الرجوع إلى القصة
ليلة الخميس
الفصل 4 225 دقائق تقريباً 26/07/2026

الفصل 4

قصة ليلة الخميس الموسم الثاني فجر الأثر بقلم Ghazal Trust
ليلة الخميس الفصل 4 – الموسم 2 – فجر الأثر

مع إشراقة شمسٍ جديدة على أسوار “أنمارة”، لم تكن الخيوط الذهبية التي تسللت عبر المشربيات مجرد ضياء، بل كانت إعلاناً عن فجر عهدٍ لم تعرفه القلعة من قبل. انقشع ضباب الفتنة، وهدأت عواصف المكائد التي كادت أن تقتلع الجذور، ليفسح المجال لزمنٍ يُكتب بمداد الحكمة والسيادة.

لم يكن القصر في ذلك الصباح مجرد حجرٍ ورخام، بل كان كائناً حياً يتنفسُ الصعداء. في “الرياض” الكبير، كان العبيد والخدم يمسحون الأرضيات بماء الورد والزعفران بجدٍّ لا يشوبه خوف، بل يسكنه وقارٌ جديد. فقد علم الجميع أن “الموازين” قد استقامت، وأن في البرج العالي قلباً ينبضُ بذكاء “الجوهرة”، وفي الجناح الفسيح روحاً تسكنها هيبة “الشداد”.

انتهى زمن”المفاتيح”التي تُسمع رنيناً بلا معنى، وبدأ زمن “الكلمة” التي توزن بميزان الذهب. شريفة الآن خلف أبواب خلوتها،واليازية وخيزران عادو لقصرهم حيث يجب ان يكونا وشامة.. شامة التي دخلت غريبة، أصبحت اليوم هي “الروح” التي تحرك هذا الحصن العظيم.

الفصل الجديد: “دولةُ الحكمة”

المكان:الرياض الفسيح

الزمان: ساعة السحر، حيث تمتزج حرارة الشمس مع بردة العشية

أصداءُ الخُطى الصغيرة”

كان الصبي يركض في أرجاء الرياض، يملأ الصمت الذي خلفته العاصفة الأخيرة بضحكاته العفوية. لم يكن يدرك أن موازين القوى في هذا القصر قد تبدلت، وأن أمه شريفة، التي كانت يوماً “سيدةالمفاتيح”، تعيش الآن في ظل عزلةٍ فرضها والده الشداد.

توقف الصبي عن الركض حين وصل إلى جناح أمه. كانت شريفة تجلس والذبول بادٍ على ملامحها، تنظر إلى ابنها بمرارة من فقدت سلطتها ولكنها لم تفقد كبرياءها. احتضنته بقوة، كأنها تتمسك بآخر خيط يربطها بسيادة هذا الحصن.

قالت له وهي تمسح شعره:

“أنتَ يا بني الحصنُ الحقيقي، وأنتَ الذي ستعيدُ لأمكِ هيبتها حين يشتد عودك.”

من الطابق العلوي، كانت شامة تقف خلف المشربية، تراقب الصبي وهو يلعب. لم تكن في عينيها غيرة، بل كان هناك ذكاءٌ حاد يخطط للمستقبل. هي تدرك أن هذا الطفل هو وريث الشداد، لكنها تدرك أيضاً أن “الأثر” الذي تركته على المدينة و في قلب الأمير هو السلطة الحقيقية التي لا تزول بالولادة.

دخل الشداد إلى الرياض، فوقع بصره على ابنه يركض نحو أمه شريفة. سكنت ملامحه، فهو رغم قسوته مع شريفة بسبب سوء تذبيرها لشؤون القصر

لا يزال يرى في ابنه امتداداً لاسمه. التفتت عيناه تلقائياً نحو الشرفة حيث تقف شامة، فتبادلا نظرةً صامتة؛ نظرةً تجمع بين تقديره لعقل شامة، وحنينه لوريثه الوحيد حالياً. على الرغم من صدمة القصر بتجريد شريفة من سلطتها، إلا أن شامة اختارت طريقاً لم يتوقعه أحد؛ فبدلاً من رؤية الصغير كعقبة في طريق طموحها، احتضنته كأنه قطعة من روحها. طيلة السنوات الماضية التي لم تنجب فيها، صبت شامة كل ذكائها وحكمتها في بناء شخصية هذا الصغير، ممدةً إياه بقوة العقل والشطارة التي تمتاز بها. خرج الصغير من جناح امه وهي تتبعه ونظرت اليه بافتخار وابتسامة عذبة.. كان الصغير، ابن الشداد، يركض كغزال بري بين أعمدة الرخام. وبمجرد أن أبصر قوام شامة الرزين يطل من رواق الجناح، تعالت ضحكاته الصافية وانطلق نحوها بأقصى سرعته، يجر خلفه سيفه الخشبي الصغير. ارتمى الصغير في حضن شامة، التي انحنت لتستقبله بابتسامة تفيض حناناً وثقة. بالنسبة له، لم تكن شامة هي “المرأة الأخرى” في حياة والده، بل كانت المنارة التي تمد جسده الغض بقوة العقل، وتعلمه شطارة “أهل الدار” التي لا تُلقن بالسيوف، بل بالدهاء والتبصر.

مسحت شامة على رأسه، ونظرت في عينيه اللتين تشبهان عيني الأمير الشداد، وقالت بصوت هادئ يحمل في طياته دروس السيادة:

“يا صغيري، من يركض بسرعة يجب أن يعرف أين يضع قدمه قبل أن يصل. القوة في الساقين زينة، لكن القوة في الرأس هي التي تحكم القصور.”

رغم أنها لم ترزق بذرية بعد، إلا أن شامة كانت تعتبر هذا الصغير مشروعها الأكبر و”أثرها” الذي تزرعه في مستقبل أنمارة. كانت تراه ابناً لروحها، تمده بصلابة الشخصية التي يحتاجها وريث الشداد، بعيداً عن كيد الصراعات التي كادت أن تهدم البيت مرارا وتكرارا

الشمس كانت ضاربة في وسط الرياض، والصغير ملهي كيجري وكيلعب بسيفه الخشبي، وشامة عينيها عليه بحال الأم اللي كتحمي شبلها. حتى وقف واحد المرسول ملثم عند الباب الكبيرة، باين عليه جاي من طريق بعيدة، وهز يديه فيها واحد الأمانة ملفوفة في ثوب غالي ومسدودة مزيان.

المرسول ما دخلش لوسط الرياض، ولكن مد الأمانة لـ دادة رقية، السيدة اللي كيقدرها الشداد وكتعتبرها شامة بحال الأم ديالها. دادة رقية خذات الأمانة بوقار، ومشات بخطوات ثقيلة وموزونة لجهة شامة اللي كانت جالسة كتبرد تحت الظل.

وصلات دادة رقية لعند شامة، حطت يدها على كتفها بحنان وقالت ليها:

“بنيتي شامة، هادي أمانة جات ليك بالخصوص، والسر اللي فيها ما بغاه يوصل ليد من غير يدك.”

شامة خذات اللفافة، وحست بالثقل ديالها وبديك الريحة ديال العود والمسك اللي خارجة منها. الصغير حبس اللعب وجا كيجري وقف حداها، كيشوف في ديك الأمانة بعينين عامرين فضول. شامة شافت فيه وابتسمت ديك الابتسامة اللي كتعلموا بها “الشطارة” ديال القصر، وخبات اللفافة وسط حجرها بكل هدوء.

مسحات شامة على رأس الصغير بحنان، وبقاو عينيها عليه وهو كيرجع يلعب، وكأنها كتشوف فيه الأمل اللي باغية تعيشو. بابتسامة رزينة، ناضت وطلعات لجناحها، واللفافة بين يديها بحال شي كنز غالي.

بمجرد ما سدات الباب ودخلات لبيتها، بدات كتحل في ديك الأمانة والقلب ديالها كيضرب. ملي حلات اللفافة، لقات كتاب ابن سينا، الطبيب والعالم اللي سبق ورسلات ليه رسالة كتطلب منو المساعدة.

“نورُ الشفاء في أوراق ابن سينا”

شامة ملي شافت أن السنين دازت بلا ما تنجب، قررات تقلب على الحل عند كبار العلماء. ابن سينا ما خيبش ظنها، ورسل ليها كتاب شامل جامع، فيه شروحات دقيقة وحلول لكل المشاكل اللي تقدر تكون كتعاني منها.

بدات شامة كتقلب في الصفحات، وعينيها كيلمعو بنور جديد. الكتاب ما كانش مجرد وصفات، بل كان فيه تفصيل لحالتها وكيفاش تعالج نفسها باش تحقق حلم الأمومة اللي بقى كيتسنى سنين.

شامة عرفات باللي هاد الكتاب هو السلاح السري اللي غيخليها تزيد تثبت مكانتها في القصر. دابا، مابقاش الخوف من “العقم” كيهدد مستقبلها، حيت الحل بين يديها، وبفضل ذكائها وتواصلها مع علماء العصر، غتفتح صفحة جديدة في “فجر الأثر”.

في الجناح اللي كان يوماً ما هو “مركز القرار”، كانت شريفة جالسة فوق واحد “المضمة” د الصقلي، وجها شاحب ولكن عينيها فيهم واحد الشرارة د الحقد اللي ما بغاتش تطفى. الغرفة كانت باردة، وكأن الروح خرجت منها نهار تسحبات “السلطة ” من يدين مولاتها.

كانت دايرة بيها وحدة من الخادمات القدام، “سعدية”، اللي كبرات مع شريفة وعارفة كاع أسرارها. شريفة شادة في يدها كاس د أتاي بارد، وصوتها كان خافت ولكن قاصح بحال الحجر:

شريفة شافت في السعدية وقالت ليها بصوت فيه المرورة

“هه ولينا غراب فدارنا ..والدية رجعات مولات الري والشوار ، السحارة .. سحرات كلشي باش تكون كما بغات ليوم “

الليل رخي سدوله على القصر، وهدوء غريب سكن الأركان من بعد ما أذن العشا في المدينة وبعيد صوته كيردد في الخوا. القصر غرق في صمت مهيب، كل واحد فين ملهي؛ اللي ناعم، واللي حاضي الأبواب، واللي كينسج خيوط المكايد في الضلام.

في الجناح العالي، كانت شامة بوحدها، بعيدة عن ضجيج “الرياض” وصداع الخدم. الجو كان صافي، والنجوم باينة في السما بحال الجوهر مرشوش على ثوب كحل. شامة كانت لابسة لباس خفيف، حرير ناعم كيلمع مع ضو القمر، كيبين رقتها وأنوثتها اللي مخبياها ورا وقار “الجوهرة”.

من بعد ما كملات صلاتها، بقات جالسة فوق السجادة، مقابلة مع السما الصافية. هزات يديها للخالق، وبدات كتدعي بصوت خافت كيرجف بالخشوع:

“يا ربي، يا من بيده ملكوت كل شيء، لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين.. يا ربي ارزقني ذرية صالحة تعمر هاد الدار وتكون ليا سند وأثر من بعدي.”

في ديك اللحظة، سالت دمعة حارة من عينيها، هبطت ببطء على خدها المورّد، وحطات كاع ثقل الصبر اللي صبرته هاد السنين في هاديك القطرة. شامة، اللي كيبان عقلها بحال الصخر قدام الناس، دابا راها بين يدي الله، مجرد أنثى كتحلم بكلمة”أمي”

وسط هاد السكون اللي غارق فيه القصر، تحل الباب د الجناح بهدوء كبير، ودخل الشداد بخطوات رزينا ما كتحسش بيها الأرض. لقا شامة جالسة فوق سجادتها، عاطية بظهرها للباب ومقابلة مع السما، ويديها مهزوزين للخالق والدمعة باقية شادة في رموشها.

وقف الشداد في بلاصتو، وسكت سمع ديك التنهيدة الحارة ودعاءها اللي خارج من أعماق الروح وهي كتطلب الذرية. في ديك اللحظة، تبدلات ملامح الشداد القوية، وارتسمت على وجهه نبرة د الأسى والحزن، حيت حس بالثقل اللي هازة هاد المرة اللي عطاته كلشي وما لقاتش اللي يروي عطش الأمومة في قلبها.

تمشى ببطء حتى وصل لوراها، وجلس القرفصاء باش يكون في مستواها. مد يديه القدام، تحت كفوفها اللي مهزوزين للسما، وكأنه كيسند دعاءها بيديه. نطق الشداد بصوت دافئ ومبحوح يملؤه الوقار والمحبة، وبنبرةٍ تجمع بين قوة الأمير وانكسار المحب أمام الخالق،:

“اللهم يا مجيب السائلين، ويا مؤنس المستوحشين، احفظ لي هذه الجوهرة التي أضأتَ بها عتمة أيامي، وفجّر في قلبها ينابيع الفرح كما أفاضت على حياتي السكينة والرضا. اللهم إنها أعزُّ ما أملك، وسعادتي لا تكتمل إلا بابتسامتها، فصلح حالها بأحسن حال، وارزقها يا ربِّ ما تقرُّ به عينُها وتجبُر به خاطرها، ولا تُرني فيها بأساً يُبكيني.”

جمع الشداد كفوفه مع كفوفها، ووضعهما معاً على صدرها لتشعر بنبضات الوفاء التي يسكنها حبها.

• خاتمة المودة: لم يكتفِ بالدعاء، بل قبّل يديها تقديراً، ثم طبع قبلةً على رأسها، ليكون هذا العناق الروحي أبلغ جوابٍ على دمعتها التي نزلت في سكون الليل.

طلع النهار على جناح شامة، والشميسة بدات كتسلل من المشربيات وترسم خطوط ذهبية فوق الزليج. الجو كان هادئ ومنعش، والشداد وشامة عاد فاقوا على نغمة الطيور اللي في الرياض، والسكينة اللي كانت بيناتهم البارح مازال مضللة على المكان.

“فجرُ الرسائل المباغتة”

هاد الهدوء قطعو الخادم الخاص اللي دق في الباب بكل أدب ووقار، وصوتو فيه نبرة ديال الاستعجال:

“مولاي الشداد، السموحة على هاد الوقت، ولكن كاين مرسول من القصر الكبير وصل مع خيط الفجر، وكيطلب مقابلتك لضرورة قصوى.”

الشداد، اللي ديما واجد للمهمات الصعبة، ناض بسرعة. شافت فيه شامة بعينيها اللي عامرين بالذكاء والحذر، وكأنها كتحاول تقرا في ملامحه شنو غيكون ورا هاد الرسالة الفجرية. لبس الشداد حوايجو الرسمية، القفطان ديال الملف والفرجية المخزنية، وزيّر الحزام ديالو بوقار.

قبل ما يخرج، شاف في شامة ولقى في عينيها قلق مخفي. حط يدو على كتفها وقال ليها بصوت واطي:

“خليك مرتاحة يا الجوهرةديالي، أنا غنزل نشوف هاد الرسالة شنو جايبة معاها،ان شاء الله خير.”

هبط الشداد للدواوين ولقى المرسول واقف وحالته كيبان عليها تعب الطريق والهم اللي هاز في قلبه. غير شاف الشداد، حنى راسه ومد ليه الرسالة اللي كانت مختومة بختم الخليفة الخاص. الشداد حلها بسرعة، وبمجرد ما بدات عينيه كتقرا السطور، حس بالدنيا دارت بيه؛

“بسم الله الرحمن الرحيم،

إلى الأمير الأجلّ، والابن الأبرّ، الشداد بن الخليفة، سدّد الله خُطاه وأعزّ مَسعاه.

أما بعد، فإنّ الله قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه، وإنّ الدار التي نحنُ فيها دارُ ممرّ لا دار مقرّ. نرفعُ إليك هذا الكتاب، والقلوبُ واجفة والأقلامُ باكية، لنُعلمك أنّ مقام أمير المؤمنين، والدك المنصور بالله، قد ثقُل عليه الداء، وحانت من الروحِ لُقية السماء، وهو الآن في أخرياتِ أنفاسه، يتقلّبُ على فراشِ المنون، ويذكرُ اسمك في كل حين.

فالوحا الوحا، والعجل العجل! اترك كل شاغل، واطوِ المسافات طيّاً، وأسرج خيولك نحو دار الخلافة قبل أن ينقضي الأجل، ويجفّ المداد، ويُغلق الباب. فحقُّ الوالد عظيم، وأمرُ الخلافة جسيم، ولا يزالُ في الوقتِ بقيّة لوداعٍ أخير، وعهدٍ يُقطع، وأمانةٍ تُسلّم.

عجّل الله لقاءك بوالدك وهو في خير حال، وألهمنا وإياك الصبر على مقادير الجلال.

والسلام على من اتبع الهدى.”

ختم الديوان: بتاريخ الفجر الصادق.

عينيه كانت كتحرك فوق السطور اللي مكتوبة بمداد الحزن. “الخليفة على فراش الموت”. هاد الجملة كانت كافية باش تخلي النفس تضياق في صدرو. سكت الأمير، وبقى كيشوف في الأفق البعيد، وكأن ذكريات الطفولة في القصر الكبير بدات كتدوز قدام عينيه بحال السراب.

المرسول، بصوت مبحوح وفيه نبرة د الخوف، نطق باش يكمل الصورة اللي ما مكتوباش في الورقة:

“يا مولاي الشداد، الوقت ما كيتسناش. الخلافة دابا بحال عكا مروونة. قادة الجيش واقفين على السوار، والوزراء سادين عليهم البيبان كيتسناو شكون غيكون صاحب الكلمة اللخرة. كاين استنفار كبير، والناس بدات كتهضر في الخفاء.. كاين اللي كيتسنى وصولك باش يبايع، وكاين اللي عينه على الكرسي وكيتسنى غير الغلطة.”

الشداد زير على الرسالة في يدو حتى تكمشات، وشاف في المرسول بنظرة فيها الحزم والأسى:

“الوالد.. واش مازال كينطق؟”

جاوبو المرسول وهو حاني راسو:

“خليته كيذكر اسمك يا مولاي، وكيوصي باللي الأمانة غالية. الدار تما ولات بحال الجمرة، والكل كينتظر خيال خيلك يدخل من باب المدينة قبل ما يسد الموت الكتاب.”

خرج الشداد من الديوان وخطواته تسبق أنفاسه، والرسالة المكمشة في يده كأنها جمرة تحرق كفه. لم يتوجه مباشرة إلى خيله، بل صعد الدرج بخطوات سريعة

دخل للجناح شامة لقى شامة عاد بدات كتجمع سجادتها، ملامحها مازال فيها أثر الخشوع ديال الفجر. غير شافت وجهه والمخطوط اللي مزير عليه في يده، وقف قلبها؛ عرفات بلي هاد “الدخلة” ماشي ديال الخير.

وقف الشداد قدامها، الصمت بيناتهم كان تقيل بحال الجبل، وعينيه كتقول كاع داكشي اللي ما قدرش ينطق بيه لسانه. قلقها خلاه يمد يده ويشد في كتافها، ونطق بصوت فيه هيبة الموقف وحرقة الوداع:

“يا شامة.. الموت دق باب الوالد في الخلافة. هاد الرسالة ما جابتش غير الخبر، جابت معاها حمل الجبال اللي غيتحط على كتافي. خاصني نغادر دابا، قبل ما تطلع الشمس، والمسافة بيننا وبين العاصمة غتولي جمر تحت حوافر الخيل.”

شامة، وخا الصدمة هزات كيانها، بقات واقفة بحال النخلة، شافت في عينيه بنظرة فيها الصبر واليقين، وقالت ليه بصوت رزين:

“سير يا الشداد.. سير لبي نداء الواجب والدم. الوالد محتاج ليك، والخلافة محتاجة لرزانتك. لا تهز هم لهاد الدار، أنا غنكون السد المنيع، وغنحمي أثرك حتى ترجع لينا منصور ومجبور الخاطر.”

غمض عينيه وحرك ليها راسو ويديه مزيرة على كتافها وقبل راسها وخرج على وجه السرعة بلسان مربوط .عطا امر للقائد باش ينطالقو نحو القصر بدون ذكر السبب وبلا ميعرف حتى واحد سبب هاد الخرجة المفاجأة من القصر على الصباح .ركب خيله هوا ووزيره وخلا قائد الجيش وراه حامي القصبة والمدينة وانطلق بحال السهم فمقدمة الفرسان ، كانت عينين شامة من شرفتها متبعة اثره وهوا كيبعد حتى غاب عن الانضار وتنهدات بعمق.ضمت ثديها لصدرها كتتاو الدعاء فنفسها ومسحات على وجهها وهزات راسها ونفسها استعداد لقيادة حجمها اكبر من ان تقودها امرأة

من بعد ما غبر خيال الشداد وسط العجاج، القصبة غرقات في واحد الصمت مريب، بحال الهدوء اللي كيسبق العاصفة. الخدم والحراس بقاو كيشوفو في بعضياتهم، والهمس بدا كيكثر على خروج الامير بهاد الطريقة.

فهاد اللحضة جمعات شامة قواها ووقفات امام دادا رقية وعبيبوش لي مركن فالقنت وقالت

“حنا دابا بوحدنا والعوافي غتبدا تتوقد ، الشداد فطريقو للقصر لكبير ..الخليفة على فراش الموت والخلافة غصها تمد من يد ليد ..وهادي اصعب مرحلة غنعيشو وغندوزو منها ..اثناء تحول الخلافة من يد ليد يكون الخطر كيحيط بالبلاد من كل جهة والخبار كتوصل بحال البرق ولي عينو علينا هادي فرصته الذهبية ،وحنا علينا عيون كثيرة ومدسوسين فقلبنا جواسيس الممالك المجاورة .. وحتى الخوارج “القبائل المتمردة..وربما يكونو عندنا اعداء كيضحكو فوجههنا ومزال ماكشفناهم.خصنا نكونو جاهزين لأي سطو او اي اغتلال..وماتنساوش بلي بيناتنا الورقة لي تقدر تلوي يد الشداد..”عَلي” الامير الصغير مهمة ديالك ادادا متغفلش عينك عليك وميخرجش للرياض..

تزعز الخوف فعيون دادا رقية من هاد الكلام وقالت

“شريفة والخدم ديالها مكيخليونيش ختى نقرب منو”

ردت شامة بحزم

“هادا امر..ولي خالف الامر حسابو عسيير ومغنرحم حتى واحد”. علي غتجيبيه لهنا للبرج يبعد على اي مشكل واجهناه قطريقنا “

شافت فعبيبوش وقالت بحزم

“نتا عيني وشوف ليا البعيد قبل من القريب اعبيبوش ..ماترمش مايغمض ليك الجفن سمعتي.. وسير دابا قول لقاسم”القائد” يتسناني فديوان انا نازلة عندو دابا

تهز القصر بريح عاتية من الخوف.. ونزلات دادا رقية بحزم للرياض لقات علي كيلعب وشارت براسها للعبيد يطلعوه للبرج للمكان لي وصات بيه شامة.لاكن خدم شريفة امتانعو ودخلات وحدة عندها للبيت كتجري وتلهت وقفاتها بالخبار لي سمعات ..طيحات شريفة المرشة من يدها وخرجات كتجري لقات طيف علي مابقاش كيدور فالرياض ومشات كتجري طالعة فالدرج عند شامة لاكن لقاتها نازلة بخطوات تقيلة وواثقة، لابسة قفطان فيه تطريز “نطع” أصيل كيعكس الضو ديال العشية، ودايرة لثام خفيف كيبين غير عينيها اللي وراهم دهاء سنين

قربات منها شريفة بعيون اللبؤة الشرسة وبصوت تسمع فجميع الارجاء قالت

“لقيتي الفرصة فين تخرجي سمك اللفعة فييين ولدييي؟؟؟ في ديتيه ؟؟؟؟”

هزات شامة راسها شافت فيها وقالت بصوت حاد”

غتبعيه دااابا ومنسمعش صوتك اشريفة ولا غنسد عليك فشي قبر بووحدك حتى يرجع الشداد..

شارت براسها للعبيد لي وراها

“الوافي…طلعها للبرج والى خرج صوتها ماتلوم غير راسها”

خرجو لعبيد ورا ضهر شامة شدو شريفة وطلعوها كتغوت وتدعي الله فشامة حتى وصلوها للبرج للمكان المعلوم ودخلوها عند علي هي وخدمها ودادا رقية على راسهم واقفة وسدو عليهم من برا ووقفو حدا الباب.

اما شامة نزلات للديوان فين كان القائد قاسم واقف حادر الراس بلباسو الرسمي وقدم ليها تحية واجلال ..وتكلمات من تحت نقابها بحزم وصرامة قائلة

“يا قاسم! الأمير الشداد ما غادرش باش يخلي الدار خلا، غادر وهو مأمنني على كل شبر في هاد القصبة. من هاد الساعة، الأبواب ما تحلش، والأسوار تولي عندها عيون ما كتنعس. اللي غيدخل بشبر، يخرج بذراع، والكلمة هنا كلمتي حتى يرجع سيدي الشداد ومنصور”.

حدر القائد راسو

“امرك الاللة “

شامة:

جمع الجيش اقاسم..وقسمو على ثلاتة ..فرقة طوق بيها القصر من كل جهة ..فرقة تفرق فالمدينة ولي تسمع حسو ولا غيير نوا يشعل الفتنة بين الناس علق راسو على بواب السوق باش يبقا عبرة. وفرقة زيدها على اطراف القبايل وشدد الحراسة . ومترحم حتى وا حد خرج على الطوع بحرف

نزل قاسم راسو

“امرك الاللة شامة…حسبيه تنفد”

شامة كانت عارفة بلي “السم” كيتطبخ في الكواليس. وقبل ما يطيح الظلام،وقفات لعريفة قدامها بأمر تأمين المونة كأنها كتستاعد لحصار طويل ومنعات اي تداخل بين القصر وخارجه لمنع المراسلات السرية .

القصر لي كان مرخي وهاني فحضور الشداد تجمع فقبضة وحدة ..كان احساسها كيقوليها بلي هاد النقطة لي كيبدا فيها التحول هي نفس النقطة لي كيتسناوها العديان باش يبداو فيها التحول المنتضر عندهم.

قبل ما تغرب الشمس، دخلت شامة لـ “بيت الحكمة” (المكتبة) وبدات كتقلب في المخطوطات اللي عندها علاقة بتحركات القبائل المجاورة. كانت حاسة بلي الخطر ماشي غير من الداخل، وبلي كاين اللي كيتربص بالقصر من برا ..والشداد لي كان كيشاركها هم الحكام كان كيعطيها نقط بحال اللغز صعيب على اي واحد يحلهم ..ومن بين هاد النقط النفق السري لي كان منعو عليها تعرفو

شعلت الشموع وبدات كتحل المخطوطات والخرائط اللي رسمها الشداد بيديه، ذوك المخطوطات اللي كان كيعتبرهم أسرار الدولة. كانت عينيها كيطيرو بين السطور، كتقلب على شي إشارة، شي لغز من ذوك الألغاز اللي كان كيقول ليها في لحظات الصفاء: “يا شامة، القصر اللي ما عندوش عرق تحت الأرض، كيطيح مع أول ريح من الفوق”.

لغزُ النفق.. ومفتاحُ الأثر”

وقفت شامة قدام واحد الرف قديم، وتفكرت نهار منعها الشداد تقرب لواحد الجهة في المكتبة. كان ديما كيقول ليها بلي كاينين أسرار “ثقيلة” على قلبها، ومن بينها النفق السري. ولكن دابا، وهي “ابنة سلطان” وحاكمة القصر في غياب السبع، عرفت بلي هاد النفق هو اللي غيكون الخلاص أو القبر.

حطت شامة خريطة تحركات القبائل، وبدات كتقارنها مع تقسيم جدران المكتبة. لاحظت بلي كاين واحد التناقض في القياسات اللي كان كيشرح ليها الشداد. “النفق” ماشي غير طريق للهروب، بل هو عين كتطل على برا. بدات كتحس بالخطر كيتحرك في الظلام؛ القبائل المجاورة اللي كتربص بالقصر ما غتنتظرش بزاف، والتحول اللي خافت منه بدأ كيوقع في هاد اللحظات

بينما هي غارقة في الورق، سمعت حس خفيف وراها. كان صوت خطوات “دادة رقية” اللي دخلت بخوف وهي هازة فانوس:

“يا بنتي.. راه قاسم رسل مرسول قالك ردو بالكم راه الشياط ناض فلحدود والخيل فطريقها للقصر وراه كيديرو جهدهم “

شامة ما ارتبكتش. سدت المخطوط بجهد، وقفت بوقار الملوك، وقالت بصوت حازم:

جيبي شريفة وعلي وكاع اهل القصر..جمعي كلشي تحت سقف واحد وتسناي مني الاشارة

حبست شامة أنفاسها وهي كتحس بلي الوقت كيهرب من بين يديها، وعينيها كيمسحو جدران “بيت الحكمة” بعناية. كانت عارفة بلي الأمير الشداد، بذكائه ودهاءه، ما غيحطش مفتاح النفق في مكان باين لأي حد.

شفرة “القانون”:

اتجهت شامة مباشرة للرف اللي فيه كتب الطب والعلوم، وبالضبط للمجلدات الضخمة ديال ابن سينا اللي كانت سولات الشداد على تاريخها من قبل. جرت واحد المجلد قديم، ولاحظت بلي الجدار اللي وراه فيه نقش صغير كيشبه لعلامة “الأثر” اللي كتميز ختم الشداد.

ما كانش مفتاح حديدي، بل كان “زناد”مخفي وسط نقش حجري على شكل نخلة. شامة تفكرت كلام الشداد على “الجذور اللي كتحمي الشجر”، وحطات صبعها على أصل النخلة المنقوشة وبركات بقوة. في ديك اللحظة، تسمع صوت احتكاك الرخام، وبدات واحدة من الخزائن الثقيلة كتحرك ببطء باش تبين فتحة ضيقة مظلمة كيهبط منها درج حجري غارق في لرض.

وقفت شامة قدام مدخل النفق، والريح الباردة اللي خارجة منه حركت لثامها. كانت عارفة بلي هاد النفق يقدر يكون هو الخيط اللي غيوصلها لبر الأمان ولكن في نفس الوقت، هو سر دولة خلاه الشداد في ذمتها.

الحسم قبل الحصار:

خرجات شامة من بيت الحكمة كتجري وصوت السيوف على برا بدا كيعلا.. لقات كلشي كيرجف لداخل فبلاصتو وباشارة من راسها جمعات رقية اهل القصر وبداو كيطلعو فيهم بالواحد باش متنوضش لقتيلة فالدروج وسبقو شريفة لي وجهها رجع صفر ويدها على ولدها ماكتفارقوش.

بين هاد الزحام والخوف والرعب دخل عبيبوش بين الرجلين عرقان حتى وصل لقدام شامة وقال كلهت

“هادا يوم الحشر.. والعدو فالباب كيتسنا داك الباب يطيح “

شافت شامة وراه فالرعب لي طالعين بيه اهل القصر وخوات ليه الطريق وقالت

“عبيب… ها المخرج ونتا ترد البال..راه النفق مليان اسرار وفخاخ دارهم الشداد..وها المخطوطة لي تخرجكم لبر الامان “

شد عبيبرش المخطوطة وقال بعيون خارجة

“ونتي الاللة مغتمشيش معانا؟؟

هزات راسها وقالت

“القايد مكيهربش من المعركة .. سير دغيا ودير فبالك بلي النفق مليان فخاخ “

“العبورُ المرّ.. ورهانُ الجوهرة”

بدأ أهل القصر كيهبطوا في النفق واحد بواحد، تحت ضو الفنانيس اللي كيرجف، مخليين وراهم جدران “بيت الحكمة” كتودعهم. شريفة، وخا الحقد اللي كان بينها وبين شامة، شافت فيها واحد النظرة أخيرة فيها عجب وخوف، قبل ما تغبر في ظلام النفق وتبسمات ليها ابتسامة كلها امتنان ، صافت فيها شامة بنفس النضرة وشارت ليها براسها وسدات النفق من برا ورجعات الخزانة لبلاصتها والمجلد بلاصتو وبقات شامة واقفة وحيدة فديك المكتبة . مشات مباشرة هزات ورقة وقلم وكتبات مرسول للشداد

“إلى سيدي وقرة عيني، الأمير الشداد..

اعلم يا أبا علي، أنني تركتُ ‘بيت الحكمة’ وأنا أحملُ في صدري يقين الملوك. لا تلتفت وراءك، ولا تجعل الخوف على من تركتهم في القصر يثني عزمك عن بلوغ العرش.

بفضل الله، وبما وهبتني من لغز ‘الجذور’، عثرتُ على سرِّ النفق. لقد أودعتُ فيه أهلك وحُبابك، وعلى رأسهم شريفة وابنك علي، رفقة عبيبوش والمخطوطة التي رسمتَها بيمينك. هم الآن في ذمة الأرض، يسيرون نحو بر الأمان تحت حماية أسرارك وفخاخك التي لا ترحم الخائنين.

يا شداد، القصرُ قد يُقتحم، والجدرانُ قد تتهدم، ولكن ‘الأثر’ لا يُمحى. كمل طريقك للقصر الكبير، ولا يشغلنّك أمرنا. خُذ الخلافة بحقها، واجعل الفجر يبزغُ من جديد. إن نلنا الشهادة، فموعدنا الجنة، وإن كُتبت لنا الحياة، فسأنتظرك تحت ظلال النخيل كما وعدتني.

استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه..

جوهرتُك وشامةُ قلبك.”

جناحُ الأثر.. وصقرُ الشداد”

النداء الأخير:

بعدما ختمت شامة الرسالة، لم تتجه نحو الحمام الزاجل العادي، بل خرجت إلى الشرفة العالية الملحقة بـ “بيت الحكمة”. صفرت صفرة حادة ومتميزة كانت قد تعلمتها من الشداد في لحظات تدريبه لصقره المفضل “كاسر”.

من فوق أعلى برج في القصبة، انقضَّ الصقر “كاسر” كالسهم المخترق لظلام الليل، وحطَّ بجبروت على معصم شامة المحمي بجلد سميك. عيناه الثاقبتان كانتا تعكسان ضوء الفنانيس وكأنه يفهم حجم الكارثة التي تحيط بعرين صاحبه.

ربطت شامة الرسالة بإحكام في ساق الصقر، وهمست في أذنه وهي تمسح على ريشه:

“يا كاسر.. أنت عينه التي ترى، وقلبه الذي ينبض هنا. طر يا حر، ولا تحطّ إلا فوق كتف سيدك. أخبره أن الجوهرة صامدة، وأن الأمانة في طريقها للنور.”

بضربة جناح قوية، طار الصقر مخترقاً سحب الدخان المتصاعدة من أطراف القصر، محلقاً فوق رؤوس الأعداء الذين لم يتخيلوا أن هذا الطائر يحمل مصير دولة بين مخالبه.

بينما كان الشداد ينهب الأرض نهباً بخيله في طريقه نحو العاصمة، والريح تضرب لثامه بعنف، اخترقت صمت الليل صيحة سماوية مألوفة لديه. رفع رأسه ليرى ظلاً أسود يمزق السحب؛ إنه “كاسر”، صقره الذي لا يتركه إلا في الشدائد.

لم ينتظر الشداد طويلاً، بل مدَّ ذراعه بقوة ليحطَّ عليها الصقر وهو يلهث بضربات جناحيه. أحس الأمير بنبضات قلب الطائر المتسارعة، وكأن الصقر يحمل معه رعب الليلة التي عاشتها القصبة. لمح تلك الأمانة المربوطة بعناية في ساقه، فانتزعها بقلبٍ يرتجف لأول مرة في حياته.

فتح الشداد الرسالة تحت ضوء النجوم، وبدأ يقرأ كلمات شامة التي لم تكتب بمداد، بل بدم الكبرياء:

• أخبرته أنها وجدت سر “النفق السري” الذي كان قد منعه عنها خوفاً عليها.

• طمأنته بأنها أودعت أهله، وعلى رأسهم زوجته الأولى شريفة وابنه علي، في ذمة الأرض وتحت حماية فخاخه.

• والصدمة التي جعلت السيف يهتز في يده هي قرارها بالبقاء وحدها لتواجه العدو وتحمي ظهر الفارين.

بركانُ الغضب:

عندما وصل الشداد إلى جملتها الاخيرة أطبق يده على الرسالة حتى كاد يمزقها. اشتعلت عيناه بنارٍ لم يرها فرسانه من قبل؛ فكيف يذهب ليحكم أمة وهو يترك “جوهرته” وابنة السلطان تواجه الموت وحدها لكي تمنحه هو العرش؟

“الخلافةُ التي تُبنى على جثة شامة هي لعنةٌ لا ملك! العرشُ ينتظر، ولكن الجوهرةُ تحترق. عودوا.. فاليوم نُطهر العرين أو نُدفن فيه!”

“خاتمُ البيعة.. وصرخةُ العودة”

وقف الشداد وسط الغبار، وعيناه متبتة على الرسالة اللي جابها “كاسر”. نادى على قائده الوفي (لي كيعتبره دراعه اليمين)، ونزع من صبعه “خاتم الإمارة”حط الخاتم في كف القائد وقال ليه بصوت كيرعد:

“يا ناصر! خُذ هذا الخاتم، فهو لساني الذي ينطق، ويدي التي تبطش. طر به إلى دار الخلافة، وقف في صحن البلاط وقفة الأسود، وأسمع القاصي والداني ما أقول: إن الأمير الشداد آتٍ لا محالة، والجوهرةُ على يمنه، والسيفُ في يساره”.

ثم أردف بنبرة تقطر هيبة، ليبلغ الرسالة بالحرف كما طلبتِ

“بلّغهم عني: مَن ثبّت البيعة وأوفى بالعهد، فقد أمنَ نفسَه ومالَه، وله عندنا مَقامٌ مَحمود وجزاءٌ مَوفور. ومَن غرّته الدنيا وخانَ الأمانة، فليستعدَّ لغضبةِ من لا ينامُ على ضيم.. فوالله، إنّ راس من خانَ اليوم، تحتَ قدمي غداً”.

أرخى الشداد يده، وأشار لناصر بالرحيل:

“امضِ يا ناصر، واجعل الخاتم يسبقك إلى القلوب قبل الرؤوس. الفجرُ موعدنا، والبيعةُ لمن صدق”.

بينما كان الشداد يطوي الأرض كالإعصار في اتجاه القصبة، والرسالة التي حملها الصقر “كاسر” لا تزال تحرق صدره، لمح من بعيد غباراً كثيفاً لفارس يترنح فوق جواده. توقف الجيش فجأة، فإذا به أحد حراس القصبة الأوفياء، وجهه مغطى بالدم والتراب، وعيناه تفيضان بالانكسار.

“نصلُ الفجيعة.. والرهانُ المفقود”

سقط المرسول عند قدمي فرس الشداد، وبصوت مخنوق بالأسى قال:

“يا مولاي.. عظم الله أجرك في الأوفياء. قاسم، قائد حرسك، استشهد وهو يذود عن الباب الأخير.. لقى ربه وسيفه في يده. أما القصر.. فقد اقتحموه، وشامة.. الجوهرة.. أخذوها رهينة قبل أن نتمكن من صد الغدر.”

تسمر الشداد في مكانه، وكأن الأرض انشقت تحت قدميه. استشهاد قاسم كان طعنة في كبريائه العسكري، لكن اختطاف شامة كـ “رهينة” كان الزلزال الذي هز أركان روحه.

“قاسم لم يمت، بل سبقنا إلى الجنة. أما شامة.. فوالله الذي رفع السماء بلا عمد، سأجعل الأرض تحت أقدام خاطفيها جحيماً، ولن أجلس على عرش الخلفاء الراشيدين حتى أستردّها أو أُدفن في أثرها.”

كسر “درع الشرعية” (التحالف السياسي)

شامة ليست مجرد زوجة، بل هي ابنة السلطان. باختطافها، يسعى الأعداء إلى ضرب عصفورين بحجر واحد:

• إذلال الشداد: إظهاره بمظهر الحاكم العاجز الذي لم يستطع حماية “حرمة” بيته، مما يضعف هيبته أمام القبائل والفقهاء في العاصمة.

• تسميم العلاقات: محاولة إحداث فتنة بين الشداد وصهره السلطان (والد شامة)، وتحميل الشداد مسؤولية ضياع ابنته، مما قد يؤدي لفسخ التحالف العسكري الذي يضمن للشداد العرش.

2. شامة هي “العقل المدبر” (القائد الظل)

الأعداء يدركون أن شامة هي التي كانت تدير شؤون القصبة بذكاء وحزم في غياب الشداد.

• هي من نظمت تأمين المؤونة وأحكمت قبضتها على القصر قبل الحصار.

• هي من اكتشفت “سر النفق” وأنقذت الوريث الوحيد (علي) وبقية أهل البيت.

• الهدف: تغييب شامة يعني تجريد الشداد من “مستشاره الأول” وعقله الحكيم، مما يتركه وحيداً في مواجهة الصراعات السياسية المعقدة.

3. استخدامها كـ “رهينة مقايضة” (الابتزاز العالي)

الخاطفون يعلمون أن الشداد هو الابن والوريث الوحيد حالياً.

• وجود شامة في قبضة العدو يعني أن الشداد سيضطر للتفاوض من موقف ضعف.

• قد يطالب الخاطفون بتنازل الشداد عن العرش، أو تسليم مناطق استراتيجية، أو حتى الاعتراف بشرعية “الوزير الطامع” أو “القائد المتمرد” مقابل حياتها.

4. إلهاء الشداد عن “كرسي الخلافة”

هذا هو السبب الأكثر خبثاً؛ فبينما يطير الخاتم مع القائد ناصر نحو العاصمة لتثبيت البيعة، يهدف اختطاف شامة إلى جرّ الشداد بعيداً في رحلة مطاردة وانتقام.

• كل دقيقة يقضيها الشداد في البحث عن “أثر” شامة، هي دقيقة يمنحها للخونة في العاصمة لترسيخ أقدامهم وبناء تحالفات جديدة ضده.

باختصار: شامة هي “نقطة ثقل” الميزان؛ فمن يملكها يملك الضغط على قلب الشداد وعلى شرعية حكمه.

“باسم الله متمم النعم ومجري القلم..

إلى حضرة المقام العالي، والصدر الرؤوف، صهرنا السلطان عباس؛ حامي الذمار وناشر العدل في الأقطار.

أما بعد، فإنّي أكتبُ إليك والقلبُ يقطرُ دمشقياً، واليدُ تقبضُ على جمرِ المصاب. اعلم يا عماه، أنّ ‘الجوهرة’ شامة، ابنتكم المصونة وريحانة قلوبنا، قد أثبتت في غيابنا أنها ابنة سلاطين لا يُشقُّ لها غبار؛ فبينما كانت نيران الغدر تلتهمُ أبواب القصبة، وقفت هي وقفة الأسود، فأنقذت العرض والنسل، وأمّنت أهل بيتنا في ذمة الأرض، وبقيت هي في الميدان تذودُ عن حياضنا بذكائها وشجاعتها.

يا سلطان الزمان، إنّ الخيانةَ قد طالت العرين، واستُشهد في سبيل ذلك القائد الوفي قاسم وهو مقبلٌ غير مدبر. وبكلِّ أسى يُدمي الفؤاد، نُعلمكم أنّ شامة قد وقعت في يدِ الغدر رهينةً، أرادوا بها كسرَ شوكتنا، ومساومتنا على عرشِ الآباء.

وعليه، فإني قد حلفتُ بالذي رفع السماء، ونذرتُ لله نذراً، أني لن أعتلي منصة الخلافة، ولن يهنأ لي مرقد، حتى أستردَّ ‘الأثر’ وأُعيد الجوهرة إلى دارها عزيزةً مكرّمة، أو أُلحق بجيوشي في الثرى. إننا اليوم لا نطلبُ النصرةَ لابنةٍ فحسب، بل لشرفِ دولتين، وعزةِ بيتين.

فلتُسرج خيلكم، ولتُفتح عيونُ رصادكم؛ فإنّ عدونا واحد، ودمنا واحد، والموعدُ قادمٌ لا محالة تحت ظلال السيوف.

استودعناكم الله، وجعلنا لثارنا مخرجاً قريباً..

ابنكم وناصركم: الأمير الشداد.”

“باسم القهار، كاسر الجبابرة وناصر المظلومين..

إلى ولدنا العزيز، وبطلنا المغوار، الأمير الشداد؛

وصلنا كتابك الذي يحملُ ريحَ الغدر ومرارةَ الفقد، وإنّنا إذ نعزيكم ونعزي أنفسنا في استشهاد القائد الباسل قاسم، لنعلمُ يقيناً أنّ دماء الأوفياء هي الزيتُ الذي يوقدُ سراجَ النصر. أما عن ابنتنا شامة، فقد أثلجت صدورنا ببطولتها؛ فهي ابنةُ سلطانٍ ما ركعت لغيرِ خالقها، وإنّ وقوفها في وجهِ الأعداء لتأمين أهل بيتك هو فخرٌ سيُكتب بماء الذهب في تاريخ بيتنا.

يا شداد.. لا يرتجف لك جفن، ولا يهن لك عزم. إنّ شامة ليست رهينةً في يد شرذمةٍ من الخونة، بل هي وديعةُ الله التي سنستردها بحدِّ الصوارم. اعلم أنّ جيوشنا قد تحركت بمجرد جفاف مداد كتابك؛ خيلنا تنهشُ الأرض، وعيوننا ملأت الفيافي والقفار لتتبع ‘الأثر’.

إنّ العرشَ الذي تطلبهُ هو حقُّك، والجوهرةُ التي تنشدُها هي شرفنا. ولن نضعَ سيوفنا في أغمادها، أو نكتحلَ بنومٍ، حتى تقعَ رؤوسُ الغدر تحت أقدامنا، وتعودَ شامة لعرشها كالملكة المتوجة بالصبر والظفر.

سر على بركة الله، فنحنُ من خلفك وعن يمينك، والملتقى قريبٌ تحتَ راياتِ النصر..

والدكم وحليفكم: السلطان عباس بن منصور”

“إلى الأمير الشارد، الشداد بن الخليفة..

أما بعد، فقد أوقعتك الأقدار في فخٍّ لا مخرج منه، وأصبحت ‘جوهرتك’ التي تفاخر بها بين يديك مجرد رهينة تحت رحمة نصالنا. إن شامة، ابنة السلطان وزوجة الأمير، هي اليوم خيطٌ رفيع بينك وبين الملك الذي تنشده.

إن كنتَ حريصاً على أن يظلَّ نَفَسُها يتردد في صدرها، وأن تعود إليك دون أن يمسّ خمارها سوء، فاسمع لقولنا ونفّذ أمرنا:

أولاً: التنازل الرسمي والعلني عن حقك في العرش، وإرسال خاتم الخلافة إلينا مع رسولك ‘ناصر’ قبل وصوله للبلاط.

ثانياً: سحب جيوشك وجيوش صهرك السلطان من كافة الثغور، والاعتراف بالولاية لمن بايعه أعياننا في الخفاء.

ثالثاً: الرحيل بعيداً عن حدود ‘أنمارة’ ونسيان أنك كنت يوماً وريثاً لهذا الملك.

ولتعلم يا شداد، أننا لا نلهو؛ فمع كل شروق شمسٍ يمضي وأنت في عنادك، سيفقد العرش قطعة من هيبته، وستفقد أنت الأمل في رؤية وجه شامة مجدداً. الملكُ عقيم، والنساءُ كُثر، فاختر لنفسك: إما تاجاً من ذهب فوق جثة، وإما حياةً في الشتات مع امرأتك.

المهلةُ ثلاثة أيام، والجوابُ هو حضورك وحيداً لمكان ‘الأثر’ الذي سيعلمه رسولنا.. وإلا فالسلامُ على الجوهرة.”

بعد شهور من المسير في دهاليز النفق التي لا تنتهي، حيث يختلط الوقت ويضيع الفرق بين الفجر والغروب، بدأ النور يتسلل أخيرًا من بين شقوق صخرية في نهاية المسار المظلم. كان عبيبوش يتقدم الركب، يده تقبض بقوة على المخطوطة التي ائتمنته عليها شامة، وجسده الذي هزله الجوع والتعب يحمل ثقل مسؤولية أهل القصر الذين استودعهم الشداد في “ذمة الأرض”.

