خالص الولاء

لم يكن خروج الشداد من حاضرة ملكه نزهة ملوك، ولا طلباً لراحةٍ غابت عن أجنحة حريمه؛ بل كانت خطوةً خطّها بدم بارد على رقعة التاريخ. كان يدرك—وهو القائد العسكري الذي نشأ في معاطف الحروب—أن حماية قرطبة لا تكون بداخل أسوارها، بل بتأمين “العدْوة المقابلة”، وحراسة ذلك الظهر المكشوف للمغرب الكبير. كانت عيناه الصقريتان شاخصتين نحو “شَالة”؛ ذلك الثغر الإستراتيجي الراقد على مصب نهر أبي رقراق، حيث يلتقي النهر الهادئ ببطش المحيط الأطلسي.
شالة… تلك الأرض التي لم تكن يوماً حُرّة ولا طيّعة، ولم تكن تنتظر السلطان بالورود والرايات. إنها بلادٌ تموج فوق بحرٍ من النزاعات القبلية العنيفة، أرضٌ تتقاسم نفوذَها قبائلُ أشداء، لا يدينون بالولاء لتاجٍ، ولا ينحنون لسطانٍ قادم من وراء البحار. لم يذهب شداد ليرث معسكراً واهياً أو مدينةً جاهزة الأسوار، بل ذهب لينتزع الأرض من بين مخالب الأسود، ويصنع لنفسه شرعيةً معمدة بضرب الحديد؛ شرعيةً لا يستمدها من وزراء قرطبة ودسائس قصورها، بل من حد حُسامه الذي يطوع به الرقاب.
كان الربح عظيماً،والمشقة التي تجشمها تستحق مشقة الطريق؛ فمن يملك شالة، يملك “باب الأطلسي” ومفتاح الملاحة، ويقبض بيده على حبل التجارة الذي يربط الأندلس بعمق الصحراء وإفريقيا. هناك، بعيداً عن أهواء عاصمة ملكه، وعن نفوذ العباسيين الذي يحوم حول جناح زوجته شامة، أراد شداد بناء جيشٍ جديد من نقطة الصفر؛ فرسانٌ يولدون من طين الأرض وقسوة المعسكرات، لا يعرفون في هذا العالم سيداً سوى الشداد، ولا يرفعون رايةً إلا رايته.
من اعالي السماء تبدأ رحلة الشداد ومشاهد التاريخ ببطىء شديد ..حيث تمتد الفيافي الشاسعة تحت ليلٍ بهيم، حيث تلتقي التلال الوعرة بزمجرة أمواج الأطلسي التي تضرب الصخور بملامح الموت. وفي وسط هذا المدى الموحش، كانت قوافل الجيش السُّلطاني تشق طريقها كأفعى من حديد وغبار. الفرسان ملثمون بالأسود، صامتون لا تسمع لهم همساً، والرايات تخفق بقوة تحت ضربات الرياح الغربية الباردة.
وفي مقدمة الركب، بدا السلطان شداد كأنه جبلٌ يتحرك فوق صهوة جواده الأدهم. كانت ملابسه العسكرية مشدودة على جسده بقوة الفرسان، ولجام الفرس يقبض عليه بكفٍ غليظة لم ترتعش يوماً. كان وجهه جامداً، صارماً كصخور شالة، وعيناه تبرقان في العتمة وهي تتأمل التلال المحيطة؛ تلك التلال التي تختبئ وراءها عيون القبائل المتربصة، والتي ترقب هذا الزحف السلطاني بنوايا الدم والحرب.
لم يلتفت الشداد وراءه قط، ولم ينطق بكلمة واحدة لقرابة الأيام. غضبه الصامت من شامة، وطموحه الجارف لبناء الدولة، تحولا إلى طاقةٍ صامتة تدفع بجيشه نحو المجهول. كان يرى في الأفق مشارف الأرض الجديدة، ويعلم أن خطوته القادمة ليست بناء الجدران، بل خوض المعارك لامتلاك الأرض أولاً.
وقف الحصان الأدهم على مشارف جرفٍ عالٍ يطل على المحيط وثغر شالة الثائر. ضربت الريح الملوثة بالملح وجه السلطان، فتطايرت أطراف لثامه، لكنه ظل شاخصاً ببصره نحو المصب الهائج، صامتاً، مهيباً، في قمة جلاله العسكري
“هنا يبلغ المجد ، او هنا تدفن العضام”
في الوقت اللي كان فيه السلطان شداد عاطي ظهرو للماضي وحاط عينيه الصقريين على مصب أبي رقراق، كان تما ف الجيهة لوخرا د الواد، ما كيهدأ ليه جفن، ولا كينعس ليه عرق..
من أعالي الجبل ، (ضهر الحمار)، وبالضبط ف واحد المغارة مكلّعة، مخبية وسط السدر والكرويش، كان جالس واحد الراجل، مربّع ركبيه، ومطيش الحايك الديالي الصوفي على كتافو. هاد الراجل، اللي سميتو (علّال البهلول)، ملقّبينو بالبهلول غير حيت لسانو كيهضر غير بحكم الله، وإلا راه عقلو كيوزن خيل ومخيّال. هو ماكانش غير بهلول عادي، كان هو العوينة د القبيلة، والأذن اللي كتسمع دبيب النمل على الحجر.
ومن شكون هاد القبيلة؟ واش من زناتة المقاتلة؟ ولا من مصمودة أهل الجبل؟ الخبر ف هاد اللقطة وصل للحلقة الضيقة د (برغواطة). هادو اللي حاكمين تامسنا من زمان، بقرآنهم الأمازيغي اللي ختارعوه، وعقيدتهم اللي معزولة على الدنيا، وعينهم على المرسى د شالة حيت منها كيعمّروا مخازنهم بالنحاس والقماش الفاسخ، ومنها كيتسناو الخطر اللي كيجيب الريح الغربي.
علّال، بوعوينة وحدة (حيت لوخرا بكاتها السنين ف غدر الكمائن)، كان حاط عينو على قفال د النحاس من صنعة اليهود، مصاوبة بحال النظّارة، جابها ليه قرصان أندلسي قديم خذلتو الأقدار. من وسط هاد النظّارة، كان كيشوف الدنيا مزوّقة، حتّى بان ليه داك الشي اللي خلّاه يحل فمو.. في وسط داك السواد د الليل المبهوم، بان ليه واحد الخيط أكحل بحال الثعبان العريض، ماشي غير قافلة تجارة، ولا غارة مكسورة الجناح.. بان ليه خيط من حديد وغبار. بانوا ليه الملثمين اللي كيبانو بحال الخيال، والرايات اللي كترفرف ف الهوا وماشي هي رايات القبائل.
هز علّال راسو، ونفض عليه غبار المغارة، وخرج من جيبو واحد العودة د قصب مصقولة، ماشي باش يزمر عليها، ولكن باش يعطي إشارة الموت. حطّها على فمو، ونفخ فيها واحد النفخة د الهديل الطويل والمتقطع، ماشي نفخة حزن، وإنما نفخة (الخبر العاجل د الحرب).
بمجرد ما تسالى صدى الهديل ف الجبل، تحرك واحد الشاب برغواطي، واقف جنب المغارة، كان مسموت بحال الزرّاعة. خذا الخبر بلاما يهدرو، وركب على واحد العودة برغواطية ملسة بحال الياقوت، وانطلق بحال السهم، ماشي جيهة شالة، وإنما جيهة خيمة الشيخ الأكبر في عمق تامسنا جيهة القوة الضاربة اللي كتحكم الأرواح قبل الأجساد.
وهكذا، وقبل ما يوضع شداد رجلو على حافة الجرف باش يهضر مع الموت ف شالة، كان الخبر ف برغواطة كيدوز من لسان ل لسان، ومن خيمة ل خيمة، بحال العافية ف التبن، بلي ‘السلطان الأندلسي’ جا، وهاز معاه الريح والعذاب، وبلي ‘شالة’ ما غاتكونش نزهة ملوك، وإنما غاتكون ‘فم الأسد’ اللي كيتسنى الضحية تزيغ فيه.”
الشاب اللي انطلق من مغارة ‘ضهر الحمار’ بحال السهم، ف قبايل برغواطة ما كيسميوهش ‘رسول’ ولا ‘مخبر’.. تما ف العرف د تامسنا كيتسمّى ‘الرقّاص’، وإيلا كان جايب نذير الموت والحرب كيتسمّى ‘رّقاص الكحلة’، حيت كيطوي الأرض طيّا، وما كينزل من عودتو حتّى يبرّد الجمرة اللي ف قلبو ف حجر الشيوخ.
كانت عودتو الملسة كتسابق الريح، وحوافرها كتضرب الصمّ ف اليرار وتقول: ‘العجل.. العجل!’. شق الغابات د السدر، وعبر الشعاب المظلمة حتّى وصل لـ**’المْحَلّة الكبرى’** د برغواطة، المخبية ف حوض تامسنا ورا تلال الغبار.
ما كانتش تما خيام العبور د الرّحال، بل كانت ‘نوالات’ ثابتة مبنية من طين الأرض ومدكوكة بالتبن والقصب، متراصة مع بعضياتها وفوق منها سقوف د القش بحال صوامع الفخار، دايرة بيها زُروب غليظة د الشوك وسدر الغابة. وفي وسط هاد النوالات، كانت كتبرز ‘الدار الكبيرة’ د الشيخ مبنية بالحجر الأسود والطين الحامي، فين كيتجمع السلاح والشورى.
النيران شاعلة ف الكوانين قبالة النوالات، ريحة الشحم د الغنم وصمغ الشجر عاطية ف السما. الرّجال تما ماشي بحال ناس قرطبة د الحرير والنعومة.. هادو رجال غلاظ شداد، الوجوه دياولهم كاحلة بلفح الشمس، ولحاهم منفوخة بالهيبة، ولابسين كساويهم الصوفية المشمّرة فوق الركبة، وشادّين ف يديهم الرماح الطويلة المقوّسة، وفي أحزمتهم خناجر الكومية الحادة، وحاطين على كتافهم السيوف العريضة الثقيلة بحال المجاذيف..
دخل ‘الرقّاص’ وسط الحلقة، والعودة ديالو كتلهث وكترمّي الرغوة د الما والدم من فمها من قوة الجري. وقف وقفة وحدة، وفرملها قبالة ‘الخيمة العظمى’؛ خيمة الشيخ الأكبر والمقدم د القبايل، اللي كيسميوه ‘أَمْغَار’.
خرج الأمغار من عتبة خيمتو، راجل سبعيني كيمشي على قصبة د أبنوس، لابس حايك بيض مصموت، وعويناتو غارقة وسط حواجبو الشايبين بحال الثلج.
نزل الرقّاص من فوق السرج، وركابيه خانوه من التعب، وسقط على يديه قبالة الأمغار، وهو يلهث وصوتو خارج بحال بحّة الموت، وقال باللسان الأمازيغي د تامسنا
“واا امغاار.. واشيخ لعشيرة ! الكحلة زحفات علينا.. سلطان الأندلس، الشداد، حط حوافر خيلو ف مرسى شالة. الجيش ديالو كلو حديد وملثمين بالسواد، وراياتهم كتغطي ضو الفجر!
ساد واحد الصمت رهيب ف المحلّة.. صمت قاطع ما كتسمع فيه غير زغاريد الريح وحمحمة الخيل اللي شمّت ريحة البارود والحرب. الشيوخ شافوا ف بعضياتهم، والأمغار حط يدو الثقيلة على راس القصبة د الأبنوس، وضغط عليها حتّى كادت تهرس، ودور عينو الشايبة جيهة لقراب د الخيل، وبصق على الأرض وقال بنبرة حارة وفيها غيظ السنين:
‘الأندلسي غراتو قرطبة وجا يموت ف طين تامسنا.. نوضوا يا رجال برغواطة، عمّروا الجعاب، وزيتوا السيوف، وقولوا لشالة تْحل فمها.. راه اللحم قادم، والموت غتكون ضيافة الملوك!’
كانت ‘الدار الكبيرة’ د الأمغار (الشيخ الأكبر) شاعلة بالغيظ والشورى.
المجلس تما،يفزع القلب رجال برغواطة مجموعين بحال السبوعة ف وسط الغار. وجوههم قاصحة كالحجر د الشاوية، ولحاهم كاحلة وطويلة كيرميوها ورا كتافهم، ولابسين الحايك الديالي الثقيل د الصوف، المصبوغ بالخطوط الكحلة والبيضا بحال جلد الضبع. ف يديهم الخناجر المقوسة (الكوميات) ملسقة ف أحزمتهم الصوفية، والسيوف العريضة (المجاذيف) محطوطة قبالتهم على الحصير د الدوم. هادو رجال فلاحين ومقاتلين، ريحتهم قطران وصمغ د الشجر، وعيونهم كتبرق بحال القطوط د الليل من قوة الحذر.
وسط هاد الزحام، تقدم واحد الشيخ من أعيان القبايل، سميتو (بْرِيك)، راجل عريض الكتاف، لحيته شيبانية ومقسومة على جوج، هبّ واقف، وحط يدو الغليظة على مقبض سيفو، ودور عينو ف الشيوخ وبصق ف الكانون اللي شاعلة فيه العافية، وقال بنبرة حارة وفيها اللوم:
‘واش عقلنا غاب يا رجال تامسنا؟ واش ولينا نشوفو الصيد كيدخل لعريننا وحنا ساكتين؟ هاد الأندلسي، حط رجلو ف شالة.. شالة اللي هي الباب ديالنا للروام والتجارة! كيفاش هاد السُلطان يضرب الفيافي والبحور ويجي يتحصن ف أرض ماشي ديالو؟ هاد المَشية ديالو ما دَخْلاتش ليا لهاد الرأس.. هاد الفعْلة ماشي منطقية!’
تنحنح واحد الشيخ آخور، سميتو (مْحَنْد)، راجل صامت، عويناتو غارقة وسط حواجبو بحال الثلج، وجابد كسيوتو الصوفية فوق ركبتيه، وقال بصوت بحال دبيب النمل ولكن مسموع:
‘تمهّل أ بريك.. الشداد ماشي هبيل باش يرمي راسو ف الموت. الشداد ثعلب د الحروب ف لاندلس وقاري اللوحة.وعلى حد علمي وماسمعنا عليه ماشي غير سلطان اندلسي..راه قايد للقطيعة وكان صور منيع فصحاري انمارة ..وحارس بابها وقاطع النفس فلي داز في دايز جنبها .
شوفو مزيان فين حط رحالو.. ما دخلش لعندنا للغابة، وما مشاش لقبايل زناتة ف الشرق. حط رجلو ف الجرف د شالة! ظهرو محمي بالمحيط وسفونو كيجيبو ليه الما والماكلة من وراء البحر، وقدامو الواد حابس علينا الخيل. حط تما (راس الحنش) وكيتسنى شكون فينا يغلط ويمشي عندو!’ هادا علاش كنقوليكم راه ماشي سلطان مكيحركش عقل السلطان بكترة ما خدام بعقل القايد الحربي وهاد النزلة لي دار بين البحر والواد ماشي من تدبير عقل سلطاني..وانما من تخطيط دماغ فارس عاش الحروب وجال وشاف ، ماشي سلطان محصور بين سوار القصور اسيدنا .
هنا، ضرب (الأمغار) الأكبر القصية ديالو د الأبنوس مع الأرض، حتّى سكت المجلس كلو، وما بقى يتسمع غير الطقطقة د العافية ف الحطب. هز راسو الشايب، وشاف ف بريك بنظرة وازنة وقال:
‘مْحَنْد هضر بكلام الحكمة أ بريك.. الأندلسي جا وجايب معاه الغدر. هو عارف بلي قبايلنا ما مفاهمينش، وعارف بلي زناتة ومصمودة كيتحينو الفرصة فينا. الشداد بغا يبني معسكر ف شالة باش يفرّقنا ويحكمنا، وباش يرجع تامسنا حصن يحمي بيه قصر قرطبة من غبار المغرب. هو بغا يدير منا درع لسيفو!’
وقف الأمغار على رجليه، وجر السيف العريض ديالو من الغمد، وحطّو وسط المجلس حتّى رنّ الحديد، وقال بصوت زلزل النوالات الطينية د المحلّة:
‘ولكن اللي ما عارفوش هاد السلطان.. أن طين شالة كيشرب الدم وما كينبتش الحرير! إيلا كان هو يحساب ليه راسو فنزاهة ، وراسم الخطّة ف وراق الديوان.. حنا غنوريو ليه المنطق د السلاح ف الغابة. خلوه يثبت الخيام، وخلوه يفرح بالبحر.. راه الليلة اللي غيطفي فيها القناديل، غتكون هي الليلة اللي غتذوق فيها قبايل برغواطة لحم الملوك! نوضوا يا رجال.. وجدوا الجعاب وزيتوا المجاذيف، الحرب صبْحات على الأبواب!’
في تلك الليلة التي حبست فيها بلاد تامسنا أنفاسها، كان الشداد يخط على رقعة التاريخ خطوةً لم يجرؤ عليها ملكٌ من قبله. لم يكن مجرد غازٍ يبحث عن غنيمة، بل كان مهندساً يبني صرحاً عجز الأجداد عن تكميله، ويصحح خطأً كاد يمحو أثر الوجود الأموي من الأرض.
قديماً، كانت جدود الشداد دولةً عظيمة، إمبراطورية تُشرق الشمس وتغرب في أراضيها. لكن الحرب، يا سادة، لا ترحم. ناضت بينهم وبين العباسيين نارٌ قوية، نارٌ قضت على الأخضر واليابس، ولم تبقِ من الأسرة الملكية صبياً ولا شيخاً.. إلا واحداً.
واحدٌ فقط نجا من بين المخالب، ملقب بـ**’صقر قريش’**. هرب، والسيوف تبعته بحال الظل، لكن الله نجاه. قطع البحار والفيافي حتى دخل المغرب، وجلس عند الأمازيغ. حتضنوه، ، ماشي غير حيت ضيف، ولكن حيت خوالو ومو منهم، والدم كيحن للدم. تما، من قلب النسيان، ومن تحت الرماد، بايعه الأمازيغ ودعموه بدمائهم وأموالهم. وبدأ الصقر يبني راسو من لا شيء، دقة بدقة، حجر فوق حجر، حتى اشتد عوده ومشى لقرطبة، وتما فين ناض بالأمويين من جديد.
وجيل بعد جيل، كان الأجداد كيطورو ويتعلمو من لاشيء قدرو يحكمو بعض الأراضي ف الأندلس، واسترجعو بعض أراضي الشرق بلا حروب، غير بالسياسة والتفاهم، وبالتنازل للعباسيين على بزاااف ديال الأمور السياسية باش يحافظو على السلم الضعيف. بقاو ضعاف، ضعاف قدام ملوك العالم، وسيادتهم كانت ناقصة.
حتّى جاء نهار الزواج د الشداد بشامة. هاد المناسبة ما كانتش غير فرح عادي، كانت هي ‘دفع الجهد’. شامة عطات القوة والدعم للشداد فاش تناسب مع العباسيين الكبار. سياسياً، ما كانش ف مصلحتهم الحرب، والامويين كانو معترفين بسيادة العباسيين على بعض الأراضي قدام السلاطين. هاد التحالف هو اللي رجع الدم للعروق الضعيفة. وفاش تولى الشداد الحكم، ما كلسش على العرش وقال ‘أنا السلطان’. لا! هو قائد جيش قبل ما يكون سلطان، والقيادة هي لجامو ف الحياة. حتى إيلا مال بيه الزمان، يلقى مايلجم ، لاكن هادشي مكانش كافي . كان غيخليه يبقا صغير قدام نفسه
ولهذا، جاء للمغرب، وبدأ بشالة أولاً. الشداد عارف المنطق د التاريخ: من يملك شالة، يملك المعبر الساحلي بين إفريقيا والأندلس. وجاء ليها بغرض عظيم: يبني فيها معسكر جديد، قوي وحصين، يحمي بيه ظهرو من انقلاب قرطبة عليه. هو عارف بلي الانقلابات كانت شاسعة في ذاك الوقت، ولا تأمن مكر الوزراء.
إيلا استولى على شالة، غيصعاب على أي خاين يقلب عليه الحكم. الدنيا كلها غتعرف أن الشداد عندو، من غير قرطبة، معسكر آخر يواجه بيه العدو، ماشي غيبقى بوحدو، ويهرب، ويكرر نفس الشيء اللي دار صقر قريش في الهروب من العباسيين.
وهنا بدا كيفكر يبني ساس صحيح وستراتيجية جديدة في الحكم، قمع التمرد و القوة “المزدوجة ” مستاغل صغر سنه وقوته الجسدية والعقلية باش يوصل لمبتغاه قبل ما يبدا يتعب . كيعاود يصحح الأخطاء اللي طاحو فيها الأجداد، حتى تمحى ليهم الأثر ومالقاو لي يوقف معاهم ويدعمهم في محنتهم. الشداد ما بغاش يكون سلطان د الزينة، بغا يكون سلطان د الحديد، اللي يحكم الأرض، ويحمي الظهر، ويخلي الملوك تنحني إجلالاً لقبضتو، قبل هيبتو.
ولهذا، قسم جيشو لنصفين، خطة ما تخرج غير من عقل ثعلب حروب .
النصف الأول، مشا عبر البر، بقيادة القائد الوفـي ‘سلمان’. هو اللول انطلق ف غسق الليل، داير الطريق الوعرة بين الغابات. لاكن سلمان وقواتو مادخلوش المنطقة، وقفو بعييييييد، مخبيين ورا التلال، ومزال مبانوش.. لا للعين، ولا للسمع. هادي هي ‘المصيدة’، هادي هي خطة الشداد فالايقاع بالبرغواطيين: خليهم يتحابوا بلي العدو قليل، حتى يخرج سلمان بحال العاصفة من الخلف ورا محلة الأمغار.
أما النصف الثاني، فهو اللي جاء عبر البحر على السفن الأندلسية العظيمة. الشداد ما بغاش يعطي للبرغواطيين فرصة يشوفو قوة جيشو من بعيد، ويضربوه بالمدافع إيلا تقشعو ف الأفق. لا! خلى السفن تمشي بعيد ف المحيط، كملو على رجليهم بالخيل ف الساحل المضلم، حتى وصل شداد للارض ووضع رجلو فوق ارض امام شالة الشامخة. بهاد التصرف يقدر يبان غبي او جبان لانه حط رجلو فعرين الاسد.لاكن هاد الخطوة ميقدر يقدم عليها غير لي مكخافش من الموت ، او ليما عندو مايخسر وكيشوف راسو ، يا إما ياخد لي بغا او يموت قدامو .وهادي فحد داتها نقطة كتخلع العدو..لان العدو كما كان نوعه كيخاف من الخصم لي ماعندو مايخسر وهدفه واضح وباين وموجد دمو الحامي يسيل على الهدف الى ما حطش رجلو عليه . مستاعد يتحرق ويتحرق ويدخل فالموت بكل قوته وعزيمتو بلا ميرمش ليه جفن او ينبض ليه عرق بالخوف. واللي دازو منو الاجداد كان ابادة ومابقات حتى حاجة كتخلعو ، يا إما يكون هوا الكبير او ميكونش بالمرة .
فاش حط أوتاد خيمتو، بانو السفن على الساحل لي وراه، بحال الحيتان د الليل اللي جاية تدعم السبع ف عرينو.
هكذا، كان الشداد واقف، عين على البحر وسفنو اللي جاية بالتموين والسلاح، وعين على البر وحروبو اللي مزال سلمان مخبي ف فجاجها. كان واقف في قمة جلاله العسكري، سلطان قائد، ماشي سلطان قصر، وصوته كيرن في فضاء شالة
“أن أكون ، او لا اكون “
فاش طفت القناديل ف معسكر الشداد، وساد الصمت إلا من زمجرة أمواج الأطلسي، كانت ‘العافية الكاحلة’ د برغواطة بدأت كتسحف ف الخفاء.
البرغواطيين ما جاو بجيش منظم مصفوف، هادو أسياد الأرض وعارفين شعابها. تسلّلو بين شجر السدر والكرويش بحال الحيايا، حافيين القدمين باش ما يسمع حد دبيبهم على الحجر. كانوا مئات د الفرسان والمشاة، ملثمين بـ الحايك الصوفي الكحل، شادّين ف يديهم الرماح الطويلة المقوّسة وخناجر الكومية بين أسنانهم، وعينهم على الخيام الكبيرة د الأندلسيين اللي ضربها النعاس.
كانت الخطة د الأمغار (الشيخ الأكبر) غدارة وثابتة: يدخلوا من جيهة الواد، يذبحوا الحراس ف صمت، ويشعلوا العافية ف الخيام باش تنوض الروينة، وتصيب الدهشة جيش الشداد اللي يحساب ليه راسو محمي بالبحر والواد.
وصلوا لـ أول خط د الحراسة قبالة النهر. بان ليهم الحراس الأندلسيين واقفين بالدروع والحديد، عاطيين بظهرهم للظلام وشاخصين ف المصب. بلمحة عين، خرجوا السبوعة د برغواطة من وسط الشوك، وطاروا عليهم بحال الصقورة. طعنات سريعة بخناجر الكومية، ووقعت الأجساد ف الطين بلا ما تخرج منها حتى صرخة تذير بالخطر!
نجحات الخطة الأولى، وبداو كيتسللوا لـ قلب المعسكر قاصدين ‘الخيمة السلطانية الكبرى’ فين راقد الشداد. تقدم قائد الغارة البرغواطية، راجل طويل وعريض بحال السارية، جر ميرزاقو (رمحو الطويل)، ودفع الرواق د الخيمة بقوة وهو مستاعد يغرس السنان ف صدر السلطان النايم..
ولكن! تما …تما طارت الدهشة من عيون البرغواطيين!
الخيمة كانت خاوية.. ما فيها لا فراش، ولا ريش، ولا سلطان راقد! غير شمعة وحدة ذائبة فوق صندوق د الخشب.
وف تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت قوي، جهوري، كيزلزل الصخر من وراهم.. صوت كيعرفوه مزيان:
‘تأخرتم كثيراً يا رجال تامسنا.. كنت أنتظركم منذ غسق الليل!’
داروا البرغواطيين بحال المجاذيب، وبان ليهم السلطان شداد واقف ف العتمة، خارج من ورا التلة الصخرية. ما كانش لابس لباس النوم د الملوك، بل كان بـ درعو الحديدي كامل، شاد بـ كفو الغليظة سيفو الأندلسي العريق اللي كيبرق تحت ضو القمر، وحواليه فرسان النخبة ملثمين بالأسود، واقفين بحال جدار د الفولاذ، شادين القسي والنبال موجهة لـ صدور الدخلاء.
الشداد ما كانش ناعم، الشداد كان قاري اللوحة، وعارف بلي اللي كيحط رجلو ف عرين الأسد، لازم يبات وعينو مفتوحة!
‘اِلتحام!’.. صرخ الشداد بصوت هز الواد.
وف ثانية واحدة، تحول صمت الليل لـ جهنم حمراء! انطلقت نبال الأندلسيين بحال شتاء د العذاب، وتقاطعت السيوف العريضة د برغواطة مع حديد قرطبة. ضرب وطعن، وصياح الرجال كيتخلط مع صوت الما د النهر. البرغواطيين، وخا تفاجأوا، ما هربوش؛ حيت الدم الحامي ديالهم ما كيعرفش التراجع، بداو كيقاتلوا بقوة غاشمة، والكوميات كتحصد الأرواح ف قتال الزقاق الضيقة الشداد كان ف مقدمة الحرب، سيفو كيطير الرؤوس ويمزق الدروع، ك يضرب بـ حقد السنين وبـ غيظ الأجداد اللي تبادوا، كأنه كيقنع نفسو بلي هاد ليلة ‘أن أكون أو لا أكون’.
ولكن، وخا الشداد قتل منهم بزايد، القبائل بدأت كتتكاثر بحال الجراد، وخرجت المدد ديالهم من الغابة المحيطة، وبداو كيضغطوا على معسكر الشداد الصغير، وكيزيروا عليه الخناق جيهة جرف البحر. قائد برغواطة صرخ بـ لغتو الأمازيغية: ‘احصروهم عند الموج.. خلو المحيط يشرب دمهم!’
بدا جيش الشداد كيتراجع خطوة ورا خطوة تحت ثقل الهجوم البرغواطي الشرس.. وبانت علامات النصر ف عيون شيوخ تامسنا اللي كانوا يراقبوا من بعيد.
ولكن اللي ما كانوش عارفينو البرغواطيين.. أن هاد الحصار بيدو، كان هو ‘المصيدة الكبرى’ اللي وجد ليها الشداد بدم بارد!
وف الوقت اللي اعتقدت فيه برغواطة أن السلطان الأندلسي صافي طاح ف الفخ وسيفو غيتدفن ف طين شالة.. وقعت المفاجأة الثانية اللي غيرات مجرى الليلة كلو!
ف الوقت اللي كان فيه قائد برغواطة كيصرخ بـ أعلى صوتو: ‘احصروهم عند الموج.. خلو المحيط يشرب دمهم!’، وكانت سيوفهم العريضة كتضغط على فرسان الشداد حتّى رجعوهم لحافة الجرف الصخري.. ف هاديك اللحظة بالذات، الشداد ما رمش ليه جفن، ولا نبض فيه عرق د الخوف. كان كيشوف ف عيون البرغواطيين الطامعة، وبتسامة صقرية باردة ترسمات تحت لثامو الأكحل.
هز الشداد سيفو العريق جيهة السما، وصرخ صرخة هزات الفضاء: ‘الآن يا سلمان!.. أطلق جهنم!’
وف ثانية وحدة، تزلزلات الأرض ورا ظهر البرغواطيين! من أعالي التلال ووسط غابات السدر اللي حاسبينها ديالهم، انطلق واحد الهيجان ما شافوهش ف حياتهم. هاداك النصف الأول د الجيش، اللي قادو القائد الوفي ‘سلمان’ ومشى عبر البر ف الخفاء.. خرجوا من غسق الليل بحال الجنون!
فرسان ملثمين، خيلهم كتطير ف المنحدرات الوعرة، وحوافرها كتصنع رعد ف الأرض. ما جاو الصامتين، هاد المرة جاو بـ طبول الحرب الاندلسيةكتضرب دقة وحدة، وصيحاتهم كتزلزل الفجاج: ‘الله أكبر!.. الشداد!.. الشداد!’
وقعوا البرغواطيين بين شقّي الرحى؛ تفاجأوا بلي هما اللي محاصرين ماشي الشداد! سلمان وجيش البر هبطوا عليهم من الخلف بحال الصاعقة، وبداو كيحصدوا ف المشاة والفرسان د القبايل اللي تخلطات عليهم العرارم. تنادت رجال برغواطة بـ لغتهم الأمازيغية: ‘الغدر!.. الغدر وجانا من الظهر!’، وطارت الدهشة والنحس ف قلوبهم.
ف نفس الوقت اللي تحرك فيه سلمان ف البر، تحرك المعسكر د البحر! السفن الأندلسية العظيمة اللي كانت مخبية ف عتمة المحيط، تقدمات دقة وحدة وبانت ف الأفق بحال الحيتان د الليل، وشعلات فيها قناديل النار. الفرسان اللي بقاو فيها نزلوا على رجليهم بالخيل ف الساحل المظلم، ودخلوا للمعركة من جيهة المصب، وقطعوا على البرغواطيين أي طريق للهروب جيهة الواد.
المعركة تحولات لـ ملحمة د الحديد والدم. الشداد ف هاديك اللحظة رجع ليه الجهد المزدوج د صغر سنو وقوتو الجسدية الجارفة. دفع بنخبتو لقدام، وبقى كيطحن ف صفوفهم وهو كيصرخ: ‘أنا ابن الصقر الذي لا يموت!
قائد الغارة البرغواطية، داك الراجل الطويل اللي بحال السارية، شاف المحلة ديالو كتذوب تحت ضربات الأندلسيين. حاول يدير خطوة انتحارية، وهز ميرزاقو الطويل وطار جيهة الشداد بغا يقطع راس الحنش. لمح الشداد الزحف ديالو، وما تهزش من بلاصتو. تلاقات عيونهم ف العتمة.. الأمازيغي باغي يحمي أرضو وتامسنا ديالو، والأندلسي باغي يبني ساس جديد ويمحي عار الاجداد
ضرب البرغواطي بـ رمحو بقوة عمياء، لكن الشداد مال بحركة سريعة حربية ، ودار بـ سيفو دورة وحدة قاطعة، شق بيها درع
القائدوخرج السيف من ظهرو! سقط قائد الغارة ف طين شالة، ودمو الحامي ساح على الرملة.
بمجرد ما طاح القائد، انكسرات الشوكة د برغواطة. الرجال اللي بقاو تشتتوا ف الظلام، هربوا جيهة الغابات البعيدة وعمق تامسنا، هازين معاهم الجرحى والخيبة، ومخلفين وراهم جثث رجالهم وسلاحهم وعزيمتهم اللي تهرسات قبالة جرف شالة.
طلع فجر جديد على شالة.. ضو الشمس بان واضح على الأسوار القديمة وعلى مصب نهر أبي رقراق. المعسكر د الشداد كان واقف، راياتو السوداء كترفر ف الهوا فوق النوالات الطينية اللي استولى عليها، والسفن الأندلسية رست كاملة ف المرسى، كتنزل التموين والسلاح والجهد الجديد.
وقف الشداد على مشارف الجرف، سيفو مزال منقط بالدم، وعينو الصقرية الشايبة بالنصر كتشوف ف بلاد تامسنا الشاسعة. كان سلمان واقف وراه، حاني راسو إجلالاً، وجيش الأندلس كلو كيهتف بـ اسم السُلطان لي كسر شوكة البرغواطيين فليلة وحدة
الشداد حط رجلو ف عرين الأسد، وماشي غير نجا.. بل رجع هو سيد العرين. وعرف بلي من اليوم، قرطبة غتسمع بلي الشداد عندو ظهر من حديد ف شالة، والملوك غتحسب ليه ألف حساب قبل ما تفكر ف التمرد.
وهكذا
بدأت الملحمة د ‘خالص الولاء’ بالدم والنار ف أرض المغرب.. ومزال الأيام مخبية للشداد ما هو أعظم وأعجب مع قبايل الجهات المجاورة
مشى الأمغار وشيوخ تامسنا، والخبر طار ف القبائل بحال العافية ف التبن بلي ‘الصلح تقاضى، والعهد تّم، والشداد صار ليه وتد ف شالة’. تراجع جيش سلمان ورا التلال ف صمت، ودخلات السفن الأندلسية العظيمة كاملة للمرسى، وبداو الرجال كيبنيو الأبراج ويصلحو الأسوار اللي تهرسات بالليل، والشداد واقف كيشرف على كل كبيرة وصغيرة، ، باغي يثبت الساس قبل ما يدركه التعب ولا يدور عليه الزمان.
ولكن ف هاديك الساعات بالذات، فاش كان كلشي حس براسو رابح.. وصل واحد الرقّاص آخور، ولكن هاد المرة ما جاش من غابات تامسنا؛ هادا راجل عابر البحور، وجهو شاحب من غبار الطريق وهلاك الموج، وجايب رسالة مختومة بـ الخاتم السلطاني د قرطبة..!
دخل الرقّاص الأندلسي لـ خيمة الشداد، وحط ليه الرسالة ف يدو وهو كيلهث: ‘مولاي السُلطان.. من لالة شامة ف قرطبة، قالت ليك: الوقت ضاق، والحيايا بدأت كتخرج من الجحور ف الغياب ديالك!’
حل الشداد الرسالة، وعينيه الصقرية كتقرا السطور المكتوبة بـ مداد الحذر والذكاء السياسي اللي كتملكو شامة. شامة، ديك الأميرة اللي بزواجها من الشداد عطاتو ‘دفع الجهد’ والدعم والشرعية قدام السلاطين
كتبات ليه كلمات بحال السم في الشهد:
‘إلى صاحب السيف والحديد، السُلطان شداد.. اعلم أن غيابك عن قرطبة طال، والوزراء ف الديوان بدأت رقابهم كتطوال، وحساب ليهم أن المغرب غياكلك. والخبر د نزولك ف شالة وصل لعيون العباسيين ف الشرق، ونايضة حركة ف الخفاء بين الوزراء باغيين يستغلو غيابك باش يديرو الانقلاب ويحطو يديهم على العرش، حيت كيسحاب ليهم راك بوحدك وما عندك سند. ارجع يا شداد.. الساس اللي بنيتيه ف شالة خاصو السقف ف قرطبة، وشامة مزال عاقدة ليك لجام الحكم ف الغيبة ديالك، ولكن الصبر ليه حدود.’
جمع الشداد الرسالة ف كفو، وضغط عليها حتّى كادت تفرتت وراحتو كتغلي بالدم الحامي. دار عند سلمان اللي كان واقف حداه وسمع الخبر، وقال الشداد بـ صوت بحال الرعد المكتوم:
‘حساب ليهم الشداد غافل.. وحساب ليهم إيلا غبت على قرطبة غيموت الأثر! هما باغيين يكررو قصة صقر قريش ويخليوني هربان بلا أرض ولا رجال؟
التفت الشداد جيهة البحر وقال بـ صرامة:
‘سلمان!.. تجمع نخبة الفرسان، غنرجع لقرطبة ف هاد الليلة قبل النهار. غنخليو هنا معسكر ثابت شادّينو رجالنا الثقاة بالتنسيق مع الأمغار، وحساب التجارة والمرسى يمشي بالعدل كيف تفاهمنا. غنمشي لقرطبة ماشي كـ سلطان خايف على كرسيه.. غنمشي ليها كـ قائد جيش باغي يقطع الرؤوس اللي ظنات بلي الشداد صغار ف الغيبة ديالو.
خرج الشداد من الخيمة السلطانية الكبرى بخطوات ثقيلة مسموعة، وعينيه الصقرية كتشوف ف الرقّاص الأندلسي اللي جايب الخبار.
ف غسق الليل وسط معسكر شالة. جمع الشداد فرسان النخبة الأندلسية، والوجوه عليها علامات الفزع والزربة من هاد الخبر الصاعقة اللي جا من ورا البحور. مشاو كاملين لـ جيهة الساحل، ركبوا صهوة السفن العظيمة اللي كانت راسية ف المرسى، وقلعوا المراس ف قلب الظلام، وشقّوا الموج خارجين للمحيط قاصدين الأندلس. مع شاشات الفجر الأولى، غابت السفن تماماً ف الأفق، وما بقى ليها أثر. المعسكر د شالة رجع ساكت، ما فيه غير الحامية الضعيفة اللي بقات شادة الأسوار، والخيام مضروبة ف صمت الليل، كأن السبع الأندلسي خلى العرين خاوي وطار يحمي عرشو ف قرطبة.
كان الليل ضارب بـ ظلامو الدامس، والبرد د المحيط كيزفر بين الخيام الطينية والنوالات د المعسكر. الصمت كان رهيب، لدرجة تسمعي فيها غير طقطقة الحطب اللي بقى شاعل ف الكوانين، وصوت أمواج الأطلسي كتكسر تحت الجرف الصخري ف الرملة. المعسكر الأندلسي كان كيبان ف هاديك الساعات بحال شي جسد بلا روح؛ الخيام الكبيرة مرخية، القناديل اللي كانت كتضوي الساحة طافية، والحراس اللي واقفين فوق أسوار الطين القليلة باينين عيانين، ساندين ظهرهم على الخشب وروسهم هابطة من ثقل النعاس، بعد ما تيقنوا بلي السُلطان ديالهم خلى المرسى ومشى.
وف تلك اللحظة بالذات، وسط عتمة غابات السدر والكرويش المحيطة بالمعسكر، بدأت الظلال كتحرك ف الخفاء بلا صوت. مئات د الرجال زاحفين بحال الحيايا ف الطين، حافيين القدمين باش ما يسمع حد دبيبهم على الحجر. كانوا ملثمين بـ الحايك الصوفي الكحل، عينيهم وحدها اللي كتبرق تحت ضو القمر الشاحب، شادّين ف يديهم السيوف العريضة بـ غيظ، وخناجر الكومية مقبوضة بين أسنانهم. ف مقدمتهم، كان باين الفارس الشاب ‘إدريس’ ولد الأمغار، لابس درع العشيرة، وجهو وعينيه فيهم النخوة والحماس د الصغر، وجنبو الشيخ ‘بريك’ اللي وجهو قاصح بحال الحجر وعينيه شاعلة بـ حقد
دار بريك إشارة بـ يدو الغليظة.. لمح البصر، طاروا السبوعة د تامسنا من وسط الشوك بحال الصقورة! هجموا على الحراس النعاسين، طعنات سريعة بلا صراخ، ووقعت الأجساد ف الطين ف صمت كيرعب.
دخل السيل الجارف لـ قلب المعسكر. انطلقوا الرجال كيجريو بين الخيام، هازين المشاعل، وبداو كيرميو النار ف الرواق د الوبر والقصب. شعلات العافية دقة وحدة! الهب الحمري طار للسما، وبدا الدخان الكحل كيتصاعد ويخنق الفضاء. ناضت الروينة، وصيحات الفرسان المهاجمين زلزلات المكان: ‘تحرير!.. تحرير لطين شالة!’.. كانوا كيطعنوا ف الخيام ظانين أنهم كيبيدوا الحامية د الشداد اللي بقات مدهوشة وسط النعاس.
ولكن! وسط هاد العاصفة د النار والدخان.. حبسات الأنفاس، وطارت الدهشة من العيون!
النار فاش شعلات وضوات المعسكر كلو، ما بيناتش حامية مدهوشة كتجري بـ لباس النوم.. بينات ساحة خاوية تماماً! الخيام كانت منفوخة غير بالقصب والتبن، وما فيها حتى روح!
وحتى الحراس لي طاحو بالطعنات الغدر الخلفية كانو غير حوايج منفرخة بالقش وملثمة وفقلبها اجساد خرفان ميتة وف ثانية وحدة، وقبل ما يستوعب بريك وإدريس اللعبة.. بدات الارض تحت اقدام بريك والبرغواطة كتهز وتزلزل تقول الزلزال ضرب ..عينيهم تحلو على كبرهم كيشوف فألارض تحت اقدامهم وصوت الرعد كيتجهد .كانو اقدام الخيل غتضرب فالارض وتخلي الجمرة شاعلة فالاثر والدخان طالع ومعاها شعلات قناديل النار ف أعالي الأسوار ، اللي يحساب ليهم خاوية. وبانوا فرسان الفولاذ الأندلسيين واقفين بحال جدار د الحديد، دروعهم كتبرق تحت ضو العافية، وقسيهم موجهة لـ صدور المهاجمين داروا رجال برغواطة مخلوعين جيهة النهر والبحر فين خلاو طريق الهروب.. وبانت ليهم الصدمة الكبرى! من عتمة الما ومصب أبي رقراق، خرجت الخيل د سلمان بحوافرها اللي كتصنع الرعد ف الأرض، سادّة كل الفجاج من الظهر.
