خالص الولاء

وسط داك البيت الدافئ المخرخر بـالريحان والجاوي، وقفت لالة كنزة بحال صمعة د النور، والنسا والمعلمات كايقادوا ليها اللبسة د العز. لبسوها ‘القميص’ الأبيض د الحرير الحُر الخفيف، للي نزل على داك الجسم الفتان وتبع تفاصيله المبرومة بـالتاويل د الخالق. القميص كان نازل بـالمهل حتى قاست حاشيته الأرض، وفـ الجناب تفتحوا جوج فتحات طالعين بـالزينة حتى لـحد الركبة، كُلما تحركت أو مالت، كايبري من وراهم البياض النّاصع د ساقيها الموردين بياض كايخطف العين بحال البرق ف ليل الصيف.
كان عنقها مرفوع بـالنخوة والأنفة د بنات الشيوخ، عريان وطويل بحال عنق الغزال الفلتان من الصّياد، وفوق صدرها العالي النافر، كان القميص محلول بـالقياس للي كايظهر لون الصدر الحليبي الحُر والشق الدافئ للي كايبري بـالنقى والصّفا د الرغوة والمغسل. الفتنة ف هاد الثوب الأبيض د الدفينة كانت كايقطر منها السر الرباني؛ الحرير رطب وسلس كأنه ما جاري، واللحم من تحته كايلمع بحال كاس البلار، لدرجة أن البياض د الذات تخلط مع البياض د الحرير حتى رجعت كنزة كولها كتشعل بـالنور والبهجة قبالة الشموع.
ودايرين بيها النسا، مسعودة وأختها رحمة والمعلمات، شادين الملحف والدفائن الواجدة، وكايمسحوا على كتافها ويضفروا ليها السوالف الطوال، وصوت أمها مسعودة كايعلا بـالمواويل د الشلحة الأمازيغية، صوت غارق كايزلزل الحيط بـالشجن د الوداع والترحيب بـالعرس الكبراني:
“آ تِيسْلِيتْ غ لْمَلْكْ.. آ أُمَلَالُ ن ووزَالْ..
إِغُودَا الزِّينْ نَّمْ غ ووفْرَا ن لْحَرِيرْ..
إِيجَّا الوَرْدْ غ أُورْمَانْ.. إِيجَّا السَّعْدْ غ القَصْرْ!”
(يا عروساً في ملك الملوك.. يا بياضاً يغلب الحديد..
ما أحلى زينكِ في طيات الحرير..
فاح الورد في البساتين.. وفاح السعد في القصر!)
وكنزة واقفة وسط هاد الفتنة البيضاء، صدرها كايعلا ويهبط بـالخوف والرضى، وعينيها المعسلة كايلمعوا بـالدمع، وهي كتشوف راسها وسط هاد الحرير للي كايزيدها ملح وسر، واجدة للرحيل والركبة الملوكية للي غاتديها لـعند السلطان الشداد بـأعلى شان وأكبر همة قبالة العشيرة!
فـ قلب الدار الكبيرة، وفـ وسط الساحة للي ضاوية بـالشموع الغلاظ والكانون للي كايخرج منه ريحة الجاوي والمسك، تفتح الباب د اللوح دقة واحدة. خرجوا النكافات والمعلمات وهما كايصلوا ويصليوا على النبي، ومخرجين للالة كنزة بـاللباس الأمازيغي العريق، للي جامع ألوان العز والنخوة د الأجداد؛ الأبيض النّاصع د الحرير، مخلط بـالكحل د الملحف الزناتي الوازن، والحمر الشاعل د الشربيل والفتول للي كايقطر بـالهيبة. كانت بحال البدر ف ليل كماله، عنقها مرفوع وعينيها العسولية فالارض بـالحياء والأصول، وبشرتها الحليبية كتشعل وسط داك المزيج د الألوان للي زادها سر على سرها.
هبطوها بـالمهل د الرزانة، وجلسوها فـ وسط الساحة، فوق واحد الجلسة عالية مغطية بـالمخاد د الملحف الكاحل والصقلي الميت. داورا بيها النسا كولهم ف لغوان، ومسعودة أمها واقفة مشمرة حِدا راسها كتحرز عليها بـعينيها، ورحمة أختها شادة الطاس، والزغاريد بدأت كتشق السما وتهز الحيوط د الدويرة.
قربات المنقاشة، مرأة وازنة من قبيليات الأحرار، حاطة قدامها الطبسيل د النحاس المقفل، وفيه الحنّاة الخضرة الحارة المخلطة بـالما د الورد والقرنفل زناتي العتيق. هزات يد كنزة الصغيرة المفتفة بـالمهل، وبدأت كتخط بـالمرود والتاويل نقش عريق وحار؛ نقش الخلالة، والتربيعة، والأشكال الأمازيغية العتيقة للي كتحمي من العين وتجيب السعد. كانت كنزة جالسة كتشوف فيديها ورجليها قدامها البيضين الرطبين كفاش كايتغلفوا بـالخضورية د الحنّاة، والوجنات ديالها ملوحين بـالحمرة د الحياء كُلما علات شي زغرودة أو هزات أمها مسعودة صوتها بـالمواويل د الشلحة الحنينة:
“أ تِيسْلِيتْ غ أُوفْرَا ن لْحَنَّاءْ.. إِيجَّا السَّعْدْ غ إِيدَّانْ نَّمْ..
إِيقِّلْ كَمْ ووزْلِيدْ غ القَصْرْ.. إِيقِّلْ كَمْ السُّلْطَانْ!”
(يا عروساً في طيات الحناء.. فاح السعد في يديكِ..
ينتظركِ العز في القصر.. ينتظركِ السلطان!)
كانت كنزة كتسمع لهاد الغناء وهي حاسة بـالسخونية د الحنّاة كتدخل لـلحمها الحليبي الصافي، وبياض سنانها كايلمع وراء تبسيمة خفيفة د الفخر؛ حيت عرفت باللي هاد النقش هو المشوار اللخر للي غايقفل ليها باب الصغار ويفتح ليها باب العرش مع الشداد. وفـ قنت الساحة، كانت يطو واقفة وراء السواري، مسمرة بـالفقصة وهي كتشوف كنزة متربعة بحال الملكة وسط النسا والنقش كايتلوى على خطاويها .
وسط داك الزهو والزغاريد للي شاعلة ف ساحة الدويرة، والحنّاة مزالة خضرة كتمزج لـونها بـالبياض الحليبي د يدين ورجيلات للالة كنزة، تزلزلات الأرض برا د الدار الكبيرة بـضربات قاصحة وثقيلة كأنها الرعد ف قاع السماء. بدأت الخيل تصهل ف المشاور، وسمعوا الناس قعقعة اللُّجُم وخشخشة الدروع والسيوف للي كتعلم بـالقدوم د الفرسان لي جاو يديو موكب العروس.
طار الشيخ الميمون بـنفسه وعزّته، وخرج مشمر بـجلايل كساته البيضاء، وتبعه الرجال د العشيرة كولهم، وفتحوا البيبان الكبار د الدار الكبيرة على حدها. تما، بانت ‘العمارة السلطانية’ للي كتحجب الشوف؛ فرسان الشداد الأحرار راكبين فوق خيل غلاظ وضخام، لابسين كساويهم الشديدة الكاحلة، ومحزمين بـالمضام د الجلد، وفـ يديهم الرماح الطوال للي كايبرقوا الأسِنّة ديالها تحت ضو القمر، وسلوقيتهم والسيوف د الهند معلقة ف الجناب بـالتاويل. على رأسهم، كان القائد سلمان واقف ف السرج بـالهيبة دياله، جايب معاه الهودج الملوكي الغالي، المكسي بـأثواب البهجة الحرة والحرير المقفل، للي غاتركب فيه نوارة العشيرة.
كان الاستقبال حافل و متبادل بـالنخوة د الرجال؛ الخيالة د الشيخ الميمون داروا حلقة واسعة وجبدوا السيوف ف السماء كايلاعبوا الخيل بـالهمة ، ترحيباً بـفرسان السلطان . والخبر تطلق ف الدار بلي حان وقت الرحيل . والكل كان معروض لقصبة الشداد فين كانت اللامة الكبيرة والتكبيرة باهل القبيلة.
ناض اللهط واللغط فاش كلشي شاف العروس منوصينها بحنتها الجافة والحجاب على وجهها للرواح. كلشي بغا يمشي وكلشي تالف وكيجري حتى دخل عليهم الشيخ مخرج عينيه الحارة وحزم فالنسا لي كانو غيخليو الدار خاوية ويتبعو العروسة. رد النص لور ..لاكن بالرغيب والمزاوكة من ختو لكبيرة خلا البنات يمشيو مع ختهم يحضرو فاللامة
وسط الساحة الكبيرة للي ضاوية بـمشاعل الزيت والشموع الغلاظ، وقفوا أعيان وكبار القبيلة ف صفين د العز؛ الشيوخ بـالحي اللحية البيضاء والكسوة الصافية والبرانس د الوبر الوازن، شادين ف يديهم عصي اللوز العتيقة، وعلى راسهم الشيخ الميمون للي واقف بحال النخلة الطالعة، وعينيه كايلمعوا بـالدمع د الفرحة والأنفة د العشيرة.
تفتح باب البيت الكبراني، وخرجت لالة كنزة بـالمهل والثقل د الملكات. كانت مغطية بـواحد ‘العبروق’ الحريري الرقيق فوق راسها كايحجب وجهها بـالستر، ولكن الفتنة د قميصها الأبيض والملحف الزناتي الكاحل والفتول الحمرين كانت كاتبين الهمة د قدّها الوازن ومكحلة الشوف. غير حطت كدمها الموردة بالحناء فوق عتبة الدار، حتى تعالت الأدعية والصلوات من فم كبار القبيلة؛ الشيوخ بداوا كايسبحوا ويدعوا ليها بـالتيسير والذرية الصالحة والسعد القاعيد، وصوتهم الجماعي الرزين كايزلزل الحيط ف سكات الليل:
“الله يرضي عليك أ بنتي.. الله يجعل قدمك قدم السعد والرباح .. الله يحجبك من عين الحساد.”
مشات كنزة بين الصفين د الشيوخ، وحِداها أمها مسعودة شادة طرف د جلايلها وكتحرز عليها بـالقرآن ف السكات، وأختها رحمة هازة الصندوق الصغير د الحلي. قربت جيهة الهودج الملوكي للي بارك ف قاع الساحة، مكسي بـالبهجة الحرة، والفرسان د الشداد شادين لُّجُم الخيل بـكُل أدب وهيبة، والسيوف والرماح الطوال كايبرقوا ف يديهم تحت ضو المشاعل.
وقف الشيخ الميمون قبالة الهودج، وهز يده الوازنة، وعاون بنته لالة كنزة باش تطلع بـالشان والمرشان لـوسط داك الفراش د الحرير المقفل. غير دخلت كنزة وجلست وسط الهودج وتسترت وراء الستور د البهجة، حتى دار القائد سلمان فوق السرج دياله، وشار لـلفرسان بـرمحه العالي؛ فتحركت الركبة كولها ف دقة واحدة بـصهيل الخيل وخشخشة الدروع، وتحركوا وراهم الأعيان والعائلة كولها ف موكب عظيم كايقطع الظلام جيهة القصبة العالية، فين لامة السلطان الشداد شاعلة
من بعد مشوار طويل ف طريق الساحل تحت ضو المشاعل،فالسير على مهل وتمهل بالهودج بانت القصبة العالية د السلطان الشداد واقِفة بحال الجبل قبالة البحر، الأسوار ديالها الطوال شاعلة بـمئات المشاعل د الزيت للي كتعكس الضو على الما، والأبراج كولها مزينة بـالرايات د النصر والعز. كاع القبائل والأعيان للي عيط ليهم السلطان لـ’اللامة’ الكبراني كانوا كايتسناوا هاد اللحظة؛ الساحات لداخل غارقة بـالناس، والموائد د الخشب الثقيل مغطية بـالخيرات والبخور فكل مكان غير قرب الموكب د الشيخ الميمون وظهر الهودج الملوكي د لالة كنزة من بعيد، حتى تفتحوا الأبواب الكبار د القصبة – للي مصنوعة من اللوح الغليظ ومبرومة بـالحديد – على حدهم بـواحد الصدى قوي زلزل الساحل. تحركوا الفرسان د الشداد ف صفين، وهزوا السيوف د الهند والرماح الطوال ف السما كايلاعبوا الخيل بـالهمة والنخوة صهيل الخيل تخلط مع قعقعة الدروع وخشخشة الأسنّة، ترحيباً بـالركبة الغالية
الخدم د القصر والقبائل المعروضة للي واقفين ف السطوحة والشرجم العالي د القصبة، غير شافوا الهودج دخل، حتى طيروا السما بـالزغاريد الأمازيغية والمخزنية الطوال، للي بدأت كترد الصدى ديالها أمواج البحر. وبدأوا كيرموا الورد والزهر والما المعطر بـالقرنفل من الفوق حتى فزقوا جلايل الفرسان وكسوة الأعيان د الشيخ الميمون للي داخلين بـالشان والمرشان.
وسط هاد الزلزال د الفرحة والهمة، وقف الهودج ف قاع الساحة الكبيرة ، تما، تفتح السِّتر د البهجة الحرة بـالمهل، وهبطت لالة كنزة بـخطواتها الوازنة والثقيلة، مكسية بـالحرير الأبيض والكحل والحمر، وعنقها المرفوع كايزيدها أنفة، وخلفها أمها مسعودة وأختها رحمة كايقادوا ليها الجلايل د العز. وقفت كنزة وسط الساحة، وعينيها العسلية كيشوفوا ف الأبهة د القصبة بـالفخر للي طير كاع الخوف والفال الخايب د يطو؛ حيت شافت بـعينها باللي سعدها قعد، وبلي هي لالة النسا للي تفتحات ليها بيبان الملك بـالتاويل د السلاطين!
خرجوا الخدم من النسا والجواري المستورات ف صفين د العز؛ كانوا لابسين ‘المنصوريات’ د الحرير الرقيق بـالألوان الفاتحة، ومحزمات بـمضام د الصقلي المفتول، وفوق راسهم ‘السبنيات’ د البريسم الرفيع.
استقبلوها بـالطقوس الأندلسية العريقة للي كتحير العقول:
رشوش غسل الخطاوي: قربوا الخدم اللوالا وهما هازين ‘المراش’ د الفضة الخالصة المنقوشة، وبدأوا كيرشوا الما د الزهر المقطر بـالقمْقُم والحبق تحت كدام لالة كنزة وعلى جلايل قميصها الأبيض، باش تدخل بـالرائحة د الجنة لـعتبة الملك.
بخور العود والقمارين: وراهم نسا هازين ‘المباخر’ د النحاس الأندلسي الثقيل، طالع منها الدخان د العود القماري والند الحُر للي كايثقب الجوف، وكايدوروا بـالمبخرة حِدا راسها وورا ظهرها كأنه غمام د الطيب كايحجب الفتنة ديالها.
حاصروها كُل واحدة شادة ف يدها شمعة د العسل غليظة وطويلة، كايتمشاوا بـالمهل د الرزانة حِدا جلايلها، وسط الممرات د السواري المنقوشة.
كانت كنزة غادية وسط هاد الموكب الأندلسي، مرفوعة العنق، والخدم كايحركوا وراها ‘المهفات’ د الريش الأبيض بـالأدب الملوكي؛ حست براسها ف عالم آخر د النقى والشان، والترتيب د القصر خلى مشيتها ترجع كتر رزانة وثقل، وهي غادية جيهة ‘بهو الرخام’ فين غاتلاقى السبع، السلطان الشداد، للي كايتسنى قدوم عروسته بـالتاويل د العز الكبراني!”
غير دازت كنزة من ممر السواري وقربت لـبهو الرخام الكبراني فين واقف السلطان كيسلم على باها بوقار ، حتى طار داك الثبات كوله للي كان مخبي وراء ‘العبروق’ الحريري. تما ف قاع الجوف ديالها، حست بـواحدة الخلعة كافرة نزلت عليها ف دقة واحدة؛ الخوف د البنت الصغير قبالة المجهول، والهيبة د قصر السلاطين للي كايخلع الرجال، فما بالك بـعذراء خارجة من ظل الدويرة!
بداو يديها تحت اللحاف الملحفة دلحرير البيضاء المفتفين بـالنقش د الحنّاة كايترعدوا بـالجهد، لدرجة أن كفوفها رجعوا يقطروا بـالعرق البارد وسط الحرير د القميص الأبيض. كُلما قربت خطوة والريحة د العود القماري تخلطات مع هيبة المكان، كُلما كانت كتحس بـركابيها خواو بيها بـالمرور، ورجليها الموردين بـالحناء تقالوا عليها كأنهم مربوطين بـسلاسل د الحديد، لدرجة أنها خافت تعثر ف جلايل قميصها للي نازل للأرض وتوقع قبالة هاد الأبهة كولها.
قلبها الصغير بدأ كايضرب بـالجهد وسط صدرها النافر، ضربات قاصحة وسريعة كأنها حوافر خيل ف محركة، حتى رجعت النفس كتطلع وتهبط ليها بـالنهيج والشهقة المكمومة وراء اللثام. عينيها المعسلة دخلوهم الضبابة د الدموع من كثرة الارتباك والفزع؛ رجعات دبا غير كنزة المكمشة ف المحنة د أمها، البنت للي كترعد قبالة مصيرها الجديد.
دارت بـنص شوفة مخفية جيهة أمها مسعودة للي كانت غادية وراها؛ شافت مسعودة دوك الكتاف د بنتها كايترعدوا والخطوة تخلخلات، وهي تقرب منها بـالخفة د المحنة، وحطت يدها الدافئة الحنينة وراء ظهر كنزة، وزيرت عليها بـالجهد، وهمست ف وذنها بـداك الصّوت الرزين للي كايثبت العقول:
“ثبتي أ بنتي.. ثبتي أ كنزة ونور عيني! أنتِ بنت الشيخ الميمون، حرة بنت الأحرار، والدم د العز كايغلي ف عروقك؛ هاد الرعدة راه غير الحياء د النوارة، ولكن النفس ديالك كبر من هاد البيوت كولها. هزي راسك ومشي مشية الملوك، هاديك اللمسة د الأم وهاديك الكلمة د العز، نزلت على قلب كنزة بحال الما البارد فوق العافية؛ وخا الرعدة مزالة ف اليدين والركابي خواو، جمعت كنزة ما بقى ليها د النفس، وهزت عنقها المرفوع وراء العبروق، وزادت خطوة أخرى ثقيلة وسط ضو الشموع الطوال، واجدة للوقفة اللولانية قبالة السلطان
في فناء القصبة الفسيح، الذي تفوح منه رائحة الأرض والحديد، كان الشداد واقفاً بوقفتهِ التي تفرضُ على القلوبِ السكينة. كان الشداد يرتدي ‘كساءً’ خفيفاً من الكتان الحُر بلونه الابيض النقي الفاتح، مغزولاً بـالتاويل للي كايخلي ذاته كتنفس، ومشدوداً بإحكامٍ على جسدهِ العريض، يظهرُ قوة عضلاتهِ وبروزَ كتفيهِ اللذين اعتادا حملَ دروعِ الحربِ وشدائدِ السنين. كان الكساء مفتوحاً من الصدر بـالقياس اللي كايعطيه الهوا والراحة، ويظهر تحت منه ‘قميصه’ البلدي الناصع، مشدوداً بحزامٍ جلديٍ عريضٍ بني يضمُّ خنجراً أمازيغياً مقبضه من قرن الغزال، لا يلبسهُ إلا من كان سيّدَ الرماحِ والقراراتِ الصعبة.
كانت حركتهُ حرّة، طليقة، وخفيفة، كأنّ الأرضَ ملكٌ طوعَ أمره، ولا يقيده لا صهد ولا ترف القصور. عندما اقترب الشيخ الميمون بـوقاره المعهود وخطواته الرزينة، تقدّمَ الشدادُ بـخطواتٍ واسعةٍ، خطواتِ القائدِ الذي لا يعرفُ الارتياب، ومدّ يده لـمصافحة الشيخ. تحت ضوء النجوم ونسمات الليل الدافئة، مصافحةً تليقُ برجالٍ يعرفون قيمةَ العهد. وقف الشدادُ بجسدهِ المتين، وقفةَ الأسدِ اللي كايفرض الاحترام بـحضور الطاغي وبـرائحة الفروسية والنخوة اللي تفوح منه. وقوفه ذاك، وثباته في مكانه، كانا يعلنان للحضورِ أنَّ هذا القائد سيبقى حراً، يحرّكهُ عزمُهُ لا رغباتُ القصور.”
واليد ف اليد بين السلطان والشيخ الميمون، والكل مسمّر كايشوف ف وقفة العز والمصاهرة، تحركوا الخدم د الحريم الأندلسيات بـالمهل، شادين الشموع الطوال ومحوطين للالة كنزة باش يدخلوها مباشرة لـ’الخلوة’ ديالها ، بعيداً على عينين الرجال والأعيان للي معمرين اللامة.
ف هاديك اللحظة بـالذات، والشداد كايتكلم مع الشيخ، دار بـعينه واحدة اللمحة تقيلة،، لمحة كايقيس بيها المدى وراء العبروق الحريري الرقيق والألوان الأمازيغية ، لمح الشداد الطول والقد الملوكي د كنزة. شاف بياض قميصها الحريري كايبري تحت ضو الشموع، ولمح مشيتها الثقيلة الرزينة وخا الرعدة كانت شاداها لداخل. بقى شاد ف يد الشيخ الميمون بـالاحترام والوقار، ملامحه الصخرية مزال ثابتة، ولكن عينه تبعات داك الموكب د الشموع والبخور حتى غبرت كنزة وراء بيبان الخلوة الدافئة. تما، تبسم السلطان الشداد واحدة التبسيمة خفيفة
غير سدوا الخدم الأندلسي الباب د اللوح العريض د الخلوة بـالأدب والرزانة، وتقفل العالم د برا بـسكاته، حتى تفتحات عينين كنزة على نظام جديد غريب عليها كولها. البيت كان عظيم، السواري ديالو منقوشة بالخشب ، الرفيع، وفـ القنات مجامر النحاس كايطلع منها العود القماري للي كايثقب الدماغ بـقوته. حاشية السلطان من النسا الكبار واقفات ، والخدم كايتحركوا بـالميزان؛ هادي شادة الفراش، وهادي واقفة بـالمهفة د الريش بـكُل أدب.. كولشي كايتحرك بـالإشارة والوقار المخزني الصارم للي ما فيهش الضحك د بنات القبيلة ولا النشاط د الدويرة. هاد ‘النظام الجديد’ والترتيب للي كايخلع، نزل على كنزة بحال شي جبل كتموت تحته الأنفاس. الخلعة الكافرة للي كانت مخبية لداخل تفركعات ف دقة واحدة! بدأت ترعد وتفقف بـالجهد، لدرجة أن سنانها بدأوا كايضربوا بعضياتهم بـواحد الصوت مسموع من شدة الفزع والارتعاش. يدياتها المفتفين بـنقش الحنّاة الحارة رجعوا يقطروا بـالعرق البارد كأنهم تخواو فيهم السلايل د الما، وركابيها تقالوا وفشلوا مابقاوش هازين داك الجسم الفتان، لدرجة أن الأرض دارت بيها، والضباب د الدموع كحل الشوف ف عينيها . صهْد الجو ف الخلوة مع الريحة المجهدة د البخور خنقوا ليها النفس، وصدرها النافر المخبي تحت الملحفة . بدأ كايعلا ويهبط بـالنهيج كأن الروح غاتخرج من الجوف.. وحست بـالدُّوخة خطفاتها وبدأت كتلوى وتطيح، بغات تسخف وتغيب ليهم بـالمرة قبالة هاد الأبهة للي كتخلع!