“الخروج من جوف الأرض”

انفاسُ الحرية:

بمجرد أن دُفعت الصخرة الأخيرة، انبعثت ريحة الهواء النقي الممزوجة برائحة التراب المبلل. وضوء الشمس اللذي اعما عيونهم بعد ليل طويل ،خرجت شريفة أولاً، وهي تحتضن ابنها علي الذي كبرت ملامحه وسط الظلام؛ نظرت إلى السماء بعينين دامعتين، وابتسامة امتنان لم تفارق وجهها وهي تتذكر تضحية شامة التي سدت خلفهم باب النفق لتهبهم الحياة.

• نفاذُ المونة:

كانت الأكياس التي حملت “المونة” التي أمرت شامة بتأمينها قد فرغت تمامًا؛ لقد عاشوا على الحصص القليلة من التمر والماء، متبعين تعليمات المخطوطة التي رسمها الشداد بيديه لتفادي “الفخاخ” التي ملأت المسار.

• عبيبوش.. الحارس الأمين:

وقف عبيبوش يمسح العرق والغبار عن وجهه، ونظر إلى القافلة الصغيرة التي نجت من “يوم الحشر”. لقد تحول من مجرد خادم إلى قائد للناجين، يراقب الأفق بحذر مخافة أن يكون الأعداء قد ترصدوا لمخرج النفق السري.

• الأثرُ الباقي:

رغم النجاة، كان الصمت يطبق على الجميع؛ فكل خطوة نحو الضوء كانت تذكرهم بالثمن الذي دُفع في القصر، وبـ “الجوهرة” التي بقيت وحيدة هناك لتواجه المصير.

خرجوا إلى مرجٍ واسع بعيدٍ عن أسوار القصبة، حيث بدأت ملامح الحياة تعود لأطرافهم المتعبة. شريفة، التي كانت وجهها قد استحال صفراً عند الدخول، استعادت وقارها ونظرت نحو الطريق المؤدي إلى “القصر الكبير”، وكأنها تنتظر وصول الشداد أو خبرًا عن “شامة” التي أنقذتهم من الهلاك.

في قانون الملوك والأساطير، العرش لا يضيع ما دام “صاحب الحق” يحمل خاتمه في قلبه قبل يده. ورغم أن القصر وقع في يد الغدر أثناء غياب الأمير، إلا أن استعادة الملك ليست مستحيلة، بل هي معركة تعتمد على ثلاثة أركان:

1. سلاح “الشرعية” والخاتم

الشداد لم يخرج من المعركة صفر اليدين؛ فقد أرسل قائده الوفي ناصر ومعه “خاتم الإمارة” إلى العاصمة. هذا الخاتم هو “اللسان الذي ينطق” باسمه أمام الوزراء والفقهاء. إذا وصل ناصر وثبّت البيعة في البلاط، فإن من يسيطر على القصر حالياً يعتبر “غاصباً” ومجرماً في نظر القانون والدين، مما يسهل تأليب الرأي العام والجيوش ضدهم.

2. تحالف “الدم والنسب”

الشداد يمتلك الآن قوة ضاربة تتمثل في جيش صهره السلطان عباس (والد شامة). هذا التحالف ليس سياسياً فقط، بل هو تحالف ثأر. السلطان عباس أعطى أمره بتحريك الخيول لنهش الأرض وتطويق المتمردين. القوة العسكرية المشتركة بين الأمير والسلطان كفيلة بسحق أي “عرش” بُني على الخيانة.

3. رمزية “الجوهرة” الصامدة

رغم أن شامة رهينة، إلا أنها تظل المفتاح؛ فصمودها داخل الأسر يمنع الأعداء من إعلان انتصار كامل. الأعداء حاولوا مساومة الشداد على العرش مقابل حياتها، مما يثبت أنهم يدركون أن وجودها “حية” هو الخيط الرفيع الذي يمنع الشداد من حرق الأخضر واليابس.

• هيئة الناجين:

خرجوا من جوف الأرض كأنهم بعثوا من جديد؛ الوجوه شاحبة غطاها غبار الدهاليز، والأعين تدمع من قسوة ضوء الشمس بعد شهور من العتمة. وقفوا في ذلك المرج الواسع، أجسادهم هزيلة من أثر الجوع بعد أن نفدت “المونة” تماماً، لكن هيبتهم كأهل بيت الأمير الشداد لم تكسرها الرحلة.

كانت شريفة (الزوجة الأولى) تحتضن ابنها علي بقوة، وكأنها تخشى أن يبتلعه النور كما فعلت الظلمة. ملامح الصبي تغيرت، فقد كبر في النفق شهوراً جعلت في عينيه نظرة كبار السن. أما عبيبوش، فقد وقف كالسد المنيع، يده لا تفارق المخطوطة التي ائتمنته عليها شامة.

اجتمعوا في حلقة ضيقة، والريح تداعب أثوابهم الرثة. لم يكن طريق “القصر الكبير” سهلاً، وهم في هذه الحالة من الضعف والنحل.

• خيار الانتظار: كان مستبعداً لأن المونة نفدت، والبقاء في العراء يعرضهم لخطر العيون المترصدة.

• خيار التوجه للقصر: مخاطرة كبرى؛ فمن يدري من يسيطر على الطريق الآن؟

هنا تجلى ذكاء عبيبوش الذي استلهمه من تدريبات الشداد. قرروا عدم التحرك بالقافلة كاملة؛ بل اختار عبيبوش أكثر العبيد خفةً ودهاءً، وأمره أن ينزع ثياب القصر ويلبس أسمال الفقراء، ليتسلل نحوالقصر “يتفقد الأثر”.

قالت دادا رقية والفمها نشف من الماء وجسدها هلكو العياء

“سيير..القصر مابقا ليه غير شي خطوات…سير شوف واش رايات الشداد علات فالسما “

بعد انقضاء تلك الشهور الثقيلة، لم تعد شامة هي تلك المرأة التي غادرت مكتبة “بيت الحكمة”؛ لقد صهرها الأسر في كير المعاناة لتخرج منه سبيكةً من الصمود والكبرياء العباسي.

“جوهرةٌ خلف القضبان”

رغم طول الأمد، ظلت شامة محتفظة بوقار الملوك؛ فوجهها الذي لفه الشحوب من قلة الزاد وضيق المحبس، لا تزال تسكنه عينان تقدحان ذكاءً وتحدياً. ثيابها التي كانت تليق بابنة سلطان قد نالت منها غبرة الأسر، لكنها كانت ترتدي كرامتها كأبهى حلة، رافضةً أن تظهر بمظهر الانكسار أمام سجانها.

لم يفلح الخاطفون في كسر شوكتها رغم محاولات الابتزاز والتهديد. كانت تقضي ليلها في استحضار خطط الشداد ودروس التاريخ، محولةً زنزانتها إلى “غرفة عمليات” ذهنية، تراقب تحركات الحراس وتزرع الشك في نفوسهم بدهاء، مستغلةً معرفتها العميقة بالسياسة وأثرها.

كانت شامة تقتات على اليقين؛ اليقين بأن الشداد لن يترك “أثره” للضياع، وأن النفق الذي أمّنت عبره أهل البيت (شريفة وعلي وعبيبوش) هو جسر النجاة الذي سيعود منه النصر. كلما سمعت صرخة صقر في السماء، رفعت رأسها عالياً، وكأنها تخاطب “كاسر” وتوصيه بأن يبلغ الشداد أن الجوهرة لا تزال تلمع رغم العتمة.

كان الخاطفون يظنون أنهم يملكون “رهينة”، لكنهم اكتشفوا أنهم يملكون “بركاناً”؛ فهي لم تكن تتوسل من أجل حياتها، بل كانت تحذرهم من غضبة الشدادووالدها السلطان عباس، مذكرةً إياهم بأن العرش الذي يطمعون فيه سيتحول إلى رماد تحت أقدامهم.

دخل قائد الخاطفين إلى محبس شامة، ويداه ترتجفان والرسالة التي تحمل رد الشداد تكاد تسقط من كفه. كان الارتباك يملأ وجهه؛ فقد ظنوا أن تهديد حياة “الجوهرة” سيجعل الشداد يركع، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام “سبع” أقسم أن يجعل الأرض تحت أقدامهم جحيماً.

رفعت شامة رأسها ببطء، رغم وهن جسدها من طول الأمد في الأسر، ونظرت في عيني القائد بنظرةٍ تخترق الروح. لم تنطق بكلمة في البداية، بل تركت الصمت الثقيل ينهش ما تبقى من شجاعته الزائفة.

حين رأت الرسالة المحطمة في يده، ابتسمت ابتسامةً باردة وقالت بصوتٍ واثق:

“أرى في عينيك غبار الهزيمة قبل أن تبدأ المعركة. هل ظننتم حقاً أن الأمير الشداد يبيع ملك الآباء بوعيد الجبناء؟ لقد أخطأتم القول وأسأتم التقدير؛ فابن الخلفاء لا يساوم على شرفه، والعرشُ دونه رقابٌ تُقطع”.

استغلت شامة ارتباكه لتزيد من رعبهم، مخاطبةً فيه غريزة الخوف:

أنتم الآن لستم خاطفين، بل أنتم طرائدُ في فكيّ كماشة. كل دقيقة تقضونها وأنا هنا، هي مسمارٌ جديد في نعوشكم”.

تراجع القائد خطوة للخلف، وأمر الحراس بتشديد الحراسة وهو يهمس لرفيقه: “إنها ليست رهينة، إنها شيطانة تقرأ أفكارنا”.

قالت شامة وهي تشير بإصبعها نحو الرسالة الممزقة في يده:

“اسمع يا هذا، واجعل قولي هذا حلقاً في أذنك وأذن أسيادك: إن الأمير الشداد والسلطان عباس يخوضان الآن حرباً على الشرف، وهي حربٌ نزيهة لها قوانينها وفرسانها. لكن، اعلم يقيناً أنه إذا مُسَّ خيطٌ واحد من ثوبي، أو تجرأ أحدكم على خدش كبريائي، فإن موازين الحرب ستنقلب في طرفة عين.”

تابعت وهي تتقدم نحوه خطوة جعلته يتراجع لا إرادياً:

“حينها، لن تجدوا أمامكم جيوشاً تطلب النصر، بل ستجدون إعصاراً من الإبادة لا يُبقي ولا يذر. ستتحول رحمة الشداد إلى جحيم، وعطف السلطان إلى نقمة. لن تكون هناك مفاوضات، ولا عهود، ولا أسرى.. بل ستكون إبادةً شاملة تُمسح فيها آثاركم من هذه الأرض بلا رحمة ولا شفقة، وسيكون ثمن الشعرة الواحدة من رأسي هو رؤوس قبائلكم أجمعين.”

ساد صمتٌ رهيب في المحبس، وتجمدت الدماء في عروق القائد؛ فقد أدرك أن شامة لا تهدد بفراغ، بل تنطق بلسان رجلين أقسم أحدهما ألا يجلس على العرش حتى يستردها، ونذر الآخر خيله وجيشه لنجدتها.وكان يعلم علم اليقين ان زوجات الحكام الرهينات في محابس العدو هم ورقة الضغط لنيل المراد…والتفاوض على العدف، ولسن بجواري ولا بسبايا ومس الشعرة هوا الاهانة العضمى للعرش في قانون السياسة وابادة لا تترك ورائها الا الدمار ودخان الرماد.

كانت الشمس تميل نحو المغيب حين لمح عبيبوش غباراً يتصاعد من بعيد. وقبل أن يتحرك العبد ميمون في مهمته الاستطلاعية نحو العاصمة، شق الأفق فارسٌ ملثم يمتطي جواداً أصيلاً، يطوي الأرض طياً وكأنه يسابق الزمن.

تراجع أهل القافلة خلف الصخور الطبيعية التي اختارها عبيبوش بعناية مستخدماً ذوق الأمير في دمج الحجر والشجر للتخفي. وضعت شريفة يدها على فم ابنها علي لتكتم أنفاسه، بينما استل العبيد خناجرهم القليلة التي بقيت معهم، مستعدين للموت دفاعاً عن “أثر” الشداد.

لم يكن الفارس غريباً؛ فبمجرد اقترابه، كشف عن لثامه ليظهر وجه “الناصر”، أحد أمهر قادة الشداد الأمنيين والذين يثق في “أثرهم”. لقد أرسله الشداد بفرقة أمنية خاصة كانت تترقب مخرج النفق السري منذ أيام، بناءً على توقيت الخروج الذي وضعه الأمير في حساباته الدقيقة.

نزل الناصر عن جواده وانحنى احتراماً لشريفة ولابن الأمير، ثم التفت إلى عبيبوش قائلاً بصوتٍ جهوري:

“أبشروا.. فالأمير الشداد لم يترككم لغدر الصحراء. خلف هذا التل فرقة من خيرة الفرسان لتأمين طريقكم إلى معسكر السلطان عباس. الأمير يعلم أن الأرض ضاقت، لكن خيله لا تزال تملك الميدان.”

قبل أن ينطلق عبيب، أوقفه الناصر بنظرةٍ ثقيلة، وكأنه يحمل في عينيه أخباراً لا تقل سواداً عن ظلام النفق:

“لا تتعبو نفسكم بالذهاب لأسوار العاصمة ، فقد وصل الخبر للشداد. الخليفة قد انتقل إلى رحمة الله، والوزير الأول قد خان الأمانة وجلس على العرش الذي لا يملكه.”

ساد صمتٌ مطبق على المكان، كأنّ ريح الصحراء توقفت فجأة عن العويل لتفسح المجال لهذا الخبر الثقيل الذي ألقاه “الناصر”. كان وقع الكلمات كوقع الصخور التي سدت باب النفق خلفهم؛ أمانٌ تحقق بخروجهم، لكنّ غدراً أعظم كان ينتظرهم فوق الأرض.

تراجعت شريفة خطوة للخلف، وسندت ظهرها ببردٍ قارس إلى صخرة قريبة. كانت دموعها صامتة، فموت الخليفة يعني لها فقدان الأب الروحي والغطاء الذي كان يحمي استقرار الأسرة. ضمت ابنها علي بقوة إلى صدرها، وكأنها تحاول حمايته من لقب “اليتيم” ومن خطر “الوريث” الذي أصبح مطلوباً لرأس الوزير الخائن.

أما عبيبوش، فقد غرس يده في التراب بقوة، وهو يقبض بالأخرى على المخطوطة التي ائتمنته عليها شامة. لم ينطق بكلمة، لكنّ ملامحه التي صهرها تعب الشهور في النفق ازدادت قسوة. نظر إلى الناصر بعينين تشتعلان غضباً وقال بصوتٍ مخنوق: “خانوها إذن.. استغلوا غياب الأمير وانشغاله بإنقاذ الجوهرة ليغدروا بالأصل”.

وقف ميمون مشدوهاً، وهو الذي كان يستعد للمخاطرة بروحه للوصول إلى العاصمة. تلاشت فكرة “الاستطلاع” أمام حقيقة “الانقلاب”. بدأ الخدم يتهامسون برعب؛ فإذا سقط العرش في العاصمة، فمن سيحميهم من بطش الخونة؟؟

بعد لحظات من الذهول، استجمع عبيبوش قواه ووقف بوقارٍ

“والأمير؟ كيف استقبل الشداد خبر موت أبيه وضياع ملكه؟ هل لا يزال يرى في القصبة غايته، أم أن بوصلة سيفه اتجهت الآن إلى رقبة الوزير؟”

رد الناصر وهو يشير إلى الخيول التي تنتظر خلف التل:

“الأمير الشداد يحزن بقلبه ويقاتل بعقله. لقد أمر بتأمينكم أولاً، لأنكم أنتم ‘الأثر’ الباقي وشرعية العرش التي يخشاها الوزير. تحركوا الآن.. فكل دقيقة نقضيها هنا هي عمرٌ جديد يُمنح للخائن في قصره”.

في قلب المعسكر الذي ضج بصهيل الخيول واستعدادات الحرب، كان الأمير الشداد يقف داخل خيمته، محاطاً بخرائط “الأثر” ومخطوطات البلاد. لم يكن الحزن على فقد والده الخليفة قد كسر عزيمته، بل حوله إلى هدوء مخيف يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

كان الشداد يرتدي لِباس الميدان، واضعاً “خاتم الإمارة”أمام عينيه على الطاولة، وهو الخاتم الذي أرسله مع ناصر لتثبيت البيعة قبل أن يغدر الوزير وحلفائه

كان يخط الرسائل بيده إلى قادة الجيش المرابطين في القصر بالعاصمة؛ لم تكن رسائل استعطاف، بل كانت أوامر ملكية تحمل لهجة الوعيد واليقين.

كتب في إحدى الرسائل: “إلى من استبدلوا بَرْد اليقين بنار الخيانة؛ اعلموا أن العرش الذي يجلس عليه الوزير اليوم هو تابوتُه غداً. إن الطفل علي، وريث الخلفاء الشرعي قد خرج من جوف الأرض إلى النور، ومعه أثر والدي الخليفة رحمه الله”

أردف في رسالة أخرى لقائد الحرس الملكي: “أمامكم خياران لا ثالث لهما: إما العودة لبيت الطاعة وتأمين أهل القصر من الداخل، أو انتظار جيش لا يفرق بين الحجر والبشر.

أطبق الشداد الختم على الرسائل بالشمع الأحمر، والتفت إلى “الناصر” الذي عاد لتوه من تأمين القافلة، وأمره:

أطبق الشداد الختم على الرسائل بالشمع الأحمر، والتفت إلى “الناصر” الذي عاد لتوه من تأمين القافلة، وأمره:

1. الاختراق الصامت: إرسال هذه الرسائل عبر “طيور الزاجل” وعبر رسل يتسللون كالعامة إلى داخل العاصمة لزعزعة ثقة القادة في الوزير الخائن.

2. إعلان الشرعية: نشر خبر نجاة شريفة والطفل علي في الأسواق، ليعرف الجميع أن هناك “خليفة صغيراً” ينتظر استرداد حقه، مما يسحب البساط من تحت أقدام الوزير.

وقف الشداد ينظر نحو الأفق، حيث تلوح أسوار العاصمة في خياله، وقال بصوت هامس: “لقد ظن الوزير أن غيابي فرصة، ولم يعلم أن غيابي كان لجمع الشتات، والآن سأعود لأحصد ما زرعه الغدر”.

في لحظة تجمع بين حنان الأمومة وصرامة الميدان، اقتربت دادا رقية من الناصر والدموع محبوسة في عينيها، تسأل عن تلك التي ربتها واعتبرتها ابنتها. لم تطمئن رقية رغم نجاة شريفة والطفل، فقلبها ظل معلقاً هناك، في تلك القصبة الموحشة.

أمسكت رقية بطرف ثوب الناصر، وصوتها يرتجف: “يا ناصر، أخرجنا الأثر والوريث، لكن أين ‘بنتي’ شامة؟ هل تركتم الجوهرة وحيدة في أفواه الذئاب؟”.

انحنى الناصر قليلاً ليطمئن قلبها، وقال بنبرة ملؤها الاحترام والأسى في آن واحد: “يا دادة، شامة هي من سدت باب النفق بيديها لتفتح لكم باب الحياة. هي الآن أسيرة الممالك الجاورة لكنها صامدة كالجبال، وقد أرسلنا نذير الإبادة لكل من يجرؤ على المساس بطرف ثوبها”.

أردف الناصر وهو يحاول تهدئة روعها: “الأمير الشداد لن يغمض له جفن حتى يستردها؛ فهي ليست مجرد زوجة، بل هي أثره الباقي وروح هذا النصر. لقد علمنا أنها حولت زنزانتها إلى حصن من الكبرياء، ترهب سجانها قبل أن يرهبها”.

وقع الخبر على رقية

لم يكن الخبر سهلاً على رقية؛ فهي تعلم أن شامة ضحت بنفسها من أجل الجميع. تراجعت رقية وهي تتمتم بدعوات صامتة، تنظر نحو الأفق وتتمنى لو كانت تملك جناحين لتطير نحو تلك القصور الضالة وتضم ابنتها التي كبرت لتصبح بطلة في زمن الخيانة.

انزلق ضوء القمر الشاحب عبر قضبان النافذة العالية، ليرسم خطوطاً باردة على أرضية الزنزانة التي لم تستطع أن تكسر كبرياء شامة. فجأة، دوى صرير المفاتيح في الأقفال الثقيلة، وانفتح الباب ليطلّ خادمٌ منحني الظهر، يحمل بين ي يديه صينية فضية يفوح منها عطر التوابل

يديه صينية فضية يفوح منها عطر التوابل ، استرقت شامة النظر إلى وجه الخادم، فلمحت في عينيه لمعة ذكاء غريبة لا تليق بمجرد تابع، فأدركت أن “جواسيس الأثر” قد اخترقوا حصون السجن بمجرد انغلاق الباب، اقتربت شامة من الطبق بقلبٍ يقرع كالطبول. لم تلمس اللحم، بل اتجهت يدها مباشرة إلى رغيف خبزٍ بدا أسمك من المعتاد عند طرفه. وبأنامل ترتجف من الحماس، شققت العجين لتجد لفافة صغيرة من الرق، كُتب عليها بمدادٍ باهت:

“عند غياب القمر خلف البرج الشرقي، سيحلّ الصمت بساحة القصر. كوني عند فتحة التهوية الخلفية. الخيلُ تنتظر، والوعدُ لا يخلف”.

ابتلعت شامة اللفافة بسرعة لتمحو أثرها، ثم جلست تتناول طعامها ببرودٍ قاتل أمام عين الحارس الذي يراقبها من الشق، بينما كان عقلها ينسج خيوط الهروب الكبير نحو الشداد، الذي علمت أنه لن يترك جوهرته في أيدي الأغراب.

خلف تلال الحدود، حيث تتداخل ظلال الصخور مع سواد الليل، انزوى الأمير الشداد بعيداً عن صخب المعسكر. هناك، فوق رمالٍ لم تطأها قدم

افترش عباءته وتوجه بقلبه وجوارحه نحو القبلة، تاركاً خلفه ثقل العرش المسلوب ومرارة الفقد.

كانت صلاته هادئة، لكنها مشبعة بوقار المحارب الذي يدرك أن النصر لا يأتي إلا من عند خالق الأثر. ومع كل سجدة، كان يضع جبهته على التراب وكأنه يستمد القوة من الأرض التي يطالب بحقها، هامساً بدعواتٍ خنقتها عبرات مكتومة:

“إلهي، إن كان في ملكي خيرٌ لعبادك، فاردد إليّ حقي المسلوب، واقطع دابر الخائن الذي دنّس محراب أبي. اجعل سيفي عدلاً، وضربتي حاسمة، ولا تجعلني ظالماً في طلب حقي، “اللهم يا جامع الشتات، ويا مخرج الأثر من بواطن العَدَم.. لقد استودعتك شامة في سجنها، فكن لها جاراً من غدر الغريب .”.

مسح وجهه بيديه، وقام من مصلاه والسكينة تملأ صدره، وكأنّ تلك الصلاة قد أزاحت عنه جبال الهم. التفت نحو الناصر الذي كان يرقبه من بعيد بتقدير، وقال بصوتٍ ملؤه اليقين: “الآن يا ناصر، طابَ الموت أو طابَ النصر. تحركوا نحو الثغرة، فإنّ عين الله لا تنام”.

انتهى وقت الصلاة، واستقام الشداد في وقفته كرمحٍ أبان عن معدنه الأصيل، والآن حانت ساعة الصفر. بينما كان الأمير يشد لجام جواده في المعسكر، بدأت خيوط الخطة تتحرك في مملكة الأعداء تحت جنح الظلام:

في دهاليز القصر الأجنبي، بدأ “جواسيس الأثر” في تنفيذ الجزء الأخطر من الخطة. تسلل أحد الجواسيس، المتنكر بزي سقاء، نحو “برج الرياح” حيث ترابط حامية الزنزانة الخاصة بشامة. وضع مادة مخدرة مستخلصة من أعشاب برية في أواني الشرب الخاصة بالحراس، وهي مادة لا تقتل ولكنها تغرق الحواس في نومٍ عميق يشبه الموت.

داخل زنزانتها، لم تكن شامة نائمة. كانت تراقب القمر من وراء القضبان، وتعد نبضات قلبها. حين سمعت صرخة بوم الصحراء الثالثة، وهو النداء المتفق عليه، قامت بتمزيق جزء من رداء الحرير الذي ترتديه لتغطي به وجهها، مستعدة للهروب عبر فتحة التهوية التي أشار إليها الرق.

على مسافة قريبة من أسوار المملكة، كان الناصر يوزع فرقة الخيالة الصامتة، الذين لُفت حوافر خيولهم بقطع من الجلد والقماش لئلا يصدر لها صوت فوق الحصى. كانت مهمتهم ليست الهجوم، بل “الالتقاط والفرار” بمجرد ظهور شامة من الثغرة السرية.

غاب القمر خلف المئذنة الشرقية لقصور الممالك المجاورة، وساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه إلا نعيق بوم الصحراء الذي رنّ في الأفق ثلاث مرات متتالية. كانت تلك هي الصرخة التي انتظرها قلب شامة المحبوس بين الجدران الباردة.

داخل الزنزانة، تحركت شامة بخفة الظل. لم ترتبك، بل عمدت إلى تمزيق قطعة من رداء الحرير الذي ترتديه، لفتها حول وجهها لتخفي ملامحها وتتقي غبار الممرات الضيقة. اقتربت من باب الزنزانة، لتجد الحارسين اللذين كانا بالأمس غلاظاً، قد غرقت حواسهما في نومٍ عميق، بعد أن فعل “مخدر الأثر” فعله في أواني شربهما.

لم تتجه نحو الأبواب الرئيسية، بل نحو “فتحة التهوية” الخلفية التي أشار إليها الجاسوس في رسالته. كانت الفتحة ضيقة، لكن جسد شامة الذي صقله الصمود مرّ عبرها كالرمح. وجدت نفسها في ممر صخري ضيق يفوح منه بَرْد الأرض، وهو أحد السراديب التي لا يعرفها إلا بناة القصور الأوائل.

عند نهاية الممر، كاد قلبها يتوقف حين اصطدمت بحارسٍ لم يشرب من “الماء المخدر”. استدار الحارس بذعر ليصيح، لكن يداً قوية كمشت فمه من الخلف؛ إنه الجاسوس المتنكر في زي سقاء. غرز خنجره في صمت وقال هامساً: “تحركي يا مولاتي.. الأثر ينتظرك عند السور”.

تسلقت شامة بمساعدة الجاسوس السور الخلفي للمملكة، ومن فوق العلو، لمحته.. الناصر وفرقته الأمنية، فرسانٌ ملثمون كأنهم جزء من سواد الليل، يحفون حوافر خيولهم بالجلد لئلا يسمع لها ركض.

قفزت شامة خلف الناصر على صهوة جواده الأصيل. لم تُنطق كلمة واحدة، فالخطر لا يزال يحيط بهم. انطلق الجواد كالسهم يطوي الأرض طياً نحو الحدود، حيث ينتظر الشداد خلف التلال، يرقب السماء بدعواته التي كادت تلامس النجوم.

انطلقت الخيول تنهب الأرض نهباً، والريح تعصف بلثام شامة وهي خلف الناصر، حتى لاحت لها نيران معسكر الشداد من بعيد كأنها نجوم هبطت إلى الأرض. وبمجرد أن توقف الجواد، قفز الشداد من مكانه وكأنّ الروح رُدّت إليه، ليلتقي “الأثَرُ” بالأثَر في مشهدٍ اختلطت فيه هيبة الأمراء بدموع المحاربين.

“عناقُ النصر والوعيد”

لم ينطق الشداد بكلمة في البداية؛ بل أمسك بكتفي شامة وعيناه تتفحصان وجهها بلهفة، وكأنه يتأكد أنها ليست طيفاً من خيال. أما شامة، فقد انهمرت دموعها وهي ترى الأمير الذي ضحت بنفسها لأجل بقائه، وهمست بصوتٍ أنهكه الأسر: “لقد وفيت بالوعد يا ابن الخلفاء ،وحفظتُ لك سرَّك وكرامتك،وصنت شرفك وعرضك”.

ارتمت شامة في أحضان الشداد وكأنها عادت لموطنها الأصيل بعد طول شتات، فاحتواها بين ذراعيه بقوةٍ أراد بها أن يمحو مرارة الأسر وخوف الليالي الموحشة. وفي تلك اللحظة التي اختلطت فيها هيبة الأمير بعاطفة الزوج المحب، طبع الشداد قبلةً طويلة على رأسها، وكأنه يقدس تضحيتها وصمودها

لحظة السكينة:

أغمض الشداد عينيه وهو يشمّ رائحة “الوطن” في ثيابها، وقد كانت تلك القبلة إعلاناً بانتهاء زمن الضعف وبداية زمن استرداد الحقوق المسلوبة.

بعد هذه اللحظة العاطفية، لم يعد الشداد يرى أمام عينيه إلا أسوار العاصمة؛ فقد استمد من هذا اللقاء القوة لشن هجوم لا يرحم.

إعلان الزحف المقدس

التفت الشداد نحو الناصر وجيشه، والشرار يتطاير من عينيه، وأعطى أوامره الحاسمة:

كتيبة الإبادة (بقيادة الناصر): تتحرك فوراً لتأديب الممالك المجاورة التي تجرأت على أسر شامة، في هجوم كاسح لا يبقي ولا يذر، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه المساس بأهل البيت.

لم يكن هجوم الناصر مجرد زحف عسكري، بل كان صرخة ثأر مجسدة في هيئة طوفان بشري لا يعرف التراجع. انطلق الفرسان تحت جنح الليل، يتقدمهم الناصر على صهوة جواده الأدهم، سيفه المسلول يعكس ضوء الحرائق التي بدأت تلتهم حصون الممالك المجاورة.

بينما كان الناصر يطحن الحصون الخارجية، كان قد وزع فرقاً صغيرة خلف خطوط العدو مهمتها “التعمية”؛ قطع طرق الإمداد وإحراق مخازن السلاح، مما جعل هروب أي جندي أجنبي أمراً مستحيلاً. كانت الخطة تسير بدقة احترافية، تهدف إلى جعل هذه المعركة “عبرة” تُحكى للأجيال

بدأ الهدوء يتسلل إلى نفس شامة لأول مرة منذ ليالي الأسر الطويلة، بعد أن عادت إلى دفء معسكر الشداد. في زاوية قصية من الخيمة التي تفوح منها رائحة العود والتراب، كانت شامة تجلس لتستعيد أنفاسها، وهي التي عُرفت بصلابتها في وجه “الممالك المجاورة”.

“صلاة الشكر وسكينة المحارب”

كان ضوء القناديل يتراقص على جدران الخيمة الحريرية، بينما تناهى إلى مسامعها صليل سيوف الرجال وقفت شامة، وهي التي فضلت دائماً التصرف بحكمة ورزانة، لتؤدي صلاة شكرٍ لخالقها الذي نجاها من قبضة الغدر.

فرشت سجادة صلاتها المزينة بتطريزات “المخزني” التي تذكرها بأصولها وعزة نفسها. ومع كل سجدة، كانت تشعر بمرارة الأيام الخوالي تذوب، لتترك مكانها يقيناً بأن “أثر” العباسيين باقٍ ما دام فيهم قلبٌ ينبض بالوفاء. بعد الفراغ من صلاتها، رفعت يديها بتضرع، داعيةً أن يحفظ الله الوريث الشداد في حربه القاتلة لاسترداد العرش، وأن يبقى الطفل علي بعيداً عن نيران الصراع التي ستحرق الخونة وسط العاصمة. كانت ملامحها تعكس رغبتها الصادقة في “الاستقرار العاطفي” الذي طالما نادت به من أجل أمان عائلتها.

في خيمة القيادة، حيث يمتزج صرير الرياح الخارجية بصوت احتراق الحطب، تحلق القادة حول طاولة خشبية ضخمة. وقف الشداد في الوسط، ملامحه حادة كالسيف الذي يتكئ عليه، وأمامه رقٌ واسع بدأ يخط عليه بمدادٍ أسود تفاصيل “العرين” الذي ترعرع فيه.

بيدٍ ثابتة، رسم الشداد ممرات القصر بدقة مذهلة، وكأنه يمشي فيها الآن. أشار بإصبعه إلى زاوية مخفية خلف “قاعة العرش” وقال لصوتٍ جهوري هادئ:

“هنا، خلف هذا الجدار، يوجد ممرٌ صامت لا يعرفه حتى الوزير الخائن. هذا الممر يوصلكم مباشرة إلى جناح السيدات.يا”سلمان”خذ صفوة رجالك، ادخلوا من هناك، ومهمتكم الأولى والأخيرة هي تأمين لاللة”اليازية ” وصون حرمة القصر من اي تهديد، من مسّ شعرةً منهن، فدمه هدر.”

انتقل الشداد بجسده إلى واجهة المخطوطة، حيث رُسمت “الأبواب الواسعة” للقصر. ضرب بيده على الطاولة حتى اهتزت القناديل:

“أما أنا، فسأدخل من حيث لا يجرؤ أحد. سأقتحم البوابة الكبرى بجيشي. لن أتسلل كاللصوص في ملكي، بل سأدخل جهاراً نهاراً بصفتي الوريث الشرعي. أيّ قائد أو جندي يرفع سيفه في وجهي، لا تأخذكم به رأفة.. اقطعوا الرؤوس التي أينعت بالخيانة…ولن ارحم ولن احسب حسابا وان كلفني دلك حربا ضد الجيش برمته “

نظر الشداد في عيون قادته، فرأى فيها بريق الولاء. كان يعلم أن القادة الخونة داخل العاصمة يعتمدون على الجدران، لكنه هو يمتلك “أثر المعمار” وشرعية الدم. أضاف وهو يطوي المخطوطة:

اليوم، العاصمة لن تشهد حرباً عادية، بل ستشهد زلزالاً يقتلع جذور الغدر. انطلقوا، فموعدنا صلاة الفجر في محراب والدي.”

قبل أن يخرج، ألقى نظرة سريعة نحو خيمة شامة، وكأنه يستمد منها القوة الأخيرة. استل سيفه العتيق، وامتطى جواده، ليعطي إشارة الانطلاق لجيشٍ لا يرى أمامه إلا رأس “الوزير” معلقاً على أسوار القصر.

في قلب القصر العظيم، حيث كانت الجدران العالية تعكس برودة تليق بجريمة الخيانة، كان الوزير يجلس في “قاعة العرش” التي استلبها غدراً. لم يكن المكان هادئاً كما يشتهي؛ فالهواء داخل القصر كان ثقيلاً بانتظارٍ مرير، والشموع الضخمة كانت تذبل وكأنها تشعر باقتراب النهاية.

في تلك القاعة الفسيحة التي شهدت تنصيب سلالة الخلفاء ، لم يكن الوزير منكسراً كما قد يظن البعض، بل كان جالساً بكبرياءٍ صلب، تحيط به هيبة السلاطين، وحوله قادة جيشه الذين ربطوا مصيرهم بمصيره. كان الجو مشحوناً بنقاشات سياسية عميقة، تعكس وجهة نظر من يرون أنفسهم “منقذي الدولة” من تيه الوريث الشاب.

حلقة القادة والوزير:

اتكأ الوزير على مسند العرش المرصع، ونظر إلى قادته بنظرة ثاقبة وقال بصوت رصين يملؤه اليقين:

“يا سادة، الحكم ليس إرثاً يُعطى للطفل لأنه ابن أبيه، بل هو أمانة يحملها من استطاع حماية الثغور وإطعام الرعية. أين كان الشداد حين كادت الفتنة تأكل أطراف البلاد؟ لقد غاب، واختبأ خلف الأطلال، تاركاً العاصمة في مهب الريح. الرجل الذي يهرب بجلده ويترك عرشه للصدف، لا يستحق أن يعود إليه مطبطباً بالدماء.”

أومأ أحد القادة برأسه،وهوا قائد مخضرم وأضاف: “نحن لم نخن يا مولاي، نحن اخترنا الاستقرار. الشداد يمثل التهور، يريد جرّ البلاد إلى حروب طاحنة من أجل كبريائه الشخصي، بينما نحن هنا نضمن استمرار الدولة. إن عودته الآن هي التمرد الحقيقي، وتضحيته بأرواح الآلاف من أجل استرداد ‘كرسي’ هي الخيانة العظمى للرعية.”

بالنسبة لهؤلاء، لم يكن الشداد بطلاً، بل كان يظهر في أحاديثهم كـ:

• المتهور: الذي لا يقدر موازين القوى ويقامر بمستقبل الخلافة.

• الضعيف عاطفياً: الذي تشغله “شامة”عن إدارة شؤون الإمبراطورية.

• الغريب: الذي قضى وقته في الخلاء حتى صار يشبه “قطاع الطرق” أكثر من ملوك القصور.

ختم الوزير حديثه وهو يرفع رأسه بفخر

“أنا من ثبت الأركان، وأنا من يعرف قيمة هذا العرش ومقايضه السياسية. الشداد يظن أن القلوب تُشترى بالدموع والنسب، لكنها تُحكم بالعدل والقوة التي أرسيناها. إذا أراد الهجوم، فليأتِ؛ ليرى أن الجدران التي احتمى بها أبوه والجيش اللذي كان اساسا في قوته ، هوا اليوم على يميني وعن شمالي الأجدر به”

بينما كان الوزير يغرق في تبريراته المنطقية، ويقنع نفسه وقادته بأنهم “حماة الديار”، كان صوت حوافر خيل الشداد يبدأ في إحداث اهتزازات خفيفة في أساسات القصر.. اهتزازات لم يلحظها الوزير المنتشي بانتصاره الزائف، لكنها كانت تنذر بأن “أثر” الحق لا يُطمس بالمنطق البارد.

انقشع ستار الليل تدريجياً عن العاصمة، وبدأ خيط الفجر الأبيض يلوح في الأفق، معلناً بداية يومٍ لم تشهد المدينة مثيلاً له في تاريخها. وفي اللحظة التي صدح فيها صوت المؤذن من أعلى مئذنة الجامع الكبير منادياً: “الله أكبر، الله أكبر.. الصلاة خيرٌ من النوم”، حدث ما جعل القلوب تبلغ الحناجر واختلطت ترانيم السماء

بوعيد الأرض.

قيامةُ العاصمة.. الفجر والزلزال”

•صوت القارعة:

لم تكن مجرد جلبة، بل كان زلزالاً حقيقياً ضرب أساسات المدينة. صوت حوافر آلاف الخيول من جيش السلطان عباس (الذي أيد الشداد) وجيش الشداد نفسه، يركضون بقلبٍ واحد تحت قيادة الشداد أحدث هزةً أرضية عنيفة. كان الصوت قوياً، عميقاً، ومتصاعداً، كأنه يخرج من باطن الأرض ليوقظ الأموات في قبورهم، ويُعلم الجميع أن “صاحب الحق” قد عاد ليغسل الخيانة بالدم.

في أسواق العاصمة التي بدأت دبيب الحياة يدب فيها، كان التجار يستعدون لفتح حوانيتهم، ويصففون بضائعهم أملاً في رزق اليوم. فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهم، وتساقطت الأواني النحاسية والبضائع من الرفوف. تجمدت الحركة لحظة، وعيونهم ترقب الأفق بذعر. وحينما لمحوا الغبار الساطع الذي يغطي عين الشمس عند مشارف المدينة، وتأكدوا من أن الحرب “قاتلة” قد نضجت نيرانها، تبخرت آمال الرزق وحلّ مكانها ذعر البقاء.

تحول الهدوء الصباحي إلى فوضى عارمة. صرخ الرجال بالنساء والأطفال ليدخلوا البيوت، وأغلقت الحوانيت أبوابها الخشبية الثقيلة بسرعة جنونية. تعالت صرخات الذعر ووقع الأقدام الهاربة، وأحكم السكان إغلاق بيوتهم، مجمعين أنفاسهم خلف الجدران، يتلون الدعوات بالنجاة من “إعصار الإبادة” الذي بدا أنه لا يبقي ولا يذر. العاصمة بأسرها حبست أنفاسها، مؤمنةً أن اليوم سيكون فاصلةبين عهدين.

انحبست الأنفاس في تلك الممرات الحجرية الضيقة التي تفوح منها رائحة الرطوبة والزمان. كان القائد سلمان، الذي اختاره الشداد لرزانته وقوته الصامتة، يتقدم فرقة “ظلال الأثر” بخطوات مدروسة، يمسك بيده المخطوطة التي رسمها الشداد، وعينه ترقب كل زاوية في السراديب المؤدية لجناح الحريم.

الخروج من عتمة السراديب:

مع أول خيوط الفجر التي بدأت تتسلل من فتحات التهوية العالية، وصل سلمان وفرقته إلى مخرج السرداب المخفي خلف جدار خشبي في مؤخرة جناح “اليازية” والأميرات. دفع سلمان الجدار برفق، ليجد نفسه وفجأة في قلب القصر، حيث الهدوء يسبق العاصفة.

حينما انشق الجدار الخشبي وظهر سلمان من عتمة السرداب، مغبراً بتراب الممرات السرية وواضعاً يده على مقبض سيفه، لم تصرخ اليازية ولم يتملكها الذعر؛ بل وقفت بشموخ السلاطين، وكأنها كانت تنتظر هذا “الأثر” منذ سنين.

نظرت في عينيه ملياً، ورغم التعب الظاهر على ملامحها، انبثق منها بصيص من الأمل جعلها تهمس بصوتٍ رزين كسر صمت الفجر: “لقد تأخرتم يا سلمان.. لكنني كنت أعلم أن ريح الوفاء لا تخطئ طريقها إلى هذا القصر. قُل لي، هل عاد صاحب الحق؟ هل عاد الشداد ليردّ لهذا العرين هيبته؟”

ولم تنتظر منه جواباً طويلاً، بل أردفت وهي تعدّل رداءها بعزة:

“قدنا يا سلمان، فقد ضاقت بنا جدرانُ الظلم، واليوم يومُ الحساب.”

كانت كلماتها كأنها إشارة الانطلاق الروحية؛ فلم تكن تطلب النجاة لنفسها بقدر ما كانت تطلب التأكيد على أن “الوريث” قد عاد ليمسح عار الخيانة. تلك الكلمات زادت من إصرار سلمان، فحنر رأسه إجلالاً لها، وبدأ في رصّ الصفوف لتأمين خروجهن.

بدأت خطوات الأميرات والنساء خلفه خفيفة كحفيف الشجر، لكن قلوبهن كانت تنبض بعنف الترقب

بينما هم يقطعون الممر الرئيسي المؤدي للمقاصير، ظهرت فجأة فرقة من حراس القصر الداخليين. تجمد الجميع في مكانهم، واستلت السيوف من أغمادها بصرير حاد. كان هؤلاء الحراس يعيشون صراعاً داخلياً؛ فصوت حوافر جيش الشداد بالخارج كان يزلزل أركان القصر، وصوت الأذان يذكرهم بالحق.

لم يهجم سلمان فوراً، بل رفع يده آمراً رجاله بالتريث. وقف بكل هيبة وشموخ أمام حراس القصر، وقال بصوت عميق ومزلزل:

“يا حماة الدار، انظروا خلفكم.. الأرض تهتز تحت أقدام صاحب الحق، والسماء تشهد بزوغ فجر جديد. نحن هنا لتأمين عرض الأميرات، وحماية آل البيت من فوضى المعركة. من أراد منكم أن يغسل يديه من خيانة الوزير، فليفتح لنا الطريق وليكن معنا في حماية السلطانة اليازية، ومن أراد الهلاك..فسيفي لا يخطئ الوريد.”

ساد صمت مطبق لثوانٍ. نظر الحراس لبعضهم البعض؛ رأوا في عيون سلمان صدق المحارب وشرعية “الأثر”. بدأ أحدهم بإنزال سيفه ببطء، ثم تبعه البقية، ونكسوا رؤوسهم احتراماً لليازية والأميرات. لم يكتفوا بفتح الطريق، بل انضم بعضهم لفرقة سلمان ليشكلوا درعاً بشرياً حول النساء، قائلين: “نحن معكم يا قائد.. فليحفظ الله الوريث الشداد”.

تابع سلمان تقدمه، يقود النساء عبر الممرات المرسومة بدقة في الخريطة، متجنباً مناطق الاشتباك المباشر، وهو يضع يده على مقبض سيفه، مستعداً لقطع أي رأس قد تسول له نفسه الغدر، بينما كان يدعو في سره أن يفتح الشداد البوابات الكبرى في الوقت المناسب.

مع بزوغ أول خيوط الشمس الحمراء، انفتح أفق العاصمة على مشهدٍ لم تره الأعين منذ قرون؛ جيشٌ لا يحده بصر، زحفٌ هائل يقوده الشداد بنفسه، وكأن الأرض انشقت عن محاربين جُبلوا من طين الثأر ونار الوفاء.

“طوفان الشداد..”

في مقدمة الجيش، كان الشداد يمتطي جواداً أسود كأنه قطعة من ليل البادية، يلبس درع صدرية عتيقة تعكس ضوء الشمس ببريقٍ مرعب. لم يكن يضع لثاماً؛ أراد أن يرى الخونة وجهه، أن يعرفوا أن الذي طردوه طريداً عاد سلطاناً مهاباً. كان سيفه مسلولاً، يقطر صرامة، وعيناه لا ترى إلا قبة القصر العظيم.

خلفه، زحف جيش السلطان عباس؛ فرسانٌ ملثمون بالأسود، خيولهم مدربة على الكر والفر في أضيق الأزقة، صهيل خيولهم كان يطغى على صوت الريح. كانوا يتحركون بتناغمٍ مخيف، كجسدٍ واحد لا يعبأ بالموت، يحملون رايات “الأثر” التي ترفرف فوق رؤوسهم كأجنحة الغربان الجارحة.

سقط الخبر داخل أروقة القصر كصاعقةٍ شقت السماء في عز الهدوء. لم تكن الجدران هي التي اهتزت فحسب، بل قلوب “الخدم والحشم” الجدد الذين استقدمهم الوزير ليكونوا عيوناً له، فإذا بهم يصبحون شهوداً على نهايته.

ركض أحد المخبرين الصغار عبر الردهات الطويلة، وهو ينهج بصوتٍ مسموع: “لقد دخل! الشداد المدينة ! جيشُ من جنود السماء والارض لم نشهد له مثيل . كانت هذه الكلمات كافية لتبدل ملامح الخدم الذين كان الوزير يظن أنه اشترى ولاءهم بالمال. سقطت الصواني الفضية من أيدي الجواري، وتوقفت حركة “الحشم” الذين كانوا يتبخترون ببدلاتهم الجديدة.

هؤلاء الذين جيء بهم ليحلوا محل الأوفياء (مثل رقية وعبيبوش)، وجدوا أنفسهم أمام “غول” لا يعرفونه إلا من حكايات الرعب. بدأ الهمس يسري بينهم كالنار في الهشيم:

• “يقولون إن خيله لا تلمس الأرض!”• “يقولون إن الناصر لا يقتل إلا بضربة واحدة!”

• أدرك الكثير منهم أنهم “غرباء” في هذا القصر، وأن الدفاع عن الوزير الخائن هو انتحارٌ محتوم. فبدأ البعض منهم بخلع شاراتهم الرسمية والاختباء في المخازن، بينما حاول آخرون سرقة ما خفّ حمله والفرار عبر الأبواب الخلفية قبل وصول “إعصار الإبادة”.

الحرس الخاص (المرتزقة):

أما الحرس الذين عينهم الوزير حديثاً، فقد تسمروا في أماكنهم عند سماع “زلزال” الحوافر الذي يقترب. لم تعد أوامر الوزير الصارمة تعني لهم شيئاً؛ فالمواجهة الآن ليست مع متمرد، بل مع “الوريث الشرعي” الذي يحمل في عينيه غضب الخيانة بدأت أيديهم ترتجف فوق مقابض السيوف، وهم يرون فرسان الشداد يقتحمون الباحة الخارجية للقصر دون أن يقدر أحد على صدهم. أمام باب “قاعة العرش”، وقف الحشم المخلصون للوزير في حالة من الذهول. كانوا يتبادلون نظرات اليأس؛ فكل تقرير يصلهم كان أسوأ من الذي قبله. لقد أدركوا أن “أثر المعمار” الذي ظنوا أنهم امتلكوه، قد خانهُم، وأن صاحب الدار قد عاد ليطرد الدخلاء بجيشٍ لم ترَ العاصمة له مثيلاً.