وف قلب هاد الحصار الدائري المرعب، وسط الدخان والعافية الشاعلة، تفرقوا فرسان النخبة.. وخرج من بيناتهم راكب على عودو الأدهم العريض.. السُلطان شداد بيدو!
ما كانش ف السفن اللي مشات للأندلس، كان لابس درعو الحديدي كامل اللي كيعكس ضو العافية الحمرة، شاد بـ كفو الغليظة سيفو الأندلسي العريق اللي منقط بـ لمعان الموت، ولثامو الأكحل مطيش على كتافو، وجهو جامد بحال الصخر وعينيه الصقرية الشابة بـ الدهاء كتشوف ف الصيد اللي طاح ف الفخ بـ يديه. الشداد اللي قرا لغز شامة بالمقلوب، دار دورة كاملة ورا الجرف الصخري بالليل ورجع كيتسنى دقيقة الصفر!
هز الشداد سيفو جيهة السما، وصرخ بصوت جهوري هز الواد والمحيط، صوت خرج معاه ريح بارد طفا دهشة المهاجمين:
‘أحصروهم!.. لا يخرج منهم مخبر!’
تحول المعسكر لـ مأزق د الدم والحديد. انطلقت نبال الأندلسيين بحال شتاء د العذاب، وتقاطعت السيوف العريضة مع حديد قرطبة. ضرب وطعن، وزحام الرجال كيتخلط مع صوت النار اللي كتاكل ف القصب. فرسان الشداد، بالدروع الثقيلة ديالهم، بداو كيزيروا الخناق خطوة ورا خطوة، كيدفعوا رجال برغواطة جيهة حافة الجرف الصخري حتّى تهرسات الشوكة ديالهم، وطاحوا السيوف من يديهم من هول المفاجأة والصدمة النفسية قبل ضرب الحديد.
بلمحة عين، طوقوا فرسان النخبة الشاب ‘إدريس’. جرّوه من فوق سرجه، وطرحوه ف الأرض ف وسط الطين، وربطوا يديه بالحديد الغليظ ورا ظهره.
تقدم الشداد بـ عودو الأدهم حتّى وقفت حوافر الحصان قبالة وجه إدريس المطروح ف الأرض. نزل الشداد عينيه الصقرية الباردة ف عيون الشاب اللي كتغلي بالدموع والغيظ، وحط راس سيفو المايل على عنق إدريس، ونطق بـ صوت جامد كالقبر، كيرن وسط صوت النار اللي بدأت كتهدأ:
“غَدَرْتُمْ فِي الظَّلَامِ يَا بَرْغَوَاطَة، فَبَطَلَتْ مَوَاثِيقُ النَّهَار! أَبْنَاؤُكُمْ رَهَائِنُ لَدَيَّ، وَعُهُودُ الصُّلْحِ مَزَّقَهَا نِصَالُ السَّيْف. إِنْ كَانَ الأَمْغَارُ يَبْغِي حَيَاةَ وَلَدِهِ ‘إِدْرِيس’، فَلْيَأْتِ إِلَى شَالَةَ خَاضِعاً، وَرَقَبَتُهُ تَحْتَ قَبْضَتِي!”
دخل الشداد إلى خيمته السلطانية بخطوات بطيئة، نزع درعه الحديدي الثقيل ورماه جانباً، وبقي بلباسه الأسود. جلس على كرسيه العريض، وعيناه الصقرية تتأملان شعلة الشمعة وهي تذوب في صمت الليل. دخل سلمان، وسيفه ما زال يقطر من دماء المهاجمين، ووقف بـ إجلال وهو مذهول من عبقرية ما حدث بالخارج.
التفت الشداد إليه، ونطق بفصحى هادئة، “سَلْمَان.. هَلْ ظَنَنْتَ أَنَّنِي خَرَجْتُ لِلْبَحْرِ بِتَخْمِينٍ مِنْ عَقْلِي؟ لَا يَا سَلْمَان.. لَقَدْ تَحَرَّكْتُ بِأَمْرٍ صَارِمٍ مِنْ شَامَة!”
سلمان عقد حاجبيه بدهشة عارمة: “مَوْلَاي؟ الرِّسَالَةُ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً إِذَنْ؟! وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَطْلُبُ مِنْكَ العَوْدَةَ لِقُرْطُبَة لِإِنْقَاذِ العَرْش!”
أخرج الشداد الرسالة من جيبه، وبسطها تحت ضوء الشمعة وهو يبتسم بـ دهاء ملوكي:
“الرِّسَالَةُ حَقِيقِيَّةٌ كُتِبَتْ بِيَدِهَا وَخَتْمِهَا، لَكِنَّ شَامَةَ لَا تَكْتُبُ لِي لِيَقْرَأَ العَامَّةُ سُطُورَهَا. لَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ فِي قَصْرِهَا جَاسُوساً يَنْقُلُ الأَخْبَارَ لِلْبَرْغَوَاطِيِّين، فَأَعْطَتْهُ مَا يَشْتَهِي! كَتَبَتْ كَلَاماً ظَاهِرُهُ الفَزَعُ وَالاسْتِنْجَاد، لَكِنَّهَا وَضَعَتْ شِفْرَتَنَا السِّرِّيَّةَ فِي النُّقَاطِ وَالفَوَاصِلِ.. حِينَمَا تَقْرَأُ كَلَامَهَا بِالمَقْلُوبِ يَا سَلْمَان، تَقُولُ لِي حَرْفِيّاً: ‘أَخْلِ لَهُمُ السَّاحَةَ اللَّيْلَة، تَظَاهَرْ بِالرَّحِيلِ لِيَخْرُجَ الثَّعَالِبُ مِنْ جُحُورِهِمْ وَيَقَعُوا فِي المَصْيَدَة، فَهَؤُلَاءِ لَا عَهْدَ لَهُمْ’!”
سلمان ضرب كفاً بكف، وعيناه تكادان تخرجان من مكانيهما من هول الصدمة: “الله أكبر!
وقف الشداد ونظر إلى الأفق عبر فتحة الخيمة، ونطق بصوت ثقيل كـ الرعد:
“لَقَدْ ضَرَبَتْ عُصْفُورَيْنِ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ مِنْ وُرَاءِ البِحَار. أَوْقَعَتْ بِبَرْغَوَاطَةَ هُنَا فَقَطَعْنَا حَبْلَ غَدْرِهِمْ وَصَارَ ابْنُ أَمْغَارِهِمْ رَهِينَةً تَحْتَ سَيْفِي، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ.. كَشَفَتِ الجَاسُوسَ فِي قُرْطُبَة لِأَنَّهُ هُوَ مَنْ سَهَّلَ خُرُوجَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لِيَصِلَ الطُّعْمُ إِلَى أَيْدِي القَبَائِلِ!”
التفت الشداد إلى سلمان بصرامة قاطعة:
“لِيَبْقَ خَبَرُ نَصْرِنَا عَلَى البَرْغَوَاطِيِّينَ وَأَسْرِ ابْنِ أَمْغَارِهِمْ سِرّاً مُطْبَقاً هُنَا فِي طِينِ شَالَة. أُرِيدُ لِذَلِكَ الجَاسُوسِ الخَائِنِ فِي الأَنْدَلُسِ أَنْ يَطْمَئِنَّ، وَيَظُنَّ أَنَّ طُعْمَهُ قَدْ نَجَحَ وَأَنَّنِي تَائِهٌ فِي عُرْضِ المُلَجِّ.
تنهد القائد سلمان بـالمهل، وحرك رأسه بـالموافقة لـكلام السلطان الشداد الوازن
وقال:
“صَدَقْتَ يَا مَوْلَايَ.. وَنَطَقْتَ بِالحِكْمَةِ الَّتِي تَعْيَى دُونَهَا العُقُولُ. إِنَّ هَؤُلَاءِ الغَانِيَاتِ لَا يَسُقْنَهُنَّ إِلَى نَصْلِ المَوْتِ شَجَاعَةً، بَلْ هُوَ جَهْلُ الصِّبَا، وَغَفْلَةُ المَقَادِيرِ حِينَ تُعْمِي البَصِيرَةَ. بِنْتُ القَبِيلَةِ إِذَا خَطَفَتْهَا نَسْمَةُ الهَوَى الخَفِيفَةُ، ظَنَّتْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا سَتَسْتُرُهَا كَمَا يَسْتُرُهَا حِجْرُ أُمِّهَا؛ تَعْمَى عَيْنَاهَا عَنِ الشَّرَفِ وَعَنِ السُّيُوفِ المُشْرَعَةِ فِي السَّمَاءِ، وَلَا تَسْتَفِيقُ مِنْ هَذَا المَنَامِ الكَاذِبِ إِلَّا وَالنَّصْلُ قَدْ لَامَسَ الرَّقَبَةَ وَحَاقَ بِهَا الهَلَاكُ!”
كانت الأجواء في تلك الصباحية كتحبس الأنفاس من شدة الجمال الممزوج بالترقب. الدار الكبيرة مبنية فوق ربوة عالية كتشرف على السهول الخضراء والوديان اللي مغطاها الضباب الأبيض د الصباح بحال شي بحر د القطن. المناظر الطبيعية كتسلب العقل: أشجار البلوط الفلينية العتيقة دايرة بالمكان، والديور الطينية من وراها كيبانوا الرعاة مسرحين القطعان ديالهم في المروج اللي مزال منقطة بـ ندى الصباح. في قلب الدار الكبيرة، كانت الأجواء مبهجة والنشاط زايد؛ النساء بـ لباسهن التقليدي المطرز والخلالات د الفضة ف الصدر، كانوا كيوجدو الخبز ف الفران د الطين، والرجال والشيوخ جالسين على الحصائر المنسوجة بـ زواق ‘الطارز’ الأصيل قبالة الكوانين اللي طالعة منها ريحة الشيح والعنبر، وكيتبادلو كيسان الأتاي المنعنع بـ هدوء ونخوة.
كلشي في القبيلة كان حاس بـ طعم النصر اللي سهرو عليه ليالي، كان الأمغار الأكبر جالس على وسادة عالية د الجلد، لابس سلهامو الأبيض الثقيل، وحاط يديه على قصبة سيفه العريض، وعينيه الشايبين بالوقار كيشوفوا للضباب د الواد، وابتسامة الرضا مرسومة على وجهو وهو كيقول لـ الشيوخ اللي جنبو:
‘اليوم يرجع الطين لماليه اشيوخ لقييلة .. واليوم غيعرف هاد الصبي د الأندلس بلي أرض تامسنا ما كتقبل وتد، وبلي مكر الرجال كيطحن حديد الملوك. إدريس والدراري د العشيرة غيكونوا دابا رافعين السواسي ف المرسى د شالة، ومن قاعها غيبدا الجلا!’
هز واحد من الشيوخ الأعيان راسو، ونطق وهو كيدوز يدو على لحيتو البيضاء:
‘إيوا الله يثبت الشوكة د إدريس وولادنا يا أمغار. السبع الأندلسي حساب ليه البلاد خاوية، وما فخباروش بلي رجال تامسنا إيلا ناضوا، كيرجعوا البحر كفن واللي غرق فيه ما يعاود يثبت أثر.’
الشيوخ كاملين ضربوا على يديهم بـ فخر، وبداو كيدعيو لـ إدريس بالنصر والثبات..
ولكن! ووسط هاد الهدوء والنخوة وجمال الطبيعة الصباحية.. انطلق فجأة صوت حوافر حصان كيجري بـ جنون من جيهة الواد! صوت قطع الصمت د الربوة بحال الصاعقة.
وصل فارس من بقايا المحلّة اللي هجمات بالليل.. حصانه كيرغّي بالدم والزَبَد، ولباسه ممزق ومغطى بـ غبار الطين والدم. طاح من فوق السرج قبالة الدار الكبيرة وهو كيلهث وكيصرخ بـ صوت مبحوح طير الفرحة من القلوب ف ثانية وحدة:
‘الـغَدْر!.. الغَدْر يا أمغار!.. اللعبة تشركات علينا، والشداد ما زاد ما رحل! المعسكر كان مكمن د النار والحديد، والصلح رجع رماد ف الهوا!’
وقف الأمغار الأكبر بحال الصاعقة، وطاح كاس الأتاي من يد الشيوخ وتفرتت ف الحصير، والنساء حبسوا الزغاريد ف حلقهم. قرب الأمغار بخطوات كترعد عند الفارس، جرو من صدره وصوته خارج بحال الغيوان:
‘وإدريس؟! فين ولدي إدريس؟! فين بريك والرجال اللي خرجوا معاه؟!’
هبط الفارس رأسه للأرض بـ ذل ودموع:
‘بريك تهرسات شوكته ف المعمعة.. وإدريس، قرة عينك.. طاح حي ف الأسر، سيف الشداد فوق رقبته ف قاع شالة، والسلطان كيقول ليك: إيلا بغيتي ولدك يتنفس الهوا، انزل عندي حافي لقدام ورقبتك تحت قبضتي!’
طارت شاشات النهار، ونزل الأمغار الأكبر من ‘الدار الكبيرة’ مكسور الجناح، حافي القدمين بحال الشاة اللي غادية للمذبح. وراه شيوخ تامسنا غاديين ف صمت، وجوههم ف الأرض، والنخوة اللي بدأت بيها الصباحية رجعات ذل ف غسق العشية.
وصلوا لـ معسكر شالة. الساحة كانت مزال فيها ريحة الحريق ودخان الخيام المحروقة، وفرسان الفولاذ الأندلسيين واقفين بحال السدود، شادّين الرماح ومضيقين عينيهم ف الشيوخ.
كان الشداد يتربع على كرسيه العريض في قلب الخيمة السلطانية، وعيناه الصقرية الشايبة بالدهاء تلمعان بقسوة لم يروها فيه من قبل. دخل الأمغار الأكبر، حافياً، منحنياً، ووقف ذليلاً بين يدي السلطان. وعلى الجانب، كان ابنه ‘إدريس’ وقرة عينه مطروحاً في قيد الحديد، والشيخ ‘بريك’ ينزف من جراحه، ووراءهما العشرات من أسرى شباب القبيلة.
لم ينتظر الشداد أن ينطق الأمغار بحرف، بل وقَف كالطود العظيم، ونزل صوته الجهوري كالصاعقة التي هزت أركان شالة:
“ظَنَنْتُمْ أَنَّ لِينَنَا ضَعْفٌ يَا بَرْغَوَاطَة، وَأَنَّ سِيَاسَتَنَا مَعَكُمْ خَوْفٌ مِنَ النِّصَال! لَقَدْ مَدَدْنَا لَكُمْ حَبْلَ الوَصْلِ بِالنَّهَار، فَأَرَدْتُمْ خَنْقَنَا بِهِ فِي الظَّلَام.. وَاليَوْمَ، نُرِيكُمْ وَجْهَ الشَّدَادِ الَّذِي لَمْ تَحْسِبُوا لَهُ حِسَاباً!”
تراجع الأمغار خطوة وهو يرتعد، فتابع الشداد وعيناه تتشظيان حِقداً:
“مُنْذُ هَذِهِ السَّاعَةِ، نَزَعْتُ عَنْكَ شِيَاخَةَ التَّقْدِمَةِ فِي تَامَسْنَا! لَمْ تَعُدْ أَمْغَاراً، وَلَا شَيْخاً يُطَاع، وَقَدْ وَلَّيْتُ أَمْرَ قَبَائِلِكُمْ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلطَّاعَةِ وَحِفْظِ العُهُود! أَمَّا أَرْبَاحُ المَرْسَى وَالتِّجَارَةِ الَّتِي اتَّفَقْنَا عَلَيْهَا بِالأَمْسِ، فَقَدْ صَارَتْ حَرَاماً عَلَيْكُمْ، وَأَمْوَالُهَا مَحْظُورَةٌ عَنْ خَزَائِنِكُمْ!”
صرخ الأمغار بصوت مكسور: “وإدريس؟! ولدي!”
حط الشداد كفه الثقيلة على مقبض سيفه، ونطق بكل جمود وقسوة:
“أَبْوَابُ شَالَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى قَبَائِلِكُمْ، مَنْ مَسَّ طِينَهَا هَلَكَ! وَوَلَدُكَ ‘إِدْرِيسُ’ وَمَعَهُ ‘بْرِيك’ وَشَبَابُ العَشِيرَةِ، سَيَبْقَوْنَ هُنَا فِي قَيْدِ الحَدِيدِ رَهَائِنَ تَحْتَ حَوَافِرِ خَيْلِي! إِنْ تَحَرَّكَتْ شَعْرَةٌ فِي تَامَسْنَا بِالغَدْر، قَطَعْتُ رُؤُوسَهُمْ وَرَمَيْتُ بِهَا لِكِلَابِ البَحْر! اذْهَبْ يَا هَذَا.. فَلَمْ يَعُدْ لَكَ عِنْدَنَا سِوَى الخُضُوعِ أَوْ المَوْتِ الزُّؤَام!”
خرج الشيخ الأكبر بلا شياخة، وبلا مال، وبلا ولد! والصلح اللي تّبنى بالسياسة رجع رماد ف الهوا، والشداد ثبت الساس ف شالة بـ لغة القوة والحديد الحارق اللي عمر تامسنا غتنساه!”
بعد ما خوات الخيمة وبقا فيها الشداد وحيد .هبط لثامو على نيفو وجبد سيفه سرحو فوق يدو كيشوف فيه بنضرات صقرية وفالكتابة المنحوتة الممتدة على طول السيف .
توقف لحضة وركز نضره فنقطة وحدة مطولا ، منبعد هبط سيفه بشوية ونادا على سلمان لي دخل بسرعة البرق وقف وراه ملبي النداء.
التفت الشداد إلى سلمان، ونطق بصوت ثقيل كـ الرعد:
“سَلْمَان! اذْهَبْ إِلَى المَحْبِسِ الآن، وَسُقْ إِلَيَّ ‘إِدْرِيسَ’ ابْنَ الأَمْغَارِ مَغْلُولاً بِالحَدِيد، لِنُقَدِّمَهُ هَدِيَّةً لِشُيُوخِ زَنَاتَة!”
سلمان اندهش ونطق بـ تساؤل: “مَوْلَاي؟ تُقَدِّمُ صَيْدَنَا الثَّمِينَ لِزَنَاتَة؟ أَلَنْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ ضَعْفاً مِنَّا، أَوْ يَظُنُّوا أَنَّ شَالَةَ صَارَتْ طَوْعاً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا كَيْفَ شَاءُوا؟”
ابتسم الشداد ابتسامة داهية، واقترب من سلمان قائلاً:
زَنَاتَةُ خَاضُوا مَعَنَا طِينَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِيَطْحَنُوا عَدُوَّهُمُ القَدِيمَ ‘بَرْغَوَاطَة’، وَعُيُونُهُمْ تَرْنُو إِلَى هَذَا المَرْسَى لِيَأْخُذُوا نَصِيبَهُمْ مِنَ النُّفُوذِ وَالمَال. إِذَا تَرَكْنَاهُمْ يَتَفَرَّجُونَ، سَتَتَحَوَّلُ سُيُوفُهُمْ إِلَى صُدُورِنَا غَداً!”
حط الشداد يده الثقيلة على كتف سلمان وتابع:
“تَقْدِيمُ إِدْرِيسَ لَهُمْ هُوَ ضَرْبَةُ مُعَلِّمٍ تُشْعِلُ فِيهِمْ نَخْوَةَ النَّصْر، وَتَشْفِي غَلِيلَ ثَأْرِهِمُ القَدِيم.. لَكِنَّنَا سَنَضَعُ مَعَ الهَدِيَّةِ شُرُوطَ السَّطْوَةِ الأَنْدَلُسِيَّة. هُمْ يَأْخُذُونَ ثَأْرَهُمْ مِنَ القَبِيلَةِ وَيَحْمُونَ لَنَا ظَهْرَ السُّهُول، وَنَحْنُ نُمْسِكُ بِمَفَاتِيحِ البَحْرِ وَأَبْرَاجِ شَالَة! هَكَذَا نَجْعَلُهُمْ حُرَّاساً لِعَرْشِنَا بِإِرَادَتِهِمْ، وَنَقْطَعُ دَابِرَ الخِلَافِ قَبْلَ أَنْ يُولَد!”
انحنى سلمان طاعةً وضغط على قبضة سيفه: “أَمْرُكَ مُطَاعٌ يَا مَوْلَايَ السُّلْطَان. سَأَسُوقُهُ إِلَيْكَ كَمَا أَمَرْت!”
تلاشت ملامح الهدوء من وجهه الصقرية الشايبة بالدهاء، لتَحل محلها قسوة ملوكية صارمة. التفت في حسم إلى سلمان الذي كان يقف أمامه ينتظر الأوامر، ونطق بصوت خافت ولكن ثقيل كـ الرعد:
“سَلْمَان! المَكْتُوبُ الَّذِي خَطَطْنَاهُ فِي قُرْطُبَةَ حَانَ قِطَافُهُ الآن. شُيُوخُ زَنَاتَةَ وَفِرْسَانُهُمْ قَدْ وَصَلُوا بِالفِعْلِ إِلَى أَطْرَافِ المَعْسَكَر، بَعْدَ أَنْ أَمَّنُوا لَنَا المَصَبَّ وَطَحَنُوا ظَهْرَ بَرْغَوَاطَةَ فِي الشِّعَاب. اِذْهَبْ وَاسْتَقْبِلْهُمْ بِالإِجْلَالِ الَّذِي يَلِيقُ بِأَهْلِ ال امية، وَادْعُ كِبَارَهُمْ إِلَى خَيْمَتِي السُّلْطَانِيَّة!”
انحنى سلمان طاعةً وخرج فوراً…
خارج الخيمة، وسط غبار المعركة اللي بدأت كتهدن، بدأت كتقرب من المعسكر كوكبة د الفرسان كتخلع العين! فرسان شداد، صحاح، ملثمين بـ لثام داكن، راكبين على خيل عربية أصيلة كتقفز ف الطين بـ خفة. هادو هما رجال زناتة؛ أصحاب الأرض والدم والنخوة، اللي تاريخهم كلو حروب طاحنة ومستمرة مع برغواطة على النفوذ والمراعي والأراضي ف السهول د تامسنا. نظراتهم كانت حادة بحال الشفاري، شادين رماحهم بـ قسوة، وفي وجوههم كيبان الأثر د الشمش والغل القديم اللي بايت بينهم وبين برغواطة.
على رأسهم، كان القائد والشيخ الأكبر ديالهم ‘المَيمون الزَنَاتي’)، راجل شارف بالوقار، لحيته بيضاء كثيفة، وعينيه بحال الصقر، لابس سلهام أحمر داكن بـ ريحة الصوف الحُر والتراب.
دخل سلمان قبالتهم، وحيا الشيخ الميمون بـ أدب الملوك والأندلس، وقادهم بـ خطى موزونة لـ داخل الخيمة السلطانية الكبيرة وفين كيتسناهم الشداد.
دخلوا الشيوخ د زناتة، وجلسوا على الحصائر والوسائد العالية، وعيونهم كتدور ف أركان الخيمة بـ عزة ونخوة الأمازيغ اللي ما كينحنيوا لحد. وقف الشداد بكل هيبته، ورحب بيهم بـ لسان فصيح:
“مَرْحَباً بِأُسُودِ زَنَاتَةَ وَأَهْلِ النَّخْوَة! لَوْلَا سُيُوفُكُمْ فِي الشِّعَابِ اللَّيْلَة، لَمَا انْكَسَرَتْ شَوْكَةُ بَرْغَوَاطَةَ بِهَذِهِ السُّرْعَة. شَالَةُ اليَوْمَ تَعْرِفُ مَنْ هُمْ أَسْيَادُهَا الحَقِيقِيُّون!”
تنحنح الشيخ الميمون الزناتي، ودوز يدو على لحيتو، ونطق بـ صوت قبايلي ثقيل وموزون:
“الله يكبّر بيك أ السلطان الشداد. حنا رجال العهد والكلمة، وبرغواطة طغاو ف هاد البلاد، وضيقوا علينا المراعي، وسال دم رجالنا ف حدودهم لـ سنين. اليوم، حديد الأندلس تلاقى مع رماح زناتة، وحقنا ف هاد الأرض والمرسى غيتكتب بـ نون السَّطوة والعدل!”
ابتسم الشداد دهاؤه المعهود، والتفت لـ سلمان اللي واقف عند باب الخيمة، وعطاه الإشارة الخفية بـ عينيه:
“وَلأَنَّنَا أَهْلُ عَهْدٍ وَمَصْلَحَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَا شَيْخَ مَيْمُون، فَقَدْ جَعَلْنَا لِثَأْرِكُمْ قَبْلَ مَالِكُمْ حَقّاً مَقْضِيّاً.. سَلْمَان! سُقْ إِلَيْنَا صَيْدَ اللَّيْلَة!”
تحرك سلمان فوراً بعد إشارة الشداد، ومرت دقيقة ثقيلة كأنها دهور وسط صمت الخيمة. كان شيوخ زناتة، وعلى رأسهم الشيخ الميمون، يترقبون بـ عزة ونظرات حادة لا تفارق وجه السلطان.
وفجأة! انقطع الصمت بـ قعقعة حديد وسلاسل كتحك ف الأرض بـ ثقل خانق.
دَخل سلمان وهو يجر وراءه ‘إدريس’.. الفارس الوسيم، وقرة عين باه الأمغار المخلوع. كان إدريس مدفوعاً بـ كبرياء مكسور، ملابسه ممزقة ومغطاة بـ غبار المعركة وطين شالة، والسلاسل الثقيلة ملتفة حول معصميه وتطوق عنقه، وعيناه رغم الأسر والذل ما زالتا تقدحان بـ عناد القبيلة.
ارتجت الخيمة، ووقف شيوخ زناتة ف ثانية وحدة بحال الصاعقة فاش شافوا الصيد الثمين قبالة عينيهم! لمعت عيونهم بـ بريق الشماتة العميقة والثأر البايت؛ فهذا هو ابن الرجل الذي ضيق عليهم المراعي، وطغى على حدودهم، وسفك دماء شبابهم لسنين طويلة.
تقدم الشداد خطوة للأمام بكل هيبته السلطانية، وأشار بيده إلى إدريس المغلول، ونظر مباشرة إلى عيني الشيخ الميمون الزناتي وقال بفصاحة ملوكية قاطعة:
“يَا شُيُوهَ زَنَاتَة.. هَذَا ‘إِدْرِيسُ’ ابْنُ أَمْغَارِ بَرْغَوَاطَة، وَقُرَّةُ عَيْنِ مَنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَلَكُوا خَرَاجَ هَذِهِ الأَرْضِ بِالطُّغْيَانِ وَالغَدْر! هُوَ اليَوْمَ صَيْدُ الأَنْدَلُسِ وَحَدِيدِهَا، لَكِنَّهُ هَدِيَّةُ الشَّدَادِ إِلَى صُدُورِكُمْ.. لِتَعْلَمُوا أَنَّ حِلْفَنَا مَعَكُمْ لَيْسَ حِبْراً عَلَى وَرَق، بَلْ هُوَ دَمٌ بِدَم، وَثَأْرٌ يُقْضَى بِالنِّصَالِ حَتَّى تَشْفَى الغَلِيل!”
عمّ الصمت أركان الخيمة صمتاً رهيباً، والتفتت عيون الشيوخ كاملين صوب الشيخ الميمون الزناتي. خطى الشيخ الميمون خطوات بطيئة وثقيلة ف الحصير حتى وقف قبالة إدريس نيشان. شاف فيه من الفوق لتحت، وابتسامة داهية ممزوجة بـ قهر السنين اترسمت على وجهو الشايب.
دوز الشيخ الميمون يدو على مقبض خنجره الفضي، ونطق بـ صوت قبايلي جهوري وموزون تخلطات فيه النخوة بـ الشماتة:
“إيوا سبحان مغير الأحوال أ ابن الأمغار!.. حساب لـ بّاك بلي تامسنا غتبقى ليه ولزريعته ديما بالظلم، وما فخباروش بلي الأيام دوّارة، وبلي رجال زناتة إيلا صبروا، راه صبرهم هبة د الريح اللي كتولد العواصف. اليوم طاحت الشوكة ديالكم ف طين شالة، وصرتي ف يد أصحاب الحق والثأر
التفت الشيخ الميمون بـ إجلال كبير لـ السلطان شداد، وحط يدو على صدره وقال:
“كَبَّرْتِ بِيْنَا أَمَامَ القَبَائِلِ أَبَا السَّلَاطِين، وَهَذِهِ الهَدِيَّةُ عِنْدَنَا أَقْوَى مِنْ كُلِّ خَرَاجِ المَالِ وَالذَّهَب! عَهْدُ زَنَاتَةَ مَعَكَ صَارَ مَكْتُوباً بِالدَّمِ؛ ظَهْرُ شَالَةَ وَسُهُولُ تَامَسْنَا حَرَامٌ عَلَى بَرْغَوَاطَةَ مُنْذُ هَذِهِ السَّاعَة، وَسُيُوفُنَا لَنْ تَنَامَ حَتَّى تَكُونَ أَبْرَاجُ المَرْسَى آمنَةً تَحْتَ قَبْضَتِكَ المَلَكِيَّة!”
ابتسم الشداد وعينيه كتشوف ف خيوط اللعبة اللي تجمعات كاملة كيف بغى وخطط ليها ف قصر قرطبة بدم بارد…”
التفت الشداد نحو النافذة التي يطل منها على سلاسل الجبال وغابات السدر، وتنهد تنهيدة عميقة خرجت من قاع صدره، ثم التفت إلى سلمان ونطق بوقار الملوك وأصحاب التجارب:
“سَلْمَان.. لَا يَغُرَّنَّكَ هَذَا النَّصْرُ الخَاطِفُ فِي طِينِ شَالَة، وَلَا تَظُنَّ أَنَّ انْكِسَارَ بَرْغَوَاطَةَ اللَّيْلَةَ هُوَ نِهَايَةُ المَطَاف. لَقَدْ خُضْتُ مَعَارِكَ شَتَّى، وَقَاتَلْتُ جُيُوشاً نِظَامِيَّةً تَمْلِكُ الرَّايَاتِ وَالدُّرُوعَ وَالقَادَة.. لَكِنِّي أَعْلَمُ يَقِيناً أَنَّ أَصْعَبَ الحُرُوبِ عَلَى الإِطْلَاقِ، هِيَ حُرُوبُ القَبَائِل!”
عقد سلمان حاجبيه منتبهاً، فتابع الشداد وعيناه تلتمعان بذكاء حذر:
“الجُيُوشُ النِّظَامِيَّةُ إِذَا مَاتَ قَائِدُهَا هَرَبَتْ، وَإِذَا سَقَطَتْ عِصَامِيَّتُهَا اسْتَسْلَمَتْ.. أَمَّا القَبِيلَة، فَعَقِيدَتُهَا الأَرْضُ وَالنَّخْوَةُ وَالثَّأْرُ البَائِت! القَبِيلَةُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ رَجُل، وَلَا تَنْحَنِي بِسُقُوطِ قَلْعَة. إِذَا قَطَعْتَ لَهَا رَأْساً، نَبَتَ لَهَا فِي المَرَاعِي وَالغَابَاتِ أَلْفُ رَأْس. حَرْبُهُمْ لَيْسَتْ خُطَطاً عَسْكَرِيَّةً تُقْرَأُ فِي الكُتُب، بَلْ هِيَ كَرٌّ وَفَرٌّ فِي شِعَابٍ يَحْفَظُونَهَا كَمَا يَحْفَظُونَ أَسْمَاءَ أَبْنَائِهِمْ. لِذَلِكَ جَعَلْتُ زَنَاتَةَ هِيَ المِصَدَّ الأَوَّل؛ فَلَا يَفُلُّ حَدِيدَ القَبِيلَةِ إِلَّا نَارُ قَبِيلَةٍ أُخْرَى تُشْبِهُهَا!”
بقى كلام الشداد كيدور ف أركان الخيمة بحال صدى الرعد، وسلمان واقف كيشوف ف السلطان بـ إعجاب وتقدير كبير لـ هاد الحكمة السياسية اللي كتوزن الذهب.
خطى الشداد خطوات بطيئة نحو الطاولة العريضة، وحط يديه بجوج على جنبات الخريطة الجلدية، وعينيه مركزة على النقطة فين تلاقى واد أبي رقراق بـ موج المحيط الأطلسي (موقع شالة وسلا). تنهد وقال بـ صوت خافت دافئ:
“سَلْمَان.. دَعِ الأَمْغَارَ الآنَ يَجْمَعُ مَنْ شَاءَ فِي غَابَاتِ السِّدْر، وَدَعْ ‘زَنَاتَةَ’ تَكُونُ هِيَ الجِدَارَ الَّذِي يَتَهَشَّمُ عَلَيْهِ غَضَبُهُ. نَحْنُ هُنَا لَنْ نَضِيعَ وَقْتاً.. أُرِيدُ مِنْكَ مُنْذُ هَذِهِ السَّاعَةِ أَنْ تَجْمَعَ البَنَّائِينَ وَالمُهَنْدِسِينَ الأَنْدَلُسِيِّينَ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَنَا فِي السُّفُن. حَانَ الوَقْتُ لِنُعِيدَ تَرْمِيمَ أَسْوَارِ شَالَة، وَأَنْ نَبْنِيَ أَبْرَاجاً جَدِيدَةً تُطِلُّ عَلَى هَذَا المَصَبّ.. أُرِيدُ أَنْ نَجْعَلَ مِنْ هَذِهِ القَلْعَةِ حِصْناً لَا تَعْبُرُهُ النَّسَمَةُ إِلَّا بِأَمْرِنَا!”
انحنى سلمان وقبض على صدره بـ طاعة كاملة: “أَمْرُكَ مُطَاعٌ يَا مَوْلَايَ السُّلْطَان. سَيَبْدَأُ العَمَلُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْس، وَسَتَعُودُ شَالَةُ أَقْوَى مِمَّا كَانَتْ.”
التفت الشداد نحو أفق البحر البارد من خلال فتحة الخيمة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، داهية وهادئة، كأن عينيه كتشوف ف المستقبل البعيد د هاد الأرض.
مع شروق الشمس تحركت كوكبة الفرسان الأندلسية صوب البوابة الكبرى لحصن شالة. كان السلطان شداد في المقدمة، راكب على عوده الأسود المطهم، لابس درعه الفولاذي الصقيل اللي كيعكس خيوط شمس الصباح بـ بريق يجهر العين، وسيفه الملوكي ذو المقبض المذهب يتدلى عن يمينه.
وقف الشداد بـ جواده قبالة الأسوار لأول مرة. كانت عين الصقر فيه كتدور على الساس الحجري العريض اللي بناوه الرومان وقادو فوق منه الأمازيغ أبراجهم. شاف الأسوار العالية الشايبة بـ الطحلب والملوحة د البحر، والأبراج اللي مزال فيها أثر النيران والدخان د المعركة الأخيرة اللي طحنات شوكة برغواطة. كانت شالة قدام عينيه بحال شي أسد قديم مجروح، واقف كيتحدى الزمن ومصب الواد.
أشار الشداد بيده، فدوت قعقعة السلاسل الحديدية، وبدأت البوابة الخشبية الضخمة للحصن تفتح ببطء شديد وتتحك مع الأرض. خطى جواد الشداد الخطوة الأولى داخل الحصن، ووراءه سلمان وفرسان الأندلس بـ رماحهم العالية ورايات قرطبة المرفوعة كتسوطها الريح د البحر.
الداخل د الحصن كان كيموج بـ حكاية تانية؛ بقايا بيوت وبلاطات رومانية قديمة، أعمدة رخامية مكسورة نابت بين شقاقها العشب، ومخازن السلاح د برغواطة اللي تهرسات بيبانها. الحامية العسكرية بدأت كتنتشر ف الساحات الداخلية بـ نظام صارم، والمهندسون والبناؤون الأندلسيون يالاه ك يحطوا رجليهم وكيقيسوا بـ يديهم الحجر باش يشوفوا منين غيبدأ الترميم وبناء الأبراج الجديدة اللي كطل على المصب.
وفاش صعد الشداد لأعلى برج مشرف على الواجهتين، انفتحت قبالة عينيه اللوحة الكاملة من الأعلى؛ شاف الداخل د الحصن وصراعه، ولتفتت عينيه لـ برا الأسوار.. تما فين كانت كتمتد السهول الخصبة د تامسنا، وفين كتنتشر ‘الرِّبَاطَات’ والمداشر والخيام د شعر الماعز، والدخان الأزرق اللي طالع من بيوت العوام، وقطعان الماشية اللي بدأت كتخرج للمراعي وعينها ديما على السور.
التفت الشداد لـ سلمان اللي كان واقف وراه بـ إجلال، ونطق بـ صوت فصيح تملأه السطوة ودهاء الملوك:
“سَلْمَان.. هَذِهِ هِيَ شَالَةُ إِذَنْ! لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِجَارَةٍ وَأَسْوَار، بَلْ هِيَ مِفْتَاحُ بَحْرِ الأَنْدَلُسِ وَقَلْبُ هَذِهِ السُّهُول. انْظُرْ إِلَى تِلْكَ الرِّبَاطَاتِ المُمْتَدَّةِ فِي الخَارِج.. تِلْكَ هِيَ الأَرْضُ الَّتِي تُغَذِّي هَذَا الحِصْن. إِذَا أَمَّنَّا لَهُمُ المَرْسَى وَالتِّجَارَة، وَتَرَكْنَا ‘زَنَاتَةَ’ تَكُونُ حَائِطَ الصَّدِّ الأَوَّلِ ضِدَّ الأَمْغَارِ فِي الغَابَات، سَتَصِيرُ طَاعَةُ هَذِهِ القَبَائِلِ لَنَا فَرْضاً.. دُونَ أَنْ نَخْسَرَ جُنْدِيّاً وَاحِداً!”
الليل نزل بكحولو فوق أسوار شالة، والبرد د البحر طالع كيسوط من جيهة مصب الواد. لداخل د الحصن، الحركة ما بْغاتش تَهْدا؛ العسكر د الأندلس شعلوا كوانين العافية الكبيرة اللي بدات كتطقطق وتلوّح الشعا على الساس الحجري القديم د الرومان. الموائد العريضة تفرشات بـ الحصاير الغليظة د الصوف الحُرّ، وريحة العود القماري مخلطة بـ ليدام د الشوا واللحم المفتول بـ قوام قرطبة بدأت كتدوخ الراس وتفوح ف كاع الأركان.
هادي مكانتش عشاء عادية، هادي كانت ‘لامة ملوكية’ قادها السلطان شداد على شرف شيوخ زناتة باش يثبتوا التحالف
دخل الشيخ الميمون الزناتي وهو هاز راسو بـ النخوة د القبايل، ووراه كبار الشيوخ بـ سلاهيمهم البيضاء النقية، خطواتهم ثقيلة ودرام د السنين باين ف مشيتهم. كان الشداد واقف ف الاستقبال بـ هيبة الملوك،لابس جباذور بني مطرز بالحرير واسع على رقبته العريضة بالعقاد حريرية والسلهام كحل فوق كتافو ،وبلغة كحلة ،وعلى راسو رزة صغيرة كحلة والشعر نازل على رقبتو بحال الريش رطب،وريحة العود والعنبر سابقاه قدامو وعن يمينه سلمان واقف بحال السيف الصقيل.
جلسوا الرجال دايرين بـ المائدة الكبرى، وبداو الحياحة والخدام كينزلوا الجفان د الطعام بـ الأدب والتاويل. الكلام ف الأول كان كيمشي ويجي غير بـ القياس والترحيب، حتى هدأ الجوع وبدأت النفوس كتفتح لـ التاويل د الصح والسياسة البايتة.
كان الشيخ الميمون الزناتي جالس وراسو مرفوع ونخوتو كتسبق كلامو، يمدح في الفرسان ويقول
“الله يكبّر بيك أ المولا السلطان، هاد اللامة والخير كيزيدوا ف شان الأندلس ورجالها. زناتة راه رجال كلمة وعهد، وسيوفنا الليلة راها مغروسة ف السهول كتحمي ظهر شالة.. حنا حاميين الحصن ومقفلين الشِعاب، والقبيلة عطات الكلمة.”
كان الشداد كيشوف ف وجوه الشيوخ ويقرا ما بين السطور بذكاء صقري، عاق بالتردد والنيف الحار لي مخبينو ف عينيهم؛ فهم بلي باغيين شي حاجة تضمن ليهم رقبتهم من غدر الأيام ولكن عزة نفسهم كتمناعهم يطلبوا. حط الشداد كأس أتاي من يدو، وتنهد تنهيدة الملوك، ونطق بفصاحة ثقيلة وهادئة هزت أركان المكان:
“بَارَكَ اللهُ فِي فُرْسَانِ زَنَاتَةَ يَا شَيْخَ مَيْمُون، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّنِي لَمْ أُحَالِفْ إِلَّا صَنَادِيدَ الأَرْضِ وَأَهْلَ الحَقِيقَة. لَكِنْ اسْمَعُوهَا مِنِّي صَرِيحَةً كَمَا هِيَ فِي صَدْرِ الشَّدَّاد.. الأَنْدَلُسُ مَا وَطِئَتْ ثُرَى تَامَسْنَا لِتَكُونَ عَابِرَةَ سَبِيل، بَلْ جِئْنَا لِنَبْنِيَ مَعَ أَخْيَارِهَا عِزّاً مُشْتَرَكاً لَا تَهْصِرُهُ الأَيَّامُ وَلَا تَنَالُ مِنْهُ العَوَاصِف.”
