فجر الأثر

بقات شامة حاطة عينيها فـ عيني شريفة، واحد النظرة اللي مخلطة بين الضعف ديال المرض والذكاء اللي ما كيطفاش. حركات راسها بواحد الصعوبة كبيرة، وبانت واحد الابتسامة خفيفة على فمها الشاحب.
شامة (بصوت مبحوق وخافت):
“بارك الله وفيك يا لالة شريفة.. جيتك هادي كبيرة عندي، وكلامك نزل عليّ برد وسلام وسط هاد العافية اللي فـ ذاتي.”
قربات شريفة كثر، ويديها كيرجفو وسط كمام قفطانها الحريري. كانت باغة تخوي اللي فـ قلبها، وباغة تحلف بلي يدها نقية، ولكن الخوف من “ودنين الحيط” كان مخلي كل كلمة كتخرج بصعوبة.
شريفة (بنبرة فيها غصة وبحرقة):
“يا شامة، ربي اللي عالم بلي عمري تمنيت ليك هاد الحال. أنا جيت غير باش نقول ليك بلي وخا الغيرة كانت كتاكل فـ القلب أحياناً، راه ‘بنت الأصل’ ما كتحطش الغدر فـ الكاس. أنا ما عندي يد فـ هاد البلا، وعمرني ننسى فضل ‘أنمارة’ والمعروف اللي بيناتنا.”
سكتات شريفة لواحد اللحظة، وعينيها تعمرو بالدموع وهي كتحاول تبعد التهمة
“كاينين رياح فـ هاد القصر كيهبوا بلا ما نعرفو منين، وسموم كتدوز من يد ليد بلا ما يشعر بها حد. أنا بغيتك غير تعرفي بلي قلبي بيض من جيهتك، وبلي الظلم ظلمات يوم القيامة.”
بقت شامة كتشوف فيها بصمت، وكأنها كتقرأ ما بين السطور. حست بلي شريفة فعلاً كتحاول تبري راسها من فخ كبير منصوب خايفة طيح فيه هيا
حركات شامة راسها ببطء فوق الوسادة، وعينيها دبلانين ولكن فيهم واحد النظرة ثاقبة كأنها كتشوف اللي مخبع وسط الضلوع. تنفست الصعداء وخرجات الهضرة مينة، دافية، وفي نفس الوقت مسمومة بالحذر:
“عارفة يا لالة شريفة، وعارفة بلي القفطان إلا توسخ كيتصبن، ولكن السمعة إلا تقاست بالسم كيبقى أثرها محفور فـ الرخام.
حركات شامة راسها ببطء وكأنها كترسم الكلمات فـ الهواء، ونطقات بواحد النبرة فيها الحكمة والمرورة ديال “الدقة” اللي خدات:
“بلا ما تحتاجي تفسري يا لالة شريفة.. اللي مسموم، راه عارف مزيان شكون اللي سقاه السم. الكاس وخا كيدوز من يد ليد، النسمة ديال الغدر اللي فيه كتفضح مولاها قبل ما يوصل للحلق.”
شافت فيها واحد الشوفة عميقة خلات شريفة تجمد فـ بلاصتها، وكملات بصوت هامس:
“النية أبلغ من العمل، وأنا عارفة بلي قلبك وخا تضياق بيه الدنيا، ما يوسعش هاد الفعال. رتاحي، حيت الحقيقة فـ هاد القصر بحال الشمس، وخا يغطيها السحاب، كايجي الريح اللي يشتتو ويبين الضو. سيري دابا وحضي خطواتك، راه ‘الودنين’ اللي ورا هاد الحيوط كيتسناو غير الزلة باش يكملوا اللوحة اللي بداو”
فـ ديك اللحظة اللي كان فيها الصمت سيد المكان، والكلمة ديال شامة “اللي مسموم عارف شكون سقاه” باقة كترعد فـ لودنين، تفتح الباب ودخل الشداد بهيبته وديك النضرة الفطينة لي مكتفارقوش • قفز صدر شريفة فاش شافتو ويديها تخشاو وسط كمامها وهي كترعد، وحنات راسها للأرض هرباً من عينيه اللي كانو كيلمعو بحال الجمر.
• دادا رقية بقات مسمرة فـ بلاصتها،اما عبيبوش، اللي كان فـ القنت، انحنى بواحد الخفة ماكرة، وعينيه متبعين كل حركة، كيتسنى يشوف فين غترسى هاد العاصفة.
وقف الشداد فـ وسط البيت، وشوفاته توزعات بين شامة الممدة وشريفة اللي واقفة كترعد. كانت الملامح دياله قاصحة بحال الحجر
شافت فشداد فـ الشداد بواحد النظرة فيها الحكمة الممزوجة بالتعب، ونطقات بصوت هادئ
“لاللة شريفة جات تطمن على حالي فاش سمعات بلي جرالي”
شافت فشريفة وتبسمات ليها بلطف
“المجية ديالك عندي واخا ماتهدىء وجعي ..ولاكن غتشفي جراح اخرى .. غارق النية من وجهو كيبان ..وكما قلت ليك ..المسموم كيعرف اليد لي سقاتو السم ..والى تكلم الخاطر ما بقا للعين ما تشوف ولا الودن تسمع”
وقف الشداد وبدا كيشوف فـ شريفة بشوفة فاحصة، وكأنه كيزن كلام شامة.
• هاد “المديح” المسموم اللي دارت شامة خلى الشداد يشك كثر؛ واش شريفة فعلاً بريئة، ولا شامة كتحاول تحميها .
شريفة بقات حانية راسها، وكل كلمة قالتها شامة كانت بحال “المسكة” اللي لصقات فيها؛ برأتها من جيهة، ولكن وضعتها فـ موقف الدفاع من جيهة أخرى
قرب الشداد من شريفة بواحد الخطوات تقيلة ووقف قدامها مباشرة. بقا كيشوف فـ عينيها بشوفة فاحصة، وكأنه كيقلب على “الخيط” اللي جبدات شامة فـ كلامها على عمايل الظلام وعقارب الدار.
نطق الشداد بصوت رزين وهبة ويديه وراه
“بنت الأصل كيبان أصلها فـ الشدة “
حط يدو على كتفها ومررها بشوية ومسح على راسها وكمل كلامو
“شريفة …
تبسم ورتب على كتفها وهي كتشوفيه مستغربة..هاد التعامل ىاللطافة الغريبة وقدام شامة نزلات عليها بحال الضربة دالشمس لي كدوخ .اما شامة عينها يبسات على يدو لي تحطات عليها حتى بغات تحرقها بعينيها . تبدلو كلامح وجهها وتحقنات فيها النفس حتى هزات شريفة راسها وقالت
“ميكون باس عندك اشامة…ان شاء الله يبان لي دوقك السم ويتحاسب على عمايلو ..بعد المرات الشيطان كيكون فسيفة الملاك لي ميقدر حتى واحد يشك فيه ..على الله مايتضلم حتى واحد ولي دار هادشي ياخد الجزاء لي يستاحقو
حرك الشداد راسو وهوا كيشوف فيها في حين حدرات راسها قدامو وقالت
“خليت ليك الراحة امولاي”
بعد ماتسد الباب ورا شريفة، بقى الجناح غارق في صمت تقيل، ما كتسمع فيه غير تنهيدة شامة اللي كانت كتحاول تبرد النار اللي شعلات في صدرها من شوفت يد الشداد فوق راس ضرتها.
بقى الشداد واقف في بلاصته، محافظ على ديك الابتسامة الهادية والباردة اللي كتحير العدو قبل الصديق. دار ببطء لجهة شامة، وقرب للسرير بخطوات موزونة، وجلس في الجنب ديالها وهو كيشوف فيها بواحد النظرة عميقة، كأن عينيه كينقبو وسط قلبها.
الشداد (بصوت هادي ورزين):
“ارتاحي يا لالة شامة، ارتاحي.. كنشوفك واخا هاد التعب كامل، مازال لسانك كيغزل الحرير. عجبني هاد الوفاء اللي نزل على القصر هاد العشية، حتى وليتي كتفتحي بيبان الخير لشريفة وتدفعي عليها البلا.”
ميل راسه شوية، وبقات الابتسامة مرسومة على وجهه، وكمل كلامه
أنا كنعرف بلي شامة ذكية، وعينها ميزانها، وما كتقول هضرة إلا وإلا عارفة القعر ديالها فين واصل.”
مد يده ببرود وحطها على جبهة شامة، وكأنه كيقيس الحرارة، ولكن الحركة كانت فيها هيبة الحاكم، شامة بقات كتشوف فيه، وتحقنات فيها النفس كثر، حيت عرفات بلي الشداد ما زادش ديك اللطافة مع شريفة إلا باش يخرج “السر” من عند شامة؛ بغى يضرب الغيرة بالغيرة باش اللسان يزلق بالحقيقة.
غمضات شامة عينيها لواحد اللحظة، وكأنها كتحاول تسجن هاديك الحرقة اللي شعلات في داخلها، وخدات نفس عميق باش ترجع لبرودها المعهود. ملي فتحاتهم، كانت النظرة ديالها صافية وتابتة، مفيهاش حتى أثر للغيرة اللي كانت قبل قليل غتحرق الجناح.
لالة شريفة بنت الأصل، وكلامي عليها ما كان إلا حق، واللطافة اللي شفتها منك جيهتها هي اللي كتليق بـ ‘سيد الرجال’ اللي كيعرف قيمة حريمه.”
قربات منه شوية، وخبات يديها اللي كانوا كيرجفو تحت الغطا، وكملات بنفس البرود:
هاد الجسد راه غير أمانة، ودابا راه كيطالب بحقه فـ الراحة. السم واخا بدا كيبرد، راه خلى وراه جمر كياكل في الصحة. طلب ضيفة عندك، خلي شامة ترتاح هاد الليلة، وجمع قلبك من جيهتي.”
مدات يدها بشوية وحطاتها فوق يدو اللي كانت فوق السرير، وكملات بنبرة فيها العتاب الرقيق:
“ما تحاولش تشك في الود اللي بينا، ولا تظن باللي هاد السكات هو حيلة مخبعة. شامة عمرها كانت ‘عقرب’ في دارك، وراك عارف باللي وفائي ليك هو الساس اللي بنيت عليه كاع أيامي. إلا كان الصمت ديالي تقيل، راه غير حيت الحقيقة محتاجة للنور ماشي للظلمة، والشداد راه قلبه دليله، كيعرف الصادق من الكاذب غير من شوفة العين.”
غمضات عينيها ببطء كإشارة باللي القوة ديالها تسالات، وخلات الكلمة الأخيرة ليه، وهي متأكدة باللي هاد “الهروب للراحة” هو أحسن وسيلة باش تخلي الشداد يغرق في تفكيره ويراجع حساباته مع “العقارب” الحقيقية اللي كدور به.
مال الشداد لجهتها، وبحركة هادئة فيها الوقار ديال “سيد الدار”، حط بوسة رزيينة على راسها. هاد اللمسة كانت رسالة صامتة بلي الرسالة ديالها وصلات، وبلي واخا الشك كيدور فـ العروق، الهيبة ديال شامة فـ قلبه مازال شادة بلاصتها.
الشداد (بصوت منخفض):
“ارتاحي يا لالة شامة.. الراحة دابا هي الدوا، والصباح قريب، ومعاه غيبان الحق.”
خرج الشداد من الجناح بخطواته الثقيلة، وخلى وراه ريحة العود وصمت رهيب، بينما شامة بقات ممدة، كتحاول تبرد النار اللي شعلات فيها “اللطافة” اللي دار مع شريفة
غير سد الشداد الباب، حط عبيبوش يدو بسرعة البرق على فمو، وضغط على شفايفو بجهد كأنه كيسد شي قفل، باش ما تخرج منه حتى شي كلمة أو ضحكة صفراء تقدر تجلب عليه غضب لالة شامة اللي “عينها يبسات” من الغيرة.
• عينية بداو كيخرجوا من بلاصتهم وهو كيشوف في دادا رقية، وبدا كيشير ليها بصباعو بحركات سريعة ومضحكة باش تبقى ساكتة وما تنطقش بحرف، وكأنه كيقول ليها “الحيط عنده ودنين والريح كيدي الهضرة”.
بدأ عبيبوش كيتسحب لور حاني راسه للأرض في منتهى الأدب والوقار المصطنع، وهو كيسوي الكمام ديال قفطانه اللي كان كيجيب بيه لخبار من ممرات القصر.
• رغم المظهر ديال الخادم المطيع، كانت المشية ديالو فيها واحد “التدبديب”كأنه كيمشي فوق البيض، خايف غير يعثر في طرف الزربية ويفضح راسو قدام شامة اللي كانت “تحقنات فيها النفس”.
قبل ما يخرج من باب الجناح، دار واحد الانحناءة دائرية مبالغ فيها، وغمز دادا رقية غزة أخيرة ديال “الحذر”، واختفى في الممر بحال الخيال، مخلي وراه صمت ثقيل وريحة البخور اللي كانت كتحاول تغطي على سموم القصر.
مرت أيام على تلك الليلة العاصفة، وكأن القصر الأموي ابتلع أسراره في صمت مريب، ليحل هدوء حذر يشبه السكون الذي يسبق العاصفة. الشمس أشرقت من جديد على ممرات القصر مرسلة خيوطها الذهبية لتداعب الزليج المنقوش، بعيداً عن روائح البخور القاطعة التي كانت تحاول خنق أنفاس الغدر.
في جناح شامة، تبدل الحال؛ اختفت ريح المرض وحلت محلها ريحة المسك والورد. كانت شامة جالسة فوق “الشبرية” (السرير المنقوش)، مسندة ظهرها لمخاد مطروزة بطرز الرباطي الأصيل، وعينيها كيرقبو حركة الخدم في الجناح بكل هدوء.
استرجعت شامة القليل من عافيتها، وبدأت ملامح وجهها ترجع لديك النضارة “العباسية” اللي كتمزج بين الجمال والدهاء.
• رغم الهدوء الظاهري، كانت شامة لا تزال تحتفظ بذكائها المعهود، وتراقب “حركات العقارب” التي لم تهدأ، بل انسحبت فقط للخفاء.
كانت “دادا رقية” تتحرك حولها بخفة، تضع لمساتها الأخيرة على قفطان شامة، وهي تهمس بكلمات الحمد والامتنان لنجاة ابنتها بالتبني من ذلك السم القاتل.
القصر كله كان يعلم أن الشداد لم ينسَ؛ فجلوسه الهادئ في مجلسه ومسحه لحيته وهو يفكر، كان يوحي بأن “كتاب الحساب” لا يزال مفتوحاً.
• الكل كان ينتظر متى سيقرر الشداد سحب “الخيط”ومن ستكون الرؤوس التي ستطير حين تنكشف عمايل الظلام.
كان يوماً مشرقاً بظاهره، لكنه يحمل في طياته ترقباً ثقيلاً؛ فشامة التي “عارفة شكون سقاها السم” كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتضع كل بيدق في مكانه الصحيح على رقعة شطرنج القصر.
عادت الحيوية تدب في عروق شامة، وكأنها نخلة شامخة واجهت العاصفة فزادتها رسوخاً. في هذا الصباح المشرق، قررت شامة أن تخرج للعلن، ليس فقط لتشم الهواء، بل لتعلن بجمالها عن انتصارها على “عمايل الظلام”.
خرجت شامة من جناحها في كامل زينتها، لابسة قفطان من الحرير “الأباصي” الأخضر الملكي، مطروز بخيوط الذهب اللي كتلمع تحت شمس الصباح. كانت واضعة “الشدة” على راسها بطريقة بلدية متقنة، وزين جبهتها “خيط الريح” اللي كيرقص مع كل خطوة، وفي رجليها “شربيل الصم” المنقوش بخفة كأنه قطعة من الذهب الخالص. كانت تتمشى بخطوات موزونة وسط رياض القصر، وريحة المسك والورد البلدي كتحيط بها من كل جانب.
• توقفت عند أحواض الورد، وبدأت تداعب الأوراق بيديها الرقيقة، وكأنها كتهمس للغرس بلي الحياة رجعات لدار “الشداد”.
• منظرها كان “السلطانة” فـ قصور الأندلس، بنظراتها الهادية اللي كتحجب وراها ذكاء وقوة ما كتهزش.
بينما كانت شامة تستمتع بهدوء الرياض، لمح عبيبيوش (اللي كان كيتبعها بظله) خيال لالة اليازية جاية من الممر المقابل. اليازية كانت لابة قفطانها الثقيل، وملامحها فيها نوع من الصرامة اللي كتحاول تغطي بها ارتباكها من “رجوع” شامة للساحة.
تلاقت العينين؛ شامة بابتسامة باردة ومطمئنة، واليازية بنظرة حادة كتحاول تقرأ شنو مخبع ورا هاد الزينة المبالغ فيها.
شامة (بنبرة هادية
“صباح الخير والرباح يا لالة اليازية.. القصر اليوم منور بيك، ولاّ قولي الريح اللي هب هاد الصباح جاب معاه ريحة الورد اللي كانت غايبة؟ كنشوفك واقفة فـ الظل، واش الشمس اليوم حارة بزاف، ولا ‘النور’ اللي رجع للرياض هو اللي ضرك فـ العين؟”
وقفت اليازية، وجمعت يديها وسط كمامها، وبقات كتشوف فـ شامة من الفوق لتحت، وكأنها كتحضر لرد يرجع لشامة “صرفها”.
حبسات لالة اليازية النفس ديالها لواحد اللحظة، وحاولت ترسم على وجهها ديك الصرامة اللي كتمزج بين الكبرياء والغموض، وهي كتشوف فـ شامة اللي واقفة قدامها بحال شي طاووس مستعد للتحليق. جمعات وقفتها، ونطقات بواحد الصوت فيه بحة دافية ومسمومة في نفس الوقت:
“على سلامتك يا لالة شامة، كنشوف الروح رجعات للغرس، والزين رجع للدار.. ‘خيط الريح’ اللي على جبينك كيلمع، ولكن ردي بالك لا يطير مع شي ريح عاصفة ما كانتش فـ الحسبان.”
خطات خطوة وحدة جيهت شامة، وعينيها مركزين على “شربيل الصم”، وكملات بكلام كلو معاني مخبية:
“أما بخصوص الظل، راه الحكيم هو اللي كيعرف قيمة الظل فاش كتكون الشمس حارقة، حيت اللي كيمشي تحت الشمش بزاف كيدوخ، ويقدر يزلق فـ شي كاس ما عارفش قعره. أنا واقفة هنا كنشوف الدنيا كيف كتدور، وكيفاش كاين اللي كيظن باللي الزينة هي اللي كتحمي من الغدر، وناسي باللي ‘العقارب’ الحقيقية هي اللي كتبقى ساكتة حتى كتحين الساعة.”
تبسمات اليازية واحد الابتسامة صفراء، وزادت همسات وهي قريبة من أذن شامة:
“نورك اليوم قوي، ولكن ضو الشمس كيبين حتى الحفر اللي فـ الأرض.. كوني حذرة فـ خطواتك، راه ‘الشداد’ كيعجبو الزين، ولكن كيحمق على الحقيقة اللي كتكون مدفونة تحت الرخام.”
حبسات الهضرة، وبقات كتشوف فـ شامة، وكأنها كتقول ليها بلي هاد “المواجهة” في الرياض هي غير البداية ديال فصل جديد، وبلي “السم” اللي فات كان غير تجربة للي جاي.
قربات شامة خطوة لعند لالة اليازية، وحافظات على ديك الابتسامة الهادية اللي كتخبي موراها عاصفة ديال الذكاء، ولعبات بصباعها على “خيط الريح” اللي في جبهتها، وكأنها كترتب أفكارها بكل برود. شافت في اليازية شوفة مباشرة، ونطقات بصوت مسموع غير ليهم بجوج، ولكن فيه نبرة التحدي اللي كتهز الجبال:
“كلامك كلو حكمة يا لالة اليازية، وهادشي اللي وقع ما هو إلا غمامة ودازت، باش تبين بلي طعم الشك كيكون أحياناً كثر مرورة من طعم السم براسو. ولكن ردي بالك، راه السحاب إلا تجمع وعصفات الريح وصبات الشتا، كتقدر تخلي هاداك الشك اللي كيدور دابا يرجع يقين ثابت، واليقين يا لالة بحال السيف، إلا خرج من غمدو ما كيرجع حتى كياخد الحق من مولاه.”
تغيرت ملامح لالة اليازية في رمشة عين، وانسحبت ذيك الابتسامة الصفراء باش يحل محلها شحوب خلى وجهها بحال الجير. حسات بلي الأرض بدات كتميد بيها، وبلي كلام شامة الموزون ما كانش غير تهديد، وإنما كان اعتراف ضمني بلي الفخ تنصب، وبلي هي (اليازية) طاحت فيه برجليها.
لالة اليازية (بصوت مخنوق وكتحاول تجمع ما بقى من هيبتها):
“إيوا يا لالة شامة.. كنشوف بلي الحسابات عندك كانت أدق مما كنت كنظن. ولكن ردي بالك، راه اللي كينصب الفخاخ كيقدر يعثر فيها هو الأول.”
شامة (ردت عليها ببرودة وهي كتدور باش تكمل مشيتها):
“خليت ليك الراحة .وغير شوفي قدامك الاللة .. الارض محفرة والحبال كيعثرو”
وقف الشداد في وسط العرصة، كيشوف فـ السواقي اللي غادية وسط الغرس، ويديه وراه كالعادة. حداه، كان الحاجب حسن كيتمشى بخطوات موزونة، وحاني راسه شوية كدليل على الاحترام، ولكن عينيه كانت كتقلب فـ الممرات بحال الصقر.
“قول ليا يا حسن.. كنشوف الحركة فـ باب القصر بدات كتقوى، والوفود بدات كتزاحم”
الحاجب حسن (بصوت هادي):
“سيدي ومولايا، هاديك هي العادة من زمان الخلفاء اجمعين، فاش كيثبت الحاكم أركان داره ويخرج من المحنة قوي، كيبداو ‘الهدايا’ يتقاطروا بحال الشتا. الأمراء والولاة كيسيفطوا أغلى ما عندهم؛ اللي سيفط خيول عربية أصيلة، واللي سيفط الحرير المصبوغ بـ ‘الأرجوان’ ومطروز بالذهب، وحتى لعبيد والآمات(الجواري) وشيوخ لقبايل لي رسلو حتى بناتهم واغلى معندهم .’تجديد بيعة’ وإعلان ولاء باللي السيادة باقية ليديك.”
الشداد (تبسم ابتسامة خفيفة وباردة):
“تجديد بيعة.. ولا خوف ؟”
الحاجب حسن (كمل كلامه بذكاء):
“الرعية كتعرف بلي الهدايا هي اللي كتقرب القلوب، ولاّ هكذا كيظنوا. كاين اللي جاب البخور والعطور النادرة من بلاد الهند، وكاين اللي جاب أواني النحاس المنقوشة بحال ‘الزليفات’ الكبار اللي كيعجبوك. ولكن الحكيم بحالك يا سيدي، كيعرف بلي ‘أغلى هدية’ هي الحقيقة اللي كتكون مدفونة وسط هاد المظاهر. الوفود الأجنبية والسفراء كيتسابقوا باش يضمنوا مكانة فـ عهدك الجديد.”
الشداد (وقف وشاف فـ الحاجب):
“إيوة يا حسن.. خلي الوفود تدخل، وخلي الهدايا تحط فـ صحن الدار. ولكن عينك ميزانك وشكون اللي سيفط ‘هدية مسمومة’ كيغطي بها على غدره”
الحاجب حسن:
“أمرك مطاع يا مولاي.. راه ‘العقرب’ اللي كيبغي يغدر، ديما كيختار الهدية اللي فيها كثرة الزواق، باش يلهي العين على ما هو أعظم.”
دخلات لالة اليازية لجناحها والغل كياكل في صدرها، سدات الباب بجهد حتى تزعزعو السواري، وبدات كتمشى وسط البيت بحال شي لبوة مجروحة. ملامحها اللي كانت ديما رزينة، دابا مطبوع فيها غضب كيطرطق العروق، وعينيها شاعلة فيهم نار الحقد.
حطات يدها على صدرها كتحاول تنفس، ونطقات بصوت محروق بالسم:
شربات الموت بيديها غير باش تقلب عليا الساقية؟ هاد الحية العباسية باعت حياتها مقابل تشوفي الشك في عينين الشداد!”.
هزات واحد مزهرية) من الفخار المنقوش كان فوق الطبلة، ولاحتو للأرض حتى تشتت مية طرف، وكملات وهي كتنهج:
خلاتني نتبان أنا العقرب وهي الحمامة المظلومة. عرفات نقطة ضعف الشداد، وضربتني فـ عزي، خلاتو يشك فـ خيالي وفي كاع اللي دايرين بيه. سحراتو بوجعها
حتى ولا كيشوف فيها هي ‘بنت الأصل’ وأنا اللي كنسقي السم”.
قربات لواحد المراية كبيرة، وشافت فـ راسها بمرارة:
“يا شامة.. كنت كنظنك غير مرى طولها وعرضها كاع العلم والثقافة صدقتي داهية كتفصلي الكفن وتلبسيه لعدوك وأنت كتموتي. غلاطت فاش استهنت بيك،حتى لويتي ليا الحبل على عنقي “
طاحت فوق السرير وهي كترعد، وبدات كتخمم كيفاش تخرج من هاد الفخ، ولكن صوت شامة وهي كتقول “الشك يرجع يقين” بقى كيصدي في ودنيها بحال الناقوس.
لالة اليازية (بهمس مخيف):
“إلا كان هاد السم اللي شربتيه هو اللي غيخرجني من هاد القصر.. فوحق ربي حتى نخلي دمك يسيل حقيقة هاد المرة، وما غتنفعك لا حكمة عباسية ولا مكر حريم”.
لمح الشداد خيال شريفة وهي كتمشى في واحد من الممرات العالية اللي كطل على صحن القصر. كانت غادية ببطء، وجرّتها فيها واحد الثقل ديال الهم، وكأنها كتحاول تهرب من الضجيج اللي بدا كيعمر الدار. توقف الشداد في بلاصته، وبقى كيشوف وهي كتنزل من درج لدرج حتى قربت منه. حدرت راسها بسرعة وجمعت وقفتها، وبان عليها الارتباك اللي كتحاول تخبيه تحت قناع الوقار.
قرب منها الشداد حتى وقف قبالتها، ونطق بصوت خافت
“كنشوف فيك يا شريفة.. وكنلقى بلي ملامحك تبدلات. كنشوف فيك وحشة غريبة، وكأنك غريبة وسط دارك. شريفة اللي كنت كنعرف كانت كتشوف فيا بقلب صافي، أما اللي واقفة قدامي دابا، راه كتهرب بعينيها بحال اللي خايفة من المراية.”
توقفت شريفة في مكانها، وحاولت تستجمع شتات نفسها أمام نظراته اللي كانت كتحرقها بلا كلام. رفات عينيها فيه بواحد العزة جريحة، وصوتها خرج هادي ولكن فيه رنة ديال خيبة الأمل اللي كانت مخبعاها شحال هادي.
شريفة (بصوت متهدج):
“سيدي ومولايا، كتشوف فيا وكأنني أنا اللي تبدلت، ولكن الحقيقة هي أن المراية ما كتعطي غير اللي قدامها. يمكن أنت اللي تبدلتي، ولا يمكن.. وهذا هو اللي كيضر في الخاطر كثر، يمكن أنا اللي ما كنتش كنعرفك مزيان. كان كيحساب ليا بلي الشداد إنسان عادل، ميزانه هو الحق، وبلي ‘بنت الأصل’ مقامها محفوظ عنده بالوفاء والصدق
حدرت عينيها للأرض لثانية قبل ما ترجع تشوف فيه بنبرة فيها عتاب قاصح:
“كنت كنظن بلي عدلك هو السور اللي كيحمينا كاملين، وبلي حتى وحدة ما تقدر تجر هاداك الميزان جيهتها مهما دارت. ولكن اليوم، كنشوف بلي الكفة مالت، وليت كنحس قدامه بلي الصدق ديالي صار تهمة، وبلي الهدوء اللي كنت كنفتخر بيه رجع عليا وحشة. أنا ما تبدلتش يا سيدي، أنا غير بديت كنشوف الحقيقة اللي كنت كنميك عليها.”
ميل الشداد رأسه ببطء، وبقيت نظراته هادئة
“ارتاحي يا شريفة، وخلي عليك هاد الهم. اللي كيمشي بنيته الصافية ما عنده علاش يخاف من عدل الشداد، واللي كيحس بلي ‘المكانة’ دياله تزعزعات، راه خاصو يقلب فـ خطواته هو الأول، ماشي فـ الميزان اللي كيوزنها.”
أرخى الشداد ملامحه، وتراجع ذلك الجمود الذي كان يكسو وجهه، ليحل محله وقار يفيض بالهيبة. نظر إلى شريفة نظرة عميقة استحضرت معها ذكريات قديمة، ونطق بلغة فصيحة، رصينة، تقطع الشك باليقين وتضع حداً لكل التأويلات:
“يا شريفة، إنَّ مقامكِ عندي لا تُزعزعه الظنون، ولا تميله رياحٌ عابرة. ما عدلي إلا ميزانٌ يضعُ كُلَّ ذي حقٍ في حقه. إنني الليلةَ لا أبتغي عتاباً ولا أريدُ كدراً؛ بل أريدُ أن أرى ‘شريفة’ في كاملِ بهائها، تلك العروسَ التي زُفَّت إليَّ في ليلتها الأولى، بوقارها الذي سلبَ لُبَّ القصر، وبزينتها التي لم تكن إلا انعكاساً لنقاءِ أصلها. أريدكِ الليلةَ عروساً، تتربعُ على عرشِ هذا المقام، كما كنتِ دوماً.”
ثم أضاف بنبرةٍ هادئة:
“فليذهبِ الكدرُ مع الريح، ولتستعدي لتكوني شمسَ هذه الليلة”
ابتسم الشداد تلك الابتسامة التي تحمل في طياتها الكثير من الأسرار والسيادة، وكأنها طابع ملكي وضع على قلب شريفة ليُسكن روعها أو ربما ليزيد من ثقل المهمة عليها. انصرف بخطوات ثابتة وئيدة، تاركاً خلفه عطر المسك وهيبة الحضور، بينما بقيت هي في الممر، تراقب طيفه وهو يبتعد نحو صحن القصر حيث تُعد الموائد وتُفتح بوابات الاستقبال.
انشرح صدر شريفة وغمرتها موجة من الارتياح بعد تلك الابتسامة التي تركها الشداد خلفه، وكأن كلامه أعاد لها هيبة افتقدتها وسط زحام الدسائس. التفتت بحيوية لم تعهدها منذ زمن إلى خادمتها الوفية سعدية، التي كانت تقف غير بعيد تراقب الموقف بحذر.
شريفة (بنبرة فيها ثقة وفرح مبطن):
“سمعتي يا سعدية؟ ‘سيد الدار’ بغاني نكون عروسة هاد الليلة، بغا يشوف شريفة اللي عرف نهار عرسها.. اللي كيحساب ليهم بلي ريح شامة غتطفي ضويا، خصهوم يعرفوا بلي الأصل عمرو ما كيدبل.”
سعدية (بابتسامة عريضة):
“على سلامة هاد الكليمة يا لالة، والله حتى القصر كلو غيتبهر بيك الليلة.. تبارك الله على لالة شريفة ملي كتنور.”
شريفة(بحماس):
شريفة (بصوت خافت وفيه رنة حياء وفخر):
“سعدية، وجدي ليا البيت.. وعطري الفراش بأحسن ما كاين ديال العود والند. ‘سيد الدار’ الليلة ما بغاش يشوف فيا ‘لالة شريفة’ الحزينة ولا ‘بنت الأصل’ اللي هازة الهم.. بغا يشوف العروسة اللي دخلت لدارو أول مرة. الليلة يا سعدية، الشداد بغى يختلي بيا ويجدد ميثاق المحبة اللي بينا.”
سعدية (بغمزة وفرحة):
“الله الله يا لالة، على سلامة الوقت اللي رجعات! إيوا هادي هي الهضرة اللي كتفرح القلب. فاش كيقول الراجل لمراته هاد الكلام، راه كيعلن باللي كاع اللي فات مات، وباللي هي اللي باقية مالكة الروح والجسد.”
بخار الماء يعانق جدران الحمام والروائح الفواحة ديال الورد وماء الزهر ملأت المكان، شريفة جالسة وسط “البرمة” ديالها بحال شي سلطانة، والابتسامة ما فارقتش وجهها وهي كتحس بالراحة اللي رجعت لقلبها بعد كلام الشداد.
حولها كانت سعدية ورابحة بحال النحلات، كل وحدة كتدير جهدها باش تطلع “لالة شريفة” في أحسن صورة، والنشاط والحيوية رجعت للجناح بعدما كان خيم عليه الحزن.
• رابحة (وهي كتكب الماء الدافئ المخلط بالخزامى): “تبارك الله على لالة، الوجه منور والضحكة رجعات.. والله يا لالة إلى هاد الليلة غتكون من أحسن الليالي.
• سعدية (كتفرك كتاف شريفة بالصابون البلدي المعطر): “إييه يا رابحة، وجدي لينا الغاسول المسقي بالورد.. لالة شريفة الليلة غتكون هي ‘العروسة’ الحقيقية، والشداد غيلقى في حضنها الراحة اللي مالقاهاش عند شامة “
شريفة (وهي مغمضة عينيها ومرتاحة):
“هاديك الليلة كانت فيها واحد البراءة وواحد المحبة هي اللي بغيت نرجعها اليوم. بغيت ننسى كاع السموم
ونعيش هاد اللحظة وكأنني يلاه دخلت لهاد القصر.”
• الزينة والروائح: رابحة بدات كتوجد المشاطي ديال العاج والخيط الصقلي باش تضفر شعر شريفة الطويل.
• البخور: سعدية شعلت المجمر الصغير ودارت فيه العود القماري الفاخر اللي كيوصل ريحتو لآخر الممر.
رابحة (بضحكة خفيفة):
“الله يكمل بالخير يا لالة.. راه اللي عندها ‘الأصل’ بحالك، عمرو ريح المكر ما يطفي شمعتها. الليلة غيشوف فيك الشداد السكن اللي كيحلم بيه، وغيعرف بلي ‘شريفة’ هي اللي باقية مالكة القلب والروح.”
انتهى الحمام، وخرجت شريفة ملفوفة في أثوابها البيضاء، والبهجة باينة في خطواتها، مستعدة لليلة اللي غتكون هي “الميثاق الجديد” بينها وبين شداد.
جالسة لالة اليازية في صدر قاعة جناحها، فوق “المتكي” الملبس بالحرير، وبين يديها سبحة من العقيق. ملامحها اللي كان فيها الغضب قبيلة، دابا ولات باردة وكأنها قناع من رخام. قدامها واقفة العريفة، حانية راسها، وكتنهج شوية كأنها جايبة أخبار ما تقدرش تصبر عليها.
العريفة (بصوت منخفض وفيه ارتباك):
“لالة.. يا لالة اليازية، القصر راه تقلب! الوفود اللي جاو لسيادة الخليفة ما جابوش غير الذهب والمسك. الباب الكبير عامر بصناديق الحرير، والخيول..والمهم من هادشي كله، جاو ‘الهديات’ اللي كيحرقو القلب.”
لالة اليازية (حطات السبعة من يدها وشافت فيها ببرودة):
“تكلمي يا عريفة بلا ما ترعدي.. واش أول مرة كيدخلو الهدايا لدار الشداد؟”
العريفة:
“لا يا لالة، ولكن هاد المرة جابو بنات بحال النوار صغار فـ العمر وجابو معاهم عبيد غلاظ شداد، وقالو بلي هادي ‘بيعة’ جديدة لسيادة الخليفة. القصر كلو كيهضر على زين هاد البنات.”
لالة اليازية (بضحكة خافتة
“إيوة هادا هو الخبر اللي كيفرح يا عريفة! جاو البنات؟ جا نوار جديد الله يكثر خير الوفود.. هاد الليلة بغيت القصر يشعل بجمالهم. شفتي يا عريفة؟ هاد الجواري الجداد هما ‘السم’ اللي غيسري فـ عروق شامة بلا ما تحس.”
العريفة:
“موحاااال الاللة..كيبان ليا الخليفة تسدو عينيه من نهار دخلات شامة لحياتو”
لالة اليازية (وقفت بكل ثقة):
“الشداد راجل، والراجل عينه كتموت على التجديد. شامة لعبات دور الضحية والمظلومة، ولكن هاد البنات الجداد غينسيوها فـ جمالها وفـ مكرها. خليهم يدخلوا، وبغيتك تنقيهم مزيان؛ اللي زوينة فيهم بغيتها تلبس أحسن ما كاين، وتكون الليلة قدام الشداد .”
كملات وهي كتمسح على يديها بحال اللي كتوجد لشي وليمة:
“شامة كيسحاب ليها بلي هي الوحيدة اللي كتعرف تلبس وتغني الملحون.أنا غنحط قدامها الزين لي كيعرف اصول تدلال، باش تعرف بلي مقامها عند الشداد يقدر يذوب فـ غمضة عين مع وجه جديد. الليلة، شامة غتذوق من نفس الكاس اللي بغات تسقيه ليا، غنكسر ديك النفخة لي فيها ونشتت ليها لغرور باش تعرف مقامها”
عبيبوش، اللي عينيه ديما حاضية الكبيرة والصغيرة، وقف وسط الممر وهو كيشوف الصواني داخلة وخارجة لجناح شريفة؛ صواني فيها الفاكهة، وصواني فيها العود والند، وصواني هازة أثواب الحرير والتفريشات الجداد
وقف قدام باب الجناح، حاط يديه ورا ظهره، وبدا كيشوف فـ سعدية بنظرة فيها فضول مسموم. سعدية غير شافته، زادت في المشية ديالها، وبدات كتمختر وتجر في أذيال قفطانها بكل ثقة.
عبيبوش (بصوت فيه غيظ مخبع ورا ضحكة صفراء):
“تبارك الله، تبارك الله.. أش هاد الحركة يا سعدية؟ كنشوف الصواني غادية جاية وكأننا في ليلة العيد. واش لالة شريفة قررات تفتح أبواب جناحها للوفود، ولا هادشي غير ‘صدقة’ على سلامة شامة اللي ناضت من الفراش؟”
توقفت سعدية، وعطات لـ عبيبوش بالجنب، وهي كتلعب بـ “المشمر” اللي هازة في يدها، وشافت فيه بنظرة ديال الاستصغار:
“لا يا عبيبوش، لالة شريفة ما محتاجة تفتح أبوابها للبراني. هاد الصواني اللي كتشوف، وهاد العود اللي ريحته دوخات القصر، كولشي مديور لـ ‘مول الدار’. سيادة الخليفة، الشداد بلسانه، أمرنا نوجدو المكان ونعطروا الأركان، حيت الليلة الخلوة غتكون هنا.. في جناح ‘بنت الأصل’.”
عبيبوش (تغير وجهه وبدا كيزرّق):
“الخليفة؟ الليلة؟ ولكن الوفود والجواري الجداد اللي جاو…”
سعدية (قاطعاته بضحكة خفيفة وفيها برودة):
“الجواري كيبقاو للفرجة، والوفود ليهم الديوان.. ولكن لالة شريفة ليها ‘القلب’. الشداد توحش يشوف مراته ‘عروسة’ كيف نهارها الأول، وقرر يخلي الدنيا وما فيها ويجي يسكن هنا الليلة. إيوة غير سير قولها للي مسيفطك، وقول ليهم بلي الساقية رجعات لمجراها، وبلي اللي كيسحاب ليه ‘الشك’ غيهدم الدار، راه ‘اليقين’ الليلة غيبات في حضن لالة شريفة.”
خلاات سعدية عبيبوش واقف في بلاصته، كياكل في صباعه من الفقصة، ودخلات للجناح وهي كتغني بصوت خافت، مخليا ريحة البخور وكلمة “الخليفة غيزور مراتو” كتحرق في جواجيه.
سدات عليه شريفة الباب فوجهو خلاتو كيتلون ونيق بحقد ويدو على جنبو
“واشوف ليك الخويدم؟!! دوزت الكلاب وجات الفكرون تتشقلب!! فرحانة !! غرابة ولقات ريشة دالطاوس !! هاي هاي هاي “لقزومية ” لغليضة قلوشة الزيت !!
دور راسو بميوعة وكمل طريقو:
اممم.. الضحكة دليلة وفقصة دعام !! غير بلاتي ..غنشوفو هاد القنديل لي شاعل فوجهك واش غيطفا ولا يتحرق على كمارتك ..
بقا غادي وكينفخ، وهو كيردد:
“لبس قدك يواتيك..لخويدم بقات فالشربيل والقفطان القزّومثة ، واخا تلبس الحرير وتكحل بالمرود، كتبقى ريحة ‘الكانون’ ضاربة فيها.” لقزومية “
دخل عبيبوش لجناح شامة بخطوات مرعوبة ووجه شاحب، والسم اللي شربه من عند سعدية باقي باين في ملامحه. غير حط رجليه في البيت لقى الهدوء والسكينة؛ البخور العباسي خفيف في الأركان، وشامة بعيدة شوية فوق السجادة، مغطية براسها وكتصلي بخشوع لله.
دادة رقية، كانت واقفة في جنب البيت. غير شافت عبيبوش داخل بذيك الحالة، عرفات باللي “السلة” عامرة أخبار. قربات منه بخطوات رتيبة، وعينيها الثاقبة كتقرا اللي ورا وجهه.
قربات منه رقية بزاف، وسدات عليه الطريق باش ما يوصلش لعند شامة وهي كتصلي، وقالت ليه بصوت همس ولكن فيه صرامة:
دادة رقية:
“مالك يا عبيبوش داخل بحال اللي تابعك السلوقي؟ عينيك خارجين ووجهك فيه خبر ما كيتسناش. تكلم.. واش القصر وقعت فيه شي حاجة وحنا ما فراسناش؟”
حدر عبيبوش راسه جيهة وذنها، وبدا كيتكلم بصوت خافت، والغل كيقطر من كلماته:
عبيبوش (بالهمس):
“يا دادة رقية، راه القصر تقلب ميزانه هاد العشية. وقفت قدام جناح لالة شريفة ولقيت القيامة نايضة.. الصواني داخلة خارجة، والعود القماري ريحته واصلة لبرّا. وفاش سولت هذيك ‘البعكة’ ديال سعدية، بدات كتمختر عليا وتقولي باللي الليلة ‘سيد الدار’ الخليفة غيخلي الوفود والجواري الجداد والديوان كوله.. وجاي لعند شريفة.”
حبس نفسه شوية وكمل بمرارة:
“قالت لي باللي الشداد أمرهم يوجدوا ليها البيت كأنها ‘عروسة’ نهارها الأول، وباللي الليلة هي ليلة الخلوة والوصال في جناح شريفة. الساقية يا دادة رقية رجعات لمجراها القديم، وشريفة الليلة غتولي هي السلطانة من جديد.”
شافت فيه رقية وهي كتحاول تسرط هاد الخبر القاصح، وعينيها مشاو لجهة شامة اللي كانت باقة ساجدة بين يدين الله، وكأنها كتفكر كيفاش غتنزل هاد الصاعقة على بنتها اللي يلاه بدات كتنفس الصعداء.
دادة رقية (بصوت مخنوق):
“الشداد غيبات عندها؟ إيوا هادي هي اللي ما كانتش في الحساب.. سير يا عبيبوش، سير دابا قبل ما تحس بيك شامة، وخلي هاد الهم عندي أنا نعرف كيفاش نسقيه ليها.”
حاول عبيبوش يتخطى دادة رقية وهو كايشوف فـ شامة اللي كانت كملات صلاتها وبدات كتدعي، وبغى هو اللي يوصل ليها هاد “السم” بلسانه باش يشوف أثر الصدمة في عينيها. ولكن رقية، اللي كتعرف مكر عبيبوش وتفاصيله، كانت أسرع منه.