كان القصر من الداخل ينهار معنوياً قبل أن ينهار عسكرياً. رائحة الخوف ملأت المكان، وصوت الأذان الذي رفع الفجر صار يتردد في أذانهم كأنه حكمٌ بالإعدام على عهد الخيانة.

في أعلى نقطة من القصر، داخل قبة العرش العظيمة بفسيفسائها الذهبية التي تعكس ضوء الفجر الشاحب، كان المشهد يغلي بالتوتر. الوزير واقف أمام النافذة الضخمة المطلة على ساحة العاصمة، يراقب بعينين متقدتين ذلك الزحف الذي لا ينتهي، بينما القادة خلفه يتحلقون حول الخريطة، لكن أيديهم كانت ترتجف فوق الورق.

الصمود الزائف:

استدار الوزير نحو قادته، ملامحه متصلبة كالحجر، وصوته يخرج حاداً كالشفرة:

“لماذا أرى الخوف في عيونكم؟ الأسوار الكبرى لم تسقط بعد، وحرسي الخاص يقف عند عتبة القصر. الشداد يظن أن كثرة الرعاع خلفه ستعطيه ملكي، لكنه واهم. القبة التي نحن تحتها بنيت لتبقى، ولن يدخلها إلا من أذنتُ له.”

رد أحد القادة بنبرة يملؤها الذعر، وهو يشير بيده نحو الساحة:

“مولاي هذا ليس زحفاً عادياً! انظر إلى الرايات السود.. هذا جيش السلطان عباس، وهؤلاء فرسان جوف الصحراء الذين لا يهابون الموت. الأخبار تقول إن الأبواب الخارجية تهاوت كأنها ورق، والحرس في الممرات الداخلية بدأوا يلقون السلاح بمجرد سماع اسم الشداد!”

ضرب الوزير بيده على طاولة الأبنوس بقوة جعلت أقلام الحبر تسقط أرضاً، وصرخ:

“من ألقى سلاحه فليُقتل بدم بارد! نحن من صنعنا استقرار هذه البلاد بينما كان الشداد يقتفي أثر الضباع في الصحراء. إنها معركة وجود.. إذا سقطت هذه القبة، سقطت رؤوسكم جميعاً. اخرجوا الآن، مِروا الرماة أن يحولوا ساحة القصر إلى جحيم من النيران. لا أريد أسرى، أريد جثثاً تعيق تقدم خيله!”

نذير الشؤم:

في تلك اللحظة، اهتزت الثريات الضخمة المتدلية من القبة اهتزازاً عنيفاً. لم يكن صوتاً بعيداً هذه المرة، بل كان صوت انفجار البوابة الداخلية للقصر. ساد صمت مفاجئ في القاعة، ونظر القادة إلى بعضهم البعض.. لقد أدركوا أن “المنطق” الذي كان يتحدث به الوزير لم يعد يحميهم من واقع السيف الذي صار على بعد ممرات قليلة.

الوزير عاد لينظر من النافذة، ورأى الغبار يقترب من مدخل القصر الكبير، ولمح في وسط الغبار فارساً يتلألأ درعه تحت الشمس.. عرف أنه الشداد.

زلزالُ الحوافر الذي ضرب أساسات العاصمة لم يكن إلا مقدمةً للإعصار الذي انفجر عند البوابة الداخلية للقصر. هنا، أمام “باب الذهب”، وضع الوزير صفوة حراسه الخاصين وفريق الجيش لتأمين القصر والدفاع، رجالٌ طوال القامة، مدرعون بالفولاذ من الرأس إلى القدم، استلوا سيوفهم الثقيلة ورصوا صفوفهم كجدارٍ صلب، عازمين على أن يجعلوا من عتبة القصر مقبرةً للغزاة.

يطلب الشداد التوقف، بل ضرب جواده واقتحم صفوف الحراس كالصاعقة. كان الصدام الأولي مروعاً؛ صرير الحديد يطحن الحديد، وصيحات القتلى تمتزج بصهيل الخيل النازفة. كان الشداد يقاتل بهيجان محاربٍ سُلب منه ملكه وعائلته، سيفه العتيق يرسم دوائر من الموت في الهواء، يطيح برؤوس الحراس الذين تجرأوا على سد طريقه.

كان الشداد يبدو كملكِ الموت وسط المعمعة. صرخ في وجه الحراس بصوتٍ زلزل الممر:

“تنحوا يا عبيد الخائن! أنا الشداد بن النعمان ، صاحب الحق والدم! الأرضُ ترفضكم، والسماءُ تلعنكم والملك من عند الله “

كان يصد ضربات سيوفهم الثقيلة بترسه، ويرد بطعنات قاضية تخترق الدروع الفولاذية. كان كل جندي يقع تحت حوافر جواده يعتبر “أثراً” من الماضي الذي يريد الوزير محوه.

خلف الشداد، انقض فرسان السلطان عباس كالذئاب الجائعة. كانوا يقاتلون بأسلوب البادية الشركسية؛ خفة حركة، دقة سهام، وطعنات رماح خاطفة من مسافات قريبة. لم يكن الحرس الخاص للوزير، رغم دروعهم الثقيلة، قادرين على مجاراة سرعة هؤلاء المحاربين. تحول الممر الضيق إلى مسلخٍ بشري؛ الرخام الأبيض تصبغ بالأحمر القاني، والجثث تكدست فوق بعضها البعض. رغم استبسال الحرس الخاص، إلا أن زحف الشداد كان لا يُرد. لقد رأوا في عينيه غضباً يفيض، وقوةً تستمد شرعيتها من “أثر الدم”. بدأ الخوف يتسلل إلى قلوب الناجين منهم؛ فتراجعوا ببطء نحو الخلف، وفتحاتٌ بدأت تظهر في صفوفهم المتراصة. استغل الشداد هذه اللحظة، فشن هجوماً كاسحاً أطاح بآخر مقاومة، وفتح الطريق نحو “قاعة العرش” بأجساد ودماء من حاولوا صد “إعصار الحق”.

وقف الشداد عند عتبة الباب المفتوح، ملامحه مغطاة بالغبار والدم، سيفه يقطر موتاً، ينظر نحو الدرج المؤدي لقبة العرش حيث ينتظره الوزير الخائن.

ركل الشداد الباب الضخم لـ”قبة العرش” بقدمه، فانفتح على مصراعيه بصريرٍ مهيب دوّى في أرجاء القاعة الصامتة. دخل والدم يقطر من نصل سيفه، يترك أثراً أحمر قانياً على الرخام الأبيض. توقفت الأنفاس، وتجمد الوزير مكانه فوق العرش، بينما تراجع القادة إلى الوراء، وقد ألجمت هيبة “الوريث”

ألسنتهم.

وقف الشداد في وسط القاعة، الغبارُ يغطي درعه، لكن عينيه كانتا تشعان ببريقٍ لا يملكه إلا أصحاب الحق. نظر إلى الوزير الجالس بجبن على كرسي والده، وقال بصوتٍ هادئ لكنه أشد وطأة من قرع الطبول:

“قُم عن ذلك الكرسي يا خائن.. فالعرشُ يرفض جسد الغدر، والجدرانُ التي استأمنتها على سرّك، قد وشَت بك لي في المخطوطات. لقد عدتُ لأستردّ ‘أثري’ الذي ظننتَ أنك محوته.”

حاول الوزير أن يجمع شتات نفسه، قبض بيده على مسند العرش وصرخ بصوتٍ مرتجف:

“أنا من أنقذت الدولة من طيشك! أنا من حافظت على هيبة الخلافة بينما كنت تهيم في الوديان! أنت مجرد متمرد يقود الرعاع، أما أنا فشرعيتي في بقائي هنا!”

ابتسم الشداد ابتسامة باردة، وتقدم خطوة جعلت القادة يسقطون على ركبهم طلباً للعفو. قال وهو يرفع سيفه بمستوى عنق الوزير:

“الخلافة ليست جدراناً تسكنها، بل هي عهدٌ بالوفاء صُنته أنا وضيعته أنت. لقد سجنتَ شامة، وشردتَ علي، وخنتَ أمانة والدي. اليوم، لا أتحدث إليك كوزير، بل كقاتلٍ ومغتصب. القادة الذين خلفك اختاروا الذهب، ورجالي اختاروا الموت من أجل الحق.. فانظر من منا بقي واقفاً.”

التفت الشداد إلى القادة المرتجفين، وبصق على الأرض إزدراءً:

“أما أنتم.. يا من بعتم بيعتكم بثمنٍ بخس، فمصيركم القصاص

حاول الوزير استلال خنجرٍ مخفي تحت ثيابه في حركة يائسة، لكن الشداد كان أسرع من البرق. بضربة سيفٍ واحدة، أطاح بالخائن ،جسده يمينا ورأسه شمالا، ليسقط مضرجاً بدمائه عند أقدام الكرسي الذي لم يكن يوماً له. ساد صمتٌ مطبق في القبة، ولم يقطعه إلا صوت دخول سلمان ومعهما اليازية، الذين شاهدوا اللحظة التي استعاد فيها الشداد هيبته المسلوبة. مسح الشداد سيفه بطرف ثوب الوزير، ونظر نحو “القبة الخضراء” من النافذة، حيث بدأت شمس النهار تشرق على عهدٍ جديد، مطهرٍ من الخيانة.

انقشع غبار المعركة وحلّ محله صمتٌ مهيب يسبق العاصفة، لكنها هذه المرة عاصفة “العدل”. سحب الشداد رأس الوزير أو ما تبقى من كبريائه) وقاد القادة الخونة مصفدين بالأغلال نحو الشرفة الكبرى المطلة على ساحة القصر العظيمة، حيث احتشد جيش القصر المتمرد الذي ألقى سلاحه، يحيط بهم جزء من جيش السلطان عباس وفرسان الصحراء كالسور المنيع.

بيعة الدم والشرعية.. كلمة الفصل”

اعتقى المنادون أسوار المدينة والمآذن، وبدأت الطبول الكبرى والاجراس الضخمة تقرع بإيقاع منتظم زلزل قلوب السكان المختبئين خلف الأبواب ، وبدأت رايات الشاداد في الارتفاع فوق كل اسوار القصر والمدينة، ارتفع صوت المنادي:

“يا أهل العاصمة.. يا جند الخلافة.. انقشع ليل الظلم وبزغ فجر الحق! الأمير الشداد بن النعمان على عرش أبائه وأجداده.. الخائن سقط، والملك عاد لأهله!”

في تلك اللحظة، فتحت النوافذ وخرج الناس إلى الشوارع في ذهول يمتزج بالفرح، وبدأ الزحف الشعبي نحو ساحة القصر ليشهدوا لحظة الحساب.

في ساحة القصر، وقف الشداد كالطود العظيم، وبجانبه قادته الاوفياء، وسيفه مسلول، وتحت حراسة دمه رأس الوزير الخائن وامامه القادة الخونة نظر الشداد إلى آلاف الجنود من “جيش القصر” الذين كانوا قبل ساعات يأتمرون بأمر الخائن، وقال بصوتٍ هادر اخترق السكون:

“يا جند هذا القصر.. إنكم لم تخونوني أنا، بل خنتم القسم الذي أديتموه لوالدي، وخنتم هذه الأرض التي سقيتموها بدم الغدر! لقد غرر بكم هذا الأفّاك (أشار للوزير) وأطعمكم السُحت، فظننتم أن الحق يزول بزوال أصحابه.”

رفع الشداد سيفه عالياً، والتمعت نصلته تحت شمس الضحى، ثم وجه خطابه للجميع:

“اليوم، لا مكان في عريني لذئبٍ يرتدي جلد شاة. من أراد منكم العفو، فليعلم أن العفو ثمنه الوفاء المطلق من الآن، ومن استمرأ الخيانة فالسيف بيني وبينه. هذا الخائن (الوزير) أراد أن يمحو ‘أثرنا’، فمحاه الله بظلمه. ليُقام الحدّ عليه وعلى رؤوس الفتنة هنا، أمام أعينكم، ليعلم القاصي والداني أن ملك آل النعمان لا يُسرق، وأن العرين لا يسكنه إلا الأُسود!”

بإشارة من يد الشداد، نفذ سلمان القصاص في القادة رأس تلوى الاخرى وسط تهليلٍ كبّر له الجيش والجمهور حتى اهتزت جدران العاصمة. سقط رأس الخيانة في التراب، وفي تلك اللحظة، ركع آلاف الجنود المتمردين دفعة واحدة، ضاربين بدروعهم الأرض، هاتفين بصوتٍ واحد: “عاش السلطان الشداد! عاش صاحب الأثر!”.

كانت اليازية تراقب المشهد من الشرفة العليا، والدموع في عينيها ليس حزناً، بل فخراً بهذا “الوريث” الذي لم يسترد عرشه بالقوة فحسب، بل استرده بالهيبة والشرعية.

بينما كان صدى هتافات النصر لا يزال يتردد في ساحة القصر بالعاصمة، شق الزحام فارسٌ يلهث، غبار المعارك يكسو وجهه وجواده، يحمل في يده رسالة مختومة بختم الناصر الخاص. لم تكن رسالة استغاثة، بل كانت صرخة مجدٍ زلزلت أركان الساحة امام امام اعين الجميع

“من الثأر إلى الفتح.. رسالة الناصر”

دخل المرسول والناس يفسحون له الطريق، جثا أمام الشداد وهو ينهج: “يا مولاي السلطان.. بشارةٌ من القائد الناصر! الحرب التي اندلعت شرارتها بالأمس خلف الحدود لم تكن مجرد ردعٍ للممالك الضالة، بل تحولت إلى إعصارٍ طهر البلاد والعباد!”

فتح الشداد الرسالة وقرأها بصوتٍ جهوري ليسمع كل من في القصر:

الى مولاي..الخليفة الشداد ابن النعمان صاحب الأثر والشرعية. أعلمكم أن خيولنا التي خرجت لتأديب الممالك التي تجرأت على أسر سيدتنا شامة، لم تتوقف عند حدود الانتقام. لقد وجدنا شعوباً تئن تحت ظلم طغاتها، ففتح الله لنا القلوب قبل القلاع. إن ما بدأناه بالأمس كحربٍ لاسترداد الكرامة، قد أتمه الله اليوم كـ فتح إسلامي عظيم. راياتكم ترفرف الآن فوق حصونهم، والمساجد يُرفع فيها الأذان في أرضٍ كانت بالأمس دار ضلال. لسنا فاتحين بالدم فحسب، بل بالعدل الذي تعلمناه في بيتك.”

نزلت الكلمات على الحاضرين كبردٍ وسلام. أدرك الجميع أن عهد الشداد لم يبدأ فقط باسترداد ملكٍ مسلوب، بل بدأ بتوسيع رقعة الإسلام وإعلاء كلمة الحق. الشداد الذي كان قبل قليل يمسح دم الخيانة عن سيفه، وجد نفسه الآن مسؤولاً عن إمبراطورية شاسعة تمتد إلى آفاق لم يحلم بها الوزير الخائن.

رفع الشداد رأسه نحو السماء، وعيناه تلمعان بدموع العزة، وقال:

“الحمد لله الذي جعل ثأرنا فتحاً، وجعل غضبنا رحمةً للناس. يا ناصر.. بيّض الله وجهك كما بيّضت رايتنا. لم تعد هذه الحرب حرب ‘أثر’ شخصي، بل أصبحت حرب ‘رسالة’ خالدة.”

بعد أن استقرت الأمور واستعاد الخليفة الشداد منبر والده، انتقل من مرحلة “إعصار الإبادة” إلى مرحلة “إرساء العدل”، فجاءت قراراته لتعكس حكمة القائد الذي ذاق مرارة الشتات وعرف قيمة الرجال الأوفياء.

“بيعة الأوفياء في دار الخلافة”

في قبة العرش العظيمة، وأمام أعيان الدولة وقادة الجند وشيوخ البلاد وقف سلمان برأسه المرفوع. تقدم إليه الخليفة الشداد، وألبسه وشاح القيادة المرصع بشعار الخلافة وقال بلهجة آمرة وودودة في آن واحد:

“يا سلمان، كنتَ نِعمَ الرفيق في الممرات المظلمة، واليوم أنتَ نِعمَ الحارس لأسوارنا. نوليك قيادة جيش الخلافة قاطبة؛ فاحفظ حدود الله في رعيتنا، وكُن سيفنا المسلول على كل من تسول له نفسه شق عصا الطاعة.”

أما البشارة العظمى، فكانت من نصيب الناصر. أصدر الخليفة الشداد مرسوماً يُقرأ في كافة الأمصار، يعلن فيه تنصيب الناصر أميراً على إقليم “أنمارة”، تقديراً لفتحه الإسلامي العظيم الذي لم يتوقف عند حدود الثأر، بل امتد لنشر الدين. “لقد جعلتَ من سيفك منارةً للحق يا ناصر، فإليك ‘أنمارة’ تحكمها بالعدل، وتكون ثغراً من ثغور المسلمين الحصينة تحت راية خلافتنا.”

انحبست الأنفاس في العاصمة مرة أخرى، لكنها هذه المرة لم تكن أنفاس الخوف، بل أنفاس اللهفة والترقب. أصدر الخليفة الشداد أمره بأن يكون هذا اليوم يوماً مشهوداً، ليس فقط للاحتفال بالنصر والفتح، بل للاحتفاء بعودة “الروح” إلى جسد الخلافة؛ عودة عبيب والقافلة التي تحمل معها ذكريات الصبر وبذور المستقبل.

تزينت شوارع العاصمة بالأعلام السوداء والمطرزة بالذهب، واصطف جيش الخلافة بقيادة سلمان على جانبي الطريق الرئيسي المؤدي لبوابة القصر الكبرى. كان الخليفة الشداد يقف في الشرفة العظيمة، يرتدي بردة والده الرسمية، وبجانبه لاللة اليازية بشموخ عالي التي لم تسعها الدنيا من الفرح وهي تنتظر رؤية رفاق المحنة. على وقع طبول النصر، ظهرت القافلة من بعيد يتقدمها فرسان وخلفها العربات التي تحمل بقية العائلة والخدم الأوفياء الذين حموا “أثر” الشداد في أصعب الليالي. نزل الخليفة الشداد من شرفته واستقبل القافلة عند المدخل بنفسه، نزل عبيبوش الاول من العربة الاولى وحدر راسو حتى قرب يلمس الارض وقال

“يا مولاي الخليفة، لقد أكلنا تُراب النفق كي نصل إليك احياء..وتغذينا ع لو الحجز حتى تحجرت امعائنا ، وشربنا المرّ كي نمر “

اتسعت ابتسامة الخليفة الشداد، وانفرجت أساريره وهو ينظر إلى ذلك الرجل الصغير الذي فعل ما عجزت عنه الجيوش. وقال بنبرة فيها الكثير من الود والدعابة:

“الآن فقط ياعبيب، أدركتُ لماذا كانت ‘شامة’ متمسكةً بك كل هذا التمسك، ولماذا كانت تغضب وتضيق ذرعاً كلما ذكرتُ اسمك بسوءٍ أو مزاح. لقد كانت ترى في قصر قامتك جبالاً من الصدق، وفي صمتك أمانةً عجزت عنها الرقاب. مَن حمى ولي عهد الخلافة في جوف الأرض، يستحق أن تُغلق دونه أبواب الغضب، وتُفتح له أبواب القلوب.”

ثم وضع يده على كتفه وقال بنبرةٍ يملؤها الودّ والامتنان:

“أما جزاؤكَ يا عبيب ولأنها أعلمُ الناس بقدرِ وفائك، فهي التي ستتولى جَزاءك.. وانتظر ما ستجودُ به عليك حين تصل إلى القصر، فهي وحدها مَن تعرف كيف تُكافئ الأوفياء.”

“يا مولاي الخليفة، إذا كان الجزاء من يد لالة ‘شامة’ فأنا لا أطمع في ذهبٍ ولا فضة.. كل ما أرجوه هو أن تأمر خياطي القصر بأن يصنعوا لي رداءً طويلاً يليق بمقامي الجديد؛ فإني تعبتُ من ‘تشّمير’ ثيابي في النفق كي لا أعثر في خطواتي، وأخشى أن أبدو بجانب عظمتك كأني طفلٌ تائهٌ في بهو ملكك!”

ثم أضاف وهو يمسح على بطنه بمكر:

“وأرجو منها أيضاً أن يكون أول جزائها ‘صحناً’ من الثريد ينسيني طعم جدران النفق؛ فوالله يا مولاي، لولا خوفي على ضياع الخلافة، لكنتُ قد أكلتُ أطراف الحصيرة التي ننام عليها من شدة الجوع!”

قهقه الشداد حتى بدت نواجذه، وضرب على كتف عبيبوش قائلاً: “والله لن يُشبع جوعك إلا كرمنا، ولن تكسوك إلا أرقى حللنا يا صانع النصر.”

سكنت الأرض فجأة في عيني الخليفة الشداد. لم يعد يرى الأعلام، ولا الجند،ولا العربات، كل ما أبصره هو ذلك الجسد الصغير الذي نزل من العربة بخطوات مترددة، يفرك عينيه من شدة ضوء الشمس الذي لم يألفه منذ وقات طويل ترجل الشداد من فوق الدرج بخطوات سريعة، كأنه يسابق الزمن ليختصر المسافة بين الملك والأبوة. جثا على ركبتيه فوق الرخام، غير آبهٍ ببردته السلطانية ولا بهيبة الحضور، وفتح ذراعيه على اتساعهما.

ارتمى الأمير الصغير علي في حضن والده، واختفت قامته الصغيرة داخل عباءة الخليفة الواسعة. في تلك اللحظة، لم ينطق الشداد بكلمة واحدة، بل أغمض عينيه بقوة ودفن وجهه في عنق طفله، يستنشق فيه رائحة الحياة التي ظن يوماً أنها ضاعت في سراديب الغدر. نظر في عيني طفله وقال بصوت يرتجف من شدة العاطفة:

“يا بني.. لقد خنقوا النور في عيني حين غبتَ، واليوم عادت الشمس لتشرق من جديد. اضحك يا علي، فقد ولى زمن الخوف، وصار النفق خلفنا، والملك كله تحت قدميك الصغيرتين.”

مسح الصغير بيده النحيلة على لحية والده، وكأنه يتأكد أن هذا الجبل الذي يحمله هو والده حقاً، بينما وقفت لالة اليازية وشريفة تراقبان المشهد بدموع صامتة، وأدرك الجميع أن أعظم فتح حققه الشداد ليس فتح العاصمة، بل هو هذا العناق الذي أعاد الروح إلى جسد الخلافة.

بخطوات وئيدة يملؤها الوقار وتكسوها مهابة الصبر. لم تكن تبحث عن ذهب أو جاه، بل كانت عيناها المتعبتان من عتمة النفق تبحثان عن وجه زوجها الذي فارقته وهي لا تعلم إن كان القدر سيجمعهما فوق الأرض أم تحتها.

أنزل الشداد طفله بلين، ووقف يستقبلها. اقتربت شريفة حتى صارت وجهاً لوجه مع الخليفة، فامتزجت في نظراتها لوعة الماضي بذهول الحاضر. انحنت لتؤدي تحية الخلافة، لكن يد الشداد سبقتها لتمسك بيديها، مانعاً إياها من الانحناء.

نظر الشداد في وجهها، فرأى فيه آثار الأيام السوداء، ورأى الشحوب الذي خلفه هواء الأنفاق، فقال بصوت منخفض لم يسمعه غيرها:

“شريفة.. يا ابنة الكرام، ويا صابرة النفق. والله ما استقام لي هذا العرش إلا لأنني كنت أعلم أن خلفي امرأة بصلابتكِ، حفظت لي اسمي وذريتي في جوف الأرض كما يُحفظ السر.”

رفعت شريفة عينيها، والدموع التي حبستها لشهور طوال بدأت تشق طريقها على وجنتيها، وقالت بنبرة فيها عزة المحب:

“يا مولاي.. لم نكن نحفظ أثرك في النفق فحسب، بل كنا نستمد من اسمك النور كلما انطفأت شمعة. لقد عدنا إليك أحياءً بقلوبنا، أما أجسادنا فقد تركت نصيبها للتراب لكي نصل إليك.”

ابتسم الشداد ابتسامة رقيقة وأشار بيده إشارةً آمرة للخدم لفتح الأبواب الداخلية، إيذاناً بمرورها. كانت النظرات بينهما هي اللغة الوحيدة التي لم يفهمها الحراس؛ نظرة امتنانٍ خاطفة منه، ونظرة طمأنينة منها، قبل أن تدخل لداخل القصر حيث تنتهي الرسميات وتبدأ حقيقة المشاعر خلف الأبواب المغلقة.

عندما ولجت شريفة ردهات القصر الداخلية، بعيداً عن صخب الجند وهيبة الجمع، سقطت كلفة المقام وحكم الجلال. كانت لالة اليازية في انتظارها بقلبٍ يغلي بلهفة الانتظار، تقف شامخة كأنها حارس الروح لهذا البيت.

بمجرد أن وقع بصر شريفة عليها، تسمرت قدماها لبرهة؛

لم تملك اليازية نفسها، فتقدمت بخطوات حثيثة، وقبل أن تنطق شريفة بكلمة، ضمتها اليازية إلى صدرها ضمةً طويلاً، امتزجت فيها دموع الشكر بزفرات الراحة.

قالت اليازية وصوتها يتهدج بمودة صادقة:

“الحمد لله على نجاةِ الروحِ يا شريفة.. والله ما غاب ذكركِ عن لساني، ولا انقطع رجائي في حفظكِ وحفظ الصغير. لقد كنتِ الأمانة الغالية التي استودعناها جوف الأرض، فجزاكِ الله عن صبركِ خيراً.”

“يا لالة اليازية.. لولا طيفكم الذي كان يؤنس وحشتنا، ويقيننا بأن في القصر سيدةً بصلابتكِ تذود عن حمى الشداد، لما قوينا على استنشاق ذلك الضيق. لقد بعثنا الله من مرقدنا يا لالة.. لنكحل أعيننا برؤيتكِ ونستظل بفيئكم من جديد.”

أمسكت اليازية بوجه شريفة بين كفيها، تمسح بيديها آثار الشحوب والكد الذي تركه السرداب، وقالت بيقين الواثق:

“انقضى زمن الكرب يا ابنة الكرام. اليوم تُغسل تلك الذكريات بماء الطمأنينة. الدار داركِ، والعز عزكِ، وما سُلب من نضارةِ وجهكِ في العتمة، سيعوضه جلال النصر ورفعة الشأن. هيا بنا، فللأفراح حقٌّ لا يُؤجل.”

دخلت شريفة جناحها الخاص، وتوقفت عند العتبة للحظات، وكأن قدميها لا تصدقان ثبات الأرض تحتها. كان الجناح عالماً من السكينة والجلال؛ جدرانه مكسوة بالفسيفساء الدقيقة والرخام الصقيل الذي يعكس ضوء القناديل الذهبية، وسقفه نُحتت فيه زخارف أندلسية تتداخل في عناقٍ مهيب.

خطت فوق الزرابي الوثيرة بخطواتٍ بطيئة، تستشعر دفء المكان الذي تفوح من أركانه رائحة البخور والورد الطائفي. اقتربت من الأرائك المبطنة بالمخمل، ولمست بأطراف أصابعها الستائر الحريرية التي كانت تتمايل مع نسمات الهواء العليل القادم من الشرفات الواسعة.

التفتت نحو ابنها علي، الذي ارتمى على إحدى الأرائك ببهجة الصغار، ثم نظرت إلى المرآة العظيمة التي توسطت الجناح؛ رأت فيها وجهها الذي حفر فيه القلقُ أخاديد، لكن ملامحها بدأت تستكين. همست لنفسها بصوتٍ يملؤه الخشوع:

“سبحان مغير الأحوال.. من ضيق اللحد في جوف الأرض، إلى سعة القصور وعز الخلافة. لقد كان التراب فراشنا، واليوم يغمرنا الحرير.. فيا رب، كما أبدلت خوفنا أمناً، اجعل هذا العزّ دواماً لا انقطاع له.”

سارت نحو الشرفة الكبرى المطلة على ساحات القصر، ورأت الشمس وهي تميل نحو الغروب، تسبغ لونها الذهبي على المآذن والقباب. استنشقت هواءً نقياً لم يختلط بغبار الأنفاق، وأغمضت عينيها وهي تشعر لأول مرة منذ دهر أن “الأمان” ليس مجرد حلم، بل هو حقيقة تلمسها جدران هذا الجناح العظيم.

تطرق الباب واحد الطرقة رزيينة، دخلات خادمة

وحدرات راسها وقالت: “للا شريفة، للا اليازية كتعاينكم على مائدة العشا، وقالت ليكم الماكلة اليوم محطوطة في جناحها، بغاتها تكون جلسة ديال الحباب”

تبسمات شريفة وحسات بالدفا في قلبها، هزات وليدها علي من يديه ومشاو لجناح “كبيرة الدار”. غير دخلات، لقات المائدة تبارك الله كشهي؛ طباسل النحاس ملقمين بالثريد والمحمر، وريحة الكسكسو بالبصلة والزبيب عاطية، والفواكه من كل فن وطرب. كانت للا اليازية جالسة في الصدر، والرضا باين على وجهها.

شافت فيهم اليازية وقالت بصوت حنين:

“قربي يا شريفة، جلسي حدايا ابنتي. اليوم غنقسموا خبز الوفاء في الضوا، من بعد ما دوزنا المرارة في الظلام. وزيد يا علي، يا شبل الخلافة، كول وتبرع مع راسك، مشى زمان القحط وجا زمان الخير.”

نظرات شريفة للمائدة بامتنان وقالت:

“والله يا للا، الماكلة بيدك فيها البركة، كتشبع الروح قبل الكرش. كنا فاش كيغلبنا الجوع في داك الغار، كنتفكروا غير حنتك وبركتك وكنصبروا.. الحمد لله اللي جمع الشمل من بعد الشتات.”

حطات شريفة اللقمة من يدها، ومسحات فمها بوقار، وشافت في للا اليازية وقالت ليها بصوت خفيض فيه الهيبة والحشمة:

“الله يخلف عليك يا للا، الماكلة بيدك دواء.

“يا للا اليازية، شامة.. علاش ما جاتش لدابا؟ واش واقع معاها شي باس ولا شي أمر اللي حنا ما واصلناش خبارو؟”

شافت فيها اليازية، وسكتات واحد الشوية وكأنها كتوزن الكلام قبل ما تخرجو، وقالت ليها:

” شامة قابلات السلطان باها فالمعسكر.. هادشي علاش ماوصلاتش فالوقت ..بغات تجلس معاه شوية ..ولاكن دابا راه فطريقها لهنا ..على حساب ماقال الخليفة”

شافت شريفة قدامها وبقات ساكتة لواحد الشوية، من بعد هزات عينيها في للا اليازية وتبسمات ليها تبسيمة خفيفة ورزينة، بلا ما تزيد حتى كلمة.

رجعات هزات اللقمة بيديها وكملات عشاها بهدوء، واليازية حتى هي كملات ماكلتها وصوت الماعن هو اللي كان كيتسمع في الجناح.

الطريق كتاكل منها وهي جاية لعندنا.

في الكوزينة الكبيرة ديال القصر، كانت الروينة والجهد، ريحة المرقة والبخور مخلطة، والخدامة داخلين خارجين كيغسلوا في الطناجر ديال النحاس. في واحد القنت، تجمعوا الطباخين والوصيفات وهما كيهضروا بالغمزة والهمزة.

هز الطباخ الكبير واحد الغراف ديال الما، شرب ومسح فمو بكسوتو وقال:

“يا لطيف! هاد الصواني اللي صيفطنا للخليفة رجعوا كيبكيو.. اللحم تحمر حتى عيا وبرد، والكسكسو تكركب، والشداد ما قاس حتى لقمة. واش هادالخليفة ما كيجوعش؟”

ردات عليه واحد الوصيفة وهي كتجمع الماعن:

“ولاهيلا المعلم الى الآمات (جمع جواري) قالوا بلي ملي كيدخلوا عندو، كيصيبوه واقف كيشوف من الشرفة ولا كيدور في البيت ما كيهضو ما كينطق”

قرب واحد الخادم كان هو اللي كيدي الصينية، وقال ليهم بصوت حادر:

“وعاد زيد عليها، راه عقلو مشطون. راه ما كيرتاح ليه البال حتى يشوف بعينيه الخيمة ديال دبا لالة شامة حطات الرحال هنا. راه الخليفة اليوم فرحتو في لمة ناسو، ماشي في الطبسيل.”

في واحد البيت قريبة من المطبخ، بعيدة على الحس ديال الحرس، تجمعوا عبيبوش جالس متربع، والدادة رقية جالسة فوق وسادة بوقارها، وحداها الخادمات والخدم اللي بقاو وافيين. مائدة محطوطة وسطهم، فيها خبز الدار، وزيتون، وطاجين كيشهي كصعة دكسكسو من داكشي ريحتو عاطية. وما لذ وطاب فداك العشا

كور عبيبوش واحد اللقمة من داااكشي وزاد عليها شي كّديدات

“ايه يا الحبايب.. لقمة في النور أحسن من مية خروف في الظلام! والله يا دادة رقية، إلا كنت كنحلم بهاد الجلسة وأنا تحت الأرض كنسابق مع الفار شكون يوصل لديك لفرتوتة الأول.”

الدادة رقية شافت فيه بواحد الشوفة نصها ضحكة ونصها صرامة، وقالت وهي كتقسم الخبز بالعدل:

“كول وسكتنا يا عبيبوش، لسانك ديما سابق يديك. راه النعمة كتبغي الوقار، وحنا دابا في قصر الخليفة، ماشي في الخلا. ربي نجانا بجهد سيدي ربي ودابا خاص الركادة تولي مشية، والهضرة تولي ميزان.”

صحكات لخويدم كلتوم لي كانت جالسة حداهم وقالت:

“خليوه يا دادة، راه عبيبوش كان هو ‘وناسة’ السرداب. لولا نكايتو وهبالو، كون راه القنط قتلنا قبل الجوع.”

رد عليها عبيبوش وهو كيمسح يديه في كمامو ويغمزها:

“شفتي؟ قوليها لهاد لالة رقية اللي بغات تردني فقيه بالسيف. أنا راه “عبيبوش” ساروت الضيقة، واليوم بغيت ناكل حتى تخرج اللقمة من ودني، وغدا يحن الله. واش ما كاينش شي براد ديال أتاي مشحر ينسينا في ريحة الغمال؟”

الدادة رقية حطات يدها على كتفو وقالت بصوت جدي:

“أتاي موجود، والخير موجود.. ولكن غدا يا عبيبوش، الوقفة قدام الخليفة واليازية ما فيهاش الضحك. الجزاء اللي تسنيتيه راه واجد، فكون راجل وكلامك موزون، راه اللي داز علينا ما كانش لعب ذراري.”

عبيبوش سكت واحد الشوية، وهز عينيه في رقية وقال بنبرة فيها الصدق:

“الجد راه في القلب يا دادة، والوفاء راه في العظم. كوني هانية، عبيبوش راه كيعرف فوقاش يلبس “الجلابة” وفوقاش يلبس “الطرطور”.”

هز عبيبوش راسو وشاف في السقف وكأنه كيسترجع ذيك الليلة الكحلة، وقال بصوت تبدلات نبرتو:

“والله يا دادة، إلا كاع هاد الجلسة والنعمة اللي حنا فيها، راه بسباب لاللة النسى، شكون فينا كان يقدر يدير اللي دارت؟ ضحات براسها باش نعيشوا حنا.”

غير جبد عبيبوش سميت شامة، وذكر ديك الوقفة اللي وقفات نهار سدات عليهم باب النفق، حتى شفتي الدادة رقية تخرطوا كتافها، وهزات طرف ديال شالها غطات به وجهها وبدات كتشهق بالبكا.

قالت رقية وصوتها مخلط بالدموع والحسرة:

“آه يا شامة يا بنتي.. الله يسمح لينا منك. بقيتي تما بوحدك في وجه الشر ذيك الشوفة اللي شفتي فينا وأنت كتسدي الباب، بقات محفورة لي في قلبي بحال الموس. قلت مع راسي مشات المسكينة، مشات ضحية على قبلنا.”

عبيبوش سكت فجأة، وحط الكاس من يدو، وبان عليه الندم حيت جبد الموضوع بهاد الطريقة، قرب لعندها وقال بصوت حنين:

“صافي يا دادة، بركة من البكا، راه دموعك غاليين. راه ربي كبير وما ضيعهاش، وراها حية وجايا فالطريق”

لكن رقية بقات كتنهج وبكات بكا ديال بصح، وزادت كملات كلامها:

“كنت كنبات نخمم، ونقول واش عذبوها؟ واش قتلوها؟ بنية صغيرة بحال هذيك، كيفاش قدات تهز هاد الحمل كامل فوق كتافها؟ سمح لينا يا ربي.. والله إلا شامة هي سارية هاد الدار، وفضلها علينا راه غارق.”

الخدم اللي جالسين كلهم سكتوا وحدروا راسهم، والجو اللي كان فيه الضحك والدعابة قلب كلو حزن ووقار لهاد السيدة اللي ضحات بكلشي باش هما يكونوا اليوم جالسين كيتعشاو في الأمان.

طول تلك الليلة، لم يذق الشداد طعم الكرى. بقي شاخصاً في شرفته العالية، يرمق الأفق بعينين أتعبتهما السهر، والريح الباردة تلطم وجهه وهو لا يريم. كان يراقب الطريق الممتدة كخيط رفيع وسط السواد، وقلبه كوتر مشدود ينتظر لحظة الحقيقة التي طال انتظارها.

ومع انبثاق أولى خيوط الفجر الصادق، حين بدأ بياض النهار يشق ثوب الليل، لاح غبار العربة من بعيد. في تلك اللحظة، ارتجت أركان القصر برنين الأجراس الكبيرة؛ دقات مهيبة ملأت الفضاء، تعلن عن وصول من استعصت على الغياب.

تحرك القصر كخلية نحل هجرتها السكينة؛ الخدم يهرولون في الممرات الملتوية، والوصيفات يتدافعن نحو الشرفات، والجواري يطللن من وراء المشربيات الخشبية بنظرات ملؤها الذهول والفضول، يتهامسن بأصوات خافتة: “أحقاً عادت؟ أهي شامة التي غيبها الردى؟”

توقفت العربة وسط المشور الكبير، مع فرقة من الحرس السريع، وانفتح بابها ببطء وثبات. نزلت شامة.

نزلت والقامة ممشوقة والراس مرفوع إلى عنان السماء، كأنها لم تذق يوماً مرارة النزوح أو وعثاء السفر. التفعت بوشاحها برزانة، وخطت أولى خطواتها فوق رخام الساحة بوقار يفرض الصمت على كل من حولها.

رفع الشداد يده وقبض على سور الشرفة بقوة، وعيناه مسمرتان عليها بنظرة مثقلة بالهيبة والاعتراف بفضل لا يُنسى. رفعت شامة بصرها إليه، فالتقت نظراتهما في مواجهة صامتة، نظرة ندية، عزيزة، لا انكسار فيها ولا خضوع، كأنها تخبره بأن العهد قد وفّي وأن الروح عادت لجسد الملك.

تحلوا بيبان القصر الكبيرة على ميساعها، وخرجوا الجواري والوصيفات في صفوف متراصة، هازين صواني النحاس اللي كتشعل بالضوء.

وسط هذا المشهد المهيب،، كانت الدادة رقية هي الوحيدة التي لم تستطع لجم فيض مشاعرها.

بمجرد أن وقعت عيناها على وجه شامة تحت ضوء الفجر، انهمرت دموعها بحرقة، دموع مالح ممررة بشهور من الخوف والانتظار. لم تكن دموع فرح فحسب، بل كانت زفرات مكتومة لليالي قضتها رقية وهي تناجي الله أن يرد لها “بنتها” التي تركتها خلف باب النفق الموحش.

تقدمت رقية بخطوات مرتعشة، وصوت نشيجها يكسر هيبة الصمت. كانت تمسح دموعها بطرف شالها المبلل، وتحاول جاهدة أن تتماسك وهي تقدم صينية الحليب، لكن يديها خانتها من شدة الارتجاف. شهقاتها كانت تحكي قصة الوجع الذي عاشته وهي تتخيل شامة وحيدة في مواجهة الموت.

شامة، ورغم كل الأنفة والجمود الذي أظهرته أمام الشداد والقصر، لم تستطع تجاهل تلك الدموع. حين التقت عيناها بعيني رقية المغرورقتين، لان غمد قلبها للحظة خاطفة؛ فمدت يدها الرزينة ومسحت دمعة هربت على خد الدادة، في إشارة صامتة تقول لها: “كفى بكاءً.. فقد انتهى الكابوس”.

بقي وجه رقية مبللاً بالدموع وهي تتبع شامة بعينيها، وكل شهقة تخرج منها كانت وكأنها تزيح جبلاً من الهم عن صدرها، وهي تهمس بينها وبين خالقها:

نزل من شرفته بخطوات ثقيلة لها وقع الزلازل على درجات الرخام، حتى وقف عند عتبة الباب الكبير، السد المنيع الذي يفصل بين المشور وخبايا القصر.

وقف الشداد بقامته المديدة وهيبته التي تكسر النفوس، ويداه خلف ظهره،

توقفت وجهاً لوجه أمام الخليفة. ساد صمت رهيب قطع أنفاس الخدم والجواري؛ تقدمت الدادة رقية بوجل، حاملة صينية الحليب والزهر، فمد الشداد يده –في حركات موزونة– وأخذ زلافة الحليب، وقدمها بنفسه لشامة. كانت لحظة تاريخية في عرف القصر، لحظة اختصرت كل كلمات الشكر والتقدير.

شامة، التي لم يرمش لها جفن، مدت يدها وأخذت الحليب. لم تبتسم ولم تنحنِ، بل رفعت الزلافة إلى مستوى نظره، وارتشفت منها وهي تثبت عينيها في عينيه بحدة وعزة، وكأنها تقول له: “لقد عدتُ كما وعدت”.

نثرت الجواري بتلات الورد تحت أقدامهما، واختلطت رائحة الزهر بعبق البخور الملكي. نطق الشداد بصوته الرخيم الذي هز الأرجاء:

“أشرقت الأنوار بقدومك يا شامة.. القصر اليوم يسترد روحه، والوفاء لا يُجازى إلا بالإجلال.”

شامة ردت الزلافة إلى الصينية، وأومأت برأسها إيماءة خفيفة فيها من الأنفة ما فيها، ثم خطت أولى خطواتها لداخل القصر، والشداد يفسح لها الطريق بجسده،

لتدخل بطلةً متوجة بالورد والزهر، تحت أنظار التي كانت تراقب من بعيد كيف كُتب لشامة مجد جديد في ذلك الفجر

داخل جناحها الفسيح الذي يفوح بعبق العود المعتق، كانت للا اليازية تقف خلف المشربية بوقارها المعهود، تراقب بصمت ما يجري في المشور. لم تكن ملامحها تشي بما يدور في خلدها، فقد علمتها الأيام أن وجه الأميرات يجب أن يظل كتاباً مغلقاً لا يُقرأ فيه إلا الثبات.

رأت الشداد وهو يستقبل شامة عند العتبة، ورأت الورد يُنثر تحت أقدامها، فخامرها شعور بالوجل ليس من شامة كشخص، بل على نظام القصر وتراتبيته التي قضت عمرها تحميها. بالنسبة لها، فإن مبالغة الخليفة في هذا الاحتفاء قد تكسر الهيبة التي يجب أن تظل بين الحاكم والمحكوم.

التفتت نحو وصيفتها ببطء، ويدها المرصعة بالخواتم تستقر على صدرها، وقالت بصوت هادئ ورزين يحمل نبرة العتاب:

“يا مبروكة، الوفاء شيمة الأحرار، وشامة قد برت بعهدها.. لكن السياسة ميزان دقيق؛ فإذا زاد التقدير عن حده، اضطربت كفة الهيبة. لقد كنت أرجو أن يكون استقبالها داخل الردهات، لا عند العتبات التي لا يقف عندها إلا الأنداد.”

سكتت اليازية لبرهة، وهي تتأمل بخور المجمر يتصاعد في غرفتها، ثم أضافت بحكمة من خبرت تقلبات القصور:

“شامة عادت اليوم وهي تحمل ديناً في عنق هذا البيت، والديون في القصور ثقيلة يا بنتي.. هي الآن ليست كما كانت قبل الرحيل، وعلينا أن نعرف كيف نحفظ لها قدرها دون أن يطغى حضورها على أصول الحكم.”

أشاحت بصرها عن النافذة وجلست فوق أريكتها المذهبة، تراجع في صمت ترتيبات القصر الجديدة، مدركة أن دخول شامة بهذه القوة سيغير الكثير من موازين القوى التي كانت تديرها بحنكة، وعليها الآن أن تتعامل مع هذا الواقع الجديد بكل ما تملكه من دهاء وحكمة الأم التي تخشى على ملك ابنها.

فاش تسد الباب ديال الجناح الخاص، الصمت اللي كان بيناتهم مابقاش صمت هيبة، ولا صمت “خوف”. كان صمت ثقيل بريحة الشوق اللي بات كيكوي فيهم بجوج شهور وهما بعاد. الشداد مابقاش واقف بوقار السلطان، قرب عندها حتى بدا كيحس بأنفاسها، وهاد المرة عينيه ماكانوش كيقلبوا على “السارية”، كانوا كيقلبوا على “شامة” المرأة.

شامة، وخا الراس مهزوز، يديها اللي مخبيين تحت الملحف كانوا كيرجفوا. شافت فيه واحد النظرة طويلة، نظرة فيها عتاب الحبيب وشوق اللي شاف الموت وجا كيجري لعند اللي كيبغي.

نطق الشداد بصوت دافئ ومبحوح، خلى قلبها يضرب بجهد:

“شامة.. نهار سديتي داك الباب، راه سديتيه على قلبي حتى هو.

كنسول راسي واش بصح ضحيت بيك؟ ولا ضحيت براسي فاش خليتك تما؟”

شامة، والدموع تحجرات في عينيها ولكن ماخلاتهمش ينزلوا، قالت بصوت فيه واحد الرقة اللي عمر حد سمعها منها

“كنت كنسول راسي يا مولاي، وسط داك الظلام والبرد.. واش الشداد غيتفكر شامة اللي عطاتو حياتها؟ ولا غينساها وسط زحام الملك والجاه؟ خفت غير نكون متت ونسيتي حتى ملامح وجهي.”

الشداد مد يديه ببطء، ولمس وجهها بصوبعو، وكأنه كيتأكد بلي راها بصح قدامو ماشي غير خيال. شامة، في ديك اللحظة، غمضات عينيها واستسلمت للمسة ديالو، وراسها اللي عمره ما انحنى لتا واحد، مال شوية لجهة يديه وكأنها لقات بر الأمان.

قال ليها وهو كيشوف في عينيها مباشرة:

“عمرني نساك.. أنتِ الروح اللي كنت كنعيش بها. نهار رجعتي، رجعت ليّ الروح يا شامة.”

شامة تنهدت واحد التنهيدة طويييلة،

في ديك اللحظة، دابت الهيبة والبرود، وبقات غير الحقيقة اللي كيعرفوها هما بجوج: بلي “شامة” القوية هي في الأصل امرأة كتموت في حب “الشداد”، وبلي “الشداد” السلطان ما هو إلا راجل لقى مملكته الحقيقية في عيون شامة.

مالت براسها لوسط كفوفه، واستنشقات ريحته اللي غابت عليها، ريحة المسك والرجولة اللي كانت كتفكرها بيهم غير في أحلامها.

