أو علموا وتكلموا.

بعد انصراف العريفة، ساد الجناح صمتٌ ثقيل، صمتٌ يشبه هدوء الصحراء قبل هبوب العاصفة. لم ينتظر الشداد بزوغ الفجر، بل أمر باستدعاء شريفة فوراً إلى مجلسه الخاص. كان يريدها أن تأتي وهي في قمة ذعرها، بعيداً عن حماية لالة اليازية وبعيداً عن جدران جناحها التي ظنتها حصينة.

دخلت شريفة، وكانت خُطاها متعثرة، تلملم أطراف قفطانها الحريري بيدين ترتجفان. لم يكن الشداد هذه المرة ذاك الزوج الذي يغض الطرف عن دلالها، بل كان “الأمير الشداد” الذي عادت الهيبة لتسكن عينيه.

لم يكن الشداد جالساً حين دخلت، بل كان واقفاً أمام الجدار المنقوش، يوليها ظهره. وحين شعرت بظله يطغى على المكان، انحنت برأسها حتى كادت تلمس الأرض، ونطقت بصوت مخنوق:

“مولاي.. الحمد لله على سلامة العودة، لقد أظلم القصر في غيبتك…”

التفت الشداد نحوها بسرعةٍ لم يرد التحية، بل رمى في وجهها كلمات كالنبال

“أظلم القصرُ بظلمكِ يا شريفة، لا بغيابي! أخبريني.. منذ متى وصار سجنُ نسائي في غيابي من شيم الكبار؟ ومن أعطاكِ الحق لتكوني السجانة والقاضية في دارٍ أنا سيدها؟”

ردت بصوت يرتجف والدموع تنهمر على وجنتيها، تحاول استعادة دلالها القديم

“يا مولاي.. ما فعلتُ إلا غيرةً على وقارك! خفتُ من فتنتهما، وأردتُ أن أحمي هيبة الدار من كيدِ الغرباء.. لالة شامة لم تكن تحترم أصولنا، وأنا…”

“كفى زيفاً! الغيرةُ تبني، والحقدُ يهدم. لقد هدمتِ في أيامٍ ما بنيتُه في سنين. جعلتِ من اسمي حديث الأسواق، ومن حُرمة بيتي حكايةً يتداولها الحمالة والخدم. لولا ‘عقل’ تلك التي سميتِها غريبة، لكانت القصبة اليوم أثراً بعد عين. لقد ظننتِ أن القوة في”مفاتيح السلطة”فإذا بالمغاتيح في يدكِ أغلالٌ فضحت صغر عقلكِ.”

ابتعد عنها الشداد، وأعطى ظهره لها مرة أخرى وهو ينظر إلى النقش المذهب، ونطق بحكمه الذي وقع عليها كالصاعقة:

“ارحلي عن نظري يا شريفة. من اليوم، جناحكِ هو سجنكِ الذي أردتِ لغيركِ.لاسلطة لك ولا امر لك على جارية لقد خنتِ أمانة الغياب، ومن يخون في الغياب، لا يُؤتمن في الحضور. اذهبي”

حين نطق الشداد حكمه ووقع عليها كالصاعقة، لم تعد شريفة تملك ما تخسره. تمسكت بأطراف ردائه وهي تنشج بالبكاء، وفي محاولة يائسة لرمي جمرة النار بعيداً عن يدها، نطقت بكلمات زلزلت هدوء الجناح.

رفعت شريفة وجهها الملطخ بالدموع، ونظرت إلى الشداد بنظرة فيها مزيج من الرعب والمكيدة، وقالت بصوت متهدج:

“تظلمني يا مولاي وتجعلني كبش فداء لمرارةٍ لم أصنعها وحدي! يشهد الله أنني ما خطوت خطوةً إلا بظلّ ‘لالة اليازية’. من أنا لأوصد باباً أو أمنع طعاماً في حضور الكبيرة؟ لقد قالت لي ‘يا شريفة، الدار داركِ، والغريبة لا يجب أن تعلو فوق السطوح’، وما أنا إلا ابنة طاعتكم التي نفذت ما أُمِرت به!”

توقف الشداد عن الحركة تماماً. سكن جسده وسكنت ملامحه، لكن عروق رقبته برزت تحت نسيج “الولان” الرقيق. كانت كلمات شريفة كخنجرٍ أصاب هيبة “الأم” في قلبه. لم يتوقع أن تكون لالة اليازية، ميزان حكمته، هي اليد التي حركت خيوط هذه الفتنة.