بمجرد ما بغى عبيبوش يحل فمو، جراتو رقية من يدو بواحد القوة اللي خلاتو يتزعزع من بلاصتو. جراتو حتى لبرا ديال الجناح، وسدات الباب موراها، ووقفت قدامو وهي مخرجة فيه عينيها اللي ولاو كيشعلو بحال الجمر.
دادة رقية (بصوت فيه تهديد مكتوم وصرامة):
“بغيتي تشفي فيها الغدايد يا هاد المشوم؟ كيسحاب ليك ما عارفاش خباياك؟ شامة الليلة يلاه بدات كترتاح وكتجمع قلبها، وأنت جاي باغي تطير عليها النعاس بهاد الخبار السامة؟”
عبيبوش (وهو كيحاول يفك يدو):
“ولكن يا دادة، راه الخليفة غيبات عند شريفة! هادا خبر خاصها تعرفو باش توجد…”
دادة رقية (قاطعاتو وهي كتزير عليه):
“ما تعرف والو الليلة! سد فمك ولا قسماً بالله حتى نمحي أثرك من هاد القصر. شامة غتنعس هانية، وغتحلم أحلام زوينة، وما غنخليكش تنغص عليها هاد الليلة بكلمة وحدة. هاد الهم اللي جبتي، خليه عندي أنا، غدا فاش تشرق الشمس يكون لكل حادث حديث.”
خرجات فيه عينيها وحدة أخرى، وكملات:
“سير دابا غبر من قدامي، وإذا سمعت هاد الخبر وصل لودنها قبل ما نقولو ليها أنا، عرف بلي أيامك فـ هاد الدار ولات معدودة. سير تكمش يا غراب البين!”
عبيبوش (وهو غادي وغضبان):
“إيوة خليها، خليها حتى تصبح وتلقى القصر كلو كيهضر بلي ‘بنت الأصل’ رجعات لمقامها والشداد بات في حضنها. أنا كنت بغيت نحرك فيها النفس باش تدافع على حقها قبل ما يفوت الفوت، ولكن أنتِ بغيتيها تنعس هانية.. نغصوها عليها دابا أحسن ما تتصدم غدا!”
دادا رقية بغيض ضربات برجلها فالارض:
قلت ليك سييير ولا غنزطم فحناك..سير حيد عليا من قدام الباب حتى يصبح ويفتح ايخخ
رجعات اللور سدات الباب وطرقاتو من لداخل كتنكر
“الله يقطع جدرك ماتنعس ماتخلي لي ينعس “
عبور العتبة الملكية.
الباب العظيم” ذو الأقواس المنقوشة بـ الزليج الفاسي، بدات كتدخل مع الباب “باب المخزن ” العالي المنقوش ب التاوزولت” و**”الزليج”** الملون. قافلة من الهدايا البشرية اللي كترد الصدى ديال أي حركة. الصمت كان رهيب، ما كيتسمع فيه غير صوت “الخلخال” الرزين اللي في رجلين الآمات وصوت الريح اللي كيضرب في الحرير ديال لثامهم.
١. وقفة الحراس (العساسة):
على اليمين واليسار، واقفين عبيد البخاري أو حراس القصر، لابسين “الفرجيات” البيضين و”التماك” (البلغة العالية) الجلدية السوداء، شادين رماحهم وما كيرمشوش. فاش دازت أول “أمة” من تحت القوس، الحراس ما شافوش فيها، لأن النظر في “حريم الشداد” كيتجازى عليه بالجلد أو النفي.
مشية “الآمات” وقانون الخطوة:
داخلين في صف واحد، متباعدين بمسافة دقيقة. كل “أمة” هازة في يدها “بقجة” صغيرة ملبسة بالثوب المذهب (البروكار)، فيها أغلى ما عندها. رؤوسهم محنية للأرض، وهذا كيتسمى “أدب العتبة”؛ ما عندهمش الحق يهزو عينيهم في القواس أو النقوش، كيشوفو غير في الرخام اللي تحت رجليهم.
العريفة وصوت “السوارت”:
واقفة في نهاية القوس، شادة في يدها سلسلة ديال السوارت الكبار ديال النحاس، هادوك السوارت اللي كيعنيو بلي هي “المالكة والمتحكمة” في مصيرهم داخل المبيت. غير وصلي لعندها، ضربات بالأرض برجليها وصوت “السوارت” تخلط مع صدى القوس العظيم. بمجرد ما فاتو القوس، تبدلات الريحة من ريحة الغبار ديال الزنقة لريحة “الند” و**”المصطكى”** اللي محروق في “المجامر” الكبار المحطوطين في أركان الممرات. هادي هي ريحة “الداخل”، ريحة اللي غيولي عالمهم الوحيد من دابا لفوق.
بين الامات ركزات العريفة على رجل” أمة” باقة صغيرة، كترعد وهي كتحط رجلها فوق الرخام المنقوش بالورد، وفاش كتفوت القوس، كيتحس بلي الظل ديال الباب العظيم غطاها، وكأنها دخلت لعالم آخر ما فيهش رجعة.
“تطهير العتبة”
فيه كيتمسح أثر الزنقة والبراني باش تولي “الأمة” صالحة لدخول حرم الشداد. القبة دابا بدات كتعمر بالدخان، والمنظر ولا بحال شي حلم ضبابي.
“نار الجاوي وماء الزهر”
البنات واقفين في صف طويل، والوسط كاينين جوج خادمات غلاظ لونهم سمر وعلى راسهم زيف حياتي مشدود ، لابسين قفاطن مكرشين ومشمرين على درعانهم الغليضة ولحهم كيبري مع ضو القنادل فالقبة العالية ، جلايلهم مجموعة فالحزام وسراولهم قصيرة مكمشة عند الركبة وبلاغيهم عالية وكل وحدة رجلها وازنة وكدامهم قاصحة .
هازين “مجامر” ديال النحاس منقوشة وكبيرة، كيزند فيها الفاخر حتى ولا أحمر جمر. بمجرد ما كتحط العريفة “القبصة” ديال الجاوي الأبيض والمصطكى وعرق السوس، كيطلع واحد الدخان بيض كثيف كيعمر المكان، وكتولي الريحة قوية لدرجة كتخلي الصدر يتهز.
طقس “التدوار”:
كل بنت كتوقف قدام وحدة من دوك لخويدم اللي كتدوز عليها المجمر من راسها لرجليها بـ “سبعة ديال المرات”. الدخان كيطلع مع كسوتها وكيدخل وسط لثامها ويدوز بين رجليها المرتجفة وهي معارفة ما فاهمة لدوك الطقوس وماعليها غير تبقا حانية الراس وطايعة .
كل خويدم كتمتم بكلمات وتعاويذ قديمة بصوت مسموح: “طهرناكم من عين الحسود، وبخرناكم بريحة العود، دخلتو بسلام وخرجتو بسلام..”البنات كيسدو عينيهم بقوة حيت الدخان كيحرق، وكاين اللي كيبدا يكحب، ولكن ما عندهمش الحق يتحركو حتى تسالي “التبخيرة” ولي بغات تحرك رجلها كتشدها ليها لخويدم بقبضة يدها القوية حتى كتبتها فالارض.
ماء الزهر” المقطر:
مباشرة بعد الدخان،جات خويدم اخرى لا تقل عن البقية وزنا ولا شكلا ولا لونا ..مكيضحكوش ومكيتبسموش ، والشوفة فيهم كتخوف ، لخويدم كانت هازة “مرشة” فضية طويلة، فيها ماء الزهر اللي تقطر في “القطارة” ديال النحاس هاديك الصباح. كترش عليهم رذيذ بارد كينزل على جبهتهم ويديهم. هاد الرش ماشي غير زينة، وإنما هو “إذن” باللي الجسد دابا صار طاهراً باش يلبس حرير القصر. الرش كيكون قوي لدرجة كيبلل لثامهم وكيبين ملامح وجههم اللي كانت مخبية.
طقس “الملحة والحجرة”:
في هاد اللحظة قربات العريفة من الصينية المدورة لي هازاها وحدة من لخدم كتهز حفنة ديال “الملحة الحية” وكتلوحها وسط المجمر.كيتسمع هاداك الصداع ديال “الطرطقة” (تطق طق)، والكل كيشوف في الدخان. إذا طرطقات مزيان، العريفة كتنفس الصعداء وكتقول: “العتبة قبلاتكم، والتابعة تفركعات.”على وجه وحدة من الآمات، الدخان داير بوجها بحال شي هالة، وعينيها عامرين بدموع الحريق ديال البخور، وقطرة ديال ماء الزهر هابطة من جبهتها على خدها. ريحة الزهر مخلطة بالجاوي كتعطي واحد الإحساس ديال “القدسية” والرهبة، وكأنهم كيتغسلوا من حياتهم القديمة كاملة.
بعد ما طهرهم الدخان ورشهم ماء الزهر، كينتقلو لواحد القاعة واسعة كيتسمى “بيت الفرز”.الهواء كيدخل قليل من “الخراصة” (نافذة صغيرة منقوشة)، والجو فيه صمت كتقطعو غير أنفاس البنات المضطربة.
الوقوف والتعرية من “البقج”:
بأمر من لعريفة لي امراتهم باش يحطوا “البقجات” ديالهم (صرر الملابس) قدام رجليهم. تحنات كل خويدم كتحل فدوك الرزمات و صوت التوب كيتحاك مع بعضو وصوت “التحناز” (أغراض بسيطة) وهي كتحط فوق الرخام البارد. العريفة كتدوز بيديها، كتقلب الحوايج واش فيها شي “حرز” مخيط وسط الثوب أو شي تذكار ممنوع من برا القصر حتى رجعات الارض عامرة اغراض ..من بعد وقفات كل خويدم قدام أمة وبداو كيدوزو عليهم وحدة وحدة ويحدو ليهم اللثام . ها الطويلة ها القصيرة ها الغليضة ها الرقيقة ، حتى عراو على وجههم حاملات ، وناضت العريفة قربات منهم كتمشى ببطء بين الصفوف، وكتوقف قدام كل وحدة، كتهز ليها الدقن ديالها بصبعها باش تشوف “السر” (الجمال والقبول) اللي في وجهها:
• تقليب اليدين: كتشوف كفوف يديهم؛ اللي يديها رطبين وصبعانها طوال، كتعرفها ديال “الآلة” (الموسيقى) أو “الطرز”، وكتعزلها لجهة اليمين.
• اختبار السنان والعينين: كتقلب ليهم السنان (علامة الصحة) وصفاء العينين، واللي كتبان ليها “صحيحة وبنيتها شديدة”، كتعزلها لجهة اليسار للخدمة الشاقة والمطبخ.
3. “الحظيات” المختارين:
فاش كتوصل لوحدة فيها جمال بارز، كتوقف العريفة مدة طويلة، كتدور بيها، وكتقيس كتافها باش تشوف “الهمة” في وقفتها. هادو هما اللي كيتسموا “هدايا الوفود” الحقيقية
صوت “الكناش” (التقييد):
في الركن، كاين كاتب جالس “مربع”، قدامو دوات ديال الصم وكناش غليظ ملبس بالجلد. كلما عزلت العريفة وحدة، كتقول بصوت جهوري:”هادي للطياب والكشينة ..هادي للطرز والموسيقى..هادي محضية مولاي.”
وصوت تكناش فالكتاب كيتسمع فداك الارجاك وعيون الامات كيشوفو بخوف من المجهول بحال التحف لي كيتقلبو عاد يتحطو فالرف.
٠الاستبراء
بعد الفرز الأولي، كيدخلو الآمات لواحد البيت معزول كيتسمى “بيت القابلة” أو “بيت المعاينة”. الجو هنا ماشي بحال “القبّة” ديال التبخير، الجو هنا فيه صمت “طبي” وتقيل، والضو فيه خافت بزاف.
حضور “العرّافة” أو “القابلة”:
ماشي العريفة اللي كدير هاد الشغل، وإنما امرأة كبيرة في السن، خبيرة في شؤون النساء، كيتسمى لفظها “القابلة”. هي اللي كتمتلك “الأمانة” باش تحكم واش البنت “بكر” (عذراء) أو “ثيب” (سبق لها الزواج أو الممارسة).
فين السكات كيولي كيخلع وفين النيف كيشم ريحة الحقيقة المرة
“ميزان الحرم والرحم”
البنات مستفين قدام واحد الباب صغير مغطي بـ “حمل” (خامية ثقيلة ديال الصوف المنقوش). البرد كيضرب في رجليهم اللي فوق الرخام العريفة واقفة بـ “سوارتها” وكتحيطهم بواحد النظرة فيها “الشك”؛ حيت في القصر، الأصل هو أن كلشي “متهم” حتى تتبت البراءة ديالو.
⚫️دخول “المرية”
كتدخل البنت وحدة بوحدة. الداخل كاين صهد خفيف، وريحة “الشيح” و**”الكبريت”** و**”الخزامى”** مطبوخين في برمة ديال الطين. “القابلة”امرأة وجهها محفر بالتجاعيد وكلامها قليل، لابسة قفطان “خريب” قديم وشادة في يدها شمعة ديال “النحل” باش تضوي على “الحق”.
• كشف “العذرة”: هادي هي اللحظة اللي كيتخلط فيها الخجل بالخوف. القابلة كتقلب “البكارة” بدقة ميزان الذهب. إذا لقات “الختم” كاين، كتهز راسها وتشوف في السقف وتقول بصوت بحال الرعد: “صاينة.. بنت بنوت!”.
على برا خويدم كطلق ليها زغروتة خفيفة حيت “البكر” كتزيد في قيمة الجناح اللي غتمشي ليه. بالنسبة للبنات اللي ماشي “أبكار” (الثيبات)، القابلة كتحط يدها فوق “الوالدة” (الرحم) وكتحاول تحس واش كاين شي “نبض” براني.
• هنا كيبدأ قانون “الانتظار”: البنات اللي كاين فيهم شك، كيتعزلوا في “بيت العزلة” وكيتحسب ليهم “المحيض”. خاصهم يحيضوا قدام عين الخادمة باش يتأكدوا بلي الرحم “نقي” (استبراء الرحم)، وما غيوقعش “اختلاط الأنساب” إذا وطأها الشداد. “الوسم” في الكناش:
الكاتب اللي برا، هاز ريشة ديال النعام ودواية فيها “الصم” (المداد الأسود). كينتظر الكلمة ديال القابلة باش يقيد “الحكم”:
• “فلانة بنت فلان.. بكر حرة من مال الوفد”.
• أو “فلانة.. ثيب صالحة للخدمة، مستبرأة بالنظر”.
هاد الكلمات هما اللي كيفصلوا القفاطين؛ البكر غتلبس “الديباج”، والثيب غتلبس “الملف”.
وحدة من البنات، خارجة من ورا الخامية وهي كتجمع في “سروال القندريسي” ديالها، وجها مطيشة بالخجل، وعينيها في الأرض. كتشوف فيها العريفة وكتقول ليها ببرودة: “مبروك عليك يا بنت السعد، العتبة قبلاتك ‘طاهرة’، شوفي دابا سعدك فين غيوصلك”.
وواخا هادشي كامل وهاد الاحتياطات خوفا من نسب الخليفة يتوسخ ..كان معروفين الخلفاء مكيقربوش للثيب خوفا من النسب يتوسخ ،ومع كل هاد الطقوس كانو الامات لي تعزلو محضيات للشداد كيبقاو تحت المراقبة ربعين يوم من يوم دخولها للقصر ، ماكتوصلش بيت الخليفة حتى يستبرئ رحمها ودوز على يد القابلة من جديد ولو تكون بكر .كان الاستبراء ماشي مجرد كشف، وهو من أدق وأهم الطقوس القانونية والشرعية هو “مخاض” قانوني وشرعي صعيب، وفيه كيتحدد المصير
من بعد ما سالا “الاستبراء” وتعرفات العذراء من الثيب، كتحل ليهم دادة حكيمة باب الحمام السلطاني. هاد الحمام ماشي بحال أي حمام، السقف ديالو عبارة على قبة فيها “خرصات” ديال الزجاج الملون اللي كيدخل الضو بحال خيوط الذهب وسط الضبابة ديال السخونية. لقمة الحمام: “الصابون البلدي والداد”
أول حاجة كيبداو بها هي “التبريمة”. كيتحطو البنات فوق الرخام السخون، وكيتدهنو كاملين بـ الصابون البلدي المعجون بـ الداد المطحون والعكر الفاسي والخزامى. هاد الخليط كيبقاو فيه حتى الجسد كيشرب السخونية والمسام كيتفتحو، وريحة الأعشاب كتولي تعمر الصدر.
كتنزل عليهم “الكسالات”بـ الخرقة ديال الصوف الحر. هنا كيبدا “التحكاك” اللي كيحيد غبار السفر والزنقة وأي أثر للماضي. الصمت كيتسد غير بصوت “الطاسات” النحاسية وهي كتضرب الرخام، وصوت الماء اللي كيتكب من “البرمات” الكبار. كل أمة كيتغسل ليها بـ الغاسول المسقي بماء الزهر والسبع عشوب، باش تولي الجلود ديالهم تلمع بحال “المرايا”. “الصقيلة” والمبيت في “البرداني”
قبل ما يخرجوا لـ “البرداني” (الغرفة الباردة)، كيدار ليهم طقس “الصقيلة”؛ وهي خلطة ديال الحناء والورد والقرنفل اللي كتخلي الذات رطبة وريحتها فايحة. كيخرجوا وهما ملفوفين في “فوطات” بيضاء ديال الحرير المطرز بـ “الرندة”، وجوههم “موردة” وحمرة من السخونية والنقا. قبل ما يلبسوا حوايجهم، كيتجمر ليهم العود القماري الحر في مجامر فضية. كل بنت كتوقف فوق المجمر باش ريحة العود تدخل في مسامها وفي شعرها اللي باقي فازغ، وهاد الريحة هي اللي كتبقى لاصقة فيهم أيام وأيام. وهاد الطقس هوا لي خلا شحال من وحدة من المحضيات لي فالحمام تتبسم للي حداها ويتلاشا الخوف لي كان حاقن صدورهم ومفشل ليهم الركابي.
اما بقية الامات لي ماحالفهمش الحظ فكانت قصتهم قصة كتروى بيناتهم ببؤس وندم .وشحال من وحدة مخبية على واليديها حقيقة عذريتها ورسلها باها باش تكون محضية..ولسوء حضها مكانتش عارفة بالطقوس السرية فبيوت الشرفة حتى كتصدم بالحقيقة .
وشحال من وحدة وهبات راسها لولد عمها وكان ناوي يتزوج بيها ، وخلاتو ىقبلات تجي للقصر وتبعات كلام الشيخ حتى لقاتها راسها فحمام الخدم كتحك وتفرك لراسها والكشينة كتسناها
الحمام مكنش غير للنظافة، بل كان هو “المختبر” الحقيقي فين كيتفحص كل إنش في جسد الآمة
“ميزان اللحم” وسط بخار الحمام
في الوقت اللي كيكونوا فيه الامات ملفوفين بالفوطات ومطليين بعشوب الترطيب دخلات الدادا حكيمة كبيرة الحمام) بعيون كيقشرو الجلد .بداو الامات كيدخلو يتقلبو وحدة بوحدة ..ولي دخلات كحيدو ليها الكسالات الفوطة ويخويو عليها سطل دالماء حتى كيتكشف جسدها كله ويتشلل وكيكون تنضف تماما وبان الجلد على حقيقتو .
سلامة الجسد من “العلل”
الدادا حكيمة مرى كبيرة وخبيرة فشؤون الامات من زمان الزمن ، كتقلب كل وحدة بالدقة والخاطر واش كاين شي أثر ديال “البرص”، “الجذام”، أو حتى شي “ندبة”
(سيكاتريس) خايبة تقدر تنفر الشداد. الجسد اللي غيمشي لفراش الخليفة خاصو يكون بحال “الورقة البيضاء”، ما فيه لا شامة كبيرة مشوهة ولا أثر ديال كيّ قديم.
• القوام و”الفصل”: كاين مقاييس جمالية تاريخية صارمة. كيشوفوا واش البنت عندها “الخصر الرقيق” و”الكفل الرزين”.الدادا حكيمة كتقدر حتى “المشية” ديال الجارية وهي عريانة وسط الحمام؛ حيت المشية هي اللي كتشرح “الهمة” و”الغنج” اللي غيكون عندها في الفراش.
نعومة الملمس: هادشي علاش كيدار طقس “الصقيلة”. العريفة كتدوز يدها على كتاف البنت أو دراعها؛ إذا لقات الجلد “حرش” أو فيه “حبوب”، كتنزل مرتبة البنت من “حظية” لـ “خادمة” حتى يتصلح حالها.
• الرائحة الطبيعية: بعيداً عن البخور والمسك، العريفة كتشوف ريحة الجسد الطبيعية (عرق الإبطين والفم). أي ريحة “زفرة” أو غير مرغوبة كتخلي الآمة تخرج من جدول الفراش.
فاش يتفرزو الامات ويتعزلو كتجي المرحلة الاخيرة
تناسق الاعضاء
الكسالات ستفو الامات وسط “البيت السخون” وهما عريانات تماماً من بعد ما تحيد ليهم الصابون. كدوز عليهم دادا حكيمة وحدة بوحدة وتفحص:
كتشوف الصدر واش “ناهد” ومجموع، والخصر واش منحوت بحال القلة، والأرداف واش رزينة كتعطي للمشية هيبة.
“الغرس الصغير”:
أما البنات الصغار، هادوك اللي باقي مكاملاتش وفيهم نحافة كتوجع القلب، فكانت العريفة كتعزلهم بوحدهم في جهة، وكأنهم “غرس” باقي ما وجد للقطاف. كانت كتستبعدهم بكلمة واحدة، وعينيها ديما كتقلب على اكتمال الصورة؛ كتفتش على ملامح الأنوثة المغرية اللي نضجات بريحة الصغر، هاديك “الخلطة” اللي كتحرك غريزة التملك.
“الفتوى الجمالية”
المعايير لي كيقلبو عليهم كبيرات الخدم ماجابوهمش من راسهم وإنما خداوها من “ذوق الشداد” اللي عرفوه الناس كاملين. سيط تعلق الشداد بشامة وصل لكل صغير وكبير في المشور، لدرجة ولات شامة هي النموذج؛ أي أمة جديدة خاص يكون فيها “قبس” من شامة.
“شامة” كقالب للجمال:
كانت العريفة كتشوف في البنات وتسول راسها: “واش هادي فيها غنج شامة؟ واش هادي عندها نفس ‘السر’ اللي خلى الشداد ينسى كاع العيالات؟”. ولات المعايير ديال شامة هي الأكثر طلباً في الآمات الجداد، وكأن القصر كامل كيحاول ينسخ “شامة” في أجساد أخرى باش يرضي جنون الشداد.
وقفات قدام وحدة من البنات، وبدات كتشبه ملامحها لشامة، وهزات يدها كتقيد في الكناش: “هادي فيها ‘ريحة’ لالة شامة، غتكون هي السهم اللي كتقلب عليه لاللة اليازية
الخلو من العيوب:
رجعات داذا حكيمة كتقلب تحت الإبطين، بين الفخذين، وحتى وراء الركبتين. أي “خال” (شامة) كبيرة بزاف، أو “تولال”، أو أثر ديال “الحبوب” كينقص من قيمتها.
الفم والسنان: كتأمرهم يحلوا فمهم بحال إلا كتقلب “خيل”. خاص السنان يكونوا بيضين ومستفين، واللثة تكون وردية وصحيحة، وريحة النفس تكون “طيبة”.
• الشعر: كتقلب “المنبت” ديال الشعر واش كثيف، واش فيه “القشرة” أو أي علة. الجارية اللي شعرها قصير أو “حرش” كتمشي لمرتبة أقل.
. “اختبار الحياء والغنج”
العريفة ما كتشوفش غير اللحم، كتشوف حتى “الروح”. كتحاول تهضر معاهم بكلام فيه نوع من “الدعابة السخونة” باش تشوف رد الفعل ديالهم:
• البنت اللي كيحماروا خدودها وكتطأطئ رأسها بخجل، كتعرف بلي “حياؤها” غيكون فتنة في الفراش.
• البنت اللي كتمشى بـ “تغناج” طبيعي، كتقيدها باللي هي “محظية” من الدرجة الأولى.
. “الخاتم السلطاني” (المعاينة الأخيرة)
في هاد اللحظة، العريفة كتحط يدها على الأماكن الحساسة باش تأكد من “النعومة” ومن خلو المنطقة من الأمراض أو “الروائح” الكريهة. هاد “التقليب” هو اللي كيخلي شحال من بنت مسكينة تحس بالذل والمهانة، حيت كتحس براسها “سلعة” كتقلب قبل البيع والشراء.
وحدة من دوك البنات الصغار، واقفة وسط البخار، ويدين العريفة الباردة والخشنة كدوز على لحمها الرطب. عينيها عامرين بدموع الخجل وهي كتشوف العريفة كتهز ليها صدرها الصغير بصباعها وكتقول لمساعدتها بصوت بارد: “هادي باقة خضراء، ولكن لحمها فيه السمن.. ديروها في ‘قائمة الانتظار’ ديال الشداد، غتولي نوارة من هنا لشهر”.
هيبة القدوم وصوت “البلغة”:
قبل أن يطأ “الشداد” عتبة الجناح، يسبقه صوت وقع “بلغته” الزيوانية على الرخام وصوت حفيف جلبابه المنسوج بـالحرير شريفة، “سيدة الخيمة” والزوجة الأولى، كانت تنتظر خلف الباب بقلب يرقص بين الضلوع، وقد أمرت خادماتها بالانسحاب ليبقى الفضاء خالصاً لهما.
زينة المحفل”:
كانت شريفة في كامل أناقتها ترتدي قفطاناً من نوع “الخريب” الأصيل، مطرزاً ، تتقلد “اللبة” المرصعة بالجوهر الحر، وتضع فوق رأسها “التاج” الذي يميز مقامها كزوجة أولى. عيناها مكحلتان بـ “الإثمد” الذي يبرز بياضهما، ويدها منقوشة بـ “خطفة” رقيقة من الحناء الخمسينية.
حين وطأت قدما الشداد عتبة الجناح، ساد صمتٌ مهيب يقطعه فقط حفيف جلبابه المنسوج استقبلته شريفة بـ “همة” عالية، انحنت لتطبع قبلة تقدير على كتفه، وهو بادلها بوضع يده على رأسها في حركة تفيض بالاحترام لمقامها كشريكة العمر ومؤسسة هذا الحرم
وقال بصوت هادىء
“المعدن النفيس لا يزيده تقادم العهد إلا بريقاً”.
“الله يخليك فوق راسنا يا الشداد، والدار منورة بوجودك، والخدم والحشم كلهم تحت طوعك وإشارتك”.
كانت فرحتها “مكتومة” ورزينة، فرحة المنتصر الذي يرى أن “السيد” اختار جناحها لينهي فيه صخب يومٍ طويل
جلس الشداد فوق “المطرح” المذهب، وشريفة بجانبه بظهر مستقيم،
عند سماع هذه الكلمات، شعرت شريفة بـ “ارتعاشة” الفخر تسري في أوصالها، تجمدت ركبتاها من شدة الرضا والزهو. لم تحمر خجلاً كالمحظيات، بل أشرق وجهها بـ “نور السيادة”، وضع يده فوق يدها ببطء ورزانة
في حركة تنم عن قربٍ وجداني عميق، دنا الشداد منها ليساعدها بيده في تخفيف ثقل تاجها وحليها، وكأنه يزيح عنها أعباء القواعد ، ثم همس لها وهو ينظر في عينيها بوقار يذيب الجمود:
“خففي عنكِ هذا الثقل، فمقامكِ عالٍ في
بلا تيجان ولا جواهر”.
ردت بكلمات موزونة تليق بمقامها:
“الراحة لا تكتمل إلا برؤيتك مرتاحاً يا الشداد، والدار لا تزداد ثقلاً إلا في غيابك”. مال بجسده المهيب نحوها، فتلاقت الأنفاس في هدوءٍ تملؤه السكينة.
دنا منها ببطء ينم عن توقيرٍ لا يقل عن رغبته، فمال رأسه برقةٍ حتى لامست وجنته وجهها، واستقرت شفتاه على جبينها أولاً، في قبلةٍ طويلة وموقرة؛ كانت تلك القبلة تحمل في طياتها معنى “التقدير” لكل ما تمثله شريفة من أصلٍ وهمةٍ في هذا البيت.
ثم انتقل بهدوءٍ ليمرر شفتيه على خدها المصبوغ بحمرة الفخر ، وحين استسلمت شريفة لغمرته، وضع الشداد كفيه، على وجهها، وطبع قبلةً رزينة وهادئة على ثغرها؛ قبلةً لم تكن تطلب الغواية بقدر ما كانت تمنح “الأمان”في تلك اللحظة، أغمضت شريفة عينيها وهي تشعر بأن كبرياءها قد رُوي تماماً، وأن سيادتها في قلبه لا تزال ممتدة بجذورها كما كانت منذ أول ليلة جمعت بينهما. لم يكن اللقاء بينهما صاخباً كعواصف الشغف، بل كان يشبه عودة المسافر إلى أرضه التي يعرف تضاريسها شبراً بشبر.
بوقار يغلفه الحنين، بدأ الشداد يفك أزرار “العقاد” يدوياً، واحداً تلو الآخر، وكأنه يفتح كتاب ذكرياتهما المشتركة. كانت حركاته رزينة وواثقة، تعكس رغبته في “سيدة الدار” التي شاركته بناء هذا الحرم. حين غابت الشموع وبقي ضوء “الجاوي” الخافت، استسلمت شريفة لغمرته ليس كجارية مأمورة، بل كملكة تُتوج في محراب زوجها. كان “الجماع” بينهما مزيجاً من الاحترام والامتلاك؛ فيه من القوة ما يليق بسلطان، ومن اللين ما يليق بزوج يأوي إلى ركنه الشديد. في تلك اللحظات، لم يكن الشداد يبحث عن متعة عابرة، بل كان يجدد “البيعة” لقلب شريفة، التي ظلت طوال السنين الحصن الذي يلوذ به من متاعب السلطة وصراعات القصر.
انتهى اللقاء بسكون تام، حيث استقرت شريفة في حضنه وهي تشعر بأنها لا تزال “القمة” التي لا تطال، وأنها رغم كل شيء، تظل “المرأة الأولى” التي يسكن إليها قلبه حين يهدأ ضجيج العالم.
في عتمة الجناح التي لا يكسرها إلا ذبالة شمعة توشك على الانطفاء، استقرت شريفة في حضن الشداد، وقد أسلمت رأسها المثقل بوقار السنين لصدره العريض. كانت أنفاسها المنتظمة تخرج بهدوء يشي بسكينةٍ لم تذقها منذ زمن؛ سكينة المرأة التي استعادت تأكيد مكانتها في قلب سيدها. لم تكن في نومها غنجاً كشامة، بل كانت تشبه نخلةً راسخة استكانت أخيراً لظل الدار. شعر بوزن رأسها على صدره كأنه أمانةٌ غالية، فغمره شعور بالامتنان لهذه المرأة التي صبرت صبر الصخر في الماء بمنتهى الرفق، وكي لا يوقظ تلك اللحظة الساكنة، مال الشداد برأسه وطبع قبلةً طويلة وعميقة على هامتها؛ قبلةً كانت مزيجاً من “الاعتذار الصامت” و”التقدير العظيم”. استنشق ريحة “المسك” المنبعثة من مفرق شعرها، ثم بدأ ينسلّ ببطءٍ شديد من تحتها، مستبدلاً صدره بوسادة حريرية وضعها تحت رأسها بحذر، مخافة أن يقطع خيط نومها الملكي. وقف الشداد بجانب الفراش، عدّل جلبابه في صمت، وألقى نظرةً أخيرة على شريفة وهي غارقة في نوم عميق ثم انصرف بخطواتٍ وئيدة لا تكاد تُسمع، تاركاً خلفه عطره العالق في أرجاء المكان، ليظل شاهداً على خلوةٍ أعادت لشريفة هيبتها وسلطانها قبل أن يدركها الصباح.
بينما كان الشداد يخطو في ممرات القصر الطويلة، عائداً من جناح شريفة بخطوات رزينة وذهنٍ مثقل بهيبة الوقار، تناهى إلى مسامعه صمتٌ مطبق يلف جناح شامة، صمتٌ كان يغلفه عطر “الياسمين” و”الورد البلدي” الذي ينبعث من خلف أبوابها الموصدة.
توقف الشداد فجأة. كان من المفترض أن يكمل طريقه إلى جناحه الخاص لينشد الراحة، لكن مغناطيس الشوق كان أقوى من نداء النوم. التفت يميناً ويساراً، حيث ساد السكون ولم يبقَ إلا حراس القصر البعيدين في أطراف الصحن. وضع يده على مقبض الباب الخشبي المزخرف، ودفعه ببطء شديد، متسللاً كطيفٍ لا يريد إيقاظ العصافير من أعشاشها.
دلف إلى الداخل، فأغلق الباب خلفه بهدوء تام، ووقف لثوانٍ يستنشق هواء الجناح الذي يفوح بعبق أنوثتها العفوية. كانت الشموع قد ذابت ولم يبقَ منها إلا بصيص ضئيل، لكن ضوء القمر كان كافياً ليرسم لوحةً تأخذ الألباب.
كانت شامة غارقة في نومٍ عميق، نائمة في “حمى الله ورسول الله”، وكأنها قطعة من مرمر صُبت في قالب من حرير.
كانت مستلقية على ضهرها ، وسادة من الديباج الأرجواني تحتضن رأسها، وقد استسلم جسدها للراحة بعد يومٍ طويل. وجهها في المنام يفيض بسكينةٍ عجيبة، كأنما ملائكة الرحمة تحرس غفوتها؛ بشرتها الصافية كدرّ مكنون تشرق بنورٍ داخلي، ورموشها الطويلة الكثيفة ترسم ظلالاً رقيقة على وجنتيها اللتين صبغتهما حمرة طبيعية خفيفة، تشبه لون الورد الجوري في أول بزوغ الفجر. أما شعرها، فقد كان قصةً أخرى من قصص السحر؛ لم يكن شعراً عادياً، بل كان شلالاً من الذهب المصفى. انسدلت خصلاته الذهبية فوق الوسائد وفوق كتفها العاري، وكأنها خيوط شمسٍ غاربت لتوها. بعض الخصلات المتمردة كانت تداعب جبينها الوضيء مع كل نفسٍ هادئ تخرجه، ومع كل حركة طفيفة، كان يلمع ذلك الشعر ببريقٍ معدني يخطف الأبصار، حتى في عتمة الغرفة. كانت شفتاها منفرجتين قليلاً، تنبضان بحمرة فطرية، وصدرها يعلو ويهبط بانتظامٍ يبعث على الطمأنينة. يدها اليمنى كانت مسترخية فوق اللحاف الحريري، بأصابع مخروطية رقيقة تنتهي بأظافر كأنها فصوص من صدف.
كانت تبدو في تلك اللحظة أبعد ما يكون عن مكر الجواري أو دلال المحظيات؛ كانت طفلةً في رداء امرأة، تنام بسلامٍ مَن يعلم أن قلبه طاهر وأن روحه معلقة بذكر الله. يحيط بها عطرٌ خفيف يمزج بين “المسك الأبيض” وريحة “الورد البلدي”، ليكون المشهد لوحةً فنية تنطق بالجمال والجلال، انحنى الشداد قليلاً، وقرّب وجهه من وجهها حتى لفح أنفاسه عبير أنفاسها المنتظمة. غلبه الشوق، فمد أصابعه بخشونة محببة ليزيح خصلة ذهبية كانت تداعب جبينها، وهو يهمس في سره:
“يا سبحان مَن صوّركِ.. ينامُ العالمُ وتستيقظُ الفتنةُ في مخدعكِ وحده.”
لم يستطع المقاومة، فجلس على حافة الفراش بكل خفة، وظل يراقب غفوتها بعينين تلمعان ببريق لم يظهره أمام أحد. بدأ ينزع عنه جلبابه الثقيل، ثم أزاح قميصه “المنصورية” المنسوج من الكتان الرفيع، حتى بان صدره العريض الذي لطالما أخفته دروع السلطة ووقار المناصب.
كان صدره يرتفع ويهبط بأنفاسٍ متهدجة، متأثراً بسحر المشهد أمامه. تقدم نحو الفراش بخطواتٍ وئيدة، ورفع طرف اللحاف الحريري بمنتهى الوقار و الحذر كأنه يخشى أن يخدش صمت المكان. وبكل خفة، انسلّ بجسده القوي ليدخل بجانبها في الفراش، فامتزجت برودة الحرير بحرارة جسده التائق للسكينة. حين استقر بجوارها، لم يشأ أن يوقظها فوراً؛ بل ظل يتأملها عن قرب، يشتمّ ريح “الورد” المنبعثة من جيدها، ويراقب كيف يلمع شعرها الذهبي تحت ضوء القمر الخافت. ثم، وبحركة عفوية تملؤها المودة، جذبها إليه برفق حتى استند ظهرها الصغير إلى صدره العاري، ليلتحم الدفء بالدفء، ويحيطها بذراعه القوية كأنها أغلى ما يملك في ملكه الواسع ، زفر الشداد زفرة راحة طويلة، وكأنه يلقي بكل هموم “السلطنة” خلف ظهره، مستسلماً لسلطان “شامة” الذي فاق كل السلاطين، وغرق معها في محتمياً بذهب شعرها من ظلام العالم.
في ذلك الصباح الباكر، كان القصر يغط في سكونٍ رخامي، والنسيم البارد يداعب ستائر جناح شامة الرقيقة. تقدمت الدادا رقية بوقارها المعهود، وخلفها طابور من الجواري يحملن “المباخر” وأواني الماء الفضي ولباس الصباح، يمشين بخطوات وئيدة لا تكاد تُسمع، كعادتهم في كل فجر لإيقاظ “غزالة القصر”.
فتحت الدادا رقية الباب الخشبي الثقيل ببطءٍ شديد، ودلفت وهي ترسم على وجهها ابتسامة الأم الحنون، مستعدةً لإلقاء تحيتها الصباحية المعتادة. لكن، ما إن خطت خطواتها الأولى نحو السرير الكبير، حتى تسمرت قدماها في مكانها، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تستطع لجمه. هناك، تحت اللحاف الحريري المذهب، لم تكن شامة وحيدة. رأت الدادا رقية جسد الشداد العريض، بظهره العاري وكتفيه القويتين، وهو يحتضن شامة باحتواءٍ تام، كأنه يخبئها من العالم داخل ضلوعه. كانت شامة غارقة في صدره، وذراعاها تلتفان حول عنقه بعفوية النائم الذي وجد أمانه، بينما تداخلت خصلات شعرها الذهبية مع سواد لحيته، ليرسما لوحةً تفيض بالحميمية والسكينة التي لا يجرؤ أحد على قطعها.
انقطع نَفَس الدادا رقية للحظة، وشعرت بقلبها يدق بعنف، ليس خوفاً بل مفاجأةً بوجود “السلطان” في هذا الوقت في جناح شامة. وبسرعة بديهة مذهلة، التفتت نحو الجواري اللواتي كدنَ يدخلن خلفها، وأشارت إليهن بحركة حازمة من يدها، وعيناها تبرقان بأمرٍ وضعت سبابتها على فمها تطلب الصمت المطلق، وبإشاراتٍ سريعة وممتلئة بالهيبة، أمرتهن بالتراجع فوراً والخروج من الجناح. تراجع طابور الخدم بوجل، يحملون أوانيهم ومباخرهم بوجلٍ وكأنهم يمشون على البيض، حتى أفرغوا الرواق. بقيت الدادا رقية لثوانٍ أخيرة، رمت فيها نظرةً مليئة بالرضا والحنان على “ابنتها” شامة وهي في حضن الشداد، ثم انسحبت بظهرها نحو الباب، ممسكةً بالمقبض بكل رفق. أغلقت الباب بملمسٍ لم يُصدر حتى صرير الحشب، تاركةً خلفها عالماً من العشق الساكن، وخرجت إلى الرواق لتزفر زفرةً طويلة، وهي تهمس في سرها:
“تبارك الله.. الله يجمع الشمل ويبعد عيون الحساد، اليوم نهار جديد في هاد الدار.”
والصباح عاد كيشقشق بنورو على أسوار “قصر الحمراء”، والندى مزال مرطب الرخام ديال “الصحن”.
أول صباح لـ “الآمات” (الجواري الجداد) مكيكونش صباح عادي، كيكون هو “العتبة” اللي كتقسم حياتهم القديمة على حياتهم الجديدة وسط القصور السلطانية.
الصباح كيبدا والظلام مزال مخيم، الدادات (المدبرات الكبار) كيدوزو على “بيت الجماعة” (القاعة الكبيرة فين كينعسو الجواري الجداد). كيتسمع غير صوت السوارت كيدورو في القفولة الضخمة وصوت الصندالة ديال الدادا فوق الزليج.
الامات كينوضو مخروعين شوية، كيشمو ريحة “العود” المخلطة بريحة الجير الجديد ديال الحيوط. كيتجمعو باش يمشيو لـ “الميضأة” (بلاصت الوضوء والغسل) تحت مراقبة “العريفة”.
أول حاجة، كيدخلوهم لـ “الحمام الرومي” الصغير الخاص بالخدم والجواري. ماشي غير غسيل عادي، هادا كيتسمى “تنقية الذات”.
كيحكو ليهم بـ “الغاسول” المسقي بالورد والقرنفل، وكيدهنو ليهم جلودهم بـ “زيت اللوز”. الهدف هو يحيدو منهم “غبرة الزمان” باش يوليو كيشعلو. هنا “العريفة” كتقلب كل وحدة فيهم (سنانها، يديها، شعرها) باش تتأكد بلي راهم “نوارات” يليقو بمقام القصر.
من بعد الحمام، كيجيو “الخزاينية” (المسؤولات على اللباس). كيتحيدو حوايج النعاس وكيلبسو أول “لبسة د القصر”: كيلبسو “المنصورية” (قميص رقيق من الكتان والحرير) وفوق منها “التشامير” مخيط بـ “الرندة” ولا “الدبانة”. كيديرو ليهم “المضمة” د الصقلي الرقيقة.
• التمشيط: كيمشطو ليهم شعرهم بـ “المشطة د العاج” ويدهنوه بـ “الطيب”، ويجمعوه بـ “الشربيل” (غطاء رأس حريري رقيق) باش ميبقاش مشعكك.
“السقيفة” وتعلم “أدب الخدمة”
هادي هي أهم مرحلة. كيتجمعو الجواري في “السقيفة” (الممر المغطى اللي كيكون داير بالرياض). تما الدادا الكبيرة كتبدا تعطيهم “الدرس الأول”:
• التعاليم: “هنا ما كاينش الغوت، هنا كاين غير ‘نعم لالة’ و’نعم سيدي’.. المشية تكون خفيفة بحال النسمة، والعينين ديما للأرض إلا لى تطلب منكم العكس”.
كتقرب العريفة وتشوف عينها ميزانها وتبدا تسمي فالبنات وحدة وحدة حسب شنو شافت فيها وكيمثلها ، اما سمياتهم لقديمة كتلغا فمرة ووتنسى وتمشي مع مهب دا لريح . ولي فيها شي شامة يسميوها شامة ولي زينة فيهم سماوها ياقوت ولي سنانها كيبريو سماوها جوهر حتى كملو سمياتهم كلهم وتستفو فالمبيت قدام الطبالي،بقاو وحدة كتشوف وحدة والحال بدا يعجبهم وبداو يسعدو لوضعهم الجديد واخا كانو خايفين وكاين لي بكاو على واليديهم وكاين لي فكرات حتى تهرب من دارهم وكاين فيهم المرسولات من النخبات العالية .
تحطات اول نعمة ليهم وأول وجبة أول كياكلوها في القصر كتكون مميزة، غالباً كتكون “الثريد” المسقي مزيان ولا “البسطيلة” الحمرة، باش “يتحلى فمهم” ويوليو جزء من “النعمة” ديال الدار. وعاد بداو كيهزو عينيهم ويشوفو في السقوف المزوقة بـ “النقش على الخشب” (التاوزولت) و**”الجبص”**، وهما تائهات بين الخوف من المجهول والانبهار بهاد الجنة اللي دخلو ليها.