نطق الشداد بصوت كلو حنين ووجع:

“توحشتك يا شامة.. توحشتك لدرجة كنت كنخرج للظلام وكنهضر مع الخيال ديالي، كنسولو واش مازال غتضحك ليا الدنيا ونشوف هاد العيون تاني؟ بلا بيك كان كيبان ليا بحال المقبرة، القصر وخا عامر بالناس، كنت كنحس براسي بوحدي.”

شامة حلات عينيها، وكانوا كيلمعوا بواحد الحب كبير، وقالت بوهج في صوتها:

“كنت كنسمع صوتك في صدى النفق.. نهار كنت كنبرد، كنت كنتفكر غير الوقفة ديالي معاك فقلب الصحراء وكيدفى قلبي. شحال من ليلة تمنيت غير نلمس يديك ونقول ليك بلي شامة عمرها تنساك، وخا يكون الموت بيني وبينك.”

الشداد هبط راسو وباس جبهتها بوسة طويييلة، بوسة فيها الاعتذار وفيها الوعد بلي عمرها ما تزيد تغيب. شامة حطات يديها على صدره، بقات كتحس بقلبه اللي كان كيضرب بجهد، وكأنها كتعاود تكتشف دقات قلبه من جديد.

“أنتِ مكاتب هاد الدار يا شامة.. وأنتِ مكاتبي أنا. من اليوم، ماكاينش اللي غيفرقنا، وماكاينش اللي غيخلي دمعتك تنزل تاني.”

شامة تبسمات وسط دموعها، وتبسيمتها ضوات الجناح كتر من الشموع اللي فيه. قربات منه أكتر، وخشات راسها في عنقه، وغمضات عينيها وهي كتحس بلي أخيراً، من بعد عذاب طويل، لقات طريقها للدار.. لقات طريقها لحضن الراجل اللي كيبغيه قلبها.

وسط هاد الدفا والسكينة اللي غطات الجناح، الشداد حس بلي هاد اللحظة ما محتاجة لكلام، محتاجة لشكر الخالق اللي جمع الشمل من بعد اليأس. قرب لجهة الإبريق ديال الفضة، وتوضا بوقار، وشامة حتى هي توضات ورا الستار، ولبسات دراعية بيضا ديالو ولوات على راسها شالها

الشداد فرش السجادة، ووقف إمام، وشامة وقفت وراه بوقار، حانية الراس وصاغية لقلبها اللي مزال كيضرب بالفرحة. فاش بدات الصلاة، وصوت الشداد الرخيم كيقرأ آيات من الذكر الحكيم، الجو في الجناح تبدل تماماً؛ ولات فيه واحد الروحانية خلات كاع الهموم تدوب. كانت صلاة طويلة، فيها شكر بلاما ينطقو، وفيها دعاء صامت بلي هاد اللمة تدوم. شامة ورا الشداد، كانت كتحس بواحد الأمان ما عمرها حسات بيه؛ هاد الظهر اللي واقف قدامها هو السند اللي كانت كتحلم بيه في ظلام المحابس فاش وصلوا للسجود، شامة طولات بزاف. حطات جبهتها على الأرض، والأرض شربات دموعها اللي نزلو هاد المرة بالسخاوة؛ دموع الراحة بلي الأمانة وصلات وبلي هي دابا في حضرة الله وحضرة اللي كتبغيه. الشداد حتى هو سجد سجدة طويلة، وكأنه كيسلم كاع التقلو وهموم الملك لخالقه، وكيشكر على “المعجزة” اللي رجعت ليه. فاش سالاو الصلاة وسلموا، الشداد بقى جالس في بلاصتو كيدكر الله. دار وجهو وشاف في شامة، لقاها مزال جالسة فوق سجادتها، والضو ديال الفجر اللي بدا كيدخل من الشرجم عكس على وجهها واحد النور غريب.

مد يديه لجهتها ببطء، وشامة مدات يديها حتى تلاقاو ييديهم فوق السجاد. شاف فيها وقال بصوت هادي:

“هادي أحسن صلاة صليتها في حياتي يا شامة.. حسيت بلي ربي قبل شكرنا، وبلي هاد البداية غتكون مباركة.”

شامة زيرات على يديه، وقالت بتبسيمة فيها رضا كبير:

“الحمد لله اللي جعل هاد الدار تجمعنا على طاعتو. من بعد ديك الضلمة، هاد النور ديال الصلاة هو اللي كنت محتاجة ليه باش نطهر كاع الوجع اللي فات.”

جمع يديها باسهم فقبلة دافية غمض فيها عينيه ، ومن بعد ما هز راسو قربات حداه عنقاتو وترمات فأحضانو..حيد الغطا على راسها ومسح على شعرها ثم قال بنبرة دافئة:

“يا شامة.. وسط هذا الزخم وهذا الاستقبال، لم يغب عن بالي أن خلف صمودك قلباً يحمل حنيناً لا يُطفأ. أخبريني بصدق.. هل قرت عينكِ برؤية والدكِ؟ وهل وجدتِ في لقائه ما يجبر خاطركِ المكسور بعد كل ما عانيتِ؟”

رفعت شامة بصرها إليه، واختلطت في عينيها لمعة الدموع بابتسامة رضا هادئة، ثم ردت عليه بصوت يملؤه الشجن والامتنان:

“يا مولاي، رؤية والدي كانت كالغيث الذي سقى أرضاً أجدبها الانتظار. حين وقعت عيني عليه، شعرتُ وكأن عمري الذي سرقه الظلام قد عاد إليّ في لحظة واحدة. رؤيته حياً، معافى، كانت هي الجائزة التي كنتُ أصبو إليها وبها شعرتُ أن تضحيتي لم تذهب سدى، وأن الله لم يضيع لي أجراً ولا صبراً.”

ثم خفضت صوتها قليلاً وهي تزيد من ضغط يدها على يده:

“لقد قرت عيني به حقاً، لكن تمام قرتها لا يكتمل إلا بوجودي هنا، بجانبك.. فوالدي هو أصلي وجذوري، وأنت يا مولاي، أنت السقف والوطن.”

ساد صمت طويل بينهما، صمت لم يكن ثقيلاً بل كان مغلفاً بالسكينة والدفء. ظل الشداد يرمقها بنظراته العميقة، وكأنه يعيد رسم ملامحها في ذاكرته، ثم تنهد تنهيدة خرجت من أعماق قلبه، وقال بنبرة هادئة يملؤها الحنين:

“يا شامة.. لقد اشتقتُ كثيراً لسماع صوتكِ، ولتلك النبرة التي لا تشبه أحداً غيركِ. طوال غيابكِ، كان صدى كلماتكِ يتردد في ذهني لكنه لم يكن يروي ظمأ روحي. طريقتكِ في الحديث،وخفة كلماتك وصوتك الضعيف كلها أشياء كانت تنقصني، فصوتكِ بالنسبة لي ليس مجرد كلام، بل هو الميزان الذي يستقيم به حالي.”

ثم اقترب منها أكثر، وهمس بصدق:

“اسمعيني شعرا يا غزالي “

تبسمات شامة بوقار، ونزلت عينيها للأرض لواحد اللحظة وكأنها كتجمع كاع داك الشوق اللي كان مخبي ورا لسانها، ومن بعد هزات عينيها فيه وبدات كتقول بصوت هادئ ورزين، كلمات خارجة من القلب وموزونة بميزان الذهب:

“يا سـيـد القـصـرِ والـوجـدانِ والـدارِ

يا مـن بـحـبـهِ قـد طـفـتُ أقـداري

سددتُ بـابـاً وفـي قـلـبـي لـكـم وطـنٌ

وكـنـتَ أنـتَ مـنـاري وسـط أوزاري

مـا مـتُّ والـظـلـمـاءُ تـنـهـشـنـي

بـل عـشـتُ أحـمـي بـعـهـدِ الـحـبِ أسـواري”

سكتات شوية وهي كتشوف في عينيه اللي كانوا مشدوهين في كلامها، وكملات بنبرة فيها بزة من الحنين

“صـوتـي الـذي تـهـوى، غـدا لـك طـائـعاً

يـشـدو بـقـربـكَ.. يـا أغـلـى مـن الـدارِ”

بقي الشداد صامتاً لبرهة، وقد سكنت تقاسيم وجهه الصارمة، وكأن كلمات شامة لمست وتراً في قلبه لم يجرؤ أحد على قربه من قبل. نظر إليها بعينين تلمعان بالهيبة والحب معاً، ثم أجابها بصوت رخيم، موزون، وقوي، يردُّ فيه على قصيدتها بشعرٍ يليق بمقامها:

“يا شامةَ الدارِ.. بل يا روحَ جدراني

ويا وفاءً سقى بالصبرِ أركاني

ظنوا بأنكِ في الظلماءِ غائبةٌ

وما دروا أنكِ في الأنفاسِ تسكني

لا جازى اللهُ باباً صُدَّ في وجعٍ

إلا برفعِ مقامٍ.. عـزَّ شاني”

خفض نبرته ليزيدها صدقاً وهو يختم أبياته:

“عـودي إلينا.. فإن القصرَ منطفئٌ

وباسمِ حُبكِ قد أعلنتُ سلطاني”

سكت الشداد، ومد يده ليمسح ببطء على كفها، وكأنه يختم هذا العهد بالشعر والود، مؤكداً لها أن مكانتها لم تعد مجرد “أمانة” أُديت، بل أصبحت هي الركن الذي يستند إليه ملكه وقلبه.

من بعد ما ارتاحت النفوس بهاد الجلسة اللي جمعات بين الصلاة والشعر والحب، الشداد حس بواحد الجوع غريب، ماشي غير جوع الماكلة، بل جوع لديك اللمة اللي غابت عليه شهور.

نطق بصوت فيه نبرة الآمر الحنين:

“دابا يا شامة، عاد غتخلى ليا الماكلة.. وعاد غيدوز ليا الزاد في حلقي.”

بكلمة وحدة، تحركوا الخدم والجواري في صمت، ونزلوا واحد المائدة ملكية ما خلات ما بينات؛ فيها الشهيوات اللي كيبغي الشداد، ومنقوشة بالصنعة الأصيلة

بدات للا شامة (اللي دابا لقب “للا” بدا كيجي معاها كتر من أي وقت فات) كتنزل يديها الرزان، وبدات هي اللي كتناول الشداد. قطعات طريف من الخبز المحمر، وغطساتو في المرق الفواح، وقدماتو ليه بيد كترجف شوية بالخجل:

“بالصحة والراحة يا مولاي.. عساها تكون مكلة مباركة، تخلف ليك صبرك وتقوي ليك عزمك.”

الشداد خدا من يدها وهو كيشوف فيها بواحد النظرة اللي خلاتها تحدر عينيها، وقال ليها وهو كيتبسم:

“الماكلة من يديك يا شامة، عندها طعم آخر. كنت كناكل غير باش نعيش، واليوم راني كناكل باش نستمتع.”

وسط الماكلة، الشداد كان كيذوقها من أحسن ما كاين في الطبلة، وكأنه كيعوضها على داك الخبز اليابس والما القليل اللي دوزات في الآسر كانت اللحظة فيها واحد الرقيّ والرومانسية الهادية؛ والجواري كيرشو الزهر والورد في الركاني، والضحكة الخفيفة بدات كتلقى طريقها لشفايف شامة والشداد.

فاش سالاو، الشداد تنهد تنهيدة ديال الراحة، وشاف في شامة وقال ليها:

“دابا، من بعد ما شبعت النفس والروح، بغيتك تمشي ترتاحي. الحمام راه واجد ليك، والجناح اللي حدايا راه مفرش بأحسن ما كاين. بغيتك ترجعي شامة اللي كتنور القصر، واليوم.. القصر كلو راه رهن إشارتك.”

خرجت شامة من جناح الشداد بخطوات فيها هيبة كأنها كتمشى فوق السحاب. غير حلات الباب، لقات الجواري والخدم واقفين صفين، كينحنيو بوقار وكيرحبوا بـ “للا شامة”. مشات موراهم حتى وصلوا لواحد الباب منقوش بخشب الأرز المذهب، غير تفتح، بقات شامة مبهورة باللي شافته.

غير دخلات شامة وجاتها ديك الريحة ديال العود والزهر عاجّة في الجناح، تنهدات واحد التنهيدة طوييييلة، وكأنها يلاه ردات الروح. بدات كتدور في الجناح وهي مامصديقاش عينيها، كتمس بيديها السدادر اللي مغلفين بتوب “البهجة” الحر والمنبت بالصقلي، وكتمشى فوق الزرابي الرباطية اللي كتدخل فيها الرجل حتى للكعب.

وقفت قدام واحد المراية كبيرة، إطارها كلو من النحاس المنقوش، وشافت في راسها.. شافت “شامة” اللي وجهها شاحب شوية بالتعب، ولكن عينيها فيهم واحد العز ما كاينش عند حتى حد. شافت في يديها اللي حرّشهم الظلام ديال النفق، وقالت في خاطرها: “بصح يا شامة.. هاد اليدين اللي سدوا باب الموت، هما اللي غيحلوا دابا باب العز”.

مشات جيهت البيت الصغير اللي فيه الحمام، لقات “البرمة” محطوطة، والرخام كيسخن، والريحة ديال “الغاسول” المسقي بالأعشاب والورد دايرة حالة في المكان. بانت ليها الدادة رقية جاية وهازة في يديها “تخليطة” ديال الحناء والورد، وقالت ليها بضحكة من القلب:

“ياااه يا بنتي.. هاد النهار كبير عندي! هاد اللحم اللي تكرفس في البرد والظلام، خاصو اليوم يتدلل. دخلي يا للا شامة، سخني عظيماتك، وخلي كاع الهموم تدوب مع الما السخون.”

شامة دخلات للحمام، وبدات كتحس بذاك التعب ديال شهور كيخرج منها مع البخار. كانت كتسمع صوت الماء كيكب، وكأن كل قطرة كتمسح غمة من قلبها. فاش سالات وخرجات، لقات الدادة موجدة ليها قفطان ديال “المليفة” في الأخضر الملكي، مطرز بطرز “المعلم” الذهبي، وشربيل صغيور ديال الصقلي كيلمع.

لبسات شامة وتقادات، ودارت شال ديال الحرير على كتافها، وجلست في ديك الجلسة المنقوشة اللي كطل على الجردة. شافت “الشداد” من بعيد كيدور في المشور، وحسات بواحد الفرحة فشكل.. فرحة “السبع” اللي رجع لغابته، و”التاج” اللي رجع لمولاته.

قلبات في الجناح ولقت كولشي واجد، من ركوة القهوة حتى للبخور اللي محطوط في المبخرة ديال الفضة. تكات على واحد المخيّة، وغمضات عينيها وهي كتسمع صقيل القصر، وقالت:

“الحمد لله اللي عطاني هاد المقام.. دابا عاد غتبدا الحكاية بصح من بعد ما رجع اللامير خليفة”

في قلب القصر الباذخ، وفي ليلة مهيبة تقرر فيها مصير الرجال والنساء، نُصبت مائدة الخلافة الأولى. كان الجو مشحوناً برائحة العود القماري التي تملأ الأرجاء، وصوت “الخبايبوش” والحرس بالخارج يذكر الجميع بأن عهد القوة قد بدأ. هيبة لالة اليازية (أم الخليفة)

دخلت لالة اليازية القاعة وكأنها طاووس ملكي، تجرُّ خلفها أذيال الحرير المنسوج بالذهب. اليازية، التي ترى في نفسها “السيدة الأولى” بلاما ينازعها حد، كانت تمشي بخطوات موزونة ثقيلة

• جلست في صدر المكان، عن يمين الخليفة الشداد، وعيناها تمسحان القاعة بحدة؛ وكأنها تضع كل واحد في حجمه الطبيعي.

• كانت لغة جسدها تقول إنها هي “المرجع” الوحيد، وأن تعيين المناصب اليوم لن يمر إلا بمباركتها أو تحت نظرها الثاقب.

وقار لالة شريفة (الزوجة الأولى)

أما شريفة، فقد استعدت لهذا العشاء بكثير من الرزانة والهدوء والصبر والنفس الطويل، لبست قفطاناً بياقة عالية، يجمع بين الحشمة والوقار الملكي، واختارت أن لا تظهر بمظهر “المنافسة” بل بمظهر “الأصل”.

• كانت شريفة تعلم أن هذا العشاء هو “اجتماع” لترسيم مكانتها كأم لولي العهد.

• جلست بوقار، تُراقب بصمت، وتكتفي بابتسامات خفيفة موزونة، لا تسأل كثيراً ولا تتدخل في لغو الكلام، عملاً برزانة كي لا تبدو في مضهر الضعف او الغيرة،

حضور لالة شامة (الأميرة السليلة)

خرجت شامة من غرفة الخليفة بابتسامة ناعمة ودخلت دخلت القاعة بدمها السلطاني الموروث. لم تكن تحتاج لذهب كثير لتثبت قيمتها، فمشيتها وحدها كانت كافية لتبين أنها “ابنة سلطان” تتقن لغة القصور بالفطرة.

مائدة التعيينات والمناصب

بدأ العشاء بتقديم ما لذ وطاب من “المحمر والمجمر”، ولكن العيون لم تكن على الصحون، بل كانت على الشداد اللذي وقف على صدر المائدة برضى وسكينة .جلس على كرسيه العريق المطرز بخيوط الذهب .

• القميص العلوي (المنصورية): لبس قميص من الحرير “المبريم” بلون أبيض لؤلؤي، مفصل تفصيلة “مخزنية” عريضة كتبرز عرض كتافه. الصدر كان مطرز بخيوط “السقلي” الباهتة اللي ماكتعيقش، مع عقد صغار مخدومين باليد من الفوق حتى لتحت،

• لبس سروال “قندريسي” من الثوب الرفيع (المليفة الرقيقة) بلون ابيض فاتح، مريح في الجلسة ومجموع من التحت عند الكعب مع جواري بيضا كتغطي لحمه و بلغة “زيوانية” صفراء مخيطة باليد، كملات التناسق ديال اللباس وأعطات لرجليه راحة تامة وهو كيتمشى بوقار وسط القاعة. شعره اللي كان مرتب و لحيته المحدقة، كان كيبان فيه “الزين والهمة”؛ راجل جامع بين القسوة ديال المحارب اللي فك أسر شامة وبين الرزانة ديال الخليفة اللي كيحمي شريفة وولده. كانت كل حركة كيديرها كيبان فيها العضلات ديال كتافه، وكأن اللباس الخفيف كيزيد يبين القوة البدنية اللي مخبية وراه.

تنحنح الشداد، وبصوت رخيم يملأ الأركان، افتتح الكلام:

“بسم الله الذي أعزنا بالنصر، وأكرمنا بالجمع بعد الشتات. إن هذه المائدة ليست للقوت فحسب، بل هي مائدة العهد والميثاق. اليوم، نضع أول لبنة في صرح خلفتنا، ولا يستقيم ملكٌ إلا بمن صدقوا الوعد وحفظوا الأمانة.”

التفت بجسده نحو لالة شريفة وقال بوقار:

“يا شريفة، كنتِ الصابرة في المحنة، وحفظتِ عهدنا وولدنا في بطن الأرض وفي عتمة النفق، ولكِ منا مقامٌ لا يطاله نكران.”

ثم استدار بنظرة عميقة اتجاه الأميرة شامة:

“أما شامة، فما الأسر إلا تمحيصٌ لمعدن الملوك الذي يسري في عروقك. ضحيني كقائدة ،وصبرتِ كأميرة، ونحن اليوم لا نردُّ لكِ اعتباراً فحسب، بل نُقدس تضحيتك ونشكر والدك في شخصكِ، فأنتِ اليوم عيننا التي نرى بها ما غاب، وعقلنا الذي يزنُ ثقل القرارات.”

ثم بسط يده مشيراً للجميع:

“اليوم، نعلن تعيين المناصب لا بالهوى، بل بالاستحقاق والوفاء. فليبدأ العشاء، ولينطق لسان الحق بما يخدم أركان هذه الدولة.”

كانت كلمات الشداد موزونة كحد السيف، تعطي لكل ذي حق حقه، ممهداً الطريق لليلة ستتغير فيها خريطة النفوذ داخل القصر وخارجه.

من بعد ما سالا الشداد كلامو، ساد واحد الصمت ثقيل ومهيب، كولشي كيتسنى رد الفعل ديال “السيدة الكبيرة”. لالة اليازية هزات راسها ببطء، وواحد الابتسامة ركينة وواثقة مرسومة على وجهها، وبدات كتدوز عينيها على الحاضرين بحال إلا كتقسم الأدوار بنظراتها.

حطات يدها اللي عامرة بخواتم الذهب والمرجان على المائدة، ونطقت بصوت فيه نبرة السلطة والوقار:

“على بركة الله ياولدي.. الكرسي كيحتاج للي يحميه، والقصر كيحتاج للي يسيرو بلقوة والحكمة. شريفة قامت بالواجب، وحمات الشرف والولد فاش كانت الدنيا مظلمة، وهذا مقام الأمومة اللي ما يعلا عليه مقام.”

تم دارت جيهت شامة، وواحد النظرة ثاقبة خرجات من عينيها، نظرة فيها اعتراف ضمني بقوة الأميرة ولكن فيها حتى “تحدي” صامت:

“أما لالة شامة، فبنت السلاطين ما كتحتاجش شكون يوريها طريق العز. صبرها في الأسر كيبين معدنها الصافي. وإلى كانت هي ‘العين’ اللي كتشوف بيها يا الشداد، فخاص هاد العين تكون ديما حارصة على هيبة هاد الدار الكبيرة.”

شافت في الخدام وأشارت بصباعها:

“نزلو الطعام.. وبداو بالتعيينات. بغينا نسمعو شكون اللي غيهز السيف، وشكون اللي غيهز القلم، وشكون اللي غيسد بابه على أسرار هاد المملكة.”

اليازية في هاد اللحظة كانت كتهز نفسها كأنها هي “ميزان” القصر؛ بغات تبين بلي وخا الشداد هو الخليفة، هي “الروح” اللي كتحرك هاد الماكينة، وبلي أي منصب غيتعطى لشامة أو لغيرها، خاصو يدوز تحت عين اليازية اللي ما كتغفلش.

شاف الشداد في الأم ديالو بواحد النظرة فيها التقدير والامتثال، شاف الشداد في الأم ديالو بواحد النظرة فيها التقدير والامتثال، تنحنح باش يرجع الهيبة للقاعة، وبدا الكلام الموجه لـ لالة اليازية مباشرة:

“يا لالة اليازية، يا منبع الحكمة وركيزة هاد الدار. نتي اللي صبرتي وربيتي، وكنتي السند فاش كانت العواصف كتهز الأركان. اليوم، وبصفتي خليفة، كنعلن قدام الجميع بلي كلمتكِ هي العليّا في شؤون الحريم والقصر الداخلي. نتي ‘السيدة الوالدة’، وخاتمكِ هو اللي كيمضي على أمان النساء وراحتهم.”

وزاد الشداد وهو كيبين السلطة اللي غيعطيها ليها:

“من اليوم، نتي اللي كتشرفي عل أي كبيرة أو صغيرة لداخل، شورها عندك، ورضاكِ هو الميزان اللي كنقيسو بيه الوفاء لهاد العائلة. بغيت كاع الخدام والحرس و الآمات”(الجواري) يعرفوا بلي أمر لالة اليازية من أمري، ومن خالف شورها فقد خالفني.”

اليازية هزات راسها بواحد الكبرياء رزين،كانت وغتبقى فنفس المكانة وبدون منافس ، فهي الام وطول ما هي حية لا يمكن لواحد اخر ياخد مكانها .

وجه الخليفة الشداد نظرتو لجهة شريفة، وبانت في ملامحو واحد الرقة ممزوجة بالهيبة. شريفة، اللي بقات صامدة بوقارها وبلا كثرة أسئلة، شافت فيه بعيون فيها نوع من الخوف وعدم الثقة الضاهر من رمشات عيونها.

تنحنح الشداد وقال بصوت هادئ ومسموع للجميع:

“يا لالة شريفة، كنتِ الصابرة وسط القافلة التي خاضت أهوال باطن الأرض. وخا عبيب هو اللي كان الدليل وهو اللي خرجكم للنور، إلا أن ثباتكِ كأم وحفاظكِ على هدوء ولي العهد وسط كاع داك الخوف، هو اللي خلى القافلة متماسكة.”

ثم أعلن تعيينها الرسمي:

“اليوم، بصفتكِ الزوجة الأولى وأم ولي العهد، مقامكِ هو ‘راعية النسب’. ليكِ الكلمة العليا في كل ما يخص شؤون ابننا وتربيته، لكي ينشأ في عزِّ مقامه. مقامكِ محفوظ يا بنة العم “

تقبلت هذا التكريم بوقار، وهي تعلم أن دورها كان الحفاظ على “النواة” بينما كان الآخرون يشقون الطريق.

والآن، بقيت العيون معلقة على شامة؛ الأميرة التي ينتظر الجميع معرفة مقامها الفريد في هذا العهد الجديد.

تحولت نظرات الشداد نحو الأميرة شامة، وتغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر عمقاً وجدية، فهنا لا يتحدث فقط مع زوجة، بل مع نِدٍّ سياسي وسليلة ملوك ونسبٍ شريف يعرف قدرها جيداً.

قال الشداد وهو يثبت نظره في عينيها:

“أما لالة شامة، ابنة السلطان وسليلة الأكابر، فمقامكِ يتجاوز حدود الجدران. لقد كنتِ الصابرة في أسرِك، الثابتة على أصلِك، واليوم نُعيد لاسم والدكِ هيبته من خلالكِ. أنتِ لستِ فقط سيدة في هذا القصر، بل أنتِ ‘مستشارة العرش وصاحبة الرأي المطاع’.”

ثم أعلن بصرامة أمام الحاضرين، بمن فيهم لالة اليازية وشريفة:

“أمنحكِ اليوم ‘ولاية المظالم والتدبير’؛ فلكِ الحق في النظر في مراسلات الأقاليم، ومشورتكِ هي الميزان الذي أزنُ به قرارات الدولة قبل نطقها. أنتِ عقلي الذي أرى به ما غاب عن الأنظار، وكلمتكِ في شؤون الحكم نافذة ككلمتي.”

الشداد حط يده على الطاولة وشاف في شامة بنظرة فيها واحد التحدي وثقة عمياء، وقال بصوت سمعوه كاع الحاضرين:

“يا شامة، مقامكِ عندي لا تحده جدران. اليوم، أنتِ ناظرة قصورنا؛ لكِ الولاية على بيت المال الخاص، وعليكِ تعتمد الدولة في استقبال الوفود وتمثيلنا قدام الملوك والأكابر. ولأن ثقتي في عقلكِ لا تشوبها شائبة، فهاكِ نسخة من ختمي الخاص؛ توقيعكِ من توقيعي، وختمكِ ينفذ في غيابي وحضوري.”

هاد اللحظة، القاعة ساد فيها واحد الصمت كتقطعو غير أنفاس الحاضرين. عبيبوش والحرس اللي واقفين بعيد فهموا بلي شامة ولات هي “الخليفة الثاني” لداخل.

الشداد جبد واحد الوثيقة مكتوبة بماء الذهب، وعطاها لشامة وقال:

“وهذا ظهير التوقير والاحتـرام، ليعلم القاصي والداني أنكِ ابنة السلاطين، مصونة الجناب، لا يُطبق عليكِ قانون إلا بإذني، ولا يُرفع في وجهكِ صوت. كرامتكِ من كرامة هذا العرش.”

• لالة اليازية (الأم): وخا هي اللي كتحكم في “الحريم”، حسات بواحد “النهزة” في قلبها.وصدمة كسرات وقار وجهها بانت في عينيها واحد الخلعة مخبية وراء الوقار، حيت عرفت بلي “الناظرة” الجديدة غتكون هي اللي كتحكم في الفلوس وفي العلاقات، وهادشي كينقص من سلطة “أم الخليفة” التقليدية وهادشي كسر للقواعد داخل القصر وخارجه .اما شريفة واخا وقع الصدمة على وجهها كان واضح لاكنها ماستغرباتش.. فاللي شافت الشداد كيدير على شامة فأنمارة ولي عمرو دارو على شي واحد خلاها تتوقع اي حاجة منو

شامة، بدمها الملكي ونباهتها، كانت كتقرأ المشهد بدقة عالية. وخا النظرات ديال شريفة واليازية كانت بحال السهام، شامة بقات محافظة على داك “الجمود الرزين” اللي كيميز بنات السلاطين، ولكن لداخل ديالها كان كاين مزيج من المشاعر:

هاد اللحظة كانت هي “الرد الاعتبار” الحقيقي. من بعد شهور العناء وثمن التضحيات هاد الختم وظهير التوقير رجع ليها قيمتها كأميرة بنت سلطان. شامة كانت كتحس بنشوة الانتصار، ماشي حيت غتحكم، ولكن حيت الشداد بين للعالم كلو (وبالخصوص لليازية وشريفة) بلي شامة هي “الكل في الكل”، و بذكائها السياسي، لقطات ديك النظرة اللي دارت بين شريفة واليازية. هي عارفة بلي هاد القرار “علّق ليها جرس” في رقبتها، وبلي دابا ولات هي الهدف الأول لأي مؤامرة ما بقاتش كتشوف في المائدة كعشاء، بل كـ “رقعة شطرنج”، وعارفة بلي من غدا خاصها تبدا تخدم بذكاء باش تفرق هاد التحالف اللي بدأ كيتكون بين الحمة (اليازية) والضرة (شريفة).

اما فاش شافت الختم، ما شافتش فيه غير “زينة”، بل شافت فيه مسؤولية كبيرة. هي دابا عندها فرصة باش تزيد باها هبة وتبني “إمبراطورية” مع الشداد. نظرتها للشداد في ديك اللحظة كانت فيها شكر عميق، ولكن فيها حتى واحد “الوعد” صامت بلي غتكون هي السند الحقيقي اللي غيخليه ينام مرتاح البال وهو عارف بلي شامة حارصة على ملكه.

وخا لاحظت غليان شريفة، شامة اختارت “الترفع”. ما بغاتش تدخل في صراع ديال العيالات بـ “الغمزة واللمزة”، بل بغات تبين بلي مقامها دابا هو مقام “رجال الدولة”. شامة كانت كتشوف في اليازية بنظرة فيها شوية ديال “الشفقة” المختلطة بالكبرياء، كأنها كتقول ليها: “أنا هنا باش نسير دولة، ماشي باش نتخاصم على جناح”.

وقفت شامة بوقار الأميرة التي استعادت عرشها، وعيناها تلتمعان بذكاء حاد كأنها تقرأ المستقبل في صفحات الحاضر. وضعت يدها على “ظهير التوقير” وكأنها تلمس قطعة من روحها الضائعة التي رُدَّت إليها.

بصوت واثق، فيه نبرة الملوك توجهت بالكلام للخليفة الشداد:

“يا مولاي الخليفة، إن هذا الختم الذي وضعتموه بين يدي ليس مجرد زينة، بل هو أمانة ثقيلة وميثاق غليظ أمام الله وأمامكم. لقد كنتُ ابنة سلطان بالأمس، واليوم أنا خادمة لهذا العرش الذي يجمعنا تحت سقف واحد. مقام ‘ناظرة القصور’ الذي وهبتموني إياه، سأجعله حصناً لمالكم، ومرآة لهيبتكم أمام الوفود والأكابر.”

ثم التفتت بنظرة ذكية، جمعت فيها بين الكبرياء والاحترام، نحو لالة اليازية ولالة شريفة، وأكملت كلامها لتطمئن النفوس (أو لتثبت قوتها):

“أما لالة اليازية، فالحكمة تسكن في مشورتها، وهي الأم التي نستظل بظلها. وللالة شريفة كل التقدير، فهي التي حفظت الذرية في الشدائد. سأكون يا مولاي عيناً لا تنام، وعقلاً يزن الأمور بميزان العدل، ولن يخرج من تحت هذا الختم إلا ما يزيد هذا الملك ثباتاً وعزاً.”

حست لالة اليازية بلي ميزان القوى تبدل فهاد الجلسة، وبالرغم من الصدمة اللي كانت باينة في عينيها وفي عيون شريفة، إلا أنها حافظت على وقار “السيدة الكبيرة” اللي ما كتخليش العواطف تغلب على الهيبة ديالها. وقفت ببطء، وهي كتحس بتقرقيش الخواتم ديالها فوق الخشب ديال المائدة، وشافت في الشداد ثم في شامة بواحد النظرة ثاقبة وباردة، وقالت كلمتها المختصرة اللي خلات كولشي يتأمل المعاني ديالها:

“على بركة الله يا الخليفة.. عطيتي لكل واحد مقامه، والآن بقا على كل واحد يثبت بلي قد هاد الحمل. القصور يا شامة ما كتحتاجش غير الختم، كتحتاج للصدر اللي يوسع لكاع المشاكل، واليد اللي تعرف وقتاش ترخي وقتاش تزير. مبروك عليك هاد الولاية، ونتمنى تكوني فعلاً ‘العين’ اللي ما كتغفلش على هيبة هاد الدار.”

وبلا ما تنتظر جواب، جمعت طرف “المنصورية” ديالها بوقار، وأشارت لـ شريفة بنظرة خفيفة كأنها كتقول ليها “تبعينا”، ونهضات من الطاولة بتمخترة فيها بزاف ديال الكبرياء والتحفظ.

تبعتها شريفة بلا تردد، ولكن النهضة ديالها كانت فيها واحد الحرقة واضحة وحركات سريعة كتعكس الغليان اللي لداخل ديالها. شريفة، اللي ما قدراتش تخبي صدمتها من تفضيل شامة عليها في السلطة والمال، وقفت وهي كتشوف في الخليفة الشداد بواحد النظرة فيها عتاب مرير

“اللهم اجعل في هاد الاختيارات خير لهاد الدار.. المقام اللي عطيتينا يا الخليفة غنحفظوه بالدم والروح، ولكن العين اللي كتشوف برا، خاصها ما تنساش اللي صانوا الساس لداخل فاش من زمان.”

دارت وجهها بسرعة جيهت شامة، وعطاتها واحد الشوفة باردة وجارحة، بلا ما تنطق بكلمة تبارك ليها، وجمعت قفطانها بخفة ونهضت من الطاولة باش تلحق بـ لالة اليازية.

بقى الشداد وشامة بوحدهم في القاعة، والصمت اللي خلاه انسحاب اليازية وشريفة كان أبلغ من أي كلام. الجو كان مشحون، والشداد كان كيشوف في الكراسي الخاوية وعارف بلي القرارات اللي خذا اليوم هي “زلزال” هز أركان البيت الداخلي.

الشداد ما تحركش من بلاصته، بقى جالس بوقار، وحط يديه على المائدة وهو كيتنفس بعمق. كان عارف بلي هاد المواجهة كانت ضرورية باش يثبت سلطة شامة، وبلي تراجع اليازية وشريفة هو بداية لمرحلة جديدة في القصر. وخا كيبان صامد، إلا أن النظرة اللي عطاتو شريفة خلاته يحس بتقل المسؤولية؛ هو كيبغي شامة ويقدر عقلها، ولكن ما بغاش يخسر “السند” ديال أمه ووفاء أم ولده. شاف في شامة بواحد النظرة فيها فخر، وكأنه كيقول ليها: “أنا درت اللي عليا، ودابا الدور عليك تثبتي ليهم بلي اختياري كان في محله”.

شامة بقات محافظة على الهدوء ديالها، وما خلاتش ملامحها تبين الضعف أو الخوف من انسحاب “الحلف” النسائي. حطات يدها فوق “الختم” اللي عطاه ليها الشداد، وحسات بالنشوة ديال رجوع الكرامة والجاه اللي فقداتهم فاش كانت أسيرة. ما بقاتش كتشوف في شريفة واليازية كـ “ضرة” و”حمة”، بل كمعارضة سياسية خاصها تعرف كيفاش تسيرها. شافت في الشداد بواحد الابتسامة رقيقة وواثقة، وقالت ليه بصوت هادئ:

“يا مولاي، لا يضيق صدرك بانسحابهم؛ فالحق دائماً له ثقل في البداية. لاللة اليازية وشريفة هما أعمدة هاد الدار، وأنا هنا ماشي باش نحيدهم، بل باش نكون السقف اللي كيحمينا كاملين. خليهم حتى تبرد نار الغيرة، وغيعرفوا بلي قوة شامة هي قوة للشداد ولولده من بعده”.

“يا شامة، بعيداً عن صخب القصر وما وقع، هناك رجل في رقبتنا له دينٌ عظيم.. لولا بصيرته وشجاعته وهو يقود تلك القافلة في جوف الأرض، لما كنا اليوم نجلس تحت هذا السقف. هو من شقَّ لنا طريق النجاة وسط الظلام، ولولاه لكان التاريخ قد كُتب بشكل آخر. ليس هناك من هو أدرى منكِ بمعدن من يخدموك”

لم يكن تكليفه لها بمكافأة عبيبوش مجرد تدبير إداري، بل كان اعترافاً منه بأنه يعلم تماماً كيف يفكر عقل هذه الأميرة .

شاف الشداد في شامة بواحد النظرة فيها بزاف ديال الذكاء، وكأنه كيقرا أفكارها وعارف بلي ميزانو فتفكير شامة مكيخطاش , هو ما خلاش ليها أمر عبيبوش غير هكاك، بل حيت عارف بلي الجزاء اللي غتعطيه ليه غيكون درس لكلشي في الوفاء، وغيبين بلي اللي كيحمي هاد العرش كيوصل لأعلى المراتب.

دارت شامة ببطء جيهت القنت ديال القاعة، فين كان واقف عبيبوش جنب الخدم. كان واقف بوقار، حادر راسو شوية ولكن ملامحو باين فيها واحد الحماس مخبي، وفرحان حيت شاف راسو جزء من هاد اللحظة التاريخية. شافت فيه شامة كأنه داك السند اللي ما خيبهاش، واللي كان “عبدها” الوفي واليوم هو اللي خرجهم من ظلمات جوف الأرض لبر الأمان.

بصوت رزين وفيه الهيبة

“عبيبوش.. قرب لعندي.”

تحرك عبيبوش بخطوات ثابتة وقلبو كيضرب، والشداد كيشوف فيه بابتسامة صامتة

قرب عبيبوش بخطوات مترددة وهو حادر راسو، والشداد كيشوف فيه بنظرة كلها تقدير. شامة شافت فيه بابتسامة حنينة، والتفتت جيهت الشداد والحاضرين وقالت بصوت فيه بزاف ديال الفخر:

“يا مولاي، ويا كاع اللي حاضرين.. أول ما حليت عيني في قصر الوالد السلطان، وبديت كنعقل على الدنيا، كان أول عبد شراه ليا الوالد هو هاد الراجل اللي قدامكم. كان الغرض منه يونسني في وحدتي ويلاعبني، حيت عبيب هكا داير، مخلوق للضحك والنكت والتنقاز وما كيعرفش معنى الحزن. أنا اللي سميتو ‘عبيبوش’ فاش كنت صغيرة، وكبر وكبرت معاه، وبقى بحال ظلي ما كيفارقنيش.”

سكتات شامة شوية، وشافت في عبيبوش اللي كانت عينية مغرغرة بالدموع، وكملات كلامها:

“ولكن اليوم، عبيبوش برهن ليكم كاملين أنه ماشي غير حلايقي ونكايتي كيضحك الناس. اليوم برهن بلي هو منقذ ورجل كيتعول عليه في وقت الشدة. وراه الذكاء ديالو هو اللي خلاني نكلفو هو بالذات باش يخرج القافلة من داك النفق، حيت كنت عارفة بلي مكاينش اللي يقدر يفك رموز المخطوطة ويخرجها من ‘جوف الأرض’ لبر الأمان من غير عبيبوش.”

قربات شامة بخطوة واثقة جيهت عبيبوش، وهزات يدها اللي فيها الختم الجديد، وشافت فيه بواحد النظرة اللي فيها حنان الأميرة وصرامة الحاكمة. شافت في الشداد وكأنها كتاخذ من عينيه الموافقة الأخيرة، وقالت بصوت مسموع خلى كاع اللي في القاعة يحبسوا النفس:

“يا عبيبوش، كنتي عبد وفيّ، وليوم وليتي بطل حر. قدام مولاي الخليفة وكاع اللي حاضرين، كنعلن بلي رقبتك صبحات معتوقة لوجه الله. من هاد اللحظة، مابقيتيش عبد ديال شامة، وليتي أخ وسند لهاد الدار.”

وهنا، خدات شامة القرار اللي غيغير موازين القوى فـ القصر، وقالت وهي كتشوف فـ عبيبوش:

ليوم رقبتك معتوقة لوجه الله، ومن هاد اللحظة مابقيتيش عبد، وليتي رجل حر وسيد راسو. وباش كلشي يعرف مقامك عندي، كنعلن بلي عبيبوش هو ‘رفيقي الخاص ويدي اليمين’.. مابقا عند حتى واحد الحق، كيفما بغا يكون شانو فـ هاد الدار، يآمره ولا ينهيه من غيري أنا شخصياً. كلمتو من كلمتي، وويل للي يفكر يوقف فـ طريقه أو يقلل من هيبته.”

وزادت شامة باش تأكد استقلاليتو المادية:

“وعلى هاد الرفقة والوفاء، غيكون عندك دخل شهري ديال 100 قطعة ذهبية، تخلصها من مالي الخاص، باش تعيش سيد فـ وسط هاد القصر وما يخصك حتى خير.”

وقف عبيبوش القزم قدام شامة، وجسمه الصغير كيرعد بمشاعر مخلطة بين الدهشة والفرحة اللي ما سايعاهش. فاش سمع كلمة “الحرية” ولقى راسو ولى “الرفيق الخاص” اللي ما يقدر حد يآمره، طاحوا دموعه سخان على خدو، دموع غسلات سنين العبودية وردات ليه الاعتبار قدام كاع اللي كانوا كيشوفوه غير “حلايقي” أو “قزم” للتسلية.

بخطوات فيها هيبة جديدة، قرب من شامة وحنى راسو بوقار كبير، وهز يدها بكل احترام وباسها، وهو كيردد بصوت مخنوق بالبكاء:

“الله ينصرك يا لالة شامة.. والله يعلي شانك كيف أعليتي شاني. مكنتش كنحلم بلي غيجي النهار اللي نولي فيه سيد راسي بفضلك، ونكون يدك اليمين ف هاد القصر.”

شامة شافت فيه بواحد النظرة فيها حنان الأميرة اللي كبرات معاه، وفي نفس الوقت صرامة الملكة اللي كتحمي رجالها. خلات يدها في يده لواحد الشوية كإشارة للثقة المطلقة، وقالت ليه بصوت مسموع للجميع:

“ارفع راسك ياعبيب، من اليوم راسك ما يتحنى لغير الله، وكلمتك عندها الميزان ف هاد الدار.”

بخطوات ثابتة وهيبة ملموسة، مسح عبيبوش دموعه اللي سالت على وجهه، ووقف قدام شامة بكل شموخ، وهو كيشوف فيها بواحد النظرة فيها إخلاص منقطع النظير. حنى راسو مرة أخرى كعلامة احترام، ولكن هاد المرة وهو رجل حر، وقال بصوت واثق وقوي تردد في أركان القاعة:

“يا لالة شامة، من هاد النهار، عتابريني درع بشري قوي واقف قدامك. هاد الروح اللي سكنات فيا من جديد بفضلك، مستاعد نضحي بها فـ أي لحظة على قبلك. كنواعدك قدام الله وقدام مولاي الشداد، بلي غنكون الحصن اللي ما يتنقب، واليد اللي غتضرب أي واحد فكر يمس شعرة منك. أنا غنصون هاد اليد اللي عتقت رقبتي من الذل، وردات ليا اعتباري وقيمتي قدام الناس”.

بعد هاد اللحظة المؤثرة، ساد واحد الهدوء فيه الهيبة والرضا في القاعة. الشداد كان كيشوف في شامة بنظرة تقدير، معجب كيفاش قدرت تفرض سلطتها وتكسب ولاء عبيبوش بذكاء وحكمة. بدات أجواء العشا، والحاضرين بداو كيلمسوا التغيير اللي وقع في موازين القوى داخل القصر.

شامة، وهي جالسة في قمة شموخها، حركات يدها بواحد الرزانة جيهت مول العود اللي كان جالس قريب منهم في الأرض. غير شاف الإشارة، بدا يداعب الأوتار بنغمات هادئة وجذابة، وفي نفس الوقت بدا”البراد ” يغني معاهم بصوت تعمار كيسان البلار كيتعز في السما، والرزة ديالو كترسم خيوط من ذهب وسط الكيسان.

هنا، شامة غمضات عينيها شوية وبدات كتغني قصيدة من الملحون المغربي الأصيل

صوت شامة مكانش مجرد صوت، كان “بحة” عباسية أصيلة مخلطة بالروح الأمازيغية والعمق التاريخي. صوتها كان “رخامي” كيهز الوجدان، فيه واحد القوة اللي كتخلي كاع اللي في القاعة يسكتوا ويسمعوا بخشوع. كانت كتغني من قلبها، وكأن كل كلمة في قصيدة الملحون كتحكي قصة من قصص الصبر والنصر اللي عاشتها.

كانت كتموج بصوتها بين الطبقات العالية والمنخفضة بسلاسة، بحال الأمواج اللي كتحرك في ليل هادئ، مما خلى نغمات العود تندمج مع حبالها الصوتية في تناغم عجيب.

يا حافظ العهد صون الود والذمة .. والحر بالوفا كيعلا شانو وسط الزحام

سعدي بسيدي اللي رفع لي الهمة .. وبدد ظلام المحاين وبشرني بالسلام

يا غافل في الدنيا شوف ميزان الحكمة .. شحال من عبد ولى بفعايله سيد المقام

عبيب الوفي جازاه السعد بالنعمة .. فك الرموز وخرجنا من جوف الظلام

طاعت ليه الحروف وفك عقدة مبهمة .. وصار درع متين وحصن في وقت الخصام

يا لالي يا لالي.. العز كيحلى ب ناسو والوفا ساس الدار

يدي اليمين رفيقي اللي جلى الغمة .. معتوق بفضل الله ومكرم بين الخيار

المال فداه والجاه والكلمة التمة .. وويل اللي يعادي من صار لـ “شامة” جار

مع كل “قفلة” ديال البيت، كتشوف في عبيبوش اللي عينية مغرغرة بدموع الحرية وهو كيشوف فيها كأنها الملاك اللي نقذ حياته. والشداد، اللي جالس كيرتشف أتاي “المشحر”، كيلاحظ كيفاش شامة قدرت تحول قصيدة ملحون لبيان سياسي كيعلن ولادة “حلف” جديد ومقدس داخل القصر.

دارت جيهت الشداد بواحد كملات بيها ملحونها وصبعها كيطقطق مع انغام العود على الطاولة ، فديك اللحضة دخلو البنات بالبلدي دارت ليهم “موصوفة “كبيرة الخدم” طريق ومشاو جلسو على الزرابي المفرشة وكل وحدة فيدها الة موسيقية ،دخلو تدريجيا مع انغام العود وغناء شامة حتى كملات النغمة بكل معانيها من ايقاعات مسموعة ..قربو الخدم بسرعة هزو الطبلة دلعشا قدام ااشداد وقروبو صواني عالية من الفاكية جنبو وهوا متكي شاد الكاس فيدو كيتسنط فشرود ومرة مرة يشوف فشامة

قصيدة: سبع القصور وسيد المحافل (في مدح الشداد)

• يا راكب فوق العود الساكب، هَمزة وعْنان

• يا من لبس الحيا والوقار صاية وقْفطان

• هيبتك فالغاشي صدمة، تْحيّر لذهان

• كالمطرق الموزون، ما تميل بك ريح ولا طوفان

• فـ الشدة، سيفك فـ العوارم صقيل

• يا حازم لُمور، ما يغرك قال ولا قيل

• قلبك صخر صوان، وفـ الشفاعة ظلك ظليل

• يا الشداد اللي كلمتك ميزان، وكلامك ثقيل

• يا سارح فـ المكارم، جودك سحاب رْوا

• يا ناصر المظلوم، فيك العهد تْقوى

• الشدة فيك حكمة، ماشي قهر ولا دعوى

• حُر من صلب الأحرار، صيتك فـ البادية والمدينة تْروى

وكملها ترنين العود وصوت البنات كيعاودو الملحون حتى وصل لجناح لاللة اليازية

سدات شريفة الباب، وبقات يدها معلقة فوق الساروت لواحد اللحظة، وكأنها باقة ما ميتيقاش داكشي اللي سمعاتو فالمائدة. الجناح كان غارق فالسكات، ولكن لداخل ديالهم كان زلزال.