رد الشداد بصوتٍ منخفض، وهو أخطر أنواع صوته، كأنه يهمس لنفسه:

“الوالدة؟ أتريدين إقناعي أن الحكمة التي سكنت رأس اليازية سنين، طارت في غيابي لتفسح المجال لحقدكِ؟ أم أنها أرادت اختبار ولائكِ، فوجدت فيكِ يداً طيعة للشر؟”

أحست شريفة أنها وجدت ثغرة، فتابعت بإصرار:

“بل باركت كل فعل، وقالت إن شامة ريحٌ عابرة ويجب أن تُحاصر حتى لا تقلع جذورنا. اسألها يا مولاي.. اسألها إن كنتُ قد تجرأتُ على عصيانها يوماً. أنا لم أنفذ إلا ‘شرع الدار’ الذي رسمته هي.”

أغمض الشداد عينيه بقوة، وشعر بضغطٍ رهيب في صدره. لم يعد الأمر مجرد غيرة نساء، بل صار “شرخاً” في عمود البيت. أشار بيدٍ مرتعشة من الغضب المكتوم نحو الباب، وقال بلهجةٍ لا تقبل الجدل:

“اخرجي.. اخرجي يا شريفة. سأعرف الحق من منبعه. وإن كنتِ قد كذبتِ لتتستري خلف رداء أمي، فاعلمي أن حسابكِ لن تطيقه الجبال. اذهبي.. فليلي صار أطول مما ظننت.”

خرج الأمير الشداد من جناحه، يجر خلفه رداء الحرير الأبيض كأنه غيمة مثقلة بالبرق. لم تكن خطاه متعجلة، بل كانت ثقيلة، واثقة، ومهيبة؛ خُطى حاكمٍ يتهيأ لأصعب مواجهة، مواجهة “المنبع” و”الأصل”.

وصل إلى جناح لالة اليازية. لم يدخل اقتحاماً، بل وقف بالباب برهة، استجمع فيها وقار الأمراء وبرّ الأبناء، ثم أذن له الخدم بالدخول. كانت اليازية تجلس في صدر غرفتها، محاطة بمساند الديباج، وفي يدها سبحة من العقيق، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة، تعرف أن “الريح” لا بد أن تصل إلى مرساها.

انحنى الشداد قليلاً، وقبل يد أمه بوقارٍ جاف، ثم وقف أمامها مستقيماً، لم يجلس حتى تأذن له، لكن عينيه كانت تقرآن ملامحها بدقة. ساد صمتٌ طويل، لم يقطعه إلا حفيف الستائر وصوت حبات السبحة.

نطق الشداد، وكان صوته رخيماً، ممتلئاً بالمرارة المكتومة:

“يا لالة اليازية.. يا من علمتني أن الدار تُبنى بالعدل قبل الحجر. عدتُ من القفار لأجد حصني قد تصدع من الداخل. أخبريني بربّكِ، أهكذا يُصانُ غيابُ الشداد؟ أهكذا تُعامل من استأمنتُكِ عليها، لتصيرَ سجينتَكِ وصيداً سهلاً لغلّ شريفة؟”

لم ترتبك اليازية، بل وضعت سبحتها جانباً، ونظرت إليه بنظرةٍ صلبة:

“يا ولدي، الأمور لا تُقاسُ دائماً بميزان العاطفة. شامة دخلت غريبة، وأرادت أن تفرض سطوتها بذكائها، وخفتُ على تماسك الدار. شريفة ابنة الأصول، وشامة ريحٌ قد تقتلعنا جميعاً. ما أردتُ إلا حمايتك وحماية هيبة اسمك.”

خطا الشداد خطوةً واحدة، وانحنى قليلاً ليكون بمستوى نظرها، وقال بنبرةٍ هزت أركان الغرفة:

“حمايتي؟ أتحمينني بكسرِ جناحي؟ أتحمينني بجعلِ اسمي أضحوكةً في المجالس؟ لالة اليازية.. هل صار ‘الظلمُ’ في عرفكِ حماية؟ وهل صار ‘سجنُ الحرائر’ شيمةً من شيمكِ؟ لقد خاب ظني في الميزان الذي كنتُ أحتكمُ إليه.”

سكنت اليازية، فتابع الشداد بقوة:

“أنا الأميرُ في الخارج، وأنتِ الكبيرةُ في الداخل.. لكن السيادة لا تُقامُ على أنقاض الحق. شامة لم تكن خطراً، بل كانت ‘الأثر’ الذي رفع ذكري والناسُ ينهشون في صمتكم. من اليوم، يا لالة، البرّ لكِ والتقدير لكِ، لكن السلطة لم تعد لشريفة، والشورى في الدار لن تمرّ إلا عبر من ضننتها غريبة لقد أثبتت هي من الوفاء ما عجزت عنه ‘بنت الأصول’ التي تسترتم بظلها.”