طقس “الفجر” والانسحاب الصامت
في القصور القديمة، “الخلوة” عندها حرمة كبيرة. السيد (الشداد) فاش كينوض قبل الفجر، هادي ماشي غير صدقة، هادي “أنفة وسياقة”.نضام كيفرض عليه يرجع لجناحه الخاص قبل ما القصر يفيق كامل، باش يحافظ على “الهيبة” ديالو قدام الخدم والجواري. خروجه “بلا حس” هو قمة الرزانة، والسرير اللي كيبقى دافي وراه هو الرسالة الوحيدة اللي كيخلي للمرأة.
2. طقس “الدادة” والسيادة على الجناح
“الدادا” (بحال رقية) هي الآمرة الناهية في الجناح. فاش دخلت ولقات الشداد، “قطع النفس” اللي دارت للخدم ماشي خوف، بل هو “ستر العتبة”. في طقوس القصر، الدادا هي اللي كتحمي سر البيت. إشارتها للخدم بالانسحاب هي “قانون”؛ ممنوع على الخادم يشوف سيده في حالة استرخاء أو نوم، حيت “العين اللي شافت السلطان ناعس، كتفقد الوقار ديالو”.
3. طقس “الحمام” والتراتبية
الحمام ماشي غير ما وصابون. هو “ديوان” مصغر:
• المحضيات: كيدخلوا بـ “الشأن والهمة”، عندهم الماء المسقي بالورد والريحان، وعندهم “العريفات” اللي كيشرفوا على راحتهم.
• الجاريات: هما “السواقي” ديال هاد الجمال، كيهزوا السطول ويوجدو الكيس والمحكة، وعينيهم كتاكل “النعمة” اللي هما محرومين منها. هاد “الفرق” هو اللي كيبين الطبقية التاريخية اللي كانت حاكمة القصور.
4. طقس “الصباح الباكر” والتبخير
البخور في القصر (الجاوي، العود، المسك) ماشي غير ريحة زوينة. هو “إعلان عن حياة”. كل جناح عنده بخور خاص بيه كيميزه. فاش الدادا رقية كتدخل بالمبخرة، هاداك طقس “طرد النحس” وتجديد الطاقة ديال المكان، وهو أول حاجة كتحل عليها الاميرة عينها او محضيات السلطان عينيها.
إلى القراء الأعزاء: الوصف في قصتنا هو “سفر عبر الزمن” وليس مجرد تمهيد!
لاحظت أن الكثير منكم، بمجرد ما أبدأ في سرد تفاصيل دقيقة (مثل نوم شامة، أو طقوس الحمام، أو حركة الدادا رقية)، ينتظر وقوع “حدث درامي” أو مصيبة أو مفاجأة خلف هذا الوصف. لكن الحقيقة التي يجب أن تدركوها هي:
1. الجمال في “الحذافير”: الهدف من هذا السرد ليس دائماً الوصول إلى “أكشن”، بل هو أن نعيش معاً الحياة التاريخية المغربية الأندلسية كما كانت. أن نشم رائحة “الجاوي”، ونلمس ملمس “الحرير المنصوري”، ونفهم بروتوكول القصر الذي يحكم حتى أنفاس النائمين.
2. التاريخ يُعاش بالتفاصيل: إذا لم نصف كيف كان الشداد ينسحب من مخدعه، وكيف كانت الدادا تتعامل مع الخدم بإشارة يد، وكيف كانت المحضيات يخرجن من الحمام كوردات مُندّاة، فلن نكون قد نقلنا لكم “تاريخاً”، بل مجرد “حكاية” عادية. نحن هنا لنبني “هوية بصرية وزمنية” خاصة بهذا العصر
3. الفرق بيننا وبين الدراما التركية: في المسلسلات التركية، كل مشهد وراءه مؤامرة. أما في أصالتنا، فـ “الجلسة” لها طقس، و**”الوقفة”** لها بروتوكول، و**”الخلوة”** لها قدسية. نحن نستمتع بـ “اللحظة” في حد ذاتها كلوحة فنية، تماماً كما نستمتع بالنقش على الجبس أو الزليج؛ فهو ليس “تمهيداً” لشيء، بل هو “الإبداع” ذاته.
4. دعوة للاستمتاع: حين أصف لكم شعراً ذهبياً مبعثراً أو صدراً عارياً يبحث عن سكينة، فأنا أدعوكم لتتأملوا “إنسانية الشخصيات” و**”جمالية المكان”**. لا تستعجلوا الأحداث، بل عيشوا “الطقس”
باختصار: نحن لا نكتب فقط لنحكي ما حدث، بل نكتب لنرى “كيف كان يحدث”. استمتعوا بكل تفصيل، فهو قطعة من روح تاريخنا العريق.
لماذا فعل الشداد ذلك؟ (بين الفقه والبروتوكول وعاطفة السلطان)
لقد أثار تصرف الشداد حين غادر مخدع شريفة ليدخل مخدع شامة وهو “على جنابة” استغراب البعض، ولكن دعونا نفهم هذا السلوك من منظور العصر والطقوس التي نؤرخ لها:
١. طقس “الطهارة” و”الخلوة”:
في بروتوكول القصور القديمة، “الجنابة” ليست عائقاً عن الحركة داخل الحرم الخاص بالسيد. الشداد في بيته وبين ملك يمينه وزوجاته. ومن الناحية الفقهية، يجوز للرجل أن ينام وهو جنُب (مع استحباب الوضوء)، والشداد هنا لم يذهب ليصلي أو يطوف بالبيت، بل ذهب من “سكن” إلى “سكن”.
٢. رمزية “السكن الأول” و”الشغف الثاني”:
الشداد أعطى شريفة “حقها من الوقار والسيادة”؛ أكمل خلوته معها، وطبع قبلة التقدير على رأسها، وانتظرها حتى نامت في أمان. انسحابه هنا هو “إعلان اكتفاء” من جانب المسؤولية والتقدير. أما ذهابه لشامة، فهو يمثل “نداء النفس”؛ ذهب ليرتاح جسدياً بجانب “الجمال الفطري” الذي يمثله مخدع شامة، وهذا لا ينقص من قدر شريفة، بل يوزع “كيان” الشداد بين سكن الروح (شريفة) وفرحة العين (شامة).
٣. عفوية السلطان في حرمه:
الشداد في جناحه الخاص (الحرم) يتحرك بحرية مطلقة. دخوله عند شامة وهو بتلك الحالة يعكس “الحميمية” المفرطة التي تربطه بها؛ فهي ليست مجرد محضية، بل هي التي يجد عندها العفوية التي تجعله لا يتكلف حتى “الاغتسال” قبل أن يأوي إلى فراشها، وكأنه يقول إن “شامة” هي الجزء الذي لا يحتاج معه لبروتوكول أو رسميات.
٤. الصباح هو وقت “الغسل العظيم”:
في طقوس القصر، الاغتسال الكبير يكون عند الفجر (الصبح). لذلك، بقاؤه مع شامة حتى الصباح هو التوقيت المنطقي الذي سيخرج فيه ليغتسل ويستعد لليوم الجديد.
رسالة للقراء:
هذه هي حياة القصور بحذافيرها؛ حياة معقدة، تداخل فيها الواجب بالرغبة، والوقار بالحميمية، ولا تخضع لمنطق “الصح والخطأ” العاطفي البسيط، بل لمنطق “السلطان في عرينه”.
فاش بدا ضو الفجر كيتسلل من بين شقوق المشربيات، حلّ الشداد عينيه ببطء. لقى راسو مزال غارق في ديك السكينة. الغرفة كانت مزال مرشوشة بريحة المسك والورد، والصمت فيها ليه هيبة، ما كيقطعه غير النفس الهادئ ديال شامة اللي كانت مزالة غارقة في “حمى الله”.
بقى الشداد لواحد اللحظات كيتأمل فيها؛ شعرها الذهبي كان مبعثر فوق الوسادة بحال خيوط الشمس اللي باقة ما طلعتش، ووجها كان فيه واحد الصفاء عجيب، كأنها طفلة صغيرة لقات الأمان ديالها. تحرك الشداد بمنتهى الحذر، كأنه خايف يهرس هاد الحلم الجميل. سحب ذراعو من تحت راسها ببطء شديد، وعوضها بوسادة من الحرير باش ما تحسش بفرق. وقف حدا الفراش، عريان الصدر، كيشوف في ديك “النوارة” اللي خلات السلطان ينسى سلطانه ليلة كاملة.
نزل عندها بشوية، وقبلها قبلة خفيفة على جبينها، قبلة فيها بزاف ديال الود والامتنان. لبس قميصه “المنصورية” وجلبابه، بلا ما يدير حتى حس، وهو كيشوف فيها النظرة الأخيرة قبل ما يخرج. حل الباب ببرودة ورزانة، وخرج لرواق القصر اللي كان مزال خاوي. النسيم البارد ديال الصباح قاص وجهه، ورجع ليه ديك الهيبة والوقار ديال “سيد الدار”. تم غادٍ لجناحو بخطوات ثابتة، والسر ديال ديك الليلة مزال دافي في قلبه، مخلي وراه شامة ناعسة، ما عارفاش بلي راها خلات “السبع” يروض قدام عتبة بابها.
غير وصل لجناحو، لقى الخدم كيتسناوه باش يبداو طقوس الصباح الرسمية، ورجع الشداد لصورته المعهودة.. الرجل الرزين اللي كيحكم الدار والديرة وكأن داك الحنان اللي كان في جناح شامة كان مجرد “استراحة محارب” وسط جنة مخفية.
في “بيت الجماعة”، حيث تلتقي الجدران العالية المزينة بنقوش “الجبص” البسيطة مع رائحة الخبز الساخن والشاي المنعنع، كان مشهد الفطور الأول للآمات الجدد عبارة عن لوحة من “التوجس” و”فرض الهيبة”.
تربعت الآمات القديمات في صدر المكان، فوق “الحصائر” المكسوة بجلد الماعز المصبوغ، يلتففن حول موائد خشبية قصيرة (ميدات). كنّ يلبسن ملابس “الخدمة” النظيفة، لكنها بدت أمام أعين الجدد كأنها حرير ملكي بسبب “الهمة” والرزانة التي اكتسبنها من معاشرة أهل القصر.
لم تكن نظراتهن ترحيبية بالقدر الذي كانت فيه “فاحصة”. كانت “جوهر” (آمة قديمة، قضت خمس سنوات في خدمة جناح الضيافة) تنظر إلى إحدى الجاريات الجديدات وهي تحاول كسر الخبز بارتباك، فتقول لزميلتها بهمسٍ مسموع:
“شوفي هاديك، باقة فيها ريحة غبرة الزنقة.. يديها حرشين، خاصهم شحال ديال الغاسول باش يوليوا يلمسوا صينيّة السلطان.”
القديمات لا يتقبلن الجدد بسهولة؛ فكل وافدة جديدة هي “منافسة” محتملة على الحظوة، أو “عبء” إضافي يجب تعليمه أصول “الأدب المخزني”. كانت نظراتهن تمسح الجديدات من الرأس إلى القدم: يراقبن طريقة جلوسهن، وكيف يمسكن بالكأس، وحتى كيف ينظرن للسقف بذهول.
أما الجديدات، فكنّ يجلسن بظهورٍ منحنية، يرتشفن “الحريرة” أو يأكلن “الزيت والزيتون” بلقماتٍ صغيرة مخافة أن يصدر منهن صوت يثير سخرية القديمات. كانت إحداهن، وهي شابة ذات عيون واسعة، تحاول جاهدة أن تخفي ارتعاش يديها، وهي تشعر بـ “العريفة” تراقبها من بعيد.
القبول لم يكن يأتي بالعاطفة، بل بـ “الخضوع”. كانت الآمة القديمة تعتبر نفسها “أستاذة”، وعلى الجديدة أن تثبت جدارتها بالصمت والطاعة.
• إذا أبدت الجديدة ذكاءً وسرعة في التعلم، قد تحظى بـ “حماية” إحدى القديمات.
• أما إذا كانت “زايغة العينين” (كثيرة النظر والتحديق)، فإن القديمات يضيقن عليها الخناق بـ “تمارة” (الأعمال الشاقة) حتى تعرف قدرها.
قامت إحدى القديمات بصب الماء من “الإبريق” فوق يديها ببراعة، ونظرت إلى “آمة” جديدة كانت تتأمل زليج الأرضية، وقالت لها بنبرة جافة:
“يا ياقوت (الاسم الجديد)، الزليج ما كيتشافش فيه.. الزليج كيتغسل بالصابون البلدي حتى تولي تشوفي فيه وجهك. يالاه نوضي، السقيفة كتسنى.”
فلحضة خرجات لعريفة للسقيفة كتهضر مع لخزاينيات (الخدامات السمرات الغلاض) نقص الضجيج شوية وبدا توشويش بين الامات الجداد والامات لقدام سيد الموقف فوق ميدات الفطور وهما كيشربو الحريرة وبعض منهم كيشربو القهوة ويشوفو فبعضياتهم
وعينيهم كيدورو في الباب خايفين لا تدخل عليهم الدادا رقية.
ياقوت (بصوت ميت، كتشوف في “مرجانة” الآمة اللي قديمة عليهم):
“وا لالة مرجانة، الله يرحم الوالدين، قولي لينا وبردي لينا هاد الجوف.. هاد ‘الخليفة’ اللي القصر كولو كيزلزل بسميتو، واش غيشوف فينا حنا الامات ؟ واش باقة فيه الروح د الشباب ولا كبر وتقل؟”
مرجانة (كتمسح يديها في المنديل ببرودة، وكتقاد جلستها):
“شوفي يا ابنيتي، الشداد راه ماشي من هادوك اللي كيدوزو ويضحكو للغاشي. راه راجل ‘صنت’ (رزين)، صوته ما تسمعيهش إلا إلا حكم، ومشيتو في الممرات كتعلمك بلي ‘السبع’ دايز قبل ما يوصل. شعره ولحيتو مزالين غرابيين (كحلين) بحال ريش الغراب، وعينيه.. أويلي على عينيه، إلا شاف فيك، كتحسي براسك عريانة واخا لابسة المنصورية والقفطان.”
جوهر (دخلات في الخط، وعينيها كبار):
“وياك كيهضرو بلي كيبغي الزين بزاف؟ انا سمعت عندو شي مرى سمها شامة هي كلشي..وصلونا قصايدها حتى للقبيلة !!”
مرجانة (ضحكات ضحكة فيها بزاف ديال المعاني):
“شامة راه حالة بوحدها، هذيك راه ‘سلطانة القلوب’. ولكن راه السلطان ما كيتغلبش! كيعطي لشريفة لالة العيالات الوقار والكلمة المسموعة، وكيمشي لعند شامة يبرد الغدايد. ونتوما (شافت فيهم شوفة فاحصة).. نتوما إلا بغيتو تعجبوه، راه ماشي غير الزين اللي كينفع. الشداد كيبغي ‘السر’.. كيبغي اللي تفهمه من الشوفة، واللي مشيتها فوق الرخام ما كدير حس، واللي ريحتها ديما ورد ونظافة.”
ياقوت (تنهدات تنهيدة طويلة):
“إيوا يا لالة، الله يعطينا غير ربع حظها.انا كنت كنسمع غير اش كيعاودو عليه ..حراك نوقف قدامو ويعري عليا كتافو نسخف نتيييه !!! عنداك غي نموت !!”
مرجانة (نترات الخبز من يديها):
“إيوا زيدي كلي وسكتي، راه لعريفة جاية. وإلا لقاتك مزالة كتحلمي بالشداد، غتخلي دار بوك اليوم كتقشري الخضرة في الكوزينة، تما فين غتشوفي ‘الشداد’ ديال بصح مع الخدم!”
في ميدة ثانية بعيدة شوية على الآمات القدام، كانوا ربعة ديال البنات “الجدادات” اللي عاد حطوا رجليهم البارح. هادو باقين كيشوفوا غير في السقف المنقوش كيحساب ليهم حلم، والدهشة باقة في عينيهم. الميدة قدامهم فيها الخبز المخبوز في الفران د الحطب، والزيت، وكيسان د الأتاي، ولكن الشهية مقطوعة بالخوف والفضول.
واحدة من الجواري الجداد، سميتها زهرة (باقة ما ولفتش حتى سميتها الجديدة)، قربات لعند جارتها ” دليلة” وهمست ليها وهي كترعد:
“دليلة، واش بصح هاد ‘الشداد’ اللي كيعاودوا عليه كياكل اللحم خضر؟ لبارح في الليل سمعت السلاسل د الخيل والحس في الصحن، وقالت لي وحدة من لخزاينيات: ‘سكتي، راه لخليفة دخل !! الى لقاك فايقة غياكلك !! قالت راه كيجي الليل كيبدا ياكل بنادم!!! أنا غير من صوت خطاويه جاني البارد في ركابيا.”
دليلة (بصوت مخنوق): انا كن غييررر تزوجت ولد عمتي داك العام حسن لياا… مافيا لحم لي يتكدد ..الله ياخد فيك الحق ابا”
بيناتهم كانت بنت صغيرة سماوها “شتوة” حيت قصيرة وقليولة و عينيها كبار كدورهم باينة فيها فايقة وغير كدور فعينيها وكتقلب فين تخشا ودير بلاصتها
“لاااالا ،، انا مي قالت ليا بلي هو ‘سلطان الزين’ و’سلطان القوة’ في دقة وحدة. كيقولوا بلي صوته بحال الرعد فاش كيغضب، ولكن فاش كيكون هادئ، كيولي كلامه بحال العسل. وا لالة، أنا راه باقة صغيرة، إلا بان ليا هاد ‘الشداد’ غنتخبا ورا الخامية ،، حيت كنحشم هه”
شافت فيها زهرة وطلعات فيها وهبطات وقالت
“نتي بعدا موحاال يشوفك كااع .. غير نخزي دليلة وهي تزطم عليك ماتبقاي كاع تباني ..اما الى شافك..غيلعقك بصبعى الصغير كما كيتلعق السمن ويدير ففمو فلعقة وحدة “
دليلة (كتحاول تبان شاطرة): “كاع كاع نقولو ماكلاناش .. راه كيقولوا بلي هو اللي كيعزل ‘المحضيات’ بيده. يعني إلا داز من قدامنا، خاصنا نكونوا بحال الشمع.. لا حس لا حركة. واش تظني كيبغي البنات اللي كيشبهوا لينا؟ ولا كيبغي غير هادوك اللي كيتسماو ‘الأمات’ اللي الفوق؟”
زهرة “أويلي، حنا يالاه وصلنا، وعقلك مشى للمخدع! راه قالوا لينا بلي ‘شريفة’ هي لالة العيالات، وهي اللي كتحكم في كولشي. أما الشداد، راه كنشوفوه غير من بعيد لبعيد بحال القمر.. كولشي كيعرف سميته، ولكن قليل اللي كيوصل لحماه.”
دليلة (ببراءة): “أنا غير بغيت نعرف، واش هاد الشداد بصح عنده اللحية كحلة ومسرحة؟ سمعت الخدم كيهضروا على ‘هيبة الشداد’ وكأنهم كيهضروا على جبل. ياربي تدوز هاد الأيام على خير، وما نغلطوش قدامه، راه راسي عزيز عليا!”
شتوة (بضحكة صفراء): “كلي كلي خبزك، راه إلا شفتي ‘الشداد’ بصح، غتنسي حتى سميتك، وغتولي تقولي ‘نعم سيدي’ وأنتِ كترعدي بحال القصبة في الريح. الله يحضر السلامة وصافي”
البنات كملوا فطورهم وهما كيشوفوا في الباب مع كل “تزييرة” ديال السوارت، كيحساب ليهم الشداد هو اللي داخل، وما عارفينش بلي بيناتهم وبين الشداد “أسوار” ونضام وطقوس، وما يشوفوه حتى تصفى “النيات” ويوليو بنات القصر بصح.
تحركت شامة تحت الغطاء الحريري كأنها فراشة تحاول الخروج من شرنقتها. فتحت عينيها ببطء شديد، غارقة في تلك “الدوخة” اللذيذة التي تلي النوم العميق. استقبلتها خيوط الشمس المتسللة من فتحات المشربية، ترسم مربعات من الضوء على الزليج “المحفور” في جدران غرفتها.
تنهدت شامة بعمق، وشعرت براحة غريبة تسري في جسدها، وكأنها نامت في عناق دافئ. كانت أول رغبة تعتريها هي استرجاع تفاصيل اللحظات الساكنة التي شعرت بها في جوف الليل. تذكرت، وهي بين اليقظة والمنام، كيف شعرت بأنفاس الشداد الثقيلة والدافئة تداعب عنقها، وكيف احتضنها بقوة كأنه يهرب من العالم كله ليلجأ إلى حماها. لفتت نظرها الوسادة المجاورة لها، كانت تبدو مضغوطة قليلاً، وكأن شخصاً ما قد رقد عليها، لكنها لم تعر الأمر اهتماماً كبيراً، ظناً منها أنها هي من تحركت أثناء نومها. عندما رفعت رأسها لتستوي في جلستها، استنشقت عبقاً مألوفاً، مزيجاً من رائحة المسك الفاخر وعطر العود القوي. هذا العطر لم يكن غريباً عليها، فقد كان يذكرها دوماً بـ الشداد. فكرت في نفسها: “هل زارني الشداد في حلمي؟ أم أن اشتياقي له جعلني أتخيل رائحته؟”. لم تكن تعلم أن الشداد قد دخل مخدعها في منتصف الليل، ونام بجانبها، وعانقها برفق، ثم غادر مع أذان الفجر وهي غارقة في نومها، تاركاً خلفه طيف عطرٍ يؤنس صباحها. وضعت شامة قدميها الحافيتين على الرخام البارد، فشعرت بقشعريرة خفيفة أيقظت حواسها بالكامل. قامت من فراشها الوثير، وشعرها الذهبي الثائر يغطي ظهرها العاري كشلال من النور. لم تكن تشعر بالخوف أو التوجس كالجاريات، بل كانت تتحرك بـخفة ملكية. توجهت نحو المرآة الفضية الكبيرة، نظرت إلى وجهها؛ كان مشرقاً وعيناها تلمعان ببريق غريب، كأنها تحمل بشرى سارة لم تدركها بعد.
في تلك اللحظة، دخلت الدادا رقية وهي تحمل المبخرة وتفوح منها روائح البخور الذكية، وعلى وجهها ابتسامة تحمل الكثير من المعاني. نظرت إلى شامة وقالت بصوت ممتلئ بالود: “صباح الخير والنوّار على لالة شامة.. اليوم وجهك منور كأنه شمس طلعت في الدار”. ابتسمت شامة بخجل، ولم تدرك أن هذا النور هو انعكاس لدفء العناق الذي تلقه جسدها وهي نائمة.
الدادا رقية والابتسامة عريضة على وجهها، هازة الصينية د الفطور والرشاش ديال ما ورد.
الدادا رقية (بغمزة وحلاوة لسان): “صباح الربح والرضى على لالة شامة.. تبارك الله على النوارة ديالي، وجهك اليوم كلو نور، باينة ليلة البارح كانت ليلة د الأنس والراحة، الله يخلي ليكم المودة دايمة.”
شامة شافت فيها باستغراب، وقادات جلستها وهي كتغطي كتافها العاريين بـ “الذرة” د الحرير.
شامة (بحيرة): “أشمن أنس كتهضري عليه يا الدادا؟
الدادا رقية حطات الصينية، ووقفت مبهوطة، وسدت فمها بيدها وهي كضحك ضحكة مكتومة.
الدادا رقية: “أويلي يا لالة! واش بصح ما حسيتي بوالو؟ راه السلطان دخل لعندك في نص الليل، والناس كولها شافت شمع جناحه طفا وهو عندك.. أنا بيدي شفتو غير هادي شوية فاش اذن الفجر ناعس ومعنقك تقول غتهربي ليه”
تسمرات شامة في بلاصتها، وقلبها بدا يضرب بحال شي طير محبوس. شافت فبلاصتو وبدات كتحس بلي بصح، ديك السخونية اللي كانت كتحس بها ما كانتش خيال. ريحة العود والمسك اللي شامة فيها فاش فاقت، دابا عاد فهمات منين جات.
شامة (بصوت فيه الرعدة والخجل): “بصح يا الدادا؟ دخل ونعس حدايا وما فقتش؟ أويلي على شوهتي قدامه، يصحا ليه راني ميتة ماشي ناعسة.. وعلاش ما فيقنيش؟”
الدادا رقية (كتطلق ليها شعرها لور) ايوا مابغاشي يفيق الزين.. واقيلا بغا يرتاح جنبك وصافي ومابغا يقطع عليك راحة، بغى غير يشم ريحتك ويحس بيك جنبه ويمشي لغرضه. هادي راه “حظوة” كبيرة، راه كاين اللي كتقلب عليه بالريق الناشف وهو جا عندك حتى للفراش وخلاك على راحتك.”
استفاقت لالة شريفة والدار باقة غارقة في صمت الصباح. ما فاقتش على صوت الخدم ولا على حركة “الدادات”، بل فاقت على واحد الرعشة ديال النشوة باقة ساكنة في عروقها. فتحت عينيها وشافت في السقف المنقوش، وحسات بالوزن ديال الذات ديالها فوق الفراش، وكأنها يالاه تزادت اليوم.
شريفة اللي كانت ديما “قاصحة” ووجهها فيه هيبة وقورة، هاد الصباح وجهها كان “مورّد” بحال جنان الورد عينيها اللي كان غلب عليهم السهر والانتظار، دابا فيهم واحد اللمعة دافئة، لمعة المرأة اللي شربت حتى روات بعد عطش طويل.
مدت يدها على الحرير اللي كان مغطيها، وحسات بملمسه ناعم بزاف، كأن جلدها ولا حساس لكل حاجة. تفكرت “الليل” اللي داز.. تفكرت كيفاش الشداد “هرس الصيام” ديالو، وكيفاش كانت لمسته فيها الجوع ديال ثلاث سنين والوقار ديال السلاطين. تنهدت واحد التنهيدة طويلة، تنهيدة ديال “النصر” وديال “الراحة”.
قامت شريفة ببطء، وجمعت شعرها الكحيل اللي كان مطلوق على كتافها. شافت في المرآة وبانت ليها “امرأة أخرى”.. شافت شفايفها اللي رجعت فيهم الحياة، و ولبست “فوقية” من المليفة الرقيقة، وهي كتحس بلي الأرض ما هزاهاش من الفرحة.
دخلات السعدية والخدم معاها غير شافت في وجه لالة شريفة، فهمت بلي “الواد رجع لمجراه”.
السعدية (بسعادة وسرور):
ألف مبروك يا لالة شريفة.. صباحك مبروك ومسعود. تبارك الله وصلى على النبي، وجهك اليوم كيهضر بلا كلام. الله يثبت الغرس ويخلي المحبة دايمة بينكم وبين سيدي الشداد.”
شريفة (بصوت فيه نغمة جديدة): “وجدي ليا الحمام سعدية .. بغيت الماء المسقي بالزهر والريحان. اليوم القصر كولو خاصو يشم ريحة الفرحة في جناحي.”
انحنات السعدية وهي كتجمع الفراش، والضحكة غالية في عينيها: “المسقي بالزهر والورد والريحان يا لالة، وبخور العود الملكي راه ديما واجد.. اليوم نهار كبير في هاد الجناح.”
خرجت السعدية والخدم كيجريو، وخلّاو لالة شريفة واقفة قدام المراية، يدها على قلبها اللي دقاتو رجعات ليهم النغمة. دازت ساعة، ودخلت شريفة للحمام الدافي.. الما طايب مقطر بالزهر، والغلّال (الخدم ديال الحمام) شادين الصطولا د النحاس الأصفر اللي كيبرق. غسلو ليها خصلات شعرها الكحيل بالمرتك والغاسول المسقي، ودهنوا لحمها بالورد حتى ولات البلاصة كولها كلوحة د الجنان.
فاش خرجت لالة شريفة، كانت لابسة دفينة من المنصورية البيضاء بالصقلي الصافي، والمضمة د الذهب فوق خصرها متبتة الهمة. مشات جلست في السقيفة د الجناح ديالها، وعطت الأمر باش يفرقوا “المسمن والملوي والعسل الحر” على كاع الجواري والخدم اللي في الجناح، كـ “فرحة” مكتومة بمناسبة هاد الليلة.
في هاد الأثناء، وسط الكوزينة الكبيرة اللي كيموت فيها الفار على البصلة، كان عبيبوش القزم جالس فوق صندوق ديال اللوز، رجليه الصغار كيدلاو، وعينيه بحال الجمر كيدورو في الخدم. لقى الجواري والعبيد د لالة شريفة ناشطين، وكيفرقوا المسمن مدهون بالعسل والزهر عاطي من صوانيهم.
عبيبوش شم الهواء، وعوج فمه المستفز، ونزل بحال المش من فوق الصندوق. مشا كيتسلل بين الرجلين حتى وقف قدام السعدية اللي كانت هازة الصينية وطايرة بالفرحة.
عبيبوش (بصوت رقيق وفيه السقوطية والغمزة): “أرا ليا شي مسمنة بالعسل الحر يا السعدية! أش هاد الجود والكرم طاح عليكم هاد الصباح؟ واش لالة شريفة لقات شي كنز مدفون تحت السقيفة، ولا ‘السبع’ د القصر حن ورق؟”
السعدية (نترات عليه يدها ونفخات ودفعات صدرها لكبير بالفرحة، وبدات تستف في المسمن المدهون بالعسل الحر والزبدة بلدية في الصواني د النحاس، والريحة د ما ورد عاطية من كمامها.): “بعد مني يا هاد الممسوخ، وجهك مات فيه فال! لالة شريفة اليوم هي لالة العيالات د بصح. سيدي الشداد البارح هرس الصيام اللي دام ثلاث سنين، ودوز ليلته كاملة في مخدعها.. الغرس ثبت والحمد لله، وموت بغدايدك!”
عبيبوش تسمر، وعينيه صغاروا بحال اللوزة. عقله دار فيه الفلك! عارف بلي الشداد في نص الليل تسلل لعند شامة وخرج مع الفجر، حيت هو اللي كان حاضي الممرات!
عبيبوش (في نفسه بضحكة خبيثة): “أويلي على الشداد! دار ليلتين في ليلة وحدة؟ فرق الصيام عند لاللة شريفة وتصحر عند لاللة شامة؟؟!!
السعدية (هزات المغرف د العود وضربات بها الميدة بقوة حتى قفز عبيبوش): “سير تقعد يا هاد القزم الحراك! لالاتك شامة يالاه جات البارح، وباقة بريحة غبرة الطريق، وما تقارنش لالة العيالات، بنت الأصول والشان والتربية المخزنية. الشداد راه دار لصلته ومرتبته، وشريفة هي العمدة.. أما الفتنة د ليلتين راه كتسالي مع طلوع الشمس!”
عبيبوش (بضحكة فيها السخرية والنكاية):
الشداد..كيطير كيطير ويرجع لوكره الدافي. قولي لِلالاتك شريفة تغسل بالزهر وتفرح، ولكن لا تنسى بلي اللحم إلا طاب بزاف كيهرا، وكاين اللي عندها الساروت د القلب واخا تكون ناعسة وما سايقا خبار!”
دور عينيه خباثة وقرب ليها، وهمس بصوت مسموع للخدم اللي دايرين بيهم): “الشمس إلا طلعت كتفضح كولشي يا السعدية.. والشداد لبارح راه طاف على حواسه كولها! بدا بالواجب عندكم ولكن فاش غلبه الهيجان والشوق د بصح.. تفركعات العافية في جيهة أخرى! غدا يذوب الثلج ويبان المرج، وتعرفوا شكون اللي دوز ليلة د بصح، وشكون اللي دوز ليلة د رفع العتب!”
السعدية (وجهها حمار بالغضب وغوتات): “اخرج عليا من الكوزينة يا هاد العقرب! والله ولا حيدتي من قدامي لا دوزت فيك هاد الميدة د النحاس تولي حريرة”
هزات السعدية المغرف د العود وبغات تضربه، عبيبوش تنقز فوق واحد الميدة د النحاس بحال شي قرد هربان من السلسلة، وحط يديه على ركابيه، وبدأ يلوح في عينيه للخدم والعبيد اللي دايرين بيهم في الكوزينة ويضحك بجهد.
عبيبوش (بصوت مجهد حتى تسمع في الكوزينة كولها): “ياااا ناري على السعدية نفخات ريشها هاد الصباح! كوني تحشمي يا هاد الحرفة د المقالي، ويا هاد العباسة د الكياطن! دابا يالاه فاق سيدك الشداد بعد ثلاث سنين د الجفاف، وحسبتوها ليلة د الدخلة؟ تبارك الله وصلى على النبي، على زينكم ولا على فصالتكم!”
الخدم والعبيد اللي في الكوزينة ما قدروا يشدوا النفخة، طرطقوا كولهم بالضحك بجهد، شي كيزاحم شي باش يتفرج. السعدية وجها ولى كلو حممر، والدموع بغاو يخرجوا ليها من الغدايد والغضب.
السعدية (كتغوت وصوتها كيرعد): “الله ينعل اللي ما يحشم يا هاد المسخوط، يا هاد النص رطل! واش كتسبني أنا وكتسب لالة العيالات الشريفة بنت الأشراف؟ والله ولا شداتك يدي لا نتفت لك هادوك الزغيبات لي مرجلينك عليا”
عبيبوش (زاد في البسالة والتقشاب، وبدأ كيقاد في الحزام ديالو بحال لعيالات): “لالة العيالات؟ إيوا لالة العيالات باش امو بزازل أما فالشرع د الهوى، الشداد راه بدا عندكم غير كيقضي الدين والواجب، بحال شي واحد باغي يحيد عليه الصيام د الكفارة! وفاش بغى اللذة والشهد والزين الفاتن اللي كيطير العقل.. راه سلت وخلاكم ناعسين بحال الحوت الخانز، وطار لجناح لالة شامة! إيوا شفتي شكون هي مولاة الشأن؟”
العبيد عجبهم الحال وعجباتهم الفراجة تجمعو كيحضكو .اما عبيبوش (زاد كمل عليها )
سيري ياها د لخويدم رجليك كوحل برمة تقول هادي عام ماشافو الما ،، قلت سنين ونتوما فالكز وليوم صبحتو نضتو تفرقو المسمن بالعسل؟ ايوا ديرو بحساب ايام القطران لي جاياكم “
السعدية (ما بقاتش قادرة تستحمل، لحت الصينية د النحاس بالمسمن والعسل كولشي تشتت ف الأرض، وهزات واحد الكرسي د العود وطارت جيهته): “الله ينعلك وينعل اللي جابك لهاد القصر يا هاد الكلب د الزبالة! اليوم نقتلك ونتهنى منك!”
عبيبوش غير شاف الكرسي طاير، دار واحد الشقلبة في الهواء، ونزل الأرض كيجري بحال الفار بين رجلين العبيد اللي كيموتوا بالضحك وسادين الممرات.
السعدية (بابتسامة سمّية وفيها التشفي د العيالات): “قول لِلالاتك شامة الأميرة بنت السلاطين، تفرح وتغسل بالزهر وتلبس الذهب حتى تعيا، وتقول بلي الشداد سلت لعندها في نص الليل! ولكن لا تنسى بلي القصر د السلاطين كيبغي ‘الوريث’ وما كيبغيش العواقر! لالاتك شامة راه كولشي كيعرفها ‘بغلّة’ ما كتولدش! حوّاسة و كتمشي معاها في الليل حيت اللحم جديد، ولكن فاش كيطلع النهار وكيبغي ‘ولي العهد’ وسند العرش، كيرجع لِلالة العيالات شريفة، مولاة الغرس الثابت والرحم الطاهر الشريف اللي غيجيب ليه السبع الصغير اللي يحكم من وراه!”
الكلمة نزلت بحال الصاعقة وسط الكوزينة. الجواري سدوا فامهم بيهم مبهوطات، والعبيد بقاو كيشوفوا في الأرض. هادي ماشي غير معيرة عادية، هادي قتلة سياسية في القصر.
السعدية (زادت كملت عليه والنصر في عينيها): “شامة ديالك ، تفوت الأعوام وتذبال وتولي منسية في هاد السقائف! أما لالة شريفة راه ولدها هو اللي غيكون السلطان، وهي اللي غتبقى السيدة والآمرة الناهية حتى لموتها. يالاه طير دابا، وجري بالخف، وقول هاد الهضرة لِلالاتك شامة وخلي شعرها الذهبي ينفعها هاد الصباح!”
عبيبوش فاش سمع الكلمة د “العاقر” و**”البغلة”**، الدم طلع ليه لِالراس، وعينيه الصغار تفركعوا بالشرار. هو وخا مسخوط وباسل، ولكن ولاؤه لـ لالة شامة خط أحمر، والمعيرة د الرحم والولادة هي العافية اللي خلاته يخرج كاع السّم والغل اللي مخبي في داك الجسد الصغير.
وقف في عتبة الباب، وضار عند السعدية بحال شي أفعى مباغوتة، وحط يديه على فخاده، ونزل عليها بواحد الهضرة قاصحة وسمّية سكتات حتى النفَس د الجواري:
عبيبوش (بصوت مجهد، بحال الريح العاصف، وعينيه كيطير منهم الغضب): “سكتي… سدي داك الفم الخانز يا السعدية يا لخويدم دلحصاير تفو عليك وعلى هضرتك اللي خارجة من ريحة الغدايد والحسد! لالاتك شريفة ولدات وسالاو، وإيلا كان العقر راه في عقلك نتي وياها وفي لحم لاللاك البارد اللي جمد فيه الدم تلات سنين! أما لالة شامة راه النوارة د القصر، وباقي الرحم ديالها غيجيب السبع اللي غيزلزل هاد السقائف، وتولي أنتِ ولالاتك كتسناو العطف من يدها!”
السعدية بغات تنقز عليه، ولكن عبيبوش طلع فوق عتبة الباب باش يبان عالي، وزاد خرج السّم ديالو وقدام العبيد كولهم:
عبيبوش (وهو كيشير بصبعه الصغير جيهتها): “كتقولي بغلة وما كتولدش؟ إيوا اسمعي يا الحلفة دالماعون ! الشداد فاش كيبغي ‘الوليد’ راه كيقضي الواجب بحال اللي كيزرع الفدان فالظلام، ولكن فاش كيبغي ‘المرأة’ د بصح، اللي كتخليه ينسى عرشه وتاجه وسلطته، كيجري جاري لعند لالة شامة! شامتنا حنا واخا ما تولدش، راه حاكمة قلبه وعقله، والراجل إيلا تحكم قلبه، راه الساروت د العرش كولو كيطيح في الحجر! لالاتك شريفة جابت الولد وبقات ربع سنين كتشوف فالأرض وكتسنى النوبة بحال الجارية، ويالاه لبارح تصدق عليها بـ ‘ليلة د الرفع د العتب’ بحال ليلة الجمعة د اليتامى! شكون دابا اللي رخيصة فيهم أ السعدية؟”
العبيد والجواري سدوا فامهم بيديهم، وهاد المرة حتى واحد ما قدر يضحك. الكلام ولى فيه السّم ديال بصح والضرب في الأعراض د لِعلاقات في القصر.
عبيبوش (عوج فمه بواحد الضحكة سمّية وزاد كمل): “قولي لِلالاتك شريفة تفرح بالمسمن والعسل، وتغسل بالزهر والريحان، ولكن تفكر بلي الزهر كيبياض نهار واحد وكيطيح، والذهب د لالة شامة عمرو كيصدا! طحني هاد الهضرة فقلبك أ السعدية وموتي بحسرتك، واليام بيناتنا، غنشوفوا شكون اللي غتحكم وشكون اللي غتبقى تبكي فالسقيفة!”
السعدية (شعلات فيها العافية د بصح، وزرڤات عليه بالمغرف د العود بكل قوتها): “الله ينعلك وينعلها معاك يا هاد الكلب د السلوقية! خرّجوا عليا هاد المسخوط!”
عبيبوش حدر راسه بالخف، دازت المغرف فوق منه وضربات فالحيط حتى تفركعات. دار واحد الضحكة مستفزة ومجهدة: “ههههه! جتك قاصحة أ السعدية؟ اللحم طاب والعسل تمسخ!”، ونزل كيجري فالممرات بحال العاصفة، مخلي الكوزينة شاعلة فيها النار، والخدم كيتغامزوا بالعينين ، طار نيشان لجناح لالة شامة، وخا خرج السّم ف السعدية، ولكن الكلمة د “العقر” باقة كتدور ليه فراسه وعارفها غتزلزل لالة شامة إيلا سمعتها.
نترات السعدية شربيلها ف الأرض، وجمعات كمامها وهي كترعد بالغدد والحسرة، وخرجت من الكوزينة متبوعة بوجعها وغضبها، متوجهة نيشان لجناح لالة شريفة.
وراها، بقات الكوزينة الكبيرة غارقة في واحد الصمت رهيب، بحال إلى ضربها السكاط. العبيد والجواري بقاو واقفين في بلايصهم، هاداك اللي شاد الطنجرة جمدات يده، وهاديك اللي كانت كتغربل الدقيق بقات كتشوف فالأرض ومبهوظة. الكلام اللي تقال بين عبيبوش والسعدية ماشي غير معيرة، هادا تفركيع ديال أسرار المخدع الملكي وسيد الدار الشداد، وكلام بحال هذا في نضام القصر عقابه “قطع اللسان” بلا تخمام.
قرب واحد العبد سميته “مسعود” (راجل قديم في الخدمة، ظهره محني وشايف كولشي)، ومسح عرق جبهته بخرقة، وشاف في صاحبه “مبارك” اللي كان واقف حد الميدة د النحاس ومصعوق.
مسعود (بصوت خافت وكيرعد): “يا ربي تحضر السلامة وصافي.. واش سمعتي هاد المصيبة اللي تقالت دابا يا مبارك؟ هاد الكلام اللي خرج من فم عبيبوش والسعدية، إيلا وصل لودنين سيدي الشداد، والله لا صبحات فينا شي كسدة كاملة. هادو راه يقدروا يقطعوا ليهم اللسان، والحبس د المطامير غيولي مأوانا كولنا حيت كنا واقفين وكنسمعوا!”
مبارك (حرك راسه بالخوف وعينيه كيدوروا جيهة الباب): “والله يلا عندك الحق أ عمي مسعود.. هادشي راه فيه طيران الريوس! الشداد ما كيرحم في هيبته وفي حواسه. حنا غير عبيد وخدم ، إيلا تشبكات العافية بين لعيالات الفوق، حنا اللي كنكونوا الحطب ديالها ف القاع.”
في تلك اللحظة، نطق واحد الطباخ كبير وكساب د الأسرار في القصر، سميته “المعطي”، كان جالس ورا الكانون الكبير كيصاوب العطرية. دار عندهم بواحد الرزانة ديال الراجل اللي فاهم اللعبة مزيان، ونفخ النفس د الصبر وقا ليهم:
المعطي (بصوت رزين وفيها النغمة د الفاهم): “جمّعوا فامكم وتكمشوا، وماتخافوش على ريوسكم! هاد الكلام اللي سمعتوه اليوم، كون خرج من فمي ولا من فمكم، كون راه ريوسنا دابا كيتكركبو ف الصحن د القصر قبل ما يوصل الأذان د الظهر. ولكن اسمعوا وعاو.. عبيبوش والسعدية ما غيطيروش!”
مبارك (باستغراب): “وكيفاش أ عمي المعطي؟ وياك سبوا لعيالات الكبار وجبدو العقر والوصال؟”
المعطي (بابتسامة كتحلل التحالفات): “عبيبوش راه محصناه لالة شامة ! والشداد كيموت عليها، وإيلا ناضت فيه الموت، لالة شامة غتلقى ليه طريق وتفكو، وتدير ليه مخرج بحال ديما، حيت هو عينها اللي كتشوف بها ولسانها اللي كتضرب بيه وسط الخدم. أما السعدية، راه خويدم لالة شريفة.. وشريفة شكون وراها؟ راه من صف لالة البازية! ولا تنسى بلي لالة البازية إيلا وقفت وهزات يدها، قادرة تحمي السعدية وتحمي جناح شريفة كولو بقوتها ونفوذها في هاد الدار. لعيالات الفوق عندهم الحصانة والظهر، وحنا اللي خاصنا نسدوا فامنا بحال لقمبر، ونمسحوا هاد العسل والروينة من الأرض، وكأننا ما شفنا ما سمعنا!”