ف هاديك اللحظة، طاروا ليها حمايتها د الصّح! قربت أمها مسعودة بـالفجيعة ، لقطاتها من تحت كتافها قبل ما تقيس الأرض بـبياض حريرها، وأختها رحمة طارت بـالخفة شادات يديها للي كايترعدوا وكتمسح عليهم وتصلي على النبي بـالدموع ف عينيها
قربوها من سرير الحرير والخدم ضارو بيها هزو عليها السترة على وجهها وشافو الرعشة فعينيها وسنانها وفمها رجع بيض ،حيدو الملحفة بالزربة عراو على صدرها النافر اللي كيبان من شق القميص ببياضه الناصع وبداو ينفخو عليها بالريش وتكاوها على الوسايد وهزو ليها رجليها لي كتفتت بالحنة فوسط بلغة الصم وحطهم على فراش الحرير المخملي. قربات عمتها للي كانت واقِفة جنبها هزات الطاس د الما د الزهر المقطر بـالزربة وبدأت كترش ليها على جبهتها وعنقها المرفوع للي رجع شاحب. حاشية السلطان من النسا تراجعوا بـالأدب والوقار باش يخليوا العائلة تلم شمل العروسة.
ومسعودة زيرت على راس بنتها حِدا صدرها، وكتقرا عليها القرآن ف السكات وكتمسح على وجناتها الملوحين بـالعرق، وهي تهمس ليها بـصوت دافئ د المحنة:
“أ بسم الله عليك أ بنتي.. بسم الله عليك أ نوارة عيني.. ردي النفس أ كنزة، ردي الروح أ لالة النسا! هادي غير الفرحة والمحنة د العرس،
فـ قاع بيت الضيافة العظيم، للي السواري دياله طالعة بـالرزانة من طين حمر ، كان المجلس كايخطف العقل بـالوقار دياله. القاعة كولها دايرة بـالْمَضَارِبْ الثقيلة د الثوب الوازن، ومبخرة النحاس الكبيرة ف الوسط كايطلع منها بخور العود القماري للي كايعمر الجوف بـالسكينة.
كان السلطان الشداد جالس جلسة القيادة والهمة، بـكسائه الخفيف د الكتان والقميص الأبيض الناصع، وجنبه الشيخ الميمون بـكسوته البيضاء الصافية ولحيته الوقورة، وحواليهم أعيان القبائل، والفرسان الأحرار، والفقهاء د القصر للي لابسين البرانس البيضاء بـالتاويل. ما كانش تما لغد والو؛ كان سكات السلاطين للي كايسبق كلمة الحق.
تقدم الفقيه الكبراني د القصبة، راجل كبير ف الشان وعينيه كايقطروا بـالنور، وهز يديه قبالة صدره، وفـ دقة واحدة، هز السلطان الشداد يديه القوية، وتبعه الشيخ الميمون وكاع الرجال والفقهاء المعروضين ف اللامة. انفتحات كفوف الأحرار لـلسماء، وبدأ الفقيه كايقرا آيات الفاتحة بـواحد الصوت رخيم، حنين، وموزون، وتبعه المجلس كوله ف دقة واحدة بـصوت جماعي، جهوري، ومسموع، زلزل الحيط د بيت الضيافة ورجع الصدى دياله كايسمع ف فناء القصر:
“بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ..”
كان الصوت الجماعي د الرجال والفقهاء كايطلع بـالخشوع، يمتزج بـنسمات ليل الصيف الدافئة، كأنه حصن د الدين والقرآن كايتحط فوق هاد المصاهرة. الشداد كان كايقرا وعينيه الحادة مسمرة ف الفراغ بـالثبات والرضى، والشيخ الميمون كايقرا وعينيه مغمضة ، دايزة ف لحيته البيضاء. غير وصلوا لـكلمة “وَلَا الضَّالِّينَ”، ردت القاعة كولها بـصوت واحد كايهز الجوف: “آآآامين”.
مسحوا الرجال كفوفهم على وجوههم بـالبركة واليقين، ودار السلطان الشداد جيهة الشيخ الميمون، وسلم عليه تسليمة العز والعهد، وعرفوا الجميع باللي الفاتحة تقفلات، وبلي لالة كنزة صبحات رسمياً زوجة السلطان، بـحكم الله وشرعه والتاويل د السلاطين تطلق سراح الفرح ف قاع القصبة بـواحد القوة زلزلات السقوف د اللوح والرخام البارد. نسا الخدم طيروا السماء بـالزغاريد الطوال، زغاريد متصلة، حارة، ومجلجلة كترد الصدى ديالها أمواج البحر برا د الأسوار. تخلطات معاها الأصوات د النسا د القبيلة للي جاو مع الركبة، ورجعات القصبة كولها كتهتز بـواحد الهيجان د الزهو للي كايعلم القاصي والداني باللي تقرات فاتحة بنتهم على السطان الاندلسي .
وفـ هاديك اللحظة بـالذات، بدأت الحركة د الخدم بـالسرعة والميزان للي كايخطف العين. تفتحات البيبان د المطابخ الكبار د القصبة، وبدأ العشا كايتوزع بـما لذ وطاب من خيرات البلاد والبحور، محطوط ف قصاع د الفخار الكبراني المنقوش وطباقة د النحاس الثقيل للي كايلمع تحت ضو المشاعل:
خرفان الغنم المحمرة: جاو الخدم هازين القصاع الطوال فوق كتافهم، فيها الخرفان السمان للي طابت ف الفران د العواد حتى رجع لحمها فتي بحال الزبدة، محمرة بـالسمن الحار والزعفران الشعرة، ومزينة بـاللوز المقلي والبيض د السمان للي كايشهي الجوف.
الكسكس بـالسبع خضاري واللحم الغليظ: تحطوا القصاع د الطين الكبار للي كايطلع منها الفوار د السميد المفتول بـاليد، مسقي بـالمرقة الخاطرة واللحم الغليظ د البقر، ومحوط بـالقرعة الحمرة والفت والخضرة د الفدان للي كتعطي الفال د الرباح والتيسير.
الدجاج المحمر بـالدغميرة د الزيتون: ممر عاوتاني د الخدم هازين طواجن الدجاج الحر للي طايب بـالتاويل مدغمر بـالبصلة المكرملة والزعفران والزيتون الحمر والحامض المصير للي كايثقب الجوف بـرائحته.
الفواكه وثريد العسل: وراء اللحوم، تحطوا الصواني د الفضة الخالصة معمرين بـالفواكه د الصيف الطرية من دلاح وكرموس وعنب، وحِداها القصاع د الثريد الورقة الرفيعة المسقية بـالعسل الحر د الزعتر واللوز المهرمش، مع كيسان الما المعطر بـالزهر واللوبان الحُر.
كانت الموائد محطوطة ف الساحات ولداخل ف البيوت، والرجال والأعيان د القبائل كايآكلوا بـالنخوة والهمة، يد الله مع الجماعة، هاد الزردة العظيمة طيرت كاع الصهد د الليلة، ورجعات الأنفاس كولها فرحانة، بينما لداخل ف الخلوة، الرائحة د العشا د النسا بدأت كتدخل لـكنزة للي بدأت كتجمع ركابيها وتثبت،
وسط داك السكات د الخلوة للي كايقطر بـريحة العود القماري، كانت لالة كنزة مزالة متكية فوق الفراش الغالي د الحرير المقفل، مسندة ظهرها وجسمها الفتان للي هدّه التعب د المشوار والزلزال د الخلعة للي جاز عليها. عينيها الوااسعة رجعوا تقال بالزاف، والجفون ديالها كايتغمضوا بـالمهل من شدة الإرهاق، كأنها باغة تخطف غير نص غفة ، أمها مسعودة كانت مزالة جنب راسها كتمسح عليها بـالمحنة، وأختها رحمة وعمتها حِدا رجليها كايثبتوا ليها المستور بـالتاويل.
تفتح الباب د اللوح بـالأدب، ودخلوا الخدم بـالخطوة الخفيفة الموزونة، هازين ف يديهم الصواني دالفضة ؛ حطوا قبالتها ما لذ وطاب وللي يفتح النفس المغلوقة. حطوا طويجنات الدجاج المحمر للي مدغمر بـالزيتون والحامض المصير كايغلي بـرائحة الزعفران الحُر، وحِداه الطواجن د اللحم الفتي بـالبرقوق واللوز المقلي، والثريد الورقة المسقي بـالعسل د الزعتر، مع كيسان د الما البارد المعطر بـالزهر واللوبان للي يروي العطش د الصهد.
قربت مسعودة الصينية جيهة بنتها، وقادت ليها الجلسة بـالمحنّة، وقالت ليها بـالصوت الحنين د الأمومة:
“هاكي أ بنتي.. هاكي دوقي غير لقمة تسندي بيها طولك، راه الذات عيات والليل مزال طويل، وهاد الخير كوله تذبح وتصاوب على قبل قدمك الغالي ف هاد القصبة ولكن كنزة، وخا الرائحة د الطياب كانت كتشهي وتفتح النفس للي مريحة، دارت بـوجهها جيهة الحيط، وهزت يدها المفتفة بـالحناء الحارة بـواحد الحركة خفيفة د الرفض؛ جوفها كان مزير ومخنوق بـالرهبة، وكُلما شافت ف دوك الموائد كُلما حست بـالقلب ديالها كايضرب كتر وكتزاد عليها الدوخة. رفضت الماكلة كولها وما بغات تقيس حتى حاجة، كأنه صيام د الحياء والخلعة قبالة هاد الميثاق الجديد؛ واكتفات غير بـالنفس الثقيل للي كيطفي الصهد د صدرها، وعينيها الثقال مسمرين ف الستور د البهجة،
قربات أمها مسعودة مرة أخرى بـالدموع ف عينيها، وهزات لقمة د الفتيت د اللحم المحمر، وحطاتها حِدا فم كنزة وهي كتحزر: “غير لقمة واحدة أ بنتي.. غير لقمة تسندي بيها طولك الله يرضي عليك”. ولكن كنزة زادت دارت بـوجهها جيهة الحيط، وعينيها الثقال غارقين ف الضباب د الدموع، ويديها كايترعدوا، رافضة كُل حاجة.
تما، تزاد الصهد ف البيت، وخرجت العمة من ظل السارية بـخطواتها الوازنة وصوتها الصارم للي كايقاد المايل. قربات من الفراش، وهزات الطاس د الما د الزهر حطاته بـجهد فوق المائدة د الخشب (طق)، وشافت ف كنزة بـواحد النظرة حارة د النسا القبايليات للي ما كيعرفوش الرخوفية، وقالت ليها بـصوت وازن، فيه الهيبة د الأصول:
“جمعي راسك أ كنزة! جمعي راسك وتثبتي ف بلاصتك! أنتِ دبا مرت السلطان والقصبة صافي تهزات بالفاتحة ديالك ، ومراكيش ف الدويرة د باّك الميمون كتدللي وتخباّي وراء جلايل أمك. السلطان عزل بنت الشيوخ للي تسند عليه الظهر وتكون لالة مولاتي ، ما عزلش البنت الصغير للي تطيح وتخوى بيها الركابي من أول ليلة وتدير فينا الضحك قبالة حاشية القصر ونسا القبيلة! لقمة د العشا هادي ماشي ماكلة، هادي قوتك وعزك باش توقفي على رجليك بـالشان والمرشان.”
نزلت الكلمة د العمة بحال السوط للي فيّق الروح د كنزة. وربطت العمة كلامها بـواحدة النبرة خافية، فيها الدهاء والتلميح د العيالات الكبار، وهمست ليها وهي كتقاد ليها ‘العبروق’ الحريري فوق راسها:
ودبا راه جاي وباقي ليه خطوات على هاد الباب. وجدي راسك أ بنتي، وحيدي هاد الرعدة د الخوف للي ما تليقش بيك؛ الليلة ليلتك،طلقي عليك هاد الخناث وحمري وجه باك قدام القبيلة وهزي شانو
غير شافت العمة بلي كنزة زيرات قلبها وخلات النفس الأمازيغية الحرّة ترجع ليها لعروقها، دارت بـواحد النظرة حازمة، قاطعة، ما فيهاش اللو د الهدرة، جيهة أمها مسعودة وأختها رحمة. كانت شوفة بـالعين كتقول: ‘سالينا من الحزارة.. دبا وقت كلام العقل د النسا الكبار’.
فهمت مسعودة الإشارة، ونزلات دمعة د المحنة على خدها، وحطت يدها على فمها باش تكتم الشهقة د البكاء د الخوف على بنتها ، وناضت كتجر رجليها بـالثقل د الجوف، وعينيها لور لور مشدودين ف بنتها كأنها كتودع قطف من كبدتها. ووراها طارت رحمة، حاطة حتى هي يدها على فمها بـالدهشة د البنت للي شافت الأبهة والخلعة، وخرجوا بـالمهل، كايجروا رجليهم حتى تقفل الباب العريض د اللوح، وبقات الخلوة سكات.. ما فيها غير العمة بـوقارها، وكنزة بـرعبها وزينها.
قربات العمة بـالخطوة الرزينة، وجلست فوق الفراش حِدا كنزة، جلسة حازمة كولها هيبة، وزيرات ليها على كفوفها المفتفين بـالحناء بـالجهد، وشافت فعيونها الخايفة وقالت ليها بـصوت خافت، وازن، وكايقطر بـالصرامة د القبيلة:
“اسمعي ليا مزيان أ كنزة، وعي كلامي حيت هاد الساعتين هي للي غاتثبت ساسك ف هاد القصر لـعقود د السنين. الشداد برا تفتحات ليه بيبان القصبة بـالعز، ودبا غايتفتح ليه هاد الباب؛ والسلطان ما كايقنعوش الزين بوحده، كايقنعه الشان والهمة للي كتشد الظهر. صباحك هوا وجه باك ، الميمون قبالة القبائل كولها للي معمرة اللامة، وهو النخوة للي غاتخلي عروق الشداد تفتخر بيك غدا قبالة حاشيته.”
نزلت العمة كتر، وهمست ليها بـالنصيحة الحارة للي كتقاد الروح:
“إياكِ ثم إياكِ تباني ليه رخيفة ولا يغلبك الخوف فاش يدخل! وخا ركابيك خواو، فاش يرفع السِّتر ويقرب منك،تحزمي وسلّمي ليه ذاتك بـالوقار د الحرة للي كتعرف باللي راجلها هوا حماها ا. زيري قلبك، وكوني صابرة وثابتة؛ الوجع د اللحظة راه كايزول ف رمشة عين، ولكن الحرمة د دمك للي غاتخرج غدا بـالتاويل د النسا الكبار غاتخلي الشداد يرفع ليك التاج فوق راسك، ويقول: ‘عزلت حُرّة بنت الأحرار’.”
وقفت العمة بـكُل هيبة، ومسحات بـيدها الدافئة على جبهة كنزة، وقالت كأخر كلمة:
“جمعي النخوة د بنات الشيوخ ف عينيك، وكوني لالة مولاتي الشادة ف راسها. أنا غاتلقايني وراء الباب واقِفة كسايتسنى الفال د الخير؛ طيري الخوف، وكوني سبعية الله يرضي عليك .”
تحركت العمة بـالسرعة د التاويل، وخرجت بـالخطوة الشامخة وقفات وراء الباب، وبقات كنزة بوحدها وسط الخلوة؛
غير تقفل الباب الثقيل د اللوح وراء العمة، وبقات كنزة بوحدها ف قاع هاديك الخلوة العظيمة، حتى طار داك الثبات المزيف كوله للي حاولت تجمعه قبالة عمتها. هاديك الكلمة د ‘الشرف د باّك’ وصباحك نزلوا على راسها الصغير بحال الصاعقة. ف دقة واحدة، حست بـالوحشة د المكان والحيطان كأنهم كايتحركوا ويضيقوا عليها، والنظام الجديد جاتها منو الخنقة كتر وكتر
دبا عاد تطلق سراح الرعب د الصّح! بدأت ترعد وتفقف بـواحد الجهد ما دازش عليها بحاله؛ سنانها كايضربوا (طق طق طق) بـالجهد لدرجة خافت يتسمعو على برا . يدياتها المفتفين بـالحناء رجعوا يقطروا بـالعرق البارد كأنهم ثلج، واللقمة اللولانية للي حزراتها عليها أمها وقفات ليها ف حَلْقها وحست بـالردان والدوخة خطفاتها بـالمرة.
صدرها النافر وراء الحرير الأبيض بدأ كايعلا ويهبط بـواحد الشهقة مكمومة ومقطوعة؛ بدأت تلوى فوق الفراش، وركابيها خواو بيها بـالمرور لدرجة مابقتش قادرة حتى تجلس مقادة. تكمشات على راسها وسط داك الحرير والغلا د الفراش الأندلسي، وبدأت تبكي بـالدموع الحارين السكاتيين للي كايحرقوا الوجنات، دموع الخوف د البنت للي بغات ف هاد اللحظة غير تشق الأرض وتبلعها، ولا ترجع لـظل الدويرة د باّها وأمها مسعودة، بعيداً على هاد السلطنة وهاد الهيبة للي كتهد الروح.
النفس كتقطع ليها كُلما سمعت الحس د المشية برا العتبة ؛ حست براسها بحال الغزالة المكمشة ف الشرك، للي كتسنى الدخلة د الصياد وعينيها العسلية غارقين ف دموع الفزع والارتباك الكافر!
فـ داك السكات المكموم د الخلوة، فين كانت كنزة مكمشة فوق الفراش بـالحرير الأبيض، ودموع الفزع والارتباك كايحرقوا وجناتها، تسمع الصّوت د القفل د اللوح كايتحرك بـالمهل، بـلا زربة وبلا غدر. تفتح الباب العريض، ودخل السلطان الشداد بوحده، وقفل الباب وراه بـواحدة الخفة والرزانة د الفرسان للي ما كايجيبوا معارهم لا غوت ولا تشويش.
وقف الشداد ف العتبة بـقامته الفارعة وعرض كتافه للي كايعمروا العين، غير دار بـعينه الحادة للي كتلقط المدى بحال الصقر، ولمح لعروسة ملوية الفراش، كترعد وتفقف بـالجهد، وصدرها كايعلا ويهبط بـالنهيج، وتنخصيص دموعها واصل حتى لعندو ، بقا لحضة كيجمع هاد الاصوات مع داك المشهد وشيئا فشيئا بدات كتلين ملامح وجهه الصقرية وتحولات هيبته العسكرية لـواحدة السكينة . ما قربش منها بـالزربة باش ما يتزادش عليها الزايد، وما دخلش بـالعجرفة د السلاطين؛ بل تحرك بـخطوات خفيفة، هادئة، ورزينة فوق الرخام البارد، كأنه كايقرب من غزالة مبرومة ف الشرك خايف عليها تزيد تضر نفسها. حيد الخنجر الأمازيغي المحلى بـالفضة من حزامه الجلدي العريض وحطه بـالمهل فوق المائدة د الخشب بعيد، ف إشارة صامتة باللي السلاح والحديد تسالاو برا الأسوار، قرب حتى وصل حِدا الفراش، ونزل على ركبتيه بـالهمة والوقار، باش تجي قامته العالية قبالة مستواها بقى الشداد نازل على ركبتيه حِدا الفراش، عينه مسمرة ف داك الغطا د الحرير الأبيض للي كايتهز ويتحط بـالجهد مع كُل تنخصيصة ونفس خارج من جوف كنزة. يده الكبيرة الدافئة كتقرب بـالمهل فوق الغطا؛ وغير حط صباعه للي مولفين صقيع الحديد ومسك السيف، فوق الحرير الأبيض.. حتى وقع الزلزال للي ما كانش على البال!
ف دقة واحدة، تهزات كنزة بـواحد النفضة قوية زلزلات الفراش كوله، وخرجت من تحت الغطا واحدة الشهقة حارة، مخنوقة ومروعة (هااااه!)، بحال الشهقة د الروح فاش كاتبغي تخرج من الجوف من شدة الفزع. تكمشات كتر وكتر على راسها، وجمعات جلايل الغطا الحريري وزيرات عليهم بـظافرها بـواحد القوة كافرة كأنها كتحامي على راسها من الموت، وتجمعات ف قنت د الشبرية بحال الغزالة الجريحة للي كايقيسها السهم ف مكمنها.
داك التنخصيص د الدموع للي كان سكاتي، تفركع وظهرت البكية الحقيقية د الخوف؛ البكية د البنت للي حست باللي كُلشي تقفل عليها تراجع الشداد بـيدو بـالزربة، وهز كفوفه بـالأدب ف الهواء (بلا ما يبعد بزاف)، ملامحه الصقرية تباغتات بـهاد الردة الفعل القوية للي بينات ليه قاع الفزع د كنزة. تنهد بـالمهل، والصدر دياله العريض تحرك بـواحد النفس حار د الصبر والشهامة، وعينيه الحادة نزلات ليها السكينة ؛ لغى كُل عزم د القرب، وعرف باللي لالة العرايس د الليلة مامرخوفاش ، بل الخوف عمى ليها الشوف.
بقى ثابت ف بلاصته، منزل يديه فوق ركبتيه، وهمس ليها بـداك الصّوت الرخيم العتيق، للي كايشبه لـهوا الليل الدافئ:
“هادشي كوله خوف مني أ لالة كنزة؟ . ها يدي بعاد عليك، وها السلاح محطوط ف قاع البيت. وراس باّك الميمون، ما نقيس منك شعرة، وما نطير هاد الغطا حتى يبرد هاد الجوف وتعرفي بلي دار الشداد هي دار أمانك ومفتاح عزك.”