للا اليازية بقات واقفة فوسط البيت، وجها ولى شاحب، والصدمة جمدات ليها الملامح. شافت فـ شريفة بواحد النظرة تائهة، ونطقات بصوت ناشف:

“نائبة الخليفة؟ الشداد نطقها بلسانو يا شريفة.. قدام الروايس والعبيد والوزراء. نطقها وكأنها أمر مقضي.”

شريفة دارت عندها، وعينيها غارقين فالتفكير، صوتها كان كيرجف شوية ولكنها حاولت تلملم راسها:

“الصدمة ماشي فـ شامة، الصدمة فـ الشداد. كيفاش قدر يحط ‘الختم’ بين يدين مرى ماقدرات حتى تولد ليه بعدا!!! راه انااا لي خصني نكون فجنبو ومكانها !! راه انا لي ولدت ليه الولد ، ولدت ليه الوريث! واش ماشي هادشي لي خصو يكون ؟؟ واش ماشي المرى لي كتولد هي لي كتكون يدو ليمينة!!”

اليازية بدات كتمشى خطوات قصيرة ومضطربة، ويديها كيرعدو مكتسمعش ليها اصلا:

“أنا أم الخليفة.. أنا اللي سهرت الليالي باش نضمن لولدي الكرسي. يجي الشداد اليوم وبكل بساطة يشرك معاه ‘نائبة’؟ هاد الخطوة راه كتقول بلي ولدي مابقاش هو الوريث الوحيد للسلطة، راه ولات شامة هي اللي شادة الخيوط فغيبتو. باشمن حق ؟؟ باشمن حق كااع يجازيها هاد الجزاء واخا كاع تكون ضحات!! كلشي كيضحي فسبيل الوطن ماشي ضاروري نجازيو اي واحد ضحى !!”

شريفة تكات على واحد الحيط، وحسات بالركابي ديالها فشلو:

“حنا كنا كنظنو بلي شامة غير عابرة سبيل، ساعة صدقات هي اللي غاتولي تحكم فينا.”

اليازية وقفت فجأة، وشافت فـ شريفة بحدة:

“واش هادي هي اللخرة يا شريفة؟ واش غانسكتو لهاد الذل؟ الشداد صدمنا فـ مقامنا، وصدمنا فـ مستقبل ولادنا. هاد القرار راه وقف ليا الدم فعروقي.. ما عمرني تخيلت بلي شي نهار غانشوف وحدة بحال شامة كتاخد بلاصتنا فهاد المشور.”

بعد ما هدات العاصفة الأولى ديال الصدمة، بقات شريفة شادة فـ واحد الركن ديال السداري، وعينيها كيدوروا فـ الخوا، بحال إيلا كتقلب على شي خيط فهاد الروينة اللي نزلات عليهم. دارت عند اليازية اللي كانت باقة واقفة بحال الصخرة، وسولاتها بصوت خافت وفيه ريبة

“والخيزران؟ فين غبرات فهاد الزحام؟ واش حتى هي نساحبات ولا الزمان غدر بيها؟”

اليازية ضحكات واحد الضحكة مرّة، فيها بزاف ديال الغصّة، وشافت فـ شريفة بنظرة فيها “الخبار اليقين”:

“الخيزران؟ هذيك راه فطينة علينا كاملين ملي شافت السفينة بدات كتميل، وهاد القصر ولى بحال عش الزنبور ما تساناتش حتى يطيح عليها السقف. جمعات اللي قدرات عليه، وهربات ولدها فـ نص ليل.كن طاحو عليه كن قضاو عليه”

شريفة وسعات عينيها، والصدمة زادت عليها صدمة أخرى:

هربات؟

اليازية (قربات منها وهضرات بنبرة قاصحة):

“هربات وهربات ولدها معاها. ملي ناض الصداع وتقلب القصر، لقات الطريق خاوية وفصّات ملحة وذابت. كانت عارفة بلي هاد الغابة ما بقا فيها أمان لا ليها ولا لولدها. وحنا اللي بقينا هنا، بقينا كنواجهو هاد الريح اللي هبات علينا اليوم بـ سمية ‘نائبة الخليفة’.”

شريفة نزلات راسها للأرض، وحسات بلي البساط فعلاً بدا كيتحيد من تحت رجليهم:

اليازية: “هادشي كلو بسبابك يا شريفة.. أنتِ مراتو اللولة، وأنتِ اللي كان خاصك تكوني ‘السد’ اللي كيحمي هاد العرش. كيفاش خليتي الشداد يهرب من بين يديك؟ كيفاش خليتي شامة تسرق النظرة والكلمة، حتى ولات اليوم هي اللي كتحكم وتأمر؟”

شريفة هزات راسها، والصدمة باقة باينة فـ عينيها:

شريفة: “أنا يا اليازية؟ أنا اللي كنت ديما السند والوقار؟ راه الشداد هو اللي تبدل، هو اللي ولى كيشوف فـ شامة شي حاجة ما بقيناش حنا راه مابقيناش كنعرفوه!! انا راه تصدمت فيه وغنبقا نتصدم نهار على نهار حتى نموت بالصدمة!.”

اليازية (قربات منها بـ غضب مكتوم):

اليازية: “الرجل كيتكسب بالخاطر وبالعقل ماشي غير بالوقار والسكوت. أنتِ اللي كان عندك المفتاح، خليتيه حتى صدات السوارت فـ يدك، وجات شامة وحلات الباب بـ الملحون وبـ الكلام اللي كيدوخ. شوفي فين وصلنا دابا.. شامة دارت فالشداد ما بغات، ورداتو كيشوفها هي ‘الخلاص’ ديال هاد القصر، وحنا ولينا غير برانيات فـ دارنا.”

شريفة ناضت وقفت، وحسات بالكلمات قاصحين عليها:

شريفة: “حرام عليك هاد الكلام.. أنا راه عطيت حياتي وقيمتي وصبرت ومزالة صابرة،،شنو بغيتني ندير الاللة ؟؟ نقتلها ؟؟”

اليازية (قطعاتها بـ قساوة)

“انا كن كنت فمكانك نتي نديرها،،ولاكن نتي كتسناي منها هي تسبقها ليك..ولدك لي عوالة عليه دابا تاخدو من بين يديك نهار تشوفك حجرة وهي عاقرة غتمسحك من الطريق ويبقا ليها الولد”

حبسات شريفة نفسها، والكلمات ديال اليازية نزلو عليها بحال الصاعقة. الهضرة على ولدها وعلى “العُقم” ديال شامة قصاتها فـ الصميم، خلاتها تحس بلي الحيوط ديال الجناح كيتحركو من بلاصتهم.

دارت عند اليازية، وعينيها عامرين بواحد الخوف

“ولدي؟!!”

اليازية (ضحكات ضحكة باردة، وقربات منها حتى ولى وجهها مقابل لوجه شريفة):

“الشداد اللي شفتي اليوم كينصبها نائبة قدام العالم، ما بقاش هو الشداد اللي كتعرفي. شامة دابا ولات هي ‘العقل’ اللي كيفكر بيه، وإيلا قالت ليه هاد الولد خاصو يتربى فـ حجري باش نوجدو للملك، غايقول ليها آمين. هي عاقرة آ شريفة، والعاقرة ملي كتحكم، كتحرق الخضر واليابس باش تبرد جمرتها. غاتاخدو منك، وغاتخليك نتي ‘رسم’ فالحيط، لا كلمة لا حكم، غي كتشوفي وتصبري حتى تموتي فصبرك، هادشي الى ما صفاتهاش ليك”

شريفة (صوتها بدا كيرعد، ويديها مشدودين فـ بعضياتهم بقوة):

“لالالالالا ياربي…لالا ميمكنش”

اليازية (بصوت حاد وواثق):

“حيت أنا أم الخليفة، وعارفة بلي اللي كيوصل للسلطة ما كيطلقهاش بـ الساهل. شامة بدات بالملحون، ودابا ولات نائبة، وغدا غاتولي هي ‘الكل فـ الكل’. إيلا بقيتي كتسناي المعجزة، غاتفيقي واحد النهار وتلقاي حتى داك الدري اللي هو عوينك، ولى كيناديها”أمي”إيلا ما تحركتيش دابا،غتكوني نتي هي الضحية الجاية فـ هاد القصيدة اللي بداتها شامة.”

بقات شريفة ساكتة، الصدمة اللي كانت فيها تحولات لواحد الخوف مسموم. شافت فـ اليازية، ولأول مرة، لقات بلي داك الغضب ديال ضرتها هو اللي كيبين الحقيقة اللي كانت هي غافلة عليها.

شريفة (بصوت منخفض وفيه قرار جديد):

“إيلا كان هادشي هو اللي كيتسنى ولدي.. فـ أنا ما بقيتش شريفة الصابرة. قولي ليا آ اليازية، أشنو هو التدبير؟”

قربات اليازية من شريفة وهزات ليها راسها بيديها، وشافت فـ عينيها بنظرة فيها المكر والرزانة:

اليازية: “سمعي آ شريفة، اللي بغات تنتقم فـ هاد الدار ما كتهزش الموس، كتهز ‘الخيط’. فـ زمان لالة الخيزران والحرائر دالقصور، كانت المرأة كتحكم من ورا لخيام بلا ما يحس بيها حد. إيلا بغيتي الشداد يرجع ليك، وبغيتي شامة تطيح من داك الكرسي، خاصك تبعي هاد الربعة ديسوارت:”

“عزليها بـ الحيلة” (قطع الأجنحة)

“شامة دابا نائبة، يعني غاتغرق فـ الأوراق والمشور والوزراء. هادي هي فرصتك! خليها تعيا بالمسؤولية، وحنا نخدمو على ‘الحاشية’. قلبي على كاع الناس اللي الشداد كيقدر كلامهم، وبداي تزرعي فيهم بلي ‘المرأة النائبة’ غاتجيبليهم النحس فـ هاد الحكم. خليهم هما اللي يمشيو لعندو ويشكيو منها، ماشي أنتِ.”

“سحر المخدع والسكوت”

“الشداد ملي كيدخل عندك، ما تبقايش تعاتبيه ولا تبكي ليه. بالعكس، كوني أنتِ هي ‘الراحة’ اللي ما كيلقاهاش عند النائبة المشغولة. سحري لسانو بالكلمة الطيبة والمقام العالي، خليه ملي يخرج من عندها مصدع بالسياسة، يلقى عندك أنتِ الجنة. نهار يوالف هاد الراحة، غايولي يشوف خدمتو مع شامة ‘حمل’ تقيل عليه.”

“لعب ورقة الوريث” (الولد هو السلاح)

“شامة عاقرة، وهادي هي نقطة ضعفها اللي غاتقتلها. ديما فكري الشداد بلي ولدك هو اللي غايحمل سميتو، وهو اللي غايوقف فـ جنازتو. جيبيه قدامو، خليه يلعب معاه، وقولي كلام كيقيس القلب بحال: ‘هاد الوليد كيتسنى يشوف باباه السلطان، ماشي النائبة ديال باباه’. خلي الغريزة د الأبوة هي اللي تحارب طموح شامة.”

“زرع الشك”

“السم الحقيقي هو الشك. غانبداو نوصلو خبارات بلي شامة بدات كتكبر وتطغى، وبلي بدات كتاخد قرارات بلا ما تشاوره، أو بلي الوزراء ولاو كيهابوها هي كتر منه. الرجل، وخصوصاً الشداد، كيموت ولا يتمس فـ ‘الهيبة’ ديالو. إيلا حس بلي شامة غاتاخد ليه بلاصتو، هو اللي غايطيرها بيدو.”

اليازية كملات كلامها بصوت فيه الوعيد:

“هكذا كينتقمو الاميرات آ شريفة. ما كنقتلوش الجسد، كنقتلو ‘الثقة’. شامة دابا فرحانة بالمنصب، وحنا غانخليو هاد المنصب يولي هو القبر ديالها. واش مستعدة تخيطي معايا هاد الخيط، ولا غاتخليها تاخد ليك ولدك وتخليك كتشوفي؟”

شريفة بقات ساكتة، ولكن ملامحها بدات كتقساح، وبانت فيها ديك النظرة ديال المرأة اللي قررات تحمي “عشها” بكل ما عندها من قوة.

انتهت نغمة الملحون الأخيرة، وبقى الصدى ديالها كيتردد فـ “المشور” بحال شي حلم. والخدم بدوا كيطفيو الشموع الكبيرة، حتى بقى القصر غارق فـ واحد الهدوء رزين، مخلط بـ ريحة العود المحروق.

فـ الجناح الخاص ديال الشداد، كان الجو مختلف. الضو ديال القناديل خافت، والستور الحريرية كتحرك بـ هدوء مع ريح الليل. الشداد كان جالس فوق السرير السلطاني، ملامحو كانت كتبان فيها الراحة مخلطة بـ واحد التفكير عميق. شامة كانت واقفة قدام “المرآة” ديال النحاس، كتحيد الحلي ديالها بـ رزانة. حطات “التاج” الصغير فوق الطبلة، ودارت عندو بـ واحد الابتسامة هادئة، مشات بخطوات موزونة وجلست عند رجليه فوق الزربية.

الشداد (هز يدو وحطها على كتفها، وصوتو كان فيه بحة ديال التعب والرضى):

“ليلة كبيرة هادي يا شامة.. الملحون ديالك اليوم ما كانش غير غناء، كان سيف نطق بالحقيقة اللي كنت مخبيها فـ صدري سنين. واش عارفة بلي من اليوم، الدنيا ما غاتبقاش كيف كانت؟”

شامة (هزات عينيها فيه بكل ثقة، ولكن بـ رقة):

“عارفة يا مولاي. وعارفة بلي هاد ‘الختم’ اللي عطيتيني، هو أمانة تقيلة. الناس برا كيهضرو، وللاتي فـ الجناح لداخل قلوبهم شاعلة.. ولكن أنا همي الوحيد هو نكون ليك السند اللي كيريحك من ثقل هاد المشور.”

الشداد (تنهد وشاف فـ الفراغ):

“شريفة واليازية نساحبوا.. الانسحاب ديالهم كان بحال شي رسالة مشفرة. اليازية خايفة على مقام أم الخليفة، وشريفة خايفة على رزانة الدار. واش أنا ظلمتهم يا شامة؟ ولا هاد القصر محتاج لـ يد بحال يدك باش يوقف من جديد؟”

شامة (حطات يدها على يدو، وبدات كتهضر بصوت حنين كيدخل للقلب):

“مولاي، السلطان ما كيظلمش، السلطان كيدبر. هما لالاتي وعلى راسي وعيني، ولكن الملك كيبغي ‘العين’ اللي كتشوف البعيد. شريفة ولاللة واليازية بغاوك تبقى فـ ‘الرسم’ القديم، وأنا بغيتك تولي هو ‘الخالق’ ديال عهد جديد. ما تشغلش بالك بـ غضبهم، راه الملحون اللي غنيت ليك اليوم، كيقول بلي ‘الشداد’ هو اللي كيرسي السفينة فين بغى، ماشي فين بغات الريح.”

الشداد بقا كيشوف فـ شامة بواحد النظرة ثقيلة، مخلطة بـ الهيبة والخوف عليها. سكت واحد الشوية،وحدر راسو كيشوف فيها ويدو تحت ذقنها بحنية

الشداد (بصوت رزين وفيه نبرة التحذير):

“شامة، ردي بالك.. هاد الخطوة اللي درنا راه ما سبقاتنا ليها حتى دولة. هادي أول مرة فـ تاريخ هاد العرش اللي غاتقدم فيها امرأة على الرجال، وتجلس فـ مرتبة نائبة السلطان. غاتلقاي عيون كتقدّس الطاعة، ولكن غاتلقاي قلوب ما قادراش تبلع بلي ‘لالّة’ هي اللي غاتعطيهم الأمر والنهي.”

قرب لعندها شوية، وزاد فـ حدة كلامو:

“كاين اللي غا يتقبل حيت كيهابني، وكاين اللي غا يحني راسو وهو كيغلي من الداخل. هاد الرجال كبروا على الكلمة للرجل والسيف للرجل.. ودبا خاصك تعرفي كيفاش تروضي هاد السبوعة بلا ما تجرحي كبرياءهم. أنا عطيتك ‘الختم’ حيت كنثيق فـ عقلك وفتصرفاتك، وعارف بلي لسانك كيزن الكلام قبل ما ينطقو.”

شامة بقات كتشوف فيه بـ واحد الثبات عجيب، وكأنها كانت كتسنى هاد الهضرة.

الشداد (كمل كلامو وهو كيشوف فـ عينيها):

“ثقتي فيك كبيرة، ولكن السلطة راه بحال المشي فوق الحبل. إيلا رخيتي بزاف غا يطغاو عليك، وإيلا زيرتي بزاف غا ينقلبو ضدك. بغيتك تكوني ‘شديدة’ فـ الحق، و’لينة’ فـ التدبير. وريهم بلي الشداد ملي اختار امرأة، راه اختار ‘عقل’ كيسوى قبيلة ديال الرجال.”

شامة نزلت راسها شوية علامة على الاحترام، وقالت بصوت واثق:

“كلامك سيف فوق راسي يا مولاي. أنا عارفة بلي هاد الطريق عامرة بالشوك، ولكن اللي عندو الشداد فـ ظهرو، ما يخافش من غدر الطريق. غا يشوفو بلي الحكمة ما عندهاش جنس، وبلي الختم فـ يد شامة غا يكتب تاريخ جديد لهاد الدولة.. ثقتك هي السلاح ديالي، وما غا نرجعهاش ليك خايبة.”

تبسم الشداد، وديك التكشيرة اللي كانت على وجهه بسباب هموم المشور دابت فجأة، وعوضها واحد البريق فعيونه ما كيشوفوه فيه غير “لالاته” فلحظات الصفاء. قرب من شامة، وهز يده حطها على وجهها بكل حنان، وكأن كلام السياسة والختم والوزراء كله تمحى من ذاكرته فديك اللحظة.

الشداد (بصوت حنين وهمس رقيق):

“ولكن دابا.. دابا بغيتك تنساي الختم، وتنساي المشور، وتنساي حتى بلي أنتِ نائبة السلطان. هاد الليلة، بغيتك تخرجي ليا ‘شامة’ اللي كنعرف، شامة اللي كيسحرني كلامها وكيبري جراحي صوتها. بغيت شامة اللي توحشتها وسط هاد الصداع كلو.”

شامة شافت فيه بواحد النظرة فيها الدلال والوقار الأميري، وبتسمات ابتسامة خفيفة خلات القناديل بحال إيلا زاد ضوها. حست بلي السلطان، رغم قوته وشدته، راه فالاخير كيبقى قلب كيقهروا الشوق.

الشداد (كمل كلامه وهو كيجرها لجهته):

دابا ما كاين غير أنا وأنتِ، والليل اللي كيشهد بلي الشداد وخا يحكم الدنيا، راه فصدرك كيولي محكوم

شامة (بصوت هامس):

“أنا ديما شامة ديالك يا مولاي.. وخا نلبس التيجان ونحكم الممالك، كنبقى ديك النغمة اللي ما كتعرف تسكن غير فخاطرك. الشدة خليناها برا، وهنا.. هنا كاين غير شُدَيدي و سلطان قلبي.”

غمض عينيه على لمسات صبعانها فوق جبينو وقال كيتبسم

“توحشت نسمع هاد السمية من فمك “

هزات شامة واحد الكأس ديال النحاس المنقوش، اللي كانت دايبة فيه شمعة منسمة بـالمسك الأبيض وروح العود، والريحة ديالها بدات كتملا البيت وكتخدر الحواس. بدات كتكب داك الزيت الدافي بين يديها ببطء، وقربات من الشداد اللي كان مستلقي ومرخي كاع عظامو من بعد نهار طويل من الوقار والشدة.

حطات يديها الدافيين على كتافو، وبدات كتدلك العضلات اللي كانت معقدة بـ”ثقل المشور”. كانت حركاتها موزونة، بحال إيلا كتعزف شي قطعة ديال الملحون فوق كتافو، كطلع وتنزل بـ رزانة، وكل دقة من يديها كانت كتمحي همّ من هموم الدولة.

الشداد (غمض عينيه وتنهد تنهيدة عميقة، حس بلي داك الثقل اللي كان هازو بدا كيدوب):

“آه يا شامة.. يديك فيهم سرّ مكنون. هاد العظام اللي كيرعدو الخصوم، دبا بين يديك ولاو بحال الحرير. واش هادي ريحة الشمع ولا ريحة الجنة اللي جايباها معاك؟”

تبسمات ولاحت عليها القفطان لي لابسة برقة للجنب ورجعات للشمعة كتقطرها فوق ضهرهه ودندن ليه بصوت هادىء

رويدك يا شقاءُ، فذا حبيبي

سأطردُ عن مفاصلِه التّعبا

بِكَفّي ألمسُ الأوجاعَ مَحواً

كأنّي أستقي منها اللّهبا

فيا جسداً أطاعَ الصبرَ دهراً

تنعّمْ، قد أتاكَ العطفُ قُربا

عظامُكَ في يدي غُصنٌ رقيقٌ

سأجعلُ لينهـا مِسكاً وعُشبا

أيا شُديدي، سأرقي كلَّ ناحيةٍ

بِلمسِ كفّي، لِيُجلى الهمُّ والنّصَبُ

أتيتُ أسحبُ خيطَ الصبحِ في يديَ

لأغسلَ الضّيمَ عمّن زانَهُ الأدبُ

قهقه بخفوت وراسو بين يديه فوق الوسادة وكمل معاها بصوت جوهري كلماتها لي كانت كتردد فكل مرة كتبدا طلق ليه عضامو حتى رجعو طقس من الطقوس فخلوتهم

شداد،شامة:

عظامُك اليومَ في حِصني ومملكتي

لا بأسَ، لا بأسَ، قد ولّى الذي صَعُبُ

يا مَن “شُديدي” بقلبي قد حفرتَ لهُ

قصراً من الودّ لا يغتالُه الشَّهبُ

جذبها نحوه برفق حتى صارت امامه وعلا بجسده عليها و بصوت خافت يملؤه الحنين قال:

“واللهِ يا سُكني، ويا طمأنينة قلبي..

لقد نالَ التعبُ من جسدي، لكنّ الشوقَ نالَ من روحي أكثر.”

“أكنتِ تظنين أن لَحْنَكِ يداوي العظامَ وحدَها؟

بل إنه أحيا فيّ نبضاً كاد أن يغفو من طوال الغياب.”

“اشتاقت إليكِ الأماكنُ قبل أن أشتاق، وكأنّي كنتُ في سفرٍ طويلٍ لا ينتهي إلا بين يديكِ..

إني اشتقتُ إليكِ حباً، وشوقاً، وحدّ الوجع.”

مد يده ليرفع وجهها إليه برفق، وكأنما يلمس أثمن لآلئ مملكته، ثم همس باسمها “شامة” بصوتٍ متهدج، قبل أن يميل نحوها لتلتقي أنفاسهما في سكون الغرفة.

كانت قبلة الشداد عميقة ودافئة، حملت في طياتها اعتذاراً عن كل غياب، وعن ثقل الأيام التي قضاها بعيداً عن ملامحها. بدأت برقة متناهية كأنها لمسة ندى على بتلات زهرة، ثم ما لبثت أن استحالت إلى بوحٍ صامت باللوعة والاشتياق؛ قبلةٌ لم تكن مجرد تلاقٍ، بل كانت ارواح اجتمعت قبل الانفاس، كانت بمثابةِ ميثاقٍ صامت. لم تكن قبلةً عابرة، بل كانت غرقاً مشروعاً في بحرِ الحنين، امتصَّ فيها الشدادُ كلَّ عذاباتِ الأيامِ الخالية، واستمدَّ من ثغرها القوةَ ليواجهَ العالمَ من جديد. في تلك اللحظة، لم يكن هناك ملكٌ ولا نائبة، ولا عرشٌ ولا صراع؛ كان هناك فقط “الشداد” الذي وجدَ أخيراً موطنَه، و”شامة” التي احتوتْ بقلبها سطوةَ رجلٍ لا ينحني إلا في محرابِ حبها.

كان الشدادُ يعاشرها كمن يستردُّ أرضاً ضاعت منه في غمرةِ الحروب؛ ففي كل لمسةٍ كان هناك مزيجٌ من السطوةِ العسكرية والرقةِ الآدمية. جذبها إليه لتستقرَّ وسطَ غمرةِ ذراعيه، فبدا التباينُ بين جسدهِ الضخم الصلب وقوامها الرقيق كأنه عناقُ السيفِ لغِمدهِ الحريري. لم يكن يطلبها كجارية، بل كان يتقدم نحوها كمحبٍّ يتهيبُ قدسيةَ المحراب، يطبعُ قبلاته على عنقها وكأنه يضعُ أختامَ ملكيتهِ على خارطةِ روحه.

وفي غمرةِ ذلك الاندماج، كانت شامةُ هي “الخفية” التي تقودُ هذا الجموح بحكمتها؛ تارةً تستسلمُ لاندفاعه لتمنحهُ الشعورَ بالظفر، وتارةً تهمسُ في أذنه بلقبه الأثير “شُديدي”، فتروضُ بركانَ غضبهِ وتُحيله إلى شلالٍ من الحنان. كان الشدادُ في تلك اللحظات ينسى أنه القائدُ الذي تهابه الرقاب؛ كان يدفنُ وجهه بين خصلات شعرها، يستنشقُ عطرها وكأنه يستنشقُ هواءَ النجاةِ الأخير، ويتركُ خلف ظهرهِ كلَّ مؤامراتِ القصر ودسائسِ بني النعمان، لم تكن المعاشرةُ مجردَ لقاءٍ للجسد، بل كانت عملية “صهرٍ”؛ حيث تذوبُ قسوةُ الشداد في رقةِ شامة، وتستمدُّ شامةُ من قوةِ الشداد درعاً لطموحها. كان يقبلُ كفيها اللتين تمسحان على شعره بحنان صادق ثم يغرقُ في عينيها باحثاً عن الصدقِ الذي فقده في وجوهِ الجميع وفي أوجِ الوصل، كان يهمسُ لها بكلماتٍ لا تُقالُ إلا في الخلوات، كلماتٍ تعترفُ بأنَّ العرشَ دونها خشبٌ بارد، وأنَّ القوةَ بعيداً عن حضنها مجردُ تعبٍ لا ينتهي.

مع بزوغ خيوط الفجر الأولى التي بدأت تتسلل من المشربيات الخشبية المنقوشة، كان الجناح لا يزال يفوح برائحة المسك وروح العود، لكنها الآن أصبحت أهدأ، كأنها استقرت مع استقرار الأنفاس.

بدأ الضوء يداعب وجه شامة التي كانت تغط في نوم عميق، نصف وجهها مغمور في الوسائد الحريرية، والنصف الآخر يحميه ظل الشداد الذي استيقظ قبلها بقليل. لم يتحرك من مكانه، بل ظل متكئاً على مرفقه، يتأملها بصمتٍ لم يعهده المشور ولا ساحات القتال.

كان الشداد ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة، أو كأنه يتأكد أن ما حدث بالأمس لم يكن حلمًا من أحلام اليقظة وسط غبار المعارك. يده الضخمة، التي كانت بالأمس تحمل الأختام والسيوف، امتدت الآن برقة مفرطة لتزيح خصلة شعر تائهة عن جبينها، محاولاً ألا يوقظ “سكنه” من أحلامها.

الشداد (بصوت مبحوح ومنخفض، يحدث نفسه):

سبحان مَن جعل في هذا الجسد الرقيق قوةً هزمت كبرياء الشداد.. نمي يا شامة، فاليوم يومكِ”

فتحت شامة عينيها ببطء، لتجد وجهه هو أول ما تراه. لم تكن هناك هيبة ولا رسميات القصر؛ كانت هناك فقط ابتسامة ناعمة رسمتها على ثغرها وهي تمد يدها لتلمس لحيته الكثيفة التي بدت ناعمة تحت ضوء الصباح.

شامة (بصوت يملؤه النعاس والدفء):

“صباح الخير يا من ملك القلب قبل الدار.. أراك استبقت الفجر باليقظة، ألم يطرد المسكُ التعبَ كما وعدتُك؟”

الشداد (يقبل باطن كفها):

“بل طرده وأحيا الروح معه. لولا أنَّ لي رعيةً تنتظر خلف الأسوار، لجعلتُ من هذا الجناح عالمي الوحيد، ولأعلنتُ اعتزالي لكل شيء إلا عينيكِ.”

• الهدوء الملكي: حركة الجواري في الخارج كانت خفيفة جداً، يحملن أباريق الماء الدافئ الممزوج بماء الزهر، ينتظرن إشارة خروج القائد أو نداء الأميرة.

• انتقال الحالة: الشداد الآن ليس هو الرجل المنهك الذي دخل بالأمس؛ عيناه أصبحت أكثر حدة وصفاءً، وكتفاه استقامتا، وكأنَّ “صهر” الأمس قد أعاد صياغة قوته من جديد.

• اللغة: بقيت الفصحى هي لسان حالهما في لحظات الصفاء، لكنها فصحى “أندلسية” رقيقة، خالية من جفاف الأوامر العسكرية.

شامة قامت ببطء، والتحفت برداء مخملي، وقصدت النافذة تفتحها لتستقبل نسيم نسيم “قرطبة “الصباحي، وهي تنظر للشداد قائلة:

هيا يا أبا الشداد.. الدولة تنتظر يدك القوية، لكن لا تنسَ أنَّ في هذا الركن قلباً ينتظر عودتك ليلاً ليُرمم ما أفسدته السياسة.”

تبسم الشداد ومشا عندها وقف ورا ضهرها ، ما هضرش لاكن قبلته على عنقها كانت كافية ووافية .

صلى الشداد الفجر .. واتاجه للديوان مباشرة لتثبيت الاعمدة لي غيوقف عليها حكمه .فور ما دخل بلابسه اللي كان مختالف جدا عن لباس النعمان.. كان الشداد يميل اكثر للملابس المشدودة بعيدا عن القفاطين والعبايات ..كان كيلقى راحتو اكثر فشدة الفرسان والسروايل المجموعة والاحزمة العريضة على الخصر لي هازة الخنجر والقمصان المجموعة حول العنق والكمام بعقد صغيرة ، كانت عملية اكثر بالنسبة ليه على اكمام السلاطين والواسعة .وكان كيبغي يبقا قريب من الرعية ويبقا في صفة القائد اكثر من رسميات السلطان في الهندام ، حتى كلامه وتصرفاتو كان اقل رسمية على لي سبقوه من الحكام وكان كلامو شعبي يفهمو الصغير والكبير وواضح بدون لغة الخشب. الشيء لي كيخلي الرعية تعملو حساب اكثر ، لانه كلما قرب منهم وحسسهم انه واحد من الشعب كلما كبر الخوف فعيون الخونة لانهم امام سلطان فحكامو وقائد عسكري فمرواغاتو وواحد من الشعب في فهم لغة حوارهم اكثر .

حتى العمامة لي كانت على راسو كانت مختالفة واول من لبس عمامة مصغرة شبيهة بالرزة فاللون الاسود وعليها شعار فالامام مكتوب عليه”لا الاه الا الله” بخط عربي دائري.

فور ما دخل للديوان دخل موراه مرسول الديوان فيدو مخطوطات ، حدر راسو قدمهم ليه وقال

” رسلاتهم لاللة شامة امولاي”

شدهم الشداد وسرحهم قدامو.. كما كان متوقع تماما ، نجزت الخرائط العسكرية ووضعتها قدامو فوقت وجيز ابعد مما كيتخيل . بدا كيطالع عليهم وعلى تشكلات لي قسمات ليه حتى كسر سكونو وتكركيزو صوت الحارس دالباب بقدوم لاللة اليازية .اشرا ليه الشداد يدخلها وعينيه مزال على الخرائط .وقبل ميرفع راسو قالت بصوت يرتجف حزناً وغضباً):

“أرِح تلك الخرائط يا شداد.. فما عدتُ أعرف أهذه خرائط مُلكنا الذي نُباع من أجله، أم خرائط بغداد التي غزت غرفتنا قبل أن تغزو بلادنا؟”

الأم (بصوت يرتجف حزناً وغضباً):

“أرِح تلك الخرائط يا شداد.. فما عدتُ أعرف أهذه خرائط مُلكنا الذي نُباع من أجله، أم خرائط بغداد التي غزت غرفتنا قبل أن تغزو بلادنا؟”

الشداد (يهدأ ويقترب من أمه باحترام):

“يا أمي، شامة ليست بغداد.. شامة هي عيوني التي أرى بها غدر الطريق.”

الأم (تقف بحدة):

“شامة هي ابنةُ من سفكوا دم أعمامك! هل نسيت كيف هرب جدك ‘صقر قريش’ وحيداً؟ كيف قطع الفيافي والقفار والموت يتبعه في كل شبر؟ العباسيون يا بني لم يقتلوا رجالنا فقط، بل حاولوا محو اسمنا من الأرض. واليوم، أراك تجعل من ابنتهم ذراعك اليمين، وتفتح موانئ ‘شالة’ لسفنهم وجيوشهم.. هل هكذا يُسترد مُلك الأمويين؟ بصدقةٍ من قاتليهم؟”

الشداد (بنبرة هادئة وقوية، وكأنه يشرح فلسفة جديدة):

“اسمعي مني يا أمي، فقد تغير الزمان. والدي بنى لنا الأساس بالهرب، وأنا أبني الإمبراطورية بالدهاء. العباسيون في المشرق الآن ليسوا هم من ذبحوا أهلنا، هم الآن دولة تواجه ما نواجه. شامة لم تأتِ كدية للدم، بل جاءت كجسر للعبور. هل تظنين أنني ضعيف لأنني قبلت جيش والدها؟”

الأم: “وماذا يسمى هذا إن لم يكن ضعفاً؟”

الشداد (يقترب منها ويشرح):

“هذا يسمى ‘الشرعية’. العالم الإسلامي منقسم بين شرق وغرب. بوجود شامة بجانبي، وبدعم والدها، أنا لا أحمي ملكي فقط، بل أجبر التاريخ على الاعتراف بنا. هم أرسلوا الجيش ليحموا ابنتهم، وأنا سأستخدم ذلك الجيش لأثبت أركان خلافتنا هنا في الأندلس والمغرب. لقد كنا ‘طرداء’ يا أمي، واليوم نحن ‘حلفاء’.. وغداً سنكون نحن ‘الأصل’. شامة هي ضمانتي لكي لا يُراق دم أموي آخر على الحدود.”

الأم (بنوع من الانكسار والتردد):

“لكنها عباسية يا ولدي.. دمها لا يمتزج بدمنا.”

الشداد (يبتسم بثقة):

“بل امتزج، وصار بيننا عهد لا يكسره إلا الموت. هي تعطيني علم بغداد وتدبيرها، وأنا أعطيها هيبة الأمويين وفروسيتهم. لقد جعلتُ من عدو الأمس حارساً لداري اليوم.. أليس هذا هو النصر الحقيقي الذي كان يحلم به والدي؟ أن يعود الأمويون للعرش، ولو بيدٍ ساعدتهم من حيث لم يحتسبوا؟”

يخطو الشداد نحو النافذة المطلة على المدينة ، ثم يلتفت لأمه ونبرة صوته تملؤها الهيبة: “يا أمي، أنتِ ترين في شامة أميرةً مدللة نشأت بين الخدم والجواري، لكنكِ لا ترين ما تحت ذلك التاج. شامة لم تأتِ لتعلمنا كيف نلبس الحرير، بل جاءت لتكون ‘مكتبة بغداد المتنقلة’ في قصري.”

الأم (بشيء من الاستغراب): “مكتبة؟ وهل تُبنى الممالك بالكتب يا بني؟”

الشداد (بثقة):

“نعم، تُبنى بالعلم الذي تغلغل في دمها. شامة، يا أمي، قرأت في بغداد ما لا يقرأه قادة جيوشي في دهر. لقد تعلمت علم الفلك وتعرف كيف تقرأ النجوم لتهتدي بها سفننا في عرض البحر. تعلمت الرياضيات وحساب المثلثات، وهي الآن تشرف مع المهندسين على بناء أسوار”شالة”

ليكون بناؤنا متيناً لا تكسره المنجنيقات لقد درست دواوين السياسة وتاريخ الملوك، وتعلمت من والدها كيف يُدار بيت المال، وكيف تُجمع الضرائب دون أن يظلم الرعية. هي ليست مجرد زوجة، هي مستشاري الأول في ‘الخراج’ و’الدواوين’. في بغداد، يا أمي، العلم هو القوة، وشامة هي خلاصة ذلك العلم. هي تعرف لغة ‘الروم’ وتفهم في طبائع الشعوب، وبفضل علمها، عرفتُ كيف أخاطب القبائل وأكسب ولاءهم.”

الشداد (يقترب من أمه ويهمس):

“الأمويون بارعون في الفروسية والكرّ والفرّ، لكننا نحتاج لـ نظام بغداد لنبني إمبراطورية تدوم. شامة هي من وضعت نظام البريد السريع في انمارة، وهي من علمت كُتّابي كيف يحفظون السجلات بدقة. هي عقلٌ عباسيّ في خدمة عرشٍ أموي.. فهل بعد هذا العلم تلومينني إن جعلتها ذراعي اليمين؟”

يتقدم الشداد نحو طاولة خشبية كبيرة، ويضع يده على رزمة من الأوراق التي نظمتها شامة بخط بغدادي أنيق.

الشداد (بنبرة واقعية):

“يا أمي، انظري حولك.. نحن هنا في قرطبة”

نقضي يومنا في صقل السيوف وتدريب الخيول، همّنا الوحيد هو كيف ننجو من غارة أو نثبّت حكماً في قبيلة متمردة. نحن لا نزال في ‘بداية النهضة’، نتحسس طريقنا وسط الضباب.. لكن بغداد؟ بغداد يا أمي سبقتنا بقرن من الزمان.”

الأم (بشيء من الكبرياء): “وهل تظن أن قصورهم أغلى من كرامتنا؟”

الشداد (يقاطعها برفق):

“لا أتحدث عن القصور، بل عن ‘النظام’. في عهد والد شامة، العباسيون لم يعودوا يحكمون بالصدفة. لقد أسسوا ‘بيت الحكمة’، حيث تُترجم علوم اليونان والهند وفارس إلى لغتنا. شامة قرأت كتباً في ‘الجبر’ و’الكيمياء’ نحن لم نسمع بأسماء مؤلفيها بعد. هي تعرف كيف يُنظم العباسيون ‘ديوان الجند’، حيث يُصرف لكل جندي راتبه بالسجل والدرهم، بينما نحن لا نزال نعطي العطايا بالهبة والوعد.”

الشداد (يتابع وهو يشير إلى الخريطة):

“العباسيون يا أمي وصلوا إلى رسم خرائط السماء؛ يعرفون حركة الكواكب ومواعيد الفيضانات. لديهم ‘نظام بريد’ يقطع الفيافي في أيام، ومستشفيات (بيمارستانات) تُعالج الناس بالمجان. نحن هنا إذا مرض فارسٌ منا، انتظرنا رحمة الله أو طبيباً متجولاً.. أما شامة، فتعرف تركيب الأدوية وتقسيمات المستشفيات كما تعلمتها في عقر دار الخلافة.”

الشداد (بجدية):

“أنا أحاول تثبيت عرشي بالدم، وهي تضع في يدي ‘قوانين الإدارة’. هي تشرح لي كيف يضبط العباسيون الأسواق، وكيف يراقبون القضاة، وكيف يبنون الأسطول على أسس هندسية لا تخطئ. أنا أملك الشجاعة، نعم.. لكن شامة تملك ‘خارطة الطريق’. بوجودها، سأختصر خمسين سنة من التخبط. سأبني إمبراطورية أموية، لكن بعقل وبصيرة بغداد التي بلغت الذروة.”

الشداد (ينهي كلامه بنظرة حاسمة):

“لهذا السبب هي ذراعي اليمين.. لأنها ترى ما لا نراه، وتعرف أين وصل الآخرون، لكي لا نبدأ نحن من الصفر.”

تنظر الأم إلى ابنها بنظرة باردة، ثم تبتسم ابتسامة باهتة مليئة بالمرارة، وتدفع بالأوراق التي مدحها الشداد بعيداً عنها.

الأم (بصوت حاد كالشفرة):

“تسميه علماً يا ولدي؟ وتسميها مكتبة؟ أنا لا أرى فيها إلا ‘حصان طروادة’ دخل قصورنا بعطر العباسيين. أنت تتحدث عن النجوم والفلك والخرائط، وأنا أتحدث عن ‘الغدر’ الذي يجري في عروقهم مجرى الدم. هل تظن أن والدها أعطاك ‘مكتبته’ حباً في سواد عيونك؟”

الشداد: “يا أمي، الواقع يقول…”

الأم (تقاطعه بحزم):

“الواقع يقول إن العباسيين لا يعطون شيئاً دون مقابل. هذه العلوم التي تفتخر بها، هي ذاتها التي استخدموها لتعقب أهلك وقتلهم. هذا ‘النظام’ الذي تمدحه هو الذي حاصرنا في دمشق وخنقنا. أنت مسحور بكلماتها المرتبة، لكنني أرى خلف تلك الكتب ‘قيوداً من حرير’. تريد أن تعلمك كيف تدير ديوان الجند؟ غداً ستعرف أسماء جنودك واحداً بواحد وتُرسلها في رسائل مشفرة لوالدها! تريد أن تنظم لك بيت المال؟ غداً ستعرف أين تخبئ ذهبك لتجعل رقبتك تحت رحمة سلطان بغداد!”

الشداد (بمحاولة أخيرة): “شامة تحبني يا أمي، وولاؤها لي..”

الأم (تقف وتمسك بكتفه بقوة):

“الحب يزول، والولاء للدم يبقى. هي عباسية، تربت على أن الأمويين ‘خوارج’ و’مغتصبون’. لا تغرك رقتها، فخلف علم بغداد تكمن رغبة في استرداد ما يعتبرونه حقهم. أنت تبني عرشك بيديها، وأنا أقول لك: من يبني بيته بحجرٍ استعاره من عدوه، سيسقط البيت فوق رأسه يوماً ما.”

تلتفت الأم لتغادر الغرفة، لكنها تتوقف عند الباب وتقول كلمة أخيرة:

“سأبقى أراقب ‘مكتبتك’ هذه يا شداد.. ليس خوفاً من جهلها، بل خوفاً من علمها الذي قد يقتلنا جميعاً ونحن نبتسم.”

منين سدات مو الباب وماتت الهدرة، بقى الشداد واقف فبلاصتو بحال شي شجرة ضربها البرق. البيت اللي كان قبل شوية عامر بصوت العزة والطموح، ولى دابا ثقيل، فيه واحد الصمت كيخنق، كلمات مو بقاو كيدورو فودنيه بحال الدبان ديال ليل: “سلاسل ديال الحرير”، “غدر العباسيين”، “السم فالعسل”. مشى جيهة القوس الكبير اللي كيشوف فـ “جنان الرصافة” والنافورات اللي ما كيسكتوش. قرطبة كانت هادئة، ولكن هو لداخل ديالو كان كينبح فيه واحد الصوت غريب. كلمات مو بقاو كيرعدو فودنيه

شاف الشداد بلي هاد الجوهرة اللي سميتها قرطبة، اللي ماتو على قبلها جدودو، ولات معرضة للخطر من الداخل ماشي من برا. كان كيشوف فشامة هي النفس اللي كيتنفسو هاد القصر، ولكن الشك اللي زرعاتو مو ولى بحال الضبابة غطت ليه الشوف. بدا كيسول راسو: هاد الزين البغدادي واش جا باش يعمر قرطبة ولا باش يطفي ضوها؟ واش هاد ‘المكتبة’ اللي كتحل ليه بيبان العلم، هي بيدها اللي غتحل بيبان قرطبة لولاد عمها العباسيين؟”حط يديه على السارية الرخامية الباردة، وتفكر كيفاش شامة بدلات ليه النظام ديال الدواوين هنا فالعاصمة، وكيفاش ردات كلشي كيمشي بالساعة والميزان. واش هاد النظام “قوة” ليه، ولا “فخ” مخيط بالخيط والابرة باش نهار يطيح، يطيح الدقة وحدة؟

قلبو تزير ملي تفكر شامة وهي جالسة وسط الكتب والخرائط ديال الأندلس، كترسم وتخطط. هاديك اليد اللي كتشد القلم ببراعة، واش تقدر نهار آخر تشد الخنجر؟ ماشي خنجر ديال الحديد، ولكن خنجر ديال المعلومة اللي تقتل الإمبراطورية وهي فمهدها. “الشك بدا كينخر فيه بحال السوس وسط العود الغالي. شاف فالسما ديال قرطبة وقال فخاطرو: ‘أنا يلاه كنثبت العرش، ويلاه بديت كنشوف الحلم كيتحقق.. واش معقول هاد الحلم يكون هو الكابوس ديالي؟’. شامة عرفات كاع ثقابي ديال هاد القصر وانا قدمتو ليها بيدي ،عرفات شكون كيسوى وشكون ما كيسواش، عرفات الحسابات والفلوس فين كاينة.. رداتو كلو عريان قدامها باسم ‘الحداثة والنهضة’. وإيلا كانت هي بنت السلطان العباسي، شكون يضمن بلي عرقها ما يحنش لدوك اللي ذبحو الأمويين فالمشرق؟”تنهد واحد التنهيدة خرجات محروقة، وحس بالوحدة واخا هو وسط عاصمتو. قرطبة بانت ليه فديك اللحظة بحال شي لوحة زوينة ولكن مخدوشة. مو نجحات فأنها تخليه يشوف “العدو” ماشي فالحروب البعيدة، ولكن فالمخدة اللي كينعس عليها.

بقى كيشوف بعين ثاقبة فداك الفضاء: “شكون أنتي يا شامة؟ واش أنتي قدري المحتوم.. ولا غدري المنتظر؟”

الشداد ما قدرش يصبر، العافية اللي شعلات فيه مو خلات القصر ديال قرطبة كيبان ليه بحال يلا كيتحرك. تمشى فالممرات الطويلة، وخطواتو فوق الرخام كان عندها واحد الرنة قاصحة، بحال يلا كيعلن الحرب وهو غير داخل لجناح مرتو.

دخل الشداد لجناح شامة بهدوء تام، بابتسامة “باردة” ولكن مرسومة بدقة، لقاها غارقة في الخرائط لي رسل ليها وقف وراها وشاف فداكشي اللي كتدير، وحط يدو على كتفها بكل رقة، ولكن كانت رقة كتحسسها بـ “الملكية”.

الشداد (بصوت هادئ وموزون): “تبارك الله على لالة شامة.. قرطبة محظوظة حيت عندها عقل بحال عقلك كيسهر على أمنها ف هاد الظهرية.”

شامة وقفت، فرحانة بوجودو ولكن بذكائها حست بلي كاين “إيقاع” متبدل فالمشية ديالو.

“مولاي، نورتي المكان. كنت يلاه كنقارن بين أسوار ‘واسط’ وهاد التحصينات اللي عندنا هنا، بغيت قرطبة تولي حصينة لدرجة ييأس منها أي طامع.”

الشداد خدا الريشة اللي كانت ف يدها، وبدا كيدوزها على الخريطة بحال يلا كيرسم شي طريق خفي.

الشداد (بذكاء): “واسط.. وبغداد.. ديما كتحطي قدامنا أمثلة من المشرق. هادشي زوين، ولكن قولي ليا يا شامة.. فاش كنتي كتقراي هاد النظم فبغداد، واش قرّاوكم حتى كيفاش ‘الحلفاء’ كيقدروا يشوفوا نقط الضعف ف الأسوار اللي كيبنيو ب يديهم؟”

قال هاد الجملة وهو كيشوف فيها بابتسامة غامضة، بحال يلا كيدردش معاها ف الثقافة، ولكن المعنى كان قاصح.