تنهد مسعود تنهيدة طويلة وقال: “الله يدير شي طريق د الخير.. لعيالات الكبار كيشعلوا العوافي، والظهر كيحمي الظهر، وحنا خاصنا غير نطلبوا السلامة.”
رجعوا العبيد للخدمة ديالهم بالخوف، وبداو كيمسحوا في العسل والمسمن اللي تشتت، وكل واحد فيهم كيدعي في سره تدوز هاد الأيام على خير، حيت العاصفة دابا ناضت بين شريفة وشامة، والمعركة الجاية غتكون حامية بزااف.
خرج عبيبوش من الكوزينة وهو كيزرب بمشيتو القصيرة، بحال شي مشٍّ شبعان سّم، وعينيه كيدوروا ف الممرات. ما مشاش للجناح د الفوق، حيت عارف لالة شامة ف هاد الوقيتة د الصباح، فاش كتكون الشمش باقة دافية وخفيفة، كالعادة كتمشي لـ “العرصة” (الحديقة الكبيرة د القصر) باش تسرح رجليها وسط الخضور والورد، وتهرب من الصهد كانت العرصة غارقة في ريحة التين والليمون، وصوت الما الساقي كيجري وسط الرخام بحال الموسيقى. وسط هاد الهدوء، كانت الأميرة شامة كتمشى بمهل بين شجار الرمان، ملوحة فوق كتافها قفطان خفيف د الحرير الذهبي، وشعرها مطلوق كيشعل مع خيوط الشمش. كانت كتسرح رجليها الصغار الحافيين فوق الحشيش البارد، وف وجهها ديك الابتسامة الدافئة
فجأة، تقطع هاد الهدوء بصوت خطوات خفيفة ومزرووبة. تلفتت شامة، بانت ليها الشاشية د عبيبوش كتلعب بين الغراس، وجاي كينهج ووجهه مقلوب، لا ضحكة لا تقشاب.
شامة (وقفت وعقدت حواجبها باستغراب): “مالك يا عبيبوش جاي كتجري بحال إلى تابعاك العلّة؟
وقف عبيبوش قدامها، حط يديه على حزامه وهو كينهج بجهد، وطلع هبط فيها العينين، وتنهد تنهيدة حامضة فيها السّم د الهضرة اللي سمعها ف الكوزينة.
عبيبوش (بصوت مخنوق)
وا لالة شامة.. وا نوارة هاد الدار والزين الفاتن اللي كيطير العقل! جيت وجاري، والقلب شاعلة فيه العافية من داكشي اللي سمعته ودوزته دابا عاد فالكشينة الكبيرة. ليتني ما دخلت وليتني ما سمعت!”
شامة قادت الكبيرة. ليتني ما دخلت وليتني ما سمعت!”
شامة قادت الجلسة ديالها على واحد الميدة د الرخام حد الساقية بين وصيفاتها ، وشافت فيه بشوفة قاصحة
“تكلم يا عبيبوش وبلاتي عليك، أش واقع فلكشينة؟ وأش دخل كوزينة الخدم لِعندي هنا؟”
عبيبوش (قرب لعندها وهمس والغضب ف عينيه): “القضية كبرات أ لالة.. مشيت نبركك ف جيهة السعدية خويدم لالة شريفة، لقيتهم ناشطين كيطيبوا ف المسمن والعسل ويفرحوا حيت الشداد هرس الصيام على شريفة ودوز معاها أول الليل بالهمة والشان. إيوا أنا ما سكتش، وعطيتها المرقد وقدام العبيد والخدم، وقلت ليها الشداد جاب ليكم غير الواجب أما الهيجان والشوق د بصح والأمارة الغالية راه خلاها ف مخدع لالة شامة!”
عبيبوش (هبط راسه وصوته ولى كيرعد بالسم والأسى): “ولكن السعدية كلبة مصعورة
ما سكتاتش أ لالة! فاش جتها الدقة قاصحة قدام العبيد، بكات من الغدايد وخرجت كاع السّم اللي ف قلب جناح شريفة.. وغوتات قدام كولشي بواحد الكلمة طيرت ليا البرج من راسي!”
شامة وقفت ف دقة، وعينيها صغاروا بحال اللوزة، والدم طلع ليها لِالوجه ، عبيبوش (بصوت خافت
“قالت.. قالت بلي لالة شامة تفرح بالزين والذهب والشعر الذهبي وتفرح بليلة نص الليل حتى تعيا.. ولكن قصر السلاطين ما كيبغيش العواقر! قالت بلي لالة شامة ‘بغلّة’ ما كتولدش، والشداد حواسه كتمشي معاها غير حيت اللحم جديد، ولكن فاش كيقلب على ‘ولي العهد’ وسند العرش كيرجع لِلالة شريفة مولاة الغرس الثابت والرحم الشريف اللي غيجيب ليه السبع الصغير اللي يحكم! وقالت بلي أنتِ غتبقاي غير لِالفراش والمتعة، وفاش تدوز الأعوام تذبالي وتولي منسية ف هاد السقايف!”
نزلت الكلمة على الأميرة شامة بحال الصاعقة وسط العرصة. الابتسامة الدافئة غبرت ف البلاصة، ووجهها البريء تلوى بالغيرة والنار كدات لداخل وبان لهيبها فعينها ، حطت يدها على صدرها وهي كتحس بقلبها تزير وضاقت فيه النفس.
تقطع هاد الهدوء والراحة اللي كانت حاسة بها لالة شريفة بدخلة السعدية. دخلات مرونة، وجهها كلو حمورية بالغدايد، شربيلها ف يدها وكمامها مخبلين، والدموع باقين ناشفين في عينيها من القهرة. حطات الصينية د النحاس المقلووبة بجهد فوق الميدة حتى تلوات السوارت.
شريفة (جمعت حواجبها بوقار واستغراب، وضارت عندها): “مالك يا السعدية؟ داخلة عليا بحال الرعدة وأش هاد الروينة في حوايجك؟ وياك عاد خرجتِ من عندي ضاحكة والنشاط عاطي ف الجناح والمسمن كيتفرق؟”
طاحت السعدية على ركابيها قدام المطرح د المليفة، وبدات تضرب على صدرها بالبكا والغصة مخنقاها.
السعدية (بصوت مبحوح ومحروق): “وا لالة شريفة.. وا لالة العيالات ومولاة الشأن والأصل! لو كان شفتِ أش دوزت وأش سمعت دابا عاد ف الكوزينة الكبيرة قدام العبيد والجواري.. لو كان طار ليك البرج من راسك! داك المسخوط د الخلا، عبيبوش القزم،ماخلاش لينا بالمعيار وخرج فينا سّمه كلو بلا حشمة بلا وقار، وصغّر بنا قدام كاع الخدم!”
شريفة قادت جلستها، وضهرها تسرح بحال السيف، وعينيها صغاروا بنظرة قاصحة مخزنية: “عبيبوش؟ وأش جاب داك القويزم لجناحنا، وأش قال حتى خلاك بهاد الحالة؟ تكلمي بالتدقيق وهدني راسك!”
السعدية (كتسير دموعها وتعاود بالغدايد والغل): “لقاني أ لالة ك نوزع العسل والمسمن وفرحانة ب ليلتك المسعودة مع سيدي الشداد، وهو ينقز بحال القرد المكروه فوق الميدة د النحاس قدام كولشي وبدأ كيعاير.. قال بلي الشداد دوز عندك غير ‘ليلة د رفع العتب’ وبحال اللي كيقضي دين ولا صيام كفارة ف الظلام باش يحيد عليه الواجب! وقال بلي لالة شريفة شرفات ولحمها جمد فيه الدم، والشداد فاش كيبغي اللذة والهيجان والشهد اللي كيطير العقل، راه سلت ف نص الليل ومشى لعند لالاته شامة الكلمة نزلت على لالة شريفة بحال موس ماضي قسم ليها قلبها على جوج. وجهها المورّد د الحمام رجع كيرعد، ويدها تيرت على الحرير د الدفينة المنصورية حتى بغى يتمزق في يدها.
“الشداد مشا ف نص الليل ومشى لعند شامة؟ يعني ديك الفرحة والنصر اللي حاست بهم هاد الصباح، كانوا غير “نص ليلة د الواجب ؟ الشداد قسّم الليلة؟ بدأ عندها بالرزانة وكمل عند لخرة بالهيجان؟
حست بواحد القهرة والذل كياكل عظامها قدام خويدمها، حصرت الغصة ف حلقها بجهد، وهزات راسها بالأنفة، وخا عينها غرقات بالغيرة القاتلة.
شريفة (بصوت قاصح ومزير كيرعد بالهيبة): “وأنتِ؟ أش درتِ يا السعدية؟ واش خليتِ داك النص رطل يضحك فينا العبيد ويخرج من الكوزينة السعدية (مسحات وجهها بكمها ووقفت بالنصر والغل): “والله لا لالة! عطيتو اللي يغص بيه هو ولا لاته! غوتت قدام العبيد كولهم وقلت ليه لالاتك شامة غتبقى غير لِالفراش والمتعة د الليل، وحواسه كتمشي معاها غير حيت اللحم جديد، ولكن قصر السلاطين كيبغي ‘الوريث’ وسند العرش.. وقلت ليه لالاتك شامة راه كولشي كيعرفها “بغلة” ما كتولدش وعاقر! أما لالة شريفة راه رحمها طاهر وشريف وهي اللي جابت السبع الصغير اللي غيحكم، وهي مولاة الشأن حتى لموتها!”
شريفة تنهدت واحد التنهيدة طويلة ومحروقة، وغمضت عينيها وهي كتجمع الشتات د قوتها. المعيرة د العقر هي الدقة القاضية لشامة، ولكن شريفة وعقلها المخزني الكبير عارفة بلي اللعب دابا ولى على المكشوف، وبلي عبيبوش دابا غيكون طار بهاد الهضرة لعند شامة ف العرصة، والعافية شعلات ف القصر كلو.
شريفة (وقفت، وجمعت وقارها وقالت بصوت قوي فيه الأمر): “درتِ مزيان أ السعدية.. العقر هو كسر الأميرات، والرحم العاقر عمرو يحكم قصر. نوضي جمعي راسك، ومسحي هاد الدموع وجمعي هاد الروينة. شامة دابا غتكون شعلات فيها العافية ..هاد الهضرة لي قلتي ماكانش عليك تقوليها فالحقيقة ، وعاقبتها خايبة ..الى حطاتك شامة فراسها موصيبة ..ونتي مالقيتي باش تردي عليه غير بالعقر؟
السعدية بتشفي:
بررردت قلبي ..خليتو مشا كيتركل عندها لقويزم لاخر
في الجناح العالي اللي كيشرف على القصر كلو، كان الجو هادئ وفيه الهيبة د السنين. كانت لالة اليازية جالسة فوق مطرح من المخمل المنقوش بالصقلي الزموري، شادة ف يدها سبحة د اليسر الكحل، وعينيها الثاقبين كيشوفوا ف الفراغ.. كتفكر ف مستقبل هاد الملك.
تقطع هاد الصمت بدخلة العريفة؛ امرأة رتيبة، مشيتها خفيفة بحال الحنش، وسوارت السقائف كيطقطقوا ف حزامها. دخلت وجهها فيه الخوف والزربة، وانحنات حتى قاست الأرض بيديها.
لالة اليازية (بلا ما تحرك سبحتها، وبصوت فيه الوقار والقوة): “خير يا العريفة؟ داخلة بلا وقتك، ورجليك كيتخبلوا ف الشربيل.. أشمن خبار صبحنا عليها هاد الصباح؟”
العريفة (قربات بزاف وطاحت على ركابيها، وصوتها كيرعد): “الشرار تفركع ف الكوزينة الكبيرة أ لالة اليازية، والعافية دابا غتوصل لِالسقايف
العالية! السعدية خويدم لالة شريفة، وعبيبوش قزم لالة شامة، نتفوا بعضياتهم بالمعيار والسبان قدام العبيد والخدم كولهم.. والكلام اللي تقال يطير الريوس!”
اليازية وقفت السبحة ف يدها، وشافت فيها بشوفة حدة: “عبيبوش والسعدية؟ هادو غير خدم.. أش جابهم لِالريوس والسياسة؟ تكلمي نيشان وبلا زواق!”
العريفة (كتنهج): “السر د مخدع السلطان تكسر أ لالة! عبيبوش غوت قدام كولشي وقال بلي سيدي الشداد البارح، وخا هرس الصيام ودخل عند لالة شريفة، راه دوز معها غير”رفع العتبة” وف نص الليل خرج وجرى لعند لالة شامة.. ف مخدعها
تبدلات الملامح د لالة اليازية، وعينيها صغاروا بالجهد، والسبحة تزيرت ف يدها حتى بغاو الحبات يتفركعوا. هي عارفة بلي شامة خطر، ولكن أن الشداد يقسم الليلة ويمشي ف نص الليل بسباب الشوق، هادي علامة بلي شامة تملكات قلبه كليا
طلقت لالة اليازية السبحة من يدها، ووقفت بكامل هيبتها وطولها، وجرت حواجبها ف غضب
“ايوا راه ماكدباتش عليها السعدية ..ماقالت غير الحق لي خصو يتقال ولي ماقدر حتى واحد يقولو، شامة بلا ‘ولد’ كيف الخيمة بلا وتد ، كتبقى غير متعة عابرة ف الليل. ولكن الشداد إيلا بقى متبوع بهاد الهيجان، يقدر يكتب ليها نص الملك! نوضي يا العريفة.. خاصها تعرف بلي قصر السلاطين كيحكموه صحاب الغرس الثابت، ماشي صحاب الشعر الذهبي!”
في قلب العرصة، وسط ريحة الليمون والرمان وصوت الساقية اللي كيجري فوق الرخام، تبدلات الخضورة لِـسّم كياكل ف الجوافر.
كانت الأميرة شامة باقة واقفا حد شجرة الرمان، الدفينة د الحرير الذهبي مطلوقة عليها، وشعرها الأشقر اللي كان كيشع مع الشمش د الصباح ولى بحال الطوق المخنق على عنقها. الكلمة د السعدية اللي جابها عبيبوش تفركعات ف ودنيها بحال الرعد: “بغلّة ما كتولدش.. عاقر!”
“دموع التيجان..
بنت خماسية ، يالاه بدات كتفتح بحال النوارة ف هاد الدنيا، عاد شافت راسها البارح ملكة فوق الفراش وأميرة بنت سلاطين، واليوم لقات راسها مدفونة تحت هاد الكلمة القاصحة. حطات يدها على كرشها، وبدات كتشوف ف الفراغ وعينيها غرقوا بالدموع اللي حرقوا وجهها البريء.
طاحت فوق الكلسة د الرخام، وركابيها ما بقاوش هازينها. الغيرة والذل والسم تخلطوا ف صدرها الصغير، وبدات كتشهد وتزير على قفطانها حتى بغا الحرير يتمزق ف يدها وهي كتسنى رحمها يثمر، لقات راسها اليوم مدفونة تحت هاد الكلمة القاصحة قدام الخدم.
طارت لعندها الدادا رقية، ووجها مقلوب بالحزن والغيرة على بنتها اللي رباتها على يديها. طاحت على ركابيها تحت رجليين شامة، وجرتها لعندها، وجمعتها ف حضنها الحنين وهي كتمسح ليها على شعرها الذهبي وكتصبر فيها.
الدادا رقية (بصوت حنين ومحروق، والدموع ف عينيها):
“وا نوارة ديالي.. وا لالة شامة يا بنت السلاطين، هدني راسك وبردي قلبك، الله ينعل هاد القصر وينعل الخدم اللي فيه! هادشي كلو غير السّم د الغدايد والحسد حيت سيدي الشداد خلاهم بايتين ف الجفاف، وجا لعند الزين والرضى د لالة شامة يروي عطشه ، »
عبيبوش كان واقف في الجنب، حاني راسه الأرض، وساقط ليه التقشاب والضحك د الصباح، حاس بلي الدقة اللي جابها من المطبخ قاصت الأميرة دياله ف العظم.
جرت الدادا رقية وجه شامة بيديها بجوج، وشافت ف عينيها، وقالت ليها بصوت قوي، فيه الحرقة “اسمعي ليا أ لالة شامة، وهزي هاد الراس الفوق! أنتِ عاد غزال الخماسي، وعاد نوارة كتفتح.. السنين اللي دازت كنتِ فيها باقة صغيرة طرية، والرحم دابا عاد واجد للغرس. شريفة واليازية والسعدية ديرتهم شعلات فيهم العافية حيت الشداد البارح قسم الليلة، وبدا بالواجب عند شريفة، وكمل الشوق عندك أنتِ! هاد المعيرة د العقر راه قالوها حيت خافوا من ليلت البارح، وبغاو يهرسوا هادالنفخة د الأميرات!”
الكلمة د عبيبوش ما كانتش غير معيرة عقر.. كانت خنجر ماضي ذبح ليها ديك الطمأنينة اللي عاشت فيها ثلاث سنين. شامة صغاروا عينيها، ويديها طاحوا مرخيين على جنبها، ووجها رجع شاحب بحال ورقة الخريف. ورجع عقلها حبس ف هاد الجملة: “الشداد هرس الصيام على لالة شريفة ودوز معاها أول الليل!”
شامة (بصوت خافت، بحال لِهمس، وعينيها كيدوروا ف الفراغ):
دخل لِمخدع شريفة!? »
حست شامة بـ واحد الرعدة باردة قطعات ليها النفس. من نهار تزوجها الشداد قطع النساء وحرّم الفراش على أي امرأة من غيرها، وخلّا القصر كلو يعرف بلي شامة هي الساكنة ف القلب والعقل. ثلاث سنين وهي عايشة ف أمان، حاسبة راسها الزين الوحيد والشهد اللي ما يذوقو حد غيرها. واليوم؟ اليوم ف دقة واحدة، تهرس هاد الأمان. حست بلي ديك السُلطة اللي كانت عندها ف القصر ذابت، وبلي كاين امرأة أخرى دابا ف هاد الصباح عاد غسلات من ريحة الشداد!
حطت يدها على صدرها اللي بدأ كيتزير بـ غيرة حامرة وعافية شاعلة، غيرة لأول مرة كيذوقها قلبها الإحساس د “المشاركة” ف الراجل، وأن الشداد خرج من جناح شريفة عاد جا لعندها ف نص الليل، رجع ليها بحال الإهانة. حسات بلي جاب ليها غير “الشياطة” د الليلة، وخا عبيبوش قال ليها غلبه الهيجان وجا لعندك.
الدادا رقية (بصوت محروق وكتمسح ليها على شعرها):
“وا نوارة ديالي.. وا لالة شامة، هدني راسك وصبري قلبك! الشداد راه راجل وسلطان، ونتي الغزالة عارفة السلطان كيكون عندو النسا ما حلل ليه الله وعاد ماملكت ايمانو ..ماشي جديد راك بنت السلطان وكلشي دازعلى عينيك ، واخا هكاك الشداد ما قدرش يصبر على فراقك، ف نص خلاها وجا جاري لعند الزين والرضى دياله!”
شامة (كتغوت بالغصة والدموع حارقينها):
“أشمن زين وأشمن رضا يا الدادا؟! ثلاث سنين وهو مقاطعهم على ودي! ثلاث سنين وأنا لالة العيالات ف قلبه وبوحدي ف فراشه! دابا صبحت شريكة مع شريفة؟ دخل عندها وقاس لحمها ودوز معاها الليل وعاد جاني ف نص الليل كيطوف على حواسه؟ يعني أنا صبحت غير لِالمتعة د الليل والضحك، وهي مولاة الشأن اللي هرس على قبلها الصيام؟ هادشي علاش عايروني فالمطبخ بالعقر؟ حيت عرفوا بلي الراجل رجع لِمراته وصاحبة ولده، وبلي أنا غنبقى غير خيمة بلا وتد!”
جرت الدادا رقية وجه شامة بيديها بجوج، وشافت ف عينيها اللي شاعلة فيهم نار الغيرة الأولى، وقالت ليها بصوت قوي ومخزني:
الدادا رقية:
الشداد البارح مشى عند شريفة بالواجب والسياسة د العرش، حيت ضغطوا عليه، ولكن فاش غلبه الشوق د بصح ومابقاش قادر يتنفس، راه جا لعندك أنتِ! ل ليلت البارح بينات بلي شريفة عندها الورق، ولكن أنتِ اللي عندك الروح والعقل د السلطان. امسحي هاد الدموع، هاد ‘العزيلة اللي ف عروقها دم السلاطين ما كتبكيش على راجل، كترجعه لِعندها بزز منه!”
مسحات شامة دموعها بجهد بظَهر يدها، وف وسط داك الوجع د الغيرة الأولى، تجمعت واحد الشوفة قاصحة وسمّية ف عينيها. وقفت بمهل، وجمعت الدفينة د الحرير الذهبي على كتافها، وضهرها تسرح بحال السيف، والغيرة تحولات لِـطاقة د الانتقام
ثلاث سنين..قلات سنين وهوا كيحلف بلي قاطع العيالات على ودي، واليوم بان ليه يرجع لِالفراش القديم ويجيني ف نص الليل يقضي بيا الغرض ، انا نستاهل ..انا لي وصلتهم ليه وضحيت براسي وغير تحمعو تخت سقف واحد رجع ليها ..رجع ونسا شامة”
نترات شامة راسها، وجمعات الدفينة د الحرير الذهبي على كتافها بواحد النترة قاصحة، وضهرها تسرح بحال السيف اللي عاد خرج من الغمد ديالو. دموعها كرموا على خدودها وبقات غير ديك الشوفة الباردة المسمومة. زادت قدامهم ومشيتها كتقطع الرخام د العرصة، ووراها الدادا رقية حانية الراس بالهم والتدبير، وعبيبوش تابعهم بحال الظل، شاشيته طايحة وعينيه حاقدين.
في نفس اللحظة، كان الصحن الكبير د القصر غارق ف واحد الصمت غريب. الجواري والعبيد واقفين ف السقائف بحال الأصنام، كولشي ساق الخبار بالروينة د الكوزينة، وكولشي كيتسنى العاصفة فين غتصب.
من الجيهة الفوقانية، خرجت لالة شريفة من جناحها بكامل الهمة والمخزن؛ لابسة المنصورية البيضاء بالصقلي، وريحة الريحان والزهر عاطية منها، وف يدها شادة ولدها الصغير “ولي العهد” محزم ب حزام د الحرير، وحداها السعدية غادة وكتنفخ بريشها بحال الدجاجة المنتوفة. ويالاه حطت شريفة رجلها ف الدروج د الرخام، وهي تبان ليها لالة اليازية نازلة بثقلها وسوارتها وسبحتها الكحلة، جاية باش تدير الظهر لِبنتها وتحمي جناح شريفة من سّم شامة.
وف هاد الدقيقة نيت، خرجت شامة من الباب د العرصة وجات وسط الصحن!
وقفوا الرجلين ف دقة واحدة وسط الصحن د القصر.
تلاقات الشوفة د شامة والحقد والدموع باقين أثرهم ف وجهها) مع الشوفة د شريفة (اللي خارجة بالبياض والنصر د ليلة البارح وولدها ف يدها). الجو ولى بحال السهام وحتى واحد ف الخدم ما قدر يتنفس.
شريفة قادت الشدة على راسها وابتسمت واحد الابتسامة خفيفة فيها التشفي والوقار د لِعيالات الكبار، وشافت ف شامة من الفوق لتحت، وكأنها كتقول ليها: “شفتي شكون هي مولاة الشأن؟”. والسعدية وراها دارت عينها ف عين عبيبوش وخرجات فيه فمها بالشماتة.
أما لالة اليازية، وقفت وسط الدروج، وحطت يدها على السور د الرخام، ونزلات على شامة بواحد الشوفة ثقيلة، قاصحة، ديال المرأة اللي كتحكم العرش من الظل، شوفة كتقول بلي قصر السلاطين كيحكموه صحاب “الغرس الثابت” والرحم اللي كيجيب لِملوك، ماشي صحاب الشعر الذهبي والزين العابر.
وقفوا الرجلين ف دقة واحدة وسط الصحن د الرخام. الصمت اللي نزل ولى أثقل من حجر السقايف. العبيد والجواري حانين الريوس، ولكن عينيهم كيسرقوا الشوفات.
كانت لالة شريفة واقفة ف قمة الدروج، شادة ف يدها ولدها الصغير، والمنصورية البيضاء عاطية الهيبة د الحمام، ووراها السعدية كتشوف ف عبيبوش بشماتة وتشفى. ومن الجيهة الأخرى، كانت لالة اليازية واقفة بثقلها ، كتشوف ف شامة الشوفة د السبع اللي كيتسنى فريسته.
أما شامة، فكانت واقفة وسط الصحن بحال نوارة د الذهب وسط حيط د الثلج. دموعها كرموا على خدودها، ولكن عينيها بردو والحقد اللي تملّكها على الشداد هاد الصباح، رد ليها النفس د الملوك لِعروقها.
حركت لالة اليازية حبات سبحتها الكحلة، وخطات خطوة لِلقدام فوق الرخام، وهرسات داك الصمت بصوت رزين، دافئ وقاصح ف نفس الوقت، صوت كيعرف قياس الهضرة المخزنية:
لالة اليازية: “صباح الخير أ لالة شامة.. سبحان من يغير ولا يتغير. العرصة هاد الصباح بان ليا الورد ديالها باهت، وخا الشمش دافية.
شريفة ابتسمت ابتسامة خفيفة وضمات ولدها لِصدرها كتر، والسعدية تنهدات بـ قلة حياء جيهة الخدم.
شامة ما تلواتش، وما غوتاتش بحال لِعزيلة د ستاشر لِعام. جمعت كمام دفينتها الذهبية بوقار، وهزات راسها الفوق حتى بان عنقها الطويل، وشافت ف اليازية نيشان، وعاد ضارت لِجيهة شريفة بواحد الشوفة باردة كتقطر بالسم وقالت:
شامة (بصوت هادئ، رزين، وكيرعد بالأنفة): “صباح الخير أ لالة اليازية.. العرصة وردها باقي ف أمانه، والبرد د الليل حنا مولعينه وكيعرف مخدعنا مزيان. غير هو البارح بان ليا بلي السقايف العالية ناض فيها الصداع، وحتاجت ‘الواجب د الصيام الكفارة’ باش يهدن الحيوط. تبارك الله على لالة شريفة وعلى قفطانها الأبيض.. فرحت ليها فاش شفتها عاد صبحات ، وصبحات كتوزع العسل فلكشينة ، وخا العسل إيلا بقى محطوط ف السقايف بلا أماليه.. دغيا كيتجمع عليه النمل.”
الكلمة نزلت بحال الموس ف الصحن! شامة ضربات شريفة ف كبريائها قدام اليازية والخدم: أنتِ ليلتك كانت غير ليلة د رفع العتب والواجب، والراجل دغيا سلت وخلاك بحال العسل المنسي.
تبدلات الملامح د لالة شريفة ف البلاصة، والصفاء د الحمام غبر من وجهها، ويدها تزيرت على كتف ولدها الصغير حتى بدا الدري كيتلمض. أما لالة اليازية، فـ جرت حواجبها بـ غضب كبير؛ ما حسابهاش بلي هاد “الخماسية العاد عشرات” غترد بهاد القساوة وهاد المنطق المخزني المر. قربات من السعدية حتى رجعات هاد الاخيرة اللور وعترات .شافت فيها شامة من راسها لرجليها وزادت خطوة لِلقدام، وعطتهم بالظهر بوقار الأميرات، وقالت لِلدادا رقية وعبيبوش): “زِيدوا قدامي أ الدادا.. الجو ف الصحن ولى خانز بريحة العسل القديم، وبغيت نمشي لِمخدعي نرتاح.”
زادت شامة ومشيتها كتقطع الرخام، ووراها الدادا رقية وعبيبوش مخرجين عينيهم ف السعدية اللي تلبكات ومبقاتش عارفة فين تخبي وجهها. خلاتهم شامة واقفين ف الدروج بحال الأصنام، وشعلات العافية ف قلب شريفة واليازية، حيت عرفوا بلي شامة د البارح ماتت، واليوم تولدات امرأة جديدة غتحرق القصر على قبل الشداد اللي غدر بها.
في الجناح السلطاني بقرطبة، وسط السواري والرخام الأندلسي، كان الجو مشحون.الخليفة الشداد واقف قدام ميدة طويلة، وشاد بيده ريشة وحبر، وعينيه غارقين ف خريطة د الجلد عاد مرسومة لِـموقع “شالّة”. حداه واقف “المعلم ابن الراضي”، والمهندسين د الأندلس كولهم حانين الرؤوس.
الشداد (ضرب على الخريطة بصبعه بجهد): “شالّة هي ساس الملك الجاي أ ابن الراضي! بغيتها تكون معسكر حربي محصن منيع ف العدوة الأخرى، وهاد الخريطة اللّي رسمتو ليا، ساسها ضعيف والأبراج دياولها دغيا يطيحوا إيلا ضربهم ريح البحر د بورقراق. واش وحلتوا ف التأسيس ديالها وأنا عاد باغي نتحرك تما؟”
المعلم ابن الراضي (حنى راسه بالخوف): “يا سيدي السلطان، أرض شالّة صعيبة، عيون الما فيها كثار والتربة غدارة، وإيلا حطينا السور الحربي تما بلا حساب دقيق، غيتهدم الساس قبل ما يكمل البني. هاد المعسكر كيحتاج حكمة د هندسة الحصون اللّي كتوازن بين قوة السور ورطوبة الأرض، وحنا وحلنا ف التخطيط ديالها هنا ف قرطبة.”
تنهد الشداد، وحط الريشة من يده. ف هاد الهم كولو، ما تفكر غير شامة اللّي كاينة معاه ف الجناح د الحريم تفكر شحال من مرة جلست حداه وهضرات ليه على هندسة الحصون الرومانية القديمة وكيفاش كيتثبت الساس ف الأرض الرطبة. جبد خاتم العقيق دياله وعطاه لِالمهندس.
الشداد: “خد هاد الخاتم أ ابن الراضي، وحلق لجناح لالاك شامة ف حريم. قول ليها معسكر شالّة اللّي باغي نأسسوه وحلنا ف ساسه قبل ما نبداوه.. جيب ليا الحل والمشورة من عندها بالخف.”
فالقبة لكبيرة فالقصر البعيدة على مخادع النسا والامات ،، كان المعلم ابن الراضي واقف ورا الحجاب الثقيل، شاد الخرايط د الجلد ف يده وكيرعد، وعينيه الأرض بالوقار والخوف. حدا الباب العود المنقوش، كانوا واقفين العبيد د الحريم (الخصيان) اللّي مولفين بالخدمة وتوصيل كلام السلطان.
تقدم كبير العبيد، هز خاتم العقيق د سيدي الشداد فوق صينية د الفضة، ودق دقات خفيفة موزونة على باب مخدع لالة شامة.
خرج عبيبوش شاف الخاتم، ورجع جاري علم لالاته بلي الشداد صيفط رئيس البناية والخرايط د شالّة ومحتاج المشورة ف ساس المعسكر الجديد.
ما كذباتش شامة الخبار. ناضت بوقار الملوك، جرات اللثام د الحرير الأبيض على وجهها حتى ما بقاو يبانوا منها غير عينيها الزرقين اللّي شاعلة فيهم نار الغيرة والحقد، ولابسة الدفينة د الحرير الذهبي. خرجت للديوان وتمشات بخطوات ثابتة حتى وقفت ورا الحجاب الثقيل اللّي كيفصلها على المعلم ابن الراضي. الدادا رقية وعبيبوش واقفين وراها بحال الظل.
انحنى المعلم ابن الراضي حتى قرب يمس الرخام فاش شاف خيالها ورا الحجاب، وقال بصوت حاني كلو هيبة:
المعلم ابن الراضي: “السلام على لالة الأميرة شامة، ومولاة العقل والشأن. سيدي الشداد صيفطني ليك بخاتمه وقصده من ديوان قرطبة. معسكر شالّة اللّي ناوي يأسس ساسه ف العدوة الأخرى، وحلوا المهندسين ف التخطيط دياله، والتربة تما غدارة بالما. السلطان قال بلي حكمة التأسيس وهندسة الحصون عندك أنتِ بوحدك، وهادا رجاء منه باش يكمل حلم هاد المعسكر.”
شامة زيرات بيدها على الحرير د اللثام، وتفكرت غصتها د الصباح فاش ساق الخبار بلي الشداد رجع لِالفراش القديم د شريفة ونساها من بعد ثلاث سنين د الوفاء والعهد. شافت ف الخيال د المهندس من ورا الحجاب، ونطقات بصوت هادئ، رزين، وكله وقار مخزني مسموم:
شامة: “أ المعلم ابن الراضي.. بلغ سلامي لسيدي الشداد، وقول ليه معسكر شالّة اللّي باغي يأسس ساسه ف العدوة، يولي يصيفط الخرايط دياله لجناح لالة شريفة؛ تما فين كاين ‘الغرس الثابت’ والحل لي يرضيه .. لي ماقدرش يأسس ولد للعرش ف ثلاث سنين، ما عنده ما يدير بـ تأسيس معسكر شالّة ولا بني الأسوار ديالو.”
المعلم ابن الراضي جمد الدم ف عروقه فاش سمع هاد الهضرة الملقمة، ونطق بالخوف:
المعلم ابن الراضي: “ولكن أ لالة الأميرة.. هادا مشروع السلطان الكبير وأمن الملك كلو، وحنا ف حدود الشغل والاستشارة..”
شامة (قطعات عليه بـ نبرة قاصحة وفيها هيبة الأميرات): “حنا ف حدود الاحترام أ ابن الراضي، وكلامي تسالى والخريطة د شالّة د اليوم مسدودة. وقل لِسيدك الشداد: اللّي كيهدم ساس الأمان اللّي بينه وبين نَاسه، عمره يبني ساس ف شي معسكر ف العدوة. خذ خاتمك وزِد بسلام.”
دارت شامة وعطاته بالظهر بكامل الوقار، ورجعات لمخدعها، واللثام باقين فيه دموع الغيظ الصامت. أما المعلم ابن الراضي، ف جمع الخرايط دياله وهو كيرعد، وعارف بلي هاد الجواب إيلا وصل للشداد ف ديوان الحكم.. غيزلزل قرطبة كولها.
رجع المعلم ابن الراضي لِديوان الحكم، ووجهه عاد رجعت ليه شوية د الروح من بعد ما شرب غصته ف الطريق. دخل وحط الخرايط د الجلد فوق ميدة الخليفة لي مزال جالس واصابعه داخلة فلحيتو كيهندس مع المهندسين والمستشارين والجو مشحون ، حنى الن الراضي راسو الشايب والعمامة عليه بوقار تام وهو عينيه الأرض.هز الخليفة عينيه فيه وقال بصوت جوهري.
“إيوا أ ابن الراضي؟ واش شافت لالة شامة الخريطة د شالّة؟ أش قالت ف الساس د المعسكر الجديد، وأشمن حيلة عطاتك للأرض الرطبة؟”
ابن الراضي بلع ريقه بمهل، وتفكر كلام شامة المسموم ولثامها الأبيض وعينيها اللّي كيقظروا بالحقد.. وعارف بلي إيلا نطق بكلمة واحدة على “الرحم العاقر والخيمة بلا وتد”، الشداد غيهز السيف ويقلب العرصة على شامة ويهجرها لِالأبد.
حط ابن الراضي يده على صدره وقال بصوت رزين وفيه اللباقة د لِعلاقات القدام:
المعلم ابن الراضي: “يا سيدي السلطان، دخلت للديوان ووصلت الأمانة والخاتم كفما أمرتِ. ولكن لالة الأميرة شامة، لقيتها هاد الصباح مريضة، طايحة ف الفراش ، وما قدراتش حتى تخرج للقا ولا تقرا الخريطة. طلبت مني نحط الخرايط والرجاء د سيدي السلطان حتى يبرا راسها وتجمع قوتها، وتشوف الحيلة د الساس بمهل.”
الشداد جمع حواجبه بشك، وشاف ف الخاتم د العقيق اللّي رجعه ليه المهندس. عقل السلطان بدأ كيدي ويجيب، وحس بلي كاين “إنّ” ف الموضوع، ولكن الوقار د ابن الراضي خلاه يبلع الطعم.
الشداد (تنهد وحط الخاتم ف جيبه): “مريضة؟ إيوا الله يجيب الشفاء لِلالة شامة. حط الخرايط تما أ ابن الراضي، واليوم كولشي يحبس ف الشغل د شالّة حتى تصح الاميرة “
نترات شامة راسها وخرجت من ديوان الحريم وهي شاعلة، وجهها ملثم بالحرير الأبيض وعينيها كيطير منهم شرار الحقد والغيظ.
عند العتبة د الباب الكبيرة، كان عبيبوش واقف على اعصابو، شاشيته مايلة على ودنه، وغير شاف لالاته خرجت بهاد المشية القاصحة اللّي كتقطع الرخام، بدأ كينقز وراها بحال الفروج، تابع خطوتها ف السقيفة الخالية وهو كيهمس بالخوف:
عبيبوش: “وا لالة شامة.. وا لالة العيالات! أش وقع ف الديوان؟ واش عاودتي ليه الحيلة د الساس د شالّة؟ واش فكيتي الوحلة د السلطان؟”
وقفت شامة ف دقة واحدة وسط السقيفة، وتلفتت جيهته، وهبطت اللثام على وجهها بجهد، وقالت بصوت مسموم وقاصح بحال السهام
شامة: “قلت ليه يدي خرايطه لِجناح شريفة، تما فين كاين ‘الغرس الثابت’ اللّي غيحمي ليه الحصون. وقلت ليه اللّي كيهدم ساس الأمان اللّي بينه وبين نَاسه، عمره يبني ساس ف شي معسكر.. والخريطة د شالّة د اليوم مسدودة!”
جمد الما ف الركابي د عبيبوش ف البلاصة. طاحت ليه الشاشية من راسه الأرض، وفمه تبقج بالصدمة، ويديه جاو على حلاقمو بحال اللّي غيغوت وما خرجش ليه الصوت. حس بـ ركابيه فشلوا وما بقاوش هازينه، وعقله طار فاش سمع هاد الكلام اللّي كيطير الرقابي.
كملت شامة طريقها، ودخلت لِمخدعها منفخة، وجمعت الدفينة د الحرير على كتافها وطاحت فوق المطرح وهي كتنهد بالسم.
في الجناح، كانت الدادا رقية واقفة كتسناها، يدها على صدرها بالهم، وغير شافت الدخلة د بنتها وعبيبوش اللّي داخل وراها وجهه صفر بحال لِميت وركابيه كيتداقوا، قفزت وقالت بالخوف:
الدادا رقية: “مالكم؟ يا فتاح يا عليم.. أش وقع ف الديوان أ لالة شامة؟”
عبيبوش (بصوت كيرعد، وجلس فوق الأرض ما بقاش قادر يوقف): “هادا نهار اللخر أ الدادا رقية! هادا نهار اللخر اللّي واصل علينا كولنا.. لالة شامة اليوم سدت الخريطة ف وجه السلطان، وصيفطت ليه الكلام المُر مع رايس البنايا ، شهقت الدادا رقية، وضربت بيديها بجوج على صدرها، وشافت ف شامة بشوفة كولها رعب ووقار مخزني:
الدادا رقية (بصوت مخنوق بالخوف): “أويلي على بنتي.. أش هاد لِفعايل؟ واش طار ليك البرج من راسك أ لالة شامة؟ واش نسيتي شكون هو شداد؟
شامة (هزات راسها بالأنفة والحقد باق ف صوتها): “هو اللّي نسى العهد يا الدادا! ثلاث سنين وهو كيحلف بلي مقاطع العيالات على ودي، واليوم رجع لِلفراش القديم ويجيني ف نص الليل يقضي بيا الغرض! أنا اللّي ضحيت براسي وغير تجمعوا تحت سقف واحد رجع ليها ونسا شامة.. والله لا عاونته ف معسكره وخا يوقع اللّي يوقع!”
تقدمت الدادا رقية جارتها بجهد من يديها، وجلست حداها، وشافت ف عينيها بواحد الهيبة ثقيلة، هيبة لِعيالات اللّي كيعرفوا المخزن وأسراره، وبدات كتشرح ليها بلسان ثقيل كيزن لِالعقل:
الدادا رقية: “اسمعي ليا أ لالة شامة، وهزي هاد الكلام وديريه حلقة ف ودنيك قبل ما يفوت الفوت! الشداد راه وخا يكون كيموت على زينك، وخا يدوز معاك الليل كله ف الهيجان والشوق.. راه نهار كيطلع الصبح ويلبس الفرجية ويهز السيف، كيولي هو السلطان! والسلطان ف هاد الدار راه خط أحمر ما كيتخطاه حد. الملوك إيلا غضبوا، راه ما كيعرفوا لا حب لا زين لا عهد؛ بكلمة واحدة منه يرجع هاد العز كلو ذل، ويقلب عليك السقايف، ويهجرك هجرة يذبل فيها زينك وتبكي فيها عينك ويشيب فيها شعرك تولي فيها عبرة لِاليسوا واللّي ما يسواش!”
تحرك عبيبوش من الأرض، وزحف حتى قرب لِعند رجليهم، وعينيه مغرورقين بالدموع د الخوف، وقال بصوت كيرعد:
عبيبوش: “كلام الدادا هو اللّي كاين أ لالة شامة.. الرعية كولها كتعرف بلي السلطان بحال العافية؛ إيلا قربتي منها كثر من القياس كتحرقك. أنتِ دابا بكلامك هادا اللّي خرج ف لَحْظة غضب، راه ما جرحتيهش غير ف قلبه، أنتِ وقفتي ف وجه ملكه وأمن المعسكر دياله قدام البراني! ابن الراضي إيلا وصل هاد الهضرة للشداد، راه غيجيب علينا بلاوي خايبة اللّي ما نخرجوا منها لا حنا لا أنتِ.. هيبته كسلطان قدام رجاله راه فوق كولشي، وإيلا تمست.. كيطيروا الروس!”
هنا شامة، وسط هاد الكلام الثقيل د الدادا وعبيبوش، بدات ديك الرعدة د الحقد كتبرد شوية، وحست بلي الكلمة اللّي نطق بها لسانها ف الغيظ كانت أثقل من قياسها، وبلي ساس الأمان اللّي اتهدم، يقدر يطيح السقف فوق راسها هي الأولى.
خرج المعلم ابن الراضي من القاعة الكبيرة د ديوان الحكم بعد ما لَم الخرايط دياله، وخطوته غادة وكتخفاف كلما بعد على المجلس غير حط رجله ف السقيفة الخارجية العالية اللّي ك تطل على جنان قرطبة، حتى لحق عليه المستشار أبو بكر (من كبار المدبرين د ديوان السلطان)، راجل بثقله ووقاره وعمامته الكبيرة، تمشى حداه بمهل وهز عينه فيه وسول بصوت خافت وموزون:
المستشار أبو بكر: “أ المعلم ابن الراضي.. شفتك خارج ووجهك راجعة ليه الروح، والشداد خلّاك تحط الخرايط د شالّة وتنصرف بسلام. واش بصح للالة شامة مريضة ف الفراش كفما قلتي للسلطان؟ ولا القضية فيها تدبير أخر وزايدون.. واش هاد الأميرة الصغيرة بصح ف يدها ما تقول ف ساس المعسكر؟ ولا سيدي الشداد غلبه العشق وبغى يدير ليها الشأن ف الشغل د الملك؟”
وقف ابن الراضي ف البلاصة، وتلفت جيهة المستشار، وتأكد بلي السقيفة خالية وما كاين ورا السواري حتى شي عين ك تسرق الشوفات. حط يده على لحيته الشايبة، ونطق بصوت فيه الوقار والتنبيه القاصح:
المعلم ابن الراضي: “اسمع ليا السي أبو بكر، وهز هاد الكلام ودبره مزيان ف عقلك. لالة شامة راه ماشي غير امرأة الخليفة هاديك راه أميرة عباسّية، صلبها من صلب الناس اللّي بنَاو بغداد وهندسوا الدُّور والسواقي والحصون فاش كان العالم كلو عايش ف الظلام. هادي بنت القصر اللّي تجمعات فيه الحكمة والعلوم، وعاشت بين الكُتب والعلماء، وخدات من علم الهندسة والعبار ما يكفيها ويشيط، وما يصعاب علينا حنا هنا ف الأندلس يالاه نوصلوا ليه!”