سكت الشداد شوية، وخلا عينيه تدور ف وجوه الشيوخ للي انتبهوا بكُل وقار، وتابع بوقار أندلسي داهية:
“وَنَحْنُ رِجَالُ دَوْلَةٍ نَعْرِفُ تَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ وَأَهْوَاءَهُ.. المَوَاثِيقُ الَّتِي تُكْتَبُ بِالحِبْرِ عَلَى الرَّقِّ تَمْحُوهَا مِيَاهُ الأَوْدِيَة، وَقَبَائِلُ المَغْرِبِ العَزِيزَةِ لَا تُعْطِي قِيَادَهَا الأَبَدِيَّ بِكَلِمَةٍ عَابِرَة.. بَلْ بِحَبْلٍ غَلِيظٍ مِنَ الدَّمِ يَعْقِدُ القُلُوبَ قَبْلَ السُّيُوف. وَلأَنَّ عِزَّةَ نَفْسِكُمْ غَالِيَة، وَشَأْنَكُمْ فِي هَذِهِ السُّهُولِ أَعْلَى مِنْ أَنْ يُرَام، فَإِنَّ الشَّدَّادَ لَا يَرْضَى أَنْ يَنْفَضَّ هَذَا المَجْلِسُ حَتَّى يُصْبِحَ نَسِيباً لَكُمْ!”
هنا الشيوخ كاملين تلوات رقابهم بالمفاجأة والنخوة، وطلع الدم ف وجه الشيخ الميمون بمرتبة العز، وكمل الشداد بابتسامة دافئة وصرامة ملوكية:
“أَنَا اللَّيْلَةَ، أَمَامَ هَذِهِ الكَوَانِينِ وَأَمَامَ شُهُودِ اللهِ مِنْ رِجَالِكُمْ، أَطْلُبُ مُصَاهَرَتَكُمْ بِالحَلَالِ وَالعُرْف؛ أَطْلُبُ يَدَ كَرِيمَةٍ مِنْ بَنَاتِ شُيُوخِ زَنَاتَةَ الأَحْرَار، لِتَكُونَ سَيِّدَةَ بِلَاطِنَا فِي هَذَا الثَّغْر، وَالضَّامِنَةَ لِهَذَا العَهْدِ المَجِيد.
فَتَصِيرُ حَرْبُنَا حَرْبَكُمْ، وَأَمَانُنَا أَمَانَكُمْ، وَدَمُنَا دَمَكُمْ أَمَامَ الصَّدِيقِ وَالعَدُوّ!”
غير كمل الشداد كلامو، حتى تفتحوا وجوه الشيوخ وضجت الساحة بهمسات الرضا والتكبير؛ حسوا بالشان ديالهم طلاع للسماء حيت هاد السلطان القرطبي العظيم قرا النيف ديالهم وحفظ ليهم المقام وبادر هو الأول يطلب يد بنتهم بوقار السلاطين.
وقف الشيخ الميمون والدموع د الفخر بغات تخرج من عينيه، وهز يدو ونطق بصوت قبايلي جهوري ودافي:
“تبارك الله عليك أ المولا السلطان! نْطقتي بالحكمة وحْفظتي للرجال شانهم ومقامهم، وهادي هي شيمة الملوك د الصّح للي كيعرفوا بحق الأرض وأماليها. زناتة من هاد الليلة راه دارك ودرعك، والعهد للي بيناتنا تْقفل بحداد الموت. وبنتنا غتدخل لبلادك بالمعزة والجاه والشان العالي للي يستحقوه نساب السلاطين.. وسيوفنا من غدا غتولي تاكل الحجر على قبل هاد النسابة الكبيرة!”
غير نفض كلام الشيخ الميمون الزناتي ف الساحة، وارتفعت همهمات الفرحة والتكبير بين الشيوخ، حتى تبدلات الأجواء لداخل د الحصن. تحولو كبار زناتة من حالة الشك والتردد لحالة د الفخر والنخوة الكبرى؛ السلطان القرطبي براسو، بهيبتو وعساكرو، دق بابهم وحفظ ليهم الشان والمقام قدام رجالهم.
دارت كؤوس أتاي المنعنع عاوتاني بنغمة تانية، وبداو الشيوخ كيتهامسوا بيناتهم بقلوب صافية وفرحانة. الشيخ الميمون رجع مال بظهرو لور، والتدبير القبلي بدا كيدور ف عوارضو، حيت دابا طاح عليه الحمل باش يختار أشرف وأعقل بنات القبيلة اللي تشرّف زناتة ف بلاط السلاطين وتكون هي الوتد د هاد الحِلف السعيد.
وسط هاد الزهو والنشاط اللي عمّ المكان، كان سلمان بنظراته الفاحصة كيدور عينيه بين الحضور، مخلّي السلطان الشداد يكمل حديثه الموزون مع الشيخ الميمون ف تفاصيل تأمين المرسى والسهول.
من بعد ما دازت الليلة داللامة زاهية، ورجع الشيخ الميمون هو والشيوخ ديالو لـ مضارب زناتة والنشاط والزهو عاطي ليهم الركاب حيت رجعوا نساب الملوك، طلع الصباح بـ شمسه الدافية اللي بدأت كتدخل بـ الخيوط ديالها من الشرافات د الدار الكبيرة د الشيخ.
الدار د الشيخ الميمون مكانتش دار عادية؛ كانت قصبة عريضة مبنية بـ اللوح والتراب المدكوك، حيوطها غلاظ ومجيرين بـ الأبيض، والداخل ديالها كيموج بـ الحركة. قاع الدار واسع، مفرش بـ زرابي زناتية ثقيلة منسوجة بـ صوف الغنم والألوان د لبلاد، والسقف ديالو مهزوز بـ عوارض د خشب الأرز الفايح.حطو الخدم الميدة’ العريضة د الفطور ف قاع الدار الكبيرة؛ ميدة د الخشب الثقيل منزلة فوق الحصاير، وعامرة بـ التاويل د الصباح: جفان د الطين فيهم البغرير والملاوي المدهونين بـ العسل الحُر والزبدة د الماعز، وقلوشة د الزيت البلدية الجديدة، وبابور د أتاي الشيباني المنعنع اللي طالع بـ ريزته وكيرد الروح.
جلس الشيخ الميمون ف صدر الميدة حيد سلهامه د الليل ولبس فرجية حرة د الصوف الخفيف، ولحيته البيضاء منورة بـ الشعا د الصباح.
هز عينو فخويدم لي جمعات كفوفها قدام حزامها والعكسة جامعة راسها وقالت
“بغيتي شي حاجة اخرى اسيد الميمون؟”
صغر الميمون عينيه الكوحل الغامازيغية فيها وقال كيهز حاجبو:
“جمعي ليا البنات كلهم يجيو يفطرو معايا، وغيير البنات مابغيت يدخل عندي حتى واحد اخر “
الشيء اللي مكانش من عادته، وهادشي اللي حرك الشك ف الدار. دخلوا البنات هابطين من الدروج د الخشب حشمانين، ومستغربين من هاد العيطة د الصباح، ومستغربات من هاد العيطة د الصباح اللي ماشي من عوايدهم. وقف الشيخ الميمون بـ طوله وفرجيته د الصوف، وارتسمت على وجهه الشايب ابتسامه د الوالد اللي حنين وفي نفس الوقت هاز الهيبة د القبيلة.
هز الشيخ يديه ورحب بيهم بـ صوته الجهوري الدافي:
“مَرحْبا بـ لَبْنَاتْ.. مَرحْبا بـ لغْزَالات د الدار الكبيرة. زِيدوا، زِيدوا قَربوا للمِيدة، الصبَاح مَبارك هَادا فاش جْمعني رَبّي بـ النَّسْل دِيالي كَامْل قْبَالَة هَذَا الخِير!”
تقدمت البنت الكبيرة طامو بـ وقار، وحنت رأسها وقبلت يد باها بـ الأدب د الأصول ونطقت بـ صوتها الرزين: “الله يطوّل لينا ف عمرك أ با الشيخ، ويخليك ديما تاج فوق رؤوسنا.
كانوا خمسة د الغزالات، كُل وحدة ف جيهة، والشيخ الميمون بدا كيفرق بـ يده الكساري د الخبز عليهم بـ التمهل، وعينه الصقرية الشايبة كتدور من وجه لوجه، كيقيس بـ ميزان عقله شكون ف هاد الخمسة اللي غتكون السند د القبيلة ف بلاط الأندلس:
البكر (طَامُو): الكبيرة د البنات، جالسة بـ وقار ورأسها مرفوع، واخذة الهيبة والصرامة د باها. ملامحها قاصحة وحرشة بحال بلاد زناتة، عينيها غارقين بـ الكحل القبلي البلدي، ويديها مدبوغين بـ الحناء القديمة. طامو عاقلة د البيوت الكبار، ولكن الشيباني خاف قساوة وجهها ونخوتها القبلية الزايدة ما تليقش بـ لسياسة والوجاهة د قصور قرطبة.
الثانية (كِنْزَة): ف مقتبل الشباب، وجهها مدور وباهي بحال القمر ليلة ربعة طاش، بيضاء البشرة وعينيها فيهم واحد السكون دافئ وضريف. كانت جالسة حانية رأسها للشور بـ كُل أدب، ومبتسمة ابتسامة خفيفة وحاشمة وهي كتفتت الخبز بـ صباعها الصغار. كنزة كتموج بـ الأنوثة والملاحة، والشيخ شاف فيها العقل، والزين، والطاعة للي يبغيها السلطان الشداد
الثالثة (خَدُّوج): كانت هي البنت الوسطانية، حركية وعاطية الضحكة للمجمع. وجهها أسمر مائل لـ لَوْن التمر الحُر، ملامحها ضاحكة ومقبولة ف الشوفة، ولابسة دفيقة د الصوف الخفيف بـ الموزون. خدوج كتعرف لـ لسان التاويل والضحك ومحبوبة عند كُلشي ف القصبة، ولكن الشيخ كان عارف بلي النية ديالها الزايدة تقدر تخليها تغرق ف بحر الخدع والسياسة د الدواوين لداخل د شالة.
الرابعة (رَحْمَة): بنت هادئة لـ أقصى حد، كتقرأ ف لعينين قبل ما تنطق. كانت جالسة ف صمت، حركاتها موزونة بـ الميزان، عينيها صغار وذكين، وفيها واحد الوقار د العيالات الكبار وخا مزالة صغيرة ف السن. رحمة كانت ديما كتجلس وراء باها وتسمع لكلام الشيوخ والقبيلة، والشيخ الميمون كان كيعتبرها ‘عقل الدار’ للي كيعرف يفكر بـ الدهاء، وبقى يشوف فيها ويقول ف خاطره ياك ما هادي اللي تسلك مع الشداد القرطبي وقوالبه.
الخامسة الصغيرة (إِيطُو): هي الصغيرة المحبوبة، عينيها كيشعلوا بـ الطيش د الصغر. شعرها مضفور ضفاير رقاق واصلين لـ ظهرها، وفيها الحركة ما كترسا ش ف البلاصة، جالسة حدا كتف باها، كتحنزز ف كُلشي بـ فضول باغي يعرف السر د هاد العيطة د الصباح.
(الشيخ الميمون عينيه كتمشي وتجي بين بناتو بخمسة
وفي نفس الوقت، وراء الخوامي الغلاظ د الدار الكبيرة، ناضت الروينة والتهامس والغيرة ما بين الضراير اللي واقفين كيتزاحموا ويشوفوا من شقاق الأبواب…)
مالت الزاهية (الضرة الكبيرة) على درتها مسعودة، ونغزاتها بـ مرفقها ف جنبها، وهمسات ليها بـ صوت خافت ومبحوح مخلط بـ الخوف والغيرة:
“شوفي أ مسعودة.. شوفي أ ختي ولطفي بيا يا ربي! هاد الجلسة وهاد الميدة د الفطور راه ما عجبانيش، والشيخ ما جامع بناته الخمسة هاد الصباح غير وعنده شي خلة تما راسه من البارح فاش رجع من العشاء د السلطان الشداد!”
كانت امرأة وازنة، عامرة وصحيحة، وجهها أسمر مائل للسمورية د قبايل زناتة الشامخة، وفيه ملامح د القساوة والنخوة اللي كتخلّي الخادمات يترعدوا من شوفتها. كانت لازمة التاويل، دايرة مضمّة د الجلد العريضة المطروزة بـ الصقلي فوق دفينها د المليفة الخضرة، ورابطة رأسها بـ ‘المَحْرمة د الحرير’ بـ عقْدة قاصحة ل لور، وفي عنقها معلق ‘الخميسات د النقرة’ الكبار اللي كيطقطقوا مع كُل حركية.
عضت مسعودة على شفايفها بـ حيرة، وزيرات سبنية د الجوهر فوق رأسها وهي كتحنزز من الشق د الباب، وردت عليها بـ صوت حنين ومسموم ف نفس الوقت:
“إيوا الله يستر ويجعل الخيل ف لجامها أ الزاهية حتى أنا هادشي اللي طاح ف بالي وخايفة منو وطير عليا النعاس.. ياك ما الشيخ ناوي على داكشي لي ف بالي وبالك؟ ياك ما السلطان الأندلسي طلب يد وحدة من القبايل، والشيخ باغي يمد ليه يديه بـ النّسب والدم؟”
دارت الزاهية وجهها جيهتها، وصغارت عينيها بـ حسد وقالت بـ حقد خفيف:
“صاافي !!! غيضحك ليا السعد لبنيتي ايطو ويتكعد ميمونها وتتزوج السلطااااان “
دارت مسعودة يديها على جنابها وخرجات كرشها وقالت عاقدة حواجبها
“اشنوووو؟؟؟ وعلاش لي مايدي بنتي كنزة ولا خدوج؟؟ الزييين والتبانة والرزانة تبارك خارجين شابهين فيا!”
شافت فيها الزاهية بنص عين وميقات فيها مزيانة معوجة فمها
“اممم يخلي الكبيرة فبناتو ويتزوج القطيفات لي مزالين صبعهم ففمهم ..لاالا بنتي ايطو لي غتزوج ومكاينش من غيرها تليق بالسلطان وتكون سلطانة”
نفخات مسعودة من مناخرها معصبة ونتفات نواضرها
“ها اللي يدي بنتك ، حتى تكون بعدا وجهها من وجه القصر وهي متعرف تمشي ولا تجلس كي الاميرات ، موااالفة بالعفية الغليضة بحال الخماس
خرجات الزاهية عينيها وشمرات على يديها وقالت
“انااا بنتي كي الخماس ؟؟ والله حتى نوريك اليوم الخماسة اش كيسواو”
حتى كانو غيتشادو ووقفات وراهم عبدية كتجبد فعينيها وتشوف فيهم وشادة فحزام قفطانها دجوهرة
“مالكم مشادين ياكما على شكون غيتزوج السلطان؟؟ ياكما نسيتو بنتي لاااالة طامو تبااارك الصغر والزيين والضحك تفوج على قلب السلطان وتنسيه فهمومو “
شافو فيها بجوج وضارو عندها كيجيدو فعينيهم ويمصو فشنايفهم
الزاهية:
“اممم قولي تغرقو فالمشاكيل والزبايل ديالها “
مسعودة:
“بنتك بعدا مزااالة ناقصاها التربية ، والى مشات عروس لدار السلطان غيربها الجلاد “
كانت الدقّة غتوصل لـ التشابك بـ اليدين وراء الخامية، والزاهية مشمرة على دراعها وعينيها كيطير منهم الشرر، ومسعودة منفوشة بحال دجاجة العرس، وعبدية واقفة بـ جوهرها كتجبد ف عينيها.. حتى تزعزعت الأرض تحت رجليهم بـ دقة وحدة قاصحة!
تحلات الخامية الغليظة د الصوف بـ جرة وحدة قاطعة، وخرج الشيخ الميمون بـ طوله وفرجيته المنورة، ووجهو الشايب عاقد فيه الحواجب بحال غيمة الرعد. غير شافوه واقف قبالتهم، تفرتت داك اللغيط ف الحين، وحبسو لعيالات النفَس، ورجعوا كُل وحدة كتجر ف سكاتها وزيفها بـ الخوف، وعينيهم ف الأرض من بعد ما كانوا كيتمايقوا ويتناتفوا.
وقف الشيخ الميمون، وعينيه الصقرية دارت عليهم وحدة بوحدة، كيشوف ف الزاهية اللي مزالة مشمرة، وف عبدية اللي شادة ف حزام جوهرها، حتى وقف شوفته ف مسعودة اللي كانت مزالة كتنهج بـ الغَش د الهدرة. تنهد الشيخ تنهيدة ثقيلة زلزلات السقف د خشب الأرز، ونطق بـ صوت جهوري منخفض ومغروس بـ الهيبة د المشيخة:
“جمْعتوا القْبايل بـ لغيطكم أ النّسا! واش هادي قصبة د كبار زناتة ولا سوق دلالة ؟ الحرمة د الدار كيمسحوها الشنايف المعوجين والنتيف وراء الخوامي، وبناتكم لداخل عاد صرفتهم بـ الأدب!”
ما قدرات حتى وحدة فيهم ترفع عينها ولا ترد بـ كلمة. دوز الشيخ يدو على لحيته البيضاء، وشاف ف الزاهية ـ واحد الشوفة فيها الأمر الصارم وبلا كلام، وحرك عينو بـ شارة قاطعة جيهة البيت الداخلي د الخلوة، كأنه كيقوليها: ‘تْبعيني بـ السكات’.
دار الشيخ الميمون وجمع سلهامو قدامو بغضب وتمشى بـ خطواته الموزونة صوب بيت الخلوة. أما الزاهية مسعودة وعبدية وجمعات دفينها د الخريب والذهب وهي كتمشى بـ الفخر فوق الزرابي، وتبعات با الشيخ لـ لداخل، ومخلية الضراير لخرين كياكلوا ف صباعهم بـ الغيرة والشك اللي غيفركع قلوبهم!
دَخل الشيخ الميمون لـ بيت الخلوة، وجلس فوق الفراش العالي، ومن بعد ما دخلات الزاهية سدات الباب وراها بالأدب والرخاوة، ودرقات دراعها المشمرين تحت الخامية، وقربات جيهتو بابتسامة حنينة وفيها كاع الطمع د الضراير، ونطقات بـ صوت مسموم ومذوب بالعسل:
القلب راه طار عليه النوم من البارح.. ياك ما كاين شي خبار د العز يفرحنا مع هاد السلطان الأندلسي؟”
شير ليها الشيخ بيده باش تجلس ف الأرض قبالته، ودوز يدو على لحيته البيضاء بتمهل، وشاف فيها بوشاح صارم ما فيه لا ضحك ولا ملاحة، ونطق بصوت جهوري وثقيل هز الحيوط د الجير:
“كاين العز والشان لـ زناتة أ الزاهية.. السلطان الشداد بادر البارح قدام كبار الشيوخ والسيوف مغروسة، وطلب يد بنت الأصول من داري باش يربط دمه بدمنا وتولي هي لالة العيالات ف البلاط د شالة، والضامنة د العهد والدم قدام كاع القبايل.”
تفتحوا عينين الزاهية، وحطت يدها على صدرها وعقدات حواجبها بـ الخوف والغيرة حيت حسبات ليها باللي الدعوة غترسى على كنزة وخدوج بنات مسعودة ولا ايطو ورحمة بنات عبدية وقالت بلهفة ومخروعة:
“سعدي وفرحي أ با الشيخ.. وعرفتي شكون تختار؟ ياك ما غتصيفط ليه شي وحدة من هاد القطيفات لي مزالين صبعهم ف فمهم ويمسحوا لينا الشان؟ السلاطين كيبغيو الرزانة والعقل د الصح اللي يستاهلو الملوك!”
رجع الشيخ مال بظهرو، ونطق بـ الصّارم والموزون اللي كينور القلوب:
“شكون هضر ليك على القطيفات أ الزاهية؟ السلاطين ف المخدع كيبغيو الزين، ولكن ف كراسي الحكم والدواوين كيبغيو ‘الهيبة والرزانة د الأرض’. العروسة اللي غتمشي لدار السلطان شداد، واللي تبرم عليها الميثاق ف عقلي الليلة، هي بنتك العاقلة الرزينة الكبيرة.. طامو!”
غير نطق الشيخ بـ السمية د طامو، حتى طار داك الخوف والروع من قلب الزاهية ف دقة وحدة! وجهها تنور وبشر بـ الفرحة الكبرى، وعينيها بداو يلمعوا بـ النصر والزهو اللي ما قداه ف هاد الساعة قبة! حطت يدها على فمها باش تكتم الزغروتة، وقالت بـ صوت مملوء بـ النخوة والفخر والملاحة:
“الله، الله ينصرك أ با الشيخ ويطول لينا ف عمرك! نْطقتي بـ الحكمة وعرفتي ميزان الرجال! طامو بنتي راه هي لالة العيالات د الصح، عقلها وزان قبايل، وهيبتها وحشمتها غتخلي القرطبي يحدر عينيه قدامها! تبارك الله على با الشيخ للي ما كيميل غير لـ لصل الحُر الحقيقي!”
وقف الشيخ الميمون بـ طوله وعزته، ودوز يدو على لحيته البيضاء، ونطق بـ كلام د التدبير والسياسة:
“هادا كلام المشيخة والسياسة أ الزاهية. طامو هي اللي غتقابل الشداد ‘الراص ف الراص’ وتجيب خبار الدواوين وتثبت لجام زناتة ف الحصن. دبا نوضي جمعي راسك، وحيدي عليا هاد الصداع واللغيط. غتخرجي لقاع الدار بـ هيبتك، وتبداو توجدوا الشوار د العرس بـ التاويل، وبلا ما نسمع حسيس الغيرة د الضراير ف هاد القصبة، وإيلا ناض الغوات.. والله حتى نقلب الصباح نكال على كُلشي!”
وقفت الزاهية، وجمعات دفينها بـ الفخر، وراسها طلاع للسماء بـ النخوة الكبرى؛ مسعودة وعبدية ودراريهم كاملين دبا رجعوا تحت طوع بنتها طامو السلطانة!
حطت الزاهية يدها المليانة بخواتمها على الساروت الثقيل د باب الخلوة، وفتحاتو بـ جرة وحدة فيها الرنة د النصر. خرجت لقاع الدار الكبيرة، وما مشاتش حانية الرأس ولا مخبّية، بل خرجت وعينيها مطرطقين بالفرحة، مخرجة صدرها ورأسها طالع للسماء بـ النخوة، وضهرها مسرح بـ الفخر د السادات.
كانوا الضراير بجوج، مسعودة وعبدية، عاد تجمعت معاهم حتى يطو، واقفين حاشيين ريوصهم حدا القوس، كيمصوا ف شنايفهم وكيوشوشوا بالحرقة والفضول باش يعرفوا الطرح فين رسا. غير شافوا الخرجة د الزاهية والتبختر ديالها فوق الزرابي، حبسوا اللغيط وصغاروا عينيهم بالشك والغيرة لي بدأت كتاكل ف قلوبهم.
وقفت الزاهية قبالتهم، دارت نص مِيقّة عريضة ومسمومة جيهة مسعودة، وتلفتت جيهة عبدية وهي كتحرك يديها وتبين الذهب ديالها، ونطقت بصوت عالي ومسمّع الدار كاملة:
“إيوا موتو بـ الغيظ أ الضراير! الله ينصر با الشيخ ويعلّي شانو، لي نطق بالحق وعرف ميزان الأصل الحُر! الطرح رسا، والمكتوب تبرم، وبنتي لالة طامو هي لالة العيالات والسلطانة المستقبلية د شالة! دبا نوضوا حيدوا عليا هاد التمياق وشمروا على دراعكم باش توجدوا الشوار د العرس للالة مولاتكم!”
نزل هاد الكلام على مسعودة وعبدية بحال الما القاطع؛ مسعودة تصدمت وتمنعات بناتها كنزة وخدوج، وعبدية تخطف لونها على إيطو ورحمة.
دارت عبدية يدها على حنكها وبقات كتشوف مبهوضة، والزاهية مخلية العافية شاعلة وراها وتمشات بـ خطوات ملوكية جيهة البنات فين كانوا جالسين لداخل
وسط البيت لداخل، كانت لغزلان الخمسة مزالين مجمعين حدا الميدة، وغير دخلت الزاهية وطرطقت الخبار بالعلالي، تبدلت الأحوال ف الحين وترونات الجلسة:
طَامُو غير سمعت السمية ديالها بلي غتمشي لدار السلطان الشداد، صفار وجهها ف البلاصة بحال المخطوفة، وطار منها الدم. تخلعت خبطة وحدة، وحطت يدها على صدرها وهي كتشوف ف أمها بعينين مبهوضين، وخواتمها د الحناء بداو يترعدوا. طامو وخا كانت وازنة وقاصحة، نزل عليها بحال الصخرة
اما كنزة قرساتها الغيرة والحسد وصغاروا عينيها بـ النقمة؛ حست باللي طامو الكبيرة غتدي عليها الجاه والشان وغتولي هي الآمرة والناهية فوق رأسها ، وايطو فـ نفخت من مناخرها ومعست الخبز بين صباعها بـ حقد مخفي، حيت كانت واثقة باللي الصغر والخفة ديالها ديالها هو اللي يستاهل قصر السلطان، ودبا لقات راسها غتبقى ف القصبة تحت طوع طامو.
رَحْمَة و خَدُّوج (الفرحة د الصّح): رحمة العاقلة ضحكات من قاع قلبها، وقفت ف الحين وجات جيهة ختها طامو، عنقتها وزغرتت ليها زغروتة خفيفة د الفرح وهي كتقول: “مبروك عليك أ ختي، جاب ليك الله السعد والعز لي يستاهل عَقلك!”. أما خدوج، فـ طارت بالنشاط والضحك، وبدأت كتصفق بـ يديها وفرحانة لـ ختها الكبيرة من قلبها الصافي، حيت طامو كانت باغا تستر وتزوج، وف الآخر جاب ليها الله سلطان دقة واحدة وعلاّ شأنها وشأن الدار الكبيرة.
وقفت الزاهية وسط بناتها، حطت يدها على كتف طامو لي مزالة مصدومة ومصفارة، وشافت ف البنات لخرين بـ النخوة وقالت: “نوضي أ طامو بنيتي، نوضي وجمعي راسك، راه من اليوم مشيتك وغَمزتك غتولي بـ الميزان، وأنتِ للي غتهزي الراية د زناتة ف بلاد السلاطين!”
غير نفضات الزاهية كلامها، وخرجت تتبختر ف قاع الدار وتعيط على الخدم ساد واحد الصمت ثقيل ومخيف وسط البيت. طامو كانت مزالة مصدومة، شادة ف طرف الميدة ووجهها مصفار بحال الجير، وعينيها غارقين ف الفراغ.
قطعات خدوج هاد الصمت بـ تصفيقة حارة د اليدين والضحكة عاطية ليها للودنين، وزغرتت زغروتة ثانية خفيفة ونطقات بـ لسانها المبهج:
“الله الله يا ختي طامو! مبروك ومسعود عليك، السعد عْطاك والسلطان بغاك! وجّهك وجه الخير، وكنتِ ديما كتقولي بغيت غير الستر.. إيوا ها ربي سترك بـ عِز الملوك ودقة وحدة! غتولي لالة العيالات ف قصر شالة!”
دارت رحمة يدها على كتف طامو، وتنهدات تنهيدة د العقل والرزانة، ونطقات بصوتها الهادئ الموزون:
“أمين يا ختي خدوج، ومبروك عليك أ طامو. والله إلا فرحت ليك من قاع قلبي. با الشيخ عرف ما يختار؛ أنتِ الكبيرة وأنتِ للي عندك الرزانة د الأرض وعقلك يوزن قبايل. قصر السلاطين ما باغي خفة، باغي النخوة ديالك باش تعلي شان زناتة.”
هنا، حطت كنزة كاس أتاي بـ واحد الدقة قاصحة فوق الميدة حتى تهرق منو شوية، وعوجت فمها بـ مِيقّة ونطقات بغيرة ماقدراتش تخبيها:
“إيوا مبروك أ لالة طامو.. غير وكان، قصر السلاطين د الأندلس اللي كنسمعوا عليه، راه عامر بـ لغزلان والزين والقرطبيات اللي كيموجوا بـ الملاحة والحرير. وخايفة عليك أ ختي بـ هاد القساوة د لبلاد وحنا السهول الحارة اللي ف يديكِ، لا يدخل عليك السلطان الشداد ف أول ليلة ويتصعق.. الملوك راه كيبغيو الضرافة والزين الباهي اللي يفتح العين، ماشي السياسة وعقاد الحواجب!”
تنقزات إيتو الصغيرة، وجرت ضفيرتها بـ غيظ وعينيها كيشعلوا بـ الطيش والغيرة، وقالت وهي كتشوف ف طامو من الفوق لتحت:
“عندك الحق أ كنزة! حتى أنا هادشي اللي بان ليا.. طامو غتمشي للقصر وغتنسانا كاملين، وغتولي تبان ليها قصبة زناتة غير خيام د البرد! دبا تولي لالة السلطانة وتكبر علينا، وحنا نبقاو هنا نقابلو الكوانين وحليب المعيز وهي عاطياها للراحة والجوهر والأمر والنهي فوق منا!”
خرجات خدوج عينيها ف إيتو وكنزة، وقمعاتهم بـ دقة وحدة وهي كتنغزهم:
“سكتي أنتِ وياها! هادا راه السعد د الدار كاملة، والغيرة راها كتقطع ف جوفك أ كنزة حيت حساب ليك الزين ديالك غيدي الشدّاد! والشان د طامو راه من شان با الشيخ!”
وسط هاد الصداع واللغيط، تنهدات طامو تنهيدة حارة خرجت من قاع صدرها المرووع، وهزات عينيها المصفارين اللي فيهم الخوف د الصح، وشافت ف خواتاتها ونطقات بـ صوت مرعوب ومبحوح:
“سْكتوا عليا.. سْكتوا الله يرحم ليكم الوالدين! أنتوما كتهضروا على الزين والجاه والجوهر وكراسي الذهب، وأنا راه الركابي راه الركابي ديالي كايترعدوا والدم هرب من عروقي! نسيتو ولد عبّاد ولد عمي ؟ عبّاد هوا لي بغيت مابغيت سلطان ولا خليفة
سكتت خدوج اللي كانت كتصفق، وتجمدت يد رحمة فوق كتف ختها، أما كنزة وإيطو خرّجوا عينيهم بـ الدهشة والصدمة اللي غلبت حتى الغيرة ديالهم.
شافت فيها رحمة بـ الخوف ودرقات فمها بـ يدها، وقربت لجهتها بـ وشوشة مرعوبة وهي كتلفت جيهة الباب لا تكون أمها الزاهية مزالة قريبة:
“أويلي على كَلام نْطقتي بيه أ طامو! سكتي الله يستر عليك ويحجب لسانك! هاد الهدرة إيلا سمعتها أمك الزاهية ولا وصلت لـ ودنين با الشيخ، والله حتى تقلب القصبة بحور د الدم ونكّال! عبّاد ولد عمنا راه ف السهول مع خيله، والميثاق د الشداد تبرم ف الخلوة والسيوف مغروسة! واش بغيتي تجيبي لينا الدل مع زناتة؟”
عوجت كنزة فمها، ولكن هاد المرة ماشي بـ الميقة د الحسد، بل بـ صدمة مخلوطة بـ الشماتة د الخبث، ونطقت وهي كتوشوش:
“يا ناري يا ناري على طامو العاقلة الرزينة! اللي كنا كنقولوا عليها كتوزن الأرض، لقاها قلبها مايل لـ ولد العم والفقر د السهول! إيوا هادي هي الصدمة د لبلاد! با الشيخ باغي يعلي بيكِ الشان ف بلاط شالة والأندلس، وأنتِ باغية تبقاي هنا تتبعي غبار الخيل د عبّاد؟ وخا يكون ولد عمنا، راه الشداد سلطان، وكلمة با الشيخ إيلا تهرسات.. غتفركع المرارة د القبايل كاملة!”
تنقزات إيتو الصغيرة، وبانت ف عينيها الخلعة د الصح وخافت على ختها، وقالت بـ صوت حنين وخايب:
“ولكن أ ختي طامو.. عبّاد راه وخا ولد عمنا وعزيز، راه ما ف يده حيلة قدام السلاطين! با الشيخ إيلا قال الكلمة راه السيف كيحسمها. إيلا سْمع هادشي، غينفي عبّاد لـ وراء الجبال ويحبسك ف المطمورة د الحصن! حيدي عليك هاد الخمام، وبلعي على هاد السر ف قلبك قبل ما تسمعنا أمي الزاهية وتجيفنا كاملين الليلة!”
حطت خدوج يدها على ركابيها، ودموعها غلبوها بـ الحنان د الخوات؛ شافت ف طامو اللي وجهها مزال مصفار بحال الكفن، ونطقت بـ الغصة ف حلقها:
“آ حْياني على ختي الغالية.. دبا عاد فهمت علاش الدم هرب من وجهك! السعد اللي جابو با الشيخ جالك قيد د الذهب ف عنقك. ولكن يا طامو أ ختي، العين بصيرة واليد قصيرة.. عبّاد ولد عمي راه ف قاع قلوبنا كاملين، ولكن ميثاق السلاطين راه كيتكتب بـ الدم ماشي بـ الهوى د البنات. ديري العقل أ ختي واستغفري الله، راه إيلا ناضت هاد الغبرة، ما غتطفيها لا أمي الزاهية ولا كبار زناتة!”
هزات طامو رأسها، وعينيها المدمعين كيطير منهم الشر د اليأس والحرقة د العز الباغي يتهد، وقالت بـ صوت قاصح ومخنوق ف دقة وحدة:
“ما غانستغفرش من هاد الوجع! أنتوما حسبتوها جاه وسلطنة، وأنا حسبتها عمر غيضيع وراء الحيوط د الرخام البارد! عبّاد راه عاهدني والشداد غياخدني جارية لـ دياوينه وسياسته! إيلا كانت هادي هي الرزانة اللي بغاها با الشيخ.. والله حتى يشوفوا طامو خرى ما كتعرف لا حشمة ولا تاويل إيلا قربات الساعة!”
قلبات كنزة عينيها دارت نص مِيقة، وجمعات شلايلها، وحطت يدها على حنكها بـ واحد الضحكة د الشماتة وشافت ف طامو ونطقات بـ التمعني:
“إيوا لالة.. مبروك ومسعود تاني! خليكِ خليكِ مع عبّاد ولد العم، هو لي يعرف ليك وتعرفي ليه! موالفين بـ السهول والبرد وغبار الخيل، تليقوا لـ بعضياتكم ف داك الخلا! أما السلطان الشداد.. راه قصروا كبير ومقاد، ويستاهل ما حسن، يستاهل الزين الباهي والملاحة الحاشمة اللي تفتح ليه العين وتنسيه هموم السياسة.. (وهي كتدوز يدها على وجهها وتشوف ف ضفارها كتمعني على راسها بلي هي اللي تستاهل السلطان) ماشي عقاد الحواجب وقساوة الخلا!”
غير سمعت ايطو هاد الهدرة تزعزعت من مكانها شعلت فيها النار دقة واحدة. وقفت على حيلها فالميدة وخرجات عينيها ف كنزة ونفضات ضفيرتها بـ غيظ وقالت بـ صوت قاصح:
“شكون هادي اللي يستاهل السلطان ما حسن أ كنزة؟ واش كتمعني على راسك أ لالة؟ نوضي حيدي عليك هاد الفشوش والتبوحيط! يحساب ليك السلطان غيشوف ف داك الزين المدبّج ديالك ويخلي الشان د القبايل؟ إيلا مكانتش طامو الكبيرة، راه كاين اللي يطير بـ عقله بـ الخفة والفطنة والعين اللي كتشعل! (وهي كتحط يدها على جنابها وتخرج صدرها) أما أنتِ راه ناقصاك التربية، وإيلا مشيتي لدار السلطان، غيربّيك الجلّاد من أول ليلة بـ داك لسانك المعوج!”
طارت كنزة من بلاصتها حتى هي، وتمرمد وجهها بـ الغضب، وشمرت على دراعها وجبدت عينيها فيطو “أنا اللي ناقصاني التربية اعفريت الجوع المسكونة ! كتاكلي وياكلو معاك الجنون ماخليتي خزينة ماخليتي جنانات غير كطحني الخضر واليابس أنا بنت مسعودة لالة العيالات ف الذهب والخريب! شوفي راسك أنتِ اللي مزال صبعك ف فمك وطيش د الصغر هارب بيك، وضفايرك كيتلوّوا بحال الحناش! يحساب ليك السلطان د الأندلس باغي جارية د الصداع تنقز ليه ف البيت؟ السلطانة غتكون مولات الزين والتاويل، ماشي بحالك اكرش الحلوف!
ناضت يطو كتجري جيهتها، وتخبلوا الضفاير مع اليدين، ونادت بـ جُهدها: “والله حتى نوريك اليوم كرش الحلوف كيكتسرط بنادم !”
اضت الروينة والتشابك بـ اليدين والنتيف وسط البيت؛ كنزة كتدفع وإيتو كتجر ليها ف سبنيتها د الجوهر، وخدوج ورحمة كيجريو بيناتهم ويحجزو ويقولو: “ويهديكم الله! وا سكتوا لا يدخل علينا الشيخ!” وطامو جالسة وسط هاد القربالة ميتة بـ همها وبحور الدموع ف عينيها.. حتى بان الظل د أمهم الزاهية واقفة ف العتبة ودفعات الباب بـ دقة قاصحة جمدات الكُل!
دخلات الزاهية عاقدة الحواجب، وعينيها كيطير منهم الشرر من بعد ما سمعت هاد الغوات والروينة وسط البيت. شافت ف كنزة اللي سبنيتها د الجوهر معوجة، وف إيتو اللي ضفايرها مخبلين، ونفضات كلامها بـ لسان قاطع بحال الموس:
“اش هاد السيبة واللغيط؟ واش أنتوما بنات شيخ القبيلة ولا هجّالات المزلوط عاطيينها للنتيف والتبوحيط قبالة الميدة؟ نوضوا.. نوضوا جمْعوا كَرشكم وحيدوا عليا هاد الشنايف المعوجين، راه ما بقا وقت للعب والغيرة د الجوع!”
تلفتات الزاهية جيهة بنتها طامو، اللي كانت جالسة مصفارة وكاتكتم الوجع د قلبها ودموعها مخبيين، وحطات يدها على كتافها بـ كُل نخوة وفخر، ونادات بـ صُوتها الجهوري على الخادمات والضراير لداخل:
“نوضوا شمّروا على دراعكم أ لَعيالات! نوضوا جمْعوا الشوّار للرواح لالة طامو راه غتمشي عروسة لـ دار السلطان الشداد ف شالة، وبغيت كُلشي يطقطق بـ التاويل! نوضي أ خدوج أنتِ ورحمة جيبوا الصنادق ونبشوا ف الملافي الحرة، والحرير، والجوهر، وقفاطن الصوف الملوّن!(شافت فايطو وكنزة) تكعدو قدامي حيدوا عليا داك السم ونوضوا غربلوا الحناء الحارة ووجدو بابور أتاي للبناّت والخياطة للي غايدخلوا من الباب الكبيرة!”
داخل الحصن د شالة، وسط قاعة الديوان العريضة الشبيهة بـ قصور قرطبة، كان الجو بارد وساكت، ما كتسمع فيه غير الرنة د السيوف د الحراس قبالة الباب. الحيوط كتدوز منو ريحة العود القاطعة.
ف قلب القاعة، كانت محطوطة مائدة عريضة د الخشب الكاحل، ومسرحة عليها ‘الرقوق’ والخرائط العظيمة د الجلود. تما واقف السلطان الشداد بـ طوله الهيبان، ولابس فرجية د المليفة الكحلة المطروزة بـ الصقلي الخفيف، وفوق كتافه سلهام د الحرير الثقيل، ووجهو كأنه الرخام البارد؛ عاقد الحواجب وعينيه الصقرية متبعين كُل خط ف الخريطة.
قبالته، كانوا واقفين المهندسين والمعلمين د البناء اللي جابهم معاه من الأندلس، شادين القواسم والمكاحل د العبار. الشداد ما كانش باغي غير حصن د الحرب، بل كان باغي يبني معلمة أندلسية ف قلب بلاد زناتة؛ كان كيشير بـ صباعه لـ الرسم د الأقواس، وكيملي عليهم الأمر بـ صوته الرخيم الصارم:
“هنا.. بغيت السور يتدعم بـ الأبراج العالية د الحجر المنحوت، وبغيت الساقية د الما تدخل من النهر وتدور بـ الرياض لداخل باش تسقي الغرس د الليمون والورد. شالة غتكون هي الساس د العهد الجديد، وبغيت البناء يكون بـ الرزانة د قصور غرناطة وقرطبة، باش لي شاف الحصن من بعيد يحدر عينية قبالة الهيبة د السلاطين!”
كان المهندسين كيحنيو الرؤوس ويسجلوا كُل كلمة د التدبير والسياسة اللي كتخرج من فمه. الشداد ما كيفوت والو؛ ميزان الهندسة عنده بحال ميزان السيف، كُلشي خصو يكون مقاد بالتاويل.
(تحول المشهد لـ خارج أسوار الحصن د شالة…)
من بعد ما قفل الشداد أمر الخرائط، خرج لـ ساحة الحصن الكبيرة فين كان كيتسناه الفرس ديالو الأدهم الكاحل، كيموج بـ النخوة وضهره مسرج بـ الديباج والفضة. ركب السلطان بـ خفة الفرسان الشداد، وخرج متبوع بـ كوكبة د السيوف والخيالة من وراه، هابطين من الحصن صوب السهول العريضة د المنطقة ليتفقد الأجواء.
كان الصباح مزال ف أوله، والضباب د البحر عاد كيتفسخ على السهول الحارة والتراب د زناتة. الشداد كان غايركب بـ التمهل، وعينيه الصارمة كتدور ف الأفق؛ كيشوف ف خيام القبايل المنصوبة من بعيد، وكيميز بـ عقله السياسة الجديدة لي باغي يثبتها بـ هاد الدم والنّسب.
تمشى بـ خيلو حتى وقف فوق ربوة عالية ك تطل على السهول فين كيجريو الخيل د القبايل، ودوز يدو فوق لجام الفرس، وقال ف خاطره: ‘بلاد حرشة ورجالها شداد تبارك .
ف داك الصباح المبروك، من بعد ما باتت القربالة د الشوار ف الدار الكبيرة، خرجوا البنات يقصدوا المرج العريض د القبايل المحادي للواد، فين الشجر د الدفلة والصفصاف ضارب عليه الظل والما كيجري بارد وسلوقي. كانوا خارجين يجمعوا الريحان الأخضر والورد البلدي المفتح باش يبخروا ويوجدو شوار العرس د ختهم طامو.