ساد الصمت وغير نفسها المرعودة لي كتسمع فالارجاء، بقى الشداد جالس على ركبتيه ف بلاصته، بعيد عليها بـالقياس للي يعطيها الأمان، وعينيه الصقرية بدأت كتلمع بـواحدة التبسيمة خفيفة، دافئة، وفوقها نفحة د الحنان د الراجل الكبراني .
ناض وقف تراجع خطوة لوراء بـالوقار، وهز راسه الشامخ جيهة السقف د الخلوة المنقوش، وتنهد واحد النفس عميق حرك صدره العريض؛ وفـ هاديك اللحظة، خرج صوته جهوري خافت
“سُبْحَانَ مُقَلِّبِ الاحوالِ، أَمَامَ سَيْفِي تَجْثُو الرِّجَالُ خَوْفاً، وَأَمَامَ خَوْفِهَا يَجْثُو الشَّدَّادُ صَبْراً.. أَتَيْتُ بِظَبْيَةٍ غَرِيرَةٍ نَشَأَتْ فِي حِجْرِ الدَّلال”
نزل بـالمهل على ركبتيه حِدا الفراش، وهبط نغمة صوته لـواحدة الرنة دافئة، ثقيلة، وكولها هيبة مخزنية. كأنه كايشجعها ويصحّي فيها العز د القبيلة للي مخبي تحت داك الرعب،
“بسم الله عليك أ لالة كنزة.. ردي النفس أ بنت الكرام..ضنيت ان بنات الشيوخ شامخات ..وبنات القبايل قاصحات . ماشي كيخافو من نسمة الهوا لي ضاير بيهم!”
تزير الحرير الأبيض فوق راسها، وبـواحد الصوت مخنوق بـالدموع والشهقة، نطقت من تحت الغطا بـالجهد للي كايسمع الصدى دياله حِدا ركبة السلطان، ونطقات من تحت داك الغطا د الحرير الأبيض، وف قاع هاديك التكميشة د الرعب، خرج واحد الصوت مكموم، رقيق، ومخنوق بـالدموع الحارين د الطفولة والعز؛ صوت ما فيه لا كبرياء ولا قساوة، بل كولو رغبة ف الأمان د الوالدين. نطقات بـالجهد وهي كتنخص وتشهق:
“أنا… أنا بغيت غير نمشي بـحالي… بغيت مّي”
نزلو هاد الكلمات القلال من تحت الحرير بحال القطرات د الما البارد فوق الصهد د البيت. تما، تفركعات البكية ديالها بـالجهد، ورجعات كتنخص بـواحد الحرقة كتقطع القلب، كأنها طفلة صغيرة تودرات على أمها ف وسط الزحام، وما بقات باغة لا سلطنة، لا قصر، لا جاه.. باغة غير الحجر الدافئ د أمها مسعودة للي كايغطي عليها ويطفي رعبها.
الشداد، للي كان نازل على ركبتيه ومثبت يده عنده غير سمع هاد النداء الحنين د البنت المخنثة للي باغة أمها وكتطلب الرجوع، حتى حس بـواحد الغصة د المحنّة ف جوفه. ملامحه الصقرية لانت كولها، وتحرك قلبه الكبير بـالشهامة د الرجال الأحرار للي ما كايقهروا الضعيف وما كايغصبوا العذراء. تنهد واحد النفس عميق،فهم ان البنت محتاجة للحنان والامان دالواليدين علاش تربات .
دموع البرائة بداو كيحرقو حرمة البيت . جمع النفس الطويل د القادة، وزاير على جوفه بـالصبر؛ عرف باللي هاد الليلة ماشي ساعتها، وباللي الوضع باين خصو الوقت والخاطر حتى يبرد هاد الجوف وتثبت هاد الروح بـالأمان. ولكن برا الأسوار، كاين حَسّ القبيلة، والأعيان، وشيوخ العشيرة للي معمرين اللامة وسايتسناو الفال د الصباح.. والشان د باّها الميمون ود السلالة كولها معلق ف هاد العتبة.
وقف الشداد بـالمهل، بـقامته الشامخة وعرض كتافه للي كايحجبوا الضو. ما غضبش، وما تبدلش الأمان د عينيه الصقرية. مد يده لـجيب الكساء الخفيف د الكتان الحُر، وجبد المنديل الأبيض الناصع د الحرير الأندلسي، المنديل للي سايتسناوه النسا برا بـالزغاريد. حطه فوق كفه، وبـالخطوة الرزينة، قرب جيهة المائدة د الخشب فين حط خنجره الأمازيغي المحلى بـالفضة بعيد.
هز الخنجر بـالمهل (شِشّق)، وجر النصل الحاد ديالو فوق كف يده اليسرية بـواحد الحركة سريعة، صامتة، ما رافقتها لا آه ولا زفرة. سال الدم الحامي، الدافي، دم الشهامة والعهد. قبض المنديل الأبيض بـيده المجروحة، وزاير عليه بـالجهد حتى شربت الحرير الناصع الفال د الحُمرة، ورجعت كتقطر بـالنخوة ميثاق صامت باللي الحرمة د كنزة مصونة، وشرف باّها الميمون مرفوع قبالة القبائل.
لوا المنديل بـالتاويل، وحطه فوق المائدة د الخشب حِدا رأس الشبرية دار جيهة الفراش فين كانت كنزة مزالة مكمشة ومخبوية تحت الغطا الأبيض، ونزل عليها بـصوته الرخيم، الجهوري المكموم، للي كولو وقار وأمان ملوكي:
“ها المنديل واجد أ لالة كنزة، وها الشرف د باّك الميمون مرفوع ف السماء وما كاين للي يعرف السر د هاد الخلوة من غير الحيطان والرب المعبود. طيري الخوف أ بنتي، وردي النفس بـالراحة”
هز سلهامه الحريري الوازن ونفضه بـالهيبة عاد حطه على كتافه وبـالخطوة الرزينة د الفرسان، مد يده لـالمائدة د الخشب، هز خنجره الأمازيغي ورده بـالمهل لـحزامه الجلدي العريض قرب من الباب العريض د اللوح، وبـلا زربة، حرك القفل وبـالمهل حل الباب.
تما قبالته، ف ظل الممر البارد، كانوا واقفين: أمها مسعودة، والعمة ، وأختها رحمة. وجههم كان صفر كايقطر بـالخلعة والدهشة، وعينيهم غارقين ف الساكت د الخوف كيتسناو الفال د الصباح، ويديهم على قلوبهم خايفين لا تكون بنت الشيوخ المفششة دارت فيهم الضحك قبالة السلطان.
غير شافوا القامة د الشداد خارجة عليهم بـداك الوقار الملوكي والسلهام مقاد على كتافه، حتى حبسوا الأنفاس. ولكن الشداد، بـشهامة الفرسان والنخوة د الصّح، تبسم ليهم واحدة التبسيمة وازنة، دافئة، كولها أمان، وشاف ف العمة ومسعودة بـالعين للي كترفع الشان تحرك بـالخطوة القيادية الشامخة ف الممر، مخلّي الباب مفتوح وراء ظهره ومشى ف السكات د الغبشة د الصباح بـهيبته وسلطنته.
غير غبر خياله ف قاع الممر، حتى طار داك الصمت المروع! مسعودة، بـالقلب د الأم للي مخلوع على كبدته ووجها للي كان صفر، ما تسناتش حتى العمة تعطّيها الإشارة؛ تجمعات جلايل قفطانها وبدأت كتجري ودخلت لـداخل كولها دهشة، ووراها العمة ورحمة كايجريو بـنفس الفزع والروعة، وعينيهم كيقلبو على الصباح على حال البنت ف قاع البيت .
دخلوا لـلخلوة كيجريو، ولقاو كنزة مزالة مكمشة ومغطية بـالحرير الأبيض وسط الشبرية. طارت مسعودة حِدا راسها بـالدموع لي نفاجرو قربت العمة بـالزربة، وعينيها دازوا نيشان جيهة المائدة د الخشب فين حط الشداد المنديل الحريري الأبيض للي شرب الدم الحامي، . غير لمحات العمة الفال د الحُمرة الواشنة فوق المائدة، حتى تنهدات واحد النفس طويل ورجعات ليها الروح، وحيدت اللثام على وجها للي رجع يتنور بـالنخوة، ودارت جيهة مسعودة ورحمة بـواحدة الابتسامة عريضة د الفخر وقالت بـصوت وازن:
“الله.. الله! جمعي بكاك؛ بنت الشيخ الميمون خرجت لالة ومولاتي الله يرضي عليها حمرات لينا الوجه .
طلقاتو فوق يدها مسرح كتشوف فيه وطلقات زغروتة حارة كسرات الجدران وخرجات على برا كعلامة دلالة على صباح العروسة النقي المصون .
مسحات مسعودة عينيها وبدات كتزغرت ورحمة كضحك وطلقات زغارت حتى وصلو للشيخ لي كان على برا واقف مع الجماعة . تنور وجهه وطلق البشرة وهز راسو فالسما وسط الجماعة والاسياد والعيان كيتبسمو ويباركو ليه .
وسط الساحة د القصبة العتيقة، فين كانت شمس الصباح اللولانية كتضرب ف السواري والأسوار العالية، وكانوا الأسياد والأعيان والعيان دايرين بـالشيخ الميمون كيباركو ليه بـالتبسيمة والرضا من بعد ما سمعوا الزغاريد الحارة للي طيرت الخلعة.. ظهر السلطان الشداد بـخطوته القيادية الرزينة. كان مقتدم جيهتهم بـرأسه الشامخ العالي، والسلهام الوازن على كتافه، وعلى وجهه هاديك التبسيمة الخفيفة، الدافئة، للي كتحمل الأمان والستر.
تقدم الشيخ الميمون بـالمهل جيهة السلطان. كانت مشيته ثقيلة، وفيها المزيج د الهيبة د شيوخ القبائل ود الحشمة د الأب للي داز عليه كابوس قديم مع بنته اللولانية؛ خطواته كانت كتقلب على الجواب ف عينين السلطان الشداد. الشداد، بـحكمته ونخوة فرسانه، ما خلاش الشيخ حتى يوصل عنده بـالانكسار ولا الحشمة؛ بل زاد خطوة سريعة قبالته، ومد يده الكبيرة، ويدو الثانية الجريحة حدا حزامو شاد سلهامو عندو . تلاقات اليدين ف واحدة المصافحة قوية، وازنة، وزلزلات كاع الظنون القديمة. الشداد ما صافحوش بـالرأس العالي د السلاطين للي كايتكبروا، بل زير على يد الشيخ الميمون بـالجهد د الفرسان، وجذبه جيهته بـواحدة الضمة د الكتاف الخفيفة (التعنيقة د الرجال الأحرار)
تنفس الشيخ الميمون وحس بالفخر قدام اسياد القبيلة ؛ تنهد واحد النفس طويل كولو راحة، وتنور وجهه كتر وكتر، وزاير على يد السلطان بـالفخر والنخوة د الشيوخ، وقال ليه وعينيه كايلمعوا بـالدموع د العز:
“دام الله عزك وعز زناتة ويثبت خطاوينا “
دار الشداد جيهة الجماعة والأعيان للي كانوا واقفين كايشوفوا بـالعجب والرضا لـهاد المصافحة الوازنة، وهز يده اليمنية بـالهيبة الملوكية كسلام عليهم وبدأت اللامة كولها كتهلل وتبشر بـالخير والرباح ف هاد الصباح النقي المصون!
وسط هاديك الخلوة الدافئة للي باقة كتعطر بـرائحة العود والمستكة، طاروا العيالات جيهة الشبرية العالية. كانت كنزة مزالة مكمشة كولها تحت داك اللحاف الوازن د الحرير الأبيض، كترعد وتفقف بحال شي فرخ صغير خرج للمطر، والأنفاس ديالها باقة متقوبة بـالشهقة
مدات مسعودة هي اللولة يدياتها الكبار الدافئين بـالمهل، وبدأت كتعري على وجه بنتها وكتحيد اللحاف الحريري بـالسياسة. غير بان وجه كنزة.. حتى تقطعوا القلوب! الوجينات الملوحين بـالعرق، الكحل للي سال مع الدموع المالحين ودار خطوط كاحلة فوق الخدود الصافية، والشفايف الصغار للي كايترعدوا بـالعطش والخلعة.. كانت ف حالة د الخوف الكافر للي يذوب الصخر.
غير شافتها مسعودة هكداك، حتى هبطت عليها بـالرضا والحنان، وبستها من راسها ومن وجناتها، وختها رحمة شدات فيديها المفتفتين بـالحناء وبدأت كبوسهم بـالضحكة والدموع. العمة السبعية حطت يدها فوق كتافها بـالوقار الوازن وقالت ليها بـصوت كلو فخر:
“تبارك الله وصلى على النبي عليك أ لالة كنزة.. تبارك الله على بنت الشيوخ للي حمرات لينا الوجه الليلة قبالة الأحرار والسلاطين! الله يرضي عليك أ بنتي، ويجعل قدمك قدم الرباح والخير.”
كنزة، غير حست بـاللمسة د أمها وبـالريق د فمها، وبـالدفّو د العشيرة، حتى زادت فالبكا الحار والخناث.
لصقت ف حجر أمها بـالجهد، وزيرات على قفطان مسعودة بـظافرها كأنها خايفة يطيروها منها، وبدأت كاتبكي بـالنهيج وتصيح بـصوت طفولي مكسور:
“مّي… مّي ديوني معاكم… ما بغيتش نبقى هنايا… بغيت نمشي بحالي للقبيلة معاكم الله يرحم والديكم…”
بقات مسعودة عاصرة بنتها لـصدرها، بدموعها وضحكتها، وتمسح ليها على شعرها المطلوق وتواسيها بـالهدرة الحنينة:
“أ بسم الله عليك أ نور عيني.. بسم الله على كبدتي ونوارة دارنا. طيري الخوف أ بنتي واجمعي هاد البكا؛ راه الشداد راجل حُر وسيد السلاطين، وها الليلة جازت بـالستر والعز. كيفاش تمشي معانا وأنتِ دبا لالة العرايس وتاج هاد القصبة العالية ؟”
العمة السبعية بدأت كترطب فيها وتضحك معاها بـالتاويل د النسا الكبار، وقالت ليها وهي كتمسح ليها دوك الخطوط د الكحل من فوق خدودها بـالمهل:
“أ واه يا لالة كنزة! دبا هادي هدرة د بنات الشيوخ؟ تبارك الله عليك حمرتي لوجه لباك ، ! هاد الخوف كولو غير د اللول، وغدا تولفي السراير د الحرير وتاويل الملوك وتضحكي على هاد الليلة”
خرجت العمة السبعية كتجري لـلممر، ونادت على رحمة وعلى الخدم د القصبة للي كانوا واجيدن بـاللباس التقليدي؛ دخلوا لـلخلوة هازين الصواني الكبار د النحاس الأحمر والمغسول بـالزهر، وبداو كايحطوا القوام د الصباح على حقه وطريقه . حطوا قوالب السكر الأبيض القاصح، وزلايف د الحليب الفيض، وطباقة د النحاس معمرين بـالتمر د المجهول والفاكية واللوز الحار.
العمة، بـيدها للي كترعد بـالفخر، مشات للمائدة وهزات داك الطرف د الثوب الأبيض للي شرب دم ميثاق العهد وطلقاتو بالتاويل، نيشان فوق الطبق العريض د التمر وسط الصينية د النحاس، ورشات فوق منه السكر الأبيض المهرس (دكاكة د السكر) كفال د الحلاوة والستر للي غايغطي على هاد الدار.
تما، داروا الخدم والعمة ورحمة دايرين بـالصواني، وبداو كايغنيو بـالشلحة الأمازيغية العتيقة، هاداك الغناء د ‘تامغارت’ و’أوريغ’ للي كايتغنى ف صباح العروسة المصونة؛ صوتهم كان مبحوح، دافي، وكايقطع ف القلب بـالنغمة د الفراق الحزينة للي كاتقول لـالبنت باللي صباها ف دار والدّيها تقاضى واليوم هي مرت الراجل بدارها .
“إِيسْلِي نَّغْ أَمَقْرَانْ.. أَوْ كَانْ دِيقْنْ المِيثَاقْ..
تَاسْلِيتْ تَعْزِيزْتْ تَبْدَا الرَّحِيلْ.. تَبْكِي التَّقْصِيدْ..
يَا أُمَّاوْ.. يَا أُمَّاوْ.. غَسَّانْ أَفُودْ نَّمْ إِيبْضَا دِيلْ دُّونِيتْ…”
(يا عريسنا العظيم.. ها العهد تقفل بـالحق..
عروسنا الغالية بدأت الرحيل.. وكبيدتها كتبكي بـالحسرة..
يا أماه.. يا أماه.. اليوم ركابيها تفارقوا مع الدويرة…)
الكلمات الأمازيغية الحزينة كانت كتكسر الحيطان د الخلوة وتخرج لـبرا، وتدوز على الجرح د القلب بحال الموس. وف هاديك اللحظة، كانت مسعودة الأم حانية على كبدتها، حيدات ليها اللحاف بـالمهل، وبدأت كتفسخ ليها شعرها المطول للي كان مضفور بـالمسك والخيط د الحرير. كنزة كانت جالسة وسط الشبرية، كتنخص بـالدموع والصوت ديالها غايب، وعويناتها كتدورهم ف قاع البيت بـالدهشة والخلعة .
، كتشوف ف الصواني وفي النسا للي كايغنيو ومزال باغة تلصق ف أمها.
مسعودة ورحمة شدو المشاط دالقرن العريض، وبداو كايسرحوا ليها شعرها ويمشطوه بـالمهل حتى طاح على كتافها بحال الشلال الكاحل. مشاو لـالصناديق الجداد د اللوح للي جابو معاهم من الدويرة، وخرجوا القفاطن الجديدة د الصباح؛ قفطان د المبرة الحرة المقفلة بـالسفيفة د الصقلي الحُر والحرير، ولبسوها بـالسياسة كأشرف عروس.
قربت العمة بـالما د الزهر المقّطر ف الدار، وبدأت كتحيد ليها الحناء الكاحلة من يدها تفتتها بـالمهل فوق منديل، وعطروها بـالمسك السايل، وجبدت المرود د النحاس ومسحوا ليها وجهها مزيان من آثار البكاء والدموع د البارح، وعاودوا ليها التكحيلة د الصّح على حقها وطريقها حتى رجعوا عينيها بحال المها، وداروا ليها السواك الحار ف فمها للي صبغ الشفايف ديالها بـالحمرة د الدلال الطبيعي الصادق.
وف قمة العادات د القبيلة والأصول، خلاوها بلا حزام؛ ما زيروش ليها خصرها بـالمضمة، بل خلاو القفطان الملوكي مطلوق ومحلول عليها، ضاير بـالذات ديالها الخفيفة بلا قيد، وشعرها الكاحل الطويل مطلوق ورايح مع كتافها.. ف إشارة تقليدية باللي العروسة الليلة تفتحات بـالخير والعهد، وما زيرها ضيق ولا حزام ف دار عزها الجديد!
رجعات لالة كنزة ف هاديك الغبشة د الصباح كي الوردة الحية وسط الجردة؛ وجها كايشعل بـالنور د الحياء، وخا الأنفاس ديالها مزالة مخنوقة بـالرعدة الخفيفة، والزين ديالها ظهر كول قبالة المرايا د النحاس كأغلى جوهرة دخلت للقصبة .
وقفوا كنزة ف وسط البيت بـالمهل، وهي مزالة مطلوقة بلا حزام وشعرها كايشعل فوق كتافها كي الوردة الحية. داروا بيها مسعودة والعمة السبعية ورحمة، وبداو كاينصحوها بـالتاويل د البلاد؛ قربت منها مسعودة وبستها وبدأت كترطب ليها الجوف وتوصيها بـالتبات، وقالت ليها:
“جمعي راسك أ بنتي، وحيدي هاد اللبكة والتنخنيخ د الدراري الصغار؛ راه الليلة جازت بـالستر والعز، واليوم صبحتِ لالة ومولاتي ف هاد الدار الكبيرة. هادي راه قصبة السلاطين، وحنا مازال غانرجعوا عندك ف السبع أيام ديالك، وملي تكملي السبعة غانجيو بـالشان والمرشان باش نحزموك بـالمضمة د الذهب ونفرحوا بيك كتر وكتر.”
وف هاديك اللحظة، غير سمعت كنزة الكلمة د الفراق باللي غايمشيو ويخليوها، حتى شهقات وتجمعو الدموع فعينيها وبغات تلسق فمسعودة
“الالالا ديوني معاكم ..تمشيو وتخليوني بوحدي فهاد الدار !! بغيت نرجع للدويرة حداكم !”
تما، فاش شافتها العمة السبعية عاودت رجعات لـالرخوفية، خرجت فيها عينيها بـالقساوة د النسا الأمازيغيات الكبار، ودارت جيهتها بـواحدة النبرة قاصحة، وازنة، للي كتجمد الما ف الركابي، وهدرت معاها بـقواعد القبيلة:
“جمعي راسك أ لالة كنزة وتحزمي بـالتبات د الصّح! بنات الشيوخ والقبايل معروفين بلحرورية وقادات وخصو يشوف قبالته لالة العرايس للي تعمر ليه العين والدار، ماشي البنت د الفشوش!”
نزلت الكلمة د العمة بحال الصاعقة، وزيرات كنزة جوفها بـالزز، ومسحات دموعها وخا قلبها كايتقطع لداخل. خلاوها ف البيت، مكمشة النفس وشادة ف راسها كيف وصاوها النسا الحارات.
هزوا العيالات د القبيلة والخدم الصواني د النحاس فوق ريوسهم كولها حلاوة وسكر وتمر، وهاداك الطرف د الثوب الأبيض المصون كايشعل فوق منها، وخرجوا من الباب العريض د الخلوة؛ طلقوا الزغاريد الحارة للي زلزلات الممرات د القصر، وخرجوا العيالات بـالحايك ديالهم الأبيض النقي كايتحركوا بـالوقار والنخوة.
غير وصلوا لـالساحة الكبيرة د القصبة، لقوا الأسياد، والأعيان، والعيان، والشيخ الميمون كولشي مجموع وموجدين الخيول د الرجعة للقبيلة. نساء القبيلة للي جاو معاهم برا عاودوا طلقوا الزغاريد حتى تخلط الصدى ف السماء بـالبشرة والرباح! وبداو خوت كنزة والرجال دالقبيلة كايجبدوا السيوف ف السماء، كايتضاربوا بيهم بـالنخوة والفخر والنسا هازين الشرف فوق الصواني والبنادر فالهوا والزغارت فالسما قبالة عيون العشيرة كولها.