صغاروا عينين المستشار بالدهشة، وابن الراضي كمل كلامه بنبرة ثقيلة ومحسوبة:
المعلم ابن الراضي: “أنا اللّي كنعرف قياس الحجر والتربة، كنقول ليك بلي ساس معسكر شالّة اللّي وحلنا فيه، الساروت دياله كاين ف عقل هاد العباسية بوحدها. وما يغركش الصمت ديالها هاد الصباح غير تنوض من فراشها ويجمع السلطان معاها الشور، غيبان ليكم كولكم واش ف يدها ما تقول، وغيشوفوا مهندسين الأندلس بلي علم بغداد ف هندسة الحرب ما ك توقفه لا أرض رطبة ولا بحار غدارة. احترموا مقام العباسية أ أبا بكر، راه عقلها اللّي غيبني معسكر الشداد.”
انحنى المستشار أبو بكر براسه، وحس بالثقل د الكلام، وعجبه التدبير د ابن الراضي اللّي غطى على العاصفة ودبّر الأمان للقصر. وكملا طريقهم بمهل وسط السقيفة، كبر ف عينيهم، ف الوقت اللّي كانت هي ف مخدعها كتغلي بالحقد والندم على الكلمة اللّي خرجات ف لحظة غضب.
حلّ ظلام الليل على قرطبة، وهدأت الحركة في ممرات القصر الفسيح. بعد يوم طويل وشاق انقضى كله في المشور والتدبير السياسي، فرغ الخليفة ، من صلاة العشاء في مخدعه الخاص، طلباً للراحة وتخففاً من ثقل الهيبة الرسمية ولباس الملك.
في هذه الأثناء، تقدمت لالة اليازية بخطواتها الثقتية الموزونة، بينما سبحتها الآبنوسية لا تغادر يدها. قرعت الباب قرعاً خفيفاً ودخلت جناح السلطان، فهي الوحيدة التي تملك حق الدخول بلا نضام في مثل هذا الوقت من الليل. وما إن فتحت الباب الخشبي الثقيل، حتى وجدته غارقاً في سكينة غريبة، تنبعث في أرجائه رائحة العود القماري الذكية والمسك النقي من مباهر النحاس العتيقة.
كان الخليفة قد سلم لتوّه من صلاته فوق سجادة من الحرير التبريزي المنقوش. نهض بتمهل وهو يذكر الله، فبدت قامته المديدة بكامل وساطتها الفاتنة وهيبته الطاغية التي تخطف الألباب. كان الشداد في تلك الليلة قد وضع عنه ثياب الحرب الثقيلة وعمامة المشور الرسمية، وارتدى لباس العشاء الفضفاض الذي يلتجئ إليه طلباً للراحة. كان يرتدي سروالاً فضفاضاً من الكتان الفاسي الخالص، ناصع البياض كالثلج، وقد غُزل وحُدّد بعناية، ينسدل عليه بوقار لافت. وفوقه، ارتدى “فوقانياً” من الكتان الرقيق المريح، فُصّل بفصالة مخزنية أصيلة، وتزين بـ “العقاد” المغزولة من خيوط الصقلي الحر الممتدة من العنق حتى منتصف الصدر.
تمتعت قصة هذا الثوب باتساع عند العنق، فكشفت عن صدره العريض وبشرته السمراء القمحية كان شعره الأسود الفاحم مطلوقاً، مسرحاً بعناية يلامس اذنيه ولحيته السوداء المخطوطة بوقار تضفي عليه هيبة الملوك الحازمين ورونق الشباب في آن واحد. أما ملامح وجهه، فكانت حادة رجولية؛ أنف مستقيم دقيق، وعينان كحيلتان تشعان بنظرة غامضة تجمع بين القسوة والدفء، وهي النظرة ذاتها التي تجعل حريم القصر يترقبن خطوته ويبتغين رضاه.
وقف الشداد وظهره مستقيم كالسيف الصارم، ورغم تحلله من الثياب الرسمية، إلا أن هيبته السلطانية ظلت تملأ الأرجاء. التفت نحو لالة اليازية، ورسم على شفتيه ابتسامة خفيفة تليق بمقامها ووقارها، ثم رفع يده مرحباً بكبيرة الدار:
الشداد (بصوت رخيم ذي نبرة ملكية دافئة): “مرحباً بـ لالة اليازية.. لقد أشرقت هذه السقائف بقدومكِ ليلاً كما أشرقت صباحاً. دخلتِ وقد فرغت لتوّي من مناجاة ربي.. فهل من تدبير جليل حملكِ إليّ في هذه الساعة وقفت لالة اليازية وتأملت هذا السبع الذي ربته بيديها وصنعت رجولته حتى غدا سلطاناً تهتز الأرض لسطوته. راقها هدوءه ووسامته في ثوب عشته البهيج، لكن أصابعها أدارت حبات سبحتها بتمهل، وعيناها الثقيلتان حملتا في طياتهما أسراراً لا تشبه هذا السكون الذي يلتف به الجناح.
أدارت لالة اليازية حبات سبحتها الأبنوسية، وخطت خطوات وئيدة فوق الرخام الأندلسي البارد، ثم تنهدت تنهيدة ثقيلة حملت وقار السنين والدهاء، وقالت بصوت هادئ رخيم يقطر لباقة ومكراً سياسياً:
لالة اليازية: “أصلح الله حالك يا مولاي، وثبّت أركان عرشك. ما دفعني إليك في هذه الساعة إلا مصلحة هذا البيت الكبير وسكينته. لتعلم يا سيدي أن هيبة العرش تبدأ من انضباط السقائف العالية، وما جرى صباحاً في الصحن أخلّ بهذا الوقار. لالة شامة، غفر الله لها، ما زالت تطيش بنزق الصبا، وقد واجهتْ لالة شريفة بكلام لا يليق بمقام الزوجة الأولى ومثيلة العرش أمام الخدم والجواري. إن عزة النفس مطلوبة، لكن التطاول على الأصول قد يفسد التدبير الذي نسعى إليه.”
استمع الشداد إليها بإنصات، لكن ملامحه المرتاحة بدأت تقسو شيئاً فشيئاً. لم يغير جلسته، بل بقيت قامته المديدة مستقيمة كالسيف، وصغرت عيناه الكحيلتان بنظرة حادة جمدت الكلمات في فم اليازية.
الشداد بصوت رخيم لاكن صارم”أمر الحريم موكول إليكِ لتضبطيه بالسياسة والوقار دون أن يصل رذاذه إلى ديواني. أما خوضي في سوق النساء وفيمن أصابت ومن أخطأت، فهذا ما لا أرتضيه لنفسي ما جئتِ لأجله هو شأن داخلي، وأنا أعرف كيف أزن بيتي حين يشتد الأمر. انصرفي بسلام، ودعي السكينة تعود لهذ السقائف كما أعهدها.”
انحنت لالة اليازية برأسها، ورغم حنكتها السياسية، إلا أنها شعرت بمهابة الرد وصمته القاتل. أدركت أن الشداد خط أحمر، وأنه برغم لباس العشاء الفضفاض وهدوئه، ما زال الأسد الذي لا يمكن ترويضه أو إقحامه في معارك الضرائر. انسحبت لِوراء بوقار تام وصمت بليغ، تاركة السلطان في مخدعه
انسحبت لالة اليازية بوقارها وصمتها، وأُغلق الباب الخشبي الثقيل خلفها، ليعود الجناح إلى سكينته الأولى. بقي الخليفة واقفاً في مكان الصلاة، تداعبه النسمات الأندلسية الباردة التي كانت تدخل عبر النوافذ المقوسة، وتتحرك معها أطراف ثوبه الكتاني الواسع.
تنفس الصعداء، وفي تلك اللحظة بالذات من الرخاء والهدوء، بعد أن أزاح عن كاهله لغط السياسة والمشاحنات، لم يجد عقله مفرّاً من الطيران صوبها.. صوب شامة.
شعر باشتياق جارف يغزو صدره؛ اشتياق لا يشبه رغبته في التدبير أو فرض السطوة، بل شوق لـ “عزيلته العباسية” التي يجد بين يديها راحته الحقيقية. تذكر ملامحها الطفولية الممزوجة بكبرياء السلاطين، وشعرها الذهبي الذي ينساب كخيوط التبر تحت ضوء الشموع، وصوتها الرخيم وهي كتنشد ليه تذكر كيف قضى معها ثلاث سنوات كاملة، كان مخدعها هو واحته الوحيدة التي ينسى عند عتبتها أنه سلطان يحمل هموم الثغور والمعسكرات، ويصير فيها مجرد رجل عاشق متيّم.
نظر الشداد إلى خاتم العقيق الذي أعاده إليه المعلم ابن الراضي، وابتسم ابتسامة دافئة تحمل الكثير من الوجد. لقد أدرك الآن، وبكل يقين، أن غيابها هاد الصباح وادعاءها المرض، وامتناعها عن إعطائه مشورة معسكر شالّة، لم يكن إلا زفرة غيرة حارقة كبرياء الأميرة جُرح بسببه. لم يغضب منها؛ بل زادته “انفتها وكبريائها تعلقاً بها. فالشداد لا تبهره النساء الخاضعات، بل تملكه تلك التي تملك عقلاً كعقل شامة، وتجرؤ على إغلاق بابها في وجه السلطان حين يوجعها قلبها.
لم يعد قادراً على الانتظار حتى الصباح، وداعبت خياله صورة عينيها اللامعتين المكحلتين بالعتاب. حرك خطواته بمهل، مصلحاً ياقة ثوبه الواسع عند العنق، وعزم على التوجه نحو جناحها دافعاً بالشوق أمامه، ليريها أن الخليفة اللّي هز أركان المشور، يأتيها الليلة طائعاً لِحبها.
في تلك الأثناء، كانت لالة شامة في جناحها المنيف تستعد للنوم بعد يوم عصيب أحرقت فيه الغيرة أنفاسها. كانت الأجواء في مخدعها هادئة، لا يقطع سكونها إلا حفيف الحرير ووشوشة الدادا رقية التي كانت تعينها على تبديل ثيابها بمهل ورفق.
بدت شامة في تلك اللحظة في أوج جاذبيتها وأنوثتها الفاتنة؛ كانت ترتدي “منصورية” من الحرير الرقيق الناعم، انسدلت على قوامها الممشوق لتبرز دلالها، وقد تميزت بقصة مخزنية جريئة مفتوحة من الجانبين، تكشف عن ساقيها بوضوح، في حين يبرز ثوبها الحريري الشفاف تفاصيل قوامها ومفاتنها الداخلية بنعومة لافتة، متناغماً مع فتحة الصدر الواسعة التي أظهرت بياض بشرتها وعنقها الطويل الذي يفيض دلالاً وغنجاً. وكان شعرها الذهبي منساباً على كتفيها كشلال من نور، يتماوج مع حركتها الونية.
وفجأة، وبلا استئذان، فُتح الباب الخشبي الكبير ببطء ووقار، ليتجلى عند العتبة بكامل طوله ومهابته.
تجمدت الحركة في الغرفة، وانسحبت الدادا رقية في الحين بخطوات خفيفة مطأطئة الرأس، تاركة المكان لملكه. وقف الخليفة مبهوتاً عند مدخل الجناح، متأملاً هذا المشهد الآسر الذي خطف أنفاسه، وبدت وسامته الطاغية جلية تحت الضوء الخافت؛ ملامحه الرجولية الحادة وعيناه الكحيلتان الغامضتان اللتان التمعت فيهما نظرة عميقة ومبهمة، مزيج من الشوق الجارف، والرغبة الحارقة، والعتاب الصامت.
بقي الشداد واقفاً بلباس عشائه الكتاني الفضفاض، يرسل نظراته الآسرة نحو “عزيلته”، بينما وقفت شامة في مكانها ثابتة، تحاول مداراة ارتباكها ووجع كبريائها بأنفة مصطنعة، تاركة العيون تتحدث قبل السن، في مواجهة ليلية حبست أنفاس السقائف العالية.
تجمدت الحركة في الغرفة، وانسحبت الدادا رقية في الحين بخطوات خفيفة مطأطئة الرأس، تاركة المكان لملكه. وقف الخليفة مبهوتاً عند مدخل الجناح، متأملاً هذا المشهد الآسر الذي خطف أنفاسه، وبدت وسامته الطاغية جلية تحت الضوء الخافت؛ ملامحه الرجولية الحادة وعيناه الكحيلتان الغامضتان اللتان التمعت فيهما نظرة عميقة ومبهمة، مزيج من الشوق الجارف، والرغبة الحارقة، والعتاب الصامت.
بقي الشداد واقفاً بلباس عشائه الكتاني الفضفاض، يرسل نظراته الآسرة نحو “عزيلته”، بينما وقفت شامة في مكانها ثابتة، تحاول مداراة ارتباكها ووجع كبريائها بأنفة مصطنعة، تاركة العيون تتحدث قبل السن، في مواجهة ليلية حبست أنفاس السقائف العالية.
جمدت النظرات بينهما فصارت الأنفاس أثقل من حجر الحصون. كانت شامة تقف بكامل كبريائها العباسي المجروح، جسدها الملتف بالحرير الشفاف يرتجف برعشة خفيفة امتزج فيها الخوف من سطوته بالشوق الخفي إليه، بينما عيناها الفثروزيتان تحدقان في عينيه بعتاب لاهب.
أغلق الشداد الباب وراءه ببطء شديد، دون أن يشيح بنظراته الغامضة عنها. خطى خطوات وئيدة فوق الرخام، وحفيف ثوبه الكتاني الفضفاض يملأ الصمت المريب. كل خطوة من قامته المديدة كانت تطبع هيبة السلطان في المكان، لكن ملامحه الحادة بدأت تلين أمام هذا السحر المنشور أمامه.
وقف على بعد خطوتين منها، ففاحت ريحة عطره النقي وعوده القماري لتمتزج برائحة بخور مخدعها. تأمل الفتحة الواسعة لمنصوريتها الحريرية التي تكشف عن دلالها وأنوثتها الطاغية، ونظر إلى ساقيها وستر صدرها الذي يعلو ويهبط بجرأة حائرة، فابتسم ابتسامة خفيفة، دافئة، تحمل دهاء الملوك وعشق الرجال.
الشداد (بصوت رخيم خافت، يتردد صداه كالهسهسة في أذنها):
“ادعت لالة شامة المرض الصباح، ورفضت مشورة السلطان في أمن معسكره.. لكنني أرى في مخدعها الليلة أميرة بكامل عافيتها وسحرها، كأنها تستعد لمعركة من نوع آخر.”
حاولت شامة أن تشيح بوجهها وتشد أطراف الحرير حول فخذيها بأنفة وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها قاسية وهي تقطر غيظاً:
“سيدي السلطان لا يحتاج مشورة من خيمة بلا وتد.. ألم يجد في جناح لالة شريفة ‘الغرس الثابت’ والحصن الحصين؟ ما جئت تفعل في مخدع امرأة عاقر بعد أن تركت فراش الأولى؟”
لم يغضب الشداد من لسانها المسموم، بل خطى الخطوة الأخيرة حتى تلاحمت الأنفاس. رفع كفه العريضة ووضع أصابعه برفق تحت ذقنها، رافعاً وجهها وعينيها لتلتقي بعينيه الكحيلتين اللتين غرقتا في الشوق.
الشداد (بهمس حارق حازم):
“أما لغَط الصحن فقد داسته قدمي وأنا آتٍ إليكِ، وأما شؤون الملك فالسلطان أدرى بحدودها. لكن الشداد اللذي يقف يقف امامك الان ، ما ساقه إليكِ في هذه الساعة إلا الشوق لـ ‘عزيلته البغدادية’. ثلاث سنوات وأنتِ تسكنين هذا الوجدان”
لم تنحنِ شامة برأسها، بل بقيت عيناها شاخصتين في عينيه، ورغم دفء لمسته تحت ذقنها، إلا أن ذكرى ليلته السابقة جرت في عروقها كمجرى السم. زفرت زفرة حارقة، وبدت فتحة منصوريتها الحريرية تعلو ويهبط معها صدرها بنقمة وعزة عباسية لا تلين.
أرخى الشداد يده عن ذقنها بتمهل، ولم تزده أنفتها إلا تعلقاً بها، فالسلطان الذي تقبل الرعية أعتابه، يستهويه هذا التمرد الصادر من امرأته الأثيره. تراجع نصف خطوة، وضهرُه مستقيم في ثوبه الكتاني الفضفاض، ثم نظر إليها بنظرة جمعت بين وقار الزوج وحزم الحاكم، وقال بصوت رخيم وهادئ:
الشداد: “اسمعيِ جلياً يا لالة شامة، ودعي عنكِ طيش الصبا ونزق الحريم. لتعلمي أن شريفة هي زوجتي الأولى، وامرأتي على سنة الله ورسوله، ولها عليّ حق شرعي وواجب لا يملك الشداد، وهو سلطان يحكم بالعدل، أن يجور فيه أو يقطعه. إن عودتي إلى فراشها ليلة واحدة لم تكن غدراً بعهدكِ، بل هي ميزان البيت الذي يستقيم به أمر هذا القصر.”
لامست كلماته الحازمة كبرياءها، فأرادت أن تقاطعه بنبرة لاهبة، لكنه رفع كفه العريضة مانعاً إياها بوقار أخرس لسانها، وتابع وعيناه الكحيلتان تقطران عتاباً دافئاً:
الشداد: “لقد منحتكِ من الوجدان والشأن ما لم ينله أحد في هذا الحريم، وجعلتُ مخدعكِ واحة لسرّي ومستودعاً لخرايط ملكي، فكيف يضيق صدركِ العباسي بـ حقٍّ شرعي فرضته الأصول؟ إن السلطان لا يُحاسب في ديوانه، والزوج لا يُقاطع في فراشه بسبَبِ أداء الواجب. شريفة زوجتي ولها حقها، وأنتِ لالة شامة.. سكنُ روحي وعقلُ ملكي، فلا تخلطي بين ميزان الشرع وميزان الهوى.”
ساد الصمت أرجاء المخدع، وبقيت رنين كلماته يتردد بين الجدران المزخرفة. شعرت شامة بـ ثقل المنطق المخزني والشرعي في كلامه، وتذكرت تحذير الدادا رقية وعبيبوش من مغبة التطاول على خطوط السلطان الحمراء. تلاقت عيناهما من جديد، وعرفت أن الشداد برغم عشقه الجارف لها ولباس عشائه المرخي، قد وضع أمامها الليلة حد السيف الذي يفصل بين عاطفة المرأة وحزم الرجال.
ردت عليه شامة بلسانها الفيروزي مستعينة بحروفه هو:
تنحت شامة جانباً، وخطت خطوات وئيدة أبعدتها عن حصار يديه، والتفتت إليه بكامل جسدها الملتف بالمنصورية الحريرية، بينما نسائم مخدعها تحرك أطراف ثوبها الشفاف لتكشف عن أنوثة عاصفة تضج بالدلال والكبرياء. رفعت رأسها الشامخ، وثبتت عينيها الفيروزيتين في عينيه الكحيلتين بنظرة لاهبة أحيت عهود الماضي، وقالت بصوت رخيم يحمل نبرة العتاب الممزوج بالتهكم:
شامة: “الواجب وحق الشرع؟ عجبًا لك يا سيدي كيف تتبدل كلمات الملوك وتتغير العهود وراء السقائف العالية! أتراني نسيتُ، أم تراك أنت الذي طوى النسيان أسطر ديوانه القديم؟”
صغرت عينا الشداد وهو يتابع حركتها الآسرة، وكمام ثوبه الكتاني الفضفاض مرتخية، بينما تابعت شامة هجومها العباسي الواثق:
شامة: “يوم جئتُ إلى إمارتك ديةً وثمناً لدم أخيك، ويوم أرسلتُ إليك ‘مفتاح كرامتي’ وتركتُ لك شرف الاختيار.. ألم تجلس في سكون ليلك وتمسك ريشة النعام وتخط لي بيدك رداً تقرأه السقائف؟ ألم تكتب لي بمدادك المتقن: ‘لن أدخل عليكِ غاصباً، ولن أطلب منكِ ودّاً لم ينشرح له صدركِ، ولا طاعةً لم يأمر بها عقلكِ.. وسأحترم فيك تلك الأنفة حتى يقضي الله في القلوب ما هو قاضٍ’؟”
دنت منه خطوة واحدة، فظهر بياض عنقها الطويل وسحر قوامها تحت ضوء الشموع، وتابعت ونبرتها تقطر وجعاً مسموماً:
شامة: “لقد دخلتُ بيتك آمنة بعهدك يا ابن نعمان، وحفظتُ ودي وعقلي وخرايط ملكك لثلاث سنوات، انشرح فيها صدري لك، وسلمتك نفسي طائعة مختارة بعد أن قضى الله في قلبي ما قضى وأصبحتُ لك وحدك.. واليوم، تذهب لتبيت ليلتك في الفراش القديم وتعود إليّ في نص الليل لتطلب طاعة الواجب وبنود الشرع؟”
ثبتت أصبعها الناعم جيهة صدره العريض المستتر وراء الكتان الرقيق، وعيناها الفيروزيتين تلمعان بالدموع والأنفة:
شامة: “أنا لم آتِ لقصرك لأزاحم ابنة عمك على مقامها، بل جئت لأنك أقسمت أن تحترم أنفتي. فإذا كان سلطان قرطبة يرى في عودته لشريفة ميزاناً يستقيم به بيته، فإن أميرة بغداد لا تقبل بأنصاف القلوب، ولا ترضى بأن تكون سَكناً للمتعة حين يفر الخليفة من ثقل عهوده القديمة! عهدك القديم يا سيدي كان ساس الأمان.. واليوم، أنت من هدم هذا الساس.”
ساد صمت رهيب في المخدع، واهتزت ستائر الحرير بلفحة هواء دافئة. وقف الشداد مبهوتاً، ووسامته الحادة جمدت أمام قذائف مذكراتها؛ فقد حاصرته العباسية الفيروزية بكلماته وميثاقه، وأثبتت له أن عقلها لا ينسى الحروف كما لا ينسى خرايط الحصون، تاركة الخليفة في مواجهة أصعب معاركه وسط هذا الجناح الفاتن.
كانت دقيقة وذكية جداً؛ هي لم تذكر حبّه القديم لابنة عمه شريفة حمايةً لكبريائها أمام، ولأنها تعلم في أعماقها أن الشداد صار ملكاً لها وحدها طوال السنوات الثلاث الماضية. هي حاصرته فقط بـ “ميثاق العهد والكرامة” الذي قطعه على نفسه بأن لا يطأ مخدعها إلا بطوعها ورضاها.
ساد الصمت لثوانٍ بدت أطول من ليل الحصون، وظلت كلمات الرسالة القديمة تهتز في الفضاء كأنها مداد طري لم يجف بعد. نظر الشداد إليها، وتأمل عينيها الفيروزيتين اللتين يختلط في أرجائهما الدمع بالكبرياء، وراقب اهتزاز صدرها خلف الحرير الشفاف، فبدت له في تلك اللحظة أبعد ما تكون عنه، وأقرب ما تكون إلى سويداء قلبه.
لم يتكلم، ولم تظهر على ملامحه الرجولية الحادة أي علامة من علامات الغضب السلطاني. بل على العكس، ارتخت أساريره، وتراجع ذلك الجبروت المخزني ليحل محله هدوء مريب وساكن. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، وئيدة، تحاكي مشية الصياد الذي يعرف قياس خطوته. كان حفيف ثوبه الكتاني الفضفاض يبعث في المخدع نوعاً من السكينة الطاحنة، حتى ظنت شامة أن كلماتِها قد قيدت حركته وألجمت سطوته، فهدأت روعتها قليلاً، وظنت أنها ملكت زمام الموقف.
لكن، ما إن صار بينهما شبر واحد، وتلاقت الأنفاس الدافئة، حتى انقشع ذلك الهدوء في دقة عين.
بلا مقدمات، وبحركة خاطفة تضج برغبة جنونية عاصفة، امتدت كفاه العريضتان كالبرق؛ فقبض على خصرها النحيل بكل ما أوتي من قوة ضعفه وجبروت عشقه، وجذبها إليه بعنف عاشق، جارف، أطاح بكل حصونها العباسية في لمح البصر. تلاحم جسدها الملتف بالمنصورية الحريرية بصدره العريض المستتر وراء الكتان الرقيق، حتى شعرت بدقات قلبه المتسارعة كالطبول في ساحة معركة.
قفز الخوف في عينيها الفيروزيتين، واتسعتا بدهشة وذعر أثارا غريزة التمرد والأنوثة فيها، وحاولت أن تدفعه بيديها الصغيرتين عن صدره، لكن قبضة الشداد كانت أقوى من الحجر؛ طوّقها بذراعيه كالسياج، ودفن أصابعه في خصلات شعرها الذهبي المنساب خلف ظهرها، عاصراً جسدها الغض إليه برغبة كادت تكسر أضلاعها، مفرغاً في هاته الضمة كل حرمان الليلة الماضية وثقل النهار الطويل.
انحنى برأسه حتى صار ثغرُه عند مسامعها، ونطق بصوت مبحوح، لاهب، يتدفق بالصدق والوجد الذي لا يعرف المواربة:
الشداد: “كل كلمة خطها بنانكِ الليلة.. لكِ فيها الحق يا شامة. نعم، خططتُ تلك الرسالة بيدي يوم جئتِ إليّ ديةً لحقن الدماء، ويومها، لم أكن أرى فيكِ سوى ميثاق دول وعبرة من عبر السياسة.. لكن الله، الذي يقلب القلوب كيف يشاء، قد أحدث في قلبي وقلبكِ شيئاً لم يكن في الحسبان! كلشي تبدل يا ابنة السلطان.. كلشي تبدل!”
تنهد تنهيدة حارقة لفحت عنقها وبياض صدرها، ثم رفع رأسه قليلاً ليثبت نظراته الكحيلة الغامضة في عمق فيروز عينيها اللتين غمرتهما الحيرة، وتابع وعيناه تتأملان شفتيها المرتجفتين:
الشداد: “لقد جئتِ بـ ‘مفتاح كرامتكِ’ فصارت كرامتكِ هي تاجي، وسلّمتِني شرف الاختيار فاخترتكِ على العالم بأسره. ثلاث سنوات وأنا لا أعرف لي سَكناً ولا وطناً إلا هاته العينين الفيروزيتين اللتين تملكان من أمري ما لا يملكه ديوان الحكم. أفي خضم هذا الوجد كله، تظنين أن ليلة واحدة قضاها الواجب والعهد القديم قد تنسيني من أكون بين يديكِ؟”
أرخى قبضته العنيفة شيئاً فشيئاً، لتتحول اللمسة القاسية إلى مداعبة حانية تداعب انحناءات جسدها، وهبط بثغره يقبّل جبينها الشامخ، ثم نزل إلى وجنتها بنعومة، وهمس:
الشداد: “أنا السلطان في المشور وفي معسكر شالّة، أما هنا.. فليس لكِ إلا رجل غلبه عشقكِ، وأسرته أنفتكِ العباسية. لا تدفعيني عنكِ بالكلمات القديمة، فالحاضر يقول إنني ما عدتُ أملك من أمري وراء عتبة مخدعكِ شيئاً.”
أمام هذا الإعصار من الرغبة والاعتراف الصادق الجريء، شعرت شامة بـ كل حقدها يتبخر كأنه لم يكن؛ فـ رغبة الشداد العنيفة وعشقه الذي كاد يخلع فؤادها ثبتا لها أنها ليست مجرد امرأة في طابور الواجب، بل هي الحرب والسلام في حياة هذا الأسد القرطبي. انحسر التمرد من عينيها، واستسلمت لـ دفء صدره، تاركة الحرير والكلمات والماضي يذوبون تحت وطأة ليلة غلبت فيها عاطفة الملوك كل موازين السياسة.
جمعت شامة بقايا قوتها وعزتها العباسية، ورغم خدر الشوق الذي سرى في جسدها من أثر ضمته العنيفة، إلا أن غصّة مشاركة الرجل الذي ملك وجدانها أيقظت فيها أنفة السلاطين.
رفعت كفيها الصغيرتين ووضعتهما فوق صدره العريض المستتر وراء الكتان الرقيق، ودفعته عنها بجهد ونترة حازمة جعلت الشداد يتراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه الكحيلتان تشتعلان بالدهشة وعلامات الاستفهام.
لملمت أطراف منصوريتها الحريرية المفتوحة المحيطة بجسدها، وحجبت مفاتنها المنسكبة بـانفة وكبرياء وشموخ، ثم رفعت رأسها الشامخ وثبتت عينيها الفيروزيتين في عمق نظراته الغامضة. كانت الدموع قد تجمعت في محجريها كآلئ ترفض السقوط، ونطقت بصوت رخيم، متهدج، لكنه قاطع كحد السيف:
شامة: “لا يُكلف الله نفساً إلا وُسعها يا ابن نعمان!.. وأنا، نفسُ الأميرة العباسية في صدري، لم يعد في وُسعها وطاقتها أن تتحمل هذا التدبير. لقد صنتُ عهدك لثلاث سنوات، وسلمتك قلباً لم يشرك بك أحداً، لكنني اليوم واجهتُ نفسي وعرفتُ حدود طاقتي.. أنا لا أقدر يا سيدي، لا أقدر أن أشاركك مع غيري!”
أشاحت بوجهها عنه جيهة النافذة المقوسة لكي لا يغلبها سحر وسامته، وتابعت بنبرة تقطر عزة ووجعاً:
شامة: “إن كان الشرع والواجب قد منحك الحق في العدل بين الفراش والفراش، فإن كبريائي لم يُخلق ليُقسم إلى نصفين. كيف لي أن أستقبل في مخدعي رجلاً أعلم أنه بالأمس كان يطبع قُبلاته على جسد امرأة أخرى؟ وكيف لعقلي الذي يستنبط علوم الحصون أن يطمئن لرجل يوزع أنفاسه بالحقوق والواجبات؟”
التفتت إليه من جديد، وتلاقت عيناهما في مواجهة لاهبة، وقالت والأنفة تفيض من كل ملامحها:
شامة: “أنت لم تخطئ في حق واجبك، لكنك أخطأت حين ظننت أن شامة ترضى بأن تكون جزءاً من حريمك، حتى وإن كنت تراني مالكة وجدانك. اذهب إلى ميزان بيتك الذي يستقيم، ودعني في مخدعي آمنة بـ ‘رسالتك القديمة’.. فلن أكون لك طائعة ما دام في القصر فراش آخر ينتظر خطوتك.”
ساد صمت أثقل من الجبال في أرجاء المخدع، ووقفت العباسية الفيروزية كالحصن المنيع الذي يأبى الاستسلام، تاركة الشداد في مواجهة حقيقة قاسية؛ وهي أن حب شامة الجارف له، صار هو نفسه السيف الذي يقطع حبال وصالهما بسبب نيران الغيرة العباسية.
أرخى الشداد يديه بجانبه، وظل واقفاً بقامته المديدة يتأملها بنظرات غامضة، عميقة، امتصت كل كبريائها المنسكب في أرجاء المخدع. لم يغضب، ولم يتراجع، بل إن نبرة الصدق والوجع في صوتها الفيروزي أيقظت فيه هيبة الحاكم الذي يرى في تمردها هذا قمة الولاء لشخصه لا لعرشه.
خطى نحوها بمهل، حتى كاد يلامس طرف منصوريتها الحريرية، ونطق بصوت منخفض، رخيم، يقطر وقاراً سلطانياً ودهاءً سياسياً:
الشداد: “الملوك يا لالة شامة.. لا يفرطون في ساس حصونهم، ولا يملكون حق التنازل عن أقدارهم. أنتِ تقولين ‘لا يكلف الله نفساً إلا وسعها’، وأنا سلطانٌ وُضعت على عاتقه أوزار أمة، وحُكم عليه أن يزن مملكته بميزان الدم والنسب والواجب قبل ميزان الهوى.”
ثبت نظراته الكحيلة الحادة في عينيها الفيروزيتين، وتابع بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال:
الشداد: “أما شريفة، فهي ابنة عمي وعِرضي وام ابني ، . وأما أنتِ..فأنت رح الشداد وقلبه روح هذا العرش وعقله، واليد التي أهندس بها معسكراتي وثغوري. لستِ جزءاً من حريم يا شامة، ولن تكوني يوماً امرأة في طابور؛ فالسلطان إذا انقسمت رعيته في الأرض، لا ينقسم قلبه في السقائف. انت حبي وعشقي..وانت مستقبلي “
امتدت يده السمراء العريضة ببطء شديد، ووضع كفه فوق يدها الصغيرة الممسكة بأطراف الحرير، وضغط عليها برفق حازم:
الشداد: “لن أطلب منكِ الليلة طاعةً لا يأمر بها عقلكِ، ولن أكسر فيكِ هذه الأنفة العباسية التي تجعلني أشتهي وصالكِ كأني لم أملك امرأة قبلكِ. سأترككِ الليلة في مخدعكِ لتختبري وسع نفسكِ، وتعلمي أن ميزان الشداد لا يميل. لكن دعي عنكِ وهم الفراق.. فالسلطان إذا ملك قلعةً بالهوى، لا يخرج منها إلا بالردى. طيبي نفساً يا أميرتي.. فلن يطول الفراق بين السيف وغِمده.”
انحنى وطبع قُبلة واحدة، ثقيلة وطويلة، على جبينها الشامخ، فاحت منها ريحة العود والمسك، ثم التفت باكتافه العريضة وخرج من المخدع بخطوات واثقة هزت رخام السقيفة، تاركاً خلفه الباب يُغلق ببطء، وتاركاً شامة وسط حريرها وعطرها، تحترق بنيران غيرتها وتتذوق طعم الهيبة السلطانية التي لا تنحني، لكنها تعرف كيف تترك جرح الحب مفتوحاً.
كان الفجرُ في قصر “العَقْد” لا يبدأ بالنور، بل بزمجرة الريح الباردة القادمة من فيافي الصحراء، وهي تتسلل عبر شقوق النوافذ الخشبية الثقيلة. صمتٌ مهيب يلف الممرات، كأنه الصمت الذي يسبق المعركة.
في غرفته، وقف شداد شاخصاً أمام المرآة النحاسية الكبيرة. لم يكن يرتدي حرير المجالس ولا قطيفة السهرات، بل كان يستعد لمواجهة من نوع آخر. ارتدى سروالا جلديا من الجوخ الغليظ، وقميصا محاكاً عند الصدر بجلد الغزال المقوى ليصدّ عنه لفحات البرد وقسوة المخالب. شدّ حزامه العريض حول خصره بضغطة حازمة، وتأكد من استقرار خنجره المذهب في غمده.
أخرج يده اليسرى، ودسّها داخل “المنشلة” — ذلك القفاز الجلدي السميك الممتد حتى المرفق، الخشن، المليء بخدوش قديمة تحكي قصص طيورٍ مرت من هناك ولم تترك أثراً إلا في الجلد.
التفت إلى خادمه الواقف عند الباب مطأطئ الرأس، وأشار إليه بسبسي كفه دون أن ينطق بكلمة. تحركا معاً نحو “المربط” — وكر الصقور.
داخل المربط، كانت الأنفاس تختلط برائحة الريش واللحم النيء. تنقلت عينا شداد بين الطيور المستقرة على مواكرها، حتى استقرت على “مَلِكه”. صقرٌ حرٌ، وافي القياس، عريض الصدر، ريش ظهره داكن كليل الصحراء، وصدره منقط ببياض يشبه ندف الثلج. كان الطير واضعاً “برقعه” الجلدي على رأسه، مستسلماً لعالم من الظلام الدامس يمنعه من الاضطراب.
مدّ شداد كفه المكسوة بالجلد. اقترب في صمت، وبحركة خبيرة ولطيفة، دفع ساقي الصقر برفق حتى أحس بالطير ينقل ثقله ومخالبه الثقيلة فوق “المنشلة”. أحكم شداد قبضته على “السبوق” — الحبال الجلدية المتينة المربوطة بساقي الصقر — ولفّها بين أصابعه بعقدة لا تفكها إلا إرادته.
امتطى جواده الأدهم بيمناه، حاملاً صقره بيسراه كأنه يحمل تاجاً ثنائياً من السلطة والوحشية. خلفه، كان السايس والحرس يتبعونه في صمت مطبق، مطأطئي الرؤوس خلف صهيل الخيل النادر.
سار الركب حتى انجلت أسوار القصر، وانفتحت أمامهم الصحراء المترامية. كانت الشمس تلج غمار الأفق، تصبغ الكثبان برداءٍ ليموني دافئ، وتطرد بقايا الضباب الفجري. وقف شداد بجواده وسط الفراغ الموحش. تنفس الصعداء، ونظر إلى الطير الصامت على يده.
حانت اللحظة.
بأصابع يده اليمنى، اقترب من رأس الصقر. أمسك بطرف البرقع الجلدي، وبحركة بطيئة ومتزنة، نزعه.
انقشعت الظلمة عن عيني الصقر. انفتحت حدقتاه السوداوان الواسعتان على وسعهما، والتقطتا ضوء الشمس المفاجئ. نفض الطير ريشه بقوة أحدثت حفيفاً مدوياً في صمت القفر، وفتح جناحيه العريضين يضرب الهواء، محاولاً الإقلاع، متخبطاً، يباغت يد شداد بوزنه الحركي الهائل. أطلق صيحة حادة مزقت سكون المدى، صيحة تمرد واحتجاج على القيود.
لكن يد شداد لم تهتز. كانت كالجذع الراسخ في الأرض. ثبت نظراته الحادة الحارقة في عيني الطير. كان هناك صراع إرادات صامت يدور في تلك اللحظات؛ صقرٌ يرى نفسه سيد السماء، ورجلٌ يرى نفسه سيد كل شيء.
“اهدأ…” همس شداد بنبرة رخيمة، عميقة، تحمل من السلطة ما يكفي لتطويع جيش. كانت نبرته سلاحاً نفسياً يعيد الطير إلى طاعته ويفهمه أن صاحبه لا يهاب وحشيته.
أخرج شداد بيمناه قطعة لحم حمراء طرية من مخلاة السايس، ووضعها فوق الجلد أمام منقار الصقر. نظر الطير إلى اللحم بنفخة كبرياء، ثم نظر إلى شداد. تمنّع لثوانٍ، كأنه يرفض أن يكون ممتناً لأحد. لكن شداد ظل واقفاً بصبر الجبال، لا يرمش له جفن.
أخيراً، انحنى الصقر الحر، وطأطأ رأسه الشامخ، ونقر اللحم من يد السلطان. كانت تلك نقرة الولاء، اللحظة التي اعترف فيها الوحش بـ سيد قيدِه.
التفت شداد نحو السايس الذي ابتعد بخمسين خطوة، وبدأ يلوّح في الهواء بـ “التلواح” (أجنحة حبارى ميتة) مصدراً صوتاً مألوفاً للطير.
فكّ شداد السبوق من أصابعه، ورفع يده إلى الأعلى بقوة وهو يصيح: “أبشر..!”
انطلق الصقر كالسهم المارق من قوسه. شق الهواء بجناحيه، مرتفعاً في كبد السماء حتى غدا نقطة صغيرة تكاد تختفي في زرقة الأفق. راقبه الحراس بوجل، ظناً منهم أن الطير قد استرد حريته ولن يعود. لكن شداد ظل واقفاً، واضعاً يده على مقبض خنجره، والابتسامة الثابتة لم تفارق محياه. كان يعلم أن خيوط الطاعة أقوى من مسافات السماء.
فجأة، رصد الصقر التلواح يدور في الأرض. غير اتجاهه في رمشة عين، وانقضّ عمودياً بسرعة جنونية، كأنه صاعقة هابطة من السماء، ليضرب التلواح بمخالبه ضربة قاتلة أثارت غبار الرمل.
ترجل شداد عن جواده، ومشى نحو الصقر الممسك بفريسته بهدوء وثقة. انحنى أمامه، وقدم له مكافأته من اللحم النقي، ومَدّ له “المنشلة”. وبلا تردد، ترك الصقر الحر غنيمته على الأرض، وقفز برغبة واختيار ليعود إلى مستقره فوق يد شداد.
أعاد شداد البرقع إلى رأس الطير، ومسح بأصابعه بلطف نادٍ على ريش ظهره الداكن.
امتطى جواده عائداً إلى القصر والشمس قد فرضت سلطانها على الأرض. دخل من الباب الكبير لعقد القصر، والصقر مستقر على يده، هادئاً، ومطوعاً بعد تمرد وعناد.
وهو يمر بالممر المحاذي لغرف الحريم، التفتت عيناه تلقائياً نحو النوافذ المغلقة لبيت شامة. نظر إلى الصقر الحر فوق يده، ثم نظر إلى نافذتها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة لكنها تحمل وعيداً خفياً، وقال في نفسه:
“إن كان مَلِك السماء، بكل كبريائه وجناحيه، قد طأطأ رأسه وأكل من كفي… فكيف لامرأة من طين أن تظن أن عصيانها سيدوم؟”
كانت شمس الضحى قد بدأت ترتفع فوق قصر العَقْد، باعثةً خيوطاً ذهبية تتسلل عبر الأقواس والزخارف الاندلسية المحفورة على الجبس. في أحد الممرات الجانبية الهادئة المطلة على الرياض الداخلي، كانت شامة تمشي بخطوات وئيدة، واضعةً يدها الخامتة على صدرها كأنها تحاول تهدئة دقات قلبها المتمرد. كان قفطانها الحريري الأخضر يجر خلفها برقة، لكن ملامح وجهها كانت توحي بعاصفة من القلق.
بجانبها، كانت تسير دادا رقية، بخطواتها الموزونة وثوبها الداكن، وعيناها الحنونتان المتعبتان تفيضان بالخوف على ابنتها ومربيتها.
“أويلي يا بنتي… واش غتبقاي على هاد العناد؟” همست دادا رقية بصوت مخنوق وهي تلتفت يمنة ويسرة لتتأكد من خلو الممر. “راه شداد ماشي راجل عادي… هاداك سلطان، وإلى غضب عليك كاع الدياب يدورو بيك وقفت شامة فجأة، والتفتت نحو دادا رقية، وجمعت عيناها كل كبرياء نساء الدنيا، بالرغم من الدموع المحبوسة فيها. وقالت بصوت متهدج ولكن حاسم:
“وفراشه غيجيني فيه الموت يا دادا! كيفاش بغيتيني نقبل نشارك معاه الفراش وريحة شريفة لاسقة فلحيتو؟ واخا يقطعني طراف هدي لي كتكون ليه ،، صافي عمرنا يجمعنا فراش واحد”
لم تكن شامة ولا دادا رقية يعلمان أن وراء أحد الأبواب الخشبية السميكة المؤدية لـ “المستودع”، كانت تقف مباركة، إحدى الخادمات المقربات من لالة اليازية. كانت مباركة قد انزوت هناك لتنظيف بعض الأواني النحاسية، لكن كفها تجمدت في مكانها، وعيناها اتسعتا بذهول وهي تلتقط الكلمات بدقة: “امتنعت عن فراش السلطان!”
كتمت مباركة أنفاسها، وانتظرت حتى ابتعدت خطوات شامة ودادا رقية. وفي لمح البصر، انطلقت كالأفعى تنسل بين الممرات، متوجهةً نحو الجناح لاللة
لالة اليازية.