كانت الخرجة منورة بـ كنزة ورحمة، وحدة كتنسي ف الأخرى بـ أشكالهم وتاويلهم:
كِنْزَة (نوارة الزين): كانت خارجة تتبختر بحال غزال الشاوية، لابسة دفينة د المليفة الرقيقة ب لّون الوردي الفاتح، ورابطة خصرها بـ حزام د الحرير المضفور، وسبنيتها د الجوهر معوجاها على جنب بـ التبوجيت د لعيالات الكبار. وجهها منور وبيّض كيشعل مع شمس الصباح، وعويناتها المكحلين بـ الكحل البلدي الحار كيدوروا بـ الملاحة البرائة
، ويديها الصغار منورين بـ الخواتم د الذهب اللي كيطقطقوا وهي كتقطف لورد وتضحك بـ الفشوش ديالها.
رَحْمَة (عقل الدار والوقار): كانت غادة بـ خطوات موزونة وثقيلة، لابسة دفينة دجوهرة الخفيف بـ لّون الأبيض الحليب، ومغطية كتافها بـ حايك د الحرير الرقيق بـ الحشمة د الأصول. ملامحها هادئة وصافية، وفيها واحد الوقار د العيالات الكبار وخا مزالة صغيرة؛ عينيها صغار وذكين، وفي يدها سلة د القصب الكبيرة فين كتجمع الريحان بـ الرزانة وبلا خفة، وهي كتبرد على كنزة كلامها وتفكر ف المكتوب د ختهم طامو.
كانت كنزة غادة وسط النوار، كتقطف الورد البلدي بـ طراف صباعها وتلويه ف شلايل دفينها الوردي، وعوجات فمها بـ واحد النفخة د الفشوش، وشافت ف رحمة ونطقات بـ كلام مسمم ومذوب بـ العسل:
“شوفي أ ختي رحمة.. هاد الورد شحال باهي ومفتح، تبارك الله يستاهل يتدق ف المهراز د النحاس لـ لالة طامو! غير وكان.. بقا فيا غير هاد المرج وهاد النوار لي غايدبل ف هاد القصبة، وحنا غانبقاو هنا نقابلو الحليب دالمعيز والكوانين.. أما طامو، راه السعد وداها لـ كراسي الذهب والحرير د الأندلس ف شالة. وخا، بيني وبينك أ ختي.. طامو قاصحة بحال حجر السهول وعمرها عرفات لـ التبوحيط ولا المشية د الأميرات، وخايفة هاداك السلطان الشداد يتصعق فليلة اللولة فاش يلقى قدامو عقاد الحواجب ، ف بلاصة الزين الباهي والضرافة اللي تفتح العين!”
وقفت رحمة بـ التمهل، وحطت سلتها د القصب فوق العشب الأخضر، وشافت ف كنزة بـ واحد الابتسامة حنينة وفيها كاع العقل د الأرض والوقار، وقربت لجهتها، وبدأت كتمسح على كتفها بـ التاويل، ونطقات بـ صوتها الدافئ الموزون:
“ديري العقل أ ختي كنزة، واستغفري الله ف هاد الصباح المبروك! طامو راه ختنا الكبيرة، والشان ديالها راه من شان با الشيخ ومن شانا كاملين. الملوك أ كنزة، وخا كيبغيو الزين والملاحة ف المخدع، راه ف كراسي الحكم والدواوين كيبغيو ‘الهيبة والرزانة د الأرض’ اللي كتهز السمعة د القبايل. وبنت الزاهية راه هي اللي غاتقابل الشداد ‘الراص ف الراص’ وتثبت لجام زناتة ف الحصن العظيم. حيدي عليك هاد الفشوش وهاد الخممام الخايب، وزينك تبارك الله راه قمر يضوي، وإيلا جاب الله السعد لـ طامو اليوم، غدا يفتح ليك ربي بواب العز بـ كاع التاويل اللي يستاهلو الزين ديالك!”
عوجت كنزة سبنيتها د الجوهر بـ يدها، ونفخت من مناخرها بـ غيظ د الفشوش، وتمشات خطوتين وهي كتدوز يدها على ضفارها ونطقات بـ التمعني:
“إيوا لالة.. كوني أنتِ هي العاقلة الرزينة بحال العادة ، وخليني أنا بـ فشوشي! أنا ما قلت عيب، أنا غير بقا فيا هاداك السلطان الأندلسي اللي كيقولوا عليه وجهو رخام بارد قصروا كبيير ومقاد ويستاهل ما حسن.. يستاهل الملاحة الحاشمة والضرافة د لبلاد اللي تنسيه هموم السياسة، ماشي القطيفة الثقيلة! لكن معليش، مبروك لـ لالة طامو، وحنا نرجعوا لـ شقا الدار الكبيرة ونوجدو الشوار لـ لالة السلطانة!”
قربت منها رحمة تاني بـ كُل صبر، وجرت ليها يدها بـ الحنان د الخوات ونطقات تبرد عليها:
“أويلي على كنزة الغالية، واش هادي هي الضرافة د لسانك؟ دبا واش نسينا علاش خارجين ف هاد الخلا؟ حنا خارجين نجمعوا الريحان والورد باش نفرحوا بـ ختنا ونبخروا شوارها بـ التاويل، وبغيتك تكوني أنتِ هي النوارة المبتسمة ف هاد العرس، ماشي مولات الشنايف المعوجين قبالة الضراير! نوضي نوضي جمعي معايا هاد لورد، وبركي من هاد الفشوش الخاوي لا يسمعنا شي حد ف هاد الخلا…”
يلاه كنزة بغات ترد بـ كلمة خرى د الفشوش والتمعني، حتى تقطع الحس د الما والطيور ف المرج بـ دقة واحدة مخيفة، وتخلخل الشجر د الدفلة الغليظ وراهم..
غير تخلخل الشجر د الدفلة بـ دقة واحدة قاصحة، وتقطع حس الما، خرجوا رجال غرناطة الخمسة بـ لثامهم الكاحل وسلاحهم اللي كيشعل بـ الشَر. داروا بـ البنات بحال الحناش ف المرج وقفلوا كاع المسالك د الخلا.
هنا.. تفركعات الصدمة ف الميدان!
كِنْزَة (الفشوش والخلعة الطاغية):
طاح السعد من وجهها ف البلاصة، وتخطف لونها الباهي حتى رجع بحال الجير الكاحل. تخلعت خبطة واحدة، وحطت يدها على فمها وتفوهت بـ شهقة حارة جمدات ليها الدم ف العروق. ‘الركابي’ ديالها ف الحين رجعوا كيترعدوا وما هزوهاش، وطاحت بـ شلايل دفينها الوردي فوق العشب، ويديها المليانين بخواتم الذهب كيرجفوا بحال القصبة ف البرد. غلبها الخوف د البنيات الصغار، ودرّقات وجهها المزيّن وراء سبنيتها د الجوهر، وبدأت كاتبكي بـ الغُصّة والغبينة، ولسانها المعوج تخرس وما بقا قاد يخرج حتى كلمة ورجعت غير كتنهج وتعاود: “يا حْياني.. يا مّي مسعودة.. مشينا فيها أ ختي رحمة! الغدر.. الغدر أ با الشيخ اريييييلي حيي!”
رَحْمَة (الرزانة وعقل الدار وسط الرعب):
أما رحمة، وخا الخوف زلزل الجوف ديالها وحست بـ الرعب كياكل ف عظامها، ما طاحتش وماتسلماتش بحال كنزة. تجمعات ف الحين بحال سبع د الخلا، وجمعات شلايل حايكها الحرير بـ يدها القاصحة، ودرّقت كنزة وراء ضهرها كأنها باغة تحميها بـ بدنها. عينيها الصغار الذكيين داروا كيطيروا يمين وشمال ف السهول باغية تلمح شي خيال د فرسان القبيلة، وخا عارفة باللي هاد المرج ‘مْقطوع من شجرة’ وبعيد على الحصن. حصرات ريقها الحار، وعقدات حواجبها بـ النخوة د بنات الشيخ، وخا قلبها كيدق بحال المهراز د النحاس، وجردات لسانها بـ الشجاعة د الأصول، وشافت ف كبير الملثمين وقالت بـ صوت مبحوح ولكن قاصح ومسموع:
“شكون أنتوما أ قطاعين الطريق؟ ومنين خرجتوا لينا ف هاد المرج المبروك؟ واش عْمات ليكم العينين والقلوب حتى تجرأتوا تلوّوا يدكم على حْرمة الدار الكبيرة؟ هادي راه بلاد زناتة أ الشّماتة، والشان ديالنا راه واصل للسماء بـ الهيبة د با الشيخ الميمون والسيف د السلطان الشداد! الو قستو زغبة وحدة منا والله حتى تقلب هاد السهول بحور د الدم، وتوليو حطب الكوانين ف هاد الخلا! حطوا حديدكم واحشموا على عرضكم قبل ما تنزل عليكم سيوف القبايل!”
بـ خطواته الثقيلة كيزهق فوق العشب، تقدم واحد منهم ودوز يدو على مقبض سيفه ، وضحك واحد الضحكة مسمومة ومبحوحة خرجات من وراء لثامه، وقال بـ الشماتة د النقمة:
“وفرّي خَبلك والتبواحيط د لسانك أ بنت الشيباني! اليوم غانحفيو هاديك النخوة د زناتة”
تقدموا جوج من الملثمين بغلّ حامي وقبضوا ف دراع كنزة اللي غوتات بـ جُهد الحرقة حتى طار الطير وتزعزعو الشجر : “وا با الشيخ! وا رجال لبلاد ، عتقو الروووووح اعباد الله عتقو الروح!!”
ورحمة بدأت كتدافع وتنتف بـ يديها السلة د القصب وتلوح عليهم الريحان باليأس، والظل د الغدر غطاهم وسط الشجر د الدفلة…
طارت كنزة بالخلعة عضات واحد فيهم فيدو غوت صيحة د الوجع:
“آخخخ.. يعطيك القَطْع أ الكلبة!”، ونزل عليها بـ طرشة قاصحة د الحديد جابتها ف الأرض مجبدة فوق العشب، وطار الزيف د راسها وتخبل الزين د ضفايرها ف التراب والدموع كيسيلوا على حنكها مخلطين بـ الغبرة.
رحمة فاش شافت ختها طايحة هكذاك ومجدوعة بحال الشاة، تخرّط جوفها وعينيها بغاو يخرجوا من ريوصهم بـ الصدمة، وزعزعات الخلا بـ واحد الغوتة حارة بـ المقاص د قلبها:
“يا ناري على ختي! الله ياخذ فيكم الحق أ الشّماتة، واش تعديتوا على البنيّة وطاح الشان د الرجال؟ والله وباقي فينا عرق ينبض حتى تخلصوا هاد الطرشة بـ رقابيكم القطاطعية!
بدأت رحمة كتناقز وتلوّي ف كتافها بـ جُهد السبع المحبوس، والملثمين بجوج قابطينها بـ يديهم الغلاظ من دراعها، كيزيروا عليها وهي كتنطح بـ راسها وتدفع بـ ركابيها، وحايكها الحرير الأبيض تمزّع وتشرّك بين يديهم، والسلة د القصب تهرسات وداك الريحان والورد البلدي اللي جمعوا لـ طامو رجع كلو مدوس بـ الحوافر د البلغة والسباط د الحرب.
نتر يده لي سال منها الدم من العضة د كنزة، ومسحها ف دفيته بـ غلّ حامي، وقرب جيهة كنزة الطايحة، نغزها بـ راس البلغة ديالو بـ قساوة وقال لـ رجاله بـ صوت مسموم:
“هاد الفرفارة هزوها رميوها فوق العود وسدو ليها فمها بلجام قبل ماتحل دوك لعينين
يلاه الغرناطيين هزو كنزة المجدوعة وربطوها وراء السرج د العود، ورحمة كتناقر بين يديهم، حتى تزعزعات الغابة بـ دقة واحدة مخيفة! حوافر الخيل بدأت كتضرب الأرض بحال الرعد، وظهر من بين الشجر العالي موكب كيزن الجبال؛ هادا السلطان الشداد بـ طوله وفرسه الأدهم الكاحل، ومتبوع بـ كوكبة د السيوف والخيالة للي غير لمحوا الروينة، جردوا حديدهم ف الحين!
وقف الشداد فوق عوده، وعينيه الصقرية طار منهم الشرر ما نطق بـ كلمة، وما تمنع، حرك يدو بـ شارة قاطعة للفرسان، ودفع فرسه الأدهم ف قلب المعمعة!
وتنوض الحرب د الصح! تضرب الحديد مع الحديد، وتنادوا الرجال بـ صيحات الموت. فرسان الشداد دخلوا فيهم بحال الصقور السيف كيدوز من اللحم، والدميات بدأت كتششر وتطير فوق العشب الأخضر وصبغات الشجر د الدفلة بـ اللّون الحمر القاطع. الشداد كان كيموج فوق عوده بـ هيبة كتخلع؛ سيفه المطبوع بـ الذهب كيدور ف السماء ويقسّم الرقابي د الغرناطيين بـ ضربات حاسمة وموزونة، كيطير الرؤوس بلا رحمة ولا تمهّل.
رحمة خرجوا عينيها بـ الخلعة والدهشة، وبدأت كاتوّل وتغوت بـ جُهدها وسط القربالة: “عتقوا الروووح أ رجال لبلاد! عتقوا الروح!”
وسط هاد المجزرة والروينة والدميات للي كتششر ما بين الرجال، لمح هاداك قطاع الطريق للي طرّش كنزة باللي فرسان الشداد غايبيدوهم ف هاد المرج. بـ مكر الحناش، هرب بكنزة الدايخة فوق العود وطار بيها بـ الجري السريع هربان صوب الغمق د الغابة والجرير، باغى يسلك بـ جلدو ويدي معاه بنت الشيخ!
رحمة، وخا كانت محبوسة بين اليدين، لَمحات ختها كنزة غادة بيهم الخيل بـ السير العاصف وسط الشجر، وتخرّط جوفها بـ الغش وصاحت بـ واحد الغوتة حارة تزلزلو ليها الحيوط د الحصن:
“وا كنزة أ ختي! وا رجال لبلاد.. عتقوا الرووووح!”
الشداد بـ النباهة لمح بـ عينيه الصقريةالفارس الملثم للي هارب بـ البنيّة وشلايل دفينها الوردي كيموجوا ف الهواء وراء السرج. دار بـ فرسه الأدهم الكاحل بـ خفة الفرسان الشداد، وعقد حواجبو بـ الصرامة للي تخلع القبايل، وطار ف أثرهم بحال السهم للي خرج من القوس!
كان الجري سريع وحابس الأنفاس وسط الخلا؛ الخاطف كيزيد ينغز ف العود ويشوف وراه بـ الرعب، والشداد كيقرب منه بحال قدر الموت للي ما منه هروب، وسلهامو الكاحل الحرير كيطير وراه بحال جوانح الصقر.
تمشى الشداد ف الأثر حتى قرب من العود د الخاطف الراص ف الراص وسط طريق ضيقة بين الشجر. وبـ ضربة واحد الخفة والهمّة الملوكية، هَز سيفه الثقيل بيه بـ ضربة وحدة قاطعة وزاحفة، طير بيها الكتف د الغرناطي! غوت المسخوط صيحة الموت وطاح مجدوع من فوق السرج يتهشم ف التراب، وخيلو هربات ف الخلا. ف هاديك اللحظة بالذات، والغرناطي كيطيح، مال الشداد بـ بدنه من فوق عوده الأدهم، ومد يده القاصحة المليانة بـ النخوة، وقبض ف كنزة بـ التاويل من خصرها وجرّها بـ خفة وعزة قبل ما تطيح للأرض، وحطها قدامه فوق السرج د الفرس ديالو، وضّمها لـ صدره وسلهام الحرير الكاحل غطاها من البرد والخلعة. كانت غير ضايخة ومبهوضة بـ الجهد د الطرشة للي جابتها للتراب. غير حست بـ راسها فوق عود جديد وبين يدين قاصحين، بدأت كتلفت وتوجع بـالخناث د لسانها الحامي وخا الخلعة مزالة شادة فيها، ونطقت وهي كتنحب وتغوت:
“أويلي.. أويلي يا مّي مسعودة! فين غادين بيا تاني؟ طلق مني اعدو الله ،، واباااااااا ، الله يرحم ليك الوالدين! (ضربات حناكها ) وااحييي عليااااا على ياااامي على طامو المنحوسة اااااحي علياااا واغيينتييي وا غبينتي “
الشداد ما رد عليها بـ كلمة ولا حرك حواجبو؛ بقى وجهو بحال الرخام البارد، وعينيه ف الطريق كينغز عوده الأدهم بـ التمهل جيهة المرج فين سالات الحرب، كأنه ما سامعش هاد اللغيط د النسا.
وصل الموكب لـ قاع الواد وسط الشجر د الدفلة، فين فرسان الشداد كانوا عاد كيمسحوا الدم على السيوف، ورحمة واقفة كتنهج وحايكها ممزوع، وغير لمحات العود د السلطان جايب كنزة، طارت جيهتها بـ دموع الفرحة: “وا كنزة أ ختي! الحمد لله لي فك ربي سراحك!”
حط الشداد فرسه، وبـ شارة وحدة ملوكية هبط كنزة بـ التاويل وحطها وسط حضن ختها رحمة وحنكها حمر وفيه الصباع مرسومين كتنهج بالخلعة وتقفقف
“شتييي شتي قلت ليك زهر المسعودة بضفارها تهبش عليه ، وزهر المتعوسة بضهرها تعطييه ! ها سعد سعود فين خرجنا!”
وقف الشداد فوق عوده الأدهم بـ طوله وفرجيته المنورة، ودوز يدو على مقبض سيفه القرطبي المطبوع بـ الذهب، ونزل شوفته الصقرية الصارمة فيهم بجوج، ونطق بـ صوته الجهوري الثقيل لي هز الشجر د المرج:
“سكتوا عليا هاد اللغيط أ البنات! الخلا مزال عامر بـ الغدر، والحديد عاد برد. نطقوا بـ الأصول والمنطق ف الحين: أنتوما بنات من ف هاد السهول؟ وشنو كديرو هنا بلا محمية؟ “
جمعات رحمة شلايل حايكها الممزوع بـ الحشمة والوقار د بنات السادات، وخا قلبها كيدق، وهزات عينيها الحاشمة ف هاد الفارس الهيبان ونطقت بـ لسان القبيلة الموزون:
“الله ينصرك أ مولاي الخيل والشان، ويطول لينا ف عمرك حيت عتقتي العِرض د العذارى ف هاد الخلا! حنا راه ما شي بنات الخلا ولا هجّالات الدلالة حنا راه بنات الشيخ الميمون، كبار شيوخ وقبايل زناتة أ سيدي! الشّماتة للي باغين يهرسوا النيف د با الشيخ ويغدروا بـ السيف د السلطان الشداد للي تبرم معاه الميثاق الليلة ف الخلوة!”
غير نطقات رحمة بـ الاسم د الشيخ الميمون وميثاق السلطان الشداد، تحركت واحد الوشوشة خفيفة بين فرسان الموكب، ولكن الشداد بقى وجهو ساكن ما فيه لا ضحك ولا ملاحة، غير عينيه الصارمة صغاروا بـ النباهة وهو كيشوف ف كنزة للي مزالة شادة ف ختها وتشوف فيه بـ فمها المحلول د الدهشة وتطلع وتهبط فالخيل ديالو وتحقق فيعينيه واللثام لي على وجهه “
الشداد بقى فوق عوده الأدهم ثابت كالجبل، ونزل شوفته الصقرية الصارمة فيهم بجوج، ومسح على لحيته الكاحلة بـ وقار، ونطق بصوت جهوري ملوكي، كيمزج فيه لسان العرب بالفصاحة والتاويل د لبلاد:
“إذن.. أنتما حرائر زناتة وبنات الشيخ الميمون اذا! تبارك الله.. لسانكم نطق بالأصول”
كنزة، وخا الصدمة والخلعة مزالين شادين فيها، غير سمعت هاد الهدرة الملوكية الوازنة وهاد اللسان الفصيح، طارت منها الشوفة د الفشوش، وبقات كتشوف فيه بـ عوينات مبهوضين، وفمها محلول بالدهشة وهي كتهمس لرحمة: “أويلي أ رحمة..ياكما هدا هوا السلطان؟؟ سمعتي ! سمعتي كيفاش كيهضر!! تبسم واحد من كبار فرسان الموكب تبسيمة خفيفة د النخوة، وقرب لجهتهم ونطق بالعلالي: “احفظا لسانكما يا بنات زناتة، وأحسنا الأدب قبالة السرج! ف هذا الذي يقف أمامكما، والذي فك سراحكما بـ سيفه، هو جلالة السلطان الشداد القرطبي بـ نفسه!”
هنا.. الصدمة الكبيرة طاحت على الخواتات!
رحمة حدرات عينيها ف الحين بالحشمة والوقار ودق قلبها بالهيبة، أما كنزة فـ خرجو عينيها وطار الدم من وجهها تاني؛ خواو بيها ركابيها وجلسات وعاود ناضت بالزربة كتقاد حوايجها وتفتف على شعرها المشعكك النازل على كتافها والقش لاسق فيه، حالتها حالة وبصمة الطرش على حكنها ونيفها كيسيل منو الدم وهي ماحاساش “
حدرات رحمة عينيها ف الحين بـ الحشمة والوقار د السادات، ودق قلبها بـ الهيبة د الملوك اللي زلزلات السهول. تلفتات بـ جنب عينيها شافت ف ختها كنزة اللي عاد ناضت بـ الزربة كتفتف على القش والدم وتستر راسها، وزيرات رحمة على يد كنزة بـ دقة قاصحة باش ترصيها وتجمع ليها راسها قبالة السرج.
حصرات رحمة ريقها الحار، ورجعات هزات عينيها بـ التمهل والرزانة ف وجه الشداد؛ شافت ف داك اللثام اللي مغطي ملامحه، وف عينيه الصقرية الصارمة اللي كتقطر بـ النخوة، وحسات بلي هاد السلطان راه بحال الرخام البارد ما معاه لا لعب لا فشوش. قادت شلايل حايكها الممزوع، وتنهدات تنهيدة د العقل، ونطقات بـ صوتها الدافئ الموزون اللي فيه كاع العزة د زناتة:
“الله يعز مقامك أ مولاي السلطان، وينصر بيك البلاد والعباد! المعذرة والتاويل من مقامك العالي، إلى شافوا عينيك التبهديل واللغيط ف حرمة بنات القبيلة قبالة السرج ديالك. راه الغدر اللي طيّر لينا العقل وخرّجنا من طورنا ف هاد الصباح، وتبارك ربي للي صيفطك لينا ف الحين بحال ملك الموت لـ رقابيهم! با الشيخ الميمون، فاش عتقتي العِرض ديالنا بـ سيفك، عاد عرفنا باللي كلمة با الشيخ ميزان ما كيميلش” تلفتات رحمة شافت ف كنزة للي مزالة مبهوضة ونيفها كيسيل، ورجعات شافت ف السلطان وقالت بـ الحشمة د الأصول:
“طالبين ضيف الله وحمايتك أ مولاي السلطان، راه الدار الكبيرة مزالة غافلة وما سايقة خبار بـ هاد العافية للي شعلات ف المرج، وبا الشيخ إيلا سمع باللي النخوة د زناتة تقاست ف بناته، والله حتى يسد بواب القصبة ويشرع السيوف!”
بقى الشداد واقف بـ فرسه الأدهم كالجبل، وعينيه الصارمة متبعين كُل كلمة كتخرج من فم رحمة الموزون، ولمح فيها كاع ‘الرزانة د الأرض’ اللي كتعلي شان القبايل، ولكن عينية رجعوا بـ دقة خفيفة لـ جيهة كنزة للي مزالة كتفتف ف حوايجها بـ الخلعة دالخناث غير سالات رحمة كلامها الموزون الوازن، والتفتت لـ جيهة كنزة باش تسكتها بـ عينيها قبل متنطق ،وشافت ف السلطان الشداد للي واقف فوق عوده الأدهم كأنه صنم د الرخام.
ما قدراتش كنزة تكتم النفخة د صدرها، وخا الركابي مزالين كيترعدوا، جردات لسانها المبلوز المخرّق، ونطقات بـ واحد الصوت مخنوق ومبهوض، وفيه كاع الخناث د البنيات الصغار قبالة الشداد:
“أويلي.. أويلي أ مولاي السلطان الشداد.. واش أنت هو نيت؟ (وهي كتشير بـ صبعها للي فيه خواتم الذهب وكتفتف) هيييه!!
طلعات ديك الشهقة وفمها محلول كترمش ورحمة كتنخزها وتردها اللور .
طلات عليه كنزة من مور كتف رحمة وقالت (وهي كتدوز يدها على شعرها المشعكك وتتباكى بـ التبوحيط) عتقنا أ سيدي السلطان، الله يطول عمرك ويزيد ف شانك، وخوذ لي حقي من هاد الشماتة لي عطاني طرشة دالموت !”
غير سمعت رحمة هاد الهدرة المخرقة د ختها، خرّجت فيها عينيها بـ الغيظ، وقبصاتها من دراعها قبصة حارة وهي كتحدر راسها قبالة الشداد وتقول بـ الخجل: “اسكتي أ كنزة، بلعي داك اللسان المعوج! واش هادا كلام كايتقال قبالة السراج د السلاطين؟ ديري العقل لا يطير ليك راسك!”
أما السلطان الشداد، فاش سمع هاد ‘البلوزة تحركت لحيته الكاحلة بـ واحد الابتسامة خفييييفة ومستورة وراء اللثام، أول مرة تظهر ف وجهو الرخامي البارد من أول الصباح. صغروا عينيه الصقرية بـ النباهة وهو كيشوف ف هاد ‘الغزال المبهدل’ للي وخا الدم والتراب والقش لاصق فيها، مزالة عاطياها للتعبيير والتبوحيط د الزين والملاحة د لبلاد.
نزل الشداد شوفته فيهم، وهز يدو بـ وقار ملوكي، ونطق بـ صوته الجهوري الممزوج بالفصحى والتاويل:
“كفى من هذا اللغيط يا بنيات زناتة! إن كان الخاطف قد أفسد زينكِ بطرشته (وهو كيشوف ف كنزة)، فقد جعلنا كتفه يتهشم ف قاع الواد بـ سيفنا، وبذلك حسم الحديد أمر الحق والقصاص! والآن.. اركبا الخيول بلا كثرة كلام، فالقصبة في انتضاركم “
من بعد ما قفل الشداد الكلام بـ صوته الجهوري الصارم، حصر شوفته ف كنزة للي مزالة واقفة مبلوزة، ونيفها كيسيل بالدم فوق دفينها الوردي وحالتها حالة. بـ واحد الهمّة ملوكية رفيعة، حط الشداد يده على سرج فرسه الأدهم، وتنقّز وهبط للجرير بـ خفة الفرسان؛ تسمع الحَس د سباطه الثقيل وهو كيزهق فوق العشب الأخضر المحادي للواد.
مشى بـ خطوات ثقيلة وموزونة جيهة كنزة من بعد ما قفل الشداد الكلام بـ صوته الجهوري الصارم، حصر شوفته ف كنزة للي مزالة واقفة مبلوزة، ونيفها كيسيل بالدم فوق دفينها الوردي وحالتها حالة. بـ واحد الهمّة ملوكية رفيعة، حط الشداد يده على سرج فرسه الأدهم، وتنقّز وهبط للجرير بـ خفة الفرسان؛ تسمع الحَس د سباطه الثقيل وهو كيزهق فوق العشب الأخضر المحادي للواد.
مشى بـ خطوات ثقيلة وموزونة جيهة كنزة، للي غير شافته جاي جيهتها بـ طوله وهيبته وسلهامه الكاحل، جمدات ف البلاصة، وحبسات النفس بـ الخلعة د الصّح، ورجعات وراء ختها رحمة بحال شي فلكة د الغزال مبهوضة.
وقف الشداد قبالتها بـ طوله الشامخ، ومد يده القاصحة المليانة بـ الخواتم د العز، وجبد من تحت سلهامه منديل د الحرير الأبيض الصافي، مطروز بـالحرير على الجناب وكتفوح منه ريحة العود القاطعة والمسك للي تفتح الراس، ومده لـ كنزة بـ وقار وسكات بلا ما ينطق بـ كلمة، وعينيه الصارمة من وراء اللثام كتشوف ف التبهديل د الزين ديالها.
كنزة طار منها كاع داك اللغيط والتبوحيط د لسانها ف دقة واحدة! خرجوا عويناتها المكحلين بـ الدهشة، وشافت ف المنديل الأبيض للي بين يديه، وشافت فعينيه اللامعة وحست بـ واحد السخونية د الحشمة طلعت ليها مع حناكها وخا مطروزين بالتراب والدم والطرش . درقات وجهها ورا ضهر ختها رحمة وبدات وشدات فيها حتى تغرسو دفارها فتوب ختها .بقا الشداد واقف قدامهم ويدو ممدودة بوقار والمنديل بين صبعانو المزينة بخاتم تقيل فيروزي ، وعينيه الصارمة من وراء اللثام متبعين الحشمة والرجفة د كنزة المستورة وراء ختها.
كنزة ما قدراتش تمد يدها، بقات لاصقة ف ضهر ختها وتفتف بـ رجليها ف التراب وعينيها ف الأرض عرقات فالحيا التفت الشداد بـ سرعة وبلا ما يضيع الوقت، ورجع ركب فوق عوده الأدهم الكاحل بـ خفة السلاطين، وأمر الفرسان بـ إشارة د يده؛ جابوا جوج د الخيل مقادين بـ السروج والتاويل لـ كنزة ورحمة.
ركبوهم الفرسان وراء السرج بـ التاويل، وتحرك الموكب بـ السير الموزون والسريع جيهة الدار الكبيرة لكبيرة .زادو الفرسان بالبنات فوق الخيل وحدة مور وحدة وكنزة مور رحمة كتشوف وراها فالسلطان لي مشا بيه الخيل بحال السهم متبعة ليه العين حتى غبر
كانت الشمس بدأت كتميل لـ وسط السماء فاش وصل الموكب د فرسان الشداد، جايبين كنزة ورحمة فوق الخيل. غير قربوا من الباب العريض د القصبة، للي مبني بـ الطوب الحامي واللوح الغليظ، تفتحات البواب بـ الزربة، وخرج با الشيخ الميمون بـ جلبابه د الصوف الأبيض الحُر وعمامته المدورة ، عينيه لكوحل خارجين بغضب والعيالات موراه كيطلو من السراجم والبيبان مخلوعين من داك المنضر، غير نزلوا البنات من فوق الخيل بـ التاويل د فرسان السلطان، وقف الشيخ مصدوم، وطار ليه السعد من وجهه؛ كيشوف ف رحمة بحايكها الممزوع، وكنزة للي حالتها حالة، شعرها مشعكك بالقش وبصمة الطرشة زرقاء ف حنكها والدم يابس تحت نيفها.
تقدم كبير فرسان الشداد، وحدر راسه بـ الوقار وقال بـ صوته الفصيح الموزون: “السلام عليك يا شيخ زناتة. جلالة السلطان الشداد يقرئك السلام، ويقول لك: إن حرائرك ف الحفظ والأمان. لقد اعترض طريقهم رُعاع من رجال برغواطة ف المرج، فكانت سيوفنا لهم بـ المرصاد
تقدم الشيخ بروع ونطق بـ صوته القاصح للي كيزلزل البلاط: “الله ينصر السلطان الشداد ويحفظ ليه السيف والشان! كثر خيركم أ الرجال، العِرض د زناتة ف حمايتكم، ولاكن كن خليتو هاد جيفات تما يفرسوهم الدياب . التفت با الشيخ لـ جهة بناته بـ واحد الشوفة كتقطر بـ السم والغضب، ونترهم بـ يده القوية وهما كيعترو ويترعدو بالخوف.
حناو الفرسان راسهم قدمو ليه التحية ومشاو بحالهم . اما البنات هربو لداخل كيتجاراو والشيخ موراهم والعيالات كينديو والقيامة ناضت فقلب القصبة وكلشي تجمع
وقف قبالتهم وعينيه كيشعلوا بـ العافية ونطق بـ الجهد: “أشنو هاد المسخ؟ وأشنو هاد التبهديل؟ أشنو خرجكم لـ داك الخلا المقطوع من شجرة؟ تكلمو لا نخلط ليكم الدم بـ التراب ف هاد الساحة!”
قربات رحمة وهي كتنهج، وجمعات شلايل حايكها بـ الخوف ونطقت تدافع بـ لسانها الموزون: “وا با الشيخ، الله يرحم الوالدين احصر غضبك واسمع لينا! حنا ما خرجنا لـ عيب ولا تَبوريط.. خرجنا مع الفجر نقصدوا المرج نلقطوا الريحان الأخضر والورد البلدي المفتح باش نبخروا ونقادوا الشوار د ختنا العروسة للالة طامو. يلاه كنا كنجمعوا لورد قبالة الواد، حتى خرجوا علينا القطاطعية بحال الحناش من بين الشجر”
يالاه بغا ينطق الشيخ حتى تفرع الباب من جديد ودخلو الخدم لي كانو مرافقين البنات فالجناناات كيجريوا، يلهثوا بـ السخونية د الجري، وحطوا يديهم على الصدر ديالهم وبدأوا كيطيحوا قبالة الشيخ ويقولوا بـ الزغاريت المعوجة د الخلعة: “وا سيدي الشيخ! وا سيدي الميمون! راه حنا كنا معاهم من الصباح ..غير تلفو علينا وبعدو شوية وهنا كيلقطو الورد والريحان .
غير سمع الشيخ كلام الخدم وجرا على كلشي بصوت الرعد..تدخلات مسعودة يالاه بغات تهضر ويديها كيتفتفو لاكن هز يدو قطع فيهم الحس
ساد واحد الصمت مخيف ف قلب الساحة، وما بقى يتدبب غير الحس د النفاَس المخنوقة د العيالات والخدم.
جرا الشيخ الميمون بـ صوت بحال الرعد على كاع العيالات للي كانوا ملمومين ف الفناء، وغوت غوتة زلزلات السواري د القصبة: “حيدوا عليا هاد الجوقة! كاع العيالات يدخلوا لـ بيوتهم بلا لغيط، والخدم يطيروا لـشقاهم قبض الشيخ ف كنزة للي ركابيها خواو بـ الخلعة، وجر رحمة بـ يده الثانية بـ الغلّ، ودخلهم بـ النتر لـ واحد بيت الخزين قديم مظلم، ريحته عاطية بـ القطران والصوف والزرع، ودفعهم لداخل بـقسوة وعيالاتو تابعينو كيرغبو ويبوسو اليدين .دفع الزاهية حتى كانت غطيح والبنات فبيت الخزين كيغوتو .
كنزة طاحت فوق كومة دالعشوب كتندب وتغوت ورحمة تركنات فالقنت كتلوي عليها حايكها وتولول، قفل الشيخ الميمون الباب العريض د اللوح بـ الساروت، حتى صدم الصدى ف الظلام، ودار جيهتهم وعينيه لكوحل كيشعلوا بـ العافية، ومد يده القوية تحت السلهام وجبد ‘المشويطة’ د الجلد المفتول الغليظ للي كتلسع اللحم وتطير العقل!
ما بقتش كتسمع الهدرة، ولى كيتسمع غير الحَس د المشويطة لداخل كتشحط وتزفر في اللحم الحامي: “طْشَاق.. طْشَاق.. طْشَاق!” وملازماها الغوتة الحارة د كنزة للي زلزلات السقوف د الخشب وا مّي مسعودة عتقينييي واابا والله منعاود والله منعاود”
تابعها صوت رحمة كتغوت لربي لي خلقها وتعيط على الاولياء والصالحين لاكن شكون سمع غواتهم ولا حن فيهم من غير العيالات على برا دايرين مندبة، الزاهية فالارض جالسة كضرب فخادها ومسعودة كدق الباب وتقوليه:
“ياربييي العالي! يا من حلت عيونك على العباد غفر لبناتو! يا ربي حنن قلبه عليهم! وا الشيخ الميمون حل هاد الباب الكافر! حل الله يرحم الوالدين، البنيات معارفين والو نتا مول العقل انا مزاوكة ليك فالمراحيم .
الخدم كيجريوا ف الممرات يديها على ريوسهم ومبهوضين من هاد الروع. كولشي كيبكي، وكولشي كيرغب والكلب د الحراسة برا بقى كينبح بـ الجهد، ولداخل.. المشويطة مزالة كتشحط بـ الموزون بلا رحمة، وصوت الدق على اللوح والنديب د الزاهية للي كتضرب فخادها بقى كيتسامع حتى تخلطت القيامة د برا بـ الغوات د الموت د لداخل، والباب د بيت الخزين بقى مسدود كأنه قبر الاحياء.
يلاه الحس د المشويطة لداخل برد، وتسمعات النهجة اللخرة د الشيخ الميمون وسط الظلام، حتى تدور الساروت ف القفل بـ واحد الجهد قاصح “طْشَاق!”، وتشرع الباب العريض د اللوح بـ دقة واحدة.
خرج الشيخ الميمون قبالة العتبة، وعرق الغضب مزال منفوخ ف جبهته، والشنبات ديالو كيرجفوا بـ السم. غير شافوه العيالات خارج والمشويطة د الجلد مزالة ف يده القوية، تقطع فيهم اللحس ف البلاصة! طار النديب، وجمدات يد الزاهية للي كانت كتضرب فخادها وسط التراب، وحبسات مسعودة الغوات ف فمها، ورجع كولشي لـور بحال النعاج قبالة السبع، وساد واحد الصمت مخيف ما كتسمع فيه غير الشهقات المخنوقة د النسا.
خرج فيهم الشيخ الميمون عينيه لكوحل للي كيطير منهم الشَر، ونتر الباب موراه بـ جهد المغيارة، ودخل الساروت الثقيل د الحديد ف القفل، وطرقو مَزيان بـ جوج لويات حتى تزعزع اللوح، وخشى الساروت ف جيب جلبابه الكاحل بـ حسم قاطع.
وقف بـ طوله الشامخ، ونزل شوفته الصارمة ف عيالاته والضراير للي ملمومين ف الساحة، ونطق بـ واحد الصوت بحال الرعد المزلزل للي خرج من قاع جوفه:
“اسمعوا وعيوا كاع هاد اللغيط أ النسا! وحقّ لي ليه الحق ، ويَمين الله للي ما فيه لا لّي ولا لْوي.. اللي مشات منكم حتى قربات لـ هاد البيت، ولا حطّات ودنها على هاد اللوح، ولا حلاّت عينيها تطل عليهم، ولا فكّرات بـ عقلها المخرّق تدور بـ هاد الساروت ولا تحل هاد الباب.. والله العظيم حتى يكون نهارها كحل كحل من قاع البرمة، وليلتها عسيرة ما تطلع ليها شمس! اللي خالفات أمري ف هاد البنات، غاتخلص النقمة بـ ظهرها وبـ اللحم ديالها، وتخرج من هاد القصبة مبلوزة ومجدوعة ف الخلا بلا والي ولا تالي! هاد البنات غايبقاو مخزونين تما، محبوسين ف قاع بيت الخزين، كياكلوا الصوف والقطران حتى يرجع ليهم العقل لـ الراس ويحفاو من الفشوش د الخلا!”
العيالات بقاو كيشوفوا ف الأرض، مبهوضين من هاد الوعيد الكافر د الشيخ، ومسعودة حدرات راسها ويديها مزالين كيرجفوا بـ الخوف، وعارفة باللي كلمة الشيخ إيلا خرجت بـ الحلفان.. راه السيف ما كيردهاش.
زاد الشيخ الميمون زطم فيهم بـ خطواته الثقيلة بـ كُل قساوة ونخوة، وداس على العشوب والورد البلدي المشتت ف الساحة بـ بلغته، ومشى وخلاهم ملمومين ف قاع الفناء بحال اليتامى؛ مخلي وراه باب مسدود بـ سبعة د القفال، ولداخل كنزة ورحمة كيتوجعوا ف السكات من بعد ما طار اللغيط، والساحة برا عاطية ريحة الخوف والوعيد العسير…
هدأت العاصفة ف قلب القصبة، وساد واحد الصمت ثقيل ومرير بين الحيوط د الطوب الحامي. برا الساحة رجعات ساكنة، ولداخل د بيت الخزين الغامق، بردات السخونية د العصا وبدأ الوجع د الصح كيسري ف العظام.
كانت رحمة مركونة ف القنت، لامة شلايل حايكها الممزوع على صدرها، وكتنهج بـ السكات، وعظامها كيطقطقوا بـ الوجع د المشوّيطة للي كلات ف البدن ديالها. أما كنزة، فكانت مجدوعة فوق كوام د العشوب والصوف، وجهها مخلط بـ التراب وبصمة الطرشة والدم للي يبس تحت نيفها.
غير حست بـ الحَس د الشيخ الميمون غبر على العتبة، ناضت كنزة كتفتف بـ الرعب وخا عظامها طايبين، وزحفات فوق الركابي ديالها بحال الفلكة د الغزال المذبوحة، وعويناتها المكحلين خارجين بـ واحد اللهفة غريبة طيرت منها الوجع د السلخة ف دقة واحدة! قربات لـ جيهة ختها رحمة، وبدأت كتحرك فيها بـ الجهد وتجر ليها ف كتافها بـ يديها للي كيرجفوا، ونطقت بـ واحد الصوت مخنوق ومبهوض وفيه كاع البهلان دالخناث.
“وا رحمة! وا ختي رحمة تنغزي معايا الله يرحم الوالدين! فين هو؟ فين خبّيتيه؟ المنديل.. المنديل د الحرير الأبيض للي مد لينا السلطان الشداد ف الغابة! آري لي داك المنديل ف الحين ارييه ليا!”