هادشي كوله جاز قبالة عيون السلطان الشداد؛ كان واقف فالقوس دالقصبة لداخل بـقامته الشامخة العالية، وسلهامه الوازن على كتافه، وبـعينه الصقرية الحادة، بقى متبع ليهم العين بـالمهل وبـواحدة التبسيمة خفيفة د الوقار والرضا على وجهه.. كايشوف فيهم وهما خارجين بـالخيول والحايك والصواني، فرحانين وعاجبهم الحال بـالستر والعز حتى غبرو وراء الاسوار ، والصدى د الزغاريد والسيوف مزال كايتردد ف وذنيه. بقى واقف مدة طويلة ف السكات، كايتأمل هاد المشهد بـالرزانة د الملوك للي كايقراو ما بين السطور د الوقت.
ف هاديك اللحظة، تحركت خطوة خفيفة وراء ظهره؛ قرب منه القائد سلمان، وكان حادر راسه بـالأدب والوقار، ووجهه باشوش، مبسم بـالفرحة د هاد الصباح النقي للي داز بـالستر والعز قبالة القبائل. وقف حِدا جنبو كايتسنى الإشارة د سيده.
التفت الشداد جيهته بـالمهل، بلا ما تحيد الهيبة من ملامحه، وخرج صوته جهوري، دافيء
“انْظُرْ يَا سَلْمَانُ.. عَادَاتُ القَبَائِلِ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، وَطُقُوسُهُمْ فِي الشَّرَفِ لَا تَرْحَمُ. عَجَبِي يَا سَلْمَانُ.. مِنْ غَانِيَاتِ الحِمَى!
يَعْلَمْنَ أَنَّ العِرْضَ دُونُهُ طَعْنُ المَنَايَا وَسَفْكُ الدِّمَا،
وَأَنَّ الرِّقَابَ تَطِيرُ إِذَا مَا الشَّرَفُ انْثَلَمَا..
وَمَعَ ذَلِكَ، يَبِعْنَ النَّفْسَ بِرَخِيصِ السَّوْمِ، وَيَضَعْنَ الهَامَةَ فَوْقَ حَدِّ الحُسَامِ بِلَا نَدَمَا!
أَيُّ جَهَالَةٍ عَمْيَاءَ تَسُوقُ الغَرِيرَةَ إِلَى مَصَارِعِ الحَتْفِ، وَهِيَ تَرَى المَوْتَ قَائِمَاً قُبَالَتَهَا تَهَكُّمَا؟”
التفت السلطان الشداد جيهة القائد سلمان بـالمهل، وفاديك اللحظة، طارت كاع الملامح الدافئة د الصباح من وجهه، ورجعات عينيه الصقرية الحادة كتقطر بـالحزم والصرامة د قادة الجيوش. زاير على قبضة يده اليمنية، وهز رأسه الشامخ العالي
الدَّمْعَ قَدْ جَفَّ يَا سَلْمَانُ، وَأَقْبِلْ عَلَى جِدِّ الأُمُورِ..
فَقَدْ انْقَضَى وَقْتُ الحَمَامِ، وَحَانَ مِيقَاتُ الصُّقُورِ!
هَاتِ لِي بِرَأْسِ عَبَّادٍ عَبْدِ الخِيَانَةِ وَالشَّقَاءِ،
وَلْيَكُنْ نَصْلُ سَيْفِكَ الفَصْلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَوْلَادِ العَمَاءِ!
جَاءَ زَمَنُ الصَّفَاءِ المُرِّ، فَلَا تُبْقِ لَهُ أَثَرَاً فِي هَذَا الوُجُودِ،
وَلْتَطِرْ هَامَتُهُ قَبْلَ أَنْ يَطْوِيَ اللَّيْلُ هَذَا العُهُودِ.”
سكت السلطان الشداد، ونزل يده بـالثقل فوق سور الرخام (دكّ)، ف إشارة قاطعة باللي الهدرة تـقاضات، وباللي السيف دبا هو للي غايتكلم ف حق عباد!
انحنى القائد سلمان بـأقصى درجات الطاعة، وتغيرت ملامحه البشوشة لـالجدية د الحروب؛ حط يده على مقبض سيفه، وحدر راسه بـالوقار وهو كايقول بـالفصحى الرصينة:
“أَمْرُكَ مُطَاعٌ يَا مَوْلَايَ.. وَرَأْسُ الخَائِنِ سَيَكُونُ تَحْتَ قَدَمَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ شَمْسُ النَّهَارِ.”
دار سلمان بـالخطوة العسكرية السريعة، ومشى ف الممر كايوجد الفرسان لـهاد الخرجة د الدم، وبقى الشداد واقف ف الشرفة، شامخ، وعينيه كتشوف ف السماء كأنه كايسطر العهد الجديد لـسلطنته بـالحديد والنار!
وصل الخيل د القبيلة، ودخلت اللامة لـلشاوية بـواحد الفرح كايزلزل الأرض، والزغاريد الحارة د العيالات طارت مع الريح قبالة الخيام والديار. دخلت الصواني د النحاس الأحمر مهزوزة فوق الروس، وفوق منها الفال د الحُمرة د ميثاق العهد باللي بنت الشيخ الميمون حمرات الوجه، وخرجت لالة ومولاتي قبالة السلاطين.
وصلوا لـلعتبة الكبيرة د دار الشيخ، وف وسط الحوش الكبير للي معمر بـالعائلة والأقارب والخدم، دخلوا بـهاد الأهازيج والزغاريد للي كيبشروا بـالخير والرباح. ناضوا عيالات الشيخ وبناته للي بقاو تما، كيجريو بـالضحكة والفرحة، كيباركو لـبعضياتهم ويتعانقوا، وعاجبهم الحال بـهاد الستر المصون للي غسل الجرح القديم د العشيرة.
ولكن ف قاع هاديك الزحمة، وف وسط العجاج د الفرح، كانت واقفة الزاهية.
كانت الزاهية مراته واقفة ف الممر د الدار، عويناتها غارقين، ودموعها ناشفين ف جوفها. كتشوف ف دوك الصواني، وف داك الثوب، وتسمع الزغاريد كتقطع ف لحمها؛ كل زغروتة كانت كتنزل فوق قلبها بحال الصهد د النار للي كايحرق ويكوي. قلبها تّشوط وتّمْزق بـالحسرة على بنتها طامو؛ تفكرت كيفاش بنتها تظلمات، وكيفاش تّم الحُكم عليها، واليوم كولشي نساها وكايحتفل بـالأخت الصغيرة كنزة. حسّت بلي الدنيا كولها ضاقت عليها، وباللي العز د الميمون تّبنى على الأنقاض د كبدتها للي تودرات.
قلبها المكوّي والمشوط على بنتها طامو ما قدرش يستحمل هاد الطرب كولشي. لوت الحايك الأبيض عليها بـالزربة، وبلا ما يرد ليها حد البال وسط الجيد والمباركة، دارت جيهة الدروج د اللوح العتيق للي كايطلعوا لـ السطح العالي د الدار الكبيرة. بدأت كتعاود الخطوة وراء الخطوة بحال الطيف الصامت، والأنفاس ديالها كتقطع بـالحسرة والشهقة المكمومة.
طلعت لـ السطح العالي للي كايشرف نيشان على الحوش وعلى الساحة فين مجموعين الأسياد والأعيان والعيان. وقفت قبالة السور القصير د السطح، ف هاديك الغبشة د الصباح، والريح كايدي ويجيب ف جلايل حايكها الأبيض بحال الكفن.
هبطت عينيها لـلتحت.. شافت راجلها الشيخ الميمون وجهه منور وكايتبسم وسط فرسان زناتة، وشافت الصواني د النحاس معمرين بـالتمر والسكر وفوق منهم الثوب الأبيض للي هازينه العيالات بـالزغاريد الحارة. كولشي كايضحك، كولشي نسا طامو كأنها ما كانت ف هاد الدنيا!
ف هاديك اللحظة، ركباتها واحدة القوة الكافرة د المحنة د الأمومة. طلعت فوق السور د السطح بـالجهد، ووقفت شامخة كولها بـالحايك الأبيض قبالة شمس الصباح اللامعة.
لمحها واحد من الفرسان برا، وبتردد غريب حبس سيفه ف السماء وأشار بـيده للفوق. بـالمهل، بدأت الرؤوس كتدور جيهة السطح، والزغاريد بدأت كتموت واحدة وراء واحدة بحال العافية فاش كيطفيها الما. الشيخ الميمون دار بـعينه، وغير شاف مراته الزاهية واقفة على شفا الموت فوق السور وعينيها غارقين دموع كايشوفوا فيه بـواحدة النظرة د العتاب والوجع للي يدوب الصخر.. حتى حبس الريق ف فمه وصاح بـأعلى صوته كايترعد:
“الزاهية!!! لاااا أ الزاهية! نزلي أ المصرورة! نزلي الله يهديك!”
حركت الزاهية رأسها بـالمهل بـالرفض، وضربت بـكفوفها على صدرها وعلى قلبها بـواحد الحرقة قاصحة سمعوا الصدى ديالها الرجال للي لتحت، وبـصوت مبحوح، عالي وكلو قهرة قطع ف الجدران د الشاوية، صاحت:
“عزّكم تّبنى ف السماء.. وعز بنتي طامو تّمْزق تحت السباط! مبروك عليكم الشرف الجديد.. والزاهية اليوم غادية لـعند كبدتها!”
وقبل ما يتحرك أي فارس ولا يقرب حد من الدروج.. لوت الحايك على ذاتها، وغمضت عينيها، ورمت راسها من أعلى السطح بـالجهد نيشان لـقاع الحوش!
هبط الجسد ديالها بحال الحمامة البيضاء المذبوحة، وطاح (دكّ) ف وسط الحوش، نيشان قبالة الصواني د النحاس وقوالب السكر! تفركع الدم الحامي فوق الثوب الأبيض وفوق التمر،ونزلت الصدمة ف كاع الوجوه.
الزغاريد تحولوا ف اللقمة لـواحدة النفخة د النواح والصراخ الحار للي كايقطع الجوف؛ طارت مسعودة ورحمة والعمة جيهة الجثة والدموع كيسيلوا، والشيخ الميمون طاحوا ليه الركابي ونازل الأرض بحال الشجرة للي قطعها الفأس، كايشوف ف مراته للي ماتت قبالة عينه وعين فرسان زناتة كولهم ف عز الفرح د الصباح!
كان السقوط قاصح، مدوي، زلزل الساس د الدار الكبيرة. طاحت نيشان فوق الصواني د النحاس الأحمر للي يالاه حطوهم العيالات؛ تفركع الصدى د النحاس للي تضرب بـالجهد، وتشتتوا قوالب السكر الأبيض المهرس ف كاع القنات، وتكفأ الحليب الفيض وتخلط بـالتمر د المجهول.
وف ثانية واحدة، تفجر الدم الحامي الصافي من راسها ومن جوفها، وداز بحال السيول الحمرة كايجري فوق داك الثوب الأبيض المصون د صباح العروسة! تخلط دم الموت بـدم الشرف، ورشات الحُمرة الفاجعة فوق السكر كأنها كفال د النحس للي غايغطي على هاد العشيرة كولها.
ارتمت الصدمة المريرة ف الوجوه؛ وقفوا الرجال والأسياد مشدوهين، عيونهم خارجة وفامهم محلولة بـالرعب، والخيول برا ناضت كتعكرير وتضرب الحوافر ف الأرض كأنها حاسة بـملك الموت للي نزل ف الساحة.
طارت مسعودة هي اللولى بـواحد الصرخة حارة حزات ف الجدران، وتبعوها العمة ورحمة والعيالات د القبيلة، وهجموا على الجثة وسط الحوش بـالدموع لي نفاجرو من عينيهم؛ طاحوا عليها كيبكيو وينوحوا، ويمسحوا بـيديهم على الحايك الأبيض للي رجع كولو مطبع بـالدم الحامي. مسعودة بدأت تضرب على وجهها وتصيح بـالويل:
“الزاهية!!! نوضي أ ختي نوضي! ناضت القيامة ف دار الميمون.. مشات الروح ومشات معها الفرحة!”
أما الشيخ الميمون.. ف هاديك اللحظة تقطعوا ليه الركابي كولهم. حس بلي العز دياله للي عاد بناه وتعب عليه ورفع بيه راسه ف السماء قبالة الأحرار، تهرس وتبهدل تحت جثة مراته ودمها للي وسخ سكر الصباح. وجهه للي كان منور بـالبشرة رجع كحل بحال الفحم، وطاح على ركابيه ف الأرض وسط الدم والسكر المهرس، وعينيه مسمرين ف وجه الزاهية للي ماتت وعينيها باقين محلولين كايشوفوا فيه بـداك العتاب القاتل!
هز الشيخ الميمون يديه الكبار لـلسماء وسط الجماعة والأسياد للي بقاو واجمين كايشوفوا فهاد الفجيعة .
غير دازت الصدمة اللولانية د السقوط، وشاف الشيخ الميمون جثة الزاهية طايحة وسط الحوش ودمها مخلط بـالسكر والتمر د الصباح، حتى حس بـواحدة الفقصة الحارة كتلعج ف صدره، والدم طلع ليه لـوجهه بـالسم والحقد. هبط عينه لـالسادات والأعيان للي واقفين مشدوهين، ولمح النظرات ديالهم كأنها كتقول: ‘شوف بنت الميمون حمرات ليه الوجه ف الشلة، ومراته كحلات ليه الوجه ف الدويرة!’.
تما، تجمع وتسمر قلب الشيخ الميمون ورجع حجر صمّ! طارت منه كاع المشاعر د الحنان د الأزواج، وحل محلها الغضب القاصح دشيوخ القبايل . وقف على طوله بـالجهد والنخوة، ونفض جلايل فرجه بـالسم، وخرج صوته قاصح، كايزلزل الحيط د الدار، وصاح ف مسعودة وفي النسا للي كانوا حانين على الجثة بـالنواح:
“حيدوا من تما! حيدوا عليها وعزوا هاد الصراخ والنواح ! النسا الحارات كايحمروا الوجه حيا وموتا، وهادي بغات تطيح الشان د الميمون ف النهار للي طلعت فيه رايتنا لـالسماء قبالة السلاطين! بغات تبرد الجوف د العديان وتخلي القنات كيتغامزوا علينا ف عز فرحنا!”
التفت جيهة الخدم والفرسان د زناتة بـواحدة العين كتقطر بـالحقد والسم د الفقصة، وأشار بـيده بـكُل قساوة بلا ما ينزل عنده ولا يمسها، وقال بـالأمر القاطع:
“هزوها من هنا! هزوها دبا واغسلوا هاد الحوش بـالما والزهر؛ ما يغبر هاد النهار حتى تكون تحت التراب ف السكات بلا زغاريد وبلا لامة! الشرف د الميمون للي تبنى بـالسيف ف قصر الساحل ما غاتهرسهوش خطوة د مرا غاب عليها التباث وعماتها الغفلة!”
دار الميمون بـالخطوة الوازنة الشامخة، ورجع جيهة الأسياد والسادات بـوجه قاصح ميت فيه الدم، وحط يده على صدره بـالوقار كأنه ما وقع والو، وقال بـنبرة ثقيلة:
“مَرحى بـالأسياد والعيان.. عادات القبيلة واضحة، والخطوة د الموت ما كتحبسش ركاب الأحرار. زيدوا لـلمجلس يقاد التاويل!”
خلاها طايحة تما حتى جروها الخدم بـالزربة لـداخل، ورجع الحوش كايتغسل بـالما، والشيخ الميمون واقف وسط الرجال بحال السبع د الحجر، وخا لداخل دياله كايغلي والمرار على هاد الفضيحة للي بغات تلبسه قبالة القبيلة!
بقات كنزة جالسة ف وسط هاديك الدار الكبيرة، مكمشة ف قاع السرير د اللوح الرفيع، وركابيها مجموعين جيهة صدرها كأنها كتحمي ذاتها من كُلشي. البيت رجع كولو سكات من بعد ما رحلوا الأهل وخرجوا العيالات بـالزغاريد والحايك الأبيض؛ هاداك السكات مابقاش عادي، رجع بحال الجبل النازل فوق صدرها، سكات ثقيل كايخلي خيالها يدي ويجيب.
الأجواء ف البيت كانت كتقطر بـالرهبة د السلاطين؛ الشمع العتيق مزال كايذوب ف القنات، والضو د غبشة الصباح كايتسلل بـالمهل من المشرك د الشرجم العالي، كايضرب ف السقف د الجبس المنقوش وكايعكس خيالات غريبة على الحيطان. ريحة العود القماري والمسك للي بخروا بيه البيت مزالة ثقيلة، خانقة، كتزيد ف التوتر د جوفها وخوفها.
هبطت عينيها لـذاتها.. شافت القفطان الغالي مطلوق عليها بلا حزام، وشعرها الكاحل الشلال مطلوق على كتافها كي الوردة الحية، كيف خلاوها النسا الحارات د زناتة. تفكرت الكلمة القاصحة د عمتها السبعية فاش خرجت فيها عينيها وقالت ليها: ‘جمعي راسك وتحزمي بـالتبات د الصّح.. كوني امرأة وقادة وماتطيحيش من عين السلطان!’.
هاد الكلمات بقاو كيدوروا ف وذنها بحال الصدى، ولكن الخوف والتوتر كانوا أقوى من كُل نصيحة. عويناتها رجعوا عاود ثانياً يغرقوا بـالدموع الناشفة، وبدأت النفس ديالها كتنهد بـالمهل؛ كتشوف ف الباب العريض د الخلوة وكترعد من لداخل. كل حركة خفيفة د الريح ف الممر برا كيسحاب ليها خطوة د السلطان الشداد راجع عندها.
كانت كتساءل ف سره بـالرعب: ‘دبا مشاو وخلوني.. زيرات على جلايل قفطانها بـيدها المرعوشة، وجلست كتسنى، وعقلها طاير بين الخوف د الليلة للي جازت بـالستر، والرهبة د هاد النهار الجديد للي غايجمعها بـالسلطان الشداد بوحدهم!
كانت كنزة جالسة ف السكات د البيت كتسنى بـالتوتر، وفجأة، بلا مقدمات، انشق السقف د الخلوة بـواحد الدكّ كافر كايزلزل الحجر!
تنفضات كنزة من بلاصتها بـالجهد د الرعب الصاعق، طارت الروح من ذاتها، وطاحت من فوق السرير لـالأرض وهي كتغوت بـأعلى صوتها وتصيح بـالويل د الخوف للي شل ركابيها! حطت يديها فوق راسها وشعرها الشلال الكاحل هبط على وجهها ودموعها يسيلوا بـالحرقة وهي ما عارفة شنو واقع؛ ما عرفت واش القيامة ناضت، ولا الأسوار د القصر كايطيحوا عليها! صاحت بـالرعب وهي كترعد وتنهد:
“يا ربي السلامة! يا ربي الستر! ااااميييي لحييبببة امييمتي !!
تعاود صوت الدك بقوة حتى حسات بالنوافد تزعزعو والارض تهزات وهبطات راسها لارض ويديها فوق راسها كتغوت بالجهد
“وايماااااااااااا ….وباباااااااااااااا وايمااااااا
تعاود صوت الدكّ بـالجهد للي كايخلع، صوت مرعب بحال الجحيم كايتفركع نيشان فوق السقف، والحيط د الخلوة العتيق بدأ كايتحرك ويزير عليها. ما بقات قادرة تجلس ولا تخبى؛ ناضت كنزة كتجري بلا عقل، هاربة من الموت للي كايطير فوق راسها.
كانت كتجري ف الممر د البيت بحال الحمامة المذبوحة، مخلطة ما بين السحر د الجمال الصاعق وهول الرعب الكافر. قفطانها الغالي الملوكي مطلوق ومجرور وراها بلا حزام، كايتلوى على خطوتها الملهوفة، وشعرها الكاحل الشلال مطلوق، هائم مع الريح د الخلعة ومغطي نص وجهها المنور للي رجع بحال الشمعة . يديها المرعوشة كانت كترعد، والخويتمات د الفضة والجوهر للي دايرتهم ف صباعها كايضربوا ف بعضياتهم ويديروا واحد الرنين خفيف صامت وسط هاد الرعد ، زين مبلل بـالدموع الحامية للي نازلة على خدودها، وعويناتها غارقين بـالفزع والدهشة.
حلت الباب العريض د البيت بـالجهد، وخرجت لـالممر الطويل كجري وتغوت بـأعلى صوتها، والسخفة والغبينة شاداها من جوفها ويديها على راسها معارفة فين تعطي بالراس وكتصيح وتعيط على الوالي الصالح واليدين
مشات كجري بلا عقل ف وسط الممرات الضيقة د القصبة، والدويرة كولها داخلة ف شي، دروج كيطالعوا لـالأبراج ودروج كيهبطوا لـالصحن؛ تاهت البنت وما عرفت منين تدوز ولا فين تخبى ف هاد المتاهة د الحجر. قربت جيهة المطلع د واحد البرج عالي كايطلع لـلأعلى، وف هاديك اللحظة بالذات، لمحوها الخدم للي كانوا جايين من الجهة الأخرى د الدروج لهيه كيجريو؛ شافوها ف هاديك الحالة د الرعب والفزع، تالفة وكتنقل العينين ف الصقوف كتقلب منين تدوز، لا عارفة تطلع ولا عارفة تهبط.
لكن قبل ما يوصلوا ليها الخدم ويحكموا فيها اليد..تعلات الصدى د واحد الضحكة رجولية، وازنة، ودافئة جاية من أعلى الدروج د البرج!
كان السلطان الشداد هابط بـالمهل مع دروج البرج العالي، بلباسه الاسود المجموع على جسده اللي كيسهل عليه الحركة وركوب الخيل فأي لحضة .على راسو رزة سوداء محموعة باتقان ويديه وشاد يديه يديه وراه وكتافو عراض باستقامة وحداه القائد سلمان كايساير خطوة سيده. التفت الشداد جيهة سلمان وكايتبسم، ونطق كيبسط معاه
“مَا بَالُ سَاعِدِكَ قَدْ وَهَنَ اليَوْمَ يَا سَلْمَانُ؟ أَلَمْ يَعُدْ فِي عُرُوقِكَ جُهْدٌ لِتَشْحَنَ المِدْفَعَ بِالقُوَّةِ الَّتِي تَبْلُغُ النُّقْطَةَ البَعِيدَةَ فِـي عُرْضِ البَحْرِ؟ أَمْ أَنَّ قُرْصَانَ اليَمِّ قَدْ أَنْسَاكَ كَيْفَ تَزْأَرُ أسود الاندلس”
تبسم سلمان وبغى يجاوب سيده، ولكن ف هاديك اللحظة بـالذات.. دار الشداد عينه على غفلة قبالة الممر.. وشافها!