داخل جناحها، كانت لالة اليازية تجلس فوق “المضربة” العالية المحشوة بالديباج والحرير، ترتدي قفطاناً مخملياً دافئاً كحلي اللون مطرزاً بصقلي المذهب، وتضع في يدها سبحة من العقيق الأسود تفرك حباتها ببطء كأنها تعد أيام سلطتها. وجهها يحمل تجاعيد حادة، مرسومة بقسوة السنين والدهاء.
دخلت مباركة، وارتمت عند قدمي لالة اليازية، مطأطئة رأسها حتى لامس الأرض، وقالت بصوت يرتجف من الحماس والخوف:
“لالة… لالة اليازية! جيتك بـ الخبار اللي غيبرد قلبك!”
توقفت سبحة اليازية عن الحركة. نظرت إليها بعينين باردتين كالموت، وقالت بنبرة جافة فيها هيبة تفرض الطاعة:
“تكلمي يا مباركة… واش هاد القصر مبقاش فيه الأدب حتى تدخلي عليا بهاد الطريقة؟”
“العفو يا لالة…ولكن الدعوة فيها لاللة شامة ! ” اقتربت مباركة وهمست بعينين تلمعان بالشر: “العباسية ورفضت تشارك معاه الفراش البارح!”
في تلك اللحظة، ارتسمت على وجه لالة اليازية ابتسامة بطيئة، مظلمة، وتحركت ملامحها بحقد قديم كان ينتظر هاد الفرصة بالذات. وضعت سبحتها جانباً، وقامت بوقفتها الشامخة التي ترعب جواري القصر.
“عاصية؟ وتمردت على ولدي شداد؟” قالت اليازية وصوتها يقطر سماً، وهي تمشي نحو النافذة المطلة على الباب الكبير للقصر. “بنت العباس نسات راسها، وظنت أن الزين ديالها غيعليها فوق هيبتنا. هادي هي الفرصة لي غنقطع فيها هاد اللسان الطويل ونطردها من هاد العقد دقة وحدة.”
كانت شمس الظهيرة الحارقة قد بلغت كبد السماء، ورمت بظلال الأقواس الأندلسية حادةً وقصيرة على رخام الفناء. ساد القصر صمتٌ ثقيل، غاب فيه حتى حفيف الريح، واستسلم الجميع للقيلولة.
إلا شامة.
انفردت بجناحها، وأغلقت الباب الخشبي الثقيل خلفها بـ قفل حديدي، كأنها تغلق الباب على العالم بأسره. تنفست الصعداء، وظهرت على وجهها ملامح الجدية والخطورة، غابت دمعة المرأة العاقر، وظهرت كبرياء وعقل الأميرة العباسية المتعلمة.
توجّهت بخطوات سريعة نحو صندوقها الخشبي المصفح بالنحاس، أخرجت منه محبرة سوداء، وقصبة للكتابة بُريت بعناية، ورقاً من “الكاغد” الثمين . جلست على الأرض، وسندت الورقة على رخصة خشبية صغيرة، وبدأت تخط رسالتها السرية الموجهة إلى أبيها السلطان العباسي، بـ خط عربي متقن يحمل لغة السياسة والحرب:
“إلى مقام الوالد المعظم، سلطان بني العباس وسيد أمرهم…
أرفع إليكم كتابي هذا من قصر العَقْد في وقتٍ غفت فيه العيون، لكن العقول هنا لا تنام. أكتب لأحذركم من أمرٍ يطبخه صهركم ‘شداد’ على نار هادئة، أمرٌ إن تم، فسيتغير وجه الملاحة والنفوذ في هذا البحر إلى الأبد.
إن شداد لا يفكر في غزو أو حرب عابرة، بل يتطلع إلى قلب التاريخ. لقد وضع عينه على ‘شالة’.. تلك الحصون القديمة التي تركها الرومان جدراناً فارغة وخاوية منذ قِدم الزمان على ضفة نهر أبي رقراق. يريد إعادة إحيائها وبناء معسكر حربي حصين يربض هناك كـ الأسد.
والأدهى من ذلك يا أبي، أنه يعلم ما تلقيته في بغداد من علوم الهندسة، والرياضيات، وحساب المثلثات. جاءني يطلب عقلي وعلمي ليوقف الأسوار الشامخة وسط مياه نهر أبي رقراق المتحركة، مستعيناً بخبرتي الهندسية لتثبيت القواعد في الطين والماء المالح.
إنني أعيش حيرة تمزق نياط قلبي؛ هل أعاونه في خطته وأكون الزوجة المطيعة؟ أم أمتنع وأحمي ملككم؟ فبناء معسكر شالة في حد ذاته هو سيف مصلت على رقاب العباسيين. شداد ذكي يا أبي، ذكاء يثير الرعب.. إنه يريد جعل ميناء شالة بؤرة للمراقبة اللصيقة، يضرب بها حصاراً غير مباشر يقيد مرور سفنكم وقوافلكم البحرية، ويجبر الجميع على طأطأة الرأس ودفع الخراج والضرائب ليمروا بسلام.
انتظر أمركم الحازم.. ابنتكم شامة.”
نفخت شامة على الحبر الأسود برفق حتى يجف، وعيناها تلمعان بـ مزيج من الخوف والإعجاب المكتوم بذكاء الرجل الذي ترفض مشاركة فراشه. طوت الورقة بدقة متناهية، وقطرت عليها الشمع الأحمر، وختمتها بخاتمها السري.
انسلت شامة نحو النافذة المطلة على البستان الخلفي، وتأكدت أن الحراس المستلقين تحت ظلال شجر الزيتون قد غلبهم النعاس. التفتت نحو دادا رقية، التي كانت واقفة في زاوية الغرفة، تفرك كفيها بقلق، وعيناها تدوران بوجل كأنها ترى حبل المشنقة يلتف حول عنقيهما.
مدت شامة يدها بالرسالة المطوية بدقة، والمختومة بالشمع الأحمر. وقالت بنبرة منخفضة لكنها صارمة، نبرة أميرة تعرف كيف تأمر:
“هادي، حياتي وحياتك يا دادا واقفة عليها. خرجيها من القصر دابا، قبل ما تبرد الشمش ويتحركوا العيون.”
تقدمت دادا رقية بخطوات مرتعشة، وأخذت الرسالة كأنها جمرة نار. دستها بعمق داخل ثنايا حزامها الصوفي العريض، وغطتها بملحفها الداكن. بلعت ريقها وقالت بصوت مخنوق:
“أويلي يا بنتي… هادي ماشي رسالة، هادي عافية غتحرقنا كاملين. وِلا عاق بنا الشداد، راه ما غيرحم فينا عرق!”
نظرت إليها شامة بعينين ثابتتين كالصخر وقالت:
“ما غيعيق بوالو. غتخرجي كأنك غادية لسوق الغزل تقضي غرض، وتمشي لـ ‘فندق الحايك’ بباب القصبة. تما غتلقاي التاجر ابن العطار البغدادي، راه جا مع الوفد وما زال كيبيع التوابل والحرير. عطيها ليه في يده، وقولي ليه: ‘أمانة بنت العباس لمولاها’.”
أومأت دادا رقية برأسها، واستعاذت بالله في سرها.
كانت شمس الظهر تكدي في كبد السماء، وترمي بلهيبها الحارق على جدران قصر العَقْد حتى أصبحت الصخور كأنها تتنفس الجمر. في هذا الوقت بالذات، حيث يهرب الإنس والجن لـ ظلال القيلولة، انفتح باب جناح شامة ببطء شديد.
خرجت دادا رقية، ملتحفةً بحايكها الأبيض الغليظ الذي يغطيها من رأسها حتى قدميها. كانت خطواتها سريعة، ويدها تضغط بـ توتر واضح على حزامها وراء الحايك، وعيناها تدوران بزيع وخوف يظهر من شق اللثام.
لم تنتبه رقية إلى أن منصور، أحد الغلمان الصغار المكلفين بنقل جِرار الماء الباردة، كان يستريح تحت ظل قوس قريب. وقف منصور، وجف ريقه وهو يرى العجوز تخرج في هذا القيظ؛ فالحريم لا يخرجن والسماء تصب ناراً إلا لأمرٍ عظيم. غمرته الريبة، فوضع جرته وانسل ك الظل بين الممرات حتى وصل إلى جناح الحاجب حسن.
كان حسن جالساً يمسح نصل سيفه بخرقة مبللة بالزيت، حين دخل عليه الغلام لاهثاً:
“سيدي الحاجب… دادا رقية خرجات دابا من عند لالة شامة، ملتحفة بحايكها وكتفتف بحال إلى تابعة الموت، وغادية لجهة باب القصر البراني!”
توقفت يد حسن. عقد حاجبيه الكثيفين، واستغرب الأمر؛ فالسلطان شداد مشدد على مراقبة كل ما يخص جناح شامة خوفاً على سر معسكر “شالة”. قال حسن في نفسه: “خروج رقية في هاد الوقت د الكيل والقايلة ورا هاد التوتر ما وراهش بيع وشراء عاد” .
قام حسن فوراً، لفّ لثامه الأسود على وجهه ليتقي به لفح الشمس وعيون المارة،واقلع قميصه بلمح البصر ، وانسل خارجاً من الباب الجانبي للقصر وفي يده “جلابة “مخططة ، وعينيه تتبع أثر الحايك الأبيض بخطوات ذئبية محترفة.
سار خلفها عبر أزقة قرطبة التي يلفها صمت القيلولة، حتى دخلت إلى “فندق الحايك”. كان المكان شبه خالٍ، إلا من أصوات خافتة لبعض تجار الشرق المستندين إلى بضائعهم.
دخلت رقية إلى دكان الشيخ ابن العطار البغدادي. وفي نفس اللحظة، دخل حسن مرتديا الجلباب المخطط وتظاهر بأنه زبون غريب يلفه لثامه، ووقف عند الدكان المجاور الذي يبيع الحناء والأعشاب، وعينه الصقرية تلمح خلسة من وراء قماش اللثام.
كان المشهد أمامه يمر في صمت مطبق؛ رأى دادا رقية تنحني كأنها تتفحص ثوباً من الحرير الدمشقي، وبحركة سريعة يرتجف لها الوجدان، سُلّت ورقة بيضاء مطوية ومختومة بالشمع الأحمر من تحت حايكها، لتلتقطها يد التاجر البغدادي وتدسها في لمحة عين داخل جيب قفطانه.
جمدت الدماء في عروق حسن، وعرف فوراً أن سرا ما او خيانة قد أُخرجت من القصر. انتظر حتى خرجت دادا رقية وبدأت في طريق العودة وهي تتنفس الصعداء، وظل هو واقفاً في مكانه.
التفت حسن نحو دكان ابن العطار. خطى خطوتين واسعتين، ودخل إلى صدر الدكان وبحركة صاعقة، استل خنجره من غمده ووضعه نيشان على عنق التاجر البغدادي المستغرب، وهمس من وراء لثامه بصوت يقبض الروح:
“بلا غوات يا ابن العطار… الورقة اللي عاد دخلت لجيبك، حطها في كفي دابا، وإلا غتصبغ هاد الحرير بالشاش الشامي ديال دمك.”
شحب وجه التاجر وتجمدت يده. وبأصابع ترتعش، أدخل يده إلى جيبه وأخرج الرسالة المختومة بالشمع الأحمر، وسلمها للحاجب حسن.
أخذ حسن الرسالة، وتأكد من الختم السري لـ شامة، ثم غمد خنجره وقال للتاجر بأمر حازم:
“منسمعش حسك”
شاف يمين يسار بعيونو الثاقبة ورجع اللور ضرب التاجر لراسو حتى غاب وحطو بين البصائع فرحن داخل الدكان .
تسلل الحاجب حسن عبر الباب الخلفي لقصر العَقْد، بعد أن نزع عنه الجلباب المخطط واللثام في مكانٍ آمن برا الأسوار، وعاد لملابسه الرسمية كحاجب لاهث خلف واجباته اليومية. كانت الرسالة دافئة في جيبه، كأنها جمرة نار تحرق لحمه، وعيناه الثاقبتان تدوران بحذر لتفادي عيون لالة اليازية أو خادمات شامة.
في هذا الوقت من القيلولة، حيث يهدأ القصر وتستسلم الرعية للنوم، لا يكون شداد نائماً كباقي الخلق؛ فالرجل الأموي المحاط بالأعداء والمخطط لمعسكر “شالة” الحصين، كيكون هاد الوقت بالذات هو خلوته الخاصة بعيداً عن ضوضاء الحريم ومطالب الوزراء.
مشى حسن بخطوات سريعة وصامتة نحو السقيفة القريبة من المطبخ الداخلي، حيث كان أحد الغلمان الصغار جالساً يبرد جرة ماء بالطين. اقترب منه حسن ونزع عنه نبرة اللطف، وهز كتفه بغتة:
“تكلم يا غلام… أين هو السلطان شداد في هذه الساعة؟”
قفز الغلام فزعاً، وبلع ريقه وهو يرى وجه الحاجب الصارم، وقال بصوت يرتجف:
“سيدي… مولاي السلطان لم يدخل لجناحه بعد. إنه في ‘مربد الخيل المغطى’ (الإسطبل الداخلي البارد). تفرغ هناك منذ ساعة وحده، يراقب حوافر فرسه الأدهم الجديد، ويمسح سرجه.”
هز حسن رأسه بـ إشارة جافة، وانطلق فوراً نحو الإسطبلات. كان يعلم أن شداد يهرب لهناك في القايلة؛ تما كاين البرد، رائحة التبن والجلد، وصهيل الخيل الخافت، تما فين كيرتاح عقل السلطان من نضام العرش ويفكر بـ صفاء في خططه العسكرية والأسوار وسط الماء.
وصل حسن إلى باب المربد الحجري العريض. دفع الباب الخشبي الثقيل بهدوء، فتسللت خيوط ضئيلة من ضوء الشمس لتنير عتمة المكان البارد.
هناك، في عمق المربد، كان شداد واقفاً، واضعاً كفه العريضة على وجه فرسه الأدهم الذي كان ينفث أنفاساً دافئة. كان شداد قد نزع عمامته الثقيلة، وظهرت ملامحه الأموية الحادة والمهيبة في الظل، وهو يمسح ريش صقر الصباح المستقر على مَركزٍ خشبي قريب.
سمع شداد حفيف الخطوات، ولم يلتفت، بل قال بصوت منخفض، عميق، يتردد صداه بين الجدران الحجرية:
“لقد تأخرت في ‘سوق الغزل’ يا حسن… هل وجدْتَ الحرير الذي يليق بأسرارنا، أم أن دروب قرطبة أصبحت ضيقة على خطاك؟”
تقدم حسن بخطوات ثابتة، وانحنى بوقار، ثم مَدّ يده بـ بطء، وأخرج من جيب قفطانه الورقة المطوية والمختومة بالشمع الأحمر لـ شامة… ووضعها تحت نظرات السلطان الحادة.
وقال حسن بصوت خافت يقبض الأنفاس:
“مولاي السلطان… الحرير الدمشقي كان يخفي وراءه ما هو أغلى. هذه أمانة من جناح العباسية… كانت في طريقها إلى بغداد قبل أن يهل الهلال.”
تسمرت يد شداد فوق ريش الصقر. تحولت نظراته في رمشة عين من الهدوء إلى حدة الساطور، ونظر إلى الختم السري لزوجته شامة…
تسمرت يد شداد فوق ريش صقره. تحولت نظراته في رمشة عين من البرود إلى حدة الساطور، ونظر إلى الختم السري لزوجته شامة العباسية الموضوع في كف الحاجب حسن. ساد المربد صمتٌ مطبق، لم يكن يقطعه إلا شخير الخيل الخافت ورائحة التبن المبلل.
مَدّ شداد يده العريضة، وأخذ الرسالة ببطء شديد. لم يغضب، ولم يصرخ، بل ظهرت على وجهه تلك العلامة التي يخشاها الجميع: برود قاصح كالموت. بـ ظفر إبهامه القوي، كسر الشمع الأحمر بعنف أحدث صوتاً جافاً في عتمة الإسطبل، ثم فتح “الكاغد” الثمين البغدادي، وبدأ يقرأ بـ عينين صقريتين تتنقلان بين السطور.
كانت كلمات شامة واضحة، حادة، وتضرب في عمق مشروعه السري: “…أكتب لأحذركم من أمرٍ يطبخه صهركم شداد… وضع عينه على شالة… يريد إعادة إحيائها وجعل مينائها بؤرة للمراقبة ودفع الضرائب… يطلب عقلي وعلمي في الهندسة والرياضيات…”
بينما كان يقرأ، بدأت عروق عنقه تتصلب، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مظلمة، فيها مزيج من الخيبة والغضب العارم المتأجج. لقد وثق في عقلها، وظن أن كبرياءها مجرد عناد أنثوي، فإذا بها جاسوسة لـ بني العباس، تزن خططه بميزان الذهب لتبيعها للشرق.
طوى شداد الرسالة بقبضة يده حتى تجعدت بين أصابعه، والتفت نحو الحاجب حسن. كانت عيناه تلمعان بنار الغيظ، لكن صوته خرج منخفضاً وحاسماً كفحيح الأفعى:
“بنت العباس لم تنسَ ثأر أجدادها إذن… ظنت أنني حين طلبت علمها وهندستها، كنت مستضعفاً لزينها، ولم تعلم أن الأموي لا ينام وفي قصرِهِ عيون تُبصر للعدو.”
نظر إلى حسن وقال بأمر جاف:
“التاجر البغدادي ابن العطار، في قبضتنا حتى تحدث في شأنه امرا يا مولاي”
“وأمرك في جناح العباسية يا مولاي؟” سأل حسن وهو ينحني بقلق.
تحرك شداد بـ خطوته الواسعة والهيابة، وعلّق خنجره في حزامه، وأخذ عمامته الثقيلة ووضعها فوق رأسه بكبرياء جريح، وقال بنبرة تقبض الروح:
“الحصار يبقى على جناحها… ولكن دون جلببة. سأتركها في ظلام ظهيرتها تنتظر رد بغداد… ،، ‘شالة’ غتبنى وبـ علمها هي، وخا تخطه بدموعها!”
انسحب الحاجب حسن بخطوات خفيفة وئيدة، وأغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه، تاركاً المربد يغرق من جديد في صمته المطبق وبرودته العاتية.
بمجرد أن أُقفل الباب، انطفأت تلك الهيبة التي كان شداد يواجه بها رجاله. تلاشت وقفته الشامخة كـ سلطان، ورخى كتفيه الثقيلين كأنه يحمل فوقهما جبال الأندلس والمغرب الأقصى. تراجع خطوتين إلى الخلف حتى استند ظهره على الجدار الحجري البارد، ونزل ببطء حتى جلس على كومة من التبن، والرسالة المجعدة ما زالت بين أصابعه.
لم يكن شداد في هذه اللحظة سلطاناً يخشى ضياع ملكه… بل كان رجلاً عاشقاً، قُتل كبرياؤه في أقدس مكان في قلبه.
نظر إلى الورقة البغدادية بـ عينين غائمتين، امتلأتا فجأة بـ لمعان الدموع المحبوسة التي لا تليق بـ ملك أموي. مسح بـ إبهامه المرتعش على الختم الشمعي الأحمر الذي يحمل اسم “شامة”. تذكر رائحتها، وتلك الغيرة الأنثوية القاتلة وكم بدت له تلك الغيرة صادقة وساحرة… ليُصدم الآن بأن كل ذلك الكبرياء لم يكن إلا قناعاً تخفي وراءه عقل جاسوسة باردة.
همس في عتمة الإسطبل بصوت مخنوق، وعيناه مثبتتان على خط يدها المتقن:
“شامة… يا بنت العباس. واش كل هاد السحر اللي في عينيكِ كان سم؟ واش كل هاد النفور من فراشي كان وفاء لـ أهلك وبغداد، ماشي غيرة عليا؟”
تحول وجعه في ثوانٍ إلى غيظ عارم. تذكر كيف كان ينظر إليها بنظرات الإعجاب والتقدير لـ علمها وذكائها، وكيف كان يخطط لـ بناء “شالة” بـ معيتها ليجعل منها ملكةً وشريكةً في المجد، وليس مجرد جارية في حريمه. شعر بـ صغارٍ شديد؛ فقد كان بين يديها طفلاً عاشقاً يطلب عقلها، وكانت بين يديه أفعى تحصي أنفاسه لتكتبها لـ بني العباس.
ضغط على الرسالة بقبضته العريضة حتى كاد يمزقها، ودفن وجهه بين كفيه الطويلتين، وأطلق تنهيدة حارقة خرجت من أعماق صدره كأنها فحيح النار. صهيل الفرس الأدهم الخافت بجانبه بدا وكأنه يسخر من ضعف صاحبه.
مسح وجهه بقسوة، ووقف فجأة. تبدلت ملامح وجهه وتصلبت عضلات فكه؛ لقد مات العاشق الذي كان يدق قلبه لخيوط قفطانها الأخضر، وولد مكانَهُ السلطان الأموي الحذر، الذي يعرف أن سره في خطر وأن “شالة” باتت مسألة حياة أو موت.
توجّه شداد بخطوات سريعة وصامتة عبر الممرات المهجورة، يتفادى الطرقات الرئيسية التي يرتادها الحريم والخدم. كان كبريائه الجريح يدفعه دفعاً نحو المكان الوحيد في هذا القصر الذي يمتلك إجابة على خديعة الملوك: جناح والده السلطان النعمان.
هذا الجناح لم تطأه قدم منذ أن أُخرجت منه جنازة النعمان ، صدر أمر سلطاني صارم بإغلاقه، وبقيت جدرانه تحتضن أنفاس السلطان الراحل، وأسراره، وذكراه الحية كـ حصن وراء حصن.
وصل شداد إلى نهاية الممر المظلم، حيث يقبع الباب الخشبي العظيم المصنوع من خشب الأرز الأسود، والمطعم بنقوش هندسية أندلسية دقيقة. تحرك نحوه حارسان من “العسس” القدامى، الذين ابيضت لحاهم في خدمة النعمان، وانحنوا بوقار وخوف وهما يريان الشداد ممدداً باللثام، وعيناه تشتعلان بغضب صامت.
“افتحوا الباب،” قال شداد بنبرة جافة لا تقبل المراجعة.
تبادل الحارسان نظرة وجلة، لكن طاعة الشداد من طاعة والده. تقدم أحدهما بـ مفتاح حديدي ضخم، وأدخله في القفل القديم الذي أصدر صريراً حاداً وموحشاً تردد صداه في الممر الخالي. تحركت الدفتان الثقيلتان، فـ انبعثت من الداخل رائحة الغبار العتيق المخلوط بقايا البخور، والمسك، وعود القماري الذي كان النعمان يفضله.
خطى شداد أولى خطواته داخل الجناح، وأُغلق الباب وراءه.
ساد المكان هدوء جنائزي مهيب. كانت خيوط شمس الظهيرة المتسللة عبر الشماسات الجبسية تظهر كأعمدة من النور يسبح فيها الغبار الناعم. كل شيء كان في مكانه، كأن النعمان غادر الغرفة لتوّه؛ “المضربة” العالية المكسوة بالديباج الأموي الأخضر المطرز بخيوط الذهب، الستائر المخملية الثقيلة التي غطاها بياض الغبار، وسباع النحاس التي كانت تفرز منها العطور.
مشى شداد بخطوات وئيدة، وصوت حذائه على الرخام يبدو غريباً وسط هذا الصمت. نزع لثامه وعمامته، ووضعهما على طاولة خشبية قريبة، ونظر إلى العرش الصغير الخاص بوالده في ركن الغرفة.
هنا، في هذا الفضاء، أحس شداد بثقل “الأموية” الحقيقي. تذكر نصائح والده النعمان وهو صغير حين كان يقول له: “الملك يا ولدي عاقر لا يرحم، والمرأة في قصر السلطان إما سند لعرشه أو حبل لمشنقته”. وكم بدت هذه الكلمات قاسية وبعيدة في الماضي، وكم أصبحت الآن، والرسالة المجعدة في جيبه، حقيقة تقبض على أنفاسه.
اقتربت خطواته من الصندوق الحديدي العظيم لـ والده، حيث كانت تحفظ خرائط الدولة وعهود الملوك القدامى. وضع كفه فوق سطحه البارد، وغمض عينيه بقهر، وتنهد بصوت حارق تملؤه الخيبة:
“رحمك الله يا أبي… كان قلبك دليلك. جئت بـ بنت العباس لأحمي بـ نسبها ملكي، فإذا بي أُدخل الأفعى لـ فراشي لـ تسرق أسرار عروقي.”
أحس شداد فجأة بـ رغبة عارمة في التحرك؛ فروح والده النعمان المحيطة به في الجناح لم تكن لـ تقبل الضعف أو الانتظار. تذكر أن معسكر “شالة” ليس مجرد حلم عابر، بل هو استراتيجية يخطط لها ليحمي الساحل من أطماع ملوك الشرق والغرب.
فتح عينيه بحزم، وتلاشت دمعة العاشق تماماً، وحلّ محلها جمود السلطان المحارب. التفت نحو الصندوق، وبدأ يبحث في مفاتيحه القديمة
انحنى شداد أمام الصندوق الحديدي العظيم لـ والده النعمان، وبأصابع ثابتة أدار المفتاح النحاسي الطويل. أصدر الصندوق صوتاً معدنياً ثقيلاً وهو ينفتح، لتنبعث منه رائحة الورق العتيق المحفوظ بـ زهر الخزامى المجفف والمسك.
لم يكن يبحث عن الخرائط؛ بل كان يبحث عن المواثيق والعهود.
بدأت كفاه العريضتان تقلبان بين الرزم الجلدية المربوطة بخيوط الحرير. كانت هناك رسائل من ملوك الأندلس، وعهود من قبائل الصحراء، حتى وصلت يده إلى رزمة ملفوفة بثوب ديباج أسود يحمل التطريز البغدادي الشهير. نزع الخيط برفق، وبدأ يقرأ العناوين بسرعة حتى وقعت عيناه على الرسالة التي كان يبحث عنها.
كانت هي… الرسالة التي بعثها السلطان العباس إلى السلطان النعمان، فاش خرجت قافلة شامة وهي عروس مجهّزة بأبهى الحلي والخدم من بغداد، متوجهة نحو الصحراء، حيت كان شداد آنذاك مرابطاً في معسكره بـ “أنمارة”.
بسط شداد الرسالة القديمة تحت خيوط الشمس المتسللة من النافذة، وبدأ يقرأ كلمات العباس التي كُتبت بماء الذهب والخط الديواني المتقن:
من السلطان عباس إلى الخليفة نعمان
“باسم الله الفاتح لكل باب، وحافظ العهود بمداد الكتاب..
إلى مقام أخينا الجليل، الخليفة الموقر نعمان بن راشد، راعي البلاد وحامي الذمار..
أما بعد، فإن العهود عند كرام الرجال ديونٌ لا تبرأ منها الذمم إلا بالوفاء، وإن الأمانات في أعناق الأحرار ميثاقٌ غليظٌ لا تزيده الأيام إلا رسوخاً. نخبر مقامكم العالي، أن ‘الأمانة’ التي استودعتمونا إياها في سنوات الصبا، قد أينعت اليوم في بستاننا، ونضجت تحت ظلال وقارنا؛ ابنتنا الأميرة ‘شامة’ قد بلغت مبالغ النساء، وصارت زهرةً ناضرة بجمالها، وحصناً منيعاً برزانتها وعقلها.
واليوم، نبرُّ بعهدنا ونفي بميثاقنا، ونعلن إليكم أن ‘الوديعة’ قد خرجت من حوزتنا لتستقر في كنفكم. لقد انطلقت القافلةُ من أسوار قصرنا، يتقدمها الصدق ويحرسها الدعاء، حاملةً إليكم نوارة بيت العباسيين لتزفّ إلى مقام ولي عهدكم، الأمير شداد، على سنة الله ورسوله، وبما يقتضيه شرف النسب وحق المصاهرة.
لقد سلمناكم قطعةً من روحنا، صانها الله في مخدعها، فاستقبلوها بما يليق بقدرها، وارعوا فيها حرمة هذا الصلح الذي جعلناه رباطاً لا ينفصم بين ديارنا. بارك الله في خطى أبنائنا، وجعل هذا الزواج باباً للسكينة والرخاء، وحصناً يجمع الشمل تحت ظلال العز والتمكين.
والسلام على من حفظ العهد، وأدى الأمانة.”
توقفت عينا شداد عند كلمات “‘الأمانة’.. ‘الوفاء’.. ‘الوديعة’.. ‘حق المصاهرة'”.
شعر بضحكة ساخرة ومجروحة تخنق صدره. التفت ونظر إلى الرسالة الجديدة التي كتبتها شامة في الظهيرة، الرسالة التي تمزق كل سطر من أسطر أبطلها والدها. تذكر كيف استقبلها في “أنمارة” وسط الصحراء، وكيف دخلت عليه كـ “نوارة بيت العباسيين” لتكون باباً للسكينة، فإذا بها اليوم تتحول لبابٍ للإعصار الذي يهدد مشروعه في “شالة”.
أطبق كفه على الرسالة القديمة، ودسها مع الرسالة الجديدة في صدر قميصه بجانب نبضات قلبه المتسارعة. تلاشت ملامح العاشق تماماً، وبرز مكانها السلطان الأموي الذي قرر أن يواجه “الأمانة” بما اقترفته يداها.
وقف بكل طوله، ولبس عمامته الثقيلة، خرج من جناح والده النعمان وعيناه تلمعان بنار العاصفة، متوجهاً بخطوات عاصفة كان شداد يخطو في الممر الطويل المؤدي إلى جناحه، كأنه عاصفة سوداء صامتة، وعيناه المثبتتان إلى الأمام تشعان بنارٍ لو رآها الحراس لخرّوا سُجّداً من الخوف. لم يكن يرى أمامه سوى جدران شالة ورسالة الغدر المطوية في صدره.
وفجأة، عند منعطف الممر القريب من الرياض الداخلي، ظهرت شريفة.
كانت تمشي بهدوء، تتبخر برائحة المسك والورد، وحين لمحته بتلك الهيئة الحازمة تملكتها الدهشة. انقبض قلبها، وظنت بـ غريزة الأنثى أن مكروهاً قد أصاب القصر، أو أن هناك غضباً جديداً يخص جناح العباسية.
تقدمت نحوه بخطوات عجلى، ومَدّت يدها برقة لتلمس طرف كتفه وفتحت شفتيها لتقول بنبرة يملؤها القلق والرجاء:
“مولاي شداد… مالِك في هاد القايلة؟ واش وقع شي…”
لكنها لم تكد تُتم كلمتها، حتى التفت إليها شداد بـ حركة صاعقة، ودار فيها بحال البرق الخاطف. التقت عيناه الصقريتان بعينيها، ونتر يده تراجعت شريفة إلى الخلف فزعة، وشحب وجهها، وبلعت ريقها وهي تضع يدها على فمها لـ تكتم شهقتها. لم ترَ شداد قط بـ مثل هذا الغيظ الحارق، كان كأنه أسد جريح مستعد لـ قجّ أي عنق تقف في طريقه.
لم يمنحها شداد حتى ثانية واحدة لـ تنظر إليه؛ بل التفت بنفس السرعة البرقية، وزاد في خطوته الواسعة، مخترقاً الممر بخطوات حديدية حتى وصل إلى باب جناحه ودفع الدفتين الثقيلتين بـ كف واحدة
دخل شداد إلى صدر جناحه والباب خلفه ما زال يهتز من قوة الدفعة. تجاوز السقيفة بخطوات ثقيلة كأن كل خطوة تزن قنطاراً، وتوجه نحو “المضربة” العالية المكسوة بالديباج. نزع عمامته الثقيلة وألقاها جانباً بقلة حيلة لم يعهدها في نفسه من قبل، وجلس مكسوراً في عتمة خلوته.
أخرج الرسالتين من صدر قميصه؛ رسالة السلطان العباس القديمة المكتوبة بماء الذهب، والرسالة الجديدة التي خطّتها شامة بمداد الخيانة. وضعهما جنباً إلى جنب على الطاولة الخشبية المنخفضة أمامه.
وفي تلك اللحظة، استسلم شداد لـ حزن سلطاني مهيب وقاسٍ. لم يكن حزناً تذرف فيه الدموع أو تُشق فيه الجيوب، بل كان حزناً ملوكياً صامتاً يفتت الكبد ويجمد الملامح. كان ينظر إلى الكاغد البغدادي الفاخر ويتذكر كيف كانت “شامة” بالنسبة إليه رمزاً لصلح حقن الدماء، وكيف استقبلها في فيافي “أنمارة” وهو يرى فيها الملاذ والسكينة، ليجد نفسه اليوم يطالع دليلاً دامغاً على أنها كانت تحصي عليه أنفاسه الهندسية لترسلها نكاية به إلى رقاب بني العباس.
جلس يشد بيده على لحاف الديباج حتى كادت أصابعه تخترق الثوب، وعيناه غائمتان بنظرة تجمع بين لوعة العاشق المخدوع وكبرياء الملك الذي لا يُهزم. مسح على وجهه بقسوة، وكأنه يطرد آخر بقايا الضعف من قلبه، ثم استوى في جلسته وتصلب ظهره كالسيف. لقد انتهى وقت الحزن، وحان وقت الرد الحازم.
صفق شداد بيديه مرتين صفقاً قوياً تردد صداه في أرجاء الجناح.
لم تمر سوى لحظات حتى انفتح الباب ودخل الحاجب حسن يهرول، يسبقه قلقه، وانحنى بجسده حتى كاد يلامس الرخام وقال بصوت لاهث:
“طوع أمرك يا مولاي السلطان.. خير الخيار إن شاء الله؟”
نظر إليه شداد بعينين ثاقبتين التمعت فيهما فكرة جهنمية، وقال بأمر حازم لا يقبل التراخي:
“أتني بـ ‘خطاط القصر’.. أريد أمهر من يمسك القلم ويحاكي الخطوط في هذه الساعة، وأدخله عليّ خلسة دون أن تلمحه عين في الممرات.”
انحنى حسن وقال: “السمع والطاعة يا مولاي”، وهمّ بالالتفات لولا أن استوقفه صوت شداد:
“مكثك عندك يا حسن.. انظر هنا.”
انحنى شداد فوق الرسالة القديمة للسلطان العباس، وأمسك بالشمع الأحمر الختمي الذي كان مقسوماً نصفين جراء فتح الرسالة قديماً. وبأصابع ثابتة ونصل خنجره الدقيق، قطع ذلك النصف الذي يحمل النقش السري لختم السلطان العباس كاملاً، ورفعه بيده، ثم وضعه في كف الحاجب حسن وقال بنبرة خافتة تقبض الروح:
“خذ هذا الطرف.. سلمه لأمهر نحاث وصانع مجوهرات ، وأمره أن ينحت ويصنع لي ختماً طبق الأصل لختم السلطان العباس.. لا أريد فرقاً ولو بعرض شعرة. أسرع يا حسن، فـ الساعة حبلى بما لا يتوقعه بنو العباس!”
تراجعت شريفة بخطوات متثاقلة وئيدة نحو جناحها، وكأن الكلمة الجافة التي رماها شداد في وجهها كانت سهماً أصاب شغف قلبها. أغرقت خلفها الباب، واستندت بكفيها على جدرانه الجبسية الباردة، تاركةً لجسدها أن يرتخي ببطء حتى جلست على الأرض، وقد غطت وجهها بطرف كم قفطانها الأخضر لـ تكتم زفرة حارقة كادت تخرج من صدرها.
يكن حزن شريفة حزناً عادياً؛ بل كان حزن امرأة ترى عرش قلبها يتهدم، وهي التي ظنت طوال الأيام الماضية أنها استعادت مكانتها عند شداد، وأن ريح الشرف والنسب قد مالت بكفته نحوها ونحو ولدها.
ارتعشت شفتيها وهي تتذكر نبرته القاطعة: “فلستُ بمزاجٍ الآن!”.. وكأنها جارية غريبة في ممراته، وليست ابنة الأكرمين التي كانت تمسح عنه وعثاء السفر والحروب.
نظرت إلى كفيها المعطرتين بماء الورد والمسك، واللتين تأنقت بهما في هذه القايلة لتستقبله، فبدت لها الرائحة في هذه اللحظة غريبة وموحشة، كأنها زينة أُعدت لمأتم. التفتت نحو سريرها العالي المكسو بالديباج، وخُيل إليها أن جناحها، برغم اتساعه ونقوشه الأندلسية البديعة، قد ضاق عليها حتى صار أضيق من حد السيف.
“ما الذي دهاك يا ابن النعمان؟” همست لنفسها والدموع المحبوسة تفر من مآقيها لتجف على خديها الشاحبين. “أي ريحٍ سوداء دخلت القصر لتجعل قلبك كالحجر؟ أم أن لـ ‘العباسية’ يداً في هاد الغيظ الذي يغلي في عروقك؟”
تحول حزنها الوديع في ثوانٍ إلى غيرة أنثوية قلقة وجارفة؛ فقد تذكرت أن شداد لم يكن قادماً من المربد فحسب، بل كانت خطواته العاصفة تقوده مباشرة إلى جناح شامة. هاد الفكرة جعلت أطرافها تبرد؛ هل انكشف أمر مكيدة جديدة؟ أم أن الشوق قاده إلى هناك بـ هذا العنف؟
قامت شريفة من مكانها بخطوات واجفة، ومشت نحو نافذتها المطلة على الرياض الداخلي، وتشبثت بقضبانها الحديدية الباردة وهي ترقب الفراغ، وعقلها يغزل من الشكوك حبالاً تخنق أنفاسها، منتظرةً ما ستسفر عنه عاصفة هاد العشية التي تنبأ بها وجه شداد
أومأ شداد برأسه، واعتدل في جلسته خلف الطاولة الخشبية الثقيلة،. مسح وجهه بكفه ليطرد مسحة الحزن السلطاني ويستبدلها بصرامة تليق بالدواوين.
انفتح الباب الجانبي للديوان الصغير، ودخل الحاجب حسن يتبعه رجل نحيل القامة، أشمط الرأس، يرتدي جلباباً بسيطاً ونظيفاً، يحمل في يده محبرة من الفخار الأسود ولفة من الكاغد الفاخر وقلم قصبٍ مبري بـ دقة إعجازية. لم يكن هذا الرجل سوى “نسّاخ القصر وخطاطه الأول”، الرجل الذي تفنى الأصابع تحت حبره ولا تخرج من بين يديه إلا الدرر المسبوكة.
انحنى الخطاط حتى كادت جبهته تلامس البساط، وقال بصوت خافت يملؤه الوجل وهيبة المكان:
“مولاي السلطان، دامت لكم العزة والتمكين، ونُصرت رايتكم في العالمين. عبدك بين يديك.”
عينيه الصقريتين اللامعتين بنور الذكاء والحذر. أشار بيده للخطاط وقال بنبرة جهورية، هادئة وقاطعة:
“اقترب يا هذا.. واجعل مدادك طوع بنانك، فالحاجة إليك اليوم لا تحتمل الخطأ أو الزلل، والسر الذي سـ تحمله سطورك ثمنه الرقاب.”
تقدم الخطاط بخطوات واجفة، وجثا على ركبتيه أمام طاولة منخفضة، ثم بسط لفة الكاغد ودوزن محبرته، ورفع قلم القصب ينتظر الأمر الملكي وعيناه شاخصتان نحو الأرض.
بسط شداد أمامه رسالة شامة الجديدة التي خطتها في الظهيرة، وتأمل أسلوبها وعباراتها كان بحاجة إلى صياغة “ردٍّ مسبوك” بـ خط ملوكي بغدادي، يبدو وكأنه صادر من ديوان الخلافة هناك، ردٍّ غايته واحدة: أن تظل شامة مطمئنة، وأن تستمر في إعطائه كل ما يملكه عقلها الهندسي بـ طوع خاطرها وفرحتها.
التفت شداد إلى الخطاط، وبدأ يملي عليه بصوت متزن، يزن فيه كل كلمة بميزان الذهب والسياسة:
“اكتب يا خطاط.. واجعل الخط ثلثاً مسبوكاً، تلوح فيه هيبة ديوان بغداد بخط مثل هاذا الخط اللذي امامك في الرسالة
“باسم الله الرحمن الرحيم.. إلى ابنتنا وقرة عيننا، نوارة بيت العباسيين، لالة شامة.. بلغنا كتابكِ الذي يحمل أنفاسكِ الزكية، ووقر في أنفسنا ما تبذلينه من رفعة ومجد، إن مسيرتكِ بجانب زوجك السلطان شداد هي ذخرنا، وسندنا الذي نفاخر به. فـ زيدي يا ابنتي في عطائكِ، وبسطِ هندستكِ وعلمكِ في أركان ثغره، فإن رفعة ملكه هي رفعة لـ نسبكِ الصافي، وسكينة لـ قلوبنا التي ترقب مجدكما من بعيد…”
كان قلم الخطاط يجري على الكاغد بحفيف ناعم وسريع كأنه السحر، تتشكل معه الحروف بـ تنسيق إعجازي يبهر الناظرين. وشداد يراقبه وعقله يغزل خيوط اللعبة الصامتة؛ سـ تصل هذه الرسالة إلى شامة بـ الطريقة السريعة التي تفضلها.
بينما كان الخطاط يضع النقطة الأخيرة على الحرف الأخير، وينفخ برفق على المداد ليجف، ويمد يده ليقدم الكاغد الفاخر بعز وتقدير… تحركت يد شداد بحركة خاطفة وسريعة كـ نصل الصاعقة.
أمسك شداد بالرسالة الجديدة التي كُتبت الساعة بماء الذهب والخط المسبوك، وبحركة واحدة قوية وقاسية، مزقها نصفين ثم أربعة أنصاف، وألقى بها على الطاولة!
ساد الديوان صمت رهيب كأن على رؤوسهم الطير. شهق الخطاط وتراجع إلى الخلف وهو يرتجف، ظاناً أن عنقه ستطير في هذه اللحظة، وتسمر الحاجب حسن في مكانه وعيناه متسعتان من الصدمة والذهول؛ لم يفهم أحد منهما ما الذي جرى لعقل السلطان، وكيف يمزق كتاباً أملاه بنفسه بكلمات تزن الذهب!
لم ينطق شداد بكلمة، ولم يفسر غضبه.
تلاشت ملامحه، وظل شاخصاً بعينيه الصقريتين نحو أمر آخر تماماً…
في اللحظات الأخيرة التي كان الخطاط يخط فيها، كانت عينا شداد تتأملان الرسالة القديمة للسلطان العباس، تلك التي خطها بيده ، وفجأة، انتبهت حواس المحارب والسياسي فيه إلى تفصيلة إعجازية غابت عن الجميع؛ مسك شداد الرسالة القديمة بطرف أصابعه، ومرر إبهامه برقة فوق الحبر الأسود الذي جف منذ سنوات، لقد فهم شداد الآن سر الرمز وباب الحكمة الدفين!
الحبر العباسي ليس حبراً عادياً ممزوجاً بالصمغ والماء كباقي الأحبار؛ ملمسه بعدما جف كان بارزاً، وفيه لمعة خفيفة وسلسة تعكس الضوء كأنه خيوط من الحرير الأسود، والأدهى من ذلك… أن شداد حين قرب الكاغد من وجهه، استنشق رائحة زكية، خفيفة ونادرة، تخرج من عروق الحبر، رائحة مسك خاص ودواء لا يُطبخ إلا في خزائن دواوين بغداد السرية.
أدرك شداد في تلك اللحظة الرهيبة أن شامة، بذكائها وعلمها الهندسي ، وحواسها المدربة في قصور والدها، لو وضعت بين يديها رسالة مكتوبة بحبر القصر العادي لـ كشفت اللعبة في ثانية واحدة! كانت ستلمس الحبر، وتستنشق رائحته، وتفهم فوراً أن الخط، وإن تشابه، فإن المداد غريب، وحينها ستدرك أن زوجها كشف أمرها، وينقلب الأمان الذي أراده لها إلى رعب يقطع حبل عطائها لـ “شالة”.
التفت شداد إلى الخطاط الركع على ركبتيه، وقال بصوت منخفض، جهوري، وعميق فيه كل هيبة السلطنة:
“خطُّك محبوك.. لكن المداد غريب.”