تلفتات ليها رحمة بـ الوجع د الجوف، وضخات واحد النهجة حارة، وضربات فخادها بـ يدها المضرورة وسوّسات شلايل حوايجها المشركين بـ الغيظ، ونطقت بـ واحد اللسان حار كايقطر بـ اللوم والعقل:
“بعدي مني أ كنزة! نعل الشيطان وبلعي هاد اللسان المخرّق الله يعطيك العقل ويفكنا من هاد المحنة! واش اللحم ديالي كياكلني بـ الشحط د المشوّيطة، والشيخ حلف فينا بـ الغدر الكافر والوعيد العسير، وأنتِ مزالة تالفة بـ مروتكِ وتابعة ليا الفشوش والتبوحيط؟ شمن منديل وعلاش كتهضري
بغات تهبل عينيها صغاروا بـ الجذبة د العشق والخلعة، ونسات كاع الضَرب للي كلى ظهرها. بدأت كاتوّل وتجذب فوق الصوف، وتلوّي ف راسها وشعرها المشعكك كيطير ف الخلا، وعضات ف يدها بـ جُهد الحرقة فاش شافت ختها ميكات عليها، وغوتات بـ واحد الصيحة مغلوبة مخلطة بـ البكا د الفشوش والنفخة:
“والله وما تفارقي معايا هاد الصباح حتى نتقب هاد الحيط بـ ضفاري! آري المنديل أ رحمة لا نموت ليك هنا هاداك ما شي منديل د التبهديل، هاداك راه فيه ريحة المسك والعود د جلالة السلطان الشداد نيت! آري المنديل لا نخرج دبا نغوت وسط القصبة ويسمعني الشيخ!”
جمعات رحمة شلايل زيفها بـ التاويل، وخافت لا يسمع الشيخ هاد اللغيط د كنزة وتعاود تنزل عليهم المشوّيطة تاني، وشافت فيها بـ واحد الشوفة مخلطة بـ الدهشة والغيظ ونطقت بـ هدرة خفيفة ومخزونة وسط الظلام:
“اسكتي.. اسكتي الله يعطيك الغبينة لـ هاد اللسان! بْلعي فمك لا يرجع لينا الشيخ بـ الرعد ديالو ويهدم لينا هاد السقف على راسنا! هاكي.. هاكي هاد المسخوط د المنديل (وهي كتحل جيب دفينها بـ التتفات ) دخلت صباعها بـ الثقة.. ولكن يدها دازت ف الخاوي! تخرّط جوفها، وطار الدم من وجهها ف البلاصة. بدأت كتقلب بـ الزربة، وتخشي يدها هنا وهنا، وتجر ف التوب وتعاود تسوّس ف الحايك بـ الخلعة وعينيها كباروا ف الظلام وهي كتمتم بـ واحد الصوت واجف:
“ويلي.. ويلي أ كنزة! فين هو المنديل؟ يا ناري كحل العفطة.. المنديل ما كاينش ف الجيب! ويلي فين غبر؟ واش طاح مني فاش كان الشيخ كينتر فينا ف الساحة؟ ولا طاح فاش ركبونا الفرسان فوق الخيل؟ ويلي أ ختي المنديل غبر وطار ف الخلا!”
هنا.. كنزة صرطت ريقها الحار، وجمدات ف البلاصة بحال إيلا نزل عليها الرعد! طار منها البكا د الفشوش، وحست بـ واحد الغش كافر طلع ليها مع الجوف. بدأت كضرب وجها بـ يديها بجوج، وعضات ف شلايل حايك ختها بـ جُهد الهبيل ونطقت بـ واحد الغوتة مخنوقة لداخل:
“أويلي يا مّي مسعودة! مشى المنديل! طار الكنز للي فيه ريحة السلطان الشداد! وا ختي رحمة وحقّ الله العظيم حتى غانموت ليك ف هاد بيت الخزين إيلا ما رجعتيش ليا داك المنديل! كيفاش غبر؟ كيفاش طاح؟ هاداك راه ريحة العز د السلاطين، هاداك للي سلكني من رجال لحرام ! يا ناري على ليلتي الكحلة ويامي الكحلة !!
وبدأت كنزة كتخربش ف الحصاير والصوف بـ ضفارها ف الظلام بحال المكلوبة، كتقلب بـ العَمى ورحمة شادة ف راسها بـ الخلعة وتهمس ليها: “اسكتي أ المصيبة لا يسمعنا الشيخ! المنديل مشى بـ مالي امّالوا، وريحة الشداد دبا غاتجيبلنا غير مشويطة الشيخ يسلخ لنا الجلد على العضم الى ساق الخبار!
بدأت كنزة كتقمش ف وجهها بـ ضفارها حتى تغرسوا ف الجلد، وكتندب بـ النغمة د النسا الحارات ف المآتم: “وااا ريحته.. وااا مسكو وعودو ! وااا هييتو وااااصوتو وقدتوووو وتجرييدتو ! كيفاش رخيتي فيه أ لالة العاقلة؟ وا وحقّ ربي العالي حتى غانثقب هاد الحصيرة بـ راسي إيلا ما رجعش ليا داك الحرير!”
رحمة تصعقات من هاد المنظر؛ شافت ف ختها للي كتحك وتندب وتجذب وسط الصوف بحال إيلا مات ليها غازي وطارت جيهتها بـ الخلعة وقبطت ليها يديها بـ الجهد، وحطات كفها على فم كنزة تشد ليها فمها الغوات وهي كترعد بـ الخوف من الحلفان د الشيخ برا:
“سكتيييييييي سدي هاد الدلقوووش هاد المصيبة الكحلة! واش بغيتي الشيخ يرجع لينا بـ المشوّيطة يسلخ لينا ما بقى ف هاد اللحم؟ نعل الشيطان وجمعي كَرشك! المندبة دايرها على طرف د الثوب؟ على راجل ماشي ديااالك ديال ختك طاااامو طااامو هادا راه عرس ختك طامو، وإيلا سمع الشيخ هاد اللغيط د المنديل والله حتى يطير لينا الرقاب بجوج! اجمعي راسك لا نتبهدلو كثر ماليوم!”
نترات كنزة يد ختها بـ الغيظ، ودموعها نازلين سخان كيمسحوا التراب للي ف وجهها، وقالت وهي كتلهث بـ المندبة والمخاط كيسيل بـ الفشوش: “والله ما نسكت أ رحمة! المنديل مشى ومشت معاه الروح ديالي! أنا دبا وليت مبهدلة، وممسوخة، وواكلة العصا، والكنز الوحيد للي كان غايصبرني ف هاد الظلام ونكمد بيه طيرتيه فالخلاااا وحطات راسها فوق كومة د الصوف وبدأت كشهق بـ السكات وتندب بـ صباع يديها، وعويناتها المكحلين كيشوفوا ف الظلام بـ الغصة والغبينة نتراتها كنزة بـ واحد الفقصة حارة كتشعل ف الجوف، وطار منها كاع داك الوجع د المشوّيطة والضرب!
وقفت كنزة فوق الركابي ديالها وهي كتنهج بـ الغيظ، وعويناتها المكحلين خارجين بـ الجهل د الفشوش، وشافت ف ختها رحمة بـ الشك وقربات جيهتها بـ الخطوات مخرجة عينيها
“والله ما تيقت ارحمة ! وحقّ الله العظيم إيلا جوفك فيه الغدر وباغية تدي لي الكنز ديالي وتفارقي معايا هاد الصباح! أنتِ عاقلة وكتعرفي لـ التاويل، وياكما سلتّي المنديل المعطر بالمسك وخشيتيه لداخل ف البلاصة المستورة؟”
ويلاه رحمة بغات تخرج فيها عينيها بـ الصدمة والدهشة د هاد الهدرة المخرقة، حتى ناضت كنزة بـ الفقصة الطاغية، ومدات يديها بجوج بـ الزربة والجهل، وبدأت كتقلب لـ رحمة ف بزازلها لداخل وتفتش وسط الدفين والحايك المشرك، وتخشي يدها بـ التتفات ب الغلّ، وتسوّس ليها التوب جيهة الصدر بـ كُل جُهد الحرقة، وهي كتمتم كي لهبيلة “أري المنديل! هاني غانقلب هنا لداخل ونشوف واش خبيتيه تما! وحقّ ربي إيلا لقيتو عندك حتى نندب ليك وجهك ف هاد الضلمة! فين هو المنديل د الحرير أ لالة العاقلة؟ فين غبر ريحة المسك د السلطان الشداد؟”
رحمة هنا تدهشات بدأت كتدفع ف يديين كنزة بـ الغيظ والخلعة، وكتكرش لـ وراء وتجمع ف حوايجها المشركين، ونطقت بـ واحد الصوت واجف، حار ومخزون لداخل:
“ويلي.. ويلي الله يعطيك شي موصيبة حيدي يدك أ المصيبة، واش طار ليك العقل والتحشام ف مرة؟ واش هبلتي! حتى وليتي تقلبي لي ف بزازلي !! راه ماعندييييش وقريييني! وقريني ولا ندير فيك شرع يدي ونكدد ليك العضام
نترات رحمة راسها وزحفات لـ قاع الحيط بـ الحشمة والوقار والوجع، أما كنزة فاش لقات يدها رجعات ف الخاوي وما كاين لا منديل ولا حرير لداخل، طاحت فوق كوام الصوف بـ الفقصة والغبينة، وبدأت كتشهق وتعد ف صباعها بـ الغُصّة
ف الوقت للي لالة طامو كاتحجب وتوجد ف البيت د الطين، كانت الدار الكبيرة كاملة كتغلي بـ الحركة المستورة د العيالات والضراير للي كيجريوا بـ الحَس د الأصول، كولشي باغي يقاد الشان ويغطي على الروينة د السلخة للي دازت ف الصباح.
أما ف الكشينة، للي الحيوط ديالها كحلين بـ الدخان د العواد وريحة الطياب القبايلية عاطية منها لـ السهول، نايضة الطنديرة د الصّح! العيالات والخدامات شاعلين المجامر الكبار والكانون د الحطب، وملمومين على القصاع د الفخار والبرام كيطبخوا ويوجدوا العشا لالة طامو العروسة مجلّسينها العيالات ومّي مسعودة ف البيت د الطين، كيسرّحوا ليها ف شعورها بـ المشط د العاج، ويدهنوا ليها الحناني الخضراء الجديدة ف يديها ورجليها بـ التاويل، ويجهّزوها بـ كُل حشمة ووقار لـ الرواح د ليلتها المبروكة قبالة السلطان الشداد.
ف هاديك الساعات، كانت الدار الكبيرة د الشيخ الميمون غادية وتعمّر بـ البشر بحال الخلية د النحل! العيالات، والضراير، ونص د القبيلة كاع تجمعوا تما؛ الساحة د الدار والبيوت د الطين كولها غادية وتضياق بـ الزحام د النسا للي لامات حوايجها وجاية تحضر لـ هاد الشان.
أما جيهة الكوانين وف قلب الكشينة، فكانت العافية شاعلة بـ الحطب ودخان العواد كايطلع لـ السماء، والعيالات والخدامات ملمومين على القصاع الكبار د الفخار والبرام د النحاس للي كاتبقبق؛ كيجريوا ويتعاونوا بـ جُهد الحرقة، ويطبخوا ويوجدوا لـ عشا اللامة د العرس. الطناجر ك تغلي بـ اللحم الرفيع، والكسكسو والثريد د القبايل كايقادوه بـ الموزون، والدنيا كولها عامرة عندهم بـ الحس د الجلبة والطناجر والزغاريت المخزونة، كولشي واجد بـ التاويل والقواعد كيجريوا ويقادوا لـ رواح العروسة لالة طامو ف هاد لعشية!
بدأت الشمس كتهبط ورا الجبال، ورخات العشية شلايلها الصفرة والخمورية فوق الديار د الطين. الأجواء ف القبيلة بدأت كاتبّدل؛ والقباب داللامات كيزداحمو بالرجال على برا، والبندير والرقص الامازيغي وملازماه الدهشة د السيوف للي كايضربوها الفرسان ف السماء وهما راكبين على العودان، بدا كيتسمع من بعيد ف السهول كايعلم بـ الرجعة د فرسان الشداد. الدار الكبيرة د الشيخ الميمون رجعات كولها غبرة، وزحام، وريحة الطياب د عشا اللامة للي خارجة من الكشينة كاتوّج مع الريح، وكاع النسا د القبيلة ملمومين ف الساحة بـ الزغاريت لكن لداخل، ف قاع البيت د الطين، كان عالم آخر كلو ضيم وبكا وموت كحل!
كانت لالة طامو جالسة فوق السدة د اللوح، مغطية بـ الحايك د الحرير الأبيض د الرواح، ويديها ورجليها كينشفوا بـ النقش د الحناء ومهبطة راسها مكتبكي ومكضحك ، تقول مرفوعة من ديك اللامة ومضيومة ..وجهها صفر وعينيها داخلين كانت كترعد بـ واحد الجهد بحال القصبة ف قلب الواد، وعويناتها المكحلين زايغين ف الظلام د الحيط د الطين، كتشوف ف الحناء للي ف يديها وتخايلها بحال الدم فرقبتها، ريقها ناشف بحال الحطبة، وصدرها كايطلع ويهبط بـ واحد النهجة حارة ومخنوقة، ويديها للي مخشيين تحت الحرير كيتفتفو بـ الرعب، لـ درجة أن ضفارها بدأت ك تغرسهم ف لحمها بـ بلا ما تشعر، باغية غير الأرض تبلعها ولا يوصل السرج د الشداد ف هاد العشية الملعونة يروحها وهي روحها غتخرج وكتشوف فالنسا كيشطحو ويطبلو ضايرين بيها، تقدمات جيهتها مّي مسعودة بـ التاويل، وهي هازة ‘السبنية د الحرير’ باش تغطي ليها الراس قبالة الرواح، وشافت فيها وفوجهها لي بحال رجع بحال الموت الله يستر تقول مروحينها لقبرها ، نطقت مسعودةبـالحرورية د النسا:
“جمعي كرشك ونفضي هاد الخوف براكة من البهلان ،، حلي عينيك شوفي البنات كي ملهوفين المخييرة فيهم كتمنى تكون فمكانك ، شكون بحالك غتدي السلطااااان واخا كن حلمتي بيه فمنامك كن ضحكنا عليك.”
طامو ما نطقتش بـ ولا كلمة، بلعات ريقها الحار بـ الغُصّة والغبينة، وحدرات راسها وراء الحايك الأبيض للي ولى كيبان ليها بحال الكفن د الموت، ودمعة واحدة حامية سخونة نزلت من عينيها كوات ليها الحنك، وعقلها مشطون ومرعوب بـ اللحظة للي غاتقعد فيها ف ديار الشداد، والميزان د الصدق غايتحط على الحديد د السيف، وهي هازة ف ظهرها وعد ولد عمها ليها لي مابانش ليه الاثر ولا ضهر ليه خيال من الساعة لي علنو فيها زواج الشداد بطامو .
تسمعات واحد الصيحة جهورية من برا السور د الطين: “جاو الرجال! ها السروج د السلطان الشداد دبلوا ف العتبة!”
ف البلاصة، تزعزعات الدار الكبيرة. الشيخ الميمون نتر جلبابه بـ النخوة، وخرج لـ الساحة بـ الخطوات الواثقة د الشيوخ، وعينيه حاضيين البواب الكبار للي تشرعوا بـ الفرحة. دخلوا الفرسان د الشداد هازين السيوف للي كايلمعوا تحت ضو العشية الصفرة، ووراهم دخل العود الأدهم الشامخ، راكبه جلالة السلطان الشداد بـ الهمة د الملوك، والبرنس الكاحل مطروح على كتافه بـ الهيبة للي كتقطع لسان ، نزل الشداد من فوق العود بـ الخفة د فرسان الحرب، وتقدم جيهة الشيخ الميمون للي رحب بيه بـ كلام لبلاد الوازن والتاويل د القبايل: “مرحبا بـ جلالة السلطان ف ديار زناتة! الدار داركم، واللامه لامتكم، واليوم كمل العز د القبيلة بـ هاد الميثاق المبروك!”
تبادلوا التحية د الرجال بـ الوقار والصّح، وزادوا جيهة ديوان الضيافة فين الحصاير د الدوم والزرابي الامازيغية والوسايد د الصوف واجدين للناس لخيار، الجلسة فالارض همارية قبايلية ووراهم الخدم كيجريوا بـ القصاع د العشا للي عاد خرجوا كايغليو من الكشينة. والشلال دالنحاس فين يتغسلو اليدين سابقهم ، قبالة هاد المجمع المبروك، كان جلالة السلطان الشداد جالس ف صدر المكان بـ واحد الهيبة كتقطع النفس.
تربّع الشداد فوق الزرابي الأمازيغية المنسوجة بـ الصوف الغليظ د بلاد زناتة؛ زرابي حمرا وكحلة مرشوشة بـ ‘الرشمات د القبيلة’ للي خدموها العيالات بـ الخيط د اليد على ضو الشمع. كان مربع رجليه بـ واحد الجلسة ثقيلة ورزينة، ظهرها مقاد بحال السارية د المسجد، وكتافه عراضين ومطروح عليهم داك البرنس الكاحل د الوبر الرفيع للي كايجر وراه العز د السلاطين والمُلك.
كان حاط يده اليمينية، بـ الصباع الطوال للي فيهم الأثر د اللجام وقبضة الحديد، فوق ركبته بـ الثقة د اللي كايملك الأرض وما فيها. وجهه الأسمر، للي لوحاته الشمش د السفر والحرب، كان كايقطر بـ النخوة؛ لحيته الكاحلة مقادة ومحددة بـ التاويل، وعينيه الصقريين كايلمعوا بـ الحكمة والوقار وهو كايشوف ف السادات د زناتة الملمومين داير بيه.
الجلسة ديالو ف قاع الأرض كانت فيها الصلابة والأنفة د ملوك الزمان للي كايعرفوا قدر القبايل وأسياد البلاد. كان جالس مربع ودقنه عالي، وبنظرة واحدة منه كايسكت الديوان كلو؛ هيبة مخلطة بـ ريحة المسك والعود القاطر للي ف تيابه، وكتفوح وتتخلط بـ النسمة د الطين الجديد د الحيوط وبخور الجاوي للي طالع من المجامر د الفخار ف الجناب.
قبالته، كان الشيخ الميمون كايتكلم بـ الأدب والوقار د الشيوخ، والشداد كايسمع ليه بـ النباهة ويحرك راسه بـ الثقل، كأن كُل حركة منه هي ميثاق وحقّ ما ينزلوش للأرض…
حنحن الشيخ الميمون، وقاد حزامه، وشاف ف السلطان الشداد بـ كُل أدب ونخوة د الشيوخ، ونطق بـ كلامه للي كايوزن القبيلة:
“مرحبا بـ السرج العالي والجاه المبروك للي نوّر ديار الطين د زناتة. وحقّ العهد يا جلالة السلطان، إيلا قدومكم علينا الليلة هو العز والركيزة للي غاتثبت هاد السهول ف وجه الطاغية د برغواطة. حنا أسياد زناتة، عاهدناكم باللي نكونوا السيف للي ف يدكم، والدرع للي يحمي الظهر. واليوم، بـ هاد اللامة والميثاق د الرواح د بنتنا تخلط الدم بـ الدم، ورسا ميزان النخوة ف القاع!”
تبسم السلطان الشداد واحد التبسمة رقيقة د الملوك، وحرك راسه بـ الثقل، ونطق بـ واحد الصوت جهوري فصيح كايزلزل الحيوط د الطين:
“أكْرِمْ بـ زناتة وأسيادِها الأشاوس! وحقّ مَن رفعَ السماءَ بلا عَمَد، ما جِئنا ديارَكم خُطّاباً حنحن الشيخ الميمون، وقاد حزامه، وشاف ف السلطان الشداد بـ كُل أدب ونخوة د الشيوخ، ونطق بـ كلامه للي كايوزن القبيلة:
“مرحبا بـ السرج العالي والجاه المبروك للي نوّر ديار الطين د زناتة. وحقّ العهد يا جلالة السلطان، إيلا قدومكم علينا الليلة هو العز والركيزة للي غاتثبت هاد السهول ف وجه الطاغية د برغواطة. حنا أسياد زناتة، عاهدناكم باللي نكونوا السيف للي ف يدكم، والدرع للي يحمي الظهر. واليوم، بـ هاد اللامة والميثاق د الرواح د بنتنا تخلط الدم بـ الدم، ورسا ميزان النخوة ف القاع!”
تبسم السلطان الشداد واحد التبسيمة رقيقة د الملوك، وحرك راسه بـ الثقل، ونطق بـ واحد الصوت جهوري فصيح كايزلزل الحيوط د الطين:
“أُكرم بـ زناتة وأسيادِها الاخيار!، ما جِئنا ديارَكم خُطّاباً إلّا رغبةً ف مُصاهرةِ رجالٍ تَشهدُ لهم السهولُ بـ المَضاءِ والصلابة. إنَّ بأسَكم ف الميادين هو ركيزتُنا ف دحرِ البُغاةِ والمارقين. الليلةَ، نَعقدُ معكم ميثاقاً غليظاً؛ دمُنا دمُكم، وسيفُنا دونَ سيفِكم، ولن ينالَ الغَدرُ من أطرافِ هادِهِ القبيلةِ الأبيّةِ ما دامَ ف عُروقِنا نَبضٌ من كبرياء.”
هنا، تكلم واحد من أسياد القبيلة، الشيخ عمرو الزناتي، راجل شيباني وجهه مخبش بـ السنين، وقعد الجلسة ونطق بـ اللسان التراثي القديم:
“الله ينصر الشان ديالك أ جلالة السلطان! كلامك ملقم بالذهب وكايبري ف الخاطر. وحقّ ربي العالي إيلا السادات د زناتة الليلة طارت منهم الشطنة وفرحوا بـ هاد المجمع. الدار الكبيرة عمرات، والكشينة شاعلة بالكانون وعشا اللامة واجد بـ التاويل! غير هو، الحاجة للي بغينا جلالتكم تديروا ليها البال، راه الغدر د برغواطة بحال الحية تحت التبن؛ كايتسايروا ف الخلا وكيحسبوا الخطوات. بغينا السلك د الحديد يكون حامي والعيون حاضية السروج الليلة!”
تخلط الدم بـ الدم، ورسا ميزان النخوة ف القاع!”
تبسم السلطان الشداد واحد التبسمة رقيقة د الملوك، وحرك راسه بـ الثقل، ونطق بـ واحد الصوت جهوري فصيح كايزلزل الحيوط د الطين:
“أكْرِمْ بـ زناتة وأسيادِها الأشاوس! وحقّ مَن رفعَ السماءَ بلا عَمَد، ما جِئنا ديارَكم خُطّاباً لـ لالة طامو إلّا رغبةً ف مُصاهرةِ رجالٍ تَشهدُ لهم السهولُ بـ المَضاءِ والصلابة. إنَّ بأسَكم ف الميادين هو ركيزتُنا ف دحرِ البُغاةِ والمُارقين. الليلةَ، نَعقدُ معكم ميثاقاً غليظاً؛ دمُنا دمُكم، وسيفُنا دونَ سيفِكم، ولن ينالَ الغَدرُ من أطرافِ هادِهِ القبيلةِ الأبيّةِ ما دامَ ف عُروقِنا نَبضٌ من كبرياء.”
هنا، تكلم واحد من أسياد القبيلة، الشيخ عمرو الزناتي، راجل شيباني وجهه مخبش بـ السنين، وقعد الجلسة ونطق بـ اللسان التراثي القديم:
“الله ينصر الشان ديالك أ جلالة السلطان! كلامك ملقم بالذهب وكايبري ف الخاطر. وحقّ ربي العالي إيلا السادات د زناتة الليلة طارت منهم الشطنة وفرحوا بـ هاد المجمع. الدار الكبيرة عِمرت بالبشر، والكشينة راه شاعلة بالكانون وعشا اللامة واجد بـ التاويل! غير هو، الحاجة للي بغينا جلالتكم تديروا ليها البال، راه الغدر د برغواطة بحال الحية تحت التبن؛ كايتسايروا ف الخلا وكيحسبوا الخطوات. بغينا السلك د الحديد يكون حامي والعيون حاضية السروج الليلة!”
رجع الشيخ الميمون وهز كاس أتاي بـ يديه، وقال بـ لسان القبيلة الموزون:
“هادا هو الوجع د الصدق للي كايبرد الجوف أ جلالة السلطان الشداد! الله يعلي مقامك ويكثر فرسانك. شربوا أتاكم بـ الراحة والشان، وها العيالات د القبيلة برا والضراير كيقادوا لـ رواح العروسة بالزغاريت المستورة. الليلة ليلتكم، والقبيلة كولها رهن الإشارة د السرج الملوكي”
تحطو الكصاعي ديال الطعام ، لاكن قبل ما يمد يدو ويقيس النعمة دار واحد النظرة حادة لـ الحارس الشخصي ديالو، للي كان واقف وراء ظهره بحال السارية د الحديد ويده على مقبض السيف.
ف البلاصة، فهم الحارس الإشارة بـ النباهة د العِشرة. تقدم خطوة لـ القدام بـ الوقار، وجبد من حزام البرنس ديالو واحد ‘المشواط د الفضة الصافية’ (خنجر صغير ورقيق د الفضة كيقيسوا بيه الماكلة د السلاطين لا تكون مسقية بـ غدر السموم)، وقبل من هادشي كامل، تقدم الشيخ الميمون بـ نفسه، وهز بـ يده بضعة د اللحم من قصعة السلطان، وكلها قبالته بـ النية والجهر باش يبرد الشك د الملوك، وقال بـ لسان القبيلة الموزون:
“كول بـ الراحة والشان أ جلالة السلطان، وحقّ عهد الله إيلا الماكلة مسقية بـ رِضا السادات والصفاء د الجوف، ويدين العيالات ف الكشينة ما قاسوها إلّا بـ الطهارة”
الشداد تبسم تبسمة د الخبث والسياسة للي كتحير العقول، وهز اللقمة بـ صباعه بـ كُل وقار ونخوة، ونطق بـ الفصحى الثقيلة:
“بارك اللهُ ف زادِكم أبا الميمون. نحنُ لا نَشُكّ ف كَرمِ زناتة، ولكنَّ الملوكُ يا أسيادَ القبيلةِ تَمشي والذرعُ مَشدود، والقمةُ لا تُؤكلُ إلّا بـ عَيْنٍ حارسة. حَذَرُنا هو حِصنُنا وحِصنُكم، ومَن نامَ على أمانِ السّهولِ، أيقظَهُ نَصْلُ الغَدرِ ف الظلام.”
وشرب كاس أتاي بـ القرنفل بـ الثقل والمهل، وعينيه مزالين كيدوروا بين الحيوط د الطين، كأنه كيقرا الشك للي مخبي فعامة الرجال.
غير وصل الحس د ‘أمين.. يا ربي تبت الميثاق’ بـ الصوت الموزون د الطلبة من جيهة القبة ، حتى ساد الصمت لـ ثانية واحدة ف قلب الدار الكبيرة… وف دقة واحدة،طرطقو الزغاريت الحارة من فم الزاهية ومسعودة وتبعوها العيالات بالزغاريت ملقمة، ونازلة من قاع الجوف، بحال السهم للي كايعلم القبيلة بلي لالة طامو صبحات على ذمة السلطان الشداد!
ف البلاصة، تخلطت معاها الزغاريت د الضراير، ونوعام د النسا للي ملمومين ف الساحة د الدار. ناضت الهيلالة بداو كايضربوا بـ الأكفان، والزغاريت الأمازيغية القحة (الصَّرات) بدأت كاتعلو وتعاود وتخرج من السور د الطين وتطير ف السما د العشية.
خرجت للالة الزاهية لـ الساحة وهي كاتبكي بـ الفرحة، وسوّسات شلايل حايكها، وبدأت كاتلوح الورد البلدي المدقوق وماء الزهر المقشر فوق الروس د النسا والضراير للي ملمومين داير بيها. النسا بداو كايتمايلوا بـ النخوة، ويغنيوا بـ الموال التراثي القديم د الرواح:
“آ يافول أيا مْبارك مسعود..
أما ف قلب الكشينة، فالعيالات للي واقفين على الكوانين والبرام د عشا اللامة، غير سمعوا الفاتحة والزغاريت، حتى هما سرحو زغاريتهم وسط دخان العواد بـ جُهد النشاط، وبداو كايسربيو الكسكسو والثريد ف القصاع بـ الخفّة د الزربة، كولشي باغي يحط العشا لـ الرجال ف الحين من بعد ما تبت الميثاق. ولداخل ف البيت د الطين المستور… وسط هاد الزغاريت للي كتثقب الودنين والتهاليل د الطلبة، كانت لالة طامو قاعدة بحال الصّنم، وجهها تحت الحايك الأبيض غارق ف واحد العرَق بارد بحال الثلج. هاد الزغاريت للي كاتفرح النسا، كانت نازلة على قلبها بحال الدق د المطارق؛ كُل زغروتة كاتعلمها بلي الوقت مابقاش،وبلي الوعد الكافر صفا قبالة المحك، والرواح دبا مبقى ليه غير خطوات قليلة وتخرج من عتبة باها…
وسط داك الغمّ والكحولية د بيت الخزين، كان الحس د الصَّرات الأمازيغي والزغاريت للي شاعلة ف الساحة كايثقب الحيوط د الطين ويدخل ليهم بحال الما الحامي ف ليعام. كُل نغمة د الفرحة كانت كاتزيد تشعل العافية ف قلب كنزة.
وقفت كنزة بـ الزربة، وعينيها زاغوا بـ الغيرة والفقصة، وشافت ف ختها رحمة للي كانت مكمشة ف قنت الحيط كتأوه من السلخة د الصباح. طارت ليها الركيزة ف مرة، وتقدمات جيهتها بـ الخطوات الزربانة المجهولة، وهزات صبعها ف وجه ختها وبدأت كيتفتف لسانها بـ القهر والغل:
“كولشي بـ السبايب ديالك أ رحمة! كولشي بـ سباب هاد السعد الكحل للي جبتي ليا! هادشي لي بغيتي؟؟ هاهما قراو الفاتحة ماحضرنا للامة ما شفنا السلطان ما شطحنا ماغنينا”
رحمة، للي كانت كتموت بـ الحريق د لحمها وما عندها يد ف هاد الروينة كاملة، غير سمعت هاد التهمة الباطلة والظلم د ختها، حتى طلع ليها الدم لـ الراس وعين حمارت وقفت بـ جُهد الفقصة، ونفضت شلايل حوايجها المشركين، وقربات من كنزة بـ واحد الحرارة كتغلي ف الصدر ونبحت فيها بـ لسان القبيلة القاصح:
“مسخوط الواليدين لي يطيح معاك فالبير ، واش عماكِ الغل والجهل ف مرة؟ أنا للي خرجتكِ؟ أنا للي مشيت نجري ورا المنديل والمسك؟ راه الفشوش ديالكِ وعقلكِ الخفيف هو للي رماكِ ف هاد الحفرة! لحمي مزال كايشعل بـ العافية د السلخة بـ سباب خلا داركِ، ومقعداني هنا نطلب السير والفكاك بـ السلامة، ونِتِ مزالة شادة ف السروج والشداد وكاتقلي فيّا السم؟ وحقّ ربي العالي الى خصك ترابي من جديد “
هزات رحمة بلغتها من الارض وشدات كنزة بقات عليها هاك بالاك وكنزة كتجرها من الشعر وناضو كيتناتفو والضرب، والغط المكتوم وسط الصوف القديم.
خرجات مشمرة على كتافها من بيت العروسة، وهزات يديها بـ الصَّرات الأمازيغي القح للي زلزل الساحة د الدار الكبيرة، وتبعاتها للالة الزاهية وهي كاتبكي بكا الفرحة والدموع شلال على حنكها. وراهم تشرع الباب د اللوح، وخرجت لالة طامو محجوبة بـ الحايك د الحرير الأبيض الرفيع، وجهها مستور بالكامل بـ السبنية د المسك، وخطواتها ثقيلة ورزينة بـ الحشمة والوقار د العرايس ، خارج الدار كانت الخيول واجدة والشداد قدام الشيخ واقف بكل هيبته والشيخ رافع راسو بالنخوة والفخر كيشوف فبنتو خاوجة مع الباب ومعاها النسا بالحايك ملتمات كيزغرتو ، وقفو العروسة قدام باها وراسها مغطي ..مد ليها يدو باستها باحترام وقال الشيخ كيشوف فيها ويرتب على كتفها
“الله يرضي عليك أ بنتي طامو.. الله يجعل قدمك خضراء ف ديار الشداد، ويعلي شانك مشيتِ بـ الرضى د البا وبـ الرضى د السادات، وخرجتِ من هاد العتبة د الطين بالشان والهمة، الله يثبت سعدك ف القاع.”
ردت مسعودة من وراها وهي كتمسح عينيها بـ شلايل الحايك: “آمين يا ربي العالي! الله ينزل السر والقبول، ها بنتنا خرجت بـ النخوة والرضى، وسعدها الليلة ف السماء!”
ف هاديك اللحظة، تقدم جلالة السلطان الشداد بـ الهيبة والبرنس الكاحل د المُلك، ووراهم الفرسان شادين اللجام د واحد العود أبيض شامخ، مسرج بـ الموزون والمخمل الأحمر المطروز بـ الصقلي الرفيع قبالة العروسة. وقف الشداد ف كمال النخوة، ونطق بـ الفصحى الثقيلة الموزونة:
“لِتَقرَّ عيْنُكَ أبا الميمون، فـ لالة طامو ما خَرجتْ من عِزٍّ إلّا لـ تَدخُلَ عِزّاً أكبَر، وستكونُ ف ديارِنا مُصانةً مَهابةً كـ السَّيفِ ف جِفْنِهِ. خُيولُنا تَحْمِلُ شَرَفَكم، وسُيوفُنا حَارسةٌ لـ هَذا المِيثاقِ الغَلِيظ.”
تقدم الشيخ الميمون بـ يديه بجوج، وعاون بنته طامو بـ التاويل حتى ركبات فوق السرج د العود الأبيض، وجلست فوقه بـ الوقار والحايك الأبيض مطروح داير بيها بحال الغمامة. غير ركبات وشدت اللجام بـ يديها للي فيهم الحناء حتى ناض الصَّرات والزغاريت من كُل قنت ف الدار والكشينة؛ العيالات بداو كايسوسوا الورد والزهر، والفرسان برا ف السهول ضربوا السيوف ف السماء بـ النخوة، وتحرك السرج الملوكي ف ضو ليل القبيلة قاصد قصبة السلطان.
وفي دقة واحدة، تقدم خو لالة طامو، الشاب الفارس للي كايقطر بـ النخوة د والده، وقاد حزامه، وقفز بـ الخفة د فرسان الحرب ورا خته طامو فوق السرج د العود الأبيض. جمع شلايل حايكها الأبيض بـ يديه، وشد اللجام معها بـ اليد الأخرى، باش يكون ليها الظهر والسند للي يثبتها ف هاد الخرجة، ويحمي الركوبة ديالها طوال الطريق ف الخلا حتى لـ عتبة القصبة.
ناوضوا الفرسان الخيل ف الساحة، وتسمع الحس د الحوافر للي كايضربوا الأرض بـ النخوة. ركب الشيخ الميمون فوق عوده الأشقر، ونفض جلابه الأبيض فوق السرج بـ الهمّة د الشيوخ، وداروا بيه السادات وأسياد زناتة كولهم راكبين، مطوقين العود الأبيض د لالة طامو بـ السيوف والمناكب الشامخة.
تقدمات السعدية فملحفتها فوق الدفينة فوق العودة المسرجة بـ التاويل حازمة حزامها، وعينيها حاضيين كولشي، حيت عارفة باللي رقبتها ورقبة القبيلة كولها معلقة بـ هاد الرواح، ولازم تحرس الصغيرة والكبيرة وتكون اللسان واليد للي غاتثبت الغرس ف قصر الشداد حتى تتم الدخلة على حقها وطريقها.
أما ف قلب الدار، فكانت للالة الزاهية جالسة وسط النسا، حايكها مكمش بين يديها ودموعها كايقطروا بـ السكات د الفراق. الخرجة الأولى د بنتها وبكرها جاتها قاصحة على الجوف، وطيرت ليها الركيزة؛ ما قدرتش تخرج تشوف الحوافر وهي كاتبّاعد وسط الخلا، بركت وسط الدار والصَّرات برا كايعلو، والنسا شادين فيها ويصبروا ف كبدتها المحروقة.
تحرك الموكب الملوكي ف كمال الهيبة؛ السلطان الشداد بـ البرنس الكاحل ف المقدمة قاصد القصبة، ووراه الشيخ الميمون والجماعة د زناتة ماليين السهول بـ النخوة د الخيل والحديد للي كايلمع تحت ضو القمر. طامو وسطهم فوق العود الأبيض، مستورة بالكامل ومشا الموكب الملوكي ف كمال الهيبة؛ السلطان الشداد بـ البرنس الكاحل ف المقدمة قاصد القصبة، ووراه الشيخ الميمون والجماعة د زناتة ماليين السهول بـ النخوة د الخيل كان العهد بين الرجال وازن؛ ما يرجع الشيخ الميمون وسادات زناتة لـ ديارهم حتى يشوفوا النصر بـ عينيهم، وتم الدخلة للي هي المحك الحقيقي د العِرض واللي غاتخليهم يرجعوا لـ السهول هازين الراس، وفوقهم العز، والشان، والمرشان قبالة كاع لبلاد بالعرف والتقاليد .
انطلق الموكب بحال السهم ف قلب الليل، وحوافر الخيل بدأت كاتضرب الأرض بـ الجهد، والغبرة طالعة وراهم كتعانق ضو القمر. طامو مزيرة ف السرج، وخوها وراها ساندها بـ كُل مروءة ونخوة، والشيخ الميمون وسادات زناتة مسايرين السرج الملوكي بـ الهمة د الأسياد.
غير بانت الأسوار العالية الشامخة د شالة من البعيد وسط الضلام، حتى بدأت تبان الشعلات د العافية منورة الفوق د الحصن. وف دقة واحدة، خرجو الفرسان القصبة راكبين على الخيل الكاحلة، وتقابلوا مع الموكب بـ واحد الجلال كايخطف العين؛ هزوا السيوف المطروقة ف السماء حتى بدأت كاتلمع تحت ضو القمر والشعلات،بترحيب الملوكي الوازن بـ السرج د العروسة والنسابة الأحرار.
نزل السلطان الشداد ف العتبة بـ الخفة د الفرسان للي شابوا وسط السروج. هاد الراجل للي دوز جزء من عمره ف قهر الصّحرا، وبين خيام القبايل الحامية، كايعرف الأصول والعادات بحال إيلا هو للي كاتبها؛ ما حتاج حد يوريه ولا ينطق قبالته بـ كلمة. شاف ف الشيخ الميمون وخو العروسة بـ واحد النظرة د الوقار والتقدير الرفيع، وعطى الإشارة بـ يده لـ الفرسان باش يستقبلوا أسياد زناتة بـ كمال الشان والمرشان ف ديوان الضيافة الملوكي.
ف هاديك اللحظة، حط خو طامو خته للأرض بـ التاويل والستر، وتقدمات مسعودة بـ الحزام المحزوم والركازة د النسا الكبار، وقبطات يد العروسة للي كانت كترعد مشات معاها خطوة بـ خطوة، دوزتها وسط الساحات دالقصبة وبخور العود القاطر، حتى دخلتها لـ خلوتها المستورة؛ بيت الرواح الرفيع للي مفروش بـ الحرير، والشموع د العسل شاعلة ف الجناب كاتهاود مع الضلام.
قعدات مسعودة العروسة فوق السدة د الثوب المطروز، وحنات جيهتها، وهزات السبنية د المسك على وجه طامو بـ المهل، وشافت ف عويناتها الزايغين بـ الرعب، ونطقت بـ هاداك الصوت الدافي الحنين د العِشرة والأصول:
“جمعي راسك أ لالة طامو ونفضي هاد القفقافة من الصدر! هادا راه المحك د النسا، واللبلاد كولها الليلة معلقة بـ هاد الدخلة ، كوني صبارة، رزينة، وثقيلة بحال السارية د الذهب ف ديار السلطان. ما تخليش الشك يدخل لـ هاد السرج العالي، وكوني لـ الشداد الأرض للي يتمشى عليها والنخوة للي يحطها فوق الراس. أنا هاهنا برا الباب حاضية الكبيرة والصغيرة ومكابلة الغرس حتى يتم الميزان بـ الستر والعز، ودعاوي لالة الزاهية وراكِ تمنعكِ من كُل غدر!”
حطت يدها فوق راس طامو بـ الرضى، وخرجت بـ السكات وبـ التاويل، وسدّات الباب د اللوح الغليظ وراها، وخلات العروسة بوحدها ف قلب الخلوة قبالة المكتوب ف الوقت للي برا السيوف مزالة مهزوزة والليل عاد بدا كايطبخ غدره وصفاه…
وسط الخلوة المستورة د شالة، كانت لالة طامو قاعدة فوق السدة د الحرير، الحس د رعاد جوفها كايتسمع مع دقات قلبها المخلوعة الشموع د العسل بدأت كتاكل ف عمرها وتلوح الضو الصفر على الحيوط، وبخور العود القاطر كايثقل النفس لداخل.
وف دقة واحدة، تسمع الحس د الخطوات الثقيلة برا… خطوات وازنة د رجلين كايعرفوا فين كايتحطوا. تدفع الباب د اللوح الغليظ بـ المهل وب بساطة الملوك للي ما كيحتاجوش يجهروا بـ راسهم.
دخل السلطان الشداد بـ كُل كبرياء وأنفة. البرنس الكاحل د الوبر مزال مطروح على كتافه الشامخة، وسيفه ذا النصل الحديدي معلق ف حزامه بـ الوقار د فرسان الصّحرا. ما شافش ف طامو بـ الزربة ولا بـ الشوفة د اللهفة ، الملوك كيدخلوا بحال الصقور كتقرا المكان والقلوب قبل ما تقرا الوجوه.
مشى بـ الثقل، حيد برنسه الكاحل وحطه فوق واحد الكرسي د اللوح المنقوش بـ التاويل، وجلس ف قاع الأرض فوق واحد الزربية ملقمة، مربع رجليه بـ نفس النخوة والتربع الرزين للي جلس بيها قبالة الشيخ الميمون ف الساحة. هادي هي المعاملة د الملوك الأحرار؛ كايعطيوا لـ الخلوة وقارها ولـ البنت شانها، بالثقل والرزانة للي كتخلي الهيبة تسبق الكلام.