وقف السلطان الشداد ف بلاصته بحال السارية د المحرك، وحبست الضحكة ف فمه، وتسمروا عينيه الصقرية ف هاديك الصورة ، شاف لالة كنزة جاية جيهتهم ف هاديك الحالة؛ قفطانها الغالي مطلوق ومجرور بلا حزام كايتلوى على خطوتها المرعوشة، وشعرها الكاحل الشلال هائم مع الريح ومغطي نص وجهها للي رجع بحال الشمعة بـالخلعة، والدموع الحامية كيسيلوا على خدودها، والجوهر والفضة ف صباعها كايترعدوا. شاف خيوط الجمال الصاعق مخلطة بـهول الرعب الكافر، وبانت ليه بحال الغزالة المذذعورة للي هاربة من الصياد ورمتها الأقدار بين يدين السبع!
القائد سلمان، حدر راسه دغيا لـلأرض بـأعلى درجات الاحترام والوقار؛ ما زاد خطوة، وما على عينه يشوف حرمة سيده. انحنى بـالهيبة وقال بـصوت خافت: “تَحِيَّتِي وَمَعْذِرَتِي يَا مَوْلَايَ السُّلْطَانَ.. أَسْتَأْذِنُكَ لِأُكْمِلَ أَمْرَ المَدَافِعِ!”؛ ودار بـالزربة، هرب بـالخطوة السريعة وكمل الدروج ف الهبطة حتى غبر من الممر، وخلا الساحة صافية
غير قربت وعلاّت عويناتها المبللين بـالفزع، ولمحت طوله الشامخ والنخوة د الملوك للي عليه.. ما تناسباتش ليه، وما جمداتش ف بلاصتها بـالأدب د السلاطين؛ بل زادها الشوف دياله رعب على رعب! طار الباقي د العقل من جوفها، وعماتها الدهشة ماعرفاتو شكون يكون فملك الله وهي شافت غير عينيه بوحدهم اول مرة فالغابة بدأت كتشوف فيه بحال إلى كتشوف ف الموت بيدها!
بدأت كترعد وترجع لوراء بـالخطوة الملهوفة، وتغوت بـأعلى صوتها، صوت حار كايقطع الجوف وسامعينه الخدم للي وراها، وهي كتصيح وتعيط على أمها وأباها بـالحرقة د الغبينة:
“وايماااااااااااا.. وباباااااااااااااا! عتقوني.. طلقوني نمشي بحالي! ااامي مسعودة فين رميتيني !! وارحمااااه!
؛ بدأت كتلوى وتدور باغية غير تفك راسها وتلقى شي مخرج تهرب ليه من هاد القصر للي كايتفركع فوق راسها.
تقدم جيهتها الشداد بـالخطوة السريعة الوازنة، وعينيه الصقرية كولها حيرة على هاد الغزالة للي تالفة قبالته. تمدّت اليد القوية د السلطان الشداد بـالجهد، وجرها من يدها المرعوشة بـالقدر للي يحبس خطوتها الملهوفة.
غير حسّت بـالقبضة د يده الكبيرة تزيرت على معصمها، حتى ناضت تدافع وتنفض ف راسها بـالجهد الكافر، وتبغي تسل يدها وتفلت ليه وهي كتغوت ف وجهه بلا عقل وبلا هيبة ملوك:
“طلقنييييي! طلق لي يدي! ما بغيت قصر ما بغيت عرس.. خلوني نمشي عند أمي!”
كانت عريانة من كل زينة مصطنعة، وزينها الطبيعي ف عز الرعب، كان كايشوف ف داك الوجه المنور للي رجع صفر ، والدموع الحامية نازلة كتشق طريقها على خدودها بحال الجوهر السايل. شعرها الكاحل الشلال، للي مطلوق بلا قيد، كان هائم مع الريح د الممر، مطير على كتافها ومغطي نص وجهها بـواحد الطريقة كتفتن الخاطر. والقفطان الملوكي الغالي، المجرور وراها بلا حزام، كان كايتلوى على ذاتها الرقيقة وهي كتدافع بـالجهد، ويبين المشية والهمة د لالة العرايس وخا العقل طاير.
حتى يدياها المرعوشة، وهادوك الخويتمات د الفضة والجوهر للي ف صباعها وكايضربوا ف بعضياتهم بـداك الرنين الخفيف وسط صهد المدافع، كولشي فيها كان كايقطر بـواحدة الفتنة صارخة؛ فتنة د المرأة الحرة للي مخلطة بين الضعف الإنساني د الخوف، والنخوة والزعامة د القبيلة!
نزلت عليه الهيبة د هاد الجمال، وزاد زير على معصمها بـالرفق والجهد ف نفس الوقت، غير حسّت كنزة بـالجلدة د يده الكبيرة والدافئة تلوات على معصمها، حتى تجهل فيها الخوف وصعقها الرعب! ما جمداتش، وما سكناتش لـالقبضة ديالو بان ليها غير راجل غريب، ضخم وقاصح الملامح كايحصرها ف هاد الجحيم!
ناضت تنتف وتزير بـالجهد الكافر، وكتنتر ف يدها بـكُل ما أوتيت من قوة وتنفض ف راسها باغية غير تسل معصمها وتفلت من بين يديه! بدأت تدافع بـكفها الأخرى وتدفع ف صدره بـالرعشة، وتغوت ف وجهه بـأعلى صوتها بلا عقل، ودموعها كايطيروا مع حركتها الملهوفة:
“طلقنييييي! طلق لي يدي! شكون أنتَ؟! عقد الشداد حجبانو الكبار بـالجهد، ونزلات على وجهه الملوكي واحدة الملامح د الاستغراب الشديد. بقى واقف بحال الجبل، وعينيه الصقرية مسمرين ف الفتنة د وجهها المبلل بـالدموع وشعرها الشلال الطاير، وبغى غير يحبس هاد الفزع للي طير ليها العقل، قرب جيهتها خطوة وازنة، وزاد زير على معصمها بـالرفق والجهد باش يحبس الحركة ديالها، وفتح فمه يالاه غاينطق بـالكلمة الثقيلة للي تهدّن الروع ديالها وتجمع ليها الشتات د عقلها..
ولكن، ف هاديك الثانية بالذات، وبلا ما يخليها تسمع خطابه.. انشق الصقف د الممر بـواحدة الدكّة راعدة ، مرعبة جهدها كبر من كاع للي جازوا! دكّة د المدفع الكبير د البرج الروماني للي تطلق بـالبارود الحامي قبالة البحر، وهز القصر كولو من الساس لـلراس؛ حتى الرخام تحت قدميهم تحرك والحيطان تزلزلوا بـالعجاج!
مع هاد الصدمة الصاعقة، طارت الروح من ذات كنزة بـالكامل. سدت ودنيها وعنيها من الفزع ، وخرجت منها واحدة الغوتة حارة قاطعة، وما كانت غير لقمة د الوقت.. حتى فشل الجهد ديالها كولو،وتقلبو عينيها ورخات جسدها كله !
بلا ما يخلي ذاتها الرقيقة تقيس الرخام البارد، خطف الخطوة جيهتها بـالمهل الوازن والقدرة د الرجال الأحرار. القبضة د يده اللولى، للي كانت على معصمها، تحولت ف ثانية لـتحت دراعها؛ تلوات بـالرفق والجهد حول خصرها المهدود باش يحصر الهبطة ديالها. ويده الثانية العريضة، طارت لـوراء ظهرها، وتلقات لـراسها بـشعره الشلال قبل ما يضرب ف الحيط أو الأرض.
بـالمهل الوازن، جذب التقل ديالها كولو جيهة صدره. طاح راسها الغايب على الدنيا فوق صدره الوازن نيشان، وجهها تلوى جيهة عنقه، وشعرها الكاحل تشتت وتفرش فوق دراعه بحال الليل للي نزل فوق الجبل.
وقف الشداد ف بقعته، هازها بين يديه بجوج بـالنخوة والعز؛ يد تحت ركابيها للي فشلوا، ويد شادة ظهرها وراسها متبتاه لـصدره. هبط عينه ليها، وعقد حجبانو عاود ثانياً وهو كايشوف ف هاد اللوحة د الزين المهدود بين دراعو، حس بـالنفس ديالها الخفيف والبارد كايقيس عنقه
طاروا الخدم جيهة الناموسية د اللوح الرفيع العالية. ف حركة موزونة كتمشي دقة دقة:
تمدّت اليدين بالمهل وقادت المضارب الكبار د الحرير كيقادر الفراش والوسايد ، تقدم الشداد جيهة السرير بـالخطوة الموزونة، وهبط ذاته الشامخة بـالمهل الشديد قبالة الفراش الوازن.
بـالرفق للي كايناقض قساوة الفرسان الكبار، بدأ كايسرح ذات كنزة المهدودة فوق الحرير الأبيض. نزل رجليها اللولين دقة دقة، والقفطان الملوكي المطلوق بلا حزام كايتلوى ويسيح فوق الفراش بحال الما الدافئ. ، حط ظهرها الرقيق بـالمهل على المضارب العالية، وبقت يده العريضة شادة رأسها بـشعرها الكاحل الشلال، كتهبطه دقة دقة فوق المخاد د المنسوج المذهب، بحال إلى كايحط طير صغير ف العش دياله.
فشلات يديه بجوج ورخاو راسهم بـالمهل من تحت ذاتها
خفّت الحركة د الخدم ووقفوا لوراء بـالوقار الصامت، فاش شافوا السلطان الشداد ما بغاش يسحب يده ولا يفارق المضجع.
بقى الشداد جالس ف هاديك اللقمة د السكات لداخل، وصهد المدافع كايزأر برا، هبط الشداد رأسه عن قرب.. وغرق ف التأمل د وجهها للي كايشوفه أول مرة بـهاد القرب الصادم.
كان كايتأمل هاداك الزين الصافي الامازيغي ! كيشوف خدودها للي رجعوا بِيضين بحال الرخام بـالخلعة، والآثار د الدموع الحامية مزالة فازعة وناشفة على رموشها الكاحلين والطوال بحال شِفار المها ، . تمعّن ف ملامحها الرقيقة، ف فمها الصغير الصامت، وف هاديك البراءة للي مخلطة بـالنخوة د العز دبنات القبايل. بدأ كايحرك كفه الدافئة على خدها بـالمهل الشديد، كايحاول يفيقها وقال بصوت تقيل هادي
“ثَبِّتِي النَّفْسَ يَا بِنْتَ المَيْمُونِ وَعُودِي إِلَى رُشْدِكِ.. فَمَا جُعِلَ هَذَا الحِصْنُ إِلَّا لِأَمْنِكِ وَعِزِّكِ! لَا خَوْفَ عَلَيْكِ وَأَنَا الشَّدَّادُ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِكِ”
عينيه كايشربوا من ملامحها عن قرب، كايتسنى غير تفتح عويناتها الفازعين وتشوف الأمان ف عينه، وخا السماء د شالة برا كولها شاعلة بـالعجاج والحديد!
بدأت الروح كترجع لـذات كنزة بـالمهل الشديد؛ الخدم كانوا محيطين بـالراس د السرير، واحدة كتمسح على جبهتها بـالخفة د الما د الورد والتاويل، والأخرى كتحرك الهواء قبالة وجهها المنور للي مزال صفر
تحركوا جفونها الكاحلين دقة دقة، وفتحات عويناتها وهي دايخة، مغيبة، والدنيا كيبانوا ليها فيها الخيالات مخلطين ، . يالاه بدأت كتجمع الشوف د عينيها.. حتى تصادفت نيشان مع وجهه وحاني عليها عن قرب، وعينيه الصقرية مسمرين فيها بـالإعجاب والوقار!
غير ميزت ملامحه وقربه الصادم.. قفزات كنزة ف بلاصتها قفزة وحدة فراس اللوح الرفيع هازة كتافها وجامعة راسها بدأت كتشوف ف الجناب بـالفزع والدهشة كتقلب على أمها مسعودة ولا عمتها السبعية، وعاود رجعات حطت عينها الفازعين فيه وهي كترعد كولها، ودموعها الناشفة عاود ثانياً غرقوا بـالدموع الحامية، لا قادرة تهرب ولا قادرة تستوعب فين رمتها الأقدار، ف هاديك اللحظة د الفزع الصاعق، تراجعت اليد القوية د الشداد بـالمهل، وحيد كفه من تحت ظهرها باش ما يزيدش يروعها بـاللمس دياله.
شاف ف عويناتها للي كايترعدوا، وطاحت الشوفة ديالو على هاداك الخوف الإنساني للي مخبي ف جوفها؛ هبط رأسه بـالمهل، ورخى الملامح د وجهه القاصحة حتى رجعات دافئة وكولها رفق، ونزل صوته لـواحدة النغمة خافتة، حنينة ورزينة
“اششش.. اهْدَئِي يَا بِنْتَ الأَكْرَمِينَ.. اهْدَئِي وَلَا تَخَافِي. مَا بَالُ هَذَا الفَزَعِ يَمْلأُ عُيُونَكِ وَأَنْتِ فِي أَمَانِ اللهِ وَأَمَانِي؟ لَا السَّقْفُ يَهْوِي عَلَى رَأْسِكِ، وَلَا المَدَافِعُ جُعِلَتْ لِتُرَوِّعَ قَلْبَكِ الصَّغِيرَ.”
ألتفت السلطان الشداد جيهة الخدم للي كانوا واقفين حدا الراس د السرير بـالوقار؛ ما نطق بـكلمة، وما خرج منه غوات، بل غير بـواحدة النظرة صقرية صارمة د عينيه وعقدة حواجبو، عطى الأمر القاطع للخدم باش ينسحبوا. فهموا النسا الحارات الشغل بـالزربة، حدروا رؤوسهم لـلأرض بـأعلى درجات الأدب، وتراجعوا بـالخطوة الخفيفة الصامتة وراء ظهره، حتى خرجوا كولهم من الباب العريض وسدوه وراهم بـالمهل، وخلاو الساحة صافية لـلسلطان قبالة مراته.
خفّ الفزع من عويناتها الفازعين وخا الدوخة مزالة شاداها من جوفها، وبدأت كتميز وجهه عن قرب؛ هاداك الوجه الشامخ والعينين الصقرية للي مخبين وراهم هيبة ملوك وأمان رجال د الصّح.
نزلت يدياتها بجوج من فوق راسها بـالمهل، وتنفخ جوفها بـواحد النفس طويل وطالع بـالشهقة د التعب، وعلاّت عويناتها المبللين بـالدموع الناشفة كتشوف ف السقف المطروز وف الحِيطان د الخلوة العتيقة، وعاود رجعات حطت نظرتها التالفة ف عينيه، وخرج صوته الخفيف، دايخ وباح بحال النغمة د الطير الصغير، وقالت ليه بـالحيرة د الغبينة:
“فـ فِينْ أَنَا؟
سمت على فمه واحدة الابتسامة ملوكية، خفيفة، كولها مكر ورجولة وزعامة. عجبو هاد السؤال الصافي للي خارج من بنت طار عقلها بـالخلعة ، ميل راسو جيهتها بدلال كيطلع عينيه فيها ويهبط وقال هاز حاجبو كيشوف فيها بعين صقرية
وفين غاتكوني يا بنت الميمون؟ راه أنت فدار السلطان وهادا لِّي جابك ل هنا ماشي براني، راه هو نيت الراجل لِّي كنت كتنثري يدك من قبضتو قبيلا..وهوا السلطان نفسه !”
وسّع الابتسامة دياله وهو كايشوف ف عوينات للالة كنزة للي مدهوشين، وزاد شد فيها بالكلمة الوازنة للي كتطير الخلعة وكتحرك النيف د الحرائر، وكمل كلامه بالهداوة
“كتخافي من رعيد المدافع ف السماء، وما كتخافيش تخبطي وتنفضي يدك ف وجه السلطان الشداد؟! طار ليك العقل الصغير حتى نسيتي بلي هاد القصر كلو ب مدافعو وأسوارو فهاد قبضة هاد اليد”
هز يدو مفتوحة ورجع هبطها. خرجات منه واحدة الضحكة رجولية خفيفة، وازنة، هزات الجوف دياله وبقى كيشوف ف عينها كايتأمل هاداك الزين والمفاجأة للي غاتطلع على وجهها فاش غاتميز كلامه بالدارجة وتعرف باللي هادا هو السلطان وبلي راه غير كايلاعبها ويزهّي ليها الخاطر المهدود.
طار منها الباقي د الدوخة د السخفة. عويناتها الفازعين توسعوا بالدهشة فاش عرفت باللي هاد الراجل السبعي وسيم الوجهم قبالتها ومبتسم بمكر هو السلطان الشداد براسه!
في حركة سريعة وموزونة، حدرات عينيها للأرض حشمة من قربه ومن شوفتو الصقرية، وجرات خصلات من شعرها الكاحل الشلال غطات بيه نص وجهها للي رجع كايشعل بالحمورية د الحياء من بعد ما كان صفر
بقت مكمشة ف قاع السرير، مدرقة وجهها كلو بكفوفها المرعوشة وجارة خصلات شعرها الكاحل الشلال بحال الغطاء قبالته. كانت غير كدور ف عويناتها الفازعين ف الجناب د البيت كتشوف الحيط والرخام، ومرة مرة، بالمهل الشديد، تفك صباعها شوية وتسرق اللمحة وتطل من بين خصلات شعرها باش تشوف فيه وتكحل عينيها بملامحه وغير كايجيب ليها الله باللي عينه الصقرية غاتقبط عينيها، كتعاود تخبى وتزير على راسها بالرعدة.
وف هاديك اللقمة د السكات.. رجع انشق الصمت د القصر بواحد ضرب المدفع جديد وقوي زلزل الأبراج برا!
مع هاديك الدكة، قفزات كنزة ف بلاصتها قفزة واحدة مخلوعة، وخرجت منها واحدة الغوتة حارة بالرعب. طار عقلها بصفة نهائية وما بقات عاقلة لا على حياء ولا على سلطان؛ ناضت ف دقة واحدة ووقفت على ركابيها وسط السرير بحال المعزة الصغيرة للي تالفة على مها وكلها كتفتف هاكا وهاكا وتمتم وتقفقف فوق الفراش مخلوعة! تعصرات واحد التعصيرة بالدموع وبدات كضرب على فخادها ويديها داخل الكمام طوال عليها ، كضرب وتولول بواحد الولوال باكي وتشوف هنا وهنا وفالسقف
“وا ناري على راسي..وناااري وناري شداني !! شداني واشداااني لجهنم اش خصني اش هاد الموت اش هاد العذااب اش هااد القيامة!!! اش هادا ربي لحبيب؟؟!”
شافها وقفت على ركابيها بحال المعزة الصغيرة وناضت تفتف وتضرب ف فخادها وتولول عليه بهاد الهدرة الشعبية دقبيلتهم..تما زهقات منه واحدة الضحكة رجولية وازنة وعريانة من قاع الجوف! وبقا كيضحك وهبط راسو ساد عينيه بصبعانو كيسمع والفراش كيتحرك بيه .
هز عينو فيها من جديد، وهبطات الشوفة ديالو الصقرية الوازنة جيهة صدرها الأبيض الناصع نيشان، للي كان كايطلع ويهبط بـالشهقة د الرعب والخلعة، ومطلوق قبالته كيبان نصو من الفتحة العريضة د القفطان الملوكي للي محلول والسنسلة طويلة ديال الدهب مدورة ومنقوشة مدلية تأمل هاداك البياض الصافي وهاداك النفس للي تالف وسط الحرير لـواحدة اللقمة صامتة، وعاود طلع عينيه دغيا لعينيها الفازعين، وثبت الشوفة ف نظرتها بـالصرامة والأمان د الرجال الأحرار، وقال ليها بصوته الجهوري الخافت:
هادا غير صوت المدافع ف السطح كيسرحوهم.. ما عندكش مناش تخاف يا بنت الميمون، ودبا شوية غايحبس هادشي كلو ويرجع السكات للقصبة “
سكت واحد الشوية وهو مزال مسمر عينه ف عينيها وقاد جلسته بالنخوة وقال
“العسكر ديالي كايقادو الشغل برا، والحديد للي كتسمعيه كايزأر ف السماء راه مديور باش يحميك ويحمي هاد الساحة”
مع غايكمل كلامه الشداد والتبسيمة الماكرة مزالة على فمه، ما كملاتش حتى ثانية واحدة.. حتى انشق السقف بـضرب مدفع جديد وقوي كثر من الأولين، ضربة هزات القصبة من ساسه لـراسه وخلاّت اللوح د السرير كايتحرك ف بلاصته!
ف هاديك اللقمة الكافرة، خرجت من كنزة واحدة الغوتة حارة قاطعة النفس، وعينيها خرجوا وتوسعوا بـالرعب د الصّح كأن القيامة ناضت فوق راسها! طار عقلها بصفة نهائية، وما بقات ميزة لا سلطان ولا هيبة ولا حياء؛ ف حركة سريعة بحال البرق، رمت ذاتها كولها عليه وتعلقت ف صدره وتخبات . صدرها الابيض الناصع رجع كيخبط فصدر الشامخ بـدقات هبيل د الخوف، ووجهها تخبى نيشان ف عنقه، ودموعها الحاميين نزلوا على لحمه الدافئ وهي مزالة مرعوبة وما قادرة تطل ولا تشوف ، الشداد ف هاديك اللحظة، تزعزع الجسد دياله القوي بـهاد الرمية الصادمة؛ يديه تطلقوا دغيا، وقتح ليها صدر وحس بـهاديك الرعدة د الجوف ديالها وهاداك الدفء للي رمته الأقدار ف صدره وسط هاد العاصفة د الحديد.
صدرها الأبيض الناصع، بفتحتو العريضة وديك السنسلة الطويلة د الذهب المنقوشة للي كتتحرك مع النفس، بقى كايخبط ف صدره الشامخ ضربة تابعة ضربة بحال المترقة، والخلعة عماة ليها الشوف لدرجة مابقتش حاسة براسها فين رماتها الأقدار.
الشداد ف هاديك اللحظة، تزعزع الجسد دياله القوي؛ هاد الراجل للي كايقود الجيوش وعمره تحنى للحديد، لقا راسه قبالة رعدة د الصّح مخبية ف كفوف صغيرة. طلق يديه بجوج دغيا، وفتح ليها صدره العريض كلو كأنه كايشرك معاها النفس والأمان.