ثم التفت نحو حسن، وبإشارة قاطعة من سبابته أمره بالاقتراب، وقال له بصوت خافت تقبض الروح:
“الحبر العباسي يلمع ويفوح منه المسك.. وشامة عينها دقيقة. اقلب مخازن القصر الساعة؛ أريد مسكاً غامقاً، وزعفراناً، وصمغ الطّلح. اطبخوا مداداً ملوكياً لا يفرقه ملمس ولا ريح.. والخطاط يعيد الكتابة الليلة.”
وقف شداد بكل طوله، والتفت يعطي بظهره للديوان مخلفاً وراءه حسن والخطاط في سباق مع الزمن، بلا زيادة ولا نقصان.
مرت أيامٌ طوال على قرطبة، وشداد يخطو بين الدواوين كأنه هيكل من حديد صامت. لم يغلق في وجه الرعية باباً، ولم يعتزل مجلساً؛ فالخلافة على رقبته أمانة ورعاية، وأمور ثغور الأندلس لا تحتمل التراخي أو الوهن. لكن القصر كله، من وزراء وحراس وحجاب، شعروا بالزلزال الصامت الذي ضرب وجدان السلطان الملوكي.
لقد دخل شداد في حداد داخلي قاسم ورهيب؛ صام فيه عن الكلام إلا ما قلّ ودلّ لتسيير الأحكام، وصام عن الابتسامة حتى تيبست ملامحه كصخر الجبل البارد، وصام حتى عن نظراته الدافئة؛ فأصبحت عيناه الصقريتان تنظران إلى الفراغ بجمود مخيف، كأن روحه سافرت وخلّفت وراءها جسد حاكم عادل ينفذ الأوامر بآلية صارمة.
ولأن الرجال الأقوياء الذين يكتمون غيظهم وسرهم فداءً لدولهم ينقلب غضبهم خناجر تطعن أجسادهم من الداخل، فقد تملك “الكمد” والغم القاتل من جسد شداد. طار السهاد بالنوم من جفونه، فبات يقضي ليله هائماً في ممرات القصر كطيف واجف، وغارت عيناه في مآقيهما وحوطتهما هالات سوداء نطق بـ أثرها التعب، وشحب وجهه الذي لفحته شموس المعارك كأنه مريض بحمى مكتومة. حتى الطعام عافته نفسه، فصار زادُه لقيمات يقيم بها أوده أمام حراسه ورعيته حتى لا يظهر عجزاً، وبقيت مشيته تزعزع البلاط . كان كبرياء المحارب فيه يرفض إظهار الضعف، فيصر على شدّ درعه الثقيل وفرد ظهره كالسيف في ديوان المظالم، بينما دقات قلبه تتسارع وهناً وضيق تنفسه يكاد يخنق صدره. كان الأطباء يتهامسون عن “احتراق دمه من الحزن وغلبة المرة السوداء”، ظانين أن هموم حكم قرطبة هي التي هدت سبع فاليافي”ولم يعلموا أن الخنجر مغروز في شغاف قلبه العاشق.
وفي ليلة من تلك الليالي الموحشة، بعدما انفض ديوان العشاء، تحركت خطوات شداد بـ دافع غريزي وقاتل لم يستطع لجمه؛ كان محتاجاً أن يراها، محتاجاً أن يطالع هاديك الملامح التي سكنت قلبه لعل في ملامحها نجاة لروحه المتعبة.
مشى في الممرات المظلمة بخطوات وئيدة، مستنداً بكفه أحياناً على الجدران ليداري وهن مفاصله، حتى دفع باب جناح شامة برفق ودخل كأنه نسمة ليل رقيقة.
كان الجناح دافئاً، تفوح منه رائحة العود الذكي والند الأندلسي. تخطى السقيفة ببطء، حتى وقف عند رأس سريرها العالي المكسو بالديباج والحرير.
كانت شامة نائمة في وداعة كـ ملاك طاهر، وجهها يشع بـ بياضٍ ساحر في عتمة الغرفة، وخصلات شعرها الذهبي منسابة على الوسادة النطعية بـ دلال. بدت في نومها خالية من كل مكر أو سياسة، كأنها “نوارة بيت العباسيين” التي فتنت قلبه أول مرة في فيافي الصحراء.
وقف شداد بكل طوله، مكتفاً يديه خلف ظهره كأنه يحبس ثورتهما. ظل شاخصاً فيها بنظرات طويلة، ممزقة، ومثقلة بـ وجع ذلك الحداد الصامت. كان قلبه يصرخ في عتاب يوجع الضلوع: “علاش يا شامة؟ علاش هاد الوجه الصافي يخبي وراه ريح الإعصار اللي باغي يهد مملكتي؟ أنا اللي عطيتك قلبي وسلطاني!”. انحنى برفق، وقرب وجهه المتعب منها، وكادت يده المرتعشة تلمس وجنتها الدافئة، لكن “السلطان” فيه لجم “العاشق” بقسوة في آخر لحظة، فأطبق كفه حتى كادت أظافره تخترق جلده، وتصلبت ملامحه الشاحبة.
وفي تلك اللحظة، تحركت شامة في نومها ببطء، وفتحت عينيها الناعستين أثر حسه… فـ التقت نظراتها بـ عينيه الصقريتين الغائرتين الواقفتين فوق رأسها في العتمة.
ذعرت شامة، وقفزت خفيفة ف فراشها، وضمت لحاف الحرير إلى صدرها تحتمي به، ونظرت إلى وجهه وعينيه المثقلتين بالسهر، وجسده الذي بدا عليه الوهن لأول مرة، فقالت بصوت متهدج يملؤه الفزع، والدهشة، وقلق أنثوي أصيل:
“مولاي شداد؟!.. مالك في هاد الليل؟ واش وقعات شي حاجة؟!!”
في تلك اللحظة التي التقت فيها عين شامة الفزعة بعيني شداد الغائرتين في عتمة الجناح، بدا وكأن الزمن قد توقف تماماً في قصر قرطبة. كان السؤال الدائر في عقلها والمكتوب في نظراتها المرتعشة هو: “ما الذي دهاك يا مولاي؟”، لكن الجواب الدفين في صدر شداد كان يزن دولةً بأكملها.
كان شداد يقف فوق رأسها كالجبل الأشم، وبداخله صراع لو قُسّم على رجال الأندلس لتردهم صرعى. في عُرف الملك والسياسة، وفي الميزان الصارم الذي يحكم الدواوين، لم يكن ما فعلته شامة مجرد زلة أنثوية، أو نزوة غيرة عابرة؛ لقد كان في خط السطور مسمى واحد لا يرحم: “الخيانة العظمى”. وفي هذا الميزان بالذات، تُقبر العواطف، ويصبح الحب خديعة يمليها الضعف.
تأمل شداد وجهها الجميل وعيونها المفزوعة البريئة، وفي تلك الثواني الممتدة كالعمر، استدعى عقل السلطان المحارب؛ ذلك العقل الذي يختلف تماماً عن عقول السلاطين العاديين الذين ورثوا عروشهم خلفاً عن سلف، وجلسوا على الحرير والديباج في رعاية الدواوين الجاهزة. أولئك السلاطين قد تأخذهم عزة الملك الزائف، أو ينساقون وراء مشاعرهم فيعفون بمكرمة ملكية، أو ينفون الأميرة نيجراً للدبلوماسية وحفظاً لماء وجه العائلات الحاكمة.
أما شداد، فرجلٌ كُتب مجده بنصال السيوف، وحُفر عرشه في صخر فيافي “أنمارة”، وسُقيت دولته الناشئة بدموع رجاله ودماء أعدائه. العرش عنده ليس كرسياً وتاجاً، بل هو رعاية رعية معلقة في رقبته. ومن هذا المنظور الصارم، تذكر شداد القاعدة التاريخية الرهيبة: “المُلك عقيم لا رحم له”. سِرُّ الدولة، وتحصينات ثغور الأندلس، ومشاريع قرطبة العسكرية، كلها خطوط حمراء تأتي فوق الزوجة، وفوق الأبناء، وفوق الحب المتيم الذي يسكن شغاف قلبه. تهاونٌ واحد مع رسالة تخرج إلى بنو العباس في الشرق، يعني ببساطة: فتح أبواب قرطبة للريح، وضياع الهيبة، وتحول سيفه إلى مجرد أداة تابعة لبغداد. هنا، تحول “عقم الملك” في صدر شداد إلى درع حديدي قسري، لا مكان فيه للمغفرة التقليدية.
نقل شداد نظراته الصامتة إلى تفاصيل خدرها، وتذكر المواثيق. شامة لم تأتِ إلى قرطبة جارية تُشترى بالمال، أو سبية غنمتها الحروب؛ لقد دخلت حياته كعروس صلح”، وأمانة ملوكية مقدسة لتوثيق التحالف بين دولتين عظيمتين. وبكتابتها لتلك الرسالة السرية المستقوية بأهلها، هي لم تطعن زوجها في ظهره فحسب، بل جردت والدها السلطان العباس من صفة الحليف، وحولته في عُرف السياسة إلى “ناقضٍ للعهد”. سقطت الحصانة الدبلوماسية عن الأميرة في عين السلطان؛ لم تعد “نوارة العباسيين” اللطيفة، بل تحولت إلى “عدو محارب” يقيم بين أسواره، والتعامل مع الأعداء داخل الحصن يتطلب مكراً يفوق مكرهم.
لكن الوجع الحقيقي، والكمد الذي كان ينخر في جسد شداد ويهد قواه، لم يكن وجع السياسة… بل كان جرح كبرياء رجل الحرب.
رجال السيف يملكون حساً وفراسة حادة، واستمداد قوتهم يكون من قدرتهم على قراءة العيون. شداد، الذي استعصت عليه حصون الروم وحيل الملوك، فتنته شامة بذكائها وعلمها المحبوك وعقلها الهندسي الفذ، ورأى فيها شريكة المجد ونصفه الآخر الذي يحتمي به من غدر الأيام. أن يكتشف فجأة أن هذا العقل الذي أحبه يتربص به، وأن العين التي كان ينام وادعاً في حماها هي “عين جاسوسة” تتأمل عورات ملكه وترسلها لبغداد… هذا هو الغدر الذي لا يبرأ. الغدر في ميدان المعركة من عدو شاهرٍ سيفه أمرٌ مألوف ويُرد عليه بالحديد، أما الغدر من الشخص المأمون والمحبوب، فهو القاتل الصامت للروح.
ومع كل هذا التمزق، وكل هذا الانهيار الجسدي الصامت الذي أضعف مشيته وغوّر عينيه، ظهرت داهية السلطان الذكي. شداد لن يتصرف باندفاع المحارب الأعمى؛ لن يقتلها، ولن يسجنها، ولن يواجهها بجريرتها فتنقطع حبال العطاء في صدرها.ويدخل في حرب هوا في غنى عنها مع العباسيين ، تركيزو الحالي هوا بناء شالة واتبات سلطنته وتقوية دولته ، السلاطين الكبار يفضلون الرد السياسي الدبلوماسي الهادئ. لقد لجم السيف بذكائه، وقرر تحويل الخيانة إلى “أداة حكم صامتة”؛ سيعاقبها بالدلال، ويغمرها بالأمان، ويستغل موقفها ليقلب رقعة الشطرنج ضد بغداد من خلال ذلك الختم المزور والمداد اللامع الذي تفوح منه رائحة المسك.
في تلك الثواني العتمية، جرد شداد شامة داخلياً من صفة “المحبوبة والمعشوقة”، وألبسها في عقله ثوب “الورقة السياسية الأثمن” في صراعه مع الشرق. سيبقيها حالمة، تعمل وتعطي لقرطبة بكل طوع خاطرها وفرحتها، ليحمي دولته من جهة، ويحمي رقبة الأميرة من سيف الدولة من جهة أخرى ، لو تصرّف بـ عاطفة المحارب المخدوع، أو اندفاع الزوج المجروح، وواجه شامة بـ خيانتها، أو صرخ في وجهها بالرسالة، لـ كانت تلك الصيحة هي حبل المشنقة الذي يلفه بيده حول عنقها.
في قصر قرطبة، الحيطان لها آذان، والوزراء وعسكر القصر (بنو مخزوم وقادة الجيش) يتربصون بكل صغيرة وكبيرة. لو تسرب خبر “الرسالة العباسية” إلى قادة جنده، لـ تحولت القضية فوراً من “خلاف زوجي” إلى “قضية أمن دولة وعار ملوكي”. في تلك الساعة، لن يملك شداد خياراً؛ سـ يطالبه قادة جيشه بـ رأس “الجاسوسة البغدادية” إثباتاً لهيبة العرش، وسـ يخرج الأمر من يده ليصبح سيف الدولة مسلطاً على رقبة شامة بـ حكم القانون العسكري الذي لا يرحم. حتى لو أراد عتقها كعاشق، فـ إن عتق خائنة الثغور يسقط هيبته كسلطان ويجعل رجاله ينفضّون من حوله. لذلك، كانت خطة شداد بـ إبقاء الأمر سراً مطلساً في صدره، ووراثة “الكمد” والحداد في جسده، هي أعظم طوق نجاة يرميه لـ شامة بلا علمها.
بـ إبقائها حالمة، مطمئنة، تعتقد أن رسالتها سارت بسلام إلى بغداد، حماها من “فزع المواجهة” الذي قد يدفعها للفرار أو ارتكاب حماقة تفضحها أمام الحراس. وبـ كتابة الرسائل المفبركة بـ الخط الثلثي المسبوك، والمداد الملوكي اللامع الفواح بـ ريح المسك، والختم المزور يضمن شداد أن شامة حين تتسلم “رد والدها المزيف”، سـ تقرأ فيه أمراً ملوكياً بـ طاعته ومساعدته ونصرة ملكه في قرطبة.
بهذه الطريقة الرهيبة، غزل شداد شباك حمايتها:
سـ تستمر شامة في بناء قرطبة وتصميم حصونها بـ طوع خاطرها وفرحتها، ظانةً أنها ترضي والدها العباس، بينما هي في الحقيقة تخدم دولة شداد وتثبت ولاءها له أمام حاشيته ورجاله.
كل تصميم هندسي تقدمه، وكل قلعة تعلي أسوارها، سـ يكون في عين وزراء قرطبة وقادة الجيش دليلاً قاطعاً على “إخلاص الأميرة العباسية” لـ زوجها السلطان. وبذلك، يخرس شداد ألسنة السوء قبل أن تنطق، ويجعل من أفعالها درعاً يحمي رقبتها من سيف الدولة.
ويعيش هو حداده الصامت على حب انكسر في مأمنه.
كبح شداد جماح زفرته المكتومة، وتراجعت يده المرتعشة إلى خلف ظهره. وفي الغرفة الدافئة المعبقة برائحة الند الأندلسي، ارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتماسية خفيفة، باردة، ومتقنة للغاية… ابتسامة قناع السلطان الذي يخفي وراءه الموت والتدبير، وقال بنبرة هادئة، رصينة، وخالية من أي غيظ أو عتاب:
“لا كرب في قرطبة وأنا حيّ يا شامة… نمتِ وادعة، فرأيت أن أطالع وجهكِ قبل أن تطأ قدمي ديوان الصباح.”
انسحب شداد بـ خطواته الرزينة والباردة نحو عتمة الممر، مخلفاً وراءه سكون الغرفة الدافئة المعبقة بـ رائحة الند الأندلسي، والباب ينغلق خلفه بـ صرير خفيف كأنه حكمٌ قاطع بالصمت.
بمجرد أن توارت خطوته، تهاوت ابتسامته المصنوعة. استند بـ ظهره على السارية الرخامية الباردة في الممر المظلم، وأغمض عينيه بوجع، نافثاً زفرة مكتومة كادت تخنق صدره المثقل بـ الكمد. لم يكن هناك أشق على رجل حرب من أن يرتدي قناع الأمان أمام كاسر قلبه، ولكن “عقم المُلك” حسم اللعبة؛ لقد جردها داخلياً من صفة المحبوبة ليصنع منها “الورقة السياسية الأثمن” التي سـ تحمي دولته، وتحمي رقبتها هي بالذات من سيف الدولة وعسكر قرطبة.
أما داخل الجناح، فـ قد بقيت شامة متسمرة في فراشها كأن على رأسها الطير. أرخت يديها ببطء عن لحاف الحرير الذي كانت تضمه إلى صدرها، وظلت عيناها شاخصتين نحو الباب المغلق بـ ذهول واستغراب شديد.
لم يكن هذا شداد الذي تعرفه؛ لم تكن هذه نظرته الدافئة التي اعتادت أن ترى فيها أمانها ومكانتها. تلك الابتسامة الباردة والمتقنة التي ارتسمت على شفتيه الشاحبتين لم تخدع حواسها المدربة في دواوين بغداد. لقد لمحت الغوران في عينيه الصقريتين، والشحوب الرهيب الذي يكسو وجهه، وهالت بـ فزع لـ مظهر جسده الذي بدا عليه الوهن والتعب لأول مرة، كأنه يصارع حمّى مكتومة أو يحمل هماً يهد الجبال.
تسلل الشك والوجل إلى عقلها الهندسي بـ دقة لا ترحم: “ما الذي جاء به في غسق الليل لـ يطالع وجهها بـ هذا الجمود؟ هل كُشفت رسالتها؟ هل عثر حراس القصر على شيء؟”. دارت يدها بـ حركة تلقائية نحو موضع مسوداتها، ونبضات قلبها تتسارع في عتمة الغرفة. ظنت لـ وهلة أن هذا الهدوء القاسي الذي غادر به ليس إلا الهدوء الذي يسبق عاصفة الإطباق على الضحية.
لكن كبرياء “نوارة العباسيين” سرعان ما لجم رعبها؛ رفعت رأسها وعقدت عزمها ألا تظهر أمامه بـ مظهر المرتبكة. قررت أن تقابل صمته الغريب بـ دقة العمل،
انقشع ليل قرطبة ببطء، وتسللو أول خيوط د الشمس من وراء الستائر د الحرير، باش تكشف على وجه شامة اللي ما دازش عليها النوم ديك الليلة كاع. العتمة مشات، ولكن الشكوك اللي زرعاتها الشوفة د شداد الباردة بقات جاثمة على صدرها.
مع الدقة الأولى د الصباح، تفتّح الباب الخارجي د الجناح بـ خطوات مألوفة، ودخلت “دادا رقية” وهي هازة صينية د الفطور واللباس د شامة.
غير سدات دادا رقية الباب وراها، قفزات شامة من بلاصتها، وما تسناتش كاع الداية تحط الصينية. قربات عندها بـ خطوات زربانة، وهبطات صوتها حتى لـ الهمس، وعينيها كيدورو بـ حذر جيهة السراجم:
“رقية!.. هضري معايا دغيا، واش كلشي داز ف الأمان؟ داك المرسول ، وصل للعطار ف أمان الله؟ واش عيون القصر كانت غافلة؟”
حطات دادا رقية الصينية بـ المهل، والتفتات لـ شامة بـ وجه باين عليه التعب وشوية د الخوف، وقالت بـ صوت خافت:
“ف أمان الله يا لالة… سلمتها ليه من يدي ليدو
بعد ما طمأنت دادا رقية لالة شامة بأن أمر المرسول قد كُتم، انصرفت الداية من الجناح الملوكي بخطوات رصينة، متظاهرة بوجاهة الخدمة وقضاء مآرب الحرم اليومية كعادتها، قابضةً بيدها على وعاء الثياب لتدرأ الشبهات وسط ممرات القصر.
بينما كانت رقية تخترق رواق الحرم الكبير بالوقار المعهود في العجائز، عابرين بجانبها جند الحراسة والخدم، حاذاها أحد غلمان الخاصة بخطى حثيثة متسارعة، وبلا التفاتة أو حنيّة رأس تعيب مسيره، ألقى خلف ظهره همسة باردة، مقتضبة، كأنها نفحة ريح غابرة:
“التاجر في رسم الانتظار…”
مضى الغلام في سبيله وغاب خلف سواري الرخام قبل أن يرتد الطرف.
لجام الحكمة مَنَع الداية رقية من الالتفات أو إظهار الوجل؛ واصلت مَشْيَها بُرهةً ريثما استدارت في مأمن العين، وعادت أدراجها بـ “خطوة ثقيلة” تلتمس جناح لالة شامة.
ولما أوصدت الباب خلفها بـ مَهْلٍ وحذر مطلس، وجدت الأميرة العباسية قائمة في حيرتها، شاخصة البصر، تكاد دقات قلبها تُسمع في سكون الحجرة الدافئة. دنت رقية منها، وخفضت نبرتها إلى قرار سحيق:
“لاللة ، بلغت ليشارة والمرسول وصل للتاجر وراه كيتسنا” نزل الخبر على لالة شامة نزول الصاعقة، فارتد الدم عن وجهها النبيل وتملكها رعبٌ صامت، غائر. لم تكن تلك ريبتَها الأولى، بل كان فزع الارتياب من عاقبة أمرٍ صَنَعَتْهُ بيديها؛ فالمكتوب الذي تنتظر رده من والدها العباسي في الشرق، ليس إلا سراً ملوطاً بالدم، وخيانة عظمى لو انجلت لشداد أو عسكر قرطبة، لكانت فيها رقاب وتفنى دونها دول.
أمسكت شامة بـ مِعْصَم رقية بقبضة مرتعشة لكنها حازمة، وضيقَت عينيها بنظرة حارة تخفي وراءها هول المطلع، وقالت بـ هسيسٍ موزون يحمل ثقل الموت والحياة:
” اول مرة نتلف ونحس بقلبي غيوقف! واش هادشي لي كنديرو فيه صحيح ولا راه البصر تغشى والبصيرة تغشات.سيري لحال سبيلك وعنداك ادادا يعيق بيك شي واحد ولا يطيح المرسول فيد لشداد.. ونولي انا سبب الحرب والخراب.”
نظرت دادا رقية إلى يد الأميرة القابضة على معصمها، وشعرت بثقل تلك المسؤولية التي كادت تئد الأنفاس في صدر شامة. تراجعت خطوة إلى الوراء بوقار الشيوخ، وحطّت يدها الأخرى فوق يد لالة شامة محاولةً تسكين روعها، وقالت بنبرة حكيمة، رزينة، تحمل همسة التدبير:
“يا لالة، هاد المكتوب غالي، والخطوة ف زقاق قرطبة بدم رخيص ولا بذهب فاني. هاد السواري عندها عيون، والحيط كيسرق الكلام ف هاد السكون. أرى يا ابنتي نكفو يدينا، ونخبيو مواجعنا علينا؛ خلي عبيبوش ينزل لـ قاع السوق، هو فار الدار وعارف فجاج المدينة وفين يدور الروق، يقضي الغرض ف الغفلة بلا ما تطلع فيه العين ولا يبان ليه حس.”
تخطف لون شامة، وأرخت يدها وهي كتهز راسها بـ حزم وحسرة، وقالت بـ كلام مسبوك
“دادا رقية!! وياك وعبيبوش هاد الساعة ، عبيبوش ف القصر هو ظلي، وإيلا تحرك كيتحرك معاه همي وكل ما ف جُهدي. البارح قريبة والوقيعة اللي دار ما زال عجاجها قايم، والناس ف لغيار نساو كاع الصلا والصعايم. أنتِ كتعرفي واش تجرعت على قبلو من عار وهوان؛ عيروني بـ ‘العقم’ ف لسان الخدمان، وتنازلت على هيبتي وتاجي غير باش نحجب عليه سيف المخزن وعقاب السلطان.”
تنهدات شامة وهي كتشوف ف السراجم، ورجعات شافت ف رقية بـ عيون ثاقبة وكملات كلامها الموزون:
“الأيام ف هاد القصر عابسة، وعيون الحراس على خطوتو عساسة وقابسة. حبيبوش اليوم تحت الرقابة والمحاسبة، وتحريكو لـ جيهة السوق قلة فطانة ومجازفة غايبة. بغينا الجمر يبرد، والريح تدوز والنفوس ف الغفلة ترقد.
أما أنتِ يا دادا رقية… أنتِ لالة العيالات، ومولات الحكمة اللي ف كلامها كاع الهم فات. أنتِ وقار السنين وزهد النفس ف الدسائس والفتون؛ حتى عين ما تتربص بيك ولا تخطر عليك الظنون. أنتِ درعي الحصين ف هاد المحنة، وهاد السور ما يقطع حبالو غير حلمك وحكمتك اللي تخرجنا لـ جنة. اخرجي بـ بركة الله، واجعلي من سترك حجاب يحمي هاد السر العظيم.”
في تلك الأثناء، وفي جانب آخر من قصر قرطبة حيث الرواق العالي وظلال الحريم، كانت الأنفاس محبوسة في جناح “شريفة”؛
كانت شريفة ممددة على فراشها الوثير، وجهها الشاحب يشي بوهنٍ شديد وتعبٍ لم تعهده الحاشية فيها من قبل. دنت منها الحكيمة العجوز بوقارها وهدوئها، ووضعت يدها الخبيرة تقلب نبضها وتتحسس جبينها، وسط ترقب خادمتين واقفتين عند رأس الفراش. بعد لحظات من الصمت المطبق، انفرجت أسارير الحكيمة، والتفتت إلى لالة شريفة قائلة بصوت هادئ يحمل البشارة:
“مباركة مسعودة يا لالة… الوجع اللي فيك ما هو علة ولا سقام، هادي علامة الخير؛ أنتِ حاملة وفي بطنك جنين يثبت الساس.”
خارج الغرفة، وراء الباب الخارجي الموصد بجانب السارية، لم تكن الممرات خالية. هناك كان “حبيبووش”، قزم لالة شامة
غير سمعات لالة شريفة كلام الحكيمة، حتى انفرجت أساريرها، ودخلات الفرحة لـ قلبها من بعد طول تسني؛ تنهدات الصعداء، ودموع الاستبشار غلغلات ف عينيها، ورفعات يديها للسما كتحمد الله على هاد الرزق اللي غيزيدها جاه فوق جاه، ويثبت نفوذها ف قصر السلطان شداد.
خارج الغرفة، وراء الباب الموصد، كان عبيبوش لاصق مع السارية بحال الحنش، حاط ودنه على الشق وكيزير ف حواجبو. الصوت داخل البيت كان خافت، وحبيبووش ما لقطش الكلام مقاد، وصلوه غير غماهز د الفرحة والهمس، وما عرفش بـ الضبط شكون مات وشكون حيا.
فجأة، تفتح الباب وخرجو الخدم والجواري وجههم ضاحك ومستبشرين، والزغاريد مكبوحة ف حلقهم غي بـ الهيبة د القصر. عبيبوش هذيك اللحظة جمع راسو بـ خفة، ودار راسو دايز قاضي غرض بـ لسانو الطويل ومشيتو المعوجة. وقف ف طريقهم، وبدا يدور ف عويناتو الحارين بـ تمسخيط واستفزاز، وقال ليهم “يا فتاح يا رزاق… مالكم خارجين متبسمين وف وجهكم هاد النوار؟ شكون اللي صاب الكنز ف هاد الدار؟ واش العيد جا قبل وقتو، ولا لالة شريفة لقات السعد ف مرايتها وضحك ليها وقتها؟ “
 وحدة من الجواري، بـ فرحتها، شافت فيه وقالت بـ خفية: “إيوا هني لالة شريفة يا حبيبووش… الفرحة دخلات لجناحنا، والخير جاي ف الطريق.”
عبيبوش بـ ذكائه الخبيث ولسانه المنتق، ما عجبوش الحال وبغى يجر الكلام كامل، صغّر عينيه وقال بـ نبرة مستفزة وضاحكة ف نفس الوقت:
“الخير جاي ف الطريق؟ إيوا ف الصيف ولا ف الشتا؟ واش جابت الحرير من بلاد الهند، ولا السعد نبت ف الجردة بلا رعد؟ فكوا لي هاد اللغز المفتول؟”
خرجات السعدية كتتمخض فقفطانها وجلايلو كيتهزو ويتحطو بالغلض شافت فيه بـ عين حمرة وقالت ليه: “بركة من اللغو واللسان الماضي يا قزم الحرم! لالة شريفة كرشها عامرة وحاملة بـ ولي العهد د السلطان شداد، ايوا سمي الله وغمض دوك لعينين “
طارت الفرحة من وجه حبيبووش ف ثانية، وضارت ف راسو العاصفة؛ هاد الخبار ماشي عادي، هادي رعدة غتزلزل الجناح د لالة شامة وتغير كاع حسابات المُلك. بلا ما يزيد معاهم حتى كلمة، انسل بحال الريح ف السكوت، وطلق رجليه للممرات الطويلة، قاصد الشرفة فين واقفة لالة شامة كتسنى دادا رقية، باش ينزل عليها هاد الخبر الساخن قبل ما تبرد العافية ديالو.
في تلك الساعة، وفي عمق القصر بقرطبة، كان السلطان شداد جالساً في ديوانه الخاص، مستنداً على كرسي المُلْك، والنار قايدة في فكره وخاطره مكظوم. كان الموضع مظلم، ما داخلة ليه غير خيوط خفيفة د الشمس، كأنها خيوط د السياسة اللي كيتفصلوا في الستر.
قُبالته، كان واقف الحاجب حسن؛ راجل الثقة وكاتم السر، شاد يديه وراء ظهره، وراسه محني بهيبة الحِكام، وفي عينيه نظرة د الصياد الفاطن.
دنا الحاجب حسن من السلطان بخطوة ثقيلة وموزونة، وهبط صوته لـ قرار الديوان، وقال بـ كلام مسبوك
“يا مولاي السلطان، الأمر قضيتو، والشرك اللي نصبنا للحمامة طارت ليه وقبضتو. الحوتة عمات وسط الما وكلات الطعم اللي رمينا، والمكتوب اللي ختمنا بـ يدنا مشى وف فخنا تلوى و تلوّينا.”
هز شداد راسه بـ المهل، وعينيه الصقريتين ضياقوا وسط الظلام، وقال بـ صوته الرخيم الصارم:
“بلغني يا حسن بـ الخبر يقين، واش العيون حاضية السكة، واش بان حس الخائنين؟”
انحنى الحاجب حسن شوية، وكمل كلامه بـ الحكمة والترتيب د الكلام:
“الخبر يقين ولا فيه ريب يا مولاي. رقية خرجات هاد الصباح من الحرم، عاطية خطوتها للريح وقاصدة جيهة المرسى والتجار؛ مشات تجيب الرد لّي صاوبنا بـ يدنا، وهي تظن أن السعد جاها من بغداد. أما داك التاجر… فـ كُن هاني يا سلطان الزمان، لبّسناه الكسوة وقدينا ليه الشان؛ خرجناه من ظلمات الحبس ف السكات، ورديناه لـ حانوته ف قاع السوق كأن شيئاً ما كان. هو دابا ف المقعد ديالو، لسانو مربوط، وعيوننا عليه عساسة وقابسة، تحسب عليه حتى النفس اللي خارج من صدرو.”
تبسم شداد ابتسامة باردة فيها غدر الأيام وحسرة القلب و حط يده على مقبض خنجره.
تلك الأثناء، برّا الديوان وفي ممرات القصر الطويلة، ناضت عجاجة وقربالة بين الخدم والجواري. خرجت البشارة من جناح لالة شريفة بحال العافية في الهشيم، وكلشي بغا يطير بـ رجليه باش يكون هو الأول اللي يوصل الخبار لـ السلطان شداد؛ حيت اللي عطاه البشارة بـ ولي العهد، غينزل عليه الرزق والذهب، وتتبدل أحوالو ف ثانية.
كانوا الجواري والغلْمان كيجريو ويتسابقوا ف الممرات الرخامية، يدهم على قلوبهم واللعاب ناشف ف حلقهم، اللي طاح كينوض، واللي سبقت كتدفع الأخرى، وعينيهم كتقلب ف القصر يمين وشمال، ويسولوا بـ خفية ولهفة: “فين هو السلطان؟ فين غبر ف هاد الساعة؟ السعد جا والخير بان!”.
ولكن، غير وصلوا لـ رأس الممر الكبير المؤدي لـ جناح الحُكم، وفرينات خطواتهم بـ قوة، وطاح عليهم الصمت والبرودة، تربطات خطواتهم بـ قوة، وطاح عليهم الصمت والبرودة، وطارت الفرحة من وجوههم وجمدات الحركة ف البلاصة.
شافوا ف بعضياتهم بـ فزع، وهبط الخادم الكبير راسه للارض وقال بـ صوت خافت كيرعد:
“السلطان راه ف الديوان… دخل وسد عليه الباب مع الحاجب حسن.”
غير سمعوا كلمة “الديوان”، تراجعوا كاملين بـ خطواتهم لور، ودخلهم الخوف؛ حيت الديوان ف قصر شداد ماشي بحال كاع البيوت، هو حرم ممنوع منعا كليا على الإنس والجان، وما يقدر حتى بشر يقرب لـ عتبة بابو يلا كان السلطان لداخل.
هاد الديوان كان مهندس بـ هندسة عجيبة وذكية، ساريه غليظة وحيطانه مبنية بـ رخام وصخر مصمت كيحجب الصوت وكيمنعو من الخروج على برا، وحتى السبع الى زئر لداخل ما يتسمعش حسها ف الممر. بابو د الخشب الثقيل المصفح بالحديد كيتسد بـ قفل د الملوك، والوقوف حداه ف وقت الخلوة العسكرية كيتجازى بـ قطع الرقبة ماشي بـ البشارة.
وقفوا الخدم بعيد، شادين بـ يدهم على صدرهم، مبهوضين وخايفين، يتسناو ف الغفلة فوقاش يتفتح هاد الباب المغلوق، والبشارة د ولي العهد بقات محبوسة ف حلقهم، ما قدر حتى واحد فيهم يخطي خطوة لـ قدام ويغامر بـ حياته ف سبيل الذهب.
“من غارس النخل في بر الشرق… إلى غصننا الشامخ في أرض الغرب، لالة شامة.
أما بعد، فقد وصلتنا بضاعتكِ مع التاجر، وعلمنا ما أصاب الزرع من حيرة في بلدِكم.
فهمنا كتابكِ يا ابنتي، واعلمي أن الصياد الفاطن لا يمنع الطير من بناء عشه فوق الشجر، بل يتركه يعلو حتى إذا كبر الفرخ، طال الرزق وصار الصيد في المتناول.
أمرنا إليكِ في أمر ‘البستان الجديد’ الذي يُراد تسييجه على ضفة النهر: أعيني البنّاء على سد المنافذ، وقدمي له طين العراق وحجر بغداد ليقوى البنيان ويبهج العيان.
لكن… ردي البال لـ ‘مجرى الواد’ إذا التقى بـ الملح؛ اجعلي فـ ‘عقدة الساقية’ خيطاً رقيقاً يسهل قطعه بـ المنجل عند حصاد الموسم. لا تشدي الوثاق في ‘الركن الغربي د السور’، ودعي الريح تجد منفذاً مخفياً بين الحجر، حتى إذا احتجنا لدخول البستان من باب السر، انفتح لنا بـ هزة كف خفيفة، وبلا عناء.
كوني طيعة في حرث الأرض مع الحارث، واعلمي أن البذور التي زرعناها فيكِ لا تموت في طين الأندلس.
احفظي الميزان، وردي البال لـ غدر العواصف، والسر في حرز مطلس.”
غير حطت شامة يدها على المكتوب، حتى سرت في جسدها رعدة باردة، كأنها قبضت على نصل سيف مسلول. تخطف لونها النبيل، ورجعت خطوة لور وهي كتشوف ف داك الختم العباسي اللي كيمثل ليها الحِمى والهلاك ف نفس الوقت.
جلست على طرف سريرها والركابي ما هازينهاش، وبدات كتحل بـ صباعها المرتجفين الشمع بـ المهل، وعينيها كيدوروا جيهة الباب بحذر، يسحاب ليها كل حركة ف الممر هي خطوة د السلطان شداد جاي يقطع راسها.
فتحت الرق، وبدات كتقرا كلام أبوها المكتوب بـ لغة المرموز والألغاز د دواوين السر. ومع كل سطر كتقراه، كانت عينيها كتوسع ويضيقو، وعقلها الهندي الحاد كيفك الشفرة ويمشي ما بين السطور:
‘لا تمنعي البناء…’
‘اجعلي في عقدة الساقية خيطاً رقيقاً…’
‘لا تشدي الوثاق في الركن الغربي د السور…’
فهمت شامة الملعوبة كاملة، وعرفت بلي باها كيمرها بـ أكبر خيانة هندسية ف التاريخ؛ باغيها تخدع راجلها وسلطانها شداد، وتبني ليه معسكر ‘شالة’ بـ عيب مخفي ف الساس يريب نهار يحتاجوه العباسيين.
ف هذيك اللحظة، تزيرت الأنفاس ف حلقها، وضمت المكتوب لـ صدرها بـ قوة وهي كترعد، وشافت ف دادا رقية بـ عيون مغلغلة بـ الحيرة والوجل، وقالت بـ كلام موزون وثقيل خرج من قاع قلبها المغبون:
“يا رقية…السلطان. بغاني نكون الساس ونكون الهدام ف نفس الوقت! طالب مني نعطي لـ شداد عقلي وعلمي ف العلن، ونحفر ليه قبرو بـ يدي ف الخفاء… هاد المكتوب يا رقية، كيهد المشاعر وكيزلزل كاع الحساب لّي بنيت. إيلا طعت والدي وخنت راجلي، غنعيش بـ عار الغدر ف هاد الأرض… وإيلا طعت زوجي وعصيت سلطاني ف الشرق، غنكون قطعت حبال أصلي وفنيت نفوذ أهلي.”
حطت يدها على جبينها الشاحب، وتنهدت الصعداء بـ حسرة تزن الجبال، وتابعت بـ همس حكيم:
“الشور غالي يا رقية، والوقت ضيق وعيون شداد صقرية ما كتغفلش… هاد المكتوب خاصو يتلاشى ويولي رماد، والعقل عندي خاصو يوزن الذهب ف كفة، والدم ف كفة، قبل ما تخطي رجلي خطوة لـ قدام.”
امتصت ظلمات الغرفة وهج النهار، وصار جناح لالة شامة ضيقاً كقبرٍ يضم سر الملوك. كانت الأميرة العباسية تخترق الحجرة بخطوات تائهة، وازنة وثقيلة، يجرها خلفها خلخالها الذهبي برنين باهت حزين، كأنه قيد يربطها بأقدار لا تملك الصد عنها.
شامة، التي طالما وزنت الرجال بعقلها وحسابها الحاد، بدت في تلك الساعة شاحبة كقمر الخريف؛ عيناها النبيلتان زائغتان بين السقف والأرض، تتلاطم فيهما أمواج من الحيرة والارتياب. يد تنقبض على صدرها المبهوض بـ “كلام الوالد وعتاب الذات”، ويد أخرى تمسح على جبينها العرق البارد. كانت روحها ممزقة بين طاعة الدم وسلطان الشرق الذي رعاها، وبين كبرياء العهد وصهر الأندلس الذي يشاركها الفراش ويطلب علمها؛ خطوة واحدة نحو اليمين خيانة لأصلها، وخطوة نحو الشمال هلاك لبيتها.
في الركن المظلم من الغرفة، قريباً من المجمر النحاسي، كانت دادا رقية جاثية على ركبتيها كأنها تمثال من السنين والوقار. وجها المخَطط بـ “خطوط الحكمة والزمن” كان ثابتاً، وعيناها ترقبان عاصفة ابنتها شامة بصمت عليم.
حطت رقية طرف الرق العباسي في قلب الجمر المتقد.
اندلعت ليد عافية صغيرة، زرقاء وحمراء، بدأت تلتهم مداد السر والمسك بـ “المهل والموزون”. تصاعد دخان رقيق، فاح معه مسك دواوين بغداد مخنوقاً برائحة الاحتراق. كانت الحروف تلتوي وسط النار كالحيايا، تسودُّ وتتلاشى؛ ‘لا تمنعي البناء…’، ‘العيب المخفي…’، ‘الركن الغربي…’. كُل سطر كان يختفي، كان يترك في صدر شامة غصة وحسرة، كأن جزئاً من غصنها العباسي يحترق ويتحول لـ رماد فاني.
شامة وقفت شاخصة البصر، عيناها معلقتان بـ الوهج الصغير اللي كياكل مكتوب الأب، وقالت بـ هسيس مبحوح خارج من قاع الخاطر:
“مشى المكتوب يا رقية… مشى كلام الوالد والسر المطلس، وولى رماد ف قاع المجمر.”
التفتت رقية بـ ثقل، وحركت رماد الورق بـ مغرف الحديد حتى انطفأ الأثر تماماً، وقامت ووقفت بـ وقار الشيوخ، وقربات لـ عند شامة، وحطت يدها الدافئة على كتفها وقالت بـ كلام مسبوك
“المكتوب راب وصار رماد يا ابنتي، ولكن الحيرة اللي ف صدرك باقي عجاجها قايم. النار كترمد الورق، ولكنها ما كتحرقش التدبير اللي نبت ف العقول. جمعي راسك يا لالة شامة، ونفضي عليك غبار الخوف؛ الرد دابا ولى ف حرز عَقْلك، ولا عين شافت ولا لسان لقط. دابا سدي باب الحيرة، ولبسي قناع الأميرة، حيت الملعوبة بدات، وشداد إيلا شاف هاد الارتياب ف عينك… غيقرا السر بلا ورق وبلا مداد.”
انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة لديوان الحكم كم بقرطبة، فانساب من خلفها صمت مهيب جمد الحركة في الرواق العالي. تلاحقت خطوات وزراء الدولة، وشيوخ المجلس الكبار، وقادة الجند والمستشارين، وهم يدلفون إلى القاعة الكبرى بخطى حثيثة موزونة، يتقدمهم وقار المناصب وتكسو وجوههم صرامة الموقف.
كان الديوان ببهوه الفسيح وسواريه الرخامية العالية يبعث على الرهبة، لكن الرهبة الحقيقية كانت تجلس فوق كرسي المُلْك.
هناك، حيث يربض السلطان شداد، تجسدت هيبة الفارس الذي لم تكسر الأيام شكيمته. كان جالساً في علياء كبريائه، متوشحاً برداء الفارس الحر بعيدا عن قيود الاكمام الواسعة والقفاطين الطويلة والعمامات التقيلة ، ، واضعاً يده القوية على مقبض سيفه الصقيل المستند إلى جانبه، كأنه جزء لا يتجزأ من هيبته. لم يكن في جلسته تراخٍ، بل كانت وثبة وثوقٍ تظهر في حدة عينيه الصقريتين اللتين تخترقان الصفوف، ملامحه الصارمة كأنها نُحتت من صخر جبل طارق، وحضوره الطاغي في القاعة كان كفيلاً بقطع الأنفاس؛ فلم يجرؤ أحد من القادة أو الشيوخ على رفع البصر إليه، بل كانت الرؤوس كلها محنية، والأيدي متشابكة خلف الظهور جلالةً لمقام سلطان الأندلس.
جال السلطان ببصره في وجوه رجاله، فخيم على القاعة صمت مطبق، لم تكن تجرؤ حتى ذرة غبار على حركتها فيه. تنحنح شداد، فكان لصوته الرخيم، الجهوري الحازم، رنين زلزل سكون الديوان، ولم يحتج إلى كثرة الكلام ليفرض أمره؛ بل كانت كلماته قليلة، مقتضبة، ومسبوكة بهيبة الدواوين:
“أيها القادة… شالة تنادينا، والتاريخ لا ينتظر القاعدين. سفرنا إليها قد حان، وراياتنا ستخفق على ضفة أبي رقراق قبل انقضاء الهلال.”
التفت بنظرته الحادة جيهة القائد “إلياس” الذي كان يقف في مقدمة قادة الجند، وتابع السلطان بلهجة لا تقبل المراجعة:
“القائد إلياس… سرجك لا يهدأ. خذ فرسان الخاصة واجعل من غبار خيلكم بريداً يسبقنا. تنصب الخيام بساحة شالة، وتؤمن الثغور والمداخل، حتى نصل والدار دارنا.”
انحنى القائد إلياس حتى كاد رأسه يمس الأرض وقال بصوت خاشع: “أمرك مطاع يا سلطان الزمان، خيلي تسبق البرق في طاعتك.”