هز عينيه الصقريين الحاميين، وشاف ف طامو للي كانت مستورة وكتوجع بـ الخلعة تحت الحايك الأبيض، ونطق بـ صوته الجهوري الفصيح للي كلو حكمة وأنفة ملوكية:
“لِتَقرَّ عيْنُكِ يا ابنةَ زناتة.. وقومي من مَقامِ الخَوْفِ، فـ ديارُ الشدادِ لا يَدخُلُها إلّا مَن عَلا شانُهُ، ولستِ الليلةَ جاريةً ف قصرٍ، بل أنتِ حُرّةٌ مَصونةٌ وِفقَ مِيثاقِ الرجالِ الغَلِيظ. إنَّ خُيولَنا التي حَمَلتْ عِزَّ أباكِ الشيخ الميمون، لا تَحْمِلُ إلّا ما يَصُونُ المُرُوءةَ والكِبرياء.”
وقف بـ المهل، وتقدم جيهتها بـ الخطوات الرزينة، ومد يده اليمينية للي فيها الأثر د الحديد واللجام، وبـ صباعه الطوال قبط الطرف د السبنية د الحرير الأبيض الرفيع، وهزها على وجهها بـ كُل تاويل وأصول، باش يكتشف السحنة د العروسة بـ الشان والمرشان…
وفي هاديك اللحظة، فاش تشرع وجه طامو للي كايقطر بـ العرَق البارد والخلعة تلاقات عينيها بـ عينين الشداد للي كايقراو ليعام ومكايد السياسة؛ شوفة واحدة منه كفيلة تحيّر العقل،وكلشي دبا صفا قبالة الجمرة للي ما ترحمش…
رجع خطوة لـ الوراء بـ الوقار د الملوك، وتبسم ديك التبسمة الدافية للي كتنزل الأمان ف القلوب.
مشى جيهة المائدة د الفضة للي محطوطة ف القنت د الخلوة، وهز بـ يديه بجوج كاس د الما د الزهر المقشر والمبرد، وتقدم جيهتها بـ الخطوات الرزينة، ومد ليها الكاس بـ يديه بـ نفسه بـ كُل حشمة ونخوة، ونطق بـ الفصحى الملقمة الوازنة:
“اشْرَبي يا ابنةَ الأكرمين، لِيطْفَأَ هَذا الرَّوعُ ف صَدرِكِ. ما جِئنا لـ نَسْلُبَكِ طُمأنينةَ نَفْسِكِ، بل جِئنا لـ نَزيدَكِ عِزّاً فوقَ عِزِّكِ.
هاد الكلمة الوازنة والملاطفة د الملوك نزلت على طامو بحال الدوا، وخا جوفها مزال كايغلي. خلاها جالسة كترد النفس ومشا اتجه للقبلة ووقف على السجادة كبر وبدا الصلاة ، فديك الوقت لي هوا كيصلي بدات طامو كتشوف فيه من راسو لقدامو بعيون تايهة .. شكون لي تقدر ترفض هاد السلطان .ماهوا شايب ولا عايب، هوا جامع جميع الصفات من الطيبوبة للشراسة وكلها يختار اش بغا يشوف منو . بقات فصمت سارحة بعينيها كدقق فجميع تفاصيله وغمضات عينيها لولهة حتى حسات بيه سكت ،وخلات عينيها لقاتو كيسلم ، بدا بالدعاء من بعد ناض وتقدم بـ الخطوات الرزينة للي كايوزنوا البلاط. قرب جيهة السدة د الحرير فين قاعدة، وجبد من حزام القفطان الملوكي ديالو واحد ‘المنديل الأبيض الصافي’ د الحرير الرفيع، للي كايقطر بـ ريحة العود والمسك القاطر.
بـ كُل ثقل ونخوة، مد يده وحط داك المنديل الأبيض بـ المهل ف الجنب ديالها قبالة عينيها، بلا ما ينطق بـ كُل ملوكية. هاديك الحطة د المنديل كانت هي الرسالة والعهد الواقف بيناتهم؛ المنديل للي كايتسناوه الرجال برا ف الديوان،ومسعودة ورا الباب
غير شافت طامو المنديل الأبيض محطوط حداها، حتى دارت ليها الدوخة ف الراس، وبدأ العرَق البارد كايسيل ويقطر على حنكها بحال الشتاء. جوفها شعلت فيه العافية الكافرة، وحست بلي النفس تقطعت ليها؛ تقول شافت كفنها.
الشداد، بـ النباهة والصّيد د عيونه الصقرية، ما غابتش عليه هاد الرعدة وهاد العرَق للي غرق وجه العروسة. تلاوت ملامحه بـ كُل سياسة وأنفة، وقرب منها خطوة أخرى بـ الثقل، ومد يده اليمينية الغليظة للي دوزت عمرها ف حديد الحروب، وقرب منها بـ لمسة واحدة رزينة وموزونة؛ حط صباعه بـ المهل فوق كتافها المحجوبة بـ الحايك… لمسة خفيفة ولكن فيها الثقل د الجبال، كأنه كايتحسس هاد الرعب الكافر للي كايقرقب ف عظام ابنة زناتة.
نطق ف هاديك اللحظة بـ واحد الصوت دافي خافت، فصيح وتراثي كايقطر بـ المكر والحكمة:
“مَا بَالُ هَذَا الرَّعْدِ يَسْكُنُ جَسَدَكِ يا ابنةَ الميمون؟ ومَا بَالُ العَرَقِ يَسِيلُ كـ مَطَرِ الخَرِيفِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقِيَ السَّيْفُ بـ جِفْنِهِ؟(شاف بعينو جهة المنديل) المَنادِيلَ البَيْضَاءَ يا طامو لا تُخِيفُ إلّا مَنْ حَمَلَ ف جَوْفِهِ هَمّاً يَزِنُ السَّمَاوَات، فـ أَقْبِلِي بـ صِدْقِكِ.
بقى الصمت كايقطع النفس ف قلب الخلوة، ومكاين غير الشموع د العسل كاتهاود وتلوح خيالهم فوق الحيوط د الطين. طامو صبحات بحال الصنم؛ عاقدة لسانها، ما نطقت بـ كلمة ولا خرجات من فمها حرف ، غير العرَق البارد للي كايسيل على جبهتها ويدين كايترعدوا قبالة داك المنديل الأبيض المحطوط.
أما السلطان الشداد، فبقى واقف ف مقامه، عينيه الصقريين ما زغلوش على وجهها المحموم. بقى كايشوف فيها بـ واحد الشوفة حادة وثقيلة، شوفة كتقرا المخبي وتفك الرموز د السكات بلا ما يحتاج لـ الجهر. هاد السكات ديالها كان عنده جواب كافٍ، والشداد قاري وعارف بلي وراء كُل صمت عظيم كاين سر كبر منه.
تنفس بـ المهل، وتلاوت ملامح وجهه بـ النخوة والسياسة د الملوك، وبدأ كيقرب منها بـ الشوية بـ الشوية، بـ الخطوات للي ما عندها حس فوق الزربي. اللمسة ديالو للي كانت فوق كتافها تحولات لـ واحد الجهد رزين وموزون، هبط بـ الثقل ديالو جيهتها، وبـ كُل وقار ملوكي، وبـ حركة وازنة ما فيها لا زربة ولا عنف، بدا كيتكيها بـ المهل فوق الفراش د الحرير الرفيع.
طامو بدأت كتهاوى وكتدفن ف قلب الفراش، وعينيها للي غارقين ف دموع الخلعة طالعين جيهة السقف د العواد
برا الخلوة، ف داك الممر الطويل للي مبني بـ السواري د الرخام والحجر الشامخ د شالة، كان الصمت ثقيل والشموع المعلقة ف الحيط كترعد بـ البرد د الليل.
كانت مشعودة برا الخلوة، ف داك الممر الطويل للي مبني بـ السواري د الرخام والحجر الشامخ د شالة، كان الصمت ثقيل والشموع المعلقة ف الحيط كترعد بـ البرد د الليل. واقفة قبالة باب اللوح الغليظ، محزومة بـ حزامها، جامعة يديها لـ صدرها وعينيها مسمرين ف الأرض كتحسب الأنفاس، وخا لداخلها كايغلي
تسمع الحس د البلاغي والخطوات الزربانة المجهولة؛ خرج الشيخ الميمون من ديوان الضيافة، وخلى وراه السادات د زناتة كايتسناوا. تقدم جيهة مسعودة، ووجهه مخطوف ولحيته البيضاء كترعد بـ القلق. قرب منها وهبط راسه ونطق بـ واحد الصوت مخنوق ومبحوح كلو توتر:
“أش كاين أ مسعودة؟ قولي ليّ وحقّ السادات واش بان شي خبار؟ واش ثبت الغرس؟ الوقت فات وهاد السكات طال بـ المزايد، والرجال ف الديوان عيونهم على الباب كايتسناو العلامة د العز!”
شافت فيه مسعودة بـ واحد الشوفة ركينة د التاويل، وحركت يديها بـ المهل باش تبرد ليه الجوف، ونطقت بـ صوت خافت وموزون:
“غير ارتاح وتهدن أ الشيخ الميمون، باقي الحال الله يثبت سعدك. الملوك راه عاداتهم بوحدها وثقيلة اصبر وتسنوا شوية، راه كُل حاجة كاتم بـ الستر والأصول، والعز غايخرج ف وقته بـ المقاد.”
رجع الشيخ الميمون لـ الديوان، دازت نصف ساعة بحال الدهر، والعواد د الشموع دابوا وقربوا لـ القاع. طار ليه الصبر ف مرة، وطلع ليه الدم لـ الراس. رجع خرج بـ الزربة كايجر رجليه
وسط الخلوة المستورة د شالة، فاش كمل الميزان د الليلة وحطت المقادير كول حاجة ف مكانها، جمد كولشي ف قلب الفراش د الحرير الرفيع.
ناوض السلطان الشداد بـ واحد الثقل كايخلع النفس؛ وقف ف كمال الطول ديالو بـ المهل، بلباسو وكتافو العراض ، الشامخة بحال خيال الموت. دار جيهة لالة طامو بـ واحد الشوفة صقرية جامدة، خالية من كول نسمة د الرحمة، شوفة جمدات الما ف الركاب د ابنة زناتة للي انكمشات ف قاع الفراش وهي كاتبّاعد وتغرق ف دموع الخوف والرعب الكافر.
مشى بـ الخطوات الرزينة للي ما عندها حس فوق الزربي، قاصد المائدة د الفضة فين حط ف الأول العلامة د العهد. مد يده الغليظة، وهز ‘المنديل الأبيض الصافي’ بـ المهل… داك المنديل للي بقى كايلمع بـ البياض الجاف والمحوم، بلا ما تظهر فيه القطرة د النصر، ولا النغمة د العز للي كايتسناوها الرجال برا. طواه بـين صباعه ، بـ كُل تاويل وبرود، وخشاه ف حزامه بـ السكات كأنه كايدفن فيه العِرض د القبيلة كولها.
قرب جيهة السرير فين غارقة طامو، وهبط جيهتها بـ نصف دقة، ونطق بـ واحد الصوت خافت، مبحوح، وقاصح بحال حديد السيف ف قاع الليل، بـ لسان الفصحى الموزونة د السلاطين للي كايقهروا العدا بـ السياسة قبالة السلاح:
“أَبِهَذَا الزَّيْفِ جِئْتِ لِتَبْنِي مَعِي مِيثَاقاً غَلِيظاً يَا ابْنَةَ زَنَاتَة؟ ظَنَنْتِ أَنَّ الشَّدَادَ الَّذِي قَهَرَ رِمَالَ الصَّحْرَاءِ وَمَكَايدَ المُلُوكِ، تُعْمَى عَيْنَاهُ بـ لَمْسَةِ حَرِيرٍ أَوْ سُبْنِيَّةِ مُسْك؟ وَاللهِ مَا نِلْتِ مُلْكاً، بَلْ جَلَبْتِ لِأَهْلِكِ صَغَاراً يَزِنُ الجِبَال.
السرج لبلادها، والمنديل الأبيض هو الورقة د البيعة للي كتثبت باللي الساس نقي وصافي. فاش كيطلع داك المنديل خاوي ومغدور، راه ف العرف الملوكي كيعني باللي القبيلة كولها عطات لـ السلطان عتبة مخروقة، وبلي الشيخ الميمون، بـ قصد أو بـ غير قصد، رما الجمر ف ديوان الملك وقاس النخوة د التاج ديالو.
الملوك الأحرار ما كيشوفوش هادشي بـ العين د الغيرة أو بـ الفشوش د الرغبة؛ كيشوفوه بـ ‘العين د السياسة والأنفة’. الغدر ف قلب الخلوة قبالة السلطان كيتوزن بـ النِكث د العهد الملوكي، وهادي أشد حاجة كتقيس هيبة السلاطين. الحساب تما مبقاش بين راجل ومرا، بل رجع بين سلطان تقاست هيبته ف عقر داره، وبين قبيلة كاملة مهددة الليلة بالفناء والخراب بـ سباب هاد السر الكافر للي نبت ف السهول.
الشداد للي دوز عمره ف الخلا، عارف بلي إيلا فضح العروسة بـ الصراخ والغوتة، غايصغر راسه قبالة العسكر والرجال للي برا، حيت الملوك ما كيتفاجأوش وما كيتزعزعوش قبالة الخديعة. النخوة د السلاطين كفرض عليه يخرج بـ وجه جامد بحال الرخام، يخبي المنديل ف حزامه، ويخلي الحساب يطبخ بـ المهل، حيت العقاب د الملوك كيكون هادي، رزين، وكايقطع الجذور د الشجرة كاملة بـ السكات
حط السلطان الشداد يده الغليظة فوق المزلاج د اللوح، وبغى يجر الباب بـ كُل عزم ملوكي يخرج . وفي هاديك اللحظة الكاحلة، فاش كان كولشي كايتسنى الفضيحة د السكات للي غاتحرق زناتة، طار الهول بطامو وبـ واحد الحركة د اليأس والموت، قفزات من فوق الفراش د الحرير، وطرحت حايكها الأبيض وراها، وزحفات ف قاع الأرض بحال الظل المكسور حتى طاحت بكامل طولها عند رجلين الشداد!
قبطات بـ يديها للي كايترعدوا ف الساقه وحطت جبهتها المحمومة بـ العرَق البارد فوق رجليه، وبدأت كاتبكي بـ واحد الشهقة مخنوقة كاتقطع الجواجي، ونطقت بـ صوت كايقطر بـ الذل د السؤال وترجيت العار:
“العَارْ أ السُّلطان الشداد.. العَارْ ولّا الذَّبح بـ نصل سيفك ف هاد الليلة! ارميت عليك عار الله، وعار الصحرا للي قهرتِ رجالها، وعار السادات والأصول للي كايتحاموا بيها الضعاف! استرني الليلة يستر الصادق العالي مقامك، ولا تخرج بهاد المنديل خاوي قبالة با الشريف؛ والله إيلا خرجتِ بهاد الخبار حتى تسيل بحور د الدم بين السهول، وتدفن النخوة د زناتة ف الطين. اذبَحني هاهنا ف قاع خلوتك، واريق دمي فوق هاد الحرير، وما تخرجش تفضح سري قبالة الرجال!”
وقف الشداد ف مقامه بحال السارية د الحجر الشامخة. ما نفض رجليه بـ الغدر، وما زحزحاته الشهقة د البكا. بقى كايشوف تحت رجليه بـ عيون صقرية جامدة ف السحنة د البنت للي رامت عليه العار. ف عرف السلاطين وفرسان الصّحرا، الراجل للي كايترما على رجليه العار ما كايتخطفش بـ الزربة، حيت ‘العار’ ميثاق آخر لا يقل غلظة على ميثاق المصاهرة.
تنفس بـ الثقل، وهبط جيهتها بـ واحد رجولة ملوكية قاصحة، وبـ صباعه الغلاظ قبطها من فكها وهز راسها المكسور حتى تلاقات عينيه بـ عينيها الغارقين ف الدموع، ونطق بـ الفصحى الثقيلة د الملوك:
“أَتَرْمِينَ بِالعَارِ يَا ابْنَةَ المِيمُونِ عَلَى رَجُلٍ جَعَلْتِ فِ دَارِهِ الغَدْر؟ العَارَ لَا يَمْحُو الزَّيْفَ الَّذِي دَنَّسَ المَرْقَد.
تبلعات الرّيق لالة طامو، وحست بلي اللمسة د يده فوق فكها بحال الكماش د الحديد، وصوت الشداد كايخيرها بين الموت بالحق ولا الفضيحة بـ الباطل… دموعها شقوا طريقهم وسط العرَق البارد، وبدأت كترغب وتستنجد بـ كُل لفظ كايخرج من جوفها المخروق بـ العذاب؛ غابت النخوة د ابنة الشيخ الميمون، وما بقى غير الضعف الكافر قبالة كبرياء السلاطين.
نزلت بـ راسها حتى لـ الأرض، وبدأت كترغب بـ واحد الصوت كايقطع نياط القلب:
“وحقّ للي خلق السهول والصحاري أ السُّلطان، وحقّ هاد الليل وهاد الميثاق للي جيت عليه.. إيلا ترحم ضعفي وتسترني ، ! استنجدت بك بـ الجاه د الله والرسول، والله ما جيتك بـ الخديعة د القصد، ولا نويت نكسر السرج ديالك؛ وسري مخبى ف قاع الجوف ما قدرتش ننطق بيه قبالة با الشيخ حيت عارفة نصل سيفه غايكون أسبق من عذري! ارحم شيبت با الميمون، واستر بنته الليلة، واجعلني خادمة تحت رجليك، خويدم فكوانيك ، ، ولا تخرج تذبح القبيلة كولها بهاد المنديل الخاوي.. استنجدت بـ مروءتك أ الشداد، والحر الأحرار ما كيردش من استنجد بعتبته!”
كانت كترغب وتشهق بـ البكا، ونفسها كايطلع ويهبط بحال الطير المذبوح وكلام الاستنجاد كايتسمع بحال الهمس الحامي لداخل، وبرا الباب كاين الشيخ الميمون كايتأكل بـ الغيظ والانتظار.
أما السلطان الشداد، فكان أسلوبه قمة ف البرود والسياسة الملوكية؛ ما تخلع بـ البكا ديالها، وما رقش قلبه لـ هاد السيل د الدموع للي جاري تحت رجليه. الملوك ف هاد المواقف كايجمدوا المشاعر ديالهم كأنهم مصاوبين من صم لبلاد؛ وقف بـ كمال الطول والأنفة، مرخي كتافه بـ الوقار د البرنس الكاحل، وعينيه الصقريين كيشوفوا فيها بـ واحد الحذر والنباهة.
ما قاطعهاش وهي كترغب وتستنجد؛ خلاها تفرغ كاع هاداك الغيظ والبكا للي ف صدرها، حيت عارف بلي البكا كيطير المكر من اللسان، وفاش كتوصل البنت لـ هاد الحالة د الذل والترجي، كيكون الكلام ديالها هو الصّدق نيت بلا زواق. أسلوبه كان هو ‘الصمت الفاحص’؛ خلاها حتى كملت كاع كلامها وتقطعت ليها الأنفاس، وعاد هبط جيهتها بـ الرزانة د الشيوخ، وحط يده فوق مقبض سيفه، ونطق بـ واحد النبرة رخامية ثقيلة كترد الصدى ف الحيوط د الخلوة:
“قَدْ سَمِعْتُ اسْتِنْجَادَكِ يَا ابْنَةَ مَيمُون، وَلَفْظُ العَارِ قَدْ وَقَرَ فِ مَسَامِعِي. لَكِنَّ الشَّدَادَ لَا يَسْتُرُ عَيْباً عَلَى عَمَى، وَلَا يَقْبَلُ بِالعَارِ أَنْ يَكُونَ دِثَاراً لِـ سَرِيرِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ غَرِيمَهُ. إِذَا كَانَ الِاسْتِنْجَادُ صَادِقاً، فـَانْطِقِي بـِ اسْمِ الَّذِي هَتَكَ العِرْضَ فِ السُّهُول، وَقُولِي مَنْ يَكُون؟ فـَ وَاللهِ لَا يَخْرُجُ المَنْدِيلُ الأَبْيَضُ مَطْوِيّاً فِ حِزَامِي بِالْسِّتْرِ، إِلَّا إِذَا كَانَ نَصْلُ سَيْفِي يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَى دَمِ الغَرِيمِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكِ طَرْفُكِ!”
تلاقات العينين بـ العينين ف قلب الضلمة د الليل؛ طامو ملوحة ف الأرض تحت رجليه، والشداد واقف فوقها بـ الشان والمرشان، حاط السيف ف الميزان، وطالب الراس د الغريم كـ تمن لـ هاد الستر الملوكي الوازن…
تحت عيون السلطان الشداد للي كانت بحال النيزك كتقب الصدور، حست طامو بلي حبل المشنقة تلوى على عنقها. بلعات الريق بـ الغصة د الموت، وترعدوا صباعها وهي ملوحة ف الأرض، وخرجات الكلمة من جوفها مخنوقة بحال الأنين:
“ولد عَمِّي… عَبَّادْ
نزل الاسم ف قلب البيت بحال الصاعقة الكاحلة. راجل من عصب القبيلة وساسها.
الشداد ما تحرك فيه شعرة، وما تبدلاتش الملامح د وجهه الرخامي، وهبط عينيه الصقريين
لَا تَزِيغِي عَنِ الحَقِّ شِبْراً… أَهَذَا الَّذِي جَرَى فِ السُّهُولِ كَانَ بـِ رِضَاكِ وَخَاطِرِكِ، أَمْ كَانَ بِالغَصْبِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ النَّاكِثِينَ لِـ العُهُود؟”
هاد السؤال نزل على طامو بحال الجمر. تقطعات ليها الأنفاس، ودموعها جراو سيل على الرخام البارد. بدأت كترعد وكتحرك راسها يمين وشمال بـ واحد الصعوبة كافرة، اللسان ديالها تقال بحال إيلا هاز قنطار د الحديد، والحياء د الأصول مخلط بـ الذل د الخديعة كايخنق ليها الفم.
قبطات ف طرف الجلاب الملوكي ديالو بـ الترجيت، واعترفت بـ كُل غصة ومرار، وصوتها كايتهدج:
“كَانَ… كَانَ مُوَاعِدَنِي بِالزَّوَاجِ أ السُّلطان…ساقني بالكلام وصدقت كلامو ..حتى وقع لي وقع
الشداد ما زادوش هاد الاعتراف غير برود وقساوة. تراجع خطوة لـ اللور بـ الثقل، ووقف ف كمال الطول ديالو بحال السارية د الحجر الشامخة ف قاع الليل. هبط عينيه الصقريين جيهتها، شوفة كولها صَغار وأنفة، شوفة كتقطع الجواجي بلا سيف.
تنفس بـ المهل، وتلاوت ملامح وجهه بـ المكر والأنفة، ونطق بـ واحد الصوت خافت، مبحوح، وقاصح بحال حديد الحرب، بـ لسان الفصحى الوازنة د السلاطين للي كايذبح الكلام ديالهم قبالة السلاح:
“أَوَ بـِ هَذَا الهَوَانِ تُبْنَى عُرُوشُ الحَرَائِرِ يَا ابْنَةَ المِيمُون؟ سَاقَكِ رَجُلٌ بـِ كَلاَمِ العِشْقِ فِ مَرَاعِي الخَلاَ، فَـ فَرَّطْتِ فِ عِرضٍ جَاءَتْ عَلَيْهِ خُيُولُ السّلاَطِينِ وَسُيُوفُ القَبَائِل؟الشرف لَيْسَ ثَوْباً يُوهَبُ بـِ وَعْدٍ مَغْدُور، وَالحُرَّةُ لاَ تَفْتَحُ خِلْقَتَهَا لِـ غَرِيمٍ قَبْلَ أَنْ تُسَاقَ لَهَا المَهَورُ
دار جيهة الباب د اللوح الغليظ، جره بـ المهل… تشرع الشق د الباب وسط الضلام د الممر، وبانت مسعودة واقفة قبالته مخلوعة، ووراها الشيخ الميمون كايتأكل بـ الغيظ وعينه حمرة بـ الانتظار. ما خرجش الشداد قبالتهم، وما شرعش الباب كولّه؛ بقى واقف ف عتبة الخلوة بحال السارية الشامخة، ونطق بـ واحد الصوت خافت، رزين، ومقطر بـ الهيبة قاصد با العروسة نيت:
“أَقْبِلْ يَا شَيْخَ المِيمُونْ.. ، وَلْتَبْقَى النِّسَاءُ وَرَاءَ الأَعْتَاب.”
تبلعات الرّيق مسعودة ورجعات لـ اللور بـ الحذر، بينما تقدم الشيخ الميمون بـ كُل نخوة وهيبة د سادات زناتة، جر رجليه بـ الثقل ودخل لـ الخلوة المستورة، وتدفع وراه الباب د اللوح حتى تلوى المزلاج بـ السكات. كانت الخلوة مغمومة بـ ريحة بخور العود والشموع د العسل للي قربت تطفى. وقف الشيخ الميمون ف وسط البيت، وعينه دارت جيهة بنته طامو للي منكمشة ف القنت ودموعها كايسيلوا بـ الرعب. دار جيهة السلطان الشداد كايتسنى كلام العز والنصر، ولكن الشداد مشى بـ الثقل الملوكي جيهة المائدة د الفضة، وجبد من حزامه ‘المنديل الأبيض الصافي’ الرفيع… المنديل للي بقى كايلمع بـ البياض الجاف والكافر، بلا حتى شي علامة د العز.
بـ كُل برود وأنفة ملوكية، حط الشداد داك المنديل الأبيض الخاوي فوق المائدة قبالة عينين الشيخ الميمون نيت، بلا ما ينطق بـ كلمة ف الأول.
غير طاحت عين الشيخ الميمون على البياض د المنديل، حتى تزلزل السرج ف جوفه، وتخطف لونه الأبيض ورجعت لحيته الشايبة كترعد؛ هاد اللوحة الصامتة كانت هي الصاعقة للي حطت النخوة د زناتة كولها ف قاع الأرض. دار جيهة بنته بـ واحد الغيظ كافر، وحط يده على مقبض سيفه بغى يطير ليها الراس ف الحين وهو كايغلي بـ الغش، ولكن الشداد حط يده الغليظة فوق كف الشيخ، وبـ واحد الجهد رزين وقاصح، حبس ليه نصل السيف ف مكانه، ونطق بـ الفصحى الوازنة د السلاطين قبالة وجهه:
“كُفَّ نَصْلَكَ يَا مِيمُونْ، فـَ الشَّدَادُ لَا يَقْبَلُ بِـ دَمِ الفَضِيحَةِ فِ خَلْوَتِهِ، وَالمُلُوكُ لَا تَحُلُّ أَقْفَالَ العِرْضِ بِـ جَهْلِ العَوَام. هَذَا المَنْدِيلُ الأَبْيَضُ الَّذِي تَرَاهُ جَافّاً، هُوَ عَهْدٌ مَسْتُورٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، بِنْتُكَ اللَّيْلَةَ بِالعِزِّ الَّذِي يَسْمَعُهُ الصُّمُّ فِ السَّاحَة. لَكِنَّ السّيدَ لاَ يَرْكَبُ سَرْجاً مَثْقُوباً، وَبِنْتُكَ الَّتِي فَرَّطَتْ فِ نَفْسِهَا فِ الخَلاَ، لاَ تَعْمّر بِهَا دَارُ الشَّدَاد.
قَلْبُ المَوَازِينِ…
تجر الباب د اللوح الغليظ بـ السكات، وخرج الشيخ الميمون من قلب الخلوة. وقف ف كمال الطول ديالو، رافع راسه بـ النخوة والكبرياء د سادات زناتة، ووجهه قاصح بحال الحجر د السور، ما باينة فيه لا خضية ولا ذل، وخا لداخل ديالو كاين بحر د الجمر.
ف البلاصة، قربات منه مسعودة وهي كترعد، يديها على صدرها وعينيها خارجين بـ الخلعة والترقب د الليل، هبطات راسها جيهته ونطقت بـ الهمس المخنوق:
“أش كاين أ الشريف؟ قولي وحقّ السادات فين صباح لعروسة؟ واش كمل الفرح وخرج العز لـ لبلاد؟”
دار جيهتها الشيخ الميمون بـ السرعة، وخرّج فيها عينيه بـ واحد الشوفة حادة وقاصحة بحال نصل السيف، شوفة جمدات ليها اللسان ف فمها وسكتاتها ف الحين. قرب منها وهبط صوته لـ واحد النبرة ثقيلة ومقطرة بـ الصرامة د الشيوخ:
“سْكْتِي وقْطْعِي الحَسّ أ مسعودة! الفريضة ما تمت الليلة،وهاد الزواج ماغيتمش
، حيت لالة طامو ماشي هي لعروسة للي بغا السلطان الشداد، وماشي عليها تدار الميثاق من اللول!”
طارت مسعودة بـ الدهشة، وحلت فمها ما فاهْمة والو، ونطقت بـ الرعدة د العقل المخلوع:
“كفاش ماشي هي أ الشريف؟ وشكون بغا مالا؟! ياك نتا لي نطقتي بسمية طامو ، وقلتو هي للي مكتوبة لـ السرج د السلطان من نهار خرجت الخيل من السهول؟!”
قاد الشيخ الميمون برنسه بـ كُل أنفة، وشاف جيهة الممر الضلام بـ السياسة والمكر د الحُكم، ونطق بـ كلام موزون قاطع لا يدور بيه الشك:
“إييه، أنا قلت طامو.. ولكن السلطان الشداد فاش شاف الخيل ف المراعي نهار الخطبة، بغى ‘كنزة’! هو ضنّ بلي كنزة هي طامو، وتخالطوا عليه السميات د البنات ف الديوان فاش تبرم العهد! الشداد سلطان د الصّحرا، وما كيمشي غير بـ الشوف د عينه والنية للي وقعت ف قلبه، وطامو الليلة ما تمت ليها الدخلة حيت المقام ماشي مقامها، والسرج مصاوب لـ لالة كنزة من اللول بـ المكتوب. قفلي فمك، واجمعي الحصيرة د السكات، حتى نردوا البنت بـ التاويل د المرض مع الفجر، ونقادوا الميزان د لبلاد!”
وقفت مسعودة مبهوضة كتحرك راسها، والشيخ الميمون عاطيها بـ الظهر وكايجر رجليه بـ الثقل جيهة الديوان فين كايتسناو الرجال، وعقله دبا شاعل عافية كفاش غايصيد عبّاد ف السهول ويقاد الشان د بنته كنزة قبالة السلطان…ويسوق المجمع قدامو يردو للقبيلة بلا فضيحة
تجر الباب د اللوح الغليظ بـ المهل، وخرج السلطان الشداد بـ كمال الطول والأنفة ديالو، وبرنسه الكاحل مطروح على كتافه الشامخة بحال خيال الموت، وجنب لـ الجنب معاه الشيخ الميمون رافع راسه بـ النخوة د سادات زناتة ولحيته البيضاء منقوشة بـ الوقار.
تلجم اللسان دمسعودة للي كانت غاتنطق بـ السؤال، ورجعات لـ اللور بـ الحذر، حدرات عينيها ولثامها على وجهها بـ الخوف، وتقدم الشيخ الميمون مع السلطان ف الممر جيهة الديوان. ولكن، قبل ما يوصلوا لـ الباب د الضيافة، تلفت السلطان جيهة الشيخ الميمون، وشاف فيه واحد الشوفة صارمة كولها وقار؛ فهم الشيخ الإشارة ف الحين، وحرك ليه راسه بـ الإيجاب وبقى واقف ف بلاصته بـ الثقل د الشيوخ، بينما دار الشداد ف اتجاه معاكس، داز بـ الخطوات الوازنة قدام القائد سلمان للي حدر راسه بـ الولاء الخالص
وقف السلطان قدام قائد جيوشه، وبـ نظرة قوية وقاطعة كتقب الصدور، نطق بـ صوت خافت وموزون:
“أَقْبِلْ مَعِي يَا سَلْمَانْ.. هُنَاكَ أَمْرٌ جَلَلٌ يَقْتَضِي الخَلْوَةَ “إِنَّ مَصْلَحَةَ الدَّوْلَةِ يَا سَلْمَانْ، وَأَمْنَ هَذَا الشَّعْبِ الَّذِي نَقُودُ خَيْلَنَا لِأَجْلِهِ، هُوَ أَعْظَمُ مِنَ السُّلْطَانِ نَفْسِهِ، وَنَحْنُ جَمِيعاً فِ خِدْمَةِ هَذَا الوَطَنِ حَتَّى تَفْنَى الأَعْمَار. المَوْقِفُ اللَّيْلَةَ حَسَّاسٌ، وَلَيْسَ فِيهِ خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ لِـ الوَرَاءِ… لِذَلِكَ، قَضَى حُكْمُنَا أَنْ تَتَزَوَّجَ أَنْتَ بِابْنَةِ المِيمُونِ مَعَ طُلُوعِ الفَجْر!”
تخطف لون القائد سلمان، واستغرب ف الجوف ديالو؛ كفاش يتزوج طامو للي جابوها الرجال والخيالة الليلة كـ عروسة لـ السرج د السلطان نفسه؟! ولكن قبل ما ينطق بـ علامة الاستفهام، كمل الشداد كلامه بـ البرود والأنفة الملوكية، “لَا تَنْظُرْ لِـ المَاضِي يَا سَلْمَانْ.. الشَّدَادُ فِ يَدِهِ اللَّيْلَةَ وَرَقَةٌ سِيَاسِيَّةٌ رَابِحَةٌ جِدّاً ضِدَّ زَنَاتَة؛ هُمْ الآنَ تَحْتَ الضَّغْطِ وَتَحْتَ قُوَّتِنَا الأَنْدَلُسِيَّةِ الصَّارِمَة. المَوْضُوعُ مَوْضُوعُ شَرَفٍ وَعِرض، وَنَحْنُ اللَّيْلَةَ فِ مَرْكَزِ قُوَّةٍ قَاهِرَةٍ لَيْسَ فِيهَا ضَعْف، وَزَنَاتَةُ بِأَكْمَلِهَا بَاتَتْ تَحْتَ الأَمْرِ.. وَأَنْتَ سَيْفِي الَّذِي أَصُونُ بِهِ عَتَبَةَ هَذَا العَرْش!”
ف هاديك الدقيقة، نزل الكلام د السلطان ف عقل القائد سلمان بحال خيط د الضو. سلمان راجل الحرب والنباهة، دوز عمره ف الخلا والقصور، ومن اللفظ د ‘العِرض والشرف والضغط’ للي نطق بيه الشداد فهم الموضوع كولّه وعقله لقط السر الكافر بلا ما يحتاج السلطان يشرع ليه الفضيحة بـ لسانها. عرف بلي البنت طاح الشان ديالها ف الخلوة، وبلي السلطان بـ ذكائه قلب الخديعة لـ صالح الدولة ورجع زناتة تحت الطاعة بـ هادالسترة.
تقدم سلمان خطوة بـ الثقل، وحط يده اليمينية فوق صدره، وهبط راسه بـ كُل صدر رحب وبـ واحد الأنفة د الفرسان الأحرار للي كايشربوا السّم مع ملوكهم، ونطق بـ صوت كلو هيبة وولاء خالص:
بِعَهْدِ الحُرُوبِ الَّتِي خُضْتُهَا مَعَكَ وَشَهِدْتُ فِيهَا نَصْرَكَ وَوُصُولَكَ إِلَى مَا تَطْمَحُ إِلَيْهِ.. إِنَّ كُلَّ مَا سُطِّرَ فِي عَقْلِكَ المُلُوكِيِّ وَخَطَّطْتَ لَهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، أَنَا مَعَكَ فِيهِ إِلَى آخِرِ الطَّرِيقِ! فَمَاذَا تَبْتَغِي أَنْ تَفْعَلَ، وَمَاذَا نَوَيْتَ أَنْ تَشْرَعَ، فَإِنَّ القَائِدَ سَلْمَانَ مُتَّفِقٌ مَعَكَ مِائَةً بِالمِائَةِ قُبَالَةَ الرِّجَالِ وَالسُّيُوفِ. عَهْدُنَا تَثَبَّتَ بِالدَّمِ فِي الخَلَاءِ، وَوَلَائِي لِعَرْشِكَ خَالِصٌ لَا يُغَيِّرُهُ عَهْدٌ وَلَا مِيثَاقٌ. أَمْرُكَ مُطَاعٌ يَا مَوْلَايَ، وَسَيْفِي رَهْنُ الإِشَارَةِ لِلسَّرْجِ الَّذِي نَوَتْهُ عَيْنُكَ!”
تَبَسَّمَ السُّلْطَانُ الشَّدَّادُ تَبَسُّمَةً صَامِتَةً خَفِيفَةً وَسَطَ لِحْيَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ فَوْقَ كَتِفِ سَلْمَانَ بَاعِثاً فِيهِ الطُّمَأْنِينَةَ، ثُمَّ جَرَّا مِزْلَاجَ القُبَّةِ لِيَخْرُجَا مَعاً نَحْوَ الدِّيوَانِ حَيْثُ كَانَ الشَّيْخُ المِيمُونُ وَالسَّادَاتُ فِي الِانْتِظَارِ…
تشرع الباب د اللوح الغليظ د بيت الضيافة الوازن، ودخل السلطان الشداد بـ كمال الطول والأنفة ديالو، وجنب لـ الجنب معاه الشيخ الميمون رافع راسه بـ النخوة، ووراهم بـ خطوة واحدة وازنة القائد سلمان، راجل السيف والمحك. دخلوا الثلاثة بـ واحد الوجه ضاحك، متبسمين بـ الرزانة د الملوك، كأن شيئاً لم يكن ف قاع الليل، ف البلاصة، غير شافوهم الرجال دخلوا بـ هاد الوقار ناضوا السادات والأعيان وقاموا ف الطول ديالهم بـ التهليل والإجلال، وتقدموا كايحيوهم بـ الأصول والترحيب للي يليق بـ عتبة السلطان. جلس كولشي ف مكانه بـ التاويل؛ خذى الشداد صدر المكان مريع رجليه فالارض على الوسايد وجلس الشيخ الميمون ف الجنب ديالو،الايمن وجلس القائد سلمان فالجنب الايسر
“يا سادات زناتة، ويا رجال المروءة والسرج للي كاينوروا هاد المجمع.. الله يثبت سعدكم ويديم عزكم ف هاد الدار الشامخة د السلطان. الليلة، وحنا ف قلب هاد الميثاق الغليظ، حطت المقادير واحد النازلة د التاويل للي كتمشي ب أصول الملوك والشيوخ. وقع واحد سوء التفاهم، والرجال الأحرار كولشي كايقادوه ب صَفاء النية وصواب الهدرة.
كولكم أ الرجال ف علمكم ب شنو جرى فالسهول فاش خرجو بناتي مع الخدم يقطفو العشوب وخرجت عليهم خيل الغدر د قطاطعية برغواطة وبغاو يهلكوا العِراض. ف هاداك المحك الكاحل، ساق السلطان الشداد مهره ب الشجاعة، وفك الرقاب ب الحديد وأنقذ حرمة الأهل والقبيلة.ديك الساعة وقعت عين السلطان والنية د قلبه على بنتي كنزة، ولكن بحكم الحرب والغيلان، ما عرفش اسمها فاش تبرم العهد فالفاتحة بسمية بنتي لكبيرة طامو ، وتخالطوا علينا السميات ف كتاب البيعة!”
حرك الشيخ الميمون يده ب الوقار، وشاف ف السلطان الشداد للي كان كايحرك راسه ب كمال الأنفة قبالة السادات، وتابع الشيخ كلامه الشعبي القاطع:
“وأنا، بحكم العرف والعادات د القبايل، نهار جات خيل السلطان للطلب، نويت نوفي العهد وعطيته بنتي الكبيرة طامو باش تعمر بها داره ويثبت النسب. ولكن للي وقع الليلة، هو ان السلطان الشداد ما شافش عروسه طامو قبل ما توصل ل عتبة دارو، وفاش تعرا الستار على وجهها عِرف ف الحين بلي ماشي هي هاديك العروس للي نوت عينه ف الجنانات، وان المقصودة ب الميثاق الأول والبيعة الحقيقية هي لالة كنزة الشامخة!”
هنا، دار السلطان الشداد جيهة المجمع، وحط كفه ركبتو ونطق ب لسان الفصحى الصارمة والاختصار الملوكي بلا شكل:
“نعم يا سادات زناتة، ما نطق به الشيخ الميمون هو الحق الذي لا يأتيه الباطل. عهدنا معكم مبني على الصدق وشرف الكلمة، ونحن لا نملك غير تلك النية الأولى التي ثبتت ب الحديد ودم برغواطة في السهول. كنزة هي التي قصدتها عيوننا، ولها يظل السرج موقوفا في هذا العرش.”
من بعد ما سكت السلطان الشداد، طاح واحد السكات ثقيل وسط ديوان الضيافة. بدقوا السادات والأعيان د زناتة كايشوفوا ف بعضياتهم مستغربين، هادا كايحرك راسه لـ هادا، وعيونهم مبهوضة بين الكلمة د الشيخ الميمون والوقفة د السلطان، كايحاولوا يستوعبوا هاد القَلبة الكبيرة د السميات والمكتوب.
ف هاديك الدقيقة فين كان الشك يقدر يلقى طريق لـ القلوب، رجع السلطان الشداد يتكلم بـ صوته الجهوري المبحوح، وقطع هاداك الهمس بـ الفصحى الملوكية الوازنة للي كتنزل بحال الحجر قبالة الرجال:
“ولكنَّ الشَّدَّادَ لَا يُخْرِجُ حَرِيرَةً مِنْ حَرَائِرِكُمْ إِلَّا بِالعِزِّ الَّذِي يَلِيقُ بِشَانِ زَنَاتَة! طَامُو دَخَلَتْ هَذِهِ الدَّارَ عَرُوساً، وَوَاللهِ لَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا مُعَزَّزَةً مُكَرَّمَةً فِ مَقَامِ المُلُوك. وَإِنْ كَانَ السَّرْجُ قَدْ وُقِفَ لِـ لَالَة كَنْزَة بـِ حُكْمِ النِّيَّةِ الأُولَى، فَإِنَّ طَامُو اللَّيْلَةَ هِيَ عَرُوسُ بِلَاطِنَا ، وَقَدْ قَضَيْنَا أَنْ نُزَوِّجَهَا لِـ قَائِدِ جُيُوشِنَا الأَعْظَم، وَسَيْفِنَا الصَّارِمِ فِي الحُرُوب.. القَائِد سَلْمَان!”