شامة (بثبات): “العلم يا مولاي سلاح، وكله كيعتمد على اليد اللي شادة السلاح. وأنا يدي ما كتعرف غير تبني ليك هاد العرش.”

الشداد ضحك ضحكة خفيفة، وتمشى فالغرفة وهو كيقلب ف واحد السجل “بشوية” وبلا نرفزة، كأنه كيتعرف على الشغل ديالها.

الشداد: “أكيد.. وأنا كلي ثقة. غير هو، الوالدة فكراتني اليوم ف واحد الحاجة مهمة. قالت ليا بلي ‘التاريخ كيتكرر’، وبلي العباسيين بارعين ف الحساب.. لدرجة كيقدروا يحسبوا حتى شحال من جندي كاين ف القصر غير من عدد الخبز اللي كيتخبز. بغيتك توريني هاد السجلات ديال التموين، بغيت نتعلم هاد ‘الدقة’ البغدادية باش حتى أنا ما تفوتني حتى صغيرة.”

شامة، بذكائها “البغدادي” اللي كيقرا ما بين السطور، حست بلي هاديك الابتسامة ديال الشداد وراها “موس” مخبي. الكلمة اللي قال على “الأميرة اليازية”كانت هي الساروت اللي حل ليها اللغز. عرفت بلي عكوزتها بدات كتنفت السم ديالها، وبلي الشداد، واخا كيبغيها، راه فالاخير “حاكم” والشك عند الحكام غريزة كتر من الحب.

شامة ما تخلعاتش، وما هرباتش بعينيها. بالعكس، حطات الريشة من يدها بكل هدوء، ودارت عند الشداد وجمعات يديها قدامها بوقار الأميرة اللي عارفة قيمتها. شافت فيه بواحد الشوفة فيها العطف، بحال يلا كتشوف فطفل خايف، ماشي فحاكم شاك.

شامة (بصوت هادئ ورزين):

“لاللة اليازية “عندها الحق يا مولاي.. التاريخ فعلاً كيتكرر، ولكن اللي كيقرا التاريخ مزيان، كيعرف بلي ‘الشك’ هدم إمبراطوريات كتر ما هدمها الغدر. العباسيين يا الشداد وصلوا فين وصلوا حيت عرفوا بلي القوة ماشي غير فالسيف، ولكن فأنك تعرف تفرق بين ‘العدو’ اللي كيتسناك برا الأسوار، وبين ‘السند’ اللي كيبني معاك هاد الأسوار.”

قربات منه خطوة، وبقات كتشوف نيشان ف عينيه، بلا خوف:

“إيلا بغيتي سجلات التموين، والخراج، وحتى حسابات العسكر.. السوارت كلهم بين يديك، هادشي ماشي ديالي، هادشي ديال ‘الخلافة’ اللي كتحلم بيها. ولكن يا الشداد، عينيّ اللي كيشوفوا ليك الخرائط، وعقلي اللي كينظم ليك الدواوين، ما عندهمش ‘سجلات’. الوفاء ديالي ليك هو الحاجة الوحيدة اللي ما تقدرش تقراها ف الوراق، كتقراها غير هنا..” (وحطات يدها برفق على جيهة قلبو).

بقات ساكتة لحظة، باش تخلي كلامها يبرد فيه ديك العافية ديال الشك، وزادت بواحد النبرة فيها شوية ديال المرارة الذكية:

“تقدر تسحب كاع السوارت لي عطيتيني ..كلشي ديالك وكلشي بين يديك ، اما لاللة اليازية”فبلغ ليها بلي ‘بنت بغداد’ كتشكرها حيت فكراتنا بلي الوفاء ف هاد الزمان كيتسمى ‘خطر’، وبلي العلم كيتسمى ‘جاسوسية’. أنا غنوجد ليك كلشي يا مولاي، ومن دابا لليل، غتلقى فوق مكتبك كاع المفاتح لي مديتي لي..باش يرتاح قلبك وترتاح لاللة اليازية

“الشداد حس بلي الارض كدور بيه. هو دخل باش يقلب على الحقيقة، وساعة لقى راسو كيهدم السور اللي كيحميه. شامة ما بكاتش، ما غوتاتش.. ولكن هاديك ‘البرودة’ اللي هضرات بيها خلاتو يحس بلي قرطبة بدات كتبرد ف عينيه. الانسحاب ديالها من المسؤولية ماشي هروب، وإنما هو إعلان بلي ‘الثقة’ إيلا تهرسات، الوراق والحسابات ما عندهم حتى قيمة.”

شامة تمشات بكل وقار جيهة الصندوق لي حطوه ليها الصباح فداك الديوان ، حطات يدها عليه وقالت ببرودة

” مزال ماحليتو ، مازال ماشافت شنو فيه،، حيت بديت بالخرائط لي نتا محتاج ليهم هما اللولين”

رجعات للخريطة لي قدامو وحطات ليه الختم بكل ادب وكملات كلامها بنبرة هادئة وناشفة

“من دابا، يا مولاي الشداد، غيوليو المهندسين والأمراء ياخدوا الأوامر منك نيشان. ‘مكتبة بغداد’ غتتسد اليوم . الجهل احيانا نعمة ،، والعلم فحالتي خطر على مولاه”

حدرات راسها بأدب وقالت

“المعذرة يا مولاي.. الحاكم اللي كيشك ف اليد اللي كتكتب ليه أسراره، أحسن ليه يكتبهم ب يدو. أنا دابا غنرجع لبيتي، نكون غير ‘شامة الزوجة’.. إيلا بقى لهاد الزوجة بلاصة ف قلبك مورا هادشي اللي وقع.”

حنات راسها شوية، وخرجت من القاعة بخطوات متباعدة ورزينة، وخلات الشداد واقف بوحدو قدام الختم والخرائط.

بقى الشداد واقف فبلاصتو بحال الصخرة، ولكن لداخل ديالو كان ك يغلي. شاف فدوك السوارت اللي محطوطين فوق الخريطة، وبانو ليه فديك اللحظة بحال شي جمر ك يحرق ليه عينيه.

جمع قبضة يدو المرعودة من شدة الغضب وضرب بيها الطبلة حتى تهز كل ما كان فوقها ونادى بصوت فيه بحة من الغضب

” نوااااف”

دخل امين الغرفة كيجري حدر راسو

“نعام امولاي

رد الشداد وهوا كيشوف فنفس النقطة

“جمع هادشي رجعو لصندوق الابنوس ومايدخل حتى واحد لهنا بلا اذن مني”

قالها وخرج بحال البركان الهايج من عينيه كيتمشى بين اسوار القصر حتى وصل للخصة وقال للعبيد لي واقفين قدامو

“وجد ليا الخيل..باغي نخرج بوحدي بلا ميتبعني حتى مخلوق “

شامة، بمجرد ما سدات عليها باب جناحها، ما طاحتش ومبكاتش. “بنت بغداد” ما ترباتش باش تنهار قدام الرجال، ولكن هاد المرة، الضربة كانت قاصحة حيت جات من عند الشداد، الشخص اللي عطاتو ماشي غير سرها، وإنما عطاتو “مفاتيح” عقلها وتاريخ أهلها بلا التضحية لي ضحات عليه.

جلست شامة على طرف السرير، والبيت كلو ساكت. حيدت التاج الصغير اللي فوق راسها وحطاتو جنبها، وكأن راسها خفاف عليها فجأة، بحال يلا كانت هازة جبل مهدوم.

كانت فديك اللحظة بحال شي محارب حط السلاح ديالو وسط المعركة. عينيها كانوا ناشفين، ولكن لداخل ديالهم كان واحد الحزن عميق كيشبه لليل ديال دجلة. ما بكاتش حيت كتحس بالضعف، ولكن بكات حيت حست بالخيبة. هي اللي كانت كتشوف ف الشداد ‘المستقبل’، لقات راسو مزال مربوط بـ ‘الماضي’ وبكلمات اليازية اللي باقة كتشوف فالناس غير ألوان وأعراق.”

ناضت وتمشات جيهة المراية الكبيرة. شافت فوجهها، وبانت ليها ديك الأميرة اللي كانت كتحلم تبني إمبراطورية “بالقلم والمسطرة”. تنهدات وقالت فخاطرها: “ياك قلت ليك يا شامة.. القلوب ف هاد البلاد قاصحة بحال الحجر ديالها، والشك فيها كيغلب حتى اليقين.”

طاحت على ركابها وسط الجناح، والدموع اللي هبطوا ما كانوش غير دموع حزن، كانوا دموع “القهر”. كل دمعة كانت محروقة بذكراها فديك الزنزانة المظلمة غطات وجهها بيديها، وبدا الصدر ديالها كيترعد بالشهيق. تفكرات ديك الليلة الكحلة فـ ‘أنمارة’، فاش كان الموت كيدق فالببان، والشداد غايب تفكرات كيفاش دفعت شريفة وولدها للممر السري، وكيفاش سدت عليهم باش يهربوا للامان، ووقفت هي بوحدها قدام سيوف العدو. فديك اللحظة، ما فكراتش بلي هي ‘عباسية’ وهما ‘أمويين’.. فكرات غير بلي هاداك هو ‘الدم’ اللي كيبغيه الشداد، وضحات براسها على قبلو.”

غمضات عينيها بقوة، وبانت ليها الصورة ديال الحبس.. شهور طويلة دوزاتها فالحظيظ، وسط لبرودية والجوع.

بصوت ممزق وشفايفها كترعد قالت

دوزت شهور عايشة على الما والفتات، كنشوف غير الحيوط والظلام، وكنت كنقول ماشي مشكل.. كلو يهون على قبل الشداد. كنت كنحارب الجوع بالصورة ديال وجهو، وكنحارب الخوف بالذكرى ديال صوته. وفالاخير؟ فالاخير هاد الوفاء كلو تّمساح فلحظة شك؟ جيتي يا الشداد كتحاسبني على أصلي، ونسيتي بلي دمي هو اللي سقى طريق النجاة لولادك؟’.”

حسات شامة بواحد الحرقة فقلبها كتر من الحرقة ديال الجوع اللي دوزات فالحبس. شافت فيديها اللي رقاقوا فديك المحنة، وتفكرات كيفاش كان الشداد كيبوسهم فاش رجعات ليه، وكيفاش كان كيوعدها بلي عمره يخليها تبكي ودابا؟ دابا كلمات مو اليازية غلبوا على شهور ديال التضحية.

حيت حست بلي تضحيتها ولات ‘رخيصة’. بكات بكاء السكت، داك البكا اللي كيقطع النفس. كانت كتقول فخاطرها بلي هي عطاته ‘حياتها’ قبل ما تعطيه ‘سوارت ملكه’، وهو اختار يتيق فخيال مو ويشك فالمرا اللي شافت الموت بعينيها باش هو يبقى سلطان.”

مسحات دموعها بواحد الرعشة تخانت فأنبل حاجة دارتها فـ “أنمارة”. وهاد الجرح هو اللي غيخلي انسحابها اليوم ماشي غير غضبة مرا، وإنما هو “موت” لديك الشامة القديمة اللي كانت مستعدة تموت على قبل الشداد.

سدات عليها باب جناحها، والصمت اللي خارج من تما كان كيخلع كتر من الغوات. الخدم كيمشيو ويجيو على طراف صباعهم، وشمو ريحة الدخان وعارفين الشداد راه برا كيطفي غدايدو ف الخيل.

فهاد الوقت، لالة اليازية ما ضيعاتش الفرصة. هي بالنسبة ليها، انسحاب شامة هو “نصر” جابتو لراجلها ولولدها، ولكن هي عارفة بلي الشداد محتاج اللي يعمر ليه هاد الفراغ دغيا قبل ما يرجع يحن لـ “بنت بغداد”.

مشات لالة اليازية لجناح شريفة (الزوجة الأولى)، ولقاتها جالسة كتحس بلي الوقت تجاوزها، وبلي هي ولات غير خيال ف هاد القصر مورا ما خطفات شامة الأضواء كاملة.

دخلات اليازية بوقارها المعهود، وقفزات شريفة وقفت كترحب بيها، ولكن اليازية حطات يدها على كتفها بحنان فيه بزاف ديال المكر.

اجلسي يا شريفة، اجلسي ابنتي.. الوقت ماشي ديال القواعد والترحيب دابا. واش خبارك بلي الساحة خْوات؟ بنت بغداد ردات السوارت وسدات عليها، والشداد دابا راه تالف بين النخوة ديالو وبين الشغل اللي غارق فيه.”

شريفة (بحيرة): “ولكن يا لالة، الشداد ولف على عقل شامة، وكاع هاد الصداع يقدر يرجعو ليها غدا كاع.”

اليازية (بابتسامة ماكرة):

“هنا فين غيبان الذكاء ديالك. الشداد دابا راه جريح، والراجل فاش كيكون جريح وكيتشك ف العقل اللي كيسيرو، كيرجع يقلب على ‘الأصل’. كيرجع يقلب على المرا اللي كتعطيه الراحة بلا ما تناقشو ف السياسة، المرا اللي كتحسسو بلي هو السلطان الوحيد ف الدار. شريفة، نوضي غسلي هاد الغبار ديال النسيان. بغيتك الليلة توجدي ليه داكشي اللي كيبغي، العشا اللي كيذكرو ب ياماتك

وبداية العز، وبغيتك تلبسي هاداك القفطان اللي طرزتيه ب يدك.. بغيتو فاش يدخل، يلقى ‘الطمأنينة’ ماشي ‘الخرائط والحسابات’.”

اليازية (كتكمل وهي كتشوف ف عينيها):

“شوفي فيّ مزيان.. شامة كانت هي يدو ليمين فأنمارة والحيط لي كيتكا عليه قبل مايتعلن هادشي رسمي ولكن نتي خاصك تكوني هي ‘الدار’. فاش غيدخل غضبان من شامة، خاصو يلقاك نتي الصدر الحنين اللي ما كيسول ما كيحاسب. كوني ذكية، وبيني ليه بلي ‘بنت البلاد’ هي اللي باقية صامدة نهار كيهربوا البرانيين.”

“اليازية كانت كتحرك شريفة بحال شي قطعة شطرنج. بدات كتدفعها باش تخرج من الظل، وكتوصي الخدم باش ينوروا جناح شريفة بالشموع اللي فيها ريحة العود والند. كانت بغات تخلق واحد ‘الجنة مفقودة’ للشداد ف جيهة شريفة، باش غير يدخل يحس بالفرق بين ‘صداع الراس’ اللي كانت مسببة ليه شامة (ف نظرها) وبين ‘الهدوء’ اللي غتعطيه شريفة.

شريفة بدات كتحس بواحد الروح جديدة، ولكن كان فيها الخوف. هي عارفة بلي شامة ماشي ساهلة، وبلي هاد اللعبة ديال اليازية تقدر تحرق كلشي. ولكن الرغبة باش ترجع لمكانتها ف قلب الشداد خلاتها تبدأ توجد راسها، وتلبس أحسن ما عندها، وتستنى الرجوع ديال “السبع” اللي خارج كيهيم ف الخلا.

دخلات دادا رقية لجناح لالة شامة بشوية، وهي هازة ف يديها صينية فيها كاس ديال اللويزة سخون بشوية ديال العسل الحر. دادا رقية هي “البركة” ديال هاد الجناح، هي اللي كتعرف شامة منين كانت كتحبو ف بغداد، وهي اللي شافت غدر الزمان كيفاش دوز عليها.

غير دخلات، لقات الضو طافي والبيت بارد، وشامة جالسة ف الأرض، راسها مكيّ وساندة على طرف السرير، ويديها باقين مخبيين وجهها.

حطات دادا رقية الصينية فوق الطبلة، وتقربات من شامة بحال شي خيال حنين. ما هضراتش ف الأول، غير حطات يدها اللي كرمات بالزمان على كتاف شامة وبدات كتمسد عليها بحال يلا كتمسد على بنيتة صغيرة.

دادا رقية (بصوت حنين ومبحوح):

“بنيتي.. يا ياسمينة ديالي اللي ذبلها ريح الغربة. نوضي يا بنتي، نوضي شربي هاد الميهة دافية، راه دموعك غلاو كتر من هاد الكاس اللي ف يدي.”

شامة فاش حست بلمسة دادا رقية، بحال يلا لقات الصدر اللي غتفرغ فيه كاع داك السم اللي شرباتو اليوم. هزات راسها، وعينيها كانوا منفوخين ودموعهم نازلين بصمت، وارتمات ف حضن دادا رقية وبدات كتبكي بشهيق كيقطع القلب.

شامة (بصوت متقطع ومحروق):

“يا دادا.. أنا اللي ضحيت بعمري فـ ‘أنمارة’.. أنا اللي عشت بين ربعة د الحيوط والظلام، كنشم غير ريحة الموت باش هو ومرتو وولدو يشوفوا الضو.. اليوم، جاني بحال يلا أنا برانية. كيحاسبني على أصلي يا دادا.. الشداد شك فيّ!”

دادا رقية (زيرات عليها ف حضنها ودموعها حتى هي نزلو):

الملوك يا بنتي قلبهم حجر، والكرسي كيعمي العينين. الشداد فارس، ولكن الفارس فاش كيدخل للقصر كيولي يخاف حتى من خيالو. هاديك اليازية نفتات السم ف ودنيه، وهو، الله يهديه، نسا بلي لولاك نتي، كون راه دابا كيبكي على قبور اهلو

مسحات ليها دادا رقية وجهها بطرف زيفها، وقالت ليها وهي كتشوف ف عينيها بواحد الحكمة كبيرة:

دادا رقية:

“ولكن سمعيني مزيان يا شامة.. نتي ‘بنت العباسيين” لي مكيطيحوش

كيرتاحو باش يرجعوا أقوى. هاد الدموع اللي نزلو اليوم، بغيتهم يكونوا هما اللي يغسلوا الطيبة الزايدة اللي فيك. سديتي الباب؟ مزيان. حطيتي السوارت؟ عبرتي. خليه يا بنتي يدوق مرارة ‘الجهل’.. خليه يعرف بلي ‘الزين’ كاين ف كاع البيوت، ولكن ‘العقل’ والوفاء اللي تخلص بالدم، ما كاين غير عند لالة شامة.””شامة بدات كتهدأ شوية ف حضن دادا رقية، ولكن هاد الهدوء كان وراه واحد البرودة جديدة. كلمات الدادا فكراتها بلي هي فعلاً قوية، وبلي الانكسار ديالها هو “بداية” لدرس قاصح غتعطيه للشداد. البيت اللي كان عامر بالشهيق، ولى دابا فيه صمت فيه بزاف ديال التحدي. شامة شربات شوية من داك الكاس، وحست بلي الدفا بدأ كيرجع لأطرافها، ولكن قلبها.. قلبها ولى بحال الثلج جيهة الشداد.”

فهاد اللحضة دخل عبيبوش كيتمايل وعلى وحهه دية الضحكة لي متخفاش . لقى شامة مزال جالسة مع دادا رقية، والجو تقيل بالدموع. وقف بعيد شوية، حاني راسو، ولكن لسانو كان كياكلو باش يوصل “السم” اللي جاب معاه من ممرات القصر.

عبيبوش (بصوت منخفض وفيه نبرة ديال التحذير):

“لالة شامة.. العفو يا لالة، ولكن الصمت اللي هنا، كيقابلو واحد ‘الحيحة’ لهيه ف الجناح لخر. القصر ولى كلو كيهضر بلسان واحد، والريح جابت ريحة الغدر من عند لالة اليازية.”

شامة هزات راسها، وعينيها اللي منفوخين بالبكا تجمعات فيهم واحد النظرة حادة فجأة. دادا رقية زيرات على يديها وهي كتسنى عبيبوش يكمل خبارو.

عبيبوش (وهو كيقرب شوية):

“شفت لالة اليازية خارجة من عند لالة شريفة والضحكة واصلة ليها حتى لودنيها. وشنو غنقول ليك يا لالة؟ جناح شريفة ولى كيشعل بالشموع، وريحة العود والند ف كاع الممرات، والخدم كيجريوا بـ ‘الطيافر’ ديال العشا اللي كيبغيه الشداد.. داكشي ديال التضخيم لقديم، لالة اليازية دايرة خدمتها مزيان، وناوية ترجع الخليفة لحضن شريفة الليلة، باش تنسيه ‘المرة’ اللي دوزها معاك اليوم.”

“الكلمات ديال عبيبوش نزلوا على شامة بحال السّم. هي كانت كتقطع ف لحمها بالندم وبالحزن، وهما لهيه كيوجدو ‘الحفلة’ فوق جرحها. حسات بلي الوفاء ديالها وتضحيتها فـ ‘أنمارة’ ولات فعلاً بحال يلا ما كانتش، وبلي الشداد، اللي كان كيحلف ليها بالوفاء، يقدر ف لحظة يغرق ف ريحة العود والكسكسو ديال لالة شريفة غير باش يهرب من تأنيب الضمير.”

شامة (بصوت بارد وجامد لدرجة كتخلع):

“وزيد يا عبيبوش.. شنو شفتي مزال؟ واش الخليفة رجع؟”

“الخيل ديالتو دخلات للمشور يا لالة، وهو داخل بحال العاصفة، ولكن لالة اليازية كانت كتسناه ف الدخلة، وسمعتها كتهمس ليه بلي ‘الراحة والسكينة’ كتسناه ف جناح شريفة، حيت ‘بنت بغداد’ سدات بيبانها وسوارتها.”

دادا رقية (بعصبية): “الله ياخد فيهم الحق!

شامة ناضت وقفت، مسحات أخر دمعة كانت باقة ف خدها، ولكن هاد المرة ملامحها تبدلات. هاديك “المرأة المنكسرة” ماتت فديك اللحظة، وحلات بلاصتها “الأميرة العباسية” اللي كتعرف بلي الحرب بدات

شامة (وهي كتشوف ف عبيبوش):

“مزيان يا عبيبوش.. خليهم يفرحوا بالليل. اليازية كتحساب ليها بلي شريفة هي ‘الدوا’، ولكن غتكتشف بلي هي غير ‘مخدر’ مفعولو كيسالي مع الطلع ديال الشمس. والشداد.. إيلا كان كيحساب ليه بلي حضن شريفة غينسيه شكون هي شامة، فراه نسى بلي أنا اللي علمتو يفرق بين ‘النوار’ و ‘الخيال’.”

كمل عبيبوش كلامو وهو كينزل راسو للآرض، بحال يلا خايف من الصدمة اللي غيخليها هاد الخبر ف قلب لالة شامة. صوتو ولى كيرجف شوية، وزاد كمل:

عبيبوش (بهمس): “وماشي غير هادشي يا لالة.. لالة اليازية ما اكتفاتش بشريفة. وصات ‘بدر’ والقهارمة باش ينقبو على آمات (جواري) جداد، صغار ف السن، مامسوهم يدين ما داسوهم رجلين.. بغات تجيب دم جديد للقصر، بنات اللي ينسيوه ف كاع اللي فات، وبغات توريه بلي الجمال والعلم موجود ف كاع البقاع، وماشي غير ف بغداد.”

هاد الهضرة كانت هي “الرصاصة” اللي قتلات آخر خيط ديال الأمل ف قلب شامة. دادا رقية تنهدات بواحد الحرقة وضربات على صدرها، أما شامة.. ف فديك اللحظة، ملامح وجهها جمدات، دارت بيها. اليازية ماشي غير بغات تعوضها بشريفة، بغات ‘تمسح’ الأثر ديالها بمرة، وتصغر قيمتها لدرجة تولي مجرد ‘جارية’ قدامت وتّبدلات بآخريات جداد. تضحيتها فـ ‘أنمارة’، والشهور اللي دوزاتها ف الجوع والذل كولشي بغات اليازية تردو ‘لاشيء’ قدام لّذة ديال جواري جداد.”

شامة (بصوت هادئ بزاف)

هي بغات ترد القصر ‘حريم’، وأنا كنت بغيت نردو ‘إمبراطورية’. خليهم يا عبيبوش.. خليهم يجيبوا الزين ديال العالم كامل. ولكن قول ليهم، بلي الجمال كيذبل، والشهوة كتبرد، ولكن ‘الدم’ اللي تهرق فـ ‘أنمارة’ كيبقى شاهد ليل ونهار.”

دارت شامة عند المراية، وشافت ف راسها بواحد النظرة جديدة.

شامة (بلهجة آمرة):

“عبيبوش.. خرج دابا. وخليك العين اللي ما كترمُش. وبغيتك توصل ليا خبار كل جارية دخلات، وكل كلمة تقالت ف جناح شريفة الليلة. دادا رقية.. سدي عليا هاد الباب. ما بغيت نشوف حد، وما بغيت ناكل الليلة، غنخلي الشداد يختار بين ‘السرير’ وبين ‘العرش’.. وغدا، غنشوفو شكون اللي غيبقى صامد فاش تشرق الشمس.”

“شامة بدات كتدور ف الجناح بحال شي لبوة مجروحة وسادة عليها القفص. يديها كانوا كيرجفو، وعينيها شاعلة فيهم واحد العافية حمراء. الغيرة ما كانتش غير حيت غيمشي عند مرا أخرى، الغيرة كانت حيت غيمشي يقلب على ‘الراحة’ ف الوقت اللي هي كتموت فيه بـ ‘الوجع’ على قبلو.

هجمات على الطبلة اللي كانت عامرة بالوراق وبحركة وحدة طيحات كلشي ف الأرض. الريشة تهرسات، والمدايد تهرق فوق الرخام بحال الدم، والخرائط لي كانت ناوية تبدا فيهم تكمشو تحت رجليها.

شامة (بصوت مخنوق بالبكا والسم):

“الفراش يا الشداد؟ بعتيني ‘ بالسرير؟ نسيتي ريحة الموت فـ ‘أنمارة’ وشميتي ريحة العود فـ ‘جناح شريفة’؟”

صابتها نوبة الجنون ومشات للمراية الكبيرة، وشافت ف راسها. بانت ليها ديك ‘شامة الوفية’ بحال شي وحدة مكلخة. هجمات على المجوهرات ديالها، بدات كتنتر ف العقد ديال الجوهر حتى تقطع وطار ف البيت هزات واحد الفاز (زهرية) من الخزف الغالي، ولوحاتو بكل قوتها جيهة الباب.. الصداع ديال التهرساس كان هو الغوات اللي ما قدرتش تغوتو.”

طاحت ف الأرض وسط داك الروينة، وسط المدايد والجوهر المشتت، وبدات كتغرس ضفارها ف لحم يديها باش تطفي العافية اللي ف قلبها.

صوت التهراس اختارق الصمت المريب ديال الممرات. فديك اللحظة، الحرس اللي واقفين قدام الباب تبادلوا الشوفات والخوف باين ف عينيهم؛ حيت عارفين بلي هاداك “الصداع” ماشي ديال جارية عادية، هاداك جنون ديال “أميرة” نهار كتهز يدها على الدنيا. عبيبوش كان مزال قريب، غير سمع الصوت، قفز بحال المش، وقلبو بدا كيضرب. أما دادا رقية، فكانت واقفة ورا الباب، يديها على صدرها وكترعد، خايفة لا شامة تدير ف راسها شي حاجة.

صوت تهرساس فجناح لالة شامة كان بحال الرعد اللي نزل على القصر فليلة صافية. الحركة جمدات فالممرات، والخدم اللي كانوا هازين طيافر العشا لجناح لالة شريفة بقاو مسمرين فبلاصتهم، كيشوفوا فبعضياتهم بخوف، فديك اللحظة، كانت “العريفة ميمونة”، مرا كبيرة فالسن، وجها قاصح بحال الحجر ديال الأسوار ولابسة قفطان كحل وقابطة السوارت فجنبها، غادية بخطوات سريعة جيهة جناح لالة اليازية. دخلات عليها بلا استئذان، وهي كتنهج، ولقات اليازية جالسة كتبرد غدايدها فكاس ديال أتاتاي بالمنصوية، وكتسنى “نصرها” الليلة.

العريفة ميمونة (بصوت كيرجف):

“لالة اليازية.. لالة اليازية! الحقي يا لالة.. الجناح العالي ديال لالة شامة ولى بحال الساحة ديال الحرب. صوت التهرساس وصل لعند الحرس، والخليفة جناحو حدا جناحها وراه كيعوم من غبار المدينة لي جاب معاه ويكون سمع داك الشتيف للي راها لاللة شامة كتشتف حداه.

لالة اليازية (حطات الكاس بجهد، ووجها صفر):

“تهرساس؟ شامة؟ هذيك للي كتدعي الرزانة والحكمة كتهرس المواعين بحال الطفلات الصغار؟”

العريفة ميمونة:

“ماشي غير تهرساس يا لالة.. هاداك صوت ديال مرا بايعة حياتها. والخليفة.. اليوم روح طيح”

غير سمعت اليازية كلام العريفة ميمونة، ناضت من فوق المطرح بحال يلا قرصاتها لفعى، والشراب (البلغة) ديالتها تقلبات ليها ف رجليها. ما بقات تسنات لا وقفة محزمة لا مشية مكودة

اليازية (بصوت مخنوق ووجه مخطوف):

هادي بغات تحرق لينا الزرع والضرع قبل ما تبدا الليلة، ياربي شهاد البلوة طليتيني بيها وكلت عليها الله فهاد العشية”

خرجت اليازية للممر، وهاديك الصورة ديال “المرأة الرزينة” اللي كتمشى بوقار مابقاش ليها أثر. كانت كتجري ف الممرات الطويلة، والخدم والجواري كيهربوا من طريقها ويشوفوا فيها باستغراب. قفطانها المنسوج بالصقلي كان كيتكعبل ليها ف رجليها، وشالها طاح ليها على كتافها وهي كتجري، وصلت لـ “العتبة” اللي قبل الجناح، ولقات الخدم مكدسين تما بحال النمل، كيتسنوا شي خبر. شافت عبيبوش القويزم واقف ف القنت، وواحد الشوفة ف عينيه خلاتها تحس بلي “الفخ” اللي نصبات لشامة صدق عليها هي.

اليازية (بصوت آمر ومزيّر):

ميمونة.. جري عليا هاد البشر،لي لقيتو كيدور هنا غدا يلقا راسو فالمطامر، غير تفرق المجمع وبقاو غير الحيوط اللي كيتصنتو، الباب الكبير ديال الخليفة لي شاد على جناح لالة شامة تفتح بواحد الصدى تقيل. وخرج الشداد. “خرج الخليفة وقطرات الما مزال نازلين من شعره الأسود على كتافه، كان لابس لباس العشية الدارجي الخفيف: السروال القندريسي اللي مفصل بالثوب الرفيع وكيوصل غير للكوع، مبين رجليه اللي عامرين والقميص الداخلي (الجواري) الأبيض الرقيق اللي لاصق على صدره بسباب الما، ولبس فوق منهم الصدرية (الجليليكو) بلا ما يسدها، والبلغة التمرية ف رجليه.”كان كينهج، وصدره العريض كيعلا ويهبط. هاديك الهيبة ديال “الخليفة اللي يلاه خارج من الحمام” تحولت فلحظة لهيبة “المحارب اللي كيشم ريحة الغدر”.

تمشى بخطوات واسعة وقاصحة فالممر الرخامي اللي كيربط بين جناحو وجناح شامة. تما لقى لالة اليازية واقفة، وجهها مخطوف، كتحاول تفرق الخدم والامات(الجواري) اللي تجمهروا بسباب الصداع. وقف الشداد فبلاصتو بحال الصخرة، وصدره كيعلا ويهبط. غير شافوه، الممر كلو سكت،حتى صوت التهراس تقطع

الشداد (بصوت فيه بحة ديال الغضب، وبنبرة خلات كولشي يهبط راسو):

“أش واقع هنا؟”

اليازية (بصوت مهدن)

ما تديش على هاد الصداع، هادو غير.. غير المواعين طاحوا ف جناح لالة شامة، والخدم تخلعوا.. الجلسة ديالك واجدة والشموع ضاوية اولدي ..)

الشداد (بصوت كيرعد كتر):

“طفييي عليا الشمعععع مانشوف حتى شمعة شاعلة قدامي ومنسمع حتى تفس”

اليازية بغات تهضر، ولكن الشداد عطاها بظهرو وتمشى جيهة باب شامة. حط يده القوية على الباب الميتين، ودفعو بيد وحدة حتى تسمع دخلو البيبان لداخل و زاد خطوة وقال بلا ميتلفت

“سد البااب”

خلف الباب المغلق.. المواجهة العارية

تسمع الصدى ديال الباب الكبير وهو كيتسد بجهد، مخلي لالة اليازية والعريفة ميمونة وراهم فالممر كيتسناو المجهول. لداخل، كان الجناح غارق فصمت تقيل، صمت كيصفر فيه غير الريح اللي داخل من الشراجم المفتوحين، وريحة “الخوف” مخلطة مع ريحة “المداد” المهرق.

الشداد زاد خطوة وسط الحطام، والبلغة ديالو كانت كتقرص فوق الزاج المهرس. عينيه جالت ف البيت: الخرائط المقطعة، الكتب اللي تشتتات، والجوهر اللي ولى بحال الرمل ف الأرض. وقف فبلاصتو، وصدره العريض اللي فازك كيعلا ويهبط

شامة كانت جالسة وسط داك الحطام ..شعرها طايح وراسو حتى هوا طايح.هزات عينيها المجمرة شافت فيه وحطات يدها على راجة ماضية ك تبرق ،هزاتها ووقفات قدامو و حطاتها على عرق رقبتها

الشداد (بصوت فيه بحة مرعبة، وعينيه مركزين على الزجاجة):

“هادشي كامل يا شامة؟ هاد الروينة كاملة بغيتي تخليها فـ ‘قرطبة’؟ واش هادي هي الحكمة اللي شربتي من دجلة؟”

شامة (صوتها كان هادئ بزاف، هدوء اللي بايع حياته):

“الحكمة ذبحناها اليوم يا مولاي.. ودفنتيها نتا بـ ‘الشك’ ديالك. “

“الشداد وقف قدامها نيشان، طرف الزجاج كان كيلمع تحت ضوء القنديل الوحيد اللي باقي شاعل، وبان ليه عرق رقبتها كينبض تحت الزاج المادي. عرف بلي شامة ما كاتمثلش، وبلي ‘بنت بغداد’ إيلا قررت كطبق

“كتعلني الحرب عليا؟؟ كتعلني تمردك على الشداد؟”

شامة (زادت وركات على الزجاج حتى بدات كتبان قطرة ديال الدم):

سير لعند الامات اللي ‘مامسوهم يدين’. أنا يديّ مسهم الحديد ديال الحبس على قبلك، وجلدي داق البرد والجوع على قبلك. سير تمتع باللحم الجديد، وخلي ليا هاد الزاجة تنهي الحكاية. هاد الروح ملكي أنا، وماشي ملك حتى واحد”

الشداد غير شاف قطرة الدم نزلات من رقبة شامة،عينيه رجع فيهم واحد البريق حاد وقاصح.

بلا ما يرمش، زاد خطوة وحدة كانت كافية باش يولي صدرو لاصق ف يد شامة اللي هازة الزجاج. ما هربش من الموت، بالعكس، “زحم” الموت بصدره.

الشداد (بصوت رخيم، هادئ، ولكن فيه سلطة كتخلي الروح ترعد):

“حبسي هاد الهبال.”

مد يدو وبحركة سريعة ومدروسة، قبض على رسغ يدها (معصمها) بحال الكماشة. ما زيرش لدرجة الوجع، ولكنها كانت قبضة ديال راجل كيعرف يروّض الخيل الهائجة. شامة حاولت تقاوم، ولكن يديها ف وسط قبضة الشداد كانت بحال عصفور وسط مخلب سبع.

الشداد (وهو كيشوف ف عينيها نيشان، وبنبرة خلاتها تجمد):

“كتحسابي بلي الشداد كيتفرّج ف السلاح وهو كيتهز ف وجهو؟ واخا يكون السلاح ف يد أغلى الناس.. السلاح اللي كينوض ضد الشداد، كيتكسر.”

بكل هدوء وقوة، بدا كيدور يدها بشوية حتى بعد الزجاجة على رقبتها. ورغم المقاومة الصامتة اللي ف عينيها، شامة لقات راسها كتخضع لهاديك القوة اللي ما فيهاش عنف، ولكن فيها “حضور” كيطغى على المكان. حيد ليها الزجاجة من يديها ولوحها بعيد وسط الحطام بلا ما يشوف فيها.

الشداد (زير على كتافها بجوج، ورجعها اللور حتى لصقات مع الحيط، وبقا مقرب لوجهها):

“دابا.. سمعيني مزيان يا بنت بغداد. الشك اللي كتهضري عليه، هو اللي خلاني نخلي راسي وراسك فوق هاد الكراسي. والتمرد اللي كتحلمي بيه، أنا اللي علمتك أصولو فاش كنتي كتشوفي فيّ كيفاش كنهدم القلاع. بغيتي تموتي؟ الموت ساهلة.. أي مكلخ يقدر يموت. ولكن ‘شامة’ اللي عرفت، هي اللي كتعرف تعيش وتواجه، ماشي اللي كتهرب بالزاج.”

هبط يدو وشاف ف الحطام اللي داير بيهم، ورجع شاف فيها

الشداد (بصوت آمر):

“هاد الروينة غتجمع. وهاد السوارت اللي حطيتي، غتهزيهم بيدك وغترجعيهم لبلاصتهم. أنا الشداد.. وماشي شريفة ولا اليازية ولا ألف جارية اللي غيقولوا ليا شكون هي شامة. أنا اللي كنقرر شكون يدخل لقلبي، وأنا اللي كنقرر شكون يخرج منو.”

سكت واحد الشوية، وقرب من ودنها وهمس بواحد القوة مخيفة:

الشداد:

“والليلة.. غتبقاي هنا. غتسمعي الصمت ديال هاد القصر كلو، باش تعرفي بلي كلمة وحدة من الشداد قطعات النفس وقفات الدنيا على رجل وحدة. هادي هي قيمتك عندي.. واش فهمتي ولا نزيد نفهمك؟”

شامة (بصوت كيرجف بالحرقة):

“فاش كان كولشي كيعتبرك أمير وكيهاب سطوتك، أنا كنت كنشوف فيك ‘الرفيق’ اللي غيشاركني الطريق.. فاش كان العالم كلو كيخاف منك وكيقرا ليك ألف حساب، أنا كنت الوحيدة اللي كتقدرك وكتحترمك من قلبها، ماشي حيت خايفة من سيفك، ولكن حيت حبيت ‘الراجل’ اللي فيك قبل ‘السلطان’.”

زادت قربات منو، وحطات يديها العامرين بالمداد على صدرو، وخلات الأثر ديال أصابعها فوق التوب الأبيض اللي لابس:

شامة (كتكمل بمرارة):

“فـ ‘أنمارة’، فاش كنتي بوحدك والظلام داير بيك، أنا اللي كنت كنشوف فيك ‘الضو’.. فاش كنتي ف عينين الناس القناص كنتي ف عيني أنا هو ‘الإمبراطور’ اللي غيسير الدنيا. عطيتك قدري وقيمتي، ورفعتك فوق كاع اللي دازو ف حياتي، وكنت كنحسب بلي ‘الشداد’ غيكون هو الحصن اللي غيحميني من غدر الزمان، ماشي هو اللي غيغدر بيا بـ ‘شكه’.”

ضحكات واحد الضحكة مسمومة وهي كتشوف ف يديه اللي مزال قابطينها:

شامة:

“ودابا؟ دابا وليتي كتهضر معايا بلغة ‘الأمر’؟ وليتي باغي تفرض هيبتك عليا بـ ‘القبضة’ ديال يدك؟ نسيتي بلي هاد اليدين هما اللي مسحو ليك العرق فاش كنتي كترجع عيان من هم الدنيا، نسيتي بلي هاد العقل اللي كتسميه دابا ‘تمرد’، هو اللي فك الشفرة باش يدوم عزك فوق رقبتي

نترات يديها منو بجهد، ورجعات لور وهي كتشوف فيه بنظرة فيها الخذلان

أَنْتِ الـمَـلاذُ.. وَأَنْتِ الـرُّوحُ وَالـحَـرَمُ؟”

“فَـكَيْفَ غَـدَوْتَ الْيَـوْمَ تَـطْعَنُ خَـافِـقِي

بِـسَيْفِ الـظُّنُـونِ.. وَفِـي عَـيْـنَيْكَ نقمُ؟”

“قَـتْلُ الـنُّفُـوسِ عَـظِيمٌ عِـنْدَ خَـالِـقِنَا

لَـكِنَّ قَـتْلَ الـرُّوحِ بِالـخِـذْلَانِ أَعْـظَـمُ”

“جِـرَاحُ الـسَّـيْفِ تَـدْمَلُ بَـعْدَ حِـينٍ

وَجُـرْحُ الـرُّوحِ لَـيْسَ لَـهُ الـتِـئَـامُ”

“فَـاذْهَـبْ إِلَـى عَـرْشِـكَ المَـسْـلُوبِ مِـنْ ثِـقَتِي

فَـمَا عَـادَ يَـجْـمَعُنَا.. صَـرْحٌ وَلَا قَـلَـمُ”

الشداد ما زاد حتى كلمة. تراجع اللور بخطوات بطيئة، وعينيه ما تحيدوش من على شامة اللي جالسة وسط الحطام بحال شي أطلال ديال مدينة عظيمة. سد الباب وراه بكل هدوء، صدى السدة ديال الباب كان هو الإعلان الرسمي على نهاية “الليلة الصاخبة” وبداية “الليل الطويل”.

خرج للممر، لقى الدنيا تبدلات. لالة اليازية والخدم، فاش شافوا وجه الشداد فيه واحد “الهيبة الحزينة” والصرامة اللي ما كتقبلش النقاش، غبروا بحال يلا ما عمرهم كانوا. الممرات كانت خاوية، والشموع اللي كانت مشعولة باش تضوي طريق “الخليفة”طفات، وبقى غير الصمت والظلام كيسود المكان.

تمشى الشداد فالممر المظلم، والماء اللي كان ف شعره بدا كيبرد، ولكن جمار الكلمات اللي رمت عليه شامة كانت مزال شاعلة ف صدره. دخل لجناحه الخاص،وتسد الباب وراه

في خلوة المحراب

ف وسط الظلام، قرب الشداد من إبريق الما. توضأ ببرد الخشوع، وكأنه كيغسل أثر “الشك” وأثر “المداد” اللي طار عليه. لبس قميص أبيض نقي، ووقف ف قلب جناحه كيشوف جيهة القبلة.

ركع وسجد، وف داك السجود، غابت هيبة “الخليفة” وحضرات ذلة “العبد”. كان الصمت ف الجناح مرعب، ما كتسمع فيه غير الأنفاس ديالو وهي كتسارع مع الآيات اللي كيقراها بصوت خافت ومبحوح

“الشداد ف هاديك الصلاة، كان كيهرب من كولشي. كيهرب من كلشي ، واولهم جنون شامة لي عراه قدام راسو، بقى ك يصلي ركعة مورا ركعة، ك يحاول يبرد داك العافية اللي ف قلبه. الصلاة كانت هي “الميزان” اللي رجع ليه عقله. تما عرف بلي السيف اللي كيحكم بيه الدولة، ما كينفعش يحكم بيه القلوب. وعرف بلي ‘الخذلان’ اللي هضرات عليه شامة، هو أكبر هزيمة تعرض ليها ف حياته، كبر من هزيمته ف أي معركة داز منها.

رفع يديه بخشوع فالدعاء وقال

“يا حي يا قيوم.. يا من يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

اللهم إني أقف بين يديك، لا بصولجان ملكي ولا بسطوة جندي، بل بقلبٍ حائرٍ ضلّ الطريق في أروقة القصور بعدما وجدها في ظلمات السجون. اللهم إنك تعلم ما في نفسي تعلم أني ما أردتُ بـ ‘شامة’ إلا خيراً، يا ربي.. لقد ظَلَمتُ نفساً كانت لي في الضيقِ فرجاً، وفي الخوفِ أمناً، وفي الغربةِ وطناً. اللهم إني خذلتُ الروح التي صانت عهدي، وكسرتُ الخاطر الذي لم يكسره سجانٌ ولا عدو. اللهم اغفر لي خذلاني لمن كانت لي نصيراً يوم لم يكن لي نصير.

اللهم يا مؤلف القلوب، ألف بين قلبي وقلبها من جديد، وانزع من صدرها غُصة الخذلان التي زرعتها بيدي. اللهم لا تجعل ملكي هذا وبالاً عليّ، ولا تجعل كبريائي حاجزاً بيني وبين الحق. ربي.. إن كان هذا البلاء بسبب ذنبٍ اقترفته في حق خلقك، فاغفر لي. وإن كان اختباراً لقلبي، فثبّتني على الوفاء لمن أوفت لي اللهم ارزقني القوة لأعتذر بصدق، والقدرة لأحتوي ‘جنوناً’سبحانك.. أنت الملجأ والملاذ، لا منجى منك إلا إليك.”

كولشي راسو للأرض، وكولشي كيرعد من هيبة الموقف ..كينضفو فصمت وكيتحركو بحال الخيالات

غسلُ الروح والجسد

رقية (بهمس حزين): الدنيا فانية والدوام لله.

هزات شامة راسها، وعينيها كانوا ذبالو من كتر الوجع. سنداتها رقية بشوية، وهي جالسة وسط والمرمر الابيض السخون كتغسل ليها وتكب الماء على شعرها

“بدات دادا رقية كتغسل لـ شامة يديها بشوية، كتمسح داك المداد الكحل اللي لصق ف الجلد بحال الهم. كانت كتكب الما دافي وهي كتقرا المعوذات بصوت خافت. شامة كانت مستسلمة تماماً، بحال شي درية صغيرة رجعات لحضن مها. الما كان كينزل من شعرها كحل بالمداد، وكيتصفى شوية بشوية حتى رجع لونه الطبيعي. رقية كانت كتغسل ليها وجهها بقطنة مفسكة بماء الورد، وبكل لمسة كانت كتمسح أثر الخذلان اللي خلاه الشداد.”

رقية (وهي كتمشط ليها شعرها وسط الما):

“هاد الشعر يا لالة غيتسرح، وهاد الجرح غيبرا. اللي خلق الشداد خلق ليه قلب، والليل مهما طال لازم يشرق الفجر. كوني ‘شامة’ اللي عرفت، الجبل اللي ما كتهزو ريح.”

تطهير الجناح

ف الوقت اللي كانت شامة ف الحمام مع رقية، كان الجناح كيشهد “معركة” أخرى. الخدم والجواري، بحال النحل، بدوا كيجمعوا الزاج المهرس بحذر.

• التنظيف: تمسح الرخام من المداد المهرق، وتبدلو الزرابي الملطخة بزرابي جديدة من الحرير الصفراوي.

• الترميم: الخرائط اللي تشركات تجمعوا وتطواو بحرمة، والكتب رجعوا للمجر ديالهم.

• التعطير: جابوا المباخر الكبار، وداروا فيهم أحسن أنواع “العود القماري” و”المصطكة”، حتى غبرت ريحة الحريق والتوتر، وحلات محلها ريحة كتشرح الصدر وكتطرد الشياطين من القنات.

خرجت شامة من الحمام، لابسة قفطان أبيض رقيق من “المليفة”، وراسها معصوب بزيف د الحرير. دخلت لجناحها لقاتو تبدل؛ مابقاش كيبان فيه أثر لـ “المجزرة” اللي وقعت قبل ساعات، إلا واحد “الفراغ” ف القنت فين كانت الزهرية البغدادية الغالية.

تكات شامة فوق السرير، وعينيها معلقين ف الشمعة الوحيدة اللي بقات شاعلة. رقية غطاتها بشوية، وبقات جالسة حدا رجليها كتمسد ليهم.

شامة (بصوت مبحوح): “دادا رقية.. واش الما كيقدر يغسل حتى اللي لداخل؟”

رقية (بابتسامة حزينة):حتى لي لداخل كيتغسل ابنتي..