بالمحل الشديد، وبواحد اليد حنينة ووازنة طلع كفه وحطه وراء ظهرها، وزاد جمعها جيهته غير دقة دقة باش ما يروعهاش كثر. حس بيك السنسلة د الذهب كتزير بيناتهم وكتنقل هاداك الخبيط د قلبها لجوفه. هبط رأسه جيهة ودنها، وتنفخ صدره بواحد النفس طويل، وقال ليها بصوته الجهوري الخافت للي رجع دافئ بحال الغطاء:
” اششش.. تثبتي وجمعي قلبك يا بنت الميمون.مكاين والو وبجهد الله مكاين لي يقيسك “
اليد الأخرى دياله طلعت بـالمهل الشديد، وبدا كيبعد ليها بصباعه هادوك الخصلات د شعرها الكاحل الشلال للي تشتتوا فوق كتافها وعلى عنقها، كايحاول يسترها ويدرقها بين يديه القوية، كأنه كايصنع ليها حصن بوحدها وسط هاد القصبة للي كتهز برا. كنزة، وخا سمعت هاد الصوت الحنين وذاقت هاد الأمان للي نزل عليها ف دقة واحدة، ما قدرتش ترخف يديها؛ زادت زيرات على كتافو العراض، وجمعات ركابيها جيهته بحال المكمشة ف الفراش، وشهقاتها بدأت كتهدا شوية بشوية وهي كتشم ريحة العود والمسك د الملوك للي ف عنقه ولحمه الدافئ.
مع هاد الصمت للي نزل ف دقة واحدة، بحال إلى رجع العقل ل كنزة. بدات كتدير الطّق د النفس ف جوفها، وانتابهات لراسها دبا مزيان؛ لقات راسها لاصقة ف صدر الشداد معنقة كتافه بيديها بجوج، وصدرها كايخبط ف صدره، وريحة مسكه وعوده ف نيافها!
طار منها الباقي د الخوف وحل مكانه واحد السّم د الحشمة والحياء للي عمرها ذاقاته. ف حركة سريعة ومذعورة، نفضات يديها وبسرعة البرق رجعات للور، تلوحات ف قاع السرير وهي كتقفقف وتفتف بـالخلعة د الحشمة هاد المرة.
جرات خصلات شعرها الكاحل الشلال بـالجهد، بدات كتهبطه على وجهها باش تدرق عويناتها للي ما قدروا مزال يمشيو جيهته، وبيدياتها بجوج للي داخل الكمام طوال بدات كتزير على الفتحة العريضة د قفطانها الملوكي، كتجمع الثوب وتجر السنسلة د الذهب المنقوشة باش تخبي صدرها الأبيض للي مزال كايطلع ويهبط بـالحمورية د الحياء للي شعلات ف ذاتها كولها حتى لودنيها.
بقت مكمشة وكتتمتم بـكلمات تالفة وما مسموعاش، وفمها كايترعد وهي كتقول بـالتفتيف:
وا.. وا عار الله.. أنا.. ما قصدت والو.. البارود.. البارود هو للي..
الشداد بقى بارك ف بلاصته قبالتها فوق الفراش للي مزال كايتحرك، صدره العريض مطلوق، وعينيه الصقرية كايلمعوا بواحد النشاط كبير وإعجاب صامت بهاد الحركة السريعة ديالها. تبسم ديك الابتسامة الماكرة دياله وهو كايتأمل الحمورية للي طلعت على وجهها والروينة د الحياء للي نزلات عليها من بعد ما سكت المدفع.
وقف الشداد ف دقة واحدة، بنخوته الملوكية الشامخة للي كتقسم الرخام. نفض كتافه العراض للي مزال فيهم الأثر د رطوبية دموعها، وحط يديه وراء ظهره بـالرزانة د السلاطين والأحرار.
بقى واقف قبالة السرير كايتأمل هاديك الحالة د الحشمة والروينة للي طاحت عليها، وشعرها للي مخبي وجيهها كلو، وصبيعاتها للي كيزيروا ف الثوب د القفطان باش تدرق صدرها. تبسم واحد الابتسامة رَزينة وخفيفة، وهبط رأسه جيهتها غير شوية باش يطمن جوفها المرعوش، ونطق بـصوته الجهوري الدافئ للي كايزلزل الحيط ف القصبة ولكن فيه الأمان د الصّح:
صافي، المدفع سكت ومابقاش غايعاود يزأر ف السماء. جمعي عليك خاطرك وتثبتي ف بلاصتك.
رجع وقف بوقفته الشاهقة وعلاّ نيفه العالي، وزاد كمل كلامه بـالهداوة د الرجال للي كايعرفوا قيمة الحياء د الحرائر:
هاد الساحة دبا ديالك، ارتاحي وجمعي عليك هاد النفس الطاير. أنا غانخرج دبا نشوف الشغل برا والأمور فين وصلت مع العسكر، وراه حتى حد ما غايحط رجله ف هاد الباب طول ما أنت لداخل.
دار بواحد الخطوة وازنة وثقيلة، مشى جيهة الباب الرفيع د البيت بـكل هيبة ونخوة، حاط يديه وراء ظهره وعينيه ف الأرض، بلا ما يزيد يسرق شوفة أخرى تخسر ليها الخاطر ولا تزيد ف حشمتها. فتح الباب وخرج بـالمهل، وسد القفل وراه، وخلى البيت كولو ساكت وراقد ف ريحة العود والمسك الملوكي للي تخلطت بـأنفاسها.
من بعد ما تسد الباب ورجع السكات الثقيل يغطى البيت، بقت كنزة مكمشة ف بلاصتها فوق الحرير، شادة فمها بكفوفها المرعوشة وعويناتها مزالين مسمرين ف الخشب الرفيع د الباب للي خرج منه السلطان الشداد. بقت حالة فمها ومبهوطة ف هاديك الهيبة كاملة للي خلت ريحة المسك والعود عاجة ف الساحة وعاقدة ف الهوا.
هبطات عينيها بالمهل، بدات كتشوف ف يداتها للي وسط الكمام الطوال، ودوزت صبيعاتها على حناكها للي كايشعلوا بالسخونية د الحياء، وبدات كتنغز ف لحم وجهها وتقرص ف راسها بواحد التفتيف خفيف وهي كتمتم بالجهر:
ـ فيقي.. فيقي.. فيقي أ كنزة! نوضي من هاد المنام! راك كتحلمي واقيلا.. فيقي لا تصدقي طايحة من فوق الحمارة وسط القبيلة!
حطات رجيلاتها الحفيانين ف الأرض، وزهق منها واحد النفس طويل فاش قاست برودية الرخام الصافي للي كايلمع بحال المرايا. ناضت كتلوى ف قفطانها الملوكي للي مطلوق بلا حزام، بدات كدور ف البيت دايخة وتالفة، عويناتها كايديو ويجيبو ف الحيوط العالية للي منقوشة بالخشب ، الرفيع والقباب للي كيحير فيهم الشوف. مكانتش كاع مصدقة العقل ديالها، وباقي كايجيب ليها الله باللي هادا غير شي مَنام غاتصحى منه على صياح الفروج وصوت خواتاتها ف بيت الطين.
دبا عاد بدات الكلمة كتنزل على جوفها دقة دقة.. دبا عاد استوعبت باللي فعلا تزوجات، ورجعات مرتك السلطان! وماشي أي سلطان.. سلطان كولو همة ونخوة، وهيبة وزين، وسيد الرجال للي كترعد البلاد تحت حوافر خيله!
مشت كتجري بالحفا، وبخطوات مرعوشة جيهة الباب العالي. حطات ودنها الصغيرة على الخشب المقدر، وبقت كتصنت بالجهد، حابسة أنفاسها كأنها باغة تتأكد باللي هاداك للي كان قبالتها قبيلا راه نيت برا كايقاد الشغل مع عسكره. رجعات اللور بواحد الخطوة د الهيبة، حطات يديها على صدرها وشافت ف قفطانها المجرجر وسلسلتها د الذهب للي مدلية كتلمع.
بدات كتدور ف البيت، وتلمس بيديها الثوب د المطارح والزرابي الغليظة د الصوف للي كتغرق فيهم الرجل، ومبهورة ف هاد العجب للي عمر عينها شافت مثيله. هاد الساحة الكبيرة والمكان الرفيع للي كايشبه لقصص الغواني، بعيد كول البُعد على بيتها القديم د الطين والتبن للي كانت كتزاحم فيه هي وخواتاتها تحت الغطا د الوبر.
وشوية بشوية.. بدات كتسرا معاها الحقيقة ف عروقها بحال الما البارد ف أيام الصهد! الحقيقة نورت ليها وجيهها، وتفجرات ف قلبها واحدة الفرحة هبيلة د البنيتات الصغار فاش كايعطيوهم لُعبة د العيد. طار الحياء والخلعة ف دقة واحدة، ومشت كتجري وكتكركر بالضحك، جارة وراها الذيل د قفطانها الملوكي، وف قفزة واحدة بحال الغزالة، طلعت فوق الناموسية العالية د اللوح المنقوش.
بدات كتنقز فوق الحرير والمطارح د الريش، كتطلع وتهبط وهي ميتة بالضحك، ونيّفها عالي ف السماء، فرحانة بياض سعدها والزهر للي رماها ف حضن السبع. ومن قوة التنقاز والهبل د الفرحة، تزلقات رجليها وتكركربات فوق الفراش الوجيد وطاحت على ظهرها وسط المخدات د الموبرة!
ناضت دغيا كتفتف، والضحكة ورات سنانها كاملين، بدات كتدور ف بلاصتها وسط البيت وتلوح يديها ف الهوا وتقول بوحدها وهي كتوشوش للفرحة ديالها:
ـ وا ناري.. واش بالصح؟ اااجي امي طلي عليا بنتك تزوجات السلطاااان الاندلسي !!
الشداد للي كيحكم البر والبحر حط عليا كوفه.. سعدي وزهري الميمون! أنا مرت السلطان.. لالة كنزة دبا للفوق!
بقت كتدور وتضحك بحال المضروبة ف عقلها، وشعرها الكاحل الشلال مشعكك ومطلوق وراها كايتحرك مع كل دورة، والجوف ديالها كولو كايغني بالنغمة د الفرحة والسرور للي نزل عليها من بعد الخوف د المدافع
تسمع الطّق د الساروت وغا يتلفت ليها الباب العالي الرفيع ف دقة واحدة!
دخلوا الخدم، صف تلو الصف، هازين ف كفوفهم الصواني الكبار د النحاس المنقوش للي كايلمع بحال الذهب، وفوق منها مالذ وطاب من الفطور دالعروسة ، طواجن الدجاج باللوز والبرقوق المعسل، رغايف العسل والزبيدة البلدية للي كتذوب ف الفم، الملاوي، والحرير د المسمن، والروائح الفايحة د الما زهر والمسك حارة كتعج ف الهوا والحريرة الحمرة والعصييدة بالزبدة بلدية والبيض بلدي
الخدم، وخا شافوها كتدور وتضحك بوحدها ف ديك الحالة حدروا عينيهم للكون وراء الصواني حشمة ووقار من هيبة لالة كنزة الجديدة. حطوا الصواني بـالمهل فوق الموائد د اللوح الرفيع، ورجعوا اللور بالخطوة الموزونة، وحدروا الرؤوس باغيين يخرجوا ويسدوا الباب.
ف هاديك اللقطة، وقفت كنزة وهي كتشوف ف هاد العجب والخير كولو، وجرات الكم د قفطانها الطويل، ووقفت وحدة من العيالات د الخدم للي كانت قريبة ليها، وقالت ليها بـواحد العفوية وتفتيف مغربي شعبي:
ـ دبا إلا بغيتك.. فين نلقاك؟
الخادمة دارت عندها بـالمهل، وحدرت راسها بكل أدب، ونطقات بصوت خفيف كلو طاعة:
ـ أمرك يا لالة، أش حب الخاطر؟ قولي لِّي بغيتي ويكون بين يديك دبا.
كنزة حطت يدها على حنكها، وشافت ف قفطانها المجرجر، وقالت ليها بـواحد البراءة صافية د بنت القبيلة للي عاد تجمعات مع سعدها:
ـ بغيتكم تلبسوني وتغسلوني.. ياك أنا عروسة؟
الخدم ف هاديك اللقمة، غير سمعوا هاد الهدرة الصافية للي خارجة بلا زواق، بقاو كايشوفوا ف بعضياتهم وعويناتها كايلمعوا. جاتهم الضحكة ف خاطرهم على هاد البراءة للي ما مولفينهاش ف نسا القصور الكبار، ولكن ف نفس الوقت، شافوا ف قدها الزين، ونخوة وجيهها المنور، والبراءة الصافية للي ف عويناتها، ودخلت ليهم للخاطر دغيا
تبسمات الخادمة الكبيرة بـالتاويل والرضى، وردت عليها بـكلام موزون كلو حنانة وحق وطريق:
ـ على الراس والعين يا لالة كنزة، يا الغزالة د القصر! دبا كولي وافطري بالصحة والراحة، ومِّي تفطري وتشبعي غانرجعوا عندك
ونديروا ليك قوامك على حقه وطريقه بحال كاع العرايسات د الحُر، ونقادو ليك هاد الزين كلو.
حدروا الراس عاوتاني، وخرجوا بالمهل من الباب، وخلاوها بوحدها قبالة الصواني الفايحة بالخير.
كنزة، غير سدوا الباب، رمت راسها جيهة الماكلة؛ نزلات على ديك الصواني بـشهية حارة د بنت البلاد للي صابت مالذ وطاب من التاويل كلات وذاقت من كل حاجة، شبعات حتى برد الجوف ديالها وتمسح كاع الخوف والخلعة دالمدافع ، غير كملات، حست بـواحد الرخاوة ثقيلة نزلت على جفونها؛ الطق د المدافع، والخلعة د قبيلا، والسخونية د الماكلة، كولشي تجمع عليها ف دقة واحدة. مشات كتجر رجليها دايخة بالنعاس، وتكات ترتاح فوق الفراش الوجيد د الحرير. ما كملاتش حتى دقيقة، حتى غرقات ف واحد النعاس ثقيل وعميق، ووجيهها منور ومرتاح بحال البنيتة الصغيرة ف حِضن مها.
ودازت ساعة تلو الساعة.. حتى حلوا الخدم الباب بالمهل باش يقادوا ليها الشغل، لقاوها ناعسة وغارقة ف نومها، وشهقات النعاس الخفيف كطلع وتنزل ف صدرها. تحركوا الخدم بيناتهم بحال الخيال بلا حس؛ جمعوا الصواني والدنيا، ونقوا الساحة كولها بالتاويل، وخرجوا خفاف، وسدوا عليها الباب بالمهل، وخلاوها راقدة ف أمان الله وسط ريحة المسك والعود.
طاح الليل على القصبة، وارتفع أذان العشا ف الصوامع، وغطى السكات الأبراج من بعد الروينة د المدافع د النهار. ف قلب البيت، كانت كنزة مزالة غارقة ف نعاسها الثقيل، حتى تحل الباب بالمهل ودخلوا العيالات د الخدم.
بداو الخدم كايتحركوا ولكن قاصدين يديروا شوية د الحس والشق ف البيت غير باش تفيق على خاطرها؛ هادي كتقاد الموائد د النحاس، وهادي كتحرك الكراسي د اللوح، والأخرى كتفتح الصنادق د العود الرفيع وتجبد التواب د العرس للي كايشعلوا بالصقلي.
مع هاد الحركة، بدات كنزة كتحرك جفونها بالمهل. ناضت ثقيلة، ذاتها شبعانة نعاس ومجبدة، وراسها مزال دايخ بـالسخونية د الفراش. جلست على طرف الناموسية العالية، مطلوقة وشلانة، وعويناتها مزالين مقلوبين بالنعاس وشعرها مشعكك على كتافها.
قربات جيهتها الخادمة الكبيرة بالتاويل والصواب، وحدرات الراس ونطقات بـهدرة شعبية تراثية مسكدة وكتلوى بالسر:
ـ على السلامة يا لالة كنزة، هنيئاً ليك هاد النعاس المريح. دبا اللّيل طاح والعشا ذّن، والحرك كولشي واقف كايتسناكِ. نوضي الله يرضي عليك، راه العيالات مجموعين ومقادين الشغل باش نوجدوكِ ونقادو تاويلك
بقت كطير الشوف ف الجناب، شافت الرخام، وشافت النحاس، وشافت السقف د الخشب الرفيع المنقوش للي كيبان بالمهل تحت خيال القناديل، وشافت الثوب د الحرير للي تحت منها.. وف هاديك اللقمة، طارت الدوخة د النعاس ف دقة واحدة وحلت بلاصتها الحقيقة! استوعبات بـالعقل الصافي أنها ف قلب دار السلطان الشداد، وأن حياتها القديمة د الطين مشات بلا رجعة، ودبا بدات حياتها الجديدة للي كولها شان وهمة.
ف هاديك الدقيقة، نزل عليها واحد الحماس وشغف كبير، ووجيهها تنور وعينيها الكاحلين كباروا وتحلوا بالفرحة والنشاط وسط ضو الشموع المداعب، وعجبها الحال. شافت ف الخدم بواحدة البراءة منورة وقالت ليهم بـالعفوية والضحكة مسرحة على فمها:
ـ وجدوني وقادوني! عار الله صاوبوني مزيان، بغيت نكون زوينة ونعجب السلطان
الخدم غير سمعوا كلامها العفوي، بقاو كايشوفوا فيها وتفركعات منهم واحدة الضحكة خفيفة د الفرحة والسرور، وعجبهم هاد الصدق للي فيها وصابوا قدها وزينها مستهل كل خير. ردت عليها الخادمة الكبيرة وهي كتغطيها بالرضى:
ـ الله الله على لالة الغزالة! كوني هانية، غانخرجوا منك عجب هاد الليلة وحق ربي. راه السلطان الشداد براسه، قبل ما يخرج قبيلا، أمرنا وتكّد علينا نوجدوكِ بـأحسن ما كاين ونتهلاو فيك ونقادو هاد الزين كلو على حقه وطريقه.
وبدا الشغل د الصح بالتاويل التراثي العريق!
نوضوها بالمهل، داوها للحمام د الخلوة للي كايغلي بـالما الدافئ وريحة الصابون البلدي المعجون بالورد والعشوب الحارة. غسلوا ليها لحمها الصافي حتى رجع كايشعل بحال البلّار، وطرفوا ليها وظفوها بالتاويل. رجعوا بيها للبيت للي شاعلين فيه قناديل الزيت، وبداو كايسرحوا ليها هاداك الشعر الكاحل الشلال، كيمشطوه بالقرن د العاج دقة دقة ويدوزوا عليه المسك الخام والروائح الفايحة للي كتخطف الخاطر.
كنزة كانت جالسة وسط البيت فرحانة ومبهوطة، كتشوف ف جنابها وعاجبها هاد اللباس الجديد للي حطوه قبالتها. تواب العرايس د الهمة، المنصوجة بالحرير الحر والصقلي د الذهب للي كايلمع تحت ضو الشموع وعاجب العين. لبسوها الدفين والقفطان المطروز باليد، وزادوا ليها “خيط الريح” على جبهتها كايلمع بـالحجر الكريم، و”خيط الجوهر” الصافي مدور على عنقها وطالع فوق صدرها الأبيض الناصع.
كانوا كيرشوا عليها القطرات د الما زهر المقطر والروائح الملكية الغالية، وهي كتشم هاديك النسمة للي كتدخل للجوف وسط ظلام البيت للي منور غير بالقناديل، وتغمض عويناتها وتقول من قاع القلب بكلام البلاد الحُر:
ـ الله.. الله على ريحة كتدّي العقل! واش هادا زهري وعطى ربي؟!!
بقت كتنفس ديك الروائح وتعبر على فرحتها بوجهها المشع بالزين والحمورية د الحياء، والخدم دايرين بيها بحال النجمات دايرين بالقمر، كيزيدوا اللمسة تلو اللمسة حتى رجعات لالة كنزة عروسة د الشان للي تسلب العقل د السلطان براسه.
(هاديك الرنة الحنينة د العود للي بدأت كتعج ف الهوا، تسمعات واحدة النبرة حنينة وخاترة د الترخاص د العود ف القاع د البيت؛ تقاس الوتر الأول دافئ ورزين، وبدا كايسرح نغمة مورا نغمة ف هاداك السكات مع ريحة العود والمسك مع كل دقة د الوتر)
مع هاديك الرنة الحنينة د العود للي بدأت كتعج ف الهوا، تحل الباب العالي د الخشب المنقوش بالمهل الشديد وبلا حس.
دخل السلطان الشداد.. ولكن هاد المرة، متجرد كوليا من اللباس القاصح د النهار، ومحيد عليه النخوة د الحديد والبارود للي كانت هازاها كتافه قبالة العسكر. دخل بـواحدة الجمالية ملوكية كتخطف العين؛ لابس جبادور بيضة حليبية د الحرير الحُر، مخدومة بالحرير ، الصافي على حقها وطريقها، تفاصيلها كتلمع تحت ضو الشموع الخافت. سرواله القندريزي الأبيض النازل بالهمة حتى للكواع كايتحرك مع مشيته الوازنة والر زينة، وف رجليه بلغة ملوكية
مخدومة بـالتاويل والوقار.
شعر الشداد الكاحل، للي تحيدت عليه الرزة، كان كايبري وممشوط ونازل ورا ودنيه بـواحد الزين رجولي قاطع، ووجهه الوسيم كايلمع بنور الراحة من بعد التعب دالنهار . وزايدين عليه لمسات سلطانية د الهمة؛ خاتم ملوكي ضخم ف صبعه كايبرق بحجر زمردي كاحل، وسلسلة د الذهب رقيقة مخبية وسط الفتحة د الجبادور، كولشي فيه كاينطق بالنخوة والسر المكمول. مشيته كانت هيبة، وشكله كولو كايقطر بـالزين د الرجال الأحرار للي كايعرفوا قيمة راسهم.
(دقة أخرى د العود، ثقيلة ومرخوفة، رافقت الشوفة اللولانية بيناتهم.)
هز الشداد عينيه الصقرية، وتلاقاو النظرات ف دقة واحدة قبالة الناموسية. كنزة كانت جالسة تما، منورة بخيت الريح للي على جبهتها والجوهر للي فوق صدرها، ووجيهها كايشعل بالحمورية د الحياء. الشداد ثبت شوفته فيها، وعينيه تشربوا هاد اللوحة د الزين العفوي للي صاوبوها الخدم؛ عجبو هاد القوام التراثي للي واتا قدها وزينها. وكنزة، غير قبطات عينه الصقرية الدافئة، حدرات عويناتها للأرض دغيا، وحست بـذاتها كولها كتسخن بالحشمة من هاد الجمالية والنخوة للي داخلة جيهتها.
ف هاديك اللقمة د الصمت، وبلا ما يحس بيهم حد، الخدم فهموا التاويل والصواب د المخزن؛ تسلوا دغيا بالمهل وبلا حس، وخرجوا كولهم تلو الآخر ، وسدوا الباب الرفيع وراهم بالهداوة، وخلاو البيت راقد ف أمان الله.
(العود دبا رجع كايتكلم بـالمهل، دقة تابعة دقة، بحال الأنفاس للي بدأت كتقاطب.)