تبدلات الملامح د السادات ف الحين من دهشة لدهشة كبر منها ، حط السلطان يدو على ركبة القائد سلمان لي جالس حداه وسرح عينيه السقرية ف السادات للي كانوا مزالين كايتغامزوا بـ الدهشة. وخرج صوته الفصيح الملوكي، قاطع بحال حديد الحرب، ونطق بـ اللفظ للي فك بيه الرباط شرعاً قبالة الجماعة:
” ياسادة زناتة الكرام ..وياشيوخ القبيلة … بـِ حُكْمِ أَنَّ العَقْدَ الأَوَّلَ بُنِيَ عَلَى غَلَطٍ فِ المَقْصُودِ وَالِاسْم،وبعهد الله العَتَبَةَ لَمْ تُدْخَلْ وَالعِصْمَةَ لَمْ تُتَمَّ فِ المَرْقَد، فَإِنَّنِي أَمَامَكُمْ وَأَمَامَ اللهِ أَبْرَأُ مِنْ هَذَا الرِّبَاطِ الأَوَّلِ وَأَفُكُّ عِصْمَتَهُ بـِ التَّرَاضِي بَيْنِي وَبَيْنَ أَبَاهَا الشَّيْخِ المِيمُون. لَا لَوْمَةَ عَلَى الحُرَّةِ وَلَا نَقْصَ فِ شَانِهَا، بَلْ هُوَ حُكْمُ المَكْتُوبِ لِيَعُودَ كُلُّ حَقٍّ لِـ مَكَانِهِ!”
التفت الشداد جيهة القائد سلمان للي كان واقف بـ كُل وقار، وتابع كايثبت الميثاق الجديد ف نفس الدقيقة بلا ما يخلي الفراغ فين يدخل الشك:
“وَفِ الحِينِ وَالمَقَام، وَبـِ مِلْكِ الفَتْوَى وَشُورَى الأَهْل، نَنْقُلُ هَذَا المِيثَاقَ وَالعَهْدَ الطَّاهِرَ لِـ مَنْ هُوَ كُفْءٌ لَهَا وَلِـ نَسَبِكُمْ الشَّامِخ. قَدْ طامو اينة الشيخ الميمون طالق من رقبتِي ..وَهَبْتُ لَكَ يَا سَلْمَانُ عَقْدَهَا المَبْرُوكَ بـِ رِضَا أَبَاهَا، فقومو لْنَقْرَأْ فَاتِحَةَ العَقْدِ ونثبت العهود.
غير كمل الشداد هدرته، حتى تحرك لسان السادة والاخوة ديال طامو لي جالسين وبدات الفاتحة كتقرى بصوت مسموع
وسط هاد الفرحة والوقار، تحرك الشيخ الميمون وهو مزال جالس ف الأرض مربّع رجليه بـ كُل أنفة، مد يده اليمينية بـ النخوة وسلّم على السلطان الشداد مصافحاً إياه بـ حرارة د الشرف الصاين، وثنى بـ يده الأخرى جيهة القائد سلمان وصافحه بـ كُل ترحيب، ونطق بـ صوته الشعبي الوازن قبالة المجمع:
“مبارك ومسعود هاد العهد الجديد أ القائد سلمان، والله يجعل أيامنا كولها أفراح دايِمة بـ الصواب، والبركة ف الجماعة وف هاد السادات للي شهدوا على ميزان الحق والصفاء د النية الليلة!”
هنا، قاد السلطان الشداد برنسه الكاحل مطروح على كتافه الشامخة، ودار جيهة الشيخ الميمون وأعيان زناتة بـ واحد التبسمة صامتة وخفيفة وسط لحيته، وخرج صوته الجهوري المبحوح بـ لسان الفصحى الوازنة د السلاطين للي كتجمد الشك ف الجوف، وقال بـ السياسة د المخزن:
“بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ يَا سَادَاتِ زَنَاتَة، وَأَدَامَ اللهُ هَذَا المَجْلِسَ مَعْمُوراً بـِ العِزّ وَالمُرُوءَة. أَمَّا فِيمَا يَخُصُّ مِيثَاقَنَا المَقْصُودَ مَعَ لَالَة كَنْزَة الشَّامِخَة، فَإِنَّ الشَّدَّادَ لَا يَأْخُذُ حَرَائِرَكُمْ بـِ العَجَلَةِ وَفِ قَنَاعِ اللَّيْل، بَلْ بـِ الرَّاحَةِ التَّامَّةِ وَبـِ الخَاطِرِ المُلُوكِيِّ الَّذِي يَلِيقُ بـِ نَسَبِكُمْ العَظِيم. قَدْ قَضَيْنَا أَنْ تَبْقَى العَرُوسُ فِ مَرَاعِي أَهْلِهَا مُعَزَّزَةً مُكَرَّمَةً فِ هَذِهِ الأَيَّام، وَأَنْ نُجَهِّزَ لَهَا هَوْدَجاً مَشْهُوداً عَلَى اتْسَاع، وَنَسُوقَ لَهَا خَيْلَ الخِلَافَةِ بـِ الأَمْوَالِ وَالهَدَايَا الَّتِي تَمْلأُ العُيُون، لِـ تَدْخُلَ النَّسَبَ المُلُوكِيَّ كَمَا تَسْتَحِقُّ أَمَامَ قَبَائِلِ المَغْرِبِ كُلِّهَا بـِ الفَرَحِ الأَعْظَم!”
غير كمل السلطان الشداد كلامه الوازن على التجهيز د لالة كنزة ب الخاطر وعلى اتساع، حتى طاح واحد الصَفاء عجيب وسط بيت الضيافة. تبدلات الملامح د السادات والأعيان د زناتة ف الحين، وبدأوا كايشوفوا ف بعضياتهم ب التبسمة والراحة من بعد ما طار كاع الشك والدهشة للي كانت راكباهم.
بدأوا الرجال كايتحركوا ف مجالسهم ويزيدوا القدام، وشي كايوشوش ل شي ب صواب الهدرة وعين العقل، ونطق واحد من كبار الأعيان وهو كايحرك راسه ب الموافقة والرضى:
“والله إيلا هادا هو كلام الصّح وعين العقل أ السادات! هادشي كايوقع وياما وقع ف القبايل وفي مجالس النسب؛ العرايس كايتخلطوا والسميات كايتغلطوا ف ورق الديوان، وبحكم العرف والستيرة راه الراجل ما كايشوف وجه عروسه ولا كايعرف ملامحها حتى كتوصل لدار زوجها ويترفع عليها السِتر ف الخلوة! السلطان الشداد نيت راجل الأصول، وفاش لقى الغلط ف الاسم، صان الأمانة ورجع كُل حق لِمكانه ب الشان والمرشان!”
وزاد راجل آخر من السادات د القبيلة وهو كايتبسم ب الفخر:
“إييه أ الرجال، وفوق هادشي كولّه، السلطان كبّر بينا وب قبايل زناتة كولها فاش أمر باش لالة كنزة تتجهز على اتساع وب الخاطر الملوكي، باش تدخل للقصبة ب فرح مشهود قبالة لبلاد! وطامو صبحات الليلة زوجة مصونة ل يديه اليمين القائد سلمان.. هادا هو الفرح التام والتاويل للي يخرجوا منه الرجال هازين الروس ب العز والشان!”
تلوقوا الوجوه د الجماعة كولها ب البهجة العريضة، وناضو السادات من الديوان كايسلموا ب الفرح على السلطان وعلى الشيخ الميمون والقائد سلمان، كتسمع ف الساحة برا ب الستر الأصول،وبدا كيتفرق ، المجمع ب الفخر بلا ما تخرج حتى ريحة د العيب أو يدخل الشك ل قلب حتى واحد وراء الأبواب د الخلوة.
تفرق المجمع، وخرج سادات زناتة وأعيانها وهم يحملون الفخر والرضى، وأغلق الباب الغليظ لبيت الضيافة الوازن. في تلك الدقيقة، طارت ابتسامة السياسة، وتحولت الملامح فجأة؛ إذ عاد وجه السلطان الشداد قاطعا كقطران الليل، وبجانبه الشيخ الميمون الذي غدت لحيته البيضاء ترتعد بالحسرة، بينما وقف القائد سلمان خلفهما كأنه ظل السيف.
تحرك الثلاثة بخطوات وازنة في الممر الضيق، وقصدوا ذلك البيت المخزون في قاصية القصبة ، دخلوا جميعا ثم تحرك مزلاج الحديد وأدير الساروت من الداخل ليغلق عليهم الباب في سكون تام.
وقف السلطان الشداد بكمال طوله وأنفته، والتفت جهة الشيخ الميمون، وعيناه تلمعان بالصرامة الملوكية، ثم نطق بصوته الجهوري المبحوح وبلغة فصحى بالغة السمو والوقار:
“لقد صُنْتُ لَكَ عِرْضَكَ أَمَامَ المَلَأِ يَا شَيْخُ المِيمُون، وَأَعَدْتُ لِقَبِيلَتِكَ شَرَفَهَا المَفْقُودَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى خَرَجَ الأَعْيَانُ يَحْمِلُونَ الثَّنَاءَ وَالإِجْلَال… وَلَكِنْ، إِيَّاكَ أَنْ تَنْسَى المِيثَاقَ بيننا ! مَا أُبْرِمَ فِي جَوْفِ هَذِهِ الظُّلْمَةِ سَيَبْقَى سِرّاً طَيَّ الكِتْمَانِ لَا يَعْلَمُهُ جِدَارٌ وَلَا بَشَر، وَعَلَيْكَ مِنْ هَذِهِ السَّاعَةِ أَنْ تَذْكُرَ الدَّيْنَ العَظِيمَ الَّذِي بَاتَ فِي رَقَبَتِكَ لِعَتَبَةِ هَذَا العَرْشِ!”
نزلت كلمات السلطان كالجمر فوق صدر الشيخ الميمون. تحركت لحيته الشايبة، وخرج صوته مخنوقا بحرقة وغبن مر من جهة ابنته طامو التي أذلته في الخلوة ووضعت رأسه في التراب؛ حط يده فوق صدره ونطق بدارجته التراثية الثقيلة:
“وحق المعبود العالي أ السلطان الشداد، وعار الرجال للي سترتيه الليلة.. ما غاننسى هاد الدين حتى نوسد التراب! أنا راجل وقد كلمتي، وشنو ما تسطر ف عهد السر غاتشوفه ب عينك قريباً. الشرف للي رخص ف هاد القصر، فداه رقابنا ومزارعنا كولها!”
أشار السلطان الشداد بيده كعلامة على انتهاء الكلام، فصُرِف الساروت وفتح الباب؛ خرج الشيخ الميمون يجر رجليه بكسرته، ومر في الممر جهة القبة العتيقة حيث كانت مسعودة تقف في الركن ترتعد خوفاً ولثامها يغطي وجهها. غير وصل قبالتها، ما نطق ب حتى شي كلمة ولا كشف ليها الجوف؛ مد يده القاصحة بحال عود الحجر، وجرها من كتفها ب واحدة النفضة جهيدة نفضت كاع الروح فيها، وصيفطها قدامه ب الإشارة د الصبع. مشات مسعودة كتحدر عينيها ل الأرض، ما قدرات تسأل، ولا تبنبن، ولا تخرج حتى النفس من فمها، وتبعاته ف السكات د الليل جيهة الخيل للي كتسنى برا.
في تلك الأثناء بالممر، التفت السلطان الشداد نحو القائد سلمان، ونظر إليه نظرة صامتة نافذة، ثم حرك رأسه بالإيجاب.. إشارة ملوكية لأمر قد قُضي بينهما خلف الأبواب.
في الحال، حنى سلمان رأسه بطاعة الفرسان وولاء السيف، ودار بخطوات ثقيلة وازنة؛ مشى نيشان في اتجاه خلوة السلطان، وقف قبالة الباب الغليظ، ودفع اللوح بيده، ثم دخل على لالة طامو التي كانت تجلس في الظلام ترتعد بدموعها…
وقف القائد سلمان ف كمال الطول ديالو قبالة للالة طامو ف قاع الخلوة. كانت جالسة ف الضلام، والكسوة د العرس مزالة منفوخة عليها بحال شي كفن د الثوب الأبيض، وعينيها حمرين بـ الدموع والضعف للي كايذوب الحجر، ممزوج بـ واحد الحروشية د الخوف والجهل بـ المكتوب.
هز سلمان راسه بـ الأنفة والجمود د العسكر، وعينيه بحال نصل السيف ما فيهم لا رحمة ولا عطف، ونطق بـ صوته الفصيح القاطع:
“قُومِي… اجْمَعِي وَقَارَكِ وَتَبَعِينِي فِ صَمْت!”
بلا ما تعاود معاه الهدرة، وبلا ما تقدر تخرج حتى النفس من فمها، ناضت طامو كترعد بـ كُل كِبرياء مكسور، وحدرات عينيها لـ الأرض، ومشات قدامه بـ الخطوات الفاشلة والكسوة د العرس كتجر وراها ف اللوح د الأرضية. خرجها سلمان من الباب الخلفي د الخلوة ف داك الممر المهجور د القصر فين مكاين لا خدم ولا عساسة، كايسوقها قدامه ف السكات الكاحل د قاع الليل، حتى وصل بيها لـ واحد البيت مخفي، بعيد على الحركية، حيوطه د الحجر الغليظ وصقيع البرد كايخرج من السقف ديالو.
تقدم سلمان بخطواته الثقيلة، ووقف قبالتها بكمال طوله وأنفته، وعيناه الصارمتان تلمعان في عتمة الغرفة. ونطق بصوته الفصيح الرزين، صوت يحمل جفاف الموت وحكمة المخزن:
“لَا تَخَافِي وَلَا تَبْتَئِسِي يَا طَامُو… فَإِنَّ المَوْتَ اللَّيْلَةَ هُوَ بَابُ الرَّحْمَةِ الَّذِي سَيُغْلِقُ خَلْفَكِ كُلَّ عَيْب. اعْلَمِي أَنَّ أَبَاكِ الشَّيْخَ المِيمُونَ قَدْ خَرَجَ اللَّهَ مَعَهُ مِنْ هَذَا القَصْرِ رَافِعاً رَأْسَهُ بَيْنَ الرِّجَال، وَأَنَّ سَاسَ دَارِكُمْ وَأَهْلِكُمْ مَازَالَ رَاكِزاً شَامِخاً فِي وَسَطِ القَبِيلَة. لَقَدْ صَنَّا لَكِ العِرْضَ، وَسَتَرْنَا هَذِهِ الفَضِيحَةَ أَمَامَ سَادَاتِ زَنَاتَة، وَجَعَلْنَا لَكِ مَخْرَجاً مُلُوكِيّاً قَبِرَ الشَّكَّ فِي مَهْدِه، وَبَقِيَ شَانُكُمْ عَالِياً غَالِياً لَا يَطَالُهُ دَنَس. مُوتِي بِسَلَام، فَإِنَّ عَهْدَ العَالَمِينَ لَا يَصُونُهُ اللَّيْلَةَ إِلَّا السَّكَّاتُ الكَاحِل!”
مع آخر كلمة خرجت من فمه، لم يترك لها سلمان فرصة لترد أو تصرخ؛ تحرك بسرعة خاطفة كصاعقة الحرب، ودار من خلفها ومرر حبل الحرير المبروم الغليظ حول عنقها، ثم لواه بـكل قوة وإحكام بين كفيه الغليظتين.
تزير الحبل في دقة واحدة، وتحبس الصياح في حلقها قبل أن يخرج. بدأت طامو تختنق وتتلوى في الطول ديالو، والكسوة د العرس البيضاء تكمشات وتوسخات بغبار الأرض في داك الطين د الصمت، حتى تقطع النفس كوله من صدرها، وبردات الروح ف الجسد، وطاحت جثة هامدة في الأرض الكاحلة.
وقف سلمان بالمهل، نفض كتافه بـالبرود د العسكر، وهو عارف باللي بـهاد الموت تستر العِرض، وتثبت العهد المستور!
مع الخيوط الأولى د الفجر للي بدأت كتشق كحولية الليل، وصلت الخيل د الشيخ الميمون والأسياد ديالو لعتبة القبيلة. كانت الأرض كترعد بـحوافر المهور، والناس وأهل الدار كولهم خارجين كايتسناوهم بـالفرحة العريضة؛ الطبول كتدق فـالسما، وصهيل الخيل كايعلو، والزغاريد د النسا كتشق ليل السهول بهجةً بـلالة طامو للي زفوها للسلطان الشداد وصبحات الليلة لالة القصبة ومرت العرش ف نظرهم.
لكن الشيخ الميمون كان راكب فوق عودو بحال الجبل د الصم، وجهه كحل ومغَبن، وعينيه كايخرج منهم الشرار د الغيظ. غير حط رجله فـالأرض، ما رد سلام على حد، وما التفت لـشي زغرودة. مشى نيشان قاصد الدويرة الكبيرة، ودخل وعينيه كايقلبوا وسط العتبة، حتى طاحت عينه على مراته ‘الزاهية’ أم طامو للي كانت واقفة وسط النسا والزوجات والبنات، وجهها كايزهى بـالفخر والزغاريد ويديها محنية ومشمرة على دراعها كيوجدو صباح لعروسة ، بلا مقدمات وبلا هدرة، مد الشيخ يده القاصحة بحال الحجر، وجر الزاهية من وسط النسا بـواحد النفضة جهيدة كزات ليها العظام، ودخلها لـواحد البيت د الخزين لداخل، ودفع اللوح بـرجله حتى تلوى المزلاج د الحديد وتأفل عليهم بـالسكات.
قبل ما تنطق الزاهية بـشي كلمة، نزل الشيخ الميمون لـالسرج ديالو، حيد ‘المشويطة’ د الجلد المبروم، ونزل عليها بـالخَبْط والجلد بـكُل حرة وفِقْصة كانت تاكل ليه فـقلبه الطريق كولها من القصبة ، . بدأت الزاهية كتغوت وتلوى فـالأرض تحت ضربات المشويطة للي كتشق اللحم، وهي مصدومة ما فاهمة والو، والشيخ كايضرب ويبرد الغدايد د الشرف للي رخص، وعياطه خارج مخنوق بحال الرعد د الشتا بـالدارجة د القبايل الحرشة:
“سكتي يا وجه الشُّؤم والذل! سكتي لا نخرج كفنك الليلة قبالة العشيرة! هادي هي التربية للي سهرتي عليها فـهاد الدويرة؟ هادا هو الوقار د لبلاد للي رضعتيه لـبنتك طامو حتى مشات لـدار السلطان ودفنات راسي فـالتراب قبالة الرجال؟! عطيناكِ أمانة د النسا الأحرار، صدقتي مخرجة ليا عار كايسيل فـقاع الليل!”
كان كايضرب بـالمشويطة بـجُهد الرجال، والزاهية كترعد فـقنت البيت، تبكي وتغوت بـالغصة وهي مزالة ف غفلتها:
“وا العار أ الشيخ.. وا عار الرجال! فكني وقوليا شنو جرى؟ ياك البنت زفيناها لـدار السلطان الليلة وهي دبا فـالقصبة هازة شاننا؟ شنو دارت طامو فـالخلوة؟”
وقف الشيخ الميمون وهو كاينهج، عرقان بـالحرة، وعينيه حمرين بحال الدم، نفض المشويطة فـالهوا وزعق فيها بـالجفاء الكافر وصدمها بـالحقيقة للي غاتقبر الجوف ديالها:
“بنتك ماتت ف قاع القصر ومات معاها الذنب والروح الليلة! تستر العيب بـالتاويل وبـالفاتحة د سلمان قبالة السلطان والأعيان، والناس والزوجات برا كايزغرتوا لـ’مرت السلطان’، وهما ما عارفين بلي الساس تخرّب وبنتك عيبها فضحنا
دارت يديها بجوج على فمها، وعضات على صباعها بـكُل ما عندها د الجهد حتى سال منهم الدم، باش تحبس الصرخة الكافرة للي بغات تخرج وتشق السقف د الدويرة. كانت الردة ديالها بحال شي سبع مجروح ف الخلوة؛ بدأت كتلوى فالارض ، وتخبط بـراسها وجبهتها مع الحيط د اللوح بـالحرة د الغدايد، وصدرها كايطلع ويهبط بـواحد النهيج غارق ومخنوق كايقطع النفس.
بدأوا عينيها كايقطروا بـالدموع الحارين للي حرقوا خدوها، وخرج منها واحد النحيب صامت وقاصح، بحال الصرخة د الموت، وهي كتهمس بين سنانها بـالغصة د الأم الحارة:
“وا كبدتييي يا طامو! وا ناري ونار الغدايد يا بنتي!
بدات كضرب الارض بضفارها ودموعها كيسيلوا وهي كتشوف ف ديك المشويطة المرمية حِداها. حست بـالدنيا دارت بيها، ولكن النفس الحارة د العشيرة ونظرة الشيخ القاطعة خلاتها تفطن؛ تكمشات ف قنت البيت، تجمع ف وقارها وهي كتنهج، ومسحات دموعها بـالكم د جلايلها عاضة على توبها لحر الكبدة .
خرج الشيخ عينيه الحارة فيها في قطع فيها النفس
لسانكِ إيلا تطلق بـكلمة واحدة، أو بكت عينكِ قبالة الضراير ونسى القبيلة ف هاد الدار، غاتكوني كسدة مجيفة حداها ! اجمعي وقارك، وخرجي قبالة القبايل هازة الراس ومبتسمة تظهري الفرح بـالمكتوب، كفما سترنا العار فـدار الملوك بـالدم، غاتستريه الليلة فـهاد الدويرة بـالسكّات الكاحل!”
هز الشيخ الميمون راسه قدام الباب دالبيت ، دوز كفه الغليظة على وجهه يمسح عرق الحر والفقايص، ونفض جلايل برنسه بـ واحد الأنفة قاصحة. بلا ما يلتفت جيهة الزاهية للي مزالة مكمشة كتكمد حر الكبدة والنفس مقطوعة ، مد يده، دار المزلاج د الحديد، وحل الباب وخرج قبالة عيالاتو فقاع الدار لي وبناتو لي واقفين مخلوعين وخوفهم واحد ، هوا الصباح دالعروسة ماكاينش !
غير حط الشيخ رجله برا، حتى خرج فيهم عينيه الحمرين للي كايقطروا بـ الموت والجفاء، ووقف بـ كمال طوله وهيبته بحال السيف المجبود، وقطع فيهم النفس بـ ديك الشوفة القاطعة للي كتجمد الدم فـ العروق. سكتتهم قبل ماينطقو.
وطاح واحد الصمت موحش وكاحل، وبدأت النسا كترعد بلا ما يتكلم حد.
قاد الشيخ الميمون صوته الجَهُوري الحرش، ونطق بـ الكلمة للي نزلت عليهم كاملين بحال الصخرة من السما:
“سمعوا وعيوا أ النسا، وقفلوا هاد الفم د العياط والزغاريد! السلطان الشداد ما بغاش طامو، والعقد ديالها تبرم الليلة بـ الفاتحة والشرع على قائد فرسانه ويمينه القائد سلمان، وراهي صبحات الليلة فـ عصمته وفـ داره بـ الشان والمرشان! والسلطان بـ فمه نطق قبالة السادات وقال باللي مقصود عَرْشه للي غاتدخل قصبة شالة هي لالة كنزة، وأمر باش تتجهز على اتساع وبـ الخاطر الملوكي للي يليق بـ نَسَبنا!”
نزلت الصدمة كافرة وجافية على الروس كولها؛ تخلطت العقول، وبدأ شي كايشوف فـ شي بـ الدهشة والذهول للي ما وراه مخرج. تاهت النظرات بين الضراير والبنات؛ كيفاش طامو للي مشات هازة الشان تولي لـ القائد، وكنزة للي كانت فـ الظل يختارها السلطان لـ عرشه؟!
تحركت واحدة من الزوجات، وضرات الزاهية، وبدأت كتزيد القدام وبغات تفتح فمها وتسول:
“ولكن أ الشيخ كفاش هاد القلبة…؟”
قبل ما تكمل الكلمة أو يخرج الصوت من حلقها، زعق فيها الشيخ الميمون بـ واحد النفضة د العياط القاصح للي زعزع الأركان د الدويرة، وقطع فيهم النفس بـ المرة، وقال بـ الجفاء للي ما يرجعش اللور:
“سكتي! قطعوا النفس كولكم ! كلامي قاطع وما نثنيش فيه الكلمة؛ العمارة تقادت، وكل بنت دازت لـ سَرجها بحد السيف ونيف الخناجر والعرف د القبايل. لسان إيلا تطلق بـ سؤال،ولا نغمة د العيب تخرج وراء هاد العتبة، غايكون كفنها واجد قبل الفطور! سدوا البيوت، واجمعوا وقاركم فـ السكات!”
دار بـ البرنس ديالو بـ الجمود الكافر، وما سمح لـ حتى شي واحدة تعاود الهدرة ولا تخرج الصَفِير د النفس، وخلا المجمع كوله مجمد فـ بلاصته بـ الصدمة، والضراير والبنات كايآكلوا فـ روسهم والدهشة فـ هاد الفجر الكاحل!
سَوْقُ الحَرَائِرِ.. وَعَتَمَةُ الخَوْف
غير كمل الشيخ الميمون كلامه القاطع للي جمد الدم ف عروق النسا والضراير، دار بـالبرنس ديالو بـواحد الجفاء كافر، وتوجه بخطوات ثقيلة كترعد ليها الأرض نيشان جيهة بيت الخزين الثاني فين كانوا بناته لخرين مجموعين.
دفع اللوح د الباب بـرجله بـواحد القوة طيرت القفل، ودخل عليهم ف قلب ديك العتمة والظلمة الكاحلة، ووقف قبالتهم بكمال طوله وضخامته بحال ملك الموت وقَابض الأرواح للي نازل ف قاع الليل.
ف داك الركن المظلم، كانت لالة كنزة وأختها رحمة جالسين ف قنت البيت، شادين ف بعضياتهم بـالخلعة والترعاد حيت سمعوا الغوات د المشويطة والصوت د بّاتهم كايزلزل الدويرة. غير شافوه واقف قبالتهم بحال الجبل الكحل وعينيه كايخرج منهم الشرار ف الظلام، وقفوا بجوج بـطيرة واحدة د العقل، الوجوه صفارة بحال الحامض ، ، والركابي كايخبطوا ف بعضياتهم بـالرعب، والأنفاس محبوسة ف الصدر؛ كنزة تكمشات ورا ظهر أختها رحمة، وشادين ف ثياب بعضياتهم كايتسناو الصاعقة فين غاتنزل، حيت الملامح د بّاتهم ما كانتش كاتبشر بـالخير كاع.
بلا رحمة، وبلا ما ينطق بـشي كلمة تفسر الجوف، تقدم الشيخ الميمون جيهتهم بـالجفاء د العسكر؛ مد يديه القاصحتين بحال الحجر، وجرهم بجوج من كتافهم وشعرهم بحال النعاج، واحدة مورا واحدة بـالغلظة والشدة للي ك تزعزع العظام. بدأت رحمة وكنزة كايتجروا ف الأرض بـالفزع والصدمة، رجليهم كايتلووا ف اللوح، والشهقة د البكاء مخنوقة ف حلقهم ما قادينش يخرجوها قبالة هيبته وقساوته.
خرجهم الشيخ بجوج من عتمة بيت الخزين، ورماهم بـواحد النفضة جهيدة وعنيفة وسط الدار قبالة النسا والضراير للي كانوا واقفين كايترعدوا. طاحوا البنات بجوج ف التراب د الساحة، الكسوات ديالهم تلوثت بـالغبار، وشعرهم مطلوق على وجوههم، وشي شاد ف شي ف وسط الدار، وسط الصمت الكاحل د النسا للي مابقا حد فيهم قاد يرفع عينه أو يخرج النفس قبالة هاد الغضب د الشيخ!
شار الشيخ ب صبعه القاصح بحال حديد السروج، ونطق ب صوته الجهوري المبحوح للي كايقطع الأنفاس:
“نوضوا كولكم! اجمعي وقارك أنتِ وياها، وزيدوا قدامي ب السكات!”
ناضو البنات كولهم يطو وخدوج وكنزة ورحمة، شادين ف ثياب بعضياتهم والركابي كايخبطوا، وساقهم الشيخ الميمون قدامه بحال النعاج ف الممر د الدويرة، حتى وصل بيهم لـ واحد البيت غليظ اللوح ومسقف ب الخشب الثقيل. دفعهم لداخل واحدة مورا واحدة، ودفع الباب ب يده ب الجهد حتى تلوى المزلاج د الحديد، وتدفع الساروت من برا ب الصقيع د الموت، وتقفل عليهم الطرح ف قلب ديك العتمة وبلا حتى شي كلمة ولا شفقة.
دار الشيخ الميمون ب البرنس ديالو، ووقف ف وسط الساحة قبالة الزوجات والضراير والنسا د العشيرة للي كانوا واقفين كايترعدوا واللثام كايتهز ب النفس الخايفة. خرج فيهم عينيه الحمرين للي كايقطروا ب الغيظ والشرار، وقطع فيهم النفس ب ديك الشوفة القاطعة للي كتجمد الصياح ف الحلق، ونطق ب لسان الجفاء للي ما يدور به الشك:
“سمعوا وعيوا يا نسا الشؤم، وعهد الله للي نطق ب فمي الليلة غايكون هو الكفن د للي خالفته! هاد البيت للي تقفل ب الساروت دبا، ما نشوف حتى واحدة منكم كَطُوف ب الباب دياله، ولا تزيد ناحيته، ولا تهمس ل جدار من حيوطه! للي قربات ليه، أو عيني شافتها دايزة حداه ، أو تطلق لسانها ب وشوشة مع البنات لداخل.. غانخرج روحها ب هاد اليدين قبل ما يخرج الضو د الصباح، اجمعي وقارك أنتِ وياها، وسدوا عليكم الأبواب د السكات!”
نزل كلام الشيخ بحال الصاعقة الكافرة على الروس كولها؛ جمدت النظرات ف عيون الضراير، ومحد قدر يرفع عينه ولا ينطق ب حرف ولا يخرج حتى الصفير د النفس.تفرق المجمع ، ف الحين، ودخلت كُل واحدة لـ بيتها كترعد وكتسد وراها اللوح، وخلا الساحة خاوية وصامتة، والبيت د البنات مقفول ب السر الكاحل للي ما ساق ليه حد الخبار!
خرج الشيخ الميمون من ممر الدويرة الضيق، وقصد الساحة الواسعة المعرية للي ف وسط الدار، الساحة للي ما عندها سقف وكايشوف منها السما كان البرد د الصباح كايضرب ف الحيوط د الطين، والسكّات الموحش راكب فوق العتبة من بعد ما انقطع النفس د النسا.
ف وسط هاديك الساحة المعرية، لقى ولده البكر الغالي ، واقف حِدا السرج ديالو، راجل طويل وعريض الكتاف بـملامح حرشة بحال بّاه، مزال شاد لجام عوده وعرقان من الطريق د السفر.
وقف الشيخ الميمون ف كمال الطول ديالو، وحط عينيه القاصحتين ف وجه ولده، وبدأ كايحنزز فيه بـواحد الشوفة غارقة ومسمومة، شوفة كولها وعيد وسر ثقيل كايحبس الدم ف العروق.الغالي فطن بـالشوفة د بّاه، حدر راسه بـالهيبة والأصول
قرب الشيخ الميمون من ولده حتى رجع النفس ديالو كايقيس وجه الغالي ونطق بـصوته المبحوح الجاف للي كايخرج بحال الحجر:
“اسمع ليا مزيان الغالي حط اللجام من يدك، واركب عودك قبل ماتشرق الشمش على هاد القبيلة.. سير نيشان لـقبة الصالحين، وجيب ليا ‘القابلة’ لهنا للدار! جيبها ف الستر الأصول، بلا ما يقيس خبارها بشر، ولا يسمع بـخطوتها عساس ف لبلاد!”
هز الغالي راسه بـالدهشة للي طارت ليه من العينين، وتزيرت يده على مقبض خنجره ، وبغا ينطق يسأل على سباب هاد الأمر الغريب ف هاد الوقت د الفجر:
“ولكن أ الوالد… القابلة ف هاد الساعة؟ واش كاين شي…؟”
قبل ما يكمل الكلمة، حنزز فيه الشيخ الميمون بـواحدة النفضة د العينين خرجت فيهم الموت، وزعق فيه بـالهمس القاصح للي جمد ليه اللسان ف فمه:
“سكت! ماترُدش عليا الكلمة الغالي ! عودي للي قلتو ونفذ العهد بلا سؤال ولا تبنْبيْن! سير جيبها وادخل بها من الباب د الخزين الخلفي ف السكات.. عِرض بّاك وقبيلتك كولها واقف على هاد الخطوة الليلة، ويلا تطلق لسانك بـ حرف قبالة العشيرة، غاتكون نهاية النسل ف هاد الدويرة!”
حنى الغالي راسه بـالطاعة العَمْياء د رجال لبلاد، ومسح وجهه بـكم جلابه؛ دار ف الحين، ركب فوق سرج مهره، وطار ب بـالخيل وخلا الشيخ الميمون واقف بوحده ف وسط الساحة المعرية كايشوف ف السما كايتسنى الشمس كفاش كيفاش غتشرق على بناته الأربعة لداخل!
وقف الشيخ الميمون ف كمال الطول ديالو وسط الممر الضيق، وخرج عينيه الحمرين للي كايقطروا بـالموت والغيظ فالخدم ، ، وعياطه خرج بحال الرعد د الشتا كايزلزل الحيوط د الطين، وقطع بـالحين الحس ف كُل ركن وقنت:
“جمدوا ف بلاصتكم كولكم! اقطعوا النفس والحس أ عباد الله، وما نسمعش حتى النغمة د الصَفِير د الريح ف هاد العتبة الليلة!”
تجمعوا الخدم والعساسة ف قنت واحد بـالرعب، والركابي كايخبطوا ف بعضياتهم، وحدروا الروس لـالأرض بـالهيبة والأصول قبالة هاد الغضب للي عمرهم شافوه ف وجه الشيخ.
تقدم الميمون جيهتهم بـالخطوات الثقيلة الوازنة، وسلّ يده على مقبض كُومْيِتْه (الخنجر المغربي العتيق) للي ف حزامه حتى لمع حديدها ف داك الضو الضعيف د الفجر، ونطق بـصوته المبحوح الجاف للي كايخرج بحال الحجر القاطع:
“أمر الله ونفذ ف هاد الساعة! كُل خادم، وكُل حشام، وكُل عساس ف هاد الدار يدخل لـبيته ف الحين ب السكات، ويسد عليه اللوح بـالمزلاج من الداخل! وعهد الله للي نطق بـفمي الليلة، وعار الرجال للي راكب فوق كتافي.. للي شفت عيني وجهه، ولا لْقِيتْ حسّه كِيزْطْنَقْ ف قلب هاد الدار، ولا كيتختل قبل ما تطلع الشمش.. غانقطع ليه هاد الراس بـهاد الكومية قبالة العتبة، وتدفن كسدته ف الطين بلا كفن وبلا غسيل! اغبروا من قدامي وسدوا عليكم الأبواب ومنسمعش الحس نزلت الكلمات د الشيخ بحال الصاعقة الكافرة على الروس كولها؛ طار العقل من الخدم والحشام، وبلا ما يعاودوا معاه الهدرة ولا يلتفت وراهم حد، هربوا كولهم ف دقة واحدة بحال النعاج الخايفة ف وسط الممرات. كُل واحد دخل لـبيته، وتدفعوا الأبواب د اللوح بـالزربة، وتلوات المزالج د الحديد، حتى تقفل عليهم الطرح ف قلب العتمة.
ف دقيقة واحدة، طاح واحد الصقيع عجيب وموحش ف قلب الدويرة الكبيرة؛ انقطع الحس بـالمرة، ومابقى عساس واقف، ولا خادم كايتحرك، ورجعات الدار كاملة بحال المقبرة الصامتة الميتة، والشيخ الميمون واقف بوحده ف وسط الظلمة كاينهج بـالحر وعينيه مسمرين ف الباب د الخزين الخلفي كايتسنى الدخول الغالي ومعاه القابلة ف السير الكاحل!
في داك الصمت الموحش للي نزل على الدويرة، والدار صبحات بحال المقبرة ما كايتسمع فيها حتى النغمة د صرير الريح، تدفع الباب د الخزين الخلفي بـالسكات وبلا ما يدير الصوت. دخل الغالي وهو كايجر وراه ‘القابلة’، امرأة كَبيرة ف السن، غارقة ف ثيابها ومغطية وجهها بـواحد اللثام كحل كاحل ما كيبانوا منه غير عينيها للي كايلمعوا بـالدهشة د هاد الليل. كانت كتسير مع الغالي بـالخطوات الميتة، مخبية وسط الضلام بلا ما يشوفها حد من الخدم أو العساسة للي تكمشوا وراء الأبواب بـالرعب.
كان الشيخ الميمون واقف ف الممر بحال قَابض الأرواح، غير شافهم قربوا، حرك راسه لـولده الغالي. طلع الشيخ نيشان ومعاه القابلة، وقصدوا داك البيت الغليظ اللوح للي جامع فيه بناته الأربعة (كنزة، ويطو، ورحمة، وخدوج).
وصلوا قبالة الباب، دار الشيخ الميمون جيهة ولده الغالي، وشاف فيه بـالصرامة د الرجال، ونطق بـالهمس القاطع:
“وقف هنا أ الغالي… خلي قدمك مسمرة قبالة هاد اللوح، وما يتحركش السيف من حزامك، ولا تسمح لـبشر يقرب من هاد الباب
حنى الغالي راسه بـالطاعة، ووقف واقف بحال السور الحجر حامي ظهر بّاه
ف هاديك الدقيقة، جبد الشيخ الميمون الساروت الثقيل د الحديد من جيبه، دوزو ف القفل بـالمَهل حتى تفتح الباب، ودخلات القابلة لداخل ف قلب العتمة فين كانوا البنات الأربعة مكمشين ف القنت كايترعدوا بـالخوف والدموع جمدات ف عيونهم.
وقف الشيخ الميمون قبالة القابلة وسط عتبة الباب، وعينيه حمرين بحال الجمر، ونطق بـصوته المبحوح الجاف للي كايخرج بحال صقيع البرد:
“ادخلي أ لالة… ادخلي وتسللي وسط هاد الضلام. بغيتكِ دبا، ف هاد الساعة وقبل ما تشرق الشمش، تقلبيهم واحدة مورا واحدة بـالتاويل د النسا الأحرار! فليهم مزيان، وتأكدي من العذرية د كُل واحدة فيهم بـميزان الصّح، وتفليهم فلي الحجر للي ما وراه شك، وتردي عليا الخبار القاطع للي غايثبت الساس أو يقطع الرقاب فهاد الفجر!”
حركت القابلة راسها بـالهيبة والخوف من هاد الغضب د الشيخ، وجبدت يديها من تحت الكساء الكحل، وتقدمت
دخل الشيخ الميمون ورا القابلة لـذاك البيت اللولاني فين مجموعين البنات الأربعة. غير زاح الوجاق، بان باللي هاد البيت كاين ف قاعه باب آخر د اللوح العتيق، كايؤدي لـبيت دخلاني قديم؛ داك البيت المخفي للي كانت كتنعس فيه مّو الله يرحمها ويوسدها بالرضى، ومزال فراشها القديم مفرش ف الأرض بحال نهار خلاته، بزربيتها العريقة للي دازت عليها السنين، ومخدتها د الصوف، وصنادق الخشب الثقال المسمرين ف القنت كايحملوا ريحة العهد المنسي.
انسحبت القابلة بـاللثام الكحل ديالها وبـالخطوات الميتة، ودخلت لـذاك البيت القديم الدخلاني وخلات الباب موارب كايتسنى.
ف داك الوقت، بقى الشيخ الميمون واقف ف البيت اللولاني قبالة بناته، بحال السور د الحجر ف قلب العتمة. هز راسه الوازن، وبدأ كايشوف فيهم واحدة بوحدة، وعينيه الحمرين كايتنقلوا بين وجوههم الصفرة بـالخلعة؛ يطو، ورحمة، وخدوج كولهم مكمشين والركابي كايخبطوا، والترعاد شاد اليدين والرجلين.
حط الشيخ الميمون شوفته القاطعة ف وجه بنته كنزة، للي كانت واقفة وصدرها كايطلع ويهبط بـالنهيج. شير ليها بـعينيه الحارتين، ونطق بـصوته المبحوح الجاف للي كايخرج بحال حديد السروج:
“زيدي قدامي أ كنزة… ادخلي لـذاك البيت لداخل!”
بلا ما تعاود الكلمة، وبلا ما تقدر تخرج حتى النفس من فمها، زادت كنزة بـالخطوات الفاشلة والترعاد كايقطع ليها المفاصل. دخلت لـبيت حَبوبتها الله يرحمها، وف الحين تدفع الباب د اللوح الدخلاني وتقفل عليهم بـالسكات، وبقات هي والقابلة بوحدهم ف قلب ديك العتمة الموحشة قبالة الفراش القديم والصنادق واللامبات شاعلين قدام القابلة بدأت القابلة كتسير جيهتها بـالمهل، وكنزة واقفة ف وسط البيت كتفتف، والخلعة طيرت ليها العقل من الراس، ويداتها الصغيرة كايترعدوا ويخبطوا ف بعضياتهم بحال السعفة ف البرد د الشتا. حطت القابلة يدها الباردة على كتف كنزة وبدأت كتقاد التاويل باش تقلبها وتفليها، بينما برا ف البيت اللولاني، كان الشيخ الميمون واقف مسمر ف بلاصته، وعينيه محطوطين ف اللوح د الباب المسدود، كايتسنى الكلمة للي غاتخرج من داك الصمت الكاحل!
تسمع الصرير د اللوح العتيق، وتفتح الباب د الخشب مرة أخرى بـالمَهل ف قلب العتمة. خرجت لاله كنزة من داك البيت الدخلاني القديم، ووجهها مخطوف ما فيه قطرة د الدم، صفر ، وعينيها مسمرين ف الأرض بـالحشمة والخلعة للي زلزلات الجوف ديالها. كانت كتمشى بـالخطوات الثقيلة الفاشلة، كترجف كولها وتتلوى ف جلايلها بحال السعفة ف ريح البرد، تقول الركابي ما بقاوش هازينها من هاداك الصقيع للي ذاقته لداخل.