بينما كانت شامة متكية فوق سريرها، غارقة فبحر من الأفكار وريحة العود القماري كتدور فالمكان، دارت دادا رقية إشارة لواحدة من الجواري. دقائق قليلة، ودخلات “للا رحمة”، وهي امرأة وقورة، وجهها كيشع بالنور، لابسة حايك أبيض نقي، وفيدها سبحة من خشب السنديان.

دخلات للا رحمة بهدوء، حطات واحد “المخيدة” ف ركنة الجناح، وجلست متربعة. شافت ف شامة بنظرة فيها الشفقة والدعاء، وحلت المصحف الكريم اللي كان مغلف بثوب د الخضر.

بدات للا رحمة كتقرا بصوت رخيم، صوت فيه ‘بحة’ ربانية كتخترق الحيوط وتدخل لوسط القلوب. بدات بسورة ‘يس’ و’الرحمن’. فداك الصمت ديال الليل، كان الترتيل ديالها بحال الماء البارد اللي كينزل على الجرح المحروق. الجواري اللي كانوا كينظفوا وقفوا فبلاصتهم، والخدم اللي كانوا كيعطروا البيت نزلوا راسهم بخضوع. الجناح اللي كان قبل ساعات ساحة ديال الحرب والجنون، ولى دابا بحال الروضة من رياض الجنة.”

فالجناح اللي لاصق عليه، كان الشداد عاد كمل صلاته. فجأة، سمع صوت الترتيل جاي من جناح شامة. وقف حدا الحيط اللي كيفصل بيناتهم، وحط يده على الرخام البارد. كان صوت للا رحمة كيوصل ليه بحال الصدى البعيد:

“وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً…”

غمض الشداد عينيه، وحس بلي هاد القرآن هو “الجسر” الوحيد اللي بقى ليه باش يرجع لـ شامة. هاد الصوت طهر ليه حتى هو نفسه من بقايا الغضب اللي كان عامي ليه البصيرة.

بقات للا رحمة كتقرا حتى قرب الفجر، والسكينة نزلت على الجناح كلو. شامة داتليها عينيها فنعاس عميق ومرتاح بقات للا رحمة كتقرا حتى قرب الفجر، والسكينة نزلت على الجناح كلو. شامة داتليها عينيها فنعاس عميق ومرتاح لأول مرة من أيام، ودادا رقية بقات جالسة حداها كتسبح، والجو العام ف القصر تبدل؛ مابقاش جو غدر ومكائد، ولى جو صمت وعبادة وانتظار للي غيجيبو ضو النهار.

شريفة، التي أُعدت لتكون “النصر” في هذه الليلة، تجد نفسها الضحية المنسية لصراع لاقة له به.

انطفاء السراب في جناح شريفة

الجناح الذي كان قبل ساعات يُشّع بالنور ويُفوح بأغلى الروائح، كان الصمت يزحف ببطء كأنه “كفن” أبيض يغطي كل شيء. ليلة شريفة الطويلة سالت مثل الشمع الذي ذاب على الشمعدانات الفضية، ولم يتبق منها سوى “الرماد” في قلبها.

كان الجناح مهجوراً إلا من شريفة وداية قديمة نائمة في الزاوية، بعدما انصرف كل الخدم بوشاية صامتة تقول: “الخليفة لن يأتي الليلة”.

وصف شريفة واللحظة:

“شريفة كانت واقفة حدا الشباك، لابسة قفطان العرس الثقيل اللي صقلي دياله ولى كيحسسها بحال يلا هازة حجر فوق كتافها. شعرها المعقود بالجوهر بدأ كيتقلها ، والزينة على وجهها بدأ كيتخسر مع قطرات العرق والانتظار. عينيها كانوا معلقين فالممر المظلم، كيتسناو الخيال ديال الشداد، ولكن ما جاء غير الظلام وصوت الريح اللي كيبكي معها.”

حست ببرودة الليل كتخترق عظامها، وبرودة الخذلان كتجمد قلبها. عرفت باللي المعركة اللي نصباتها لالة اليازية، هي اللي كانت الحطب ديالها، وباللي الشداد، واخا يكون قريب منها، فقلبه راه بعيد جيهة جناح شامة.

تحركت شريفة ببطء، بحال شي خيال، جيهة الشمعدان الأخير اللي كان مزال شاعل فوق الطبلة. بقى غير طرف صغير من الشمعة، كيتصارع مع الموت. وقفت قدامها، وشافت فالعافية الصغيرة اللي بقات.

شريفة (بهمس حزين، مسموع غير ليها):

“تسالى الليل.. وتسالى الشمع.. وتسالى معاه الحلم اللي بنيته في ساعة غفلة.”

هبطت دمعة سخونة، دمعة وحيدة، من عينها اليمين. نزلت فوق خدها، ووصلت لقم فمها، مخلطة بمرارة الخذلان وطعم المسك المصطنع. وفلحظة، حنات راسها، ونفخات بجهد في العافية الصغيرة.

“مع آخر دمة، طفات آخر شمعة. الجناح كلو غرق في الظلام الكحل، بحال يلا الموت دخل للمكان. ريحة الدخان ديال الشمعة المطفية حلات محل ريحة البخور والند، بحال ريحة شي جنازة. شريفة بقات واقفة في الظلام، ما كتشوف والو، وما كتسمع والو غير الصدى ديال قلبها المهروس، وهي كتعرف باللي الليلة اللي كانت غتكون ليلة عمرها، ولات هي الليلة اللي ذبحات فيها كرامتها وأنوثتها على عتبة قصر الشداد.”

استسلمت شريفة للظلام، وطاحت فوق الفراش المعطر بالورد اللي مابقاش ليه معنى، وخبعت وجهها بين يديها، وصوت للا رحمة كيقرا القرآن ف الجناح البعيد كيوصل ليها بحال الصدى، وكيخليها تحس باللي هي “الغريبة” الحقيقية فهاد القصر.

طلع الفجر على قصر قرطبة والسكينة بدات كتسلل للممرات من بعد ليلة كانت حامية بالصراعات. الشداد خرج من الجامع وخطواته عندها رنة رزينة فوق الرخام؛باللباس اللي كيرتاح فيه وكيحس فيه بالخفة والقدرة على الحسم.

مشا مباشرة لقبة. المشور العظمى، فين كبار القوم، والقضاة، وقادة الجيش كيتسناو. القاعة كانت باردة وصامتة، غير ريحة المسك اللي كتفوح من الجدران.

كيبان بحال شي صقر مستعد للانقضاض. ما جلسش فوق العرش العالي، بل اختار يجلس فـ “صدر المجلس” على بساط غليظ، باش يكون قريب من رجاله، وهاد الحركة زادتهم هيبة واحترام ليه.

ساد الصمت فـ القاعة، والشداد حط يده على مقبض خنجره، وشاف فـ كبار القوم بصرامة خلات كولشي يحبس أنفاسه.

الشداد (بصوت جهوري يملأ أركان القاعة):

“يا معشر القادة، وأهل الحل والعقد.. إن الملك لا يستقيم في أرضٍ كثر فيها الهمس وضاقت فيها الرؤية. قرطبة دارُ مُلكٍ وعز، لكن ‘شالة’ هي معقل الروح ومنبت السيوف. وقد قررنا أن نيمم شطرها، لنعيد إرساء قواعد دولتنا من هناك، حيث الأصالة والقوة والجذور التي لا تهتز.”

ساد وجومٌ مشوب بالاحترام، فقرار الانتقال إلى شالة في هذا التوقيت هو قرار استراتيجي يهدف إلى نقل مركز الثقل السياسي إلى معقله التاريخي والحصين.

الشداد (موجهاً أمره الصارم للقائد سلمان)

“يا سلمان .. أنت عيننا التي لا تنام وسيفنا الذي لا ينبو. سأودع قرطبة أمانةً في عنقك، تدير شؤونها، وتحمي ثغورها، وتصون حرماتها بالعدل والحزم الذي عهدناه فيك. كن للحق ناصراً وللضعيف ملاذاً، واعلم أن استقرار العاصمة هو استقرارٌ للدولة برمتها.”

ثم أكمل والجميع ينصت بإجلال:

الشداد:

“سنتحرك مع بزوغ فجر الغد في ‘محلةٍ’ يطبعها الحزم والوقار. إن رحلتنا إلى ‘شالة’ ليست نزهة، بل هي عودةٌ للمنطلق، وتأسيسٌ لعهدٍ جديد لا مكان فيه للوهن أو الالتفات للوراء.”

ضرب الشداد بيده على مائدة المشورة إيذاناً بانتهاء المجلس، فقام الجميع إجلالاً وتلبية.

بعد أن انفض المجلس وخرج كبار القوم بوقار، أشار الشداد بيده إلى القائد سلمان ليبقى في مكانه. كان سلمان من أقرب القادة لقلبه، رجلٌ عركته الحروب وخبرته المحن، ويجمع بين بأس المقاتل وأمانة الصديق.

اقترب الشداد من سلمان، ونظر إليه بنظرةٍ عميقة تختصر سنين من العهد المشترك. في هذه اللحظة، خفتت نبرة السلطان وحلت محلها نبرة الصديق الذي يأتمن أخاه على أغلى ما يملك.

الشداد (بصوت خافت ورزين):

“يا سلمان.. لقد تركتُ شؤون الحكم والعامة لك و تركت

ما هو أغلى وأثقلُ حملاً في عهدتك أنت. أنت تعلم أن رحيلي إلى ‘شالة’ ليس مجرد انتقالٍ لمقام، بل هو بناءٌ لمركزٍ جديدٍ للدولة. وسأترك خلفي في هذا القصر أهلي وحرمي، وأنت أعلم بما يحاك في الممرات حين يغيب صاحب الدار.”

وضع الشداد يده على كتف سلمان وأكمل بنبرة صارمة:

كن لهنَّ الحصن المنيع، وصُن كرامتهنَّ، ولا تسمح لواشٍ أو واشية أن يكدر صفو أمنهنَّ أو ينال من هيبة بيتي في غيبتي. أنت عيني التي لا تنام على حُرمي، ويدك هي التي تبطش بكل من تسول له نفسه إثارة الفتنة داخل هذه الأسوار.”

القائد سلمان (بانحناءة وقار ويدٍ على مقبض سيفه):

“مولاي الخليفة.. أبشر بما يسرك. واللهِ لا يصل إليهنَّ سوءٌ وفيَّ عِرقٌ ينبض. سأجعل من صدري سداً ومن سيفي حارساً لبيتك كما عهدتني دائماً. سر إلى ‘شالة’ برعاية الله، وقلبك مطمئن أن خلفك رجلاً لا يغفو له جفنٌ على أمانته.”

الشداد:

“بارك الله فيك يا سلمان. كنتَ دائماً نعم العون. استعد، فالمسؤولية ثقيلة، وقرطبة في غيبتي تحتاج لعينٍ ثاقبة وقلبٍ لا يلين.”

تحرك الشداد بخطى واثقة نحو جناح لالة اليازية. لم يكن لقاءً للوداع بقدر ما كان لقاءً لترسيم الحدود ووضع النقاط على الحروف قبل الرحيل.

دخل القبة الكبرى الملحقة بجناح والدته، حيث كانت تنتظره وهي تحاول استجماع شتات كبريائها الجريح. وقف أمامها بصلابة الجبال، وعيناه لا تعكسان أي غضب، بل حزماً بارداً هو أشد وقعاً من الصراخ.

الشداد (بصوت رخيم وقور):

“لالة اليازية.. جئتُ لأعلمكِ أنني غداً مع الفجر أمضي إلى ‘شالة’. سأتركُ لكِ هنا كل أسباب العز والتشريف، وقرطبة ببهائها ومقامها تحت تصرفكِ، يدبر شؤونها القائد المنصور، ويحرسُ حرمها القائد سلمان.”

حاولت اليازية المقاطعة، لكنه رفع يده بحزمٍ سلطاني أسكتها:

الشداد:

مقامكِ هنا مصون، وكلمتكِ في شؤون جناحكِ مطاعة، لكن حدود الدولة ومسار الخليفة ينتهيان عند عتبة مشيئتي.”

نظر إليها نظرةً أخيرة، فيها عتبُ الابن وصرامة الحاكم:

الشداد:

“لقد تركتُ لكِ قرطبة التي أحببتِ، فكوني كما عهدتُكِ، سيدةً لهذا القصر بالحق، لا بالفتنة. استودعكِ الله.”

انصرف الشداد دون أن ينتظر جواباً، مخلفاً وراءه لالة اليازية في ذهولها

بعد أن وضع موازين الدولة في نصابها، وأغلق أبواب الفتنة خلفه، توجه الشداد بخطى حثيثة نحو جناح لالة شامة. لم يطرق الباب، بل دفعه بكلتا يديه، وكأنه يفتح صفحة جديدة من حياته، أو كأنه يكسر القيد الذي كاد أن يفرقهما.

انفتح الباب ليواجه مشهداً يفيض بالسكينة والوقار. كانت شامة جالسة في ركن الجناح الذي تفوح منه رائحة العود القماري، وقد استسلمت ليدي دادا رقية الحنونتين. كانت رقية، بخبرة السنين وهدوء الأم، تجمع خصلات شعر شامة السوداء الطويلة، وتجدلها (تدفرها) إلى الوراء بمهارة، وكأنها ترتب شتات روحها الذي تبعثر ليلة البارحة.

كانت شامة ترتدي رداءً أبيض بسيطاً، ووجهها، رغم مسحة الحزن التي لم تغادره تماماً، كان يشع بطهر الصلاة وأثر القرآن الذي تُلِي في غرفتها.

الشداد (بصوت رخيم ):

“كفى ضفراً للشعر يا رقية.. فالوقتُ الآن لشد الرحال لا للتزين. لقد قُضي الأمر، ولن تشرق شمس الغد ونحن في هذا القصر الذي استمرأ فيه البعضُ كسر الأوامر.”

التفت إلى شامة بنظرةٍ حادة،

الشداد (بلهجة جافة وصارمة):

“جمعي أمتعتكِ يا لالة شامة.. لن نبيت في قرطبة ليلة أخرى. ‘المحلة’ تتحرك مع الفجر نحو ‘شالة’. هناك، سيعرف كل امرئٍ قدره

كانت شامة تدرك أن هذا الحزم الظاهر في صوت الشداد، وهذا الجفاء الذي غلف به كلماته، ليس إلا غطاءً لندوب ليلة البارحة التي لم تندمل بعد. نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة، ورقية لا تزال ممسكة بآخر خصلة من شعرها

لم تلتفت إليه، ولم تحاول حتى أن ترفع بصرها لتلاقي عينيه القاسيتين. بقيت مستسلمة ليدي دادا رقية، وصوتها خرج مخنوقاً، بارداً، لا حياة فيه.

“لا حاجة للأوامر الغليظة لتسوقني.. سأجمع ما تبقى من حطامي، لا أمتعتي. فما عاد يفرق عندي إن نمتُ تحت سقف هذا القصر أو بين رمال قاحلة”

في الجانب الآخر من القصر، حيث يسكن الخذلان تحت سقفٍ مزخرف، كانت شريفة تجلس بين بقايا “ليلتها” التي لم تكتمل. وصلها الخبر كوقع الصاعقة، لم ينقله إليها الخليفة، بل نقلته همسات الجواري اللواتي تفرقن في الممرات كذعر الحمام.

انكسار “عروس السراب”

كانت شريفة لا تزال ترتدي قفطانها الذي أثقله الصقلي، ووجهها شاحبٌ كخيط فجرٍ باهت. حين دخلت عليها داية جناحها بأنفاس مقطوعة لتخبرها أن “المحلة” تستعد للرحيل إلى شالة، وأن الخليفة سيمضي ومعه “البغدادية” فقط، سقطت المرآة الصغيرة من يد شريفة لتتهشم على الرخام البارد.

شريفة (بصوت يملؤه الذهول والإنكار):

“إلى شالة؟ ومع من؟.. قلتي مع شامة؟”

لم تصرخ شريفة، ولم تندب حظها غيرةً، بل كان وجعها وجع “الكرامة” التي ذُبحت مرتين؛ مرةً حين لم يطرق بابها بالأمس، ومرةً حين قرر الرحيل وتركها خلفه كأثاثٍ قديم في قصرٍ مهجور.

“قامت شريفة ببطء، مشت نحو الشرفة التي تطل على ساحة القصر الكبرى. رأت الخدم يجرون بالصناديق، ورأت خيول الحرس تُسرج في ضحى النهار أحست بأنها ليست زوجة ملك، بل هي ‘رهينة’ بقيت لتؤنس جدران لالة اليازية. نظرت إلى ثوب عرسها الذي كان قبل ساعات حلمها الأكبر، فأصبح الآن كفناً لكل أمانيها.”

شريفة (بهمس مرير وهي تنظر إلى خيول الرحيل):

“إذن، قد اختار الأرض القاسية معها، على الرخام اللين معي.. لقد نفاني في عقر داري قبل أن تطأ قدماه شالة.”

شريفة تاج الجوهر عن رأسها وألقته على الفراش بإهمال، وبدأت تمسح ما تبقى من زينة وجهها بظفرها، والدموع تحفر طريقاً في مساحيقها الباهتة. لم تعد تشعر بالغيرة من شامة بقدر ما شعرت بالرعب من “النسيان”. فبقاء اليازية في قرطبة يعني بقاء “المكائد”، وبقاء شريفة معها يعني أنها أصبحت مجرد أداة في صراعٍ خسرته قبل أن يبدأ.

دخلت شريفة على لالة اليازية، ولم تكن خطواتها توحي بامرأةٍ كُسرت ليلتها، بل كانت تمشي بخيلاءٍ غريب، وذيل قفطانها يجر خلفها كأنه راية نصر. وجدت اليازية جالسة في صدر بهوها، ملامحها جامدة كالصخر، لكن عينيها كانتا تشتعلان بلهيب التحدي.

حين التقت نظراتهما، لم تبكِ شريفة ولم تشكُ، بل رفعت رأسها عالياً، وقد ارتسمت على ثغرها ابتسامة باردة وواثقة.

وقفت وسط البهو، ونفضت أطراف كمها بكبرياء وهي تقول بصوت حاد:

“كيف يصح هذا يا لالة؟ كيف يمضي الشداد إلى ‘شالة’ ويصطحب معه تلك البغدادية، ويتركنا نحن هنا خلف الأبواب كأننا من سقط المتاع؟ أهذا هو العدل الذي يتشدق به الرجال؟ يترك ابنة الأصول والدار التي بُنيت على ذكرى مجده، ويمضي مع من لا أصل لها في هذا التراب؟”

تغيرت ملامح لالة اليازية في لحظة، وسقطت المسبحة من يدها لتصطدم بالبساط في صمتٍ ثقيل. كانت تظن أن أقصى ما قد يفعله الشداد هو الغضب أو الهجران داخل أسوار القصر، لكن أن يقتلع جذوره من قرطبة ويمضي نحو شالة، ومعه “البغدادية” دون غيرها، كان هذا الخبر صاعقة لم تتحسب لها.

تراجعت اليازية بظهرها إلى الوراء، وكأن ثقل الخبر قد سلبها توازنها، واتسعت عيناها بذهول جمد الدم في عروقها.

لالة اليازية (بصوت متهدج يملؤه الإنكار):

“شالة؟.. يرحلُ إلى شالة ويصطحبها معه؟ أيُعقل أن يرمي بالخلافة وقرطبة وراء ظهره لأجلها؟ لقد غلبنا عقلُها يا شريفة.. لقد سحرته تلك المشرقية حتى أعمته عن ملكه وأهله!”

“كانت الصدمة في وجه اليازية أعمق من مجرد غيرة نساء؛ لقد أحست بانهيار إمبراطورية التدبير التي بنتها طوال سنين. رحيل الشداد إلى معقله الحصين في شالة يعني أنه خرج عن سيطرتها

قبضت اليازية بيدها المرتجفة على مسند المقعد، وبدأت أنفاسها تتسارع وهي تدرك أبعاد هذه الضربة.

لالة اليازية (تتمتم بمرارة):

“كنتُ أظن أنني أؤدبها حين أبعدتها عن فراشه ليلة البارحة، فإذا بي أهبه لها على طبقٍ من ذهب! لقد انفردت به الآن.. بعيداً عن عيني، وبعيداً عن تأثيري. شالة هي حصنه، وهي الآن صاحبة الحصن.”

التفتت نحو شريفة التي كانت لا تزال واقفة برأسها العالي، ورأت في عيني اليازية لأول مرة انكسار “الأم الحاكمة” التي فقدت زمام المبادرة.

لالة اليازية:

“هل تدركين ماذا يعني هذا يا شريفة؟ يعني أننا سنبقى هنا نحكمُ ‘الفراغ’. قرطبة بلا خليفة هي جسدٌ بلا رأس. لقد نفانا هو، وليس العكس. لقد اختار أن يبدأ دولته بعيداً عنا!!

لكن سرعان ما بدأت الصدمة تتحول إلى حقدٍ أسود في عيني اليازية، فرفعت قامتها رغم الوجع، وقالت

“بأي حق يفعل بنا هاذا؟؟؟”

اندفعت لالة اليازية نحو جناح الشداد، لا تمشي مشية “الحاكمة” التي تدبر المكائد، بل كانت تمشي بخطواتٍ تضرب الرخام بعنف، مشية الأم التي تظن أن حق “الدم” يمنحها سلطة تفوق سلطة التاج. كانت ملامحها متشنجة، والغضب قد رسم أخاديد عميقة في وجهها، وكأنها ذاهبة لتنتزع منه قراراً سلبها وقارها. فتحت باب الجناح دون استئذان، لتجده واقفاً في وسط الغرفة، يضع اللمسات الأخيرة على جهازه، بقميصه الأبيض وأكمامه المشمرة، وكأنه عاملٌ كدح طوال اليوم

لالة اليازية (بصوت يرتجف من شدة الانفعال):

“إلى أين يا شداد؟ أهكذا يُعامل الأبناء أمهاتهم؟ ترحل في غبش الفجر كأنك هاربٌ من عدو، وتترك خلفك من حملتك في وهن وربتك على العز؟ أتبيع قرطبة.. تبيع ملكك وتاريخك من أجل امرأة غريبة، وتترك أمك وزوجتك تلوكان العار بين الخدم؟”

لم يلتفت الشداد إليها فوراً، بل أكمل حزم لفافة كانت بين يديه بهدوء مستفز، ثم استدار ببطء، ولم تكن في عينيه نظرة “الابن العاصي”، بل كمنظر للدولة يشرح لأمه “قواعد اللعبة” التي قد تغيب عن ذهنها بسبب انفعالها.

الشداد (بصوت رزين يملؤه الحزم):

“اسمعي يا لالة اليازية، وافهمي عني ما غاب عنكِ من فقه الملك. أنتِ تظنين أنني أنفيكم، بينما أنا أثبتُ أركان عرشي بكم هنا. قرطبة ليست مجرد جدران، هي ‘العاصمة الأم’، والقلب الذي يضخ الشرعية في عروق هذه الدولة. فكيف يغادرها الخليفة ويفرغها من أهل بيته؟”

التفت إليها ونظراته تخترق صمت القاعة:

الشداد:

“بقاءكِ هنا مع شريفة وابني الصغير هو ‘صمام الأمان’ لهذه الرعية. إذا خرجت عائلة الخليفة برمتها من العاصمة، قيل إن الملك قد سقط، وإن الحاكم قد فرّ بذريته خوفاً. وجودكم في هذا القصر هو الرسالة التي تقول للعامة وللقادة وللطامعين في الجوار: ‘إن الخليفة حاضرٌ وإن غاب، وإن عهده باقٍ في قرطبة ما بقي ابنه وأهله فيها’.”

لالة اليازية (بدهشة):

“أتقصد أننا حراسُ غيبتك؟”

الشداد (مكملاً بصرامة):

“أنتِ وشريفة تمثلان ‘الاستقرار’ والرخاء الذي لا يجب أن ينقطع عن قرطبة. أما أنا، فذاهبٌ إلى ‘شالة’ بمهمة أخرى؛ ذاهبٌ لبناء ‘المنعة’ وتأسيس معقلٍ حربي وسياسي جديد يحمي ظهر هذه العاصمة. وشالة، يا لالة، أرضٌ صعبة، تحتاج إلى من يملك الصبر على البناء والتدبير

خطى نحوها ووضع يده على كتفها بوقار:

الشداد:

“أنتِ هنا سيدة القصر، وصوت الشرعية الذي لا ينقطع. وشريفة ستبقى هنا لتنشئ ابني في مهد الملك وبين رجال الدولة، فهذا حقه وحقها. أما شامة، فهي شريكتي في ‘المخاض’ العسير هناك في شالة. لا تخلطي بين العاطفة وبين مصلحة الدولة؛

نظرت لالة اليازية إلى الشداد بنظرة حاولت أن تجمع فيها بين استعطاف الأم ودهاء السياسية، وقالت بنبرة هادئة هذه المرة، وكأنها تحاول إقناعه بالمنطق:

“إن كان الأمر كما تقول يا بني، وأنك تتركنا هنا لحفظ هيبة العرش وشرعية الملك، فخلي ‘شامة’ معنا أيضاً. لماذا تستثنيها وتأخذها بقاؤها هنا بيننا، في جناحها المعزز، أستر لها وأحفظ لمقامها كزوجة للخليفة، وعلامة أخرى على أن شملك لم يتفرق.”

لمعت عيناه ببرودٍ حاد وهو يقترب منها، وخفض صوته ليكون أكثر وقعاً ورهبة:

الشداد (بلهجة قاطعة):

“تطلبين بقاء شامة هنا يا لالة؟ ولأي غرض؟ هل بقاؤها سيبني حجراً في قرطبة، أم سيهدمُ ما تبقى من جدران هذا القصر بالفتن؟”

رفع يده ليمنعها من المقاطعة وأكمل:

الشداد:

“بقاء شامة في قرطبة لا دور له ولا فائدة ترتجى منه، بل هو الوقود الذي سيشعل نار ‘الصدع’ كل يوم. وجودها هنا لن يكون إلا ‘وناسةً بالمكائد’ بين أروقة الجناح، ومنافسةً لا تنتهي على الحظوة والمقام.

الشداد (مكملاً بصرامة):

لقد تركتُ لكِ السكينة والسيادة في قرطبة، فلا تبحثي عن ‘المنغصات’ بطلب بقائها. استمتعي بهدوء القصر في غيابنا، واتركي لنا وعورة الطريق وكدح التأسيس.”

خيّم الليل على القصر، وانطوت صفحات النهار العاصف على سكونٍ ظاهري يغلي تحته كل شيء. في هذه الساعة المتأخرة، انزوى كل بطل في جناحه، يرسم بؤس حياته أو حلمه فوق جدران الصمت.

في جناح شامة: وداعُ الأمكنة

كان الجناح يعيش حالة من “الرحيل الصامت”. الأثواب ملقاة فوق الفراش، وصناديق الكتب والخرائط مفتوحة الأبواب كأنها أفواهٌ تلهث. لم تكن شامة تجمع ثياباً، بل كانت تطوي عمراً كانت تتحرك بآلية، تضع أوراقها بدقة في الصندوق الخشبي، وعيناها تلمعان ببريقٍ غامض؛ ليس حزناً، بل هو زهدُ من لم يعد يملك ما يخسره.

دادا رقية كانت بجانبها، تمسح بيدها المرتجفة على طرف قفطانٍ أطلسي، وتنظر إلى شامة بقلبٍ يتقطع.

في الجناح الذي تفوح منه رائحة البخور العتيق والمر، كانت لالة اليازية تجلس وحيدة تحت ضوء شمعةٍ وحيدة. لم تكن نائمة، ولن تنام. كانت جالسةً فوق “المطرح” العالي، مسبحتها تتحرك في يدها بسرعةٍ تخالف وقارها الظاهر. كانت عيناها تجوبان سقف الجناح المزخرف، وكأنها تبحث عن ثغرة في جدار “شالة” لتخترقه.

لم تكن تفكر في فراق ابنها، بل كانت تحسب عدد الرجال الذين سيظلون موالين لها في غيابه.

هنا يسكن الخراب. كانت شريفة تجلس في زاوية الجناح، لا تزال ترتدي جزءاً من زينة عرسها المنكود. لم يطرق بابها أحد، ولم يسأل عنها حتى كبير الخدم. شعرت لأول مرة بأنها “فائضٌ” عن حاجة هذا القصر.

نظرت إلى المرآة فرأت امرأةً “مقهورة” ذبلت في ليلة عرسها. كان القهر يأكل قلبها لأن الشداد لم يكلف نفسه حتى عناء توديعها بكلمة، وكأن وجودها كان مجرد “واجب” ثقيل تخلص منه بالرحيل. دمعتها جفت فوق خدها، وتحولت إلى قسوةٍ باردة؛ فالمقهور حين يُنسى، يبدأ في حفر خنادق الكراهية بصمت.

أما هو، فكان في عالمه الخاص. جناحٌ فسيح، تتراقص فيه ظلال الشمعدانات النحاسية الكبرى على الحيطان. كان الشداد قد خلع عنه أعباء النهار، وظهر بهيبته الليلية؛ يرتدي قميصاً من الكتان الأبيض الناصع، مفتوح الصدر، وسروالاً عريضاً يمنحه وقار القادة حتى في لحظات خلوته

كان واقفاً أمام نافذته الكبرى، يرقب النجوم وكأنه يقرأ فيها قدر “شالة”. كان أنيقاً لدرجةٍ مرعبة، شعره المصفف بعناية ورائحة العود التي تفوح منه، لم تكن لرجلٍ مهزوم، بل لقائدٍ يستعد لفتحٍ جديد.

لم يكن يبدو عليه الندم، بل كان يفيض بالسيادة؛ فغداً سيترك هذا الرخاء كله، ليركب صهوة الصعاب، ومعه “العقل” الذي اختاره قلبه.

انتهى اليوم، وانطفأت معظم المصابيح في ذاك السكون الذي لا يقطعه إلا صريف الأبواب البعيدة، خرج الشداد من جناحه. كان يخطو فوق الرخام بخطوات ثقيلة وموزونة، وبدا في قميصه الأبيض الفضفاض وهيبته الليلية .

وصل إلى باب جناحها، لم يطرق الباب بعنف، بل دفعه بهدوءٍ جعل الحارستين عند المدخل تنحنيان برهبة الصمت. دخل ليجد شريفة غارقة في عتمتها، لا يضيء وجهها الشاحب إلا قنديلٌ نحاسي صغير.

وقفت شريفة بذعرٍ ممزوج بلهفة، لم تصدق أن “السبع” قد جاء في هزيع الليل الأخير. سقط الطرح عن كتفها وهي تحاول استعادة وقارها أمام هيبته التي تملأ المكان.

الشداد (بصوت رخيم ووقور، يخلو من العاطفة لكنه مليء بالهيبة):

“اجلسي يا شريفة.. لم آتِ معاتباً ولا مودعاً وداع الفراق، بل جئتُ لأضع النقاط فوق حروفٍ بعثرتها أهواءُ النفوس في هذه الدار.”

شريفة (بصوت مخنوق بالقهر):

“وهل بقي للحديث مكان يا مولاي؟ والخيول تُسرج بالخارج لرحيلٍ لستُ فيه، في ليلةٍ كان يُفترض أن تكون لي؟”

الشداد (يقترب منها وعيناه ثابتتان):

“بقاؤكِ في قرطبة يا ابنة الأصول ليس نفياً، بل هو ‘أمانة’. أنتِ هنا لستِ مجرد زوجة، بل أنتِ وجهُ داري، وحاميةُ ذمار ابني في غيبتي. رحيلي إلى ‘شالة’ كدحٌ وبناء لا تطيقه رقةُ القصور التي نشأتِ فيها، وبقاؤكِ هنا هو الذي يحفظ لهيبة هذا القصر وزنها أمام الرعية.”

لم يلمس يدها، ولم يمنحها وعوداً وردية، لكنه منحها “دوراً” داخل الدولة

ثبّت الشداد نظرته في عينيها، ونطق بصوتٍ رخيم يسكنه الوقار:

“أنتِ مستودعُ سرّي، وحاضنةُ مستقبل ابني يا شريفة.. فكوني كما يجب أن تكون ابنة الأصول في دار الملك.”

دنت منه قليلاً، وكأنها تستجدي منه نظرةً واحدة تخلو من السياسة، وقالت بنبرةٍ يائسة يرتجف لها الوجدان:

“أهذا هو وداعك لي يا ابن العم؟ كلماتٌ باردة كجدران هذا القصر، ورحيلٌ يتركني للريح؟”

أمال الشداد رأسه قليلاً، في حركةٍ تجمع بين الحزم والترفع، ثم قال والصرامة تقطر من حروفه:

“أنتِ زوجة الخليفة الشداد.. وعليكِ أن تكوني بحجم هذه المكانة. واعلمي يا شريفة، أن من لا تناسبه المكانة، لا يناسبه صاحبها.. ومن عجز عن حمل الأمانة، سقط من عين الرعية قبل عيني.”

وقفت شريفة، وخطت نحوه بخطوات تفيض بالدلال المنكسر، وهي تحاول أن تستغل هيبة حضوره الليلي. اقتربت منه حتى لامست ريح عطره، ورفعت يدها المرتجفة لتضعها على صدره، فوق القميص الكتاني الأبيض الذي كان يفوح برائحة الرجولة والسيادة.

شريفة (بصوت يهمس بالاحتياج):

“يا مولاي.. أتتركني لهذا الليل ينهش في صبري؟ جئتَ كطيفٍ في وقتٍ لم أعد فيه أرجو إلا الموت قهراً. لا تذهب يا شداد.. أبقِ معي هاته الليلة، ولتكن هي البداية

أنا شريفتك، ابنة دارك، ومن سهرت الليالي ترقبُ ظلك.”

بدأت أصابعها تتحرك ببطء على كتفه، وعيناها تبحثان في عينيه عن ذاك البريق الذي كان يخصها به قديماً. كانت تحاول أن “تغويه” بالسكينة والرخاء، بعيداً عن غبار “شالة” ووعورة الطريق.

شريفة (تكمل بهمس مسموع):

“اترك ‘الغريبة’ تذهب لمنفاها، وابعد عنك شقاء التأسيس. هنا ملكك، وهنا فراشك المعطر بالياسمين.. وهنا قلبٌ لا يرى في الدنيا غيرك.”

تصلب جسد الشداد تحت لمساتها. لم يكن نفوراً بقدر ما كان “عفة القائد” الذي حسم أمره. قبض بيده القوية على كفها الذي كان يعبث بقميصه، وأنزله بهدوء ولكن بصرامة لا تترك مجالاً للشك.

نظر في عينيها، وكانت نظرته باردة كثلج القمم، وقال بنبرة هزت أركان الجناح:

الشداد:

“يا شريفة.. لا تخلطي بين ‘الشهوة’ وبين ‘الدولة’. جئتُ إليكِ لأمنحكِ السيادة، فلا تطلبي مني أن أهبَكِ الضعف. ليلتي هذه محرمةٌ على النساء، فهي ليلةُ ‘المخاض’ لعهدٍ جديد. إن كنتِ تحبين الشداد، فاحترمي فيّ هذا الرحيل، ولا تحاولي تقييد فرسٍ اختارت أن تجري في فيافي الله الواسعة.”

تراجعت شريفة خطوة للوراء، وأحست أن يدها التي لمست صدره قد تجمدت. أدركت في تلك اللحظة أن الشداد لم يعد يراها كـ “امرأة” تشبع رغباته، بل صار يراها كـ “ركن” في بنائه السياسي.

أحست بالإهانة تصفع وجهها؛ فبرغم جمالها وزينتها ودلالها، لم تستطع أن تزحزحه عن قراره بشعرة واحدة. كان رحيله نحو شامة قد صار قدراً لا يرده حتى أغلى أنواع الياسمين.

بعدما أطبق الشداد الباب خلفه، ساد الجناح صمتٌ ثقيل، أصعب من صخب العتاب. بقيت شريفة واقفة في مكانها، كأن قدميها غارستا في الرخام البارد. كانت لا تزال تشعر ببرد المكان الذي لمسته يد الشداد على كتفها، وبحرارة الإهانة التي مست كبرياءها.

ترخت أعصابها فجأة، فارتمت فوق “المطرح” الحريري، لكنها لم تبكِ بكاءً عادياً؛ بل كانت شهقاتها مكتومة، وكأنها تخشى أن يسمع الحراس في الممرات انكسار “زوجة الخليفة”.

نظرت حولها إلى الجناح الذي زُين لأجلها؛ الشموع التي ذابت وبدأت تحتضر، رائحة البخور التي صارت تخنقها، وأثواب الفرح المركونة في الزاوية كأنها جثثٌ لوعودٍ ميتة.

شريفة (بهمس مرير وهي تخاطب الفراغ):

“المكانة؟ يتحدث عن المكانة وهو الذي نزع عني ستر الهيبة أمام الصغير والكبير؟ أي مكانة لامرأةٍ يبيتُ زوجها يحلم بغيرها، ويشد رحاله لخلاءٍ لمجرد أن يهرب من طيفي؟”

قامت ببطء، واتجهت نحو المرآة الكبيرة ذات الإطار النحاسي المنقوش. نظرت إلى وجهها؛ كانت لا تزال جميلة، بملامحها الأصيلة وكحلها الذي لم يسيل بعد، لكن عينيها كانتا تشبهان آباراً مهجورة.

“لم يكن حزن شريفة حزن غيرة فحسب، بل كان حزن ‘الوجود’. شعرت أنها مجرد أداة في مشروع الشداد، قطعة شطرنج وضعها في قرطبة ليؤمن ظهره، بينما قلبه وروحه وعقله رحلوا مع ‘البغدادية’. في تلك اللحظة، تحول حبها الفطري لابن عمها إلى شيء آخر.. شيء يشبه الرماد الذي تذروه الرياح، باردٌ ومؤلم.”

مسحت دموعها بظهر يدها بقسوة، ورفعت رأسها وهي تنظر لانعكاسها في المرآة بنظرة جديدة، نظرة خلت من الانكسار وحلّ فيها نوعٌ من الصمود المظلم.

“تريدني أن أكون بحجم المكانة يا ابن العم؟ سأكون.. سأكون ‘سيدة قرطبة’ التي تحرس ملكك، ولكن لا تلمني إن صار قلبي من حجر هذه الجدران. من لا تناسبه المكانة لا يناسبه صاحبها.. هكذا قلت؟ فلتتحمل إذن برودة هذه المكانة التي اخترتها لي.”

انطفت آخر شمعة في الجناح، وغرقت شريفة في الظلام، وهي تجلس بظهرٍ مستقيم فوق فراشها البارد، ترقب خيوط الفجر الأولى التي ستعلن رحيل القافلة.. ورحيل آخر ذرة من “شريفة القديمة”.

طلع الفجر على قرطبة بلونٍ رماديٍّ كئيب، وكأن السماء تشارك القصر حيرته. في المسجد التابع للقصر، كان الشداد ينهي صلاته بوقارٍ لم يتزعزع؛ سلم عن يمينه وعن يساره، ومسح وجهه بيديه، ثم قام ليرتدي برنسه الثقيل استعداداً لركوب صهوة الطريق.

نادى على عبيبوش، الذي كان ينتظر عند عتبة المسجد والحبل في يده، وعلامات التأهب بادية على وجهه الخشن.

الشداد (بصوت هادئ ورزين):

“اذهب يا عبيبوش إلى جناح لالة شامة.. أخبرها أن الخيل قد سُرجت، وأن الفجر لن ينتظر أحداً. قل لها إننا على أهبة الانطلاق.”

انطلق عبيبوش يهرول في الممرات، ورنّة نعليه فوق الرخام توقظ السكون. وصل إلى جناح شامة، وطرق الباب طرقاتٍ خفيفة لكنها واثقة، وهو ينادي بصوته الجهوري المكتوم:

“يا لالة شامة! يا دادا رقية! القافلة واجدة، والشداد في الركاب كينتظر..”

داخل الجناح: الصدمة

لكن الجواب لم يأتِ من شامة. فُتح الباب ببطء، وظهر وجه دادا رقية شاحباً كالكفن، وعيناها تائهتان من الخوف. لم تنطق بكلمة، بل أشارت بوهنٍ نحو الفراش.

دخل عبيبوش والريعة تملأ قلبه، ليجد شامة ممددة فوق فراشها، غائبة عن الوجود. لم تكن نائمة نوم القيلولة، بل كانت تتلوى في صمت تحت وطأة حمى شديدة. وجهها الذي كان يفيض ذكاءً ونوراً، صار محتقناً كالنار، والأدهى من ذلك، أن جسدها ويديها بدأت تظهر عليهما بثور حمراء (حبوب) مخيفة، انتشرت بسرعة كأنها وسمٌ من لعنةٍ خفية.

دادا رقية (بصوت يرتجف ودموعها تنهمر):

“يا ويلي يا عبيبوش.. ابنتي تضيع مني! صبحت كالنار، وهاد الحبوب نبتت في لحمها بين عشية وضحاها.. ما هذا البلاء؟ ما الذي أصابها يا ربي؟”

عبيبوش (وهو يتراجع خطوة للخلف من صدمة المنظر):

“يا لطيف! يا حفيظ! لالة شامة؟غير لبارح

كانت كالغزال تجمع وراقها.. كيف هكذا؟”

لمس عبيبوش طرف الفراش، فلفحته حرارة جسدها. كانت تهذي بكلمات غير مفهومة، وكأن روحها تقاتل في عالم آخر.

ساد الصمت في الغرفة، صمت يقطعه فقط أنين شامة المكتوم. نظر عبيبوش إلى دادا رقية، وبرقت في عينه شرارة الشك؛ هل هي عدوى أصابتها من تعب السفر؟ أم أن مكائد قرطبة قد وصلت إلى جسد شامة قبل أن تغادر أسوارها؟

عبيبوش (بحزم ممزوج بالقلق):

“ابقِي بجانبها يا رقية.. سأذهب لإخبار الشداد. هذا الرحيل قد يتأخر.. أو ربما هذه بداية حربٍ من نوع آخر.”

خرج عبيبوش يركض، وهذه المرة لم تكن خطواته خطوات استعداد، بل كانت خطوات نذيرٍ يحمل خبراً سيهز أركان القصر ويقلب حسابات الشداد في هذه اللحظة الفارقة.

الشداد كان واقف فالمشور الكبير، لابس برنسه، وشاد فلجام العود ديالو، كيتسنى غير شامة تخرج باش يعطي إشارة الانطلاق. الفجر يلاه بدا كيتحل، والبرد ديال الصباح كيقيس الوجه.

وصل عندو عبيبوش كيجري، النفس مقطوعة ليه، ووجهه مخطوف كأنه شاف ملك الموت. قرب وحدر راسو حتى وصل لركبتو

“حاشا مقامك يا مولاي.. البركة فراسك ف هاد السفرية. لالة شامة يا مولاي، حالها يقطع القلب.. صبحات جمرة د العافية، واللحم ديالها نبت فيه واحد العجب مابين الليل والصباح، حبوب حمراء كلات ليها وجهها ويديداتها. والروح باغا تخرج، ودادا رقية غير كتندب وتصيح.. هادشي يا مولاي ماشي تقول كلات شي سم هاري خرد ليها داتها الله يحفظ مقامكم”

تصمر الشداد فبلاصتو لحضة من بعد مشا بخطوات سريعة وعبيبوش كينقز موراه ويجري

وقف الشداد عند عتبة الجناح، متصلب الصدر والاكتاف اللذان أثقلها الهمّ المفاجئ ، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه. الرائحة التي استقبلته لم تكن رائحة الياسمين والمسك التي تعود عليها في أنفاس شامة، بل كانت رائحةً غريبة، ثقيلة، تفوح بمرارة الوجع والحمى.

وقف الشداد جامداً، وعيناه مسمرتان على جسد شامة الذي تنهشه الحمى. كان الذهول سيد الموقف، والسكينة التي كانت تملأ كيانه قبل قليل وهو يستعد للرحيل استُبدلت برعب مكتوم. لم تكن هذه شامة التي يعرفها؛ هذه صورة شاحبة، مشوهة بآثار حمراء غريبة بدأت تزحف على بشرتها كأنها نار خفية تأكل الجسد من الداخل.

مد يده ببطء شديد، وكأن أصابعه تخشى أن تكسر ما تبقى من روحها. لمس جبينها، فلفحته حرارة لم يعهدها في بدن بشر؛ كانت بشرتها تغلي، وأنفاسها تخرج متهدجة، مكسورة، تحمل أنيناً خافتاً يمزق نياط قلبه.

الشداد (بصوت منخفض، تملؤه الدهشة الممزوجة بالخوف):

“ما هذا الذي نزل بكِ يا شامة؟ ما هذا البلاء الذي اغتال عافيتكِ في ليلة واحدة؟”

تراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه تجوبان يديها اللتين غطتهما البثور. كان ينظر إليها بنظرات لا تصدق، كأنه يبحث عن تفسير في ملامحها الغائبة. تحول ذهوله إلى نوع من العجز القاتل؛ فهو الرجل الذي لا تُهزم له راية، يقف الآن عاجزاً أمام “عدو” لا يراه ولا يملك سيفاً لمبارزته.

التفت إلى دادا رقية، وكانت عيناه غائرتين، تائهتين، تخلو من صرامة القائد التي كانت تملأ المشور قبل دقائق.

الشداد (وهو يسأل بنبرة خافتة، يكاد صوته لا يُسمع من فرط الصدمة):

“منذ متى وهي على هذا الحال يا رقية؟ هل حدث هذا فجأة؟ هل نطقت بكلمة قبل أن يغيب وعيها؟”

بقي واقفا مكانه، لا يجرؤ على الاقتراب أكثر ولا يستطيع الابتعاد، يراقب في صمت مريب كيف تذبل أمام عينيه، والأسئلة تتقاذفه كالأمواج وسط عاصفة لا يعرف لها قراراً.

سكتات رقية واحد الشوية، ومسحات وجهها بطرف الزيف، وشافت فالشداد بواحد النظرة باردة وهادئة، وقالت ليه وصوتها بحال إلا جاية من شي بير غارق:

دادا رقية:

“يا مولاي، الدنيا بحال ‘الجنان’.. كاين اللي كيسقي الورد بالماء باش يشم ريحتو، وكاين اللي كيسقيه ‘بالحليب والزعفران’ حتى كيتخنق من جدره ويطيح قبل وقته. بنيتي شامة كانت البارح كتوجد لرحيلها، ولكن ‘الضيف’ اللي زار هاد البيت فظلمة الليل، ما جاش باش يبارك السفر.. جاب معاه ‘بخور’ ريحتو زينة ، ولكن دخانه كيخنق الرية.”

وقف الشداد وقفةً جبلية، ورفع رأسه حتى كاد يلامس عنان السماء بهيبته، وضاق سواد عينيه كأنهما نصلان يصهران الحديد. لم يتفجر غضبه صراخاً، بل خرج صوته رزيناً ثقيلاً كوقع الحوافر على الصخر الأصم:

الشداد:

“حسبُكِ يا رقية، فقد نطق صمتُكِ بما تعجز عنه الألسن. إن كان في أركان داري من توهم أن ليلي نومٌ، وأن عيني عن حِمى قلبي غافلة، فقد أخطأ الحساب ورمى نفسه في المهالك.”

أجال بصره في أرجاء الجناح، وكأنه يقرأ في الهواء آثار من دخل وخرج، ثم أكمل بنبرة تقطر حزماً سلطانياً:

الشداد:

“والله الذي ملكني زمام الأمور، لو كان هذا الداءُ مكرًا حِيك في العتمة، لأجعلنَّ ليل الفاعل طويلاً لا فجر له. الخليفة لا يُستغفل في مخدعه، والأسد لا ينام على ضيمٍ مسَّ جفن غزالته. ابقي بجانبها، وطهري مجمع أنفاسها، فلا يقرب هذا الفراش إنسٌ ولا جان “

استقام في وقفته ونظر إلى شامة نظرةً أخيرة ملؤها القهر والعزم. التفت نحو الباب ليجد عبيبوش واجماً، يراقب سيدته بعينين تملؤهما الدموع والغيرة على حالها.

خرج الشداد إلى الممر العريض، حيث كان خادمه الخاص ورجل ثقته حسن ينتظر بوقار، وقد لمح في وجه سيده عاصفةً لم تهدأ منذ سنوات.