ثم تحولت عينا شداد كالسهم نحو القائد ” اسحاق”، وضيق عينية بنظرة تحمل ثقل الأمانة، وقال:
“القائد اسحاق… عهدنا بك حصناً لا يُثلم. سيفك يبقى في غمد قرطبة، وعينك لا تغفل عن شبر من حدودها. حماية الوطن في غيابنا أمانة في عنقك، والعدو في جحره يرقب الغفلة، فلا تدع له منفذاً.”
تقدم اسحاق خطوة، وحط يده على صدره تيجاناً للأمر: “رقبتي دون قرطبة يا مولاي، والله يشهد أن العين لن تذوق كرى حتى يعود ركابكم السامي.”
أخيراً، أدار السلطان شداد وجهه جيهة وزير الدولة وكبير المستشارين، الوزير “عبد السلام”، وكان هذا الأخير شيخاً جليلاً خبر السياسة ودواوينها. نظر إليه شداد بوقار متبادل وقال بكلمات قاطعة كحد السيف:
“الوزير عبد السلام… أنت ظلي في المحراب، ولساني في الغياب. تنوب عن عرشنا، وتقضي مآرب الرعية بالعدل والشدة، وخاتم المُلْك بيدك حجة على من عصى.”
خرّ الوزير عبد السلام حانياً رأسه بوقار الشيوخ، وقال: “حملتُ الأمر بالسمع والطاعة يا حامي الثغور، وسأكون كما عهدتني، سيراً على صراط عدلكم.”
رفع السلطان شداد يده عن مقبض خنجره إشارة بانتهاء الأمر، فقام الشيوخ والقادة يتراجعون إلى الخلف بظهورهم، بلا التفات، مخلفين وراءهم ديواناً يرتعد بهيبة السلطان الفارس، الذي حسم مصير الأندلس بكلمات معدودة.
أُغلقت الأبواب الضخمة، وعاد الديوان إلى سكونه المهيب. لم يبقَ في القاعة إلا السلطان شداد جالسًا على عرشه، والحاجب حسن واقفًا قُرب العتبة، ينتظر إشارة الملوك.
التفت شداد بجسده، وأرسل نظرته الصقرية جيهة حسن، ثم أشار إليه بيده القوية أن يدنو. تقدم الحاجب بخطوات رصينة حتى وقف بين يدي السلطان، مطأطئ الرأس.
نظر إليه شداد مَليًّا، وكان بريق العزم في عينيه يضيء عتمة القاعة، وقال بصوت رخيم، عميق، كأنه يقرأ من كتاب الغيب:
“ادْنُ يا حسن…”
صمت السلطان بُرهة، ثم التفت بجسده نحو النافذة الكبرى المطلة على الأفق البعيد، وتابع بنبرة زلزلت السكون:
“هذا أوانُ الخطوة التي لا رجوع بعدها… اعلم يا حسن أن سفرنا إلى شالة ليس مجرد بناء جدران وحصون، بل هو فجرُ عهدٍ جديد لشداد. من هاد الزقاق ف قرطبة، ومن ضفة أبي رقراق، غتبدا الطريق اللي غيسمع بها العالم كامل شكون هو شداد الفارس، وشكون هو سلطان الأندلس.”
التفت إلى حسن وعيناه تشعان بـ هيبة طاغية:
“لقد ضاقت بنا الحدود، وحان الوقت ليَزهر عهدُنا، ويمتد ظلُّنا فوق البحار والثغور. سنكتب التاريخ بحد سيوفنا وعمق تدبيرنا، حتى لا يبقى في الشرق أو الغرب لسانٌ إلا ويذكر اسمنا بالهيبة والوجل. كن مستعداً يا حسن… فالركاب السامي سيسير نحو المجد، ومن كان معنا اليوم، سيشهد كيف يصنع شداد دهرًا ينحني له الزمان.”
انحنى الحاجب حسن حتى كادت جبهته تلامس بساط الأرض، وقد سرت في جسده قشعريرة الهيبة والولاء، وقال بنبرة صادقة تملؤها الرهبة:
“مولاي السلطان… نحن طوع بنانكم وسهامٌ في كنانتكم. سِر على بركة الله، فالتاريخ قد فتح صفحاته لاسمكم، ونحن خلفكم حتى يكتب دهركم أسطورة لا تفنى.”
دار شداد نصف دورة، ورجع قبط مقبض خنجره بحزم، شاخصاً ببصره نحو الحاجب حسن بنظرة ثاقبة، امتزجت فيها حكمة السلاطين بصرامة القادة، وهبط صوته إلى قرار الديوان متحدثاً ببلغة الملوك وأرباب الحُكم:
“أنت مستخلفٌ في هذا القصر يا حسن… ستكون عيني التي لا تنام، ويدي التي تضبط زمام الأمور في غيابنا. الحراس والقادة طوع بنانك، والوزير عبد السلام عونك في المشورة، لكن لجام الحرم والدار بيدك وحيدك.”
صمت السلطان بُرهة، وضاقتا عيناه الصقريتان كأنه يستقرئ غيب الأيام ومصائر الدول، ثم تابع بنبرة خفيضة، لكنها تزن الجبال هيبةً وعمقاً:
“رُدَّ البال واحذر يا حسن… واعلم أن المُلْك العظيم لا يُهدم إلا من داخله، وأن ساس هذا الحصن هم النساء . إن النجاح الحقيقي في دهرنا هذا يبتدئ من النساء، وإن الخسارة والخراب العاصف لا يأتيان إلا من النساء. إن أحسنتَ قيادة شراعهما بلغتَ بملكنا عِنان السماء، وإن غفلتَ عن حركتهما طرفة عين، غرقَت السفينة في لُجج اليمّ، وهدَّت كل ما بنيناه بالدم والمهج.”
حطّ شداد يده القوية على كتف الحاجب، ملقياً عليه بثقل الأمانة:
“اجعل أذنك صاغية لكل همسة تدور في ممرات الحريم، وعينك راقبةً لكل ساكن ومتحرك. أريد القصر في غيابنا كالميزان الدقيق؛ حركة منضبطة، وسكون مطلق، حتى نعود إليكم برايات شالة الشامخة.”
انحنى الحاجب حسن حتى قارب جبهته الأرض، وقد استشعر عظم المسؤولية وثقل الوصية، وقال بنبرة ملؤها الولاء:
“كلامكم حِكمٌ مأثورة، وعهدٌ موثوق في رقبتي يا مولاي السلطان. سأكون الحصن الحصين لسرّكم وداركم، ولن تمرَّ ريحٌ عبر هذا الحرم إلا بإذننا… سِر على بركة الله وتوفيقه، وظلُّكم حامٍ لنا في الغياب.”
بمجرد أن أنهى السلطان شداد وصيته للحاجب حسن، تحركت خطواته الواثقة نحو بوابة الديوان العظمى. انفتحت الأبواب على مصراعيها، فخرج السلطان بهيبته الطاغية وطُلّته الفارسية التي تجبر كُل من في الممرات على طأطأة الرأس.
وعلى غير العادة في مثل هذا الوقت، لم تكن الرواقات خالية؛ بل كان غلمان الخاصة والعبيد مصطفين في نظام دقيق، مستندين بظهورهم إلى الحائط الرخامي الكبير، مطأطئي الرؤوس والوجل يملأ نفوسهم من هيبة الوقوف في طريق السلطان.
وفي مقدمتهم، كانت تقف “العريفة” (كبيرة خادمات الحرم)؛ امرأة طاعنة في السن، يكسو وجهها وقار الخدمة وصمت الدواوين، ممسكة بأطراف ردائها، والتبسم يغالب صرامة وجهها المعهودة.
لما حاذاهم السلطان شداد، فرمل خطواته الثقيلة، وضيق عينيه الصقريتين مستغرباً هذا الحشد في طريقه ، وحط يده على مقبض خنجره دون أن يتكلم، فكان صمته وحده سؤالاً يرتعد له الممر.
تقدمت العريفة خطوة واحدة بوقار وانحنت حتى قاربت الأرض، ثم رفعت رأسها بنبرة صوت تحمل الاستبشار والفرح الملوكي وقالت:
“مباركة مسعودة يا مولاي السلطان، ومبارك للأندلس قاطبة هاد اليوم المشهود! البشارة العظمى سُيقت إلى عتبتكم الشريفة…”
صمتت العريفة بُرهة لتمتص هيبة الموقف، ثم تابعت بصوت مسموع:
“لالة شريفة، ومولات الجاه، بشّرت الحرم بأنها حاملة “
ضاقتا عينا شداد الصقريتان، وسرى في ملامحه الصارمة بريقٌ من الارتياح والزهو الملوكي. التفت بنظرته نحو العريفة، وبصوته الجهوري الرخيم الذي يحمل وقار الآباء وعزم الملوك، قال باقتضاب:
“الحمد لله الذي وهبَ وجدّد “
ثم أشار بيده القوية إشارة ملوكية كريمة نحو الحاجب حسن وقال:
“يا حسن… البشارة حق، وأهلها يُجازون بـ الإنعام. غمرْ هؤلاء بما يليق بـ جودنا، واجعل الفرحة تعمّ ركاب الحرم؛ فـ ملوك الأندلس لا يولد لهم فرسان إلا لتخضع لهم الرقاب.”
انحنت العريفة والخدم حتى قاربت جباههم الرخام، وهم يدعون له بطول العمر والتمكين، بينما انسل الشداد بخطواته الثقيلة الموزونة نحو الجناح العالي، جناح لالة “شريفة”. كانت الممرات المؤدية إلى غرفتها تعجُّ برائحة العود والمصطكى، والهمسات بين الجواري قد تحولت إلى ملاحم صغيرة من الاستبشار.
حين بلغ العتبة، تنحنح ليعلن عن حضوره الطاغي، فانفتحت الأبواب وانسحبت الجواري والقوابل في صمت مطبق، محنيات الرؤوس، تاركاتٍ المجال لربّ البيت وسلطان الأندلس.
كانت لالة شريفة مستندة إلى وسائد الحرير المذهب، ووجهها الشاحب يفيض بنور الفرح والانتصار. حين رأت طلّته المهيبة، همّت بالنهوض إجلالاً له، لكن شداد أشار بيده القوية إشارة حانية أن تلازم فراشها، وتقدم نحوها بخطى وئيدة، واضعاً هيبة الحُكم جانباً ليحل محلها وقار الفارس الأب.
جلس على طرف سريرها، ونظر إليها بعينين ضياقتا ببريق الارتياح والاعتزاز، ثم قال بصوته الرخيم الدافع للسكينة:
“مبارك يا شريفة… لقد بلغتنا البشارة في أعتاب الديوان، وانشرح الصدر بما وهبنا الله وجدّد لنا من فضله.”
ابتسمت شريفة بوقار الملوكية وقالت بصوت خفيض: “بارك الله في عمرك يا مولاي السلطان، وجعل هذا الحمل بركةً لعرشكم، وعُضداً لأخيه ‘علي’ وسنداً لأركان حكمكم.”
هز شداد رأسه ببطء، وحط يده القوية على كفها، وتابع بلغة السلاطين التي تزن الغيب:
“لقد أثبتِّ الساس بـ ‘عليٍّ’ من قبل يا شريفة، واليوم تزيدين البنيان وثوقاً وقوة. إن الدار التي تُبنى على ذَكَرين، لا تهزها رياح الشرق ولا عواصف الغرب. احفظي نفسكِ وقرّي عيناً، فمقامكِ راسخ لا تزحزحه الأيام، وجودنا سينال كُل من أحاط بكِ رعايتاً وتشريفاً.”
نظرت إليه شريفة بعيون تملؤها الهيبة والرضا، وهي تعلم أن كلمات شداد هي صكّ أمان ونفوذ جديد يثبت أقدامها كزوجة أولى ومولات الجاه، بينما كان شداد في عمق فكره يرى أن هذا الطفل القادم هو درعٌ جديد لقرطبة، وسهمٌ آخر يربك حسابات المتربصين بملكه.
دخلت لالة اليازية، أم السلطان شداد، فجأة إلى الجناح، فاهتزت العتبة بوقار خطوتها الملوكية. يسبقها عطر ماء الورد المقطر، ويجر خلفها رداؤها الأندلسي الداكن وقاراً يفرض على الجواري والخدم طأطأة الرؤوس قبل أن تلمحها العيون.
ما إن وقعت عين السلطان شداد على والدته المعظمة، حتى انتصب قائماً في الحين بـ هيبة الفارس الشامخ، واضعاً يده فوق صدره، وانفرجت أساريره الصارمة عن ابتسامة دافئة تحمل بر الوالدين وإجلال المقامات. تراجع خطوة ليفسح لها صدر المكان، وانحنى قليلاً يقبل يدها الكريمة.
نظرت إليه لالة اليازية بعينين تفيضان بـ الزهو والفخر، ثم التفتت نحو لالة شريفة المتكئة على فراشها، ورفعت رأسها متحدثة “مباركٌ مسعودٌ يا وريث المجد، وحامي الحِمى والثغور… لقد بلغتني البشارة في صحن القصر، فاستبشرت الأرض ومن عليها. بارك الله لك في هذا الغرس الجديد، وجعله طالعَ سعدٍ ويمْنٍ على ملكك.”
ثم خطت نحو السرير، وحطت يدها على رأس شريفة، وتابعت بنبرة ملوكية وازنة:
“الحمد لله الذي جعل أصلكِ يا شريفة منافتاً وعزّاً، وجعل رحمكِ حصناً يلد الفرسان بعد الفرسان. لقد أنجبتِ ‘عليّاً’ فشددتِ به أزر الدار، واليوم يأتي الثاني عُضداً وسنداً، لتستقر أركان الأندلس تحت ظل السلطان.”
التفتت لالة اليازية مجدداً نحو ابنها شداد، وضيقّت عينيها بنظرة تحمل دهاء السياسة الممزوج بفرحة الأمومة، وقالت بلغة المرموز:
“سفرك إلى شالة يا شداد صار اليوم مباركاً؛ تخرج وعين الله ترعاك، وسيفك مشرعٌ في الثغور، والملك هنا قد ضرب جذوراً عميقة في طين قرطبة لا تقوى ريحٌ على اقتلاعها. قرّ عيناً يا ولدي، فـ خيل العدو لن تطأ أرضاً تولد فيها أسودك.”
تبسم شداد بثقة ملوكية طاغية، وهز رأسه وقاراً لكلام أمه العظيمة، وهو يعلم أن حضور لالة اليازية في هذه اللحظة، هو أكبر تثبيت لـ جاه شريفة، ما إن نطقَت لالة اليازية بكلمة “سفرك إلى شالة”، حتى انطفأ نور الفرح في عيني لالة شريفة فجأة، وتراجع الدم من وجنتيها ليحلّ محلّه شحوبٌ كشحوب الموت. سقطت الكلمة على صدرها كالصاعقة؛ فالمرأة التي كانت قبل ثوانٍ تعيش نشوة النصر والتمكين بالحمل الثاني، وجدت نفسها بغتةً أمام حقيقة مرّة: زوجها وسلطانها وسندها في هذا القصر، يهمُّ بالرحيل وتركها في أضعف حالاتها.
نظرت إلى شداد بعينين مغلغلتين بالوجل، وحاولت ضبط أنفاسها المخنوقة، وقالت بنبرة متحشرجة غاب عنها وقار الملوكية وغلبتها لوعة الزوجة:
“سفرٌ يا مولاي؟ أتسير إلى شالة وتترك قرطبة وفي رحمها فرعٌ جديد من عترتكم؟”
التفتت لالة اليازية بنظرة حازمة ورمقتها بعينين عاتبتين لتذكرها بمقامها، لكن شداد أشار لأمه بيده خِفيةً لتهدئة الموقف، ثم خطا خطوة نحو السرير، وعادت ملامحه الصارمة لتكتسي بهيبة لا تقبل المراجعة. نظر إلى شريفة وقال بصوت رخيم قاطع كحد السيف:
“شريفة… عهدنا بكِ ابنة ملوكٍ تعرف ميزان الواجب، لا زَوْجَةً تَبكي الركاب إذا سار. شالة ثغرٌ من ثغور المسلمين ينادينا، وبناء معسكرنا هناك هو حجر الأساس الذي نرفع به ذكر هذا المُلك ونحمي به قرطبة التي تسكنينها.”
حط يده القوية على طرف السرير وتابع بحزم “حملُكِ تشريفٌ وعزّ، لكنه لا يقيد خطى السلطان. خروجي
هو لضمان دهرٍ لا يجرؤ فيه واشٍ أو عدوّ على المساس بـ ‘عليٍّ’ أو بأخيه الذي في بطنكِ. لقد تركتُ خلفي رجالاً يحفظون الظعينة والدار؛ القائد سلمان يحمي الحدود بسيفه، والوزير عبد السلام يقضي أمر الرعية، والحاجب حسن عيني التي لا تنام على أبواب الحريم.”
تحاملت شريفة على ضعفها، وبلعت غصّتها وهي تشعر بثقل كلماته، وقالت بصوت مسبوك بالاحترام لكنه يحمل عتاباً خفياً:
“والله يا مولاي ما خفتُ على نفسي، ولا هزّتني رياح العواصف وأنا ابنة بأسٍ وكبرياء. لكنّ القصر غابةٌ من الظنون، وفي غياب عينك الصقرية، تصبح الممرات موحشة، والهمس بين الأجنحة أشدَّ فتكاً من سيوف الأعداء في الثغور.”
ضيق شداد عينيه بنظرة ثاقبة، وعاد كبرياؤه الفارس ليزلزل أركان الغرفة، وقال بكلمات قليلة ألجمتْ كُل خوف:
“القصر قصر شداد، حياً أو غائباً يا شريفة. ومَن ظنّ أن غيابي غفلةٌ، فليجرب خرق التدبير ليرى كيف تطير الرقاب قبل أن نبلغ ضفة أبي رقراق. قرّي عيناً، واجتني ثمار فرحتكِ، ودعي أمر الحرب والسياسة لِمن خُلِقَ لها.”
انحنت شريفة برأسها إجلالاً وإذعاناً لأمره، والتزمت الصمت وهي تعلم أن قافلة السلطان قد تحركت، وأن عليها من الآن أن ترتدي درع الصبر لتواجه عاصفة القصر وحدها.
كان الليل قد أرخى سدوله على “قصر العَقْد”، وفي جناح لالة شامة، كان الصمت ثقيلاً يُسمع فيه أنين رماد المجمر الذي أحرق مكتوب والدها قبل ساعات. كانت الأميرة العباسية واجهة صلبة، تجلس بكبرياء فوق أريكتها المذهبة، مطرّزةً بوقار بغداد، لكن في عمق صدرها كانت تتلاطم أمواج حيرتها وتدبيرها الهندسي الذي طلبه الأب لخيانة زوجها شداد.
وفجأة، انكسر هذا الصمت الملوكي بوقع خطوات متسارعة، لاهثة، وغير مألوفة في رواق الحريم.
انفتح الباب بحدة، ودخل عبيبوش والركابي ما هازينهش، ينهج ويلهث والعرَق شلال على وجهه، طاح على ركابيه ف قاع الحجرة، وصاح بـ لسان مرعوش:
“آ لالة شامة يا نوارة الحوض… النحس مال، والساس ناض عليه الفوض!”
وقفت دادا رقية بحال الصياد، وخرزت فيه بعينيها وقالت بـ هسيس موزون:
“مالك يا بوش داخل بلا إذن ولا علام؟ واش القيامة قامت، ولا طاح السقف على الخدام؟ هضر وتكلم، ولا نخلي دمك ف هاد البيت يسيل ويدمّم!”
حط عبيبوش يده على راسه وقال بـ كلام مسجوع ومبهوض:
“يا دادة رقية… الكلام غالي، والخبر يدوخ العقل الصاحي! البشارة نبتت ف جناح لالة شريفة مولاة الجاه… القابلة خرجت ويدها ف الما، وقالت كرشها عامرة بالولد الثاني وسيد العْما! السلطان شداد فرح ووزع الإنعام، ولالة اليازية واقفة تبارك بـ الزغاريد والكلام. شريفة حاطة الساس، وزادت لـ ‘علي’ خوه باش ثبت لاوتاد
سقطت الكلمة على لالة شامة بحال الصاعقة ف نهار صَاحي.
تخطف لونها، وصارت شاحبة بحال ورقة الخريف. يدها مشات لـ صدرها بـ القهر والغبينة؛ هي العباسية ابنة الملوك، عقلها يوزن بلاد، وفنها يهد جبال، ولكن رحمها… رحمها بستان يابس ما نبتت فيه نوارة، ولا فرحت فيه بـ وليد يرفع لقرطبة البشارة. حسّت بـ السم د الضرة كيجري ف العروق، والغيرة شعلت ف حشاها عافية من تحت لـ فوق.
عبيبوش غير نطق بداك الخبار جرات عليه دادا رقية وخرجاتو وسدات البيت وطرقاتو .
حتى طاح القناع اللي كانت شامة صابرة بـ مرّه. طارت الرزانة من العقل، وتقطعت حبال الثبات اللي كانت عاقدة بيهم النفس بـ المهل.
تزلزل كيان الأميرة العباسية، وف هذيك اللحظة ما بقات لا لالة شامة، ولا ابنة الملوك، ولا العقل الهندي؛ بقات غير امرأة مغبونة، جرحها العُقر ف قاع حشاها، وضرتها زادت عليها السم بـ حملها وجاها.
تلوات شامة على راسها، وطاحت على ركابيها فوق البساط بحال الشجرة اللي ضربها البرق ف جدرها. حطت يديها بجوج على وجها، وخرجت من صدرها زفرة حارة، أنين مخنوق يزن الجبال، وبدات كترعد رعدة الموت، وصوتها خرج مبحوح، مقطع بـ الحسرة، وقالت بـ قافية حزينة تلوّع الخاطر:
“آ رقية… تْقَطع الحبل لّي كان هازني، وهاد النهار بـ الحفا والذل دازني…
أنا العباسية لّي عقلي يوزن بلاد، ومكتوبي يهد جبال وعناد…
رحمي عاقر، بستان يابس ما عطى نوارة، ولا ساق لـ هاد الدار البشارة…
وشريفة بـ ولادها ثبتات الساس، وخلاتني رخاصيت قدام هاد الناس!”
قربات ليها دادا رقية والدموع شلال على غبار سنينها، حطت يدها عليها وبغات تجمع شتاتها، ولكن شامة دفعتها بـ جهد مهدوم، ووقفت بـ السيف وهي تالفة وسط الحجرة، عينيها زاغوا، ويديها كيمسحوا على كرشها بـ قهر وعذاب يبكي الحجر، وتابعت بـ هسيس موزون ومحروق:
“يا رقية… العُقر كياكل ف الحشا بحال الدود، وهاد الجدر عندي ما بقا ليه وجود!
مشات جيهة المراية د النحاس الكبيرة، شافت ف وجها الشاحب، وطاحت دمعة حارة—الدمعة الأولى لّي شافتها رقية ف عيون شامة من نهار بكات بغداد. دمعة قاطعة جرحت خدها النبيل، وقبطت ف ثوب قفطانها الحريري عند صدرها وزيارته بـ كُل جهدها حتى تسمع تقطاع الخيط ف الحجرة، وصاحت بـ غصة ذبحات لسانها:
“مشى الثبات يا رقية… وولى عجاج! هاد القصر ضاق عليا، وما بقى ليه سراج
ارتمت شامة ف حجر دادا رقية، وخلات كاع داك الكبرياء العباسي يذوب ف دموع الوجع والغيرة، بينما رقية كتحضنها وتبكي معاها ف سكات الليل، طرقات خفيفة وموزونة على عتبة الباب، متبوعة بـ وقع خطوات ثقيلة كتعلم على هيبة مولاها؛ الشداد دخل للجناح.
قبل ما يوضع رجله ف وسط الحجرة، سرح عينيه الصقرية ف الأركان بحال الصياد اللي كيشتم ريحة العاصفة. لمح شامة وهي طايحة ف حجر دادا رقية، ولقط بعينيه دمعة حامية كانت باقي ما نشفات على الخد النبيل.
ولكن لالة شامة، بنت ملوك بغداد وسليلة العباس، ما كتعطيش لـ زمانها فرصة الشماتة. بـ سرعة البرق، ونفضة وحدة د العز والكبرياء، نفضت عليها غبار الحزن والكسر. مسحات عينيها بـ طراف كمامها الحريرية، ووقفت بـ طولها، ودارت كأن شيئاً لم يكن. عطاته بالظهر، وجمعت وقفتها وزيارت قفطانها، وهي كتنزل النفس الحامية ف صدرها باش ما يخرجش صوتها مرعوش.
دادا رقية، بـ حكمة السنين ودهاء الخدمة، فهمت الملعوبة. حدرات راسها، وانسحبت بـ هدوء ونعومة بحال الخيال، وسدت الباب وراها، وخلات جناح الأميرة العباسية يدخل ف سكات جديد، سكات مشحون بـ الظنون.
قرب الشداد بـ خطى وئيدة، وعينيه كتقلب الجو د الحجرة. شاف التفاصيل الطبيعية د جناح شامة؛ ريحة المسك البغدادي مخنوقة بـ ريحة رماد الورق المحروق ف المجمر، الأوراق والمحابر محطوطة على المائدة بنظام حاد، والجو فيه وقار العلم ممزوج بـ برودة الجفاء. كان كيشوف حالتها الطبيعية وهي عاطياه بالظهر؛ كتافها واقفين بـ العناد، ويدها باقي كتثبت الضفاير د شعرها باش تخبي الرعشة اللي ف جسدها. كانت كتجاهد بـ كُل عرق فيها باش ما يشوفش نقطة ضعف واحدة ف وجهها.
وقف الشداد وراها بـ خطوتين، هيبته الطاغية ف القفطان الملوكي سدت الممر. ما بغاش يطول معاها ف الهضرة، ولا يدخل ف مجاملات النسا، وهو الفارس اللي عقله ف معسكر شالة. دخل ف صلب الموضوع مباشرة، وهبط صوته لقرار الديوان وقرّب من ودانها وقال بقرار ديواني حازم
“نحن على مشارف السفر الى شالة ،،
صمت بُرهة، وعيناه الصقريتان تخترقان صمت الجناح، ثم تابع بقوة وإيجاز قاطع:
” امستعدة لشق الطريق معاً؟ إن كنتِ مستعدةً، فلتتأهبي للسفر، وإن آثرتِ المقام هنا في قرطبة، فأنتِ حرّةٌ في اختياركِ؛ الاختيار لكِ بالمسير أو الجلوس.”
ظلّ الشداد واقفاً في مكانه، لم يزدْ حرفاً ولم يطلب تعقيباً. ضاقتا عيناه وهو يتأمل ظهرها الشامخ من الوراء؛ ذلك الظهر العباسي الذي يأبى الانحناء رغم عواصف الجناح. ساد صمتٌ ثقيل لم يُسمع فيه إلا أزيز الشموع، صمتٌ وزن فيه السلطان كبرياء زوجته، ثم استدار بخطى وئيدة، ومضى بملابسه العسكرية المشدودة وقامته الفارسية مغادراً الجناح، تاركاً خلفه السؤال معلقاً في الهواء.
بمجرد أن وقع وقع خطوته الأخيرة خارج العتبة وأُغلق الباب، انحلّ القيد الذي طوّق جسد لالة شامة.
تراجعت خطوة إلى الوراء وكأنها تلقت طعنة غير مرئية، وسقطت جثياً على الرخام البارد، وانفجرت من صدرها زفرة حارة وطويلة، وظلت تتنفس بتلاحق وجنون كأنها كانت قاطعةً للنفس طوال وقوفه خلفها، تكتم كبرياءها حتى كادت تزهق روحها.
نظرت شامة إلى كفيها المرتعشتين على الأرض، وتأملت ضعفها الحقيقي في مرآة نفسها؛ ضعف امرأة يمزقها العُقر ويقتلها كبرياء السلاطين. رأت كيف أن دهرها الذي تحدته بعلمها وهندستها، قد عراها في لحظة واحدة؛ فلم تعد تلك الأميرة الحاكمة بأمرها، بل أنثى مكسورة تسحقها الغيرة، ويخنقها الخوف من غدٍ يولد فيه فرسان لغيرها، بينما يظل رحمها بستاناً يابساً لا يزهر بنسلٍ يحمل مجد العباس.
خلال تلك الأيام الممتدة، ضربت لالة شامة على نفسها عزلةً صارمة كعزلة الرهبان؛ انقطعت في جناحها، وغلقت الأبواب دون الخواص والعوام. كانت تقضي ليلها ونهارها في مخاضٍ فكري عسير، تطوف بحجرتها مطرقة الرأس، تشاور نفسها وتزن الخيارات بميزان العقل العباسي الحاد. كانت حبال حيرتها مشدودة بين كبرياء الأميرة التي تأبى أن ترى قرطبة تخضع لسطوة ضرتها، وبين وعورة الطريق إلى شالة لتأسيس معسكر قد يكون خرابا على اهلها .
وفي الجناح المقابل، كانت لالة شريفة تعيش مخاضاً من نوع آخر؛ فقد تمكن منها الوحم وهدّ جسدها تعبٌ شديد، فاستسلمت لفراشها مريضة، تحيط بها القوابل والجواري، وتتنفس ببطء وهي تحرس حصنها الجديد الذي ينمو في أحشائها، عاجزةً حتى عن توديع السلطان.
وحين حلّت الليلة الأخيرة، خيّم على القصر هدوءٌ مهيب وسكونٌ كفن الرواقات. وفي وسط هذا الصمت، كان السلطان شداد في مربضه يجهّز أمره على اتساع؛ يرتب عتاده بيده الفارسية المعتادة على الخشونة، يراجع لجام جواده، ويتفقد سيوفه ودروعه في أناةٍ ووقار، لا يعجله أمر، فالرحيل عنده عقيدة جندي خطّط لكل ثغرة بدم بارد.
ومع تباشير الفجر الأولى، انشق ضياء الصباح عن يوم السير المشهود.
ارتج صحن القصر بصهيل الخيل، وحمحمة النوق، ووقع حوافر الجياد التي تتهيأ لقطع الفيافي نحو شالة. كان المعسكر قد قُرعت طبوله الخفيفة، والفرسان يصطفون في نظام عسكري حازم خلف الرايات.
قبل أن تطأ قدم الشداد ساحة الرحيل، تحرك بخطواته العسكرية المشدودة نحو أجنحة الحرم ليضع ميزان الوداع في نصابه.
بدأ بجناح والدته، لالة اليازية. دخل عليها وحده بوقار يليق بمقامها العالي. كانت الأم المعظمة قائمة في وسط حجرتها، ترتدي وقار سنينها وسلاطينها. تقدم نحوها شداد، وانحنى بجسده الشامخ ليقبل كفها الكريمة بكل بر وإجلال. رفعت اليازية يدها الأخرى، وحطتها على كتفه الصلب، ونظرت في عينيه الصقريتين بنظرة جمعت دهاء السياسة بعاطفة الأمومة، وقالت بصوت وازن:
“اخرج وعين الله ترعاك يا شداد… سيفك يحمي الثغور، ودعائي يحمي الظهور. اذهب لشالة واجعلها حصناً لا يُرام، والملك هنا في قرطبة في حرزٍ أمين ما دمتُ أتنفس.”
هز الشداد رأسه إجلالاً، واستدار خارجاً دون كثرة كلام، محملًا ببركتها التي يفتتح بها الحروب.
ومن جناح أمه، انسل نحو جناح لالة شريفة ليطل عليها إطلالة الوداع.
انفتحت الأبواب في سكات، فولج الحجرة ووقف عند عتبة فراشها. كانت شريفة مسجاة بين وسائدها، يكسوها شحوب الوحم وتعب الحمل الجاف، لكن عينيها التمعتا بالمهابة حين رأت طلته. لم تدعها علتها تنهض، فأشار بيده القوية أن تلزم مكانها. دنى منها قليلاً، ونظر إلى وجهها المريض وقال بنبرة رخيمة تحمل صك الأمان:
“استقري وقري عيناً يا شريفة… إنما نخرج لنتسع، ونبني ما يحمي هذا الغرس الجديد. احفظي نفسكِ وولدكِ، ورجالي خلفي يرعون جاهكِ ومقامكِ.”
أومأت شريفة برأسها بوقار، وهمست بصوت مهدود يفيض بالرضا: “تسير في أمان الله يا مولاي السلطان، ومنصورٌ أينما حطت ركابك.”
أما جناح لالة شامة… فلم يطأ عتبته، ولم يكسر عزلتها بزيارة؛ فقد ترك خلفه سؤالاً قبل أيام، وملوك الأندلس لا يكررون الطلب ولا يدخلون أجنحةً غُلقت بكبرياء النساء.
خرج السلطان إلى ساحة القصر الكبرى حيث يربض جواده الأدهم. كان الفجر قد انشق تماماً، وحمحمة الخيل تملأ الفضاء بغبار الرحيل.
وقف الشداد بجانب جواده، واضعاً يده القوية على لجام السرج. ولم يركب… بل أبطأ الحركة قاصداً، وأعطى بوابة الحريم التفاتة صامتة، مانحاً شامة انتظاراً صغيراً وموزوناً، على أمل أن تخرج من ذلك الممر العالي محملة بصناديقها، ويتبعها خدمها وجواريها لركوب الهوادج، معلنةً مسير عقل بغداد في ركاب جندي قرطبة.
طال الانتظار قليلاً… وشخصت عيون القادة نحو الممر العالي.
بينما كان الصمت يخيم على الساحة كسر هذا الجمود وقعُ خطوات صغيرة ومسرعة. كان الدادا تسير بوقار ممسكة بيد الأمير الصغير “علي”، الذي ما إن لمح والده السلطان بملابسه العسكرية حتى أفلت يدها وركض نحو الساحة الصاخبة بصهيل الخيل.
التفت الشداد، فانفرجت أساريره الصارمة فجأة، وغاب وقار الديوان ليحل محله بأس الفارس الأب. وقبل أن يصل الصغير إلى قوائم الجواد الأدهم، خطا شداد خطوتين واسعتين، وانحنى بجسده الصلب، ثم رفعه بيدين قويتين كأنه يرفع سيفاً من سيوف النصر، وضمه إلى صدره المشدود وسط رنين دروعه.
كان “علي” يمسح بيديه الصغيرتين على لحيته الكثيفة ويناظره بعيون تملؤها الدهشة، بينما هبط صوت الشداد إلى قرارٍ دافئ، يحمل لغة السلاطين الممزوجة بحنو الأبوة، وقال وهو يرفع الصغير لمستوى عينيه:
“علي… يا شبل الدار وحامي العشيرة. نتركك اليوم في عرين قرطبة سيداً تشتد عليه الأنظار. احفظ مهابة اسمك، وكن سنداً لأمك لالة شريفة، وحصناً لأخيك الذي يتهيأ للخروج إلى الدنيا.”
أخذ الشداد نفساً عميقاً، وقبّل ناصية ولده قبلةً طويلة وعميقة، كأنه يودع فيه روحه ويمدّه ببأسه العسكري، ثم تابعه بنبرة وازنة:
“عيني لن تغيب عنك وإن طالت الفيافي، وسيفي يقطع دابر من يظن أن غياب الأب غفلة عن الابن. كُن رجلاً كعهدنا بك، حتى نعود ونراك فارساً يركب الخيل ويقود الرجال.”
أنزل الشداد ولده إلى الأرض برفق وثبات، وحط يده الثقيلة على كتفه الصغير في حثٍ صامت على الصبر. تراجع “علي” بوقار ملوكي تعلمه في ردهات القصر، ووقف بجانب الدادا دون بكاء، رافعاً رأسه الصغير بشموخ يماثل شموخ والده.
وفجأة، انقشع الصمت عن قامة ممشوقة. ظهرت لالة شامة من عتمة الممر.
لكنها لم تكن محمّلة بأمتعة، ولم يتبعها موكبٌ ولا خدم، ولا جرت خلفها هودجاً للرحيل. خرجت بوحدها… حافية الحاشية إلا من كبريائها العباسي الطاغي.
نزلت الدرج بخطى وئيدة، ثابتة، لا تسرع ولا تبطئ، وقاطعت صفوف الفرسان حتى وقفت أمام الشداد مباشرة بـ ووقار ملثم وغطاء يسترها من الرأس حتى القدمين ، وبهدوء زلزل الساحة وثبات يضاهي ثبات الجبال. نظرت في عينيه الصقريتين بنظرة صافية، غاب عنها حزن الليالي الماضية وحل محله كبرياء ابنة السلاطين، وقالت له بصوت رخيم جاف لا يسمعه الا هو:
“مولاي السلطان… لقد وزنتُ الخروج والمقام بميزان التدبير، وأرى أن مصلحة هذا العرش تقتضي أن تبقى شامة هنا، في قلب قرطبة، ترعى ما غاب عن عينك… على أن تشق معكم طريق شالة. الاختيار كان لي… وقد اخترتُ المقام في القصر.”
ساد صمت رهيب في الساحة، وبقيت نظراتهما مشتبكة؛ نظرة فارس يقيس بأس زوجته، ونظرة أميرة أندست خلف كبريائها لتخفي كسرها الحقيقي
لم يتحرك في وجه السلطان شداد عِرقٌ واحد، ولم تظهر على ملامحه الصارمة أية علامة من علامات المفاجأة أو الخيبة؛ فرود أفعال السلاطين كانت تُحكم بـ**”وقار الملوك”** الذي يرى في التعبير عن الانفعال نقصاً في الهيبة، وفي كثرة العتاب ضعفاً لا يليق بمن يقود الجيوش.
استمع إلى كلمات لالة شامة وهو واثق الخطوة، واضعاً يده القوية على مقبض سيفه، وجمدت عيناه الصقريتان عليها بنظرة ثاقبة، قاطعة، تخترق كبرياءها العباسي وتزن أبعاد خيارها بدم بارد.
لم يناقش، ولم يطلب منها تبريراً، بل تقبّل قرارها بـأنفة سلاطينية طاحنة تُشعر المقابل بأن غيابه أو حضوره لا يغير من سطوة الملك شيئاً. هبط بصوته إلى قرار الديوان الثقيل، وأجابها بكلمات قليلة، مسبوكة بحكمة الملوك الحازمة:
“لكِ ما اخترتِ يا شامة… وقرطبة لا يضيق ذرعها بمن آثر المقام في ظلها. إن كان عقل بغداد قد فضّل لزوم الأجنحة، فإن سيف قرطبة لا يلتفت وراءه إذا سار.”
ثم شاح بنظره عنها بـجفاء ملوكي تام وكأن الأمر قد قُضي، والتفت نحو فرسانه وقادة جنده دون أن يمنحها نظرة وداع أخرى. واعتلى صهوة جواده الأدهم بضربة واحدة، وصاح في الساحة بصوت زلزل الركاب:
“باسم الله… العَلمُ أمَاماً!”
تحركت القافلة واهتزت الأرض تحت حوافر الخيل، ومضى الشداد في مقدمة جيشه نحو شالة، تاركاً لالة شامة واقفة في ساحة القصر تحت لظى الشمس، تواجه صدى كلماته الجافة التي تركتها معلقة بين جدران قرطبة، وهي تعلم أن خلف ذلك الجمود السلاطيني عاصفة مؤجلة إلى يوم الإياب.
كانت ‘الدار الكبيرة’ د الأمغار (الشيخ الأكبر) شاعلة بالغيظ والشورى.
المجلس تما،يفزع القلب رجال برغواطة مجموعين بحال السبوعة ف وسط الغار. وجوههم قاصحة كالحجر د الشاوية، ولحاهم كاحلة وطويلة كيرميوها ورا كتافهم، ولابسين الحايك الديالي الثقيل د الصوف، المصبوغ بالخطوط الكحلة والبيضا بحال جلد الضبع. ف يديهم الخناجر المقوسة (الكوميات) ملسقة ف أحزمتهم الصوفية، والسيوف العريضة (المجاذيف) محطوطة قبالتهم على الحصير د الدوم. هادو رجال فلاحين ومقاتلين، ريحتهم قطران وصمغ د الشجر، وعيونهم كتبرق بحال القطوط د الليل من قوة الحذر.
وسط هاد الزحام، تقدم واحد الشيخ من أعيان القبايل، سميتو (بْرِيك)، راجل عريض الكتاف، لحيته شيبانية ومقسومة على جوج، هبّ واقف، وحط يدو الغليظة على مقبض سيفو، ودور عينو ف الشيوخ وبصق ف الكانون اللي شاعلة فيه العافية، وقال بنبرة حارة وفيها اللوم:
‘واش عقلنا غاب يا رجال تامسنا؟ واش ولينا نشوفو الصيد كيدخل لعريننا وحنا ساكتين؟ هاد الأندلسي، حط رجلو ف شالة.. شالة اللي هي الباب ديالنا للروام والتجارة! كيفاش هاد السُلطان يضرب الفيافي والبحور ويجي يتحصن ف أرض ماشي ديالو؟ هاد المَشية ديالو ما دَخْلاتش ليا لهاد الرأس.. هاد الفعْلة ماشي منطقية!’
تنحنح واحد الشيخ آخور، سميتو (مْحَنْد)، راجل صامت، عويناتو غارقة وسط حواجبو بحال الثلج، وجابد كسيوتو الصوفية فوق ركبتيه، وقال بصوت بحال دبيب النمل ولكن مسموع:
‘تمهّل أ بريك.. الشداد ماشي هبيل باش يرمي راسو ف الموت. الشداد ثعلب د الحروب ف لاندلس وقاري اللوحة.وعلى حد علمي وماسمعنا عليه ماشي غير سلطان اندلسي..راه قايد للقطيعة وكان صور منيع فصحاري انمارة ..وحارس بابها وقاطع النفس فلي داز في دايز جنبها .
شوفو مزيان فين حط رحالو.. ما دخلش لعندنا للغابة، وما مشاش لقبايل زناتة ف الشرق. حط رجلو ف الجرف د شالة! ظهرو محمي بالمحيط وسفونو كيجيبو ليه الما والماكلة من وراء البحر، وقدامو الواد حابس علينا الخيل. حط تما (راس الحنش) وكيتسنى شكون فينا يغلط ويمشي عندو!’ هادا علاش كنقوليكم راه ماشي سلطان مكيحركش عقل السلطان بكترة ما خدام بعقل القايد الحربي وهاد النزلة لي دار بين البحر والواد ماشي من تدبير عقل سلطاني..وانما من تخطيط دماغ فارس عاش الحروب وجال وشاف ، ماشي سلطان محصور بين سوار القصور اسيدنا .
هنا، ضرب (الأمغار) الأكبر القصية ديالو د الأبنوس مع الأرض، حتّى سكت المجلس كلو، وما بقى يتسمع غير الطقطقة د العافية ف الحطب. هز راسو الشايب، وشاف ف بريك بنظرة وازنة وقال:
‘مْحَنْد هضر بكلام الحكمة أ بريك.. الأندلسي جا وجايب معاه الغدر. هو عارف بلي قبايلنا ما مفاهمينش، وعارف بلي زناتة ومصمودة كيتحينو الفرصة فينا. الشداد بغا يبني معسكر ف شالة باش يفرّقنا ويحكمنا، وباش يرجع تامسنا حصن يحمي بيه قصر قرطبة من غبار المغرب. هو بغا يدير منا درع لسيفو!’
وقف الأمغار على رجليه، وجر السيف العريض ديالو من الغمد، وحطّو وسط المجلس حتّى رنّ الحديد، وقال بصوت زلزل النوالات الطينية د المحلّة:
‘ولكن اللي ما عارفوش هاد السلطان.. أن طين شالة كيشرب الدم وما كينبتش الحرير! إيلا كان هو يحساب ليه راسو فنزاهة ، وراسم الخطّة ف وراق الديوان.. حنا غنوريو ليه المنطق د السلاح ف الغابة. خلوه يثبت الخيام، وخلوه يفرح بالبحر.. راه الليلة اللي غيطفي فيها القناديل، غتكون هي الليلة اللي غتذوق فيها قبايل برغواطة لحم الملوك! نوضوا يا رجال.. وجدوا الجعاب وزيتوا المجاذيف، الحرب صبْحات على الأبواب!’
نهاية الموسم الثاني
يتبع
شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