وقف الشيخ الميمون بحال الجبل د الصم، حط عينه الحارة عليها وبدأ كايطلعها وينزلها من راسها لـرجليها، كايتفحص كُل رشفة وترعاد ف الذات ديالها بـواحد النظرة قاطعة كايتحرق فيها الغيظ د الشرف والأصول.
بلا ما ينطق معها بـحرف، دفع الباب بـرجله ودخل نيشان عند القابلة لـذاك البيت الدخلاني، وقفل اللوح وراه. وقف قبالتها بـكمال طوله وضخامته، وعينيه حمرين كايقطروا بـالشرار د الغدايد للي تاكل ليه ف قلبه، وزعق فيها بـالهمس القاصح المبحوح للي كايخرج بحال الحجر:
“هاتِ ما عندك أ لالة… قولي الكلمة القاطعة للي تبري الجوف أو تطير الرقاب ف هاد الساعة! شنو شفت عيونك ف هاد البنت؟”
نزعت القابلة اللثام الكحل على وجهها بـالوقار والرزانة د النسا الكبار للي دازت عليهم السنين، وشافت ف الشيخ بـواحد العين ثابتة ما فيها لا شك ولا خوف، ونطقت
الغلايل:
“وحق المعبود العالي للي خلقني وخلقك أ الشيخ الميمون، وعار هاد الشيب للي ف راسي… بنتك لالة كنزة راهي نْقِيَّة تَقْيَّة، وباقة عذراء حُرَّة بحال الحليب الصافي ف الحلبة! شرفها مزال راكز شامخ، ما قاسو أنس ولا جان، وما داز عليه دَنَس ولا نقصان. البنت راهي نوارة مغسولة بـالرضى د الله ودموع العفة، ! بنتك بريئة براءة الشمش ف ضحاها، والحق يعلو ولا يُعلى عليه أ الشيخ!”
خرج الشيخ الميمون من داك البيت الدخلاني، ولقى بناته لخرين مزالين مكمشين ف قنت البيت اللولاني كايترعدوا بـالصقيع د الخوف. ف هاديك الدقيقة، هدا الروع ديالو واحد الشوية نسبياً، وحس بـالدم رجع لـعروقه حيت العين د الشداد للي تحطات على كنزة طلعت ركيزتها صاينة وواقفة ومزيانة، ومبقى له مناش يخاف من بعد جيهة المخزن والسلطان.
تحرك بـالصرامة د الأصول، وبدأ ككايدخل ليها البنات لـداك البيت القديم، واحدة مورا واحدة، بـالتاويل والستيرة د النسا. دخلت يطو، وتبعتها رحمة، وتلاتهم خدوج… كُل واحدة كتدخل لـعند القابلة ف الضلام، وتفليها وتفتشها فلي الحجر، وتخرج والدمعة جامدة ف عينها والخلعة شادة ذاتها.
من بعد ما سالات القابلة الفلي د البنات الأربعة كولهم، دخل الشيخ الميمون عندها للمرة الأخيرة، وقفل اللوح وراه بـالمَهل. وقف قبالتها، وهز عينه الحارة وطرح عليها نفس السؤال بـنبرة باغة تثبت اليقين لـلأبد:
“أ لالة… هاتي خبار الباقية د البنات قبل ما تشرق الشمش قبالة العشيرة!”
نزلت القابلة لـثامها الكحل عاوتاني، وابتسمت واحد الابتسامة د الرضى والوقار، ونطقت بـالدارجة التراثية الشعبية الصافية:
“وحق المعبود للي يحيي ويميت أ الشيخ الميمون… بناتك كولهم حرات، غراس نقي، ما مقيوسين، ما منقوصين، ما داز عليهم عيب ولا هوان! كولهم صافيين بحال الما دالشتا للي نازل من السما، وشرفهم مزال راكز صحيح ف وسط هاد الدويرة كفما خلوه الأجداد! ارفع راسك الليلة بين الخيالة والأسياد، راهي عتبتك مغسولة بـالنقى والعز!”
ف هاديك اللحظة نيت، طاح الهم الكبير كولّه من فوق كتاف الشيخ الميمون وانزاح على الجوف ديالو. ارتاح باله، وتنهد واحد التنهيدة غارقة د الكبرياء، وبدأ داك الغضب الكافر كاينزل ويهبط من ملامح وجهه الحرش واحد الشوية، وعينيه للي كانوا كايقطروا بـالموت والشرار رجع فيهم الوقار والرزانة د الشيوخ، حيت عرف بلي الساس د الدار بقا صحيح، والعمارة غاتخرج لـبلاد الشداد هازة الراس والشان!
رَفْعُ الرَّأْسِ.. وَالعَهْدُ المَصُون
هز الشيخ الميمون راسه ف كمال الأنفة والكبرياء قبالة القابلة، وشاف فيها بـالوجه المرفوع للي ما وراه خَوْف ولا نقصان، وهو عارف باللي هاد المرأة هي أول واحدة غاتخرج خبارها للقبيلة؛ إيلا شافها شي حد داخلة، أو سولها عساس، أو زهق لسانها ف المجمَع، فـما عنده مناش يخاف، حيت إيلا هضرات غاتثبت بـاليقين الصّفا د بناته وتزيد تقفل الفام د الشكّاكين. نطق بـصوته الوازن وقال:
“الله يرحم لْكِ الوالدين أ لالة… سيرتك مقبولة، وعهدك مصون. الغالي غايخرجك كفما دخلتي ف الستر د الله!”
قادت القابلة لثامها الكحل، وانسحبت بـالخطوات الميتة ف الممر حتى خرجت بحال الخيال ف داك الصبّاح. وقف الشيخ الميمون قبالة ولده الغالي للي كان مسمر برا حِدا اللوح، كاينهج بـالخلعة وعارف وفاهم الجمر للي كايتحرق لداخل. حط الشيخ يده القاصحة على كتف ولده، ونفض جلايل برنسه وعينيه كايلمعوا بـالعز، وقال بـالنبرة الدافئة للي هدنات الروع د الغالي ف الحين:
“ارفع راسك أ وليدي الغالي… ارفع راسك وراسنا كولّه مرفوع اليوم ، الساس خرج صحيح وركيزتنا صاينة وما وراها عيب، وبناتنا كولهم حرات مغسولات بـالنقى!”
تنهد الغالي واحد التنهيدة غارقة رجعات ليها الروح لـالركابي، ودوز كفه على وجهه كايحمد الله. ف هاديك الدقيقة هدات الأوضاع ف الدويرة، ونزل الصّفا على الجدران د الطين من بعد العاصفة الكافرة، تحرك الشيخ الميمون بـالهيبة الملوكية، وأمر باش يتحلوا البيوت ويخرجوا النسا كولهم يتجمعوا قبالته ف الساحة المعرية. خرجوا الزوجات، والضراير، والبنات، وبيناتهم واقفة ‘الزاهية’ أم طامو؛ وجهها منفوخ بـالدموع والصدمة المخنوقة د الكبدة، ولكن مكمشة ف لثامها وهابطة الراس كفما فرض عليها الشيخ وسط قبتها . وقف الشيخ الميمون قبالتهم كاملين، خرج فيهم عينيه القاطعة للي ما كتثنيش الكلمة، ونطق بـالحُكم الأخير:
“سمعوا وعيوا كولكم! ، بغيتكم تبداو تجهزوا الدهاز د العروسة لالة كنزة بـأحسن ما كاين ف الصناديق، وتوجدوها للركبة د المخزن للي غاتديها لـدار السلطان الشداد! ولكن… عهد الله بيني وبينكم؛ بناتي بربعة حتى واحدة فيهم ما تشوف النور على برا ولا تعتب باب الدار وبالخصوص لالة كنزة، ما تخرجش من بيتها، ولا تقيس عتبة بابه حتى تروح لـدار السلطان هازة الشان والمرشان! للي خالفت الأمر، كفنها واجد!”
طاح الصمت د الطاعة على النسا، وبدأت الحركة تدب ف الدار من جديد
زَغَارِيدُ النِّكَايَةِ.. وَالتَّعْزِيَةُ العَمْيَاء
غير كمل الشيخ الميمون حُكمه القاطع وأمر بـ تجهيز دهاز للالة كنزة، حتى انطلقت مسعودة أم كنزة فـ وسط الساحة المعرية بـ واحد الزغروتة حارة، طَوِيلة، وشاقّة السما، كلوها نكاية وفخر زلزل الجدران د الدويرة! فرحت فرحة كافرة ويعجبها الحال، حيت السعد دار جيهة خيمتها، وبنتها كنزة ولات هي لالة النسا للي عزلها السلطان الشداد لـ عرشه.
بلا مقدمات، هزات مسعودة جلايل دفينها وجليلتها ف يديها، وبدأت كتمشى وتجري بـ الزربة بـ الفرحة للي ما قداتها دنيا، وقصدت داك البيت للي حبس فيه الشيخ البنات. فتحت الباب بـ الزغاريد والعياط د البهجة، وجرت بنتها كنزة من وسط خواتاتها، خرجتها من داك البيت ودخلتها لـ واحد البيت آخر دياولها وهي مزالة كتزغرت وتعاود. بدأت مسعودة كتنفض على كنزة الغبار د الساحة ف كتافها وثيابها بـ يديها، وتقاد ليها شعرها وراسها بـ الحنان د الأم للي صبحت بنتها ملكة، بينما كنزة واقفة بحال الصم، داهشة، ما عارفة والو، وعينيها مزال فيهم الرعب د القابلة والصقيع د الفجر!
وفـ الجهة الأخرى د الساحة، فـ واحد القنت مضلم كاين الفقايد د الصّح. كانت الزاهية أم طامو جالسة على الركابي، تآكل ف لحمها بـ الدموع المخنوقة والنهيج الغارق للي كايقطع الجوف بـ الحر الكبدة. حِداها، كانت واقفه ضرتها ‘عبدية’، للي شافت الحالة د الزاهية ويسحاب ليها بلي هاد البكاء والدموع كولهم غير حيت طامو ما بغاهاش السلطان ودازت لـ القائد.
قربت عبدية من الزاهية، حطت يديها على كتافها وبدأت تسكتها، وتحجر فيها بـ التاويل د الضراير، وتقول ليها بـ النبرة الدافئة للي كترد النفس:
“إيوا وا العار الزاهية مسحي دموعك واجمعي وقارك، ما يبقاش فيك الحال أ الزاهية! وعلاش هاد البكاء وهاد الغصة كولها ف هاد الصباح؟ واخا زعما السلطان الشداد ما بغاش طامو وعزل كنزة لـ عرشه، راه ما رماهاش للعيب.. راه زوجها بـ القائد سلمان، ذراعه اليمين وقائد الفرسان للي كايتساقو ب أمره لبلاد كولها! البنت صبحات مرت القائد وهادا هو المكتوب د الله للي ما وراه مخرج، ما عندك علاش تبكي ولا تحني الراس قبالة العشيرة!”
كانت عبدية كتهدن فيها بـ هاد الكلمات، وتطبطب على ظهرها، ظناً منها ومية ف المية باللي هاد الشيء للي مبكي الزاهية ومخليها ف ديك الحالة د الصدمة والذل.. وهي ما عارفاش بلي تحت داك اللثام، كاين قبر مدفون ف قلب الزاهية، وسر كاحل إيلا تطلق لسانها بـ حرف منه، غاتسيل الرقاب ف قاع الدويرة!
وسط البيت الجديد للي دازت ليه لالة كنزة، كانت الشمش د الصباح بدأت كتسرب الخيوط ديالها الدافية من التقابي د السقف د اللوح. كانت مسعودة كتطير بـالفرحة، عينيها كايلمعوا بـالرضى والنكاية، وجلست بنتها فوق واحد المخّدة العتيقة د الصوف. بدأت كتسرح ليها شعرها الطويل بـالمشط د القرن بـكُل حنان ومَهل، وتبدل ليها حوايج الغبار د الساحة، وتلبسها دفين جديد د الموبرة الحرة كولو زواق وشان.
مسعودة مابغاتش تحبس من الهدرة بـالجهير د البهجة، قربت من بنتها، وبدأت كتمسح على كتافها بـيديها بجوج، وكتحجر فيها
غير كملت مسعودة كلامها وبشرتها بلي الميمون قَعْد والشداد اختارها هي لـ عرشه، حتى طار الحس من الدويرة فـ عينين كنزة. ! هي للي كانت ملهوفة على السلطان ف سكاتها، وكتسير طيفه ف الخيال، صدق السعد عيط ليها بـ اسمها قبالة القبايل!
داخت كنزة وتلفات ف بلاصتها، ودارت بيها الدنيا بحال شي سَاقية كتدور بلا ما قادرة تحبس. طاحوا ركابها بجوج ف دقة واحدة، وما بقاوش هازين الطول ديالها، وطاحوا يداتها الصغيرة المفتفة جنبها بحال السعفة للي جمد فيها البرد. بقاو كفوفها كايترعدوا بـ واحد الرعشة غارقة، وعينيها تاهوا ف الفراش القديم، حلت فمها بـ الشهقة المذهولة، ونفَسها بقى كايطلع ويهبط ، ما قادرة تخرج بـ الضحكة د الفرح الملوكي، ولا قادرة تسبل الدمعة د الخوف من هاد الهيبة للي نزلت عليها!
شافت فيها مسعودة بـ العطف د الأم، ومسحات على كتافها الطايحة بـ الحنان، وهي كتقاد ليها السالف د شعرها المسرّح بـ المهل وتهمس ليها:
“ارسي أ بنتي.. ارسي وعمري هاد الجوف بـ الصّفا، راه ميمونك قْعد والسلطان غايركبك ف الهودج د العز!”
ولكن كنزة كانت ف عالم آخر، مسمرة وسط داك التلف الزوين، الوجنات ديالها كايتبدلو بين الحمرة د الحشمة والصفورية د الدهشة، والقلب ديالها كايضرب لداخل بحال الطبل د المحركة، تائهة بين الفرحة للي كانت كتمناها، وبين الصدمة دالصباح للي قفل عليها الأبواب ورماها ف حجر السلاطين!
وسط داك البيت اللولاني فين مزالين البنات لخرين مجموعين مكمشين بـالخلعة من بعد ما خرجت كنزة، تدفع الباب بـالزربة ودخلت عليهم الخويدم الصميمرة، واحدة من الخدم للي كبروا ف الدار د السادة، حاطة يدها على جنبها وجايبة المشية د الخفّة والزربة د الخبار. وقفت قبالتهم، ونفضت جلايلها وهي كتقول بـالصوت المجلجل د الخدم:
“نوضوا… نوضوا ! نوضوا وجدوا الشوار د أختكم وقادو التاويل، وأنتم باقين جالسين لي هنا ف الظلام كترعدوا بحال الفلالس ؟ لبلاد كولها شاعلة برا، وأنتم ناعسين على وذنكم!”
قفت لالة خدوج بـطيرة واحدة د العقل، الوجينات ديالها صفارت بـالدهشة، ونطقت بـالحيرة د للي ما ساق خبار:
“واشمن شوار هادا اعبوش ؟ وعلامن كتتكلمي؟
مالت عبوش بـراسها، وقالت بـالنبرة د للي جايب السبق:
“وا الشوار د أختكم لالة كنزة للي غنروحوها لـالسلطان الشداد أ لالة! نوضوا تحركوا!”
هنا نيت، طار العقل من راس لالة يطو؛ ناضت طق بـواحد القفزة د الغيظ، وحطت يديها بجوج على جنابها فوق دوك الضفيرات للي هابطين ليها ف الجناب بـالتحنزير، وقالت بـالعياط المخنوق والصدمة:
“كيفاااش؟ كنزة غانروحوها للسلطان؟! وعلاش طامو؟ وعلاش هاديك للي روحنا البارح شكون تكون؟!”
قربت منهم عبوش وهي كتوشوش بـالسر الفاضح:
“إيوا اسمعي الخبار العجيب أ لالة يطو… هاديك طامو للي مشات البارح، راه داها القائد سلمان ف عصمته وبـالفاتحة! ملي وصلات للقصبة ، السلطان الشداد ما بغاهاش وبـفمه قال ليهم: ‘ماشي هادي هي العروسة للي بغيت!’.. هو باغي لالة كنزة! وزوجوا طامو للقائد دياله د الفرسان، ودبا راه النسا برا كايقادوا الشوار د لالة العروسة كنزة!”
ف هاديك اللحظة، نزلت الصدمة كافرة على يطو، وجاتها الغيرة والحسد للي حرق ليها الجوف! بدأت تضرب رجليها ف الأرض ويديها ف كتافها بـالفقصة للي بغات تخرج روحها، ونطقت بـالنواح والصياح والسم كايقطر من فمها:
“آوييييلي وحديييي ! وا ناري ونار الغدايد! كنزة؟ كنزة المكمشة تولي مرت السلطان وأنا باقة هنا ف القنت؟ وا قهرتوني وهبلتوني ف هاد الدار! كيفاش السعد يدوز من فوق راسي ويمشي لعندها هي؟!”
بدأت تنوح وتندب ف بلاصتها بـالمرور د الفقصة، وتخبط يديها أما البنات الآخرين، رحمة وخدوج، فـبقاو غير واقفين ف بلاصتهم، حالين فمهم بـالدهشة والذهول، وعبوش واقفة كتتفرج فيهم ويدها على جنبها!
فـ قلب القاعة الكبيرة د البرج العالي، فين السقف مسقف بـالخشب المنقوش بـالذهب والحيط مبني بـالحجر الغليظ، كان السلطان الشداد غاد جاي بـالخطوات الثقيلة الوازنة للي كتسمع ضرباتها بحال حوافر الخيل ف قاع الممر.
كان واقف بـكمال الطول والضخامة ديالو، لابس لبسته السلطانية الشديدة للي كتليق بـقائد جيش وصاحب ملاحم؛ ‘تَحْتِيَّة’ مجموعة عليه د الحرير الغليظ والمسقي، وفوق منها ‘مَنْصُورِيَّة’ عريقة مخيطة بـالصقلي الميت كتعطيه الهيبة والخفّة ف الحركة، ومحزم بـمضمة عريضة د الجلد لكحل فين راكز خنجره، مع ‘سرواله الستواني’لبسة كولها أنفة وقوة كتخليه واجد لـالسرج ف كُل ساعة.
الشداد ما كانش غايب على الشان د لبلاد؛ كان حاط قدامه رسوم ومخططات ف الكاغد الحيل، كيهندس بـيديه لبناء القلاع ، الجديدة، وكيقاد العبار للأسوار د الساحل باش يحمي المرسى،ويرتب المسائل د الملاحة والتجارة مع المارة للي كايقطعوا البحر والساحل. كان غارق ف العقل د التدبير والسياسة، وعينيه كيدوروا بين المخططات والسبك د البنيان.
ف هاديك الدقيقة، تدفع الباب د اللوح الثقيل بـالمَهل، ودخل القائد سلمان بـجلايل كساته الكاحلة وخطواته الميتة د الأصول. وقف قبالة السلطان، حنى راسه بـالهيبة وقال بـنبرة خافتة جايبة السبق الكاحل:
“مولاي السلطان.. لقد تحركت عيوننا في الخفاء، وانكشف الخبر اليقين في هذه الساعة. لقد عرفنا هوية ابن عم طامو ! فرساننا الآن يتربصون به في الدواوير، ويتعقبون أثره خطوة بخطوة.. وبإشارة من يدك الكريمة، نطير برأسه ونضعه بين يديك!”
هز السلطان الشداد رأسه بـالمهل من فوق المخططات والرسوم د الأسوار. كانت نظرته وازنة، وفيها صمت غارق يزن الربح والخسارة بـميزان السياسة. شبك يديه وراء ظهره، وتنهد تنهيدة السلاطين، ثم أجابه بصوت جهوري متبت وبفصحى بليغة:
“لا يا سلمان.. لا تفعل شيئاً الآن! دعِ الفتى في غوايته، ولتستمر عيونك في مراقبته دون أن يشعر بوجودها. نحن الآن نمر بأيام عصيبة وفي القريب العاجل ستنزل في عتبتنا ابنة الشيخ الميمون والقبائل كلها شاخصة بأبصارها نحونا.”
تقدم الشداد نحو النافذة الكبيرة، ورنا ببصره إلى السهول الواسعة، ثم أردف برزانة الملوك الداهية:
“لا داعي لإزهاق الأرواح في هذا التوقيت بالذات يا سلمان.. إن سالت الدماء الآن، فستثور حفيظة القبيلة وتتحول ديارهم إلى مأتم وجنازة في وقت ينتظر فيه الجميع الفرح والبهجة . أحكِموا الحصار حوله في ستر، واضبطوا المرصد، حتى تدخل العروس قصرها بيتها .. وحينها فقط، سيكون لنا مع الخائن حساب بالحديد والنار دون أن يفسد للود قضية”
حنى القائد سلمان رأسه طاعةً وتقديراً لـحكمة السلطان وحسن تدبيره، ثم تراجع بـالخطوات للوراء ف السكات، وخلا الشداد واقف بوحده بين المخططات والأسوار د البحر، كايتسنى الركبة د لالة كنزة بينما حبل الموت كايتزير بـالمَهل وراء ظهر الخاين!
قلب واحد البيت دافئ ومستور، بعيد على العينين وعياط يطو للي مزالة تاكل فـ عمرها بـ الغيرة ليل ونهار ، كانت لالة كنزة جالسة فـ ركن دافئ، مرقدينها فـ ‘الطين لبيض الحُر’ (الغاسول المسقي بـ ما الورد والقرنفل زناتي العتيق). هاد الطين للي كايجيبوه من قاع الجبل كايخلوه مرقد ليلة كاملة حتى يرجع بحال الحنة للي كتشرب كاع الشقا والخلعة من الذات.
كانت كنزة جالسة فـ قاع الجفنة د الخشب العريضة، مستسلمة بـ التلف والدهشة للي مزالة راكبة عليها. حِداها، كانت أمها مسعودة بركة بـ كُل عطف وحنان، شمرة على كمامها ويديها كولها عامرة بـ داك الطين لبيض، ودهن ليها لحمها، كتافها، ويديها بـ المهل، وتمسح عليها وتدلك بـ التاويل د النسا الأحرار باش الجلد يرطاب ويصفى بحال الحليب.
وعلى الجنب الآخر، كانت أختها رحمة جالسة شادة ‘الطّاس د النحاس’ الأصفر للي كايلمع، كتمد ف الما الدافئ المخلوط بـ العشوب الصافية والريحان، وتكب بـ المهل بين يدي أمها مسعودة.
رحمة بدأت تاخذ من داك الما الرشيق وتكب على السوالف د كنزة، وبجوج بيهم (مسعودة ورحمة) بداو كايسرحوا ليها بـ شعرها الطويل للي واصل حتى لـفخادها بـ المشط د القرن، يدهنوه بـ زيت اللوز والقطران الرقيق للي كايخلي الريحة د العز تلوح فـ البيت، ويرطبو ليها الذات ديالها كولها حتى رجع اللحم ديالها كايشعل بـ النقى
كانت كنزة فـ هاداك المشهد الزوين بحال النوارة وسط الما؛ الخلعة بدأت كتنزل من كتافها مع كُل مسحة د يدي أمها وأختها، وعينيها المسبلين كايشوفوا ف الطاس د النحاس بـ الحشمة د العرائس الأمازيغيات، والريحان، وريحة القرنفل زناتي العتيق كتفوح تبدل حال البنت؛ طارت الخلعة د الليل وجمدات الدهشة، وحست بـالدم رجع يغلي ف عروقها بـالزهو . كانت فرحانة من قاع قلبها وعاجبها الحال، السعد تكعد وميمونها طار بها لـعند السلطان للي كانت ملهوفة عليه فالصمت والعلانية، ، وفي نفس الوقت، كانت حشمانة، حادرة عينيها المسبلين ف الما، والوجنات ديالها كايقطروا بـالحمرة د الحياء كُلما قاست أمها لحمها الصافي.
قربت منها أمها مسعودة، وجهها كايشعل بـالرضى والنكاية، وبدأت كتمسح على ظهر بنتها وكتافها بـداك الطين لبيض بـالمَهل د الحنان، وهزات صوته الحنين، الغارق، والدافي، وبدأت كتغني ليها بـالشلحة الأمازيغية العريقة، أهازيج د العرائس للي كاتبكي وتفرح ف دقة واحدة:”إيغودا أ وميمون نّم أ يِلِّي… إيغودا السعد نّم غ أوسَّان!”
(ما أحلى ميمونكِ يا ابنتي.. وما أجمل سعدكِ في هاد الأيام!)
بدأت كتغني وتمايل بـراسها فوق السوالف د بنتها، وكتخرج الكلمات بـالشلحة الحنينة كأنه أنين د الكبدة:
“مَاتَّا رَّا تَّانِيتْ أ يِلِّي… غ تْكِيتْ خْ لْمَلْكْ أ تِيسْلِيتْ…”
(ماذا سترى عيناكِ يا ابنـتي.. وقد صرتِ في ملك الملوك يا عروس…)
و زادت كتعصر ف الصوت وهي كتدلك ليها كتافها بـالمهل، والدمعة بدأت كترقرق ف عينيها هي اللولة:
“أور تَّالْ أ يِلِّي أور تَّالْ… إيغ كِي يِيوِينْ غ ووزَالْ.. مِيرِيخْ كَمْ غ أوزْلِيدْ إِيسْ تْلاَّتْ غ وومَالْ…”
(لا تبكي يا ابنتي لا تبكي.. إن أخذوكِ بالحديد والنار.. تمنيتكِ في الأعالي فصرتِ في الظلال…)
نزلت هاد الكلمات على كنزة بحال الندى الحامي. تبدلات ديك الضحكة د الحشمة، وحست بـالصدر ديالها كايتزير وبـالغصة بدأت كتملا الحنجرة ديالها. شافت ف يدين أمها مسعودة كولها طين لبيض كتمسح عليها بـالرضى، وشافت ف أختها رحمة للي حابسة الدمعة بزز وشادة الطاس د النحاس كايترعد ف يديها.
ف هاديك الدقيقة، ما قدرتش كنزة تحبس راسها؛ نزلوا دموعها سخان، غزار، كايجريو على وجناتها الموردين بـالسخونية د الما والخلعة د الفراق. بدأت تبكي بـالندى الصافي، دموع د الفرحة حيت غاتمشي لعند السلطان للي بغاه قلبها، ودموع د الخوف والرهبة من هاد السعد الملوكي للي تفتح ليها بـالدم والسر ف قاع الليل، ودموع د الحنان على حضن أمها للي غاتخليه وراها. وبقاوا النسا بجوج، الأم وبنتها، كايتباكاو ف سكات دافئ وسط الرغوة د الطين والما د الورد، والغناء الأمازيغي الشجي كايودع الصغار د لالة كنزة قبالة العرش الغالي!
وسط داك البكاء الحنين والشجن د المواويل الأمازيغية للي كانت كتقولها مسعودة، تدفع الباب د اللوح بـواحد الضربة قاصحة زلزلات السقف، ودخلت يطو بحال العجاجة والريح العاصف للي كايطير الستر! كانت شادة ف يديها جلايل دفينها وجليلتها، وعينيها كايشعلوا بـالنار د الغيرة والحسد للي حرق ليها الجوف.
بلا مقدمات وبلا حشمة د الأصول، جرت يطو واحد الكرسي عتيق د الخشب الثقيل كان ف قنت البيت، حطاته بـالجهد قبالة البرمة فين مرقدة كنزة، وجلست فوق منه وتربعت بـكُل نخوة النكاية، وبقات كتشوف فيهم شوفات حارين، مسمومين، كايثقبوا الصدر بحال السهم.
تقطعت ديك البكية الحنينة ف حنجرة كنزة ومسعودة؛ جمد الما د الورد ف يدين الأم، ورحمة حست بـالطاس د النحاس غايطير من يديها بـالخلعة. ساد الصمت الكاحل ف البيت، وبقات يطو كتميل ف راسها وتشوف ف كنزة للي غارقة ف الطين لبيض، وبدأت كتهدر بـالحرورية والجهد د دوك النسا الحارات القبيليات للي كايعرفوا فين يضربوا بـاللسان، “إيواااا على سلامة لالة الملكة العروسة! تبارك الله وصلاة على النبي… الدموع سخان والمواويل شغالين على هاد الصباح! كاتبكيو على الفراق هااي هاي هاي!
حطت يطو يدها على ركبتها، وقربت بوجهها جيهة البرمة وهي كتحنزير وتضحك ضحكة د الغدايد:
“قالت ليك ‘تيسليت ن لملوك’ (عروس الملوك) أ خالتي مسعودة؟! إيوا قادو السوالف ودهنو اللحم بـالطين لبيض لعل وعسى يغطي هاد الصفورية إيوا شوفي المكتوب كفاش داير! غسلي أ ختي كنزة غسلي ونقي ذاتك، راه السرير الملوكي صعيب على الظهر للي ولف الحصيرة. ، ما عرفنا ميمونك كفاش دار حتى طير بيك فوق السحاب ف هاد الليلة!”
غير كملات يطو كلامها المسموم وضحكت ديك الضحكة د النكاية، حتى تبدل المشهد ف دقة واحدة. طار الحياء والدموع من عينين كنزة ف رمشة عين، وحضرت النفس الحارة د بنت الشيخ الميمون!
ما بقاتش حادرة الراس، وما بقاتش كتشوف ف الأرض؛ ناضت كنزة طق بـواحد القفزة فلتات من يد مسعودة وسط ديك الجفنة العريضة د الخشب، وقفت بـكمال الطول ديالها وسط البيت، عريانة كايقطر منها الما د الورد والريحان، واللحم ديالها مدهون بـالطين لبيض كايلمع بحال السيف المجبود من الغمد! هزات يديها بجوج ف السما، وخرجت عينيها للي رجعوا كايقدفوا بـالنار، وبغت تطلع على يطو فوق داك الكرسي د الخشب، ووقفت قبالتها وجه لـوجه، بلا خوف وبلا دهشة.
نطقت كنزة بـنفس اللهجة الحارة والجهير د النسا القبيليات للي كايزلزلوا الحيط، وعطاتها بـاللسان للي كايقطع بـالمرور:
“إيوا اسمعي لي أنتِ أ لالة يطو! وعمري هاد الأذان بـالصّفا وقادي التاويل ف راسك! المكمشة للي كتهدري عليها، راه السلطان الشداد بـفمه الملوكي نطق بـاسمها قبالة الأسياد والفرسان! ما عزلش الطول ولا الزواق د الضفيرات، عزل كنزة ..والسلطان مكتديه غييير للي مكتوب ليهم العز ف اللوح المرفوع!”
وهي كمل كلامها بـالسم للي فركع المرارة د يطو:
“غسلي لي أنتِ عظامك بـالما البارد أ لالة يطو، راه العافية للي شاعلة ف جوفك غاتحرق ليك الدفين الحمد لله للي ميموني قعد وسعدي دار وطار فوق السحاب، وبغيناكِ غير تبقاي جالسة فوق هاد الكرسي وتفرجي ف الهودج الملوكي كفاش غايهزني بـالشان والمرشان!”
كانت كنزة كتهدر والنفس كتعلا وتهبط ف صدرها بـالأنفة د العشيرة، والما المعطر كايقطر من سوالفها الطوال فوق الأرض. طار العقل من راس يطو، وبقات مسمرة فوق الكرسي د الخشب، حلت فمها بـالصدمة ومسعودة ورحمة هازين عينيهم فدهشة كيشوفو فيها زبطة وصدرها عامر وواقف كينقز وبغات طير على يطو تاكلها
طاروا عليها أمها مسعودة وأختها رحمة بـالفزعة جروها بجوج من يديها بـالزربة والمَهل ف دقة واحدة، وهبطوها وسط ديك الجفنة العريضة باش تستر وسط الما د الورد والرغوة د الطين لبيض.
نطقت مسعودة وهي كتقاد ليها السوالف بـالخوف واللوام د الأمهات الحريصات:
“تستري أ بنتي تستري! واش هادي هي الحشومية للي كنا نقولو عليها كتحشم وقافلة فمها ف الظل؟! نوضة واحدة طيرتي بيها الوقار د البيت وزادت رحمة وهي كتكب الما الدافئ بـالطاس د النحاس باش تبرد الجوف د أختها:
“تستري أ كنزة، أش هاد قلة العرض! راه العيب يدوز منا إيلا شافوكِ النسا برا واقفة هاد الوقفة وكتقولي هاد الكلام !”
ولكن كنزة كانت مزالة شاعلة بـالدم الحامي للي حركاته يطو؛ ردت عليهم وهي معصبة، وبدأت تضرب بيديها فالماء حتى طار الرشاش ف قاع البيت، والكشاكش خارجين من فمها بـالغدايد والحرورية، وتصيح بـالصوت المجلجل باش يخرجوا عليها يطو:
“وا خرجوا عليا هاد الحنش من البيت! كتشحر ليا فالسم وطعني وانا عروسة !!، جاية حتى لـعندي وتشرط ليا ف السعد وتعايرني ف صغري؟! وا خرجوها عليا لا نخسر هاد التاويل كوله فوق راسها الليلة!”
ناضت يطو من فوق الكرسي د الخشب بـطيرة واحدة، وجلايلها تلواو بـالزربة د الهربة ، ؛ وقفت عند عتبة الباب، دارت بـنص وجهها وتحنزيز عينيها كله عافية وقالت
“عمى ربي البصيرة للسلطان لي قاليهم كنزة ،، لهلى يكمل عليك يا خطافت الرجال!”
غير كملات يطو كلمتها المسمومة للي كتجرح الجواجي، حتى دارت بـالخفة د الريح، وهربت بـجلايلها ف الممر وخلات الباب كايرد وراها بـالجهد!
رجعت الغصة لـقلب كنزة وسط الما، وبقات تنهد والكشاكش د الغيظ مزالين ف جوفها، بينما مسعودة حطت يدها على صدرها كتسمي بـالله، كنزة شهقات شهقة وحدة وبدات كضرب فالماء وتلطم فالطين وتمسح فهادي وهاديك وتصيح بجنون
“كتشرط ليا فالسعدد كتشرط ليا فالسعد الكافرة بالله تابعاااني وا ناري وناري! وا هاديك الحنش طيرت لي السعد ف هاد الصباح! رمات فالي قبالة العتبة وبغات تخليني جالسة فدار(كتلطم وتصيح) وا يا مّي مسعودة.. وا يا ختي رحمة.. راه حسدوني! راه غا يطير سعدي ويبدلني السلطان كفما بدل طامو و رماها لـلقايد! وا عافيتهم كافرة ولسانهم كايقطع الرزق!”
بقات كنزة كتغوت وتشهق وسط البرمة د الخشب، والدموع رجعوا يسيلوا بـالغزارة ويمسحوا داك الطين لبيض على وجناتها. الخوف دبا ما بقاش من يطو، الخوف رجع من ‘الفال الخايب’ للي رماته وقاس الصدر ديالها. كانت كتحس باللي العيون د الحسد والسم للي دايرين بيها ف هاديك الدار قادرين يزلزلوا السرير الملوكي قبل ما توصله، وبلي الفرحة للي عزلها قلبها ف السكات غاترجع رماد بـسباب هاد الغيرة الكافرة!
وسط قاع الدار الواسعة، كان الجو كايغلي بـالحركة والنشاط د العرس الكبراني. العيالات د القبيلة والصنايعيات تجمعوا ف كُل قنت؛ شي برك ف الحصيرة كاينقي ف العشوب د الرفيسة والتاويل (الريحان، والقرنفل، وحب الرشاد للي كايعطر الجو)، وشي شاد الطَباق د الدوم كاينقي ف الزرع وصوت الغنا بالشلحة كيتردد .
مشات يطو كتزطم هنا ولهيه والعافية شاعلة فيها كتحرق جلسات على واحد الكرسي فديك الشميشة وراسها محزوم بسبنية زرقة وعلى كتافها دفيرات رقاق قصار شهبين، جمعات جلايلها بين رجليها حتى بان سروالها القصير تحت الركبة المطروز وبدات وبدات تسوط حدا خدوج لي كتنقي النافع وتسوط عليه .
بدأت يطو تجبد ف عينيها وتخرج فيهم بـالتعجاب والتحنزير، والوجنات ديالها حمرين بـالعافية، بدأت يطو تجبد ف عينيها وتخرج فيهم بـالتعجاب والتحنزير، والوجنات ديالها حمرين بـالعافية حطت يديها بجوج فوق دوك الضفيرات للي هابطين ليها على كتافها ، وبدأت كتمخض ف كتافها بـالنكير وتقول بلسان الحار
“وا تبارك الله… تبارك الله على قلة العرض عمرني شفتها !لااالالالالاللا هاااادي (جبدات حاجبها وعنقها) راه فقيهها صحييح، ودايرة حجاب مليح!كيفاش السلطان نقز لكنزة فليلة وحدة !! هادي مكانت لا على البال ولا الخاطر!! ايوا هادي راه تماتم الحيل للي تخدموا ف السكات تحت الحصير والحجاب المليح للي خلى الميمون يقعد بـالزز فوق السرير الملوكي!”
بدأت يطو تضرب يد على يد، وتجر ف دوك الضفيرات للي على كتافها بـالغل، وعينيها مزالين خارجين كايقطروا بـالسم
“والو… هاد الطرح راه مخدوم بـالفقيه الحار للي جاب ليها السعد من فم السبع
نخزاتها خدوج تسكت وعينيها كيدورو بين النسا لي كيغني من جهة ولاخريات كيردو عليهم من جهة اخرى
مرت الأيام ف الدويرة د الشيخ الميمون بـالزربة والجهد دالمعلمات والشيخ داخل خارج عليهم حاضي الشادة والفادة كيزرب فيهم باش يطلقو راسهم لليلة الرواح لي مابقا ليها والو .
. الساحة د الدار ما بقاتش تخوى من الحركية؛ الخياطات قفلوا كاع الدفاين والملحف الزناتي الكاحل بـالصقلي الميت، ودهاز لالة كنزة تجموع وتستف ف الصنادق د الخشب الرفيع، مخرخر بـالجاوي والمسك ومغطي بـالأثواب د البهجة الحرة.
أما الهدرة والسم للي رماته يطو على ‘الحجاب المليح والفقيه الصحيح’، فـ وخا بقى كيدور بـالغمز واللمز بين الحيوط د الساحة، مسعودة بـالرزانة ديالها قفلات عليه البيبان بـالتعواذ والرقية الحرة د القبيلة، وبقات حاضنة كنزة بحال جوهرة ف قاع الصندوق، حتى بردت الخلعة ف جوف البنت، ورجعت ليها النفس الحارة واليقين باللي سعدها مع السلطان الشداد مكتوب بـقلم د الذهب وما تمحيهش الشوفات الحارين،حرزات عليها بعينيها بالليل والنهار واقفة على شغلها ومشمرة عليه، هادو هما نسى القبيلة ! حارات فكلشي وبناتهم كيشبهو ليهم وطبع واحد ودم واحد جامعهم.
ليل ونهار وكنزة مقابلة الطين والزيوت ترطب فاللحم وتخمر فالشعر مكتخرج مكتشوف الشمس مكتحط يديها فالشقا .
خرجت لالة كنزة من خلوة الستر والنقى بحال الهلال ليلة كماله، نزل عليها واحد السر رباني سطع ف ملامحها وزادها ملوحية وغلى على زينها، حتى رجعات كتلمع بحال كاس البلار الصافي وسط الظلام.
كانت بشرتها حليبية، بيضاء بياضاً ناصعاً كأنه حليب حُر ما قاسته شمس ولا لافته ريح، بياض مشرب بـحمرة د الحياء الطبيعي ف الوجنات كأنها شقائق النعمان وسط الثلج. وفوق هاد البياض السلطاني، كان هابط شعرها الكاحل بحال موج الليل الكثيف، طويل ووازن كايتحدر على كتافها ويسيل حتى لمؤخرتها، كلو نقى ورائحة القرنفل والريحان المخمر كاتفوج منه مع كُل خطوة.
أما الوجه ديالها، فـ كان لوحة مقفولة بـميزان الذهب؛ جبهتها صغيرة ومستورة بالوقار، مرسومين تحت منها حواجب كوحل ومقوسين بـالقدرة الإلهية كأنهم نونين د المداد، مغطيين على عيونها العسلية دوك العيون الغارقين للي كايجمعوا بين دفا العسل وغموض الرماد ف قاع الكانون، عيون كبار وواسعين، مسبلين بـشفار كوحل، طوال وكثاف كايضللوا على النظرة ديالها، كُلما هزات شفارها وشافت، كأنها سهم كايخرق الصدر بـالسر والمحنة. وإيلا تبسمت لالة النسا، كايسطع من فمها الصغير بياض سنانها للي كانت مقابلاهم بـالسواك الحار والتاويل حتى رجعوا كيشعلو و كايبرقوا بـالنور قبالة الضو!سنة حدا سنة مستفين من لفوق للتحت والشافيف وردية جامعهم وجه دائري صغير ودقن محدد .
ولم يكن جمال كنزة وقوفاً عند وجهها؛ بل كان قدّها وجسمها آية ف العز والهمة د بنات القبيلة الأحرار. كانت متوسطة الطول وازنة، ومقدودة بـالتاويل للي كايعطي الهيبة للكسوة المخزنية. كتافها عراض ومبرومين بـالنخوة، وصدرها عالي ونافر بـالشباب، يضيق تحت منه خصرها المجموع والمحكوم للي كايتلوى بـالمهل د الرزانة. الأوراك ديالها كانوا وازنين وملايانين بـالخير د العشيرة، كايعطيوها مشية ثقيلة، رصينة، ما فيها خفة ولا نقصان، مشية السلاطين للي كتسمع ضربة حوافر الخيل ف خطاويهم.
وحتى كَدام رجليها للي ما قاستهم حصيرة ولا حفا، كانوا بـيضين، رطبين، وموردين من الكعبين بـالحناء الحارة والزيوت، صغار ومجموعين كأنهوم تفاح الشام، كُلما حطت رجلها على الأرض كأنها كتحط الختم د الشرف والعز ف طين الدار. وقفت لالة كنزة بـهاد العرض، وهاد الوزن الوازن، وهاد القد الملوكي، بحال شي حور العين نزلات وسط دواوير الشيخ الميمون، واجدة لـسرير السلطان الشداد بـكُل ما يملك الزين من سلطة وبـكُل ما تملك النفس من عزة وحرورية!
يتبع
شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