الشداد (بصوت حازم يملؤه الوقار):

“يا حسن! انزع لجام الخيل وكُفَّ القافلة عن المسير، فلا رحيل والروحُ سقيمة. أريد حراساً كالصقور على مدخل جناح لالة شامة، لا يمر طيفٌ إلا بعلمي، ولا تُنقل كلمةٌ إلا لإذني.”

هبط حسن برأسه طاعةً لسيده، لكن الشداد لم ينتهِ بعد، بل اقترب منه وهمس بنبرة تقطر دهاءً وسلطة:

الشداد:

“يا حسن، تتبع أثر الدخان الذي سكن هذا الجناح في غيبتي. لا أريد ضجيجاً، بل أريد عيوناً ترى ما تحت السجاد وتسمع ما خلف الجدران. من دخل؟ ومن أرسل؟ ومن وقف يراقب من بعيد؟ ائتني بالخبر اليقين قبل أن يغيب شفق هذا اليوم.”

حسن (بصوت منخفض ورزين):

“أمرك مطاع يا مولاي.. سأكون ظلاً لا يغادر عتبة الحقيقة.”

الخبر دار ف القصر بحال العافية ف التبن، ومبقات حتى قنت مسموعة فيها الهضرة من غير “لالة شامة طاحت”. السكات اللي نزل على الدار كان كيخلع، والجو اللي كان عامر بالحركة ديال السفر تبدل ورجع تقيل، وكله شكوك.

عند الجواري والخدم

الجمعات بداو كيتكونوا ف الكوزينة وف وسط العراصي. كل وحدة واش كتقول:

• كاين اللي كتهضر على دوك “الحبوب” اللي كلات وجه شامة، وكتقول باللي “العين” حق، وجمالها هو اللي خرج عليها.

• وكاين اللي كتشوف باللي هادشي “نحس” نزل عليها ف الليلة اللي كانت غتخرج فيها من القصر وتولي نائبة للخليفة.

ف جناح لالة اليازية

المرأة الكبيرة كانت جالسة كتشوف من المشربية، عينيها كيراقبوا الحركة غير العادية ديال حسن وعساكر الخليفة. ما هضرات ما سولات، ولكن الهدوء اللي كان على وجهها كان فيه نوع من الرضا، كأن هاد “المرض” جا ف وقته باش يبرد القلب ويحبس اللي بغى يطير.

شريفة والتوجس

أما شريفة، فكانت جالسة ف وسط جناحها والشك كياكل فيها. كانت كتشوف الشداد كيفاش تقلب حاله، وعرفات باللي القضية ما بقاتش غير “سخونية”، ولكن ولات قضية “هيبة” و”بحث” على اللي تجرأ وقرب من الحِمى ديال الخليفة.

القصر تحت الحصار

حسن بدا كينفذ ف أوامر الشداد؛ البيبان تسدوا، والحراس وقفوا ف كل ممر. الحركة ولات بالقياس، والعيون كلها متبعة عبيبوش اللي داخل خارج عند سيدته ووجهه مخطوف بالبكا. القصر دابا مابقاش دار كبيرة، رجع بحال المحكمة، والكل حابس أنفاسه كيتسنى

دخل الشداد لبيت والدته، والخطوات ديالو كانت بحال ضربات الطبل فساحة الحرب. لقى لالة اليازية جالسة

شادة سبحتها وكتمتم بكلمات ما مفهومينش، والوقار ديالها كيهز الأرض.

الشداد (بصوت هادىء كأنه سهم خفي):

“يا والدتي.. صبحت الدار غارقة فالمرار… ومرارها على قلبي حااارر “

بقات شادة فسبحتها، ولكن يدها وقفات عن الحركة فاش شافت ف عينيه واحد الشوفة غريبة عليها، ماشافتوش كولدها اللي ربات، ولكن شافت فيه “الخليفة” اللي كيقلب على راسو بين الضبابة. دوك العينين اللي كانوا عامرين شك واتهام جرحو كبريائها ف الصميم.

حسّات بـ “النصل” ديال نظرتو واصل لقلبها، وما عجبهاش الحال حيت الشداد ولا كيوزن مقامها بميزان الاتهام على ود سيدة غريبة. وقفات وقفة وحدة، وجمعات هيبتها، وردت عليه بصوت فيه العتاب وحرقة مسمومة

لالة اليازية:

“وقف عندك يا الشداد! واش وليتي كتشوف ف أمك غريم؟ هاد الشوفة اللي شفتي فيّ كتقول بلي الشك سكن قلبك، ونسيتي شكون هي اليازية اللي بنت معاك هاد الملك طوبة بطوبة. أنا ما محتاجاش لـ ‘السم’ باش نحمي داري، والشك فيّ راه إهانة لدمك قبل ما تكون ليا.”

سمع الشداد كلام والدته، فما زادت تلك الكلمات في عينيه إلا بريقاً بارداً. لم يتراجع ولم تلن ملامحه، بل ثبت نظرته في عينيها، ورد بكلمات قليلة زلزلت وقار الجناح:

الشداد:

“مكاينش شي رماد بلا نار الالة اليازية.. وريحة الدخان كنشمها وريحتها عاطية، كنتمنى متكونش خارجة من عندك.”

استدار الخليفة بحركة حاسمة وخرج من الجناح بخطوات موزونة توحي بقرار مصيري، تاركاً خلفه لالة اليازية غارقة في صمتها وغضبها المكتوم.

نزلت لالة اليازية ببطء فوق الديوان، ويدها اللي كانت شادة السبحة بدأت كترعد شي شوية، ماشي خوفاً، ولكن من قوة الصدمة. الشوفة اللي شاف فيها الشداد، ديك “النصلة” الباردة اللي كانت ف عينيه، هي اللي جرحاتها كثر من الهضرة.

إحساس الغدر والمهانة:

• هيبة الأمومة: حست باللي المقام ديالها كأم وكصانعة لهاد الملك اتهز؛ كيفاش لولدها اللي كبراتو على يدها باش يولي سبع، يجي اليوم ويوقف قدامها وقفة الند للند ويشم ريحة “الدخان” ف ثوبها؟.

• نظرة الاتهام: ديك البرودة اللي شافتها ف عينيه خلاتها تفهم باللي هي ما بقاتش “المستشارة الحاضنة ” ولا “الحمى” اللي كيرجع ليه، بل ولات ف نظره “متهمة” بحالها بحال أي حد ف القصر.

• الغيرة المسمومة: ف هاد اللحظة بالذات، الكره اللي كان عندها تجاه شامة تحول من مجرد رفض لـ “غريبة”، لـ “عداوة” حقيقية؛ حيت شافت باللي هاد السيدة قدرت تفرق بينها وبين ولدها وتخليه يشك ف طهارة يد اللي رباتو.

غمضت عينيها وهي كتفكر ف كلمتو: “كنتمنى متكونش خارجة من عندك”. هاد الجملة بقات كتعاود ف ودنيها بحال الصدى، وحست باللي “الخيط” اللي كان رابطها بالشداد تير مابين يديهم حتى ولى غيتقطع.

كان الجناح غارقاً في رائحة الأعشاب المغلية والبخور المرّ، والحكيمة منكفئة على شامة اللي كانت بين الغيبوبة واليقظة. بدأت الحكيمة كتحرك يديها بخبرة السنين، وسقاتها واحد الخليط من “عرق السوس” و”السكبينج” المغلي، وهو من الطرق القديمة اللي كانوا كيستعملوها حكماء العرب باش يصفيو الذات من الداخل.

بدأت شامة كتقيا بداكشي اللي ف جوفها، والحكيمة شادة “طست” من النحاس وكتراقب كل قطرة نازلة بعينين فاحصة. فجأة، وقفات الحكيمة ونزلات لمستوى الطست، وبدأت كتقلب فالبقايا بواحد العود من الأبنوس. لقات حبيبات صغيرة لونها كيميل للزروقة، وبقايا أعشاب مفرومة بدقة متناهية.

الحكيمة (بصوت منخفض):

“هذا ‘الفربيون’ المسموم ممزوج بـ ‘الزراوند’.. هادو أعشاب ما كيعرف سرهم غير اللي قاري كتب ابن البيطار ولا اللي وارث أسرار السموم من زمان.”

فديك اللحظة، تدفع الباب بجهد ودخل الشداد. شاف الحكيمة واجمة فوق الطست، وشاف وجه شامة اللي باقي شاحب.

المواجهة: كشف المستور

وقف الشداد عند راس الحكيمة، وصوتو كان بحال الرعد المكتوم:

“يا حكيمة.. واش نطق الجوف بما عجز عليه اللسان؟ شنو لقيتي ف هاد البلاء؟”

هزات الحكيمة راسها، وعينيها فيهم خوف ممزوج باليقين:

“يا مولاي الخليفة.. هاد الحبوب وهاد الحمى ماشي مكاتيب ربي بوحدها. هاد ‘الفربيون’ أزرق، وهو سم قديم كيتسقى فالمحلب ولا فالعسل. كيحرق الكبدة من الداخل وكيخرج السموم ديالو على الجلد باش يشوه الوجه ويطفي النور.”

شافت فـ الشداد بمرارة وكملات:

“هاد العشوب ما كيتلقاو ف سوق، وما كيوجدهم غير يد عارفة بمقادير الموت. شامة تسقات هاد المرارة وهي وسط دارك، والسم كان مخلط بحكمة باش يبان حالها بحال إلا ضربها ريح ‘الجذام’ ولا ‘النحس’.”

الشداد بقى كيشوف فداك الطست، وعضلات وجهه تزيرت حتى بغات تفركع. فهم دابا باللي القضية ماشي “مرض” عابر، بل هي “صناعة” تخدمت فالمطابخ ديال القصر.

الشداد (بصوت يقطر سماً):

“إذن السم تسقى ليها ف داري.. والحكمة تخدمت بيد كتعرف خبايا الأعشاب. ، صفي ليها داتها ، أما اللي داور هاد العشوب، فراه عزرائيل كيتسناه على ببيان القصر.”

وقفت شريفة وسط مشور القصر، والجو كان تقيل بحال إلا العواصف مجموعين فوق السقف. بان ليها خيال العريفة (كبيرة الخدم) كتمشى بزربة وهي حانية الراس، نادت عليها بصوت واثق ولكن فيه رنة ديال القلق.

المشهد: أسرار المشور

حبسات العريفة خطواتها ورجعات لعند شريفة بوقار، وعينيها كيدورو فالجوانب خايفة من الحيوط اللي عندهم ودنين.

شريفة (بنبرة منخفضة وحادة):

“يا العريفة، القصر اليوم تبدلات ملامحه، والوجوه ولات مخبية ورا البيبان. شنو هاد الخبر اللي كيطير من جناح لجناح؟ واش بصح ‘العلة’ اللي طيحات شامة هي ريح عابرة، ولا كاين ما هو أعمق وسط هاد المشور؟”

العريفة (بصوت كيرعد وقربات لودن شريفة):

“يا لالة شريفة، السكات فهاد الدار أبلغ من الكلام. الشداد راه وجهه ولى كينطق بالدم، والحكيمة ما فارقاتش راس شامة من الفجر. الكلام اللي كيدور بين الخدم كيخلع.. كيقولو باللي ‘السم’ للي لقاوه فجوفها، ما يوجده غير اللي كيعرف خبايا البيت وسرّ الأعشاب.”

شريفة (شافت فالسماء ويدها فوق صدرها):

“السم؟ وفي وسط دار الخليفة؟ واش شفتي حد دخل ولا خرج من جهة ‘بيت المؤونة’ قبل ما يودعنا الشداد للرحيل؟”

العريفة (بلعت ريقها بخوف):

“الخيوط مشابكة يا لالة، وكل واحد فينا ولى كيشوف فخيله عدو. اللي نقدر نقول ليك هو أن لالة اليازية وجها اليوم ما كيتفسرش، والشداد خرج من عندها وهو كينفخ النار.”

بقاو الشوفات متبادلين بيناتهم، شريفة فهمات باللي القضية ولات “حرب باردة” وسط القصر، وباللي دورها فالمحافظة على مكانتها كزوجة أولى غيولي أصعب وسط هاد الشكوك اللي كتحوم فوق الرؤوس.

خفّت حدة التوتر في الجناح، وحلّ محله هدوءٌ حذر. كانت شامة متكئة على وسائدها الحريرية، ووجهها بدأ يستعيد مسحةً من لونه الطبيعي بعدما نزل لهيب الحمى التي كانت تحرق جسدها. الحكيمة كانت تلملم أدواتها وأعشابها في صمت، وعلى وجهها علامات الرضا الممزوج بالترقب.

الحكيمة (بصوت هادئ وهي تضع يدها على جبين شامة):

“الحمد لله يا بنتي، الجوف طرد ما فيه، والنفس رجع لمجراه. دابا خصك الراحة والبال الصافي، اللي داز عليك ما كانش ساهل، والنجاة منه هي عمر جديد تصرف ليك.”

في تلك اللحظة، فُتح الباب بوقار، ودخل الشداد. لم تكن خطوته عاصفة كما كانت قبل قليل، بل كانت خطواته ثقيلة توحي بعبء التفكير. توقفت الحكيمة عن الحركة وانحنت انحناءة خفيفة وهي تستعد للمغادرة.

الشداد (عينه معلقة بشامة، ونبرة صوته منخفضة):

“يا حكيمة.. واش الروح رجعات لمكانها؟”

الحكيمة:

“رجعات يا مولاي الخليفة، وبإذن الله الغمة غادية وكتزول. شامة دابا محتاجة للأمان كثر من الدوا، حيت السم اللي كيقيس الخاطر أصعب من سم العشوب.”

انسحبت الحكيمة في صمت، وبقي الشداد واقفاً عند طرف الفراش، يراقب شامة بنظرة فيها مزيج من الحدة واللين. لم ينطق في البداية، بل اكتفى بوضع يده على قبضة خنجره

أشار الشداد بيده إشارة حازمة، فلم تمر لحظات حتى كان الجناح قد خلا من الجميع. انغلق الباب الخشبي العظيم بصدىً ثقيل، ليعمّ صمتٌ مريب لا يقطعه إلا حفيف الحرير وأنفاس شامة المتلاحقة.

كانت شامة مستلقية فوق سريرها كأنها عصفورٌ جريح؛ شعرها “الملحوني

الذهبي”منسابٌ فوق الوسائد الحريرية، ووجهها الذي بدأ يستعيد بعض نضارته يزيده الشحوب جمالاً غامضاً، يلفها رداءٌ رقيق يشفّ عن ضعف جسدها في تلك اللحظة، ويكشف الجزء الاكبر من صدها وكتفاها العاريتين

اقترب الشداد بخطواتٍ موزونة، وجلس على حافة السرير بجانبها، ثم انحنى عليها “نصف تكية” والغلظة التي كانت في المشور قد تلاشت لتحل محلها هيبةٌ هادئة. وضع يده

“يا شامةُ.. انظري في عينيَّ ودعي الشوفَ يصدُق.. هذا القصرُ غدا غابةً، والأنيابُ كشّرَت عن غدرها في الغسق. لقد نطقت الحكيمةُ، وقالت إن الموتَ كان يرقبُكِ في قعرِ الكأس.. لكني أبتغي الحقيقةَ تخرجُ من مكمنِها، أريدُ صدقَكِ أنتِ، لا صدقَ ‘الطستِ’ وعقاقيرِ الحكيمات.”

أمسك خصلةً من شعرها برفقٍ مشوبٍ بالحذر، واقترب من وجهها حتى لفحها نَفَسُه الحار، وتابع بنبرةٍ تجمع بين الهيبةِ والعفوِ المسموم:

الشداد:

“أجيبي بكلمةٍ تُنجيكِ.. هل أنتِ من سقى نفسَه هذه المرارة؟ هل ضاقت بكِ الأرضُ في رحابِ ملكي حتى أردتِ إطفاءَ شمعتِكِ بيدكِ؟ فقط قوليها واعترفي، ولكِ عهدُ الخليفةِ إن كان هذا الفعلُ فِعلَكِ، سأمحو الذنبَ كأن لم يكن، فالعفوُ عندي يسبقُ

بقت شامة ساكنة لثواني، والشوفات ديال الشداد كأنها نصال كتقطع في الروح ديالها. غمضت عينيها ببطء كأنها كتحاول تجمع شتات كرامتها اللي جرحها الشك، ومن بعد حلاتهم وهي كتشوف فيه بنظرة باردة، خالية من داك النور اللي كان كيشعل فاش كتلمحو.

حيدت وجهها ببطء على يدو اللي كانت كتعاوب بشعرها، وصوتها خرج مخنوق بالوجع ولكن فيه أنفة الكبار:

شامة (بنبرة تقيلة وموزونة):

“يا مولاي الخليفة.. كنت كنظن بلي السم اللي سقاتو ليا اليد الغدارة هو اللي غيقتلني، ساعة لقيت بلي سم الشك اللي ف قلبك أصعب وأمرّ. واش هانت عندك شامة لدرجة تظن بلي تقدر تبيع روحها وتأذي جسدها غير باش تنال عطفك ولا تخدع بصرك؟”

تنهدت تنهيدة حارقة، وكمّلت وهي كتشوف ف السقف المرصع، كأنها كودع أحلامها:

شامة:

“الثقة بيناتنا كانت هي الحصن اللي كيحميني وسط هاد الحيوط، الشوفة اللي كتشوف فيّ دابا، ما بقاتش هي ديك الشوفة اللي كانت كتحسسني بلي أنا ملكة على عرش قلبك.. وليت ف عينك مجرد ‘متهمة’ كتحاول تنجي راسها من التهم

دارت وجهها جيهتو، والدمعة اللي كانت محبوسة سالت على خدها الشاحب، ونطقت بألم:

شامة:

“طمأنينتي معاك يا الشداد غادرت هاد المكان مع أول كلمة شك نطقتي بيها. كيفاش بغيتي نعيش ف أمان، وأنا كنشوف بلي السبع اللي كنت كنحتمي بيه، ولى هو اللي كيقلب على ‘عدوه’ ف ملامح وجهي؟ الإهانة يا مولاي ماشي هي الموت.. الإهانة هي نعيش معاك وأنا محتاجة نثبت براءتي كل صباح.”

حولت عينيها لجهة النافذة، رافضة أي نظرة شفقة، ومخلية الشداد يواجه صمتها اللي كان أقوى من أي جواب.

خيم برود قارس على المكان. الشداد ما حركش يده من فوق الوسادة، بل بقيت ثابتة كأنها وتد من حديد. وبحركة بطيئة ولكن حازمة، وضع يده الأخرى تحت ذقنها، ودار ليها وجهها لعنده بزز، باش تولي عينيها المدمعة في مواجهة مباشرة مع عينيه اللي مابغاتش ترحم.

حبس أنفاسها بقربه، ونطق بصوت خافت يقطر هيبة، وكأنه كيوزن كل كلمة بوزن الذهب:

الشداد:

“يا شامة.. عزة النفس اللي فيك هي اللي خلاتني نهار الأول نوضع التاج فوق راسك، ولكن فحضرة الموت، الكبرياء كيولي حجاب كيغطي الحقيقة. أنا ما أهنتكش بالشك، بل عززت مقامك نهار جيت كنطلب منك الصدق قبل ما نطلبه من السيف.”

ضغط بصباع يده على فكها برفق ممزوج بالشدة، وكمل بنبرة فيها حرقة مكتومة:

الشداد (بصوت رخيم):

“كتقولي الثقة تكسرات؟ الثقة هي اللي خلاتني نسد هاد الباب ونحط سيفي فغلاقه قدامك. كون كنت كنشوف فيك ‘متهمة’، كون راه الجلاد هو اللي واقف عند راسك دابا ماشي الخليفة. أنا ما كنقلبش نثبت براءتك.. أنا كنقلب نثبت باللي شامة اللي عرفتها باقة هي شامة، وبلي هاد القصر مكيخلقش

أفاعي حتى فالحرير اللي كنعسوا عليه.”

شال يده من وجهها، ووقف وقفة الأسد اللي كيستعد للرحيل، وأعطاها بظهره وهو كيقول كلمته الأخيرة قبل ما يخرج:

الشداد:

“إلا مشات ليك الطمأنينة، فراه الأمان ديالي ذبحوه فاش سقاو

ليك السم فداري. ارتاحي يا لالة، ولكن عرفي باللي السبع إلا شك، راه كيشك حيت باغي يحمي عرينه.. ماشي حيت هان عليه حبيبو”

خلف الأبواب الموصدة لجناح لالة اليازية، كان الجو يغلي رغم البرودة التي يفرضها الرخام العتيق. كانت لالة اليازية تقف بجانب النافذة، تراقب حركة الحراس في المشور بعينين يملؤهما القلق والغضب المكتوم. دخلت العريفة بخطوات مرتعشة، وما إن أُغلق الباب حتى التفتت إليها لالة اليازية بحدة جعلت العريفة تتراجع خطوة للخلف.

لالة اليازية (بصوت حاد كالشفرة):

“قربي يا العريفة.. الشك اللي سكن عينين الشداد راه ولى نار غتاكل الأخضر واليابس. هو دابا كيشوف فكل زاوية من هاد القصر عدو، وشوفاتو ليا ما بقاتش فيها وقار الأمومة، بل فيها ريبة المحقق. قولي لي وصدقيني القول، شكون اللي تجرأ ودخل لبيت المؤونة بلا علمك؟ شكون اللي قدر يخلط هاد السم؟”

طأطأت العريفة رأسها في صمتٍ ثقيل، وبدت يداها المرتجفتان عاجزتين عن تقديم أي خيط نجاة. ساد سكونٌ مريب في الغرفة، لم يقطعه إلا حفيف رداء لالة اليازية وهي تذرع المكان ذهاباً وإياباً، بانتظار جوابٍ يشفي غليل شكوكها.

طأطأت العريفة رأسها في صمتٍ ثقيل، وبدت يداها المرتجفتان عاجزتين عن تقديم أي خيط نجاة. ساد سكونٌ مريب في الغرفة، لم يقطعه إلا حفيف رداء لالة اليازية وهي تذرع المكان ذهاباً وإياباً، بانتظار جوابٍ يشفي غليل شكوكها.

العريفة (بصوت كيرعد وعينين تائهة):

“يا لالة.. كون كان بيدي نهدي ليك راس اللي دارها فوق طبق من ذهب، راني درتها بلا ما نخمم، ولكن عيني ما شافات عوج، وأذني ما سمعات حس. المطبخ كان كلو خدام كالعادة، والعيون كانت ف كل قنت. قلبت ف الشكوك حتى عياو عينيا، وما لقيت حتى واحد نلصق فيه التهمة.. الكل كان كيجري ف صمت، والصدق غبر فهاد القصر ونعل الشيطان.”

وقفت لالة اليازية فجأة، ودارت عندها بواحد الشوفة باردة، جمدات الدم ف عروق العريفة.

لالة اليازية (بنبرة فيها الهمس والغضب):

“كتقولي ما شفتي والو؟ والسم اللي سكن ف جوف شامة، واش نزل عليها من السما؟ ولا هاد الحيوط ولاو كيقطرو بالسم بوحدهم؟”

قربات منها حتى ولى نفسها الحامي كيضرب ف وجه العريفة، وكملات بكلام كلو تهديد:

لالة اليازية:

“سمعي ليا مزيان يا العريفة.. فهاد الدار، ‘والو’ هي أخطر حاجة. إلا ما لقيتيش شكون غدر، عرفي بلي اللي دارها راه معلم وكالس وسط منا، ولا راك وليتي شريكة بصمتك هاد. الشداد ما غيقبلش بـ ‘ما عرفت’، وسيفه غيقلب على الجواب ف الركاب إلا ما لقاهش ف لسانك. رجعي.. قلبي ف النوايا قبل الوجوه، ونبشي حتى ف الرماد ديال الكوانين.. بغيت سمية نحطها لولدي، وإلا راه سميتك هي اللي غتكون الجاية ف نوبة الحساب.”

انحنات العريفة حتى قرب راسها يقيس الرخام، وانسحبت وهي جارة وراها الخيبة والرعب، وخلات لالة اليازية وسط عاصفة ديال التساؤلات، وهي عارفة بلي هاد المرة الخصم ديالها ماشي مجرد خادم، بل “شبح” كيعرف خبايا البيت كثر من ماليه.

بقات لالة اليازية واقفة بوحدها فوسط الجناح، الصمت كيصفر فودنيها وهي كترتب الصور فخيالها. شافت فالعريفة وهي خارجة، طاحت ليها الفكرة بحال الصاعقة: شريفة هي الزوجة الأولى، وهي اللولة لي مضرورة وتقدر تنتاقم من شامة

لالة اليازية (بصوت خافت ومركز):

“شريفة… واش قدرت ديريها يا بنت الحسب والنسب؟ واش الغيرة عمات ليك البصيرة حتى سقيتي الضرة من كاس الموت فداري؟”

نادات على واحد من الخدم بصوت جهوري: “جيب لي لالة شريفة دابا”

خيم السكون على الممرات الطويلة المؤدية لجناح لالة اليازية، ولم يكن يُسمع سوى صدى خطوات الخادم الذي أُرسل لاستدعاء شريفة. كانت الأجواء مشحونة، والظلال الممتدة على الجدران الرخامية توحي بأن القصر يحبس أنفاسه بانتظار العاصفة القادمة.

دفع الحارس الباب الخشبي الثقيل، ودخلت شريفة بخطوات متزنة تحاول من خلالها إخفاء القلق الذي ينهش صدرها. كانت ترتدي قفطاناً مخملياً داكناً ينم عن مقامها كزوجة أولى، ووجهها يحمل مسحة من الرزانة المصطنعة، رغم أن عينيها كانت تبحثان في أرجاء الغرفة عن سبب هذا الاستدعاء المفاجئ في هذا الوقت العصيب.

وقفت شريفة وسط الجناح، ويدها تلامس طرف ردائها بتوتر طفيف، بينما كانت لالة اليازية توليها ظهرها، واقفة أمام النافذة وكأنها تقرأ طالع القصر من حركة الرياح.

شريفة (بصوت هادئ يحمل الاحترام المشوب بالحذر):

“لالة اليازية، طلبتيني وجيت في الحين. خير إن شاء الله؟ شفت الحركة في القصر اليوم ما كتعجبش، والشداد غدايده خارجة كترعد الحجر.”

التفتت لالة اليازية ببطء، وكانت نظراتها حادة كأنها تخترق ثياب شريفة لتصل إلى ما تخفيه في صدرها. لم ترد بالسلام، بل تركت الصمت يطول لثوانٍ حتى أحست شريفة ببرودة تسري في جسدها.

لالة اليازية (بنبرة باردة ومركّزة):

“قربي يا شريفة.. قربي وشوفي ف عيني. اليوم الدار تقلبات، والسم سكن في فراش ولدي. وأنا كنقلب على اليد اللي تجرأت تلطخ شرف هاد البيت بـ ‘الغدر’ ف قعر الكاس.”

بلعت شريفة ريقها، وأحست بأن الاتهام يلوح في الأفق قبل أن ينطق به اللسان، وبقيت واقفة بشموخها المعهود، تنتظر الضربة التي كانت تخشاها منذ أن سقطت شامة مريضة.

تسمرات شريفة فمكانها، وصدمة الاتهام خلات عينيها يتوسعوا بذهول. حست بلي الأرض كتدور بيها، وبلي الحيط اللي كانت مستندة عليه بدا كيريب. رجعات خطوة لورا، وصدرها كيعلا ويهبط بأنفاس متسارعة، قبل ما تجمع قوتها وترد بنبرة فيها حرقة ومرارة.

شريفة (بصوت كيرعد بالصدق):

“واش لهاد الدرجة هانت عندك شريفة يا لالة؟ واش سنين الوفاء والصبر تمسحوا فلحظة شك؟ سمعيني مزيان، أنا شريفة بنت الأصل، واليد اللي تربات فالعز ما كتعرفش طريق الغدر فـ ‘قعر الكاس’. عمري فكرت نقتل شامة، ولا غيفكر عقلي فنهار ينهي حياتها!”

قربات من لالة اليازية وعينيها عامرين بدموع العزة، وكملات:

شريفة:

“تفكري يا لالة، نهار كنا فـ ‘أنمارة’، وفاش كان الصراع بيني وبينها واصل للعظم، واش مديت يدي لدمها؟ تما فين كان العداء فـ أوجو، ومع ذلك ما فكرتش نقتلها. فمابالك اليوم؟ واش نسيتي بلي هاد شامة هي اللي نقداتني أنا وولدي من الموت المحقق؟ واش كيسحاب ليك بلي شريفة ناكرة للجميل لدرجة ترد المعروف بـ ‘السم’؟”

نفظت شريفة يدها بحركة فيها عزة نفس كبيرة، ودارت وجهها للجهة الأخرى وهي كتقول بمرارة:

شريفة:

“أنا وياها يقدر يفرقنا ‘الحب’ ولا يجمعنا ‘الضيق’، ولكن دمها محرم عليّ بحال دم خوتي. اللي نقدات ولدي، ولات قطف مني، والمنتقم راه كيتسنى ورا البيبان، ماشي واقف قدامك دابا. قلبي فـ اللي باغي يضرب الشداد فـ عزه، أما أنا، راه عزي من عزه، وسلامة شامة هي سلامة الدار اللي أنا لالتها الأولى.”

بقت لالة اليازية كتشوف فـ شريفة بنظرة فاحصة، بدات ذيك القسوة اللي فـ عينيها كتلين شوية قدام هاد المنطق القوي، وبدات كتحس بلي الخيط اللي كتقلب عليه، كاين فـ جهة أخرى بعيدة كاع على الحريم.

بمجرد ما كملات شريفة كلامها على الوفاء والجميل، شافت فيها لالة اليازية بواحد الضحكة باردة فيها السخرية والشك، وقربات منها بخطوات كتقطر بالسم، وعينيها صغاروا كأنها كتقلب على الكذبة وسط ملامحها.

لالة اليازية (بنبرة قاصحة وكلام موزون):

“علاش كتمثلي عليّ دور الورع والتقوى يا شريفة؟ واش نسيتي كلامك ونكرتي لسانك؟ عاد هادي مدة قصيرة، فاش كان الموضوع كيحرق ف قلبك، قلتيها بفمك وسولتي: ‘شنو المعمول؟’. ديك الساعة، فاش هضرنا بوضوح وقلت ليك خاصنا نحيدوها من الطريق ونطفيو شمعتها باش يرجع ليك عزك، كنتي واجدة ومستعدة لكلشي.”

دارت عليها دورة كاملة وهي كتكمل كلامها اللي كيطعن فالظهر:

لالة اليازية:

“ديك الساعة ما بان ليك لا جميل، لا ‘أنمارة’، لا نكران للجميل. كنتي باغية غير فوقاش تشوفي جناحها خاوي والشداد راجع ليديك. ودابا، ملي طاح الفاس فالراس وبان السم، جيتي تلبسي ليا توب الطهر وتقولي ليا ‘نقدات ولدي’؟ واش هادا وفاء حقيقي، ولا غير خفتي من سيف الشداد اللي ولى كيقلب على الركاب؟”

حطات يدها على كتف شريفة وضغطات عليها بقوة:

لالة اليازية:

“الغيرة يا بنتي ما كتعرفش الجميل، والسم اللي بان اليوم هو الجواب اللي كان كيقلب عليه لسانك ديك النهار. قولي الحقيقة، واش حيت عطيتك الامان ف كلامنا، مشيتي نفذتي بلا ما ترجعي ليّ؟”

تغير وجه شريفة وتبدلات ملامحها من الصدمة لواحد الحدة والصرامة اللي ما عمرها بيناتها قدام لالة اليازية. نفضات يد اليازية من فوق كتفها بواحد الحركة فيها كبرياء كبير، ورجعات خطوة لور وهي كتشوف فيها بشوفة نارية، وصوتها خرج قاصح وموزون:

شريفة (بنبرة فيها عزة النفس والحرقة):

“ايه يا لالة، قلبتي وجهك عليّ دابا؟ فاش قلت ‘شنو المعمول’ كنت كنهضر على كرامتي اللي تجرحات وعلى بلاصتي ف قلب الشداد اللي بدات كتغبر. فاش قلتي ‘نحيدوها من الطريق’، كان عقلي كيمشي لبعادها، لرجوعها لدارهم، ولا كاع لشي مكيدة تبعدها على الشداد. ولكن ‘السم’؟ الموت الغدارة ف قعر الكاس؟ هادي ماشي من شيمي، ولا عمري كنت غنرضى بيها لعدوي، فمابالك باللي نقدات لي كبدي!”

قربات من اليازية بواحد الجرأة غريبة، وكملات كلامها وهي كتواجهها عين ف عين:

شريفة:

“دابا بغيتي تلصقي فيّ هاد التهمة حيت كنت كنشكي ليك وجعي؟ واش نسيتي بلي أنتِ اللي عطيتي الامان كما قلتي؟ واش هادا اعتراف بلي أنتِ اللي خططتي وأنا اللي بغيتي ترديني كبش فداء؟ أنا يا لالة، واخا تقتلي فيّ الحب والغيرة، ما تقتليش فيّ ‘بنت الأصل’. نهار فكرت ف شامة، فكرت كيفاش نربح الشداد، ماشي كيفاش نربح جنازة ف القصر!”

دارت وجهها وهي كتمسح دمعة ديال القهر، وزادت ف كلامها:

شريفة:

“الشداد إلا عرف بلي يدك هي اللي كانت ورا هادشي، راه ما غيسمحش ليك. وأنا، إلا بغيتي تقدميني قربان باش تبري راسك، عرفي بلي ربي غيظهر الحق. أنا ما سممت حد، ولا شربت من كاس الغدر. اللي دارتها، راه هي اللي خايفة دابا من سيف الشداد، أما أنا، راسي مرفوع بـ ‘أنمارة’ وبالمعروف اللي ما نكرتوش.”

بقات اليازية مصدومة من هاد القوة اللي نزلات على شريفة، وحست بلي الكنة اللي كانت كتحكم فيها، ولات اليوم لبؤة كتدافع على راسها وعلى شرفها.

بمجرد ما دارت شريفة وجهها باش تخرج، كان واحد “الخيال” مسترخي ورا الباب، كيتنفس بالمهل باش ما يتسمعش حسه. هاد الجاسوس ما هو إلا منصور، خادم الجناح البراني اللي كيعرف الشاذة والفاذة ف القصر.

كان منصور حاني راسه، وودنه لاصقة مع الخشب المنقوش ديال باب جناح لالة اليازية. كان كيسمع كل شهقة، وكل كلمة قاصحة خرجات من فم لالة شريفة، وحتى ديك “النفخة” ديال عزة النفس اللي واجهت بيها اليازية.

اتهام لالة اليازية الصريح لشريفة بلي هي اللي بغات تصفيها لشامة.

• اعترافهم بجوج بلي “المخطط” باش يحيدو شامة من الطريق كان مطروح فوق الطبلة.

• دفاع شريفة المستميت بلي هي “بنت أصل” وما تقتلش اللي نقدات ليها ولدها فـ “أنمارة”.

غير سمع خطوات شريفة قربات من الباب، انسحب منصور بسرعة البرق وتخبع ورا واحد السارية رخامية كبيرة. شاف شريفة خارجة ووجها أحمر بالغل والكرامة الجريحة.

كان منصور واقف لاصق مع الحيط حدا باب جناح لالة اليازية، كان حاني راسه، وودنه اليمنية لاصقة مع الخشب المنقوش. فـ الجهة المقابلة، ورا واحد السارية رخامية كبيرة، كان عبيبوش واقف كيرقب المشهد كامل. ما كانش كيشوف فـ الباب، بل كانت عينه غير على منصور.

• كان واقف بوضعية المرتاح، ظهره على السارية، ولكن عينيه بحال عينين الصقر،حاضيين كل حركة وكاع التعبيرات اللي كتبان على وجه منصور.

• كان كيضحك واحد الضحكة مخبية، وعارف بلي منصور صيد ثمين هاد الصباح.

• كلما شاف منصور كيزيد يلصق ودنه مع الباب، عبيبوش كيزيد يقرب شوية فـ الظل، كأنه كيوجد الشبكة باش يجمع الصيد.

كان منصور كيجري وكرشو الغليظة كتنهج قدامو، سرواله القندريسي القصير مبين رجليه الطوال، والبلغة كتشير فـ الأرض “طاك طاك” بحال الطبل. كان هاز كتافو العراض وهو كيهج، وعينيه خارجين بالخلعة، باغي غير يوصل فجأة، وبحال إلا نبت من الأرض، نقز عبيبوش قدامو بواحد الخفة ما تجيش مع هاد النهار المشمس. وقف ليه فـ النص ديال الطريق، وحط يده على حنكه بواحد التمييكة مستفزة، وعينيه كيلمعو بالمكر.

عبيبوش (بصوت كلو تقشاب وغمزة ماكرة):

“على سلامة السي منصور! مالي شفتك زربان وصايف وبغيتي تطير؟ ياك ما الحنش عضك ولا الشوافة قالت ليك شي خبار كتحرق؟ هاد الكرش والقد والمد، وغادي بهاد الجرية كاملة، راه اللي شافك يقول قطعتي الواد ونشفو رجليك!”

وقف منصور كيندب حظه، والنهجة واصلة ليه للعظم، وحاول يبرد الجرة

“بعد مني يا عبيبوش، راني ماشي فـالكانة ديال تقشابك”

عبيبوش (قرب منه حتى شم ريحة الخلعة فيه):

راه اللي كيحط ودنيه ورا البيبان، ما كيهربش هاد الهربة غير إلا لقى ‘همزة’ وازنة قولي، واش لالة اليازية ولالة شريفة عطاوك ‘القطرة’ لي تفزك حلقة الناشف

حرك عبيبوش صباعه قدام وجه منصور وكمل

“الزربة ما فيها ربح يا الطويل، والسر اللي تقيل فـ القلب، كيكون خفيف فـ الجيب إلا عرفتي لمن تبيعو. أرى برع، قولي شنو سمعتي، ولا والله لا فكيتيها اليوم مع ‘السي الشداد’ إلا مشيت ونبحت ليه فـ ودنه باللي شفتك لاصق فـ الباب كالجقر!”

منصور هز كتافو ونفخ حناكو وزاد خلفة مع الطريق

“”سير يا عبيبوش.. سير قول ليه اللي بغيتي! قول ليه شفتيني، قول ليه كنت كنتصنت، قول ليه حتى أنا اللي درت السم كاع! هاد القصر مابقا فيه ما يتخبى، والراس اللي طار راه ارتاح من هاد الروينة.

بقى عبيبوش واقف فـ بلاصتو، الشمس ضاربة فيه، وهو كيشوف فـ منصور كيبعد وكرشو كتميل مع الجرية. هز كتافو بلامبالاة، ورسم واحد الابتسامة باردة وكمل كلامو بينه وبين راسو:

عبيبوش (بهمس):

“إيوة يا الطويل.. الغابة فاش كتحرق، كل واحد كيقلب غير على راسو. “

وصل منصور وهو كينهج، السروال القندريسي القصير طالع والبلغة مخشية غير فالصبعان وكرشو الغليظة كتعلا وتهبط بحال شي رابوز. كيقلب ويدور حتى وصل للرياض لاخضر لقا حسن واقف تما مع العبيد كيهضر ووقف عليه كينهج

منصور (بصوت مقطوع والنهجة غالبة عليه وقبل مايهضر هز حسن راسو فرق العبيد وقال بخفوت

“اش داكشي تما درتي داكشي علاش وصيتك؟

منصور (كيمسح العرق بيده):

لالة اليازية ولالة شريفة نوضوا القيامة فجناح الحريم.”

وقف حسن مشدود، وقرب منه باش يستر الهضرة:

“برد ونفس يا منصور.. مالك كترعد؟ قولي شنو جنيتي من ورا داك الباب، واش بان شكون اللي حط السم فكاس شامة؟”

دور منصور راسو يمين وشمال وقال بهمس

“سمعت لاللة اليازية كتقول لاللة شريفة نتي لي حطيتي السم لشامة..ولاللة شريفة ضارت فيها دورة الزمان قالت ليها ما نديرهاش للي عتقات رقبتي ورقبة ولدي فأنمارة، ايوا لاللة اليازية …

بدا منصور كيعاودو ليه فالخبير لي سمع حرف بحرف وحسن كيسمع ويخرج فعينيه حتى كمل ورجع اللور كينهج

حسن:

سير دابا وصد داك الفم بالقفال سمعتي..يالاه سير وحضي ليا لاللة اليازية ولاللة شريفة مايغفلوش عليك

منصور ضرب فخادوو ودور راسو يمين وشمال

“داك كعبو بالنحس ماباش يفرقني عليه تابعني منين ما دزت وكلت عليه الله عبيبوش الحرامي”

دخل عبيبوش لجناح شامة بخطوات حذرة، والضو ديال العشية الأموية كيتسرب من المشربيات ويرسم خطوط باهتة فوق الزربية. لقى لالة شامة مازال طايحة، والريحة ديال الأعشاب والمرورة ديال السم باقة فـ الجو.

طرق موراه الباب مزيان وسرح عينيه فالجناح لقا غير دادا رقية بوحدها ومشا قوب من شامة لي كانت مزال ناعسة مغمضة عينيها كتقاوم فتات السم وتكمد المها

حنى راسو بوفاء، وقرب من ودنها وبدا كيوشوش بداك الصوت

“يا لالة شامة، يا صبارة القصر، فيقي راه ‘الرياح’ بدات كتدور وغتدي معها روس كبيرة. أنا ما دخلتش لجناح لالة اليازية، ولكن عيني ما غفلاتش على ‘منصور’. شفته لاصق كـ ‘الجقر’ ورا الباب، وودنيه شربات كل كلمة تقالت بين اليازية وشريفة.”

وقف عبيبوش واحد الشوية يشم الهوا، وكمل السرد ديالو:

“هاد الهبيل ديال منصور، غير سدات شريفة الباب، طار كيجري بحال إلا تابعاه العافية، ومشى نيشان عند حسن. وأنتِ عارفة يا لالة بلي حسن ماشي غير حاجب، راه هو ‘ظل الشداد’ فـ هاد القصر. الشداد وصّاه يطلق عينيه فـ كل قنت ويجمع الخبار الكبيرة والصغيرة، وحسن دابا راه عنده ‘الخيط الأبيض’ اللي سمعو منصور ورا البيبان.”

هز عبيبوش صبعه بالتحذير وزاد:

“دابا يا لالة، الخبار راها وصلت ليد ‘الحاجب’، والمعنى هو أن الشداد غيوصلو الخبر مكمول؛ بلي اليازية وشريفة ناضت بيناتهم القيامة، وبلي ‘السم’ ولى تهمة كتقلب على مولاها. فيقي يا لالة وجمعي ركابك، راه اللي وصى حسن يطلق عينيه، راه ناوي يطير الروس اللي غدرات بيك فـ غفلة من الزمان.”

بصعوبة كبيرة، حركات شامة يدها الشاحبة وفتحات عينيها اللي غطاهم التعب، ونطقات بصوت مبحوق كأن الكلمات خارجة من بئر غارق:

شامة:

“رد بالك يا عبيبوش.. هاد اللعبة ولات بحال المشي فوق الموس. حسن راه ‘عين’ الشداد اللي ما كتنام، وعنده ودنين فـ كل حيط. خايفة غير يعيق بيك كتوصل ليا الخبارات

ضحك عبيبوش واحد الضحكة خافتة فيها الثقة والمكر، ورجع اللور شوية وهو كيسوي الكمام ديال قفطانه، وقال بنبرة شعبية موزونة:

عبيبوش:

“ضحكتيني يا لالة شامة وأنتِ فـ هاد الحالة! واش كيسحاب ليك هاد القصر فيه شي سر مخبع؟ راه كولشي سايق لخبار بلي عبيبوش هو ‘النحلة’ اللي كتلصق فـ الودنين وتجيب ليك الشهد ديال الهضرة.”

قرب منها وغمزها وهو كيدوي بـ “الأنفة” ديال الخادم اللي عارف راسو محمي:

عبيبوش:

“راه الشداد براسو، سيدي ومولايا، عارفني كنلقط لخبار ونفرغها عندك. هو كيعرف بلي وفائي ليك ما عندو حد، وبلي عينيَّ هوما عينيك فـ هاد الممرات. ارتاحي وجمعي قوتك، راه الحاجب حسن دابا راه غارق فـ الخبار اللي جاب ليه منصور، والشداد كيتسنى غير اللحظة باش يحط السيف فوق الرقبة الخاينة”

تحركت دادا رقية بخطوات ثقيلة كيرجف فيها الخوف، وجلست حدا رأس شامة وهي كتشوف فيها بشوفات حزينة ومخطوفة. كانت باغية تهضر، وفمها بدا كيتحرك باش تخرج الكلام اللي حارقها لداخل، ولكن قبل ما تنطق بكلمة واحدة، تحنحنات شامة واحد التحنحينة رصينة وواخا التعب باين فيها، سكتات رقية بلمحة من عينيها.

دارت شامة رأسها ببطء لجهة دادا رقية، وقالت ليها بصوت هامس كلو حذر

الحيط للي بينا وبينهم راه عندو ودنين كثر من البشر. والريح فـ هاد الركاني كيوصل الهضرة قبل ما يوصل السمع لمولاه.”

بقت رقية سادة فمها وكتشوف فـ شامة، وحست بلي هاد السكات هو الحصن الوحيد اللي بقا ليهم وسط عاصفة الغدر اللي نايضة فـ القصر.

خيوط الشمس ديال العشية بدات كتميل للبرتقالي، وكترسم ظلال طويلة ومرعبة فوق زليج الممرات. شريفة كانت كتمشى بخطوات ثقيلة، لابسة قفطانها الحريري اللي كيتجر وراها وكيدير صوت خفيف بحال حفيف الشجر، ولكن قلبها كان كيدق بجهد كثر من دقات رجليها.

وصلات شريفة قدام جناح شامة ووقفت. بقات يديها معلقة فالهواء، مترددة واش تدق ولا ترجع بحالها.

• كان وجهها كيعكس صراع داخلي كبير؛ بين الخوف من اليازية اللي باغا تلصق فيها التهمة، وبين هاديك “العقدة” ديال المعروف اللي دارت فيها شامة فـ أنمارة.

• عينيها كانت كدبل وهي كتشوف فـ عتبة الباب، رجعت خطوة لور، ونفخات بضيق، وصححت وقفتها وهي كتحاول تجمع شتات نفسها باش تبان قوية قدام الخدم اللي حاضيين كل صغيرة وكبيرة.

اخيرا نطقات وتكلمات مع العبيد على فالباب باش تشوف شامة .العبد دخل فالحين وحدر راسو وقال

“لاللة شريفة فالباب بات دخل الاللة رقية..نقوليها دخل ولا نصرفها؟

رقية حلات عينيها وشافت فشامة وعبيبوش حل ليك العين وقلش ودنيه ..شامة ميلات راسها شافت فيهم مطولا ، كانت الهضرة كلور بيناتهم غير بالعينين ، عاد تكلمات وقالت بصوت متعب

“دخلها اعابد”

اخيرا تدفع الباب ببطء. الصوت ديال الخشب المنقوش وهو كيتحك دار صرخة خافتة زادت من التوتر ، دخلات شريفة والجناح كان عامر بريحةالزهر والورد والياسمين ولعود مطلوق فالمبيخرة فواحد القنت، كانت كتحرك غير عينيها فداك الجناح كأنها كتكتاشف شي حاجة جديدة وقربات من سرير شامة فين ناعسة ووقفات ووقفت بعيد بواحد الخطوة. شافت فـ شامة اللي كانت ممدة بحال شي طير مكسور الجناح.

شريفة (بصوت مخنوق وكلو تردد):

“على سلامتك يا شامة… القصر ولى غريب بلا بيك، والظلمة دخلات للقلوب قبل ما تدخل للجناح.”

بقات شامة ساكتة، غير واحد التحنحينة خفيفة صدرات منها، وعينيها تلاقاو مع عيني شريفة. فـ هاديك اللحظة، كان الصمت هو سيد الموقف.

شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.