بقى البيت كولو ساكت، مفيض غير بـضو القناديل والشموع للي كترقص خيالاتها على الحيوط د الخشب المنقوش. الشداد، وعينيه مزالين مسمرين ف هاديك الغزالة للي جالسة على طرف السرير كتفتف بالحشمة، بدأ كايقرب منها.. خطوة بمقر، وخطوة بـتاويل، كايقسم الرخام بـالبلغة دياله بالمهل الشديد، كأنه كايقرب لـشي حاجة غالية وخايف عليها تطير، والنغمة د العود كتدور وتعاود وراهم، كتسجل أول ليلة د الشان بين السبع الفيافي وبنت القبيلة.
العود دبا رجع كايتكلم بـالمهل، دقة تابعة دقة، بحال الأنفاس للي بدأت كتقاطب.)
وصل الشداد قبالة الناموسية العالية، ووقف بحال السور الشامخ للي كايضلل على القمر بـالنخوة دياله. تنهد واحد التنهيدة عميقة خرجت من قاع الجوف، وحرك رأسه بالمهل وهو كايتأمل هاد العروسة للي كتقطر حياء ووقار تحت ضو الشموع.
تكلم بصوته الجهوري الخافت للي رجع رزين ومسكد باللغة العربية الفصحى، مفيض الهيبة فالبيت
ـ “الحَمدُ للهِ الشَّاكِرِ المَنَّان، الحَمدُ للهِ الذِي أَفَاضَ عَلَينَا مِن وَاسِعِ كَرَمِهِ، وَأَنعَمَ عَلَينَا بِنِعَمٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحصَى.”
هبط يديه بالمهل، ورجع ثبت الشوفة الصقرية الوازنة ف وجيهها المستور وخيط الريح للي كايلمع على جبهتها، وتبسم ديك الابتسامة الدافئة للي فيها السر، وكمل كلامه
ـ “وَسُبحَانَ الذِي خَلَقَ المَرأَةَ وَجَعَلَهَا سَكَنَاً لِلرُّوح، وَأَمَانَاً لِلقَلبِ بَعدَ لَأْوَاءِ الحَربِ وَعَنَاءِ الدُّنيَا.. اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ لِهَذِهِ النِّعمَةِ التِي نَوَّرَت خَلوَتَنَا هَذِهِ اللَّيلَة.”
كنزة، وهي جالسة ف بلاصتها، غير سمعت هاد الثناء والحمد للي خرج باللغة الراقية من فم السلطان، حست بـالسر والوقار العجيب كايغطوها، وخا الرعدة د الحشمة مزالة شادة ف جوفها بحال الفريخ للي طاح وسط الصيادة. زادت حدرات راسها كتر، ونزلات عينيها للرخام، ودموع الحياء رقرقوا ف عويناتها بـالخلعة والسرور المخلط، وشهقات نفسها تخرج دافئة وموزونة مع دقات العود للي كتسير ف الجناب
دار بواحد الحركة ملوكية كولها خفة ونخوة، وهبط للأرض بالمهل باش يأخذ جلسته الوجيدة للي كايقصدها فاش كيبغي يرتاح ويجرد الخاطر من كاع التعب د الدنيا.
حط ذاته القوية وسط المخاد الغلاظ د الموبرة للي مطروحين ف الأرض قبالة الناموسية، وتكى بنصف ظهرة اليميني على مخدة ضخمة، وثنى رجله اللولانية تحت منه بـالتاويل، بينما رجله الأخرى وقفها بالهداوة والنخوة ، ، ويديه اليمينية للي كايلمع فيها خاتم الزمرد الكاحل محطوطة براحة فوق ركبته ، من هاديك الجلسة الأرضية الدافئة، علاّ الشداد عينيه الصقرية الحارة، وبدا كايطلع الشوف فيها دقة دقة، كأنه كايقرا كتاب غالي؛ بدأ الشوف دياله من قدام رجليها الحفيانين للي عاد خرجوا من الشربيل الملوكي المخدوم بالصقلي، وطلع مع الذيل د قفطانها المجرجر، داز على الحرير والصقلي للي كايتحرك مع صدرها، حتى وصل لوجيهها المنور للي كايقطر بـالحشمة، وخيط الريح للي كايلمع على جبهتها.
كنزة ف هاديك اللقمة، فاش شافت السلطان هبط للأرض وجلس قبالتها . زادت غرقات فحياها والرهبة السلطانية كتر، تقطعات منها النسمة، وحست بـالرعدة د الصّح بدأت كتسرا ف عروقها؛ ذاتها كولها رجعات كتقفقف وسط ثوبها الملوكي، وعويناتها الفازعين رقرقوا بالدموع الحاميين د الخلعة، ما قدراتش تنزل جفونها جيهته. بدات كتزير بـصبيعاتها المرعوشة على الكمام الطوال د الدفين، وتجر الثوب جيهة صدرها للي كايطلع ويهبط بـالشهقة د الرهبة، كأنها باغة تدرق وراء الصقلي من هاد الشوفة الصقرية للي كتقب الخاطر.
لمح الشداد هاديك الحالة
، وشاف رعدتها للي باينة ف صبيعاتها، وتبسم ديك الابتسامة الرزينة للي فيها السر والمودة، ومد يديه بجوج جيهتها بـالمهل، كأنه كايفتح ليها حضنه من الأرض، ونطق بـاللغة العربية الفصحى بصوته الجهوري الخافت للي كله حنانة وأمان:
ـ “أيتها المَهرةُ النَّفور.. كُفِّي عَن هَذا الوَجَل، ، فَمَا جِئتُ لأُفزِعَ قَلبَكِ، تَعَالَي إِلَيَّ، وَاجلِسِي هُنَا بِجَانِبِي.”
(تقوى الترخاص د العود، ورجعات الدقة ديال الوتر تالفة وخفيفة بحال الدقات د القلب للي هربان منه النعاس، والشموع كايتحرك خيالها الدافئ على الخشب المنقوش د السقف كأنها كتشهد على هاد الخطوة الغالية..)
شير ليها الشداد بـيدو الوازنة، هاديك اليد للي فيها خاتم الزمرد كايبرق تحت ضو القناديل، وفـ حركة كولها أمر ملوكي مغلف بـالحنانة، عاود ليها الإشارة باش تنزل عنده للأرض.
ف هاديك اللقمة، حست كنزة بـركابيها فاشلين، ولكن الضحية د الهيبة دياله حركاتها بلا ما تشعر. ناضت من فوق السرير العالية، وهزات بيدياتها المرعوشة الذيل د قفطانها الملوكي المجرجر بالصقلي باش ما تتشعبكش فيه. بدات كتمشى بـالمهل الشديد، خطوة كتدّيها وخطوة كتجيبها، ورجيلاتها الحفيانين كيقيسوا برودية الرخام وهي كتقفقف بـالخلعة والحياء للي نازل على وجيهها بحال الغمام.
وصلات جيهة الفراش د الأرض فين جالس الشداد متكي على المخاد د الموبرة، وجلست بالسياسة بلا ما تشوف فيه كاع، عويناتها مسمرين ف الأرض وحناكها شاعلين بـالحمورية د الصّح. غير حطات ذاتها، وفـ نيّتها وعفوية بنت القبيلة للي فيها، بغات تكحز شوية اللور وتبعد منه باش تخلي بيناتهم التيساع د الأمان وتتنفس من هاديك الفخامة للي زاحمات جوفها.
لاكن الشداد كان أسرع منها؛ زرب عليها بـالمهل د الرجال للي كايعرفوا يقبطوا الحمام النفور. مد ليها كاس د أتاي منعنع وفايح بـالرزق والزهر، كاس د النحاس والزجاج المنقوش للي مزال كايطلع منه الربو د السخونية. قاد الكاس نيشان لـيدها المرعوشة للي وسط الكم الطويل، وبلا ما يخلي ليها الفُرصة فين تكحز ولا تبعد، حط الكاس ف كفها الصغير باش يثبت الجلسة ديالها حداه ويطمن هاداك الخاطر الطاير وسط خلوته. زادت الحشمة قبطات ليها اليدين والرجلين؛ كنزة قبطات هاداك الكاس د أتاي بـصباعها المرعوشة، ولكن يدها كانت كتقفقف لدرجة أن الخاتم د الجوهر للي ف عنقها كايتحرك مع النفس الضيق ديالتها. بقت شادة الكاس بلا ما تذوق منه قطرة، وعينيها مسمرين ف الزربية، حاشمة حتى تتنفس قبالته.
لمح الشداد هاديك الرهبة للي عاقدة ليها اليدين، وزاد مد ليها بـيده اليمينية المفتولة، للي كايبرق فيها حجر الزمرد الكاحل، تمرة مجهولة معسلة من الصواني د النحاس المقدرة المحطوطة قبالتهم. بدأ كايتقرب منها كتر.. كحز جيهتها بـالمهل، وريحة المسك العريان للي خارجة من جبادوره الحريري الأبيض زاحمات الأنفاس ديالتها، حتى رجع كتافه العراض قبالة كتافها الصغار .
الشداد شاف هاداك الشعر الكاحل الشلال للي مسرح على وجيهها ومغطي النور د حناكها للي كايشعلوا بالحمورية. علاّ يده بالسياسة والتاويل، ويالاه غايبغي يبعد هادوك الخصلات الكاحلين على وجهها باش تصفى الشوفة بيناتهم..
ف هاديك اللقمة، ومن قوة الخلعة والرهبة د هاد القرب للي ما مولفاهش بنت القبيلة، قفزات كنزة ف بلاصتها واحدة القفزة هبيلة ومفزوعة بحال الفريخ للي قاسته النار!
ومع ديك القفزة د الرعب العذري، تزعزع الكاس د النحاس والزجاج للي ف يدها، وتزلع عليها أتاي المشحر للي مزال سخون كايغلي! نزل الما الحامي نيشان فوق التوب الرفيع د القفطان للي مطروح فوق فخادها.
بقت كنزة جالسة ف بلاصتها فوق الفراش د الأرض، ما قادراش حتى توقف من قوة الصدمة، ولكن الحر د هاداك أتاي المشحر للي كايغلي حرك فيها العصب د الذات! بدأت كتفركل بالجهد وتلوى بالحر د الحرقة، ورجيلاتها كايتحركوا بزربة وسط الفراش، ويدياتها المرعوشة شادين ف الثوب الرفيع د القفطان الملوكي، كتجره وتغوت بـالصوت الطاير والدموع شلال ف عويناتها الكاحلين:
ـ آييي.. تحرقت عار الله! وا مامي مسعودة.. اللحم ديالي مشى!
الشداد، بـخفة العسكر والسرعة د السلاطين للي مولف الفزعات، ما تعطلش كاع؛ ف رمشة عين حط كاسه دياله للي كان ف يديه فوق الطبلة د النحاس المقدرة، وبسرعة البرق كحز جيهتها وهبط لـعندها. مد يديه اليمينية المفتولة للي كايبرق فيها خاتم الزمرد، وبلا ما يستأذن ولا يتردد، هز الثوب د القفطان المجرجر والدفين للي شرب السخونية د الما الحامي باش يبعده على اللحم ديالها.
غير جر الثوب الفوق بالزربة، لقاها لابسة تحت منه سروال قصير مستور د الحرير. الثوب د هاد السروال كان لزق وشرب السخونية كاملة د أتاي كايغلي، وبقى كايقرص ف لحمها الصافي. الشداد، بلا ما يفكر وباش ينفس رجلها ويحميها من هاد العافية، زرب بـيديه القوية وبـواحدة الحركة رجولية قاطعة وخطيفة، جر الثوب د هاداك السروال القصير وقطّعه عليها بـالجهد ف دقة واحدة، باش يطير السخونية للي عاقدة الحرارة.
بان فخدها الأبيض الناصع حمررر بحال الجمرة من قوة السخونية د الكاس. كنزة، والدموع نازلين على خدودها بالوجع والحشمة للي تخلطوا عليها، تقجات فيها النفس وتقج فيها الصوت دالغوات ، حدرات راسها بالجهد وبدأت كتسوط على فخدها الحمر بـحرارة من فمها بـأففف.. أففف.. وكتنفض بـيدياتها الصغار المرعوشين فوق اللحم ديالها باش تبرد الصهد.
الشداد ما بقاش كايتفرج؛ حط هيبته السُّلطانية كاملة ف الأرض، وبدأ كايساعدها بكل حنانة وتاويل؛ مد يديه الدافئة كايبرد معاها ويمسح بـالسياسة على الجناب د الحريق، ويحرك الهوا ببيدو جيهة فخدها ويسوط عليه باش ينزل الصهد.
السلطان الشداد، للي دوز حياته كاملة بين الحيوط العالية د القصور وكلام المخزن الموزون، ما عمره ف حياته شاف ولا عاش بحال هاد اللقطة. هو الراجل للي متعود على النظام الصارم، والقواعد الملوكية القاصحة للي كتمشي عليها الصغيرة والكبيرة ف حياته اليومية. وحتى مع النسا للي عرف، كان ديما متعود على الحرم الملوكي للي كلو نضام والجواري والأميرات للي كيتحركوا بحال الخيالات بلا حس، وبـخطوات محسوبة ومدروسة على حقها وطريقها، كولشي فيهم مستف ومقاد ومكتوم بالهداوة د المخزن.
لاكن هاد المنظر للي قدام عينيه دبا، قلب ليه كاع الموازين د العقل!
شاف كنزة، بنت القبيلة العفوية، جالسة قبالته والدموع شلال ف عويناتها الكاحلين، وفمها مطلوق بـ”أففف.. أففف” كتسوط بحرارة على فخدها الحمر. هاد المنظر العريان من كاع الزواق دالنضام ، ، وهاد التوليل العفوي والفركلة د الوجع والحشمة للي دارت، جاو ف عينه بـواحد الغرابة عجيبة، ولكنها غرابة حلوة هزات الجوف دياله. ف الأول، دخلته الدهشة د السلاطين، وطلع مع حاجبو العالي واحد العجب من هاد الجرأة العفوية للي ما كتعرف لا صواب د المخزن ولا قصر سلطان.
ولكن دغيا هاديك الدهشة تبدلات لـواحد السر غريب رجع كايلمع ف عينيه الصقرية. هاد الروينة البسيطة والبراءة الحقيقية د كنزة، للي خلاتها تتصرف على طبيعتها بلا قناع قبالة الهيبة دياله،قاصت شي حاجة في شخصه للي عيا من النفاق د القصور وزواق الكلام. عجبو هاد النور العفوي للي كايقطر منها، وحس بلي هاد الحمامة النفور هي النعمة د الصّح للي غاتخرجو ، من القواعد للي خنقاه حياته كاملة.
تبسم الشداد هاديك الابتسامة الرزينة للي واصلة لقاع عينه، بدأ كايقرب منها بـلمسات حنينة ووازنة؛ يده الدافئة للي فيها خاتم الزمرد بدأت كتمسح بالسياسة على الجناب د الحريق بـتاويل كولو أمان، ولمساته الرفيعة كانت مدروسة بـطريقة تخلي الصهد د الحرقة يبرد ويتلاشى من بالها، ويحل مكانه السحر د هاد القرب الملوكي الوجيد.
كنزة، ف هاديك اللقمة، يالاه بدأت كتنفس من الحريق، وهي تنتابه لـراسه فين رجع.. لقات الشداد صارق ليها المسافة كاملة، ووجهه الوسيم رجع قبالة وجهها نيشان لدرجة ريحة المسك العريان للي فيه زاحمات كاع الجوف ديالها. فـ عفوية وحياء العروس الحُرّة، خافت من هاد العينين الصقرية للي كتقب الخاطر، وبغات ترجع اللور، تكمش ذاتها وتكحز جيهة المخاد باش تلقى فين تخبي وجهها للي شاعل بـالحمورية.
لاكن السلطان الشداد ما خلى ليها حتى فرصة فين تبعد ولا تزيد خطوة للور؛ زرب عليها بـالهداوة د الرجال الأحرار، ومد يديه بجوج ورا ظهرها قبطها بـالسياسة والتاويل للي كيجمد الحركة ف المفاصل. زيرها جيهة صدره العريض بـالحنانة والوقار الملوكي، وعلاّ ليها وجيهها المنور للي كايلمع فيه خيط الريح، وقبلها واحدة القبلة سلطانية حارة ودافئة على فمها، قبلة طويلة وموزونة سكتات كاع الغوت والوجع للي كان ف البيت، وخلات كنزة تذوب كولها بحال الحرير بين يديه، وتنسى أتاي، وتنسى الحريق، وتنسى الدنيا وما فيها وسط هاد الخلوة للي رجع العود كايعزف فيها نغمة مرخوفة وصافية كتسير ف الجناب.
مع هاديك القبلة السُّلطانية الطويلة للي سكتات كاع الوجع، حسات كنزة بـالذات ديالتها كولها بدأت كترخى وتفشل بين يديه بـالمهل. هاداك الأسلوب الساحر د الشداد، الممزوج بـالشهامة د الرجال والتاويل د الملوك، خلاها تنسى راسها وتفقد ميزان العقل؛ ما بقات عارفة فين هي ولا شكون هي، الجوف ديالها كولو رجع كايتحرك مع النبض د القبل الجديدة عليها، للي عمر ذاتها ذاقتها ولا حلمت بيها بنت القبيلة.
الشداد ما خلى ليها حتى فرصة فين تستوعب ولا تجمع الفكر ديالها؛ كان كايسرق الوقت بـالسياسة والبراعة، ولمساته الدافئة للي فيها خاتم الزمرد كانت غادية وكتسير بـالمهل فوق الحرير والصقلي، كتطفي الفزعة وتعلّ النسمة د الصّح.
وسط هاديك المائعة د السحر والقبل للي كتنسي الدنيا، ما عرفات كنزة فوقاش جردها بالمهل من حوايجها الرفيعة، ولا فوقاش هبط ليها هاداك السروال المستور بـالتاويل بلا ما تحس بـالأمر كاع. كولشي داز بحال شي حلم دافئ وسط ضو القناديل الخافت.
حتى لقات ذاتها، فـ دقة واحدة، عريانة من كاع الزواق والمخزن؛ رجيلاتها الصافيين عريانين ومفتوحين وسط الفراش د الأرض، وتقلو عليها بـالهيبة ديالت كتافه العراض ونخوته الملوكية للي زاحمات الساحة، وصدرها المنور للي كايلمع فيه خيط الجوهر رجع عريان بين شفاهه الدافئة، كايتذوق الزين العفوي للي صاوبته الطبيعة. كنزة غمضات عويناتها بالجهد، ونَفَسها رجع كايطلع ويهبط سخون وموزون مع دقات العود للي كتسير ف الجناب ، وصل السلطان الشداد لـ زهرتها المكنونة، وعزم بـالنخوة والشهامة دياله باش يفض بكرتها ويملك هاد الغزال النفور فـ ليلته الغالية. لاكن، ف هاديك اللحظة بالذات.. وقع ما لم يكن في الحسبان، وحاجة ما كانت كاع على البال ولا ف الخاطر!
كنزة بقت مستسلمة ومغمضة عويناتها ما حاسة بـوالو من غير دفا الأنفاس، والشداد قاد أمره بكل قوة ورجولة؛ لاكن غير بغى يدخل بيها، لقى قدامه جدار من حديد! كأن بينه وبين زهرتها سد منيع وقاصح ما كايتزعزعش. استغرب السلطان ف جوفه، وعاود المحاولة بـالجهد والسياسة د الرجال للي مولفين يطوعوا الصعاب، لاكن كأنه كايضرب ف حيط مصمت؛ وخا الشداد ما ناقصاه قوة، ولا ناقصاه صلابة ولا هيبة، لاكن ما قدرش يدخل بيها كاع، والأمر رجع كأنه لغز مغلق بـسبعة د القفال.
ف هاديك اللحظة الأخيرة د المحاولة القوية، نزل على كنزة واحد الوجع غريب وقاصح زلزل الذات ديالتها. مع هاداك الألم، خرجت منها واحدة الغوتة حارة قطعات السكات د البيت، وف دقة واحدة تبهضات وفتحات عويناتها الفازعين؛ شافت راسها ف هاديك الحالة العريانة، وفزعات الفزعة د الصّح! طار منها كاع هاداك السحر د قبيلا، ورجع ليها الرعب العذري كتر من اللول. بدأت كتجمع رجليها بزربة وتزيرهم لعندها وهي كتقفقف، وتحاول بـيدياتها المرعوشة تجر أي طرف د الثوب ولا الحرير المزلع حداها باش تغطي ذاتها وتستر راسها من شوفة هاد السبع للي مبهوظ قبالتها.
لاكن السلطان الشداد، وخا هاد المفاجأة زلزلات صوابه، بقى باله رزين وعقله وازن د الملوك؛ ما ناض ما تزعزع. شاف هاد السر الغريب للي حبس أمره، ومد يده اليمينية الدافئة بالمهل الشديد، ودوزها بـالحنانة والسياسة فوق رجلها الناعمة للي كتقفقف، كأنه كايطمن الخوف ديالها ويحبس الرعدة د رجليها. نطق بـاللغة العربية الفصحى بصوته الجهوري الخافت للي كله هيبة ووقار، وهو كايثبتها ف بلاصتها:
ـ “اهْدَئِي يَا صغيرتي .. اهْدَئِي وَلَا تَفْزَعِي، فَوَاللهِ لَنْ أَمَسَّكِ بِسُوءٍ حَتَّى نَعْلَمَ مَا هَذَا الخَطْبُ العَجِيب.”
مسح عليها بالتاويل باش تهدأ وتجمع أنفاسها، وعينيه الصقرية مزال حايرين ف هاد الأمر؛ هادشي للي وقع غريب بزاف وماشي عادي كاع ف ليلة العرس، وكأن وراء هاد الجدار د الحديد سر كبير ومخفي غايقلب الموازين.
بـالنخوة والهمة الملوكية للي فيه، حبس الشداد هاديك الحيرة، وعزم بـالعقل د السلاطين باش يقلب الأمر بـيديه ويعرف شنو هاد السد المنيع للي وقف قبالته. مد يده الوازنة وبغى يقلبها بـالسياسة، لاكن كنزة ف هاديك اللحظة طار منها العقل بـالحياء والخوف! بدأت كتمانع وترفض بـالجهد، وتدفع ف يديها الصغار قبالة صدره العريض وهي كتجمع ذاتها وتكمش. من شدة هاد الحشمة القاصحة والوجع للي ذاقته، تخلطات عليها العفوية بـالجهلة د بنات البلاد، ودّارت بناقص من هاد الزواج كامل! خرجات منها الكلمة طايرة وسط الدموع:
ـ مابغيتش.. مابغيتش نتزوج! عار الله إيلا ما رجعني لدارنا.. بغيت نرجع لـعند مي !
بقت كتمانع وكتزير رجلها بكل ما أوتيت من قوة باش ما يقلبهاش. ف هاديك اللقمة بالذات، تقلب وجه السلطان الشداد ف دقة واحدة! طارت هاديك الليونة والحنانة د قبيلا، وحلّت مكانها الصرامة دالسلطان، . رجع وجهه وسيم وقاصح بحال الحجر، وعينيه الصقرية شعلوا بـواحد النور كايخلع. هضر معاها بـواحدة النبرة قاصحة، صارمة، وصوته الجهوري رجع كايزلزل الحيوط د الخشب المنقوش:
“كُفِّي عَنِ الهَذَيَانِ يَا بِنْتَ الأَكْرَمِين، فَقَدْ جَفَّتِ الأَقْلَامُ وَصِرْتِ حُرْمَةً لَنَا!”
قفزات كنزة وتخلعات من القلبة الخايبة للي دار ليها ف دقة واحدة؛ ما مولفاش هاد الغضب الملوكي للي كايقطع النفس. وبلا ما يخلي ليها الوقت فين تخمم، مد يده القوية وزرب عليها: جرها لـعنده قدامه من رجلها الدافئة بـواحدة الجرة وازنة ومحكومة. كنزة بدأت كتردد وتلوى وسط الفراش؛ خايفة ومرعوبة من ردة الفعل دياله للي ما عرفات فين غاتوصل، وف نفس الوقت، عاصية وما قدراش تطيعو من قوة الحشمة للي عاقدة ليها المفاصل.
زاد الشداد صقصح معاها بـالكلام والصوت الوازن، وزيّر عليها بـالأمر الصارم حتى حست بلي اللعب تقاضى. طاحت كنزة فوق الفراش كتنحب وتبكي بالجهد، وخرجت منها التخصيصة د الجوف والشهقات الحاميين د الحريق والخلعة. غطات وجيهها بيديات بجوج وهي كتموت بـالحياء، وذاتها كولها كترعد بحال السعفة ف وسط الريح، ورجيلاتها الصافيين
بقوا بين يديه القوية.. شادهم بـالجهد بجهد ليين قبالته وهما كيرجفو بالرعدة د الرعب العذري.
جرها الشداد لـعنده كتر بالمهل . مد يده اليسرية وزرب بـالفانوس والنور د الشمع، قربه نيشان حداه باش تصفى الشوفة ويقشع السر للي حبس أمره. وتحقق من الأمر بـعينيه الصقرية للي كتقب الخاطر، وبدأ كايقلبها بـيديه الوازنة وبـكل دقة واحترافية، يثبت اللحم المرعوش ويعاين هاد الجدار د الحديد باش يفك اللغز للي شعل هاد الليلة وسط ضو الفانوس الخافت وانينها كيطلع مقطع وصدرها كيتنخصص
الشداد فاش قرب الفانوس وبدأ كايتحقق بـعينيه الصقرية ويقلب بـيديه الوازنة، تصفات ليه الشوفة وسط ضو الشموع الخافت؛ لقى لحم زهرتها المكنونة مغلوق ومسدود تماماً بـواحد الطريقة غريبة وعجيبة، كأنه حيط مصمت ما فيه منفذ كاع. ف هاديك اللحظة، وقف الشداد وقفة د الرجال للي كايوزنوا الأمور بـالعقل، وشاف ف كنزة للي كتقفقف وتخصص تحت منه، وعاش ف جوفه واحد اليقين باللي هاد البنت الطاهرة ما ليها كاع ذنب ف هاد الأمر، وما بيديها حيلة؛ المسكينة بريئة وبراءتها كتقطر من عويناتها الفازعين.
فهم السلطان بـالذكاء والنخوة دياله باللي هادشي “ثقاف” قاصح ومخدوم بـالتاويل تعمل ليها، سد منيع تضرب بينه وبينها ف هاد الليلة الغالية. لاكن، وخا عرف باللي الأمر فيه السحر والرباط، بقى السبب دياله غير معروف ومجهول؛ لاكن لي متيقن منو ان هاد العمل ماشي من يد واليديها خوفا عليها . ويستحيل باها يرسلها ليه متقفة ويشعل غضب السلطان للمرة الثانية، هادا يا شغل النسا خفية حفاظا على شرف بناتهم او عمل شي شيطان كيتربص بيها !
طارت الصرامة والقسوة من وجه الشداد ف دقة واحدة، ورجع يعاملها بـاللين والحنانة، تنهد تنهيدة وازنة، وبدأ كايقاد ليها الفراش والثوب بـيديه الدافئة باش يستر ذاتها ويغطيها، وكحز جيهة راسها؛ دوز يديه بالسياسة على شعرها الكاحل الشلال، وبدأ كيمسح ليها الدموع الحاميين من على حناكها للي شاعلين بـالحمورية، ويهضر معاها بـنبرة خافتة، حنينة وكولها أمان باش يثبت هاد الخاطر الطاير:
ـ “اهْدَئِي يَاصغيرتي .. رُفِعَ العَتَبُ يَا عفيفة الاشراف.،
جمعات كنزة ذاتها عندها بكل ما أوتيت من جهد، تكمشات ف بلاصتها بحال الفريخ للي قاسته الما الحامي، وبدأت كتنخصص والوجع د الحياء كايقطع ليها الجوف. دارت بـالمهل وعطاته بـظهرها، مخبية وجيهها بين يديها، وتبكي ف صمت؛ دموعها نازلين حاميين بلا حس فوق الفراش. نطق بـواحد النبرة مكسورة ومخنوقة بالشهقات، وقالت ليه بـكلام كولو براءة وعفوية د بنت البلاد:
ـ “أنا ماشي قد هاد الزواج.. أنا ما كنعرف لهاد الشي.. .. أنا بغيت غير نرجع لـقبيلتي.. بغيت نرجع لـأرضي وناسي عار الله إيلا ما تطلق سراحي.”
بالظهر بحال الحمامة النفور للي خايفة من الشوفة د الصقر، وخا حست بـاللين دياله للي رجع ليه من بعد الصرامة.
.. أنا بغيت غير نرجع لـقبيلتي.. بغيت نرجع لـأرضي وناسي عار الله إيلا ما تطلق سراحي.”
بدأ الحوار بيناتهم ف هاديك الليلة الغالية، وهي مبعدة كتفها الصغير عليه، عاطياه بالظهر بحال الحمامة النفور للي خايفة من الشوفة د الصقر، وخا حست بـاللين دياله للي رجع ليه من بعد الصرامة. تطمن الانفاس ديالها ونطق بصوته الجهوري الخافت للي كولو وقار وتاويل:
بصوته الجهوري الخافت للي كولو وقار وتاويل:
ـ “أَمَا زِلْتِ تَخَافِينَ الشَّدَّادَ يَا كَنْزَة؟ لَقَدْ صِرْتِ أَمَانِي وَحُرْمَتِي!”
مد يديه اليمينية الدافئة؛ دارها وراء ظهرها وبـواحدة الحركة حنينة ومحكومة، جرها لـعنده بالمهل حتى لزقات ذاتها قبالة صدره العريض العاري لي فايحة منه ريحة الطيب
عنقها السلطان الشداد بـيد واحدة، جمعها لـعنده وزيرها على صدره بـالوقار والأمان للي كايحمي الغزال النفور من كاع غدر الدنيا. وكنزة، تبارك الله ما شاء الله، ذاتها راه مهبرة ووازنة، عندها حسن الجسم وكمال الصورة للي كايحير العقول؛ ماشي صغيرة فقوامها بحال الطفلة، بل هي غزال وافية ف الزين والقد، للي يملأ العين ويستاهل يدين السلاطين. هاد القوام الوازن ديالها، واللحم الناعم للي كايقطر بـالعز، هو للي خلى الشداد يحس بـالدفء د الأنثى.
استسلمت كنزة لـهاد العناق الملوكي الدافئ؛ بقات كتنخصص فوق صدره، وشهقاتها الخفيفة د الجوف بدأت كتهدأ بالمهل وهي كتسمع دقات قلبه الرزينة والوازنة، وبأصابعه المفتولة بدأ كيمسح على كتافها ويطبطب عليها بـالهداوة باش يسكتها من البكا ويهدّن الرعدة للي شادة ف عظامها.
كان متكي ومعنقها بيدو لاكن كان الخاطر دياله ف جيهة أخرى كاع؛ اتكأ بالمهل على ظهره فوق المخاد د الموبرة، وعينيه الصقرية مسمرين ف السقف د الخشب المنقوش، كايشاهد خيالات الشموع وهي كترقص ف السكات. بقى باله وعقله كولهم مع هاداك “الثقاف” الغريب للي لقى؛ كايخمم ويقلب ف ميزان العقل
ف هاديك اللحظة د السكات، حرك الشداد أصابعه المفتولة على كِتفها الصغير بـالتاويل، ونطق بصوته الجهوري الخافت للي كله وقار وسألها بالمهل باش يفك خيوط هاد اللغز:
ـ “شكون للي كتيقي فيه ف قبيلتك كتر، يا كنزة؟ شكون هاداك للي كتأمني ليه أسرارك وتخبي عنده كلامك فاش كايضيق بك الخاطر؟”
كان باغي يعرف من كلامها شكون اليد للي تقدر تكون فادتها بـشي حاجة، ولا شكون النسا للي تقربوا منها قبل ما تخرج لـعنده. لاكن كنزة، وخا مزال عاطياه بـظهرها ومكمشة عليه، تنهدات واحد التنهيدة خفيفة د البراءة، ونطقات بـنبرة مكسورة وصافية كتقطر من عفوية بنت البلاد للي ما كتعرف لا مكر ولا مكائد:
ـ “والله يا سيدي ما كنيق ف حتى واحد.. وما عندي أسرار كاع للي غانخبيها ولا نأمنها لـشي حد.. أنا حياتي كانت ساهلة بين الدار والمراعي، وعمري مخبيت شي حاجة ف جوفي.”
زير عليها بدراعه شوية وترسمات على وجهه تبسيمة ونطق بـنبرة خافتة وفيها واحد الهيبة دافئة يسولها عاود ثاني:
ـ “واش ما قريبش ليك كاع شي حد ف القبيلة؟ شي حد للي كتفاهمي معاه كتر من الآخرين، وتكوني قريبة ليه ف المشاورة والحديث؟”
كنزة ف هاديك اللقطة، تقلبات شوية بالمهل وخا مزال محشومة ومكمشة ذاتها الوازنة قبالة صدره العريض، وحركات راسها بزربة كأنها كتحيد عليها الشبهة بـالعفوية ديالت بنات البلاد، ونطقات بـنبرة واضحة ومخلوطة بـالشهقات الخفيفة د البكا للي عاد سكت:
ـ “لا.. لا لا لا.. والله يا سيدي ما كاين شي حد على من تحط اليد كاع! كولشي بحال بحال السلطان الشداد فاش سمع هاديك “اللا لا لا” للي خرجت من جوفها بـديك العفوية والزربة د بنات البلاد، بحال إيلا خايفة من الشبهة، ما قدرش يشد راسه. وسع خاطره الوازن وتطلقوا ملامحه الرفيعة، وغطى البيت كولها بـواحد الضحكة رجولية دافئة، ضحكة ملوكية خفيفة خرجت من قاع صدره العريض للي مزال جامعها فيه.
ضحك الشداد على الرد ديالها ، وزاد زيرها لـعنده بـيد واحدة كتر من اللول، وهو كايحس بـذاتها الوازنة كترخى كولها وسط حضنه من بعد ما دابت الخلعة. نطق وهو مزال متبسم بصوته الجهوري الخافت للي رجع كولو حنانة وطمأنينة:
ـ “بِاللهِ عَلَيْكِ يَا كَنْزَة.. أَعَلَى السُّلْطَانِ تَخَافِينَ التُّهْمَة؟ وَاللهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا الأَمَانَ لَكِ وَالفَهْمَ لِمَا نَحْنُ
فهم بلي المسكينة تالفة وما عارفا لـعلّتها سباب. نطق بثقل الصوت الغارق وقال:
“بشي نية صافية ولا ماصافياش .. تقفوك على الرجال ، الى كنتي عارفة شكون قولي،، نفكو هاد العقد لي بين رجليك”
نزلت على كنزة بحال الصاعقة، وعلماتها بـالسر للي عاقد طالعها ف هاد الليلة! ف هاديك اللحظة، شعلت فيها واحدة العافية د الحرورية د النسا للي متربيات ف العز والأنفة؛ طار منها الحشمة د قبيلا وحلّت مكانها النفس الحارة د بنات البلاد. ناضت دقة وحدة جلسات بـقوامها المهبر،كتقاد حوايجها الرويعة وتستر لحمها الناعم ، ـ “إيوا هادي باينة وظاهرة كاع ما كتحتاج التخمام! دبا كولشي حاسدني حيت تزوجت السلطان الشداد.. لّي غارت ولّي بغات هاد الجاه كولشي عينيه فيا.. بـالسيف.. بـالسيف ما يديرو ليا الثقاف ويعقدوا ليا طريقي! السحر والغدر كيمشي ويجي حدايا (كدور عينيها وتمتم) لكافرة بالله !! والله ماتبقا فيك احنش الخيمة !
كانت كتمتم وتلوح الكلام بـالحرقة د النسا الحرات، والشداد بقى متكي على ظهره فوق المخاد، مربع يديه ومثبت عينيه الصقرية فيها بـواحدة الشوفة زايغة؛ كايتأمل بالمهل هاد الحركات العفوية وهاد النفس الحارة للي ناضت فيها. تاهت عينيه ف كمال صورتها وحسن جسمها الوازن للي كايتحرك قبالته بـالهمة، وبقى عاجبه هاد العجب للي ما متعودش عليه ف حريم القصور؛ هوا عارف طبع القبايل وحرهم وحرورية نسائهم ، لاكن ماجابتوش لقدار يقرب من وحدة فيهم ولا تجمعو بيها المكتايب عن قرب ، خلاها كتخوي ديك العافية د الصدر، وباقي كايتأمل زينها الوافي وسط ضو الفانوس الخافت. نطق بـصوته الجهوري، بصوت ثقيل وموزون:
ـ “إيلا كان هاد الغدر كيمشي ويجي حداك يا كنزة.. واش كتعرفي ف قبيلتكم شي مرأة معطي ليها هادشي د السحور وكتفهم ف هاد العْقاد؟ قولي لي شكون هاد حنش الخيمة للي قصدتِ بـكلامك؟”
تلفتات كنزة جيهته، وعويناتها كيرمشوا بـالحيرة والدهشة من بعد ما سمعت السؤال دياله؛ حركت راسها بـالنفي ونكرت كاع واش كتعرف شي حد ف القبيلة معطي ليه هاد العْقاد : “
لاااالاا. ..انا مكنعرف عمايل السحور ولا ماليهم .. انا با مكيخلينيش نعتب باب الدويرة وخوتي تبارك الله بحال الدياب ! يلقاوني برا يفرسوني! انا كنعرف غير قبتنا وسطح دارنا ومكنخرج مكندرج !”
دارت بالمهل وبدأت كتلوح شعرها الكاحل الشلال جيهة اللور وتجمعه بـيديها باش تستر عنقها، لاكن الشداد ما خلاهاش تكمل.
بلا حس، مد السلطان يديه الوازنة الدافئة وحطها نيشان على فخدها الدافي حطّة وازنة د السلاطين للي كايثبتوا بيها الحرمة ديالهم. قفزات كنزة ف بلاصتها بحال إيلا قاستها العافية، وطار ليها سِلك الكلام، وبغات تكحز اللور بـالخلعة، لاكن يد الشداد كانت أسرع وأحكم؛ هبط بـالسياسة وشدها من رجلها بـالمهل، وزير عليها بـالقياس للي يثبتها بلا ما يوجعها، ونطق بـصوته الجهوري الخافت، بـكلام قليل وكله هيبة:
ـ “خلي شعرها مطلوق.. الزين الحُر ما كايتخبّاش.”
بلعات كنزة ريقها بـالجهد، وحست بـقلبها كايضرب ف قاع صدرها؛ طاعت كلامه ف دقة واحدة وطلقات شعرها الكاحل يتزلع عاود ثاني على كتافها وبهرورة ظهرها، وهي كتفكر “التحرار” د القسوة والصرامة للي دوزها عليها قبيلا فاش دخل عليها ف اللول؛ خافت لا ينوض فيها هاداك السبع عاود ثاني ويطير هاد اللين للي لقاته فيه.
فاش شافها استسلمت وطاعت الأمر، رخف الشداد يديه الوازنة على رجلها بالمهل، وتكى على المخاد، وشاف فيها بـواحدة الشوفة صقرية غارقة، ونطق بـالسياسة كأنه كايأمرها بـشي حاجة عادية:
ـ “نوضي يا كنزة.. جيب لي مخدة أخرى من فوق هاداك السرير المرفوع.”
ناضت كنزة بـالمهل، ملبية الأمر وهي مزال دهشانة، ولاكن الشداد ما كانش خاصاه المخدة كاع! كان هاد الأمر غي حيلة د الملوك باش يمتع عينيه بـالهمة والزين الوافي للي عطاه الله ف هاد الليلة. وقف الشداد الشوفة دياله، وبقى باله وعينيه كايتأملوا قوامها الوازن والمهبر فاش وقفات وعطات بـظهرها؛ مشيتها كانت ثقيلة ورزينة بـالحياء، والمؤخرة الوافية الممتلئة كتحرك بـالتاويل والنخوة تحت الحرير الرفيع بحال موج البحر فاش كايتلاطم بـالمهل. تاهت عينيه ف هاداك الخصر الضيق للي كايحير العقول بـالرقة دياله قبالة العرض د ليركا، وهبطت الشوفة دياله لـالسيقان البيضين للي عاطيين العين بالصفا والنقا ، وقدامها الصغار المنقوشين بـالحناء ولونهم حمر قاتم . كتمشى وتقطر بالسر دالعروسة
بقى الشداد زايغ بـعينيه، كايشاهد هاد اللوحة الكاملة د الجمال العربي الحُر وهي كتمشى قبالته بـالسياسة لـجيهة السرير
قربات كنزة بـالمشية ديالتها الوازنة والثقيلة، هازة المخدة بين يديها ، وعويناتها ف الأرض بـالحياء د العروسة للي مزال دهشانة. وقفات حدا الفراش د الأرض فين متكي السلطان، وبدأت كتمد ليه المخدة بـالمهل وبلا حس، ضانّة باللي الغرض غي ف الوسادة للي طلب.
لاكن الشداد، بـالسرعة د الصقر ، ما عطى ليها فرصة؛ مد يديه الوازنة الدافئة وف دقة واحدة جرها عنده على غفلة وبـقوة محكومة. ما وفات كنزة حتى لقات ذاتها طايرة ف الهواء، وطاحت نيشان فوق صدره العريض؛ ، مبني بحال السد، مفصل بـالنخوة والشهامة د الرجال، وتفوح منه ريحة والمسك العريان للي شادة ف الجلدة الدافئة دياله.
قفزات كنزة وخرجت منها واحدة الشهقة خفيفة د الدهشة فاش لزق لحمها الناعم بـاللحم العريان د صدره، وبغات تنوض وتجمع راسها بـالحياء للي شعل ليها ف الحناك، لاكن الشداد زير عليها بـيديه بجوج وثبتها فوق منه تماماً، محاصر قوامها الوازن والمهبر للي لزق على صدره وبطنها على بطنه. بقى شادها فوق منه بـالوقار السلطاني، وبدأ بـالسياسة والتاويل كيدوز يديه الدافئة والمفتولة على هاداك الخير كامل؛ يديه كتمشى بـالمهل على ظهرها الممدود، وتهبط لـالخصر الضيق للي كايحير العقول برقته، وتتحسس اللحم الناعم الضافي د ليركا والمؤخرة الممتلئة للي كتقطر بـالصحة والسر د بنات البلاد.
كان كيدوز يديه بـواحدة الحنانة مخلطة بـالنخوة والتملك، كايتلمس كمال الصورة وحسن الجسم للي عطاه الله وكنزة مزال مدهوشة فوق صدره العريان، عويناتها كيرمشوا بزربة وهي كتسمع لـدقات قلبه الرزينة للي كتضرب بـالقوة والجهد نيشان تحت ذاتها؛ بلعات ريقها بـالصعوبة وحست بـالصهد د الشداد كايسري ف عظامها، والبيت كولها رجعت ف سكات غارق كايسير وراء هاد الخلوة للي صْفات بين السلطان والعروسة دياله وسط ظلام الليل.
مع تباشير الصباح الأولى، انقشع ظلام تلك الليلة الطويلة المليئة بالسر والغموض، واستيقظت القصبة على حركتها المعتادة. فتح السلطان الشداد باب حجرته بوقار، وخطا إلى الخارج بـخطواته الوازنة المعهودة؛ كان متوشحاً بلباس الفروسية الخفيف والمحكوم بـإحكام على جسده المفتول، لباس أليق بـالرجال الأشداء، يجمع بين وقار الملوك وخفة الفرسان وأناقتهم، حيث يسهل معه الحركة وقبض السيف عند النائبات.
ما إن خطا خطوات قليلة في الممر المؤدي إلى الساحة الكبرى، حتى وقعت عيناه على جسده؛ لمح أثر تلك الليلة العالقة به، فاستبد به شعور بالضيق الشديد، من ذلك “الثقاف” الملعون الذي عطل رجولته وحبس شهوته خلف جدار من حديد. تنهد تنهيدة حارقة كتمها في جوفه، ومسح على وجهه الصارم ليستعيد هيبته الملوكية التي لا تزلزلها المحن.
عند نهاية الممر، كان القائد سلمان واقفاً في انتظاره كظله، متأهباً بملامحه الحادة ووقفته العسكرية الصارمة. انحنى سلمان بقليل من الوقار، ثم تقدم خطوة ونطق بصوت خفيض وحازم يليق بحرمة المكان:
ـ “مولاي السلطان، أنعم الله صباحك باليسر والتمكين. أحاطك الله علماً بأن رأس عباد قد صار بين أيدينا داخل أسوار القصبة.”
تحركت عينَا الشداد الصقرية بنبرة تخلو من أي مفاجأة، وأومأ برأسه إيماءة خفيفة، وسارا معاً بـخطى ثقيلة صوب المكان الذي وُضع فيه الغريم. وفي طريقهم عبر أروقة القصبة، استغل سلمان الصمت المطبق وبدأ يسرد على مسامع السلطان خبايا الأخبار والتقارير التي وردت مع الفجر، فقال بنبرة جادة:
ـ “يا مولاي، إن قبيلة الشيخ الميمون قد خيم عليها سواد عظيم هذا الصباح واستحالت إلى جنازة كبرى؛ فقد وردت الأخبار بأن زوجة الشيخ قد أنهت حياتها بيديها وانتحرت في خيمتها بعد رحيل ابنتها. كما أن أخبار الشاوية كلها باتت تحت أمرنا؛ أما جثة