لم تنتظر اليازية اعتذاراً، ولم يطلبه هو. انحنى مرة أخرى قبل يدها، والتفت ليغادر، وفي قلبه قرارٌ لا رجعة فيه. التفت عند الباب وقال:

“ليلتكِ سعيدة يا أمي.. غداً، ستعرفُ أنمارة أن الدار لها ربٌ يحميها، وامرأةً تليقُ بمقامها.”

عاد الشداد إلى جناحه بخُطى يملؤها السكون، لكنها تحمل في طياتها ارتياح الفارس الذي أنهى معاركه الصعبة. ولج الغرفة الفسيحة، حيث كان ضوء الشموع يترنح على جدران الرخام، ليرى النقش المذهب يلمع في الظلام كأنه يبتسم له.

لم يكن الشداد يريد لهذه الليلة أن تنتهي دون أن يغلق دائرة الحساب بلقاء “شامة” نادى خادمه الخاص وأمره بكلمة واحدة: “لالة شامة.. الآن.”

لم تمضِ دقائق حتى انفتح الباب. دخلت شامة بهدوءٍ يشبه تسلل النسيم إلى الوديان. كانت قد استبدلت ثياب الرسميات برداءٍ من الحرير “الموسلين” الرقيق، ينسدل عليها بوقار، وشعرهاالنحاسي يتدلى خلف ظهرها كشلالٍ من ذهب لم تكن تبحث عن انتصار، بل كانت تمشي بخُطى من يعرفُ مكانه في القلب قبل القصر.

كان الشداد واقفاً والراحة بادية على محياه بعد أن أزال عن كاهله أثقال اليازية وشريفة. نظر إليها طويلاً، لم ينطق بكلمة، لكن عينيه كانتا تقولان كل شيء. اقتربت شامة حتى وقفت أمامه، وفي عينيها بريقٌ ذكي يدرك ما جرى في دهاليز القصر.

نطق الشداد بصوتٍ منخفض، دافئ، يملؤه التقدير:

“لقد نطق الحجرُ يا شامة قبل أن تنطق السنة البشر. قرأتُ ما نُقش على جداري، ورأيتُ ما نُقش في قلوب الرعية.. وعرفتُ اليوم مَن هي ‘سيدة الدار’ الحقيقية التي لا تحتاجُ لمفاتيح لتبسط سلطتها، بل تحتاجُ لصدقٍ لتبني مملكته.”

رفعت شامة رأسها، ونظرت إلى النقش خلفه، ثم عادت بعينيها إليه وقالت بنبرةٍ رخيمة:

“يا مولاي..المفاتيح تفتح الأبواب، والعدل يفتح القلوب. ما فعلتُ إلا لأنني رأيتُ فيك الحصن الذي يستحق أن أُحارب من أجله، حتى لو كان المحاربون من أهل دارك. لستُ أبحث عن جاه، بل عن ‘أثرٍ’ لا يمحوه غيابك ولا تغيبه السنين.”

مد الشداد يده، وأمسك بيدها بوقار، وسحبها نحو المجلس الفسيح تحت ضوء القمر

“لقد انتهى زمن الحصار يا شامة. اليوم نُقش اسمك في ديوان أنمارة كحاكمةٍ للبيت، وناصحةٍ للقلب. شريفة اختارت عزلتها، والوالدة عرفت مقامك.. والآن، لم يبقَ في هذا الجناح إلا أنا، وأنتِ، وهذا الأثر الذي لا يزول.”

جلست شامة بجانبه، وساد الصمتُ الجميل الذي لا يحتاج لبيان. وفي تلك اللحظة، لم يكن الشداد أميراً محارباً، ولا شامةاميرة محاصرة، بل كانا ركنين لبيتٍ جديد، بُني على أنقاض الفتنة، ليصمد كالجبل في وجه العواصف القادمة.

هكذا اكتملت الحكاية في هذه الليلة؛ بانتصار الحكمة على الحقد، والصدق على الزيف

نهاية الجزء الاول.

تعليق Qisatok

وصلنا لنهاية الموسم الأول من قصتنا الجميلة😊نتمنى تكون نالت اعجابكم و استحسانكم 🙂وتخليوا لينا أرائكم الزوينة فحق القصة والكاتبة ديالنا " Ghazal trust " الله يعطيها الصحة 🌹ونلتقي قريبا مع الموسم الثاني ♡.

شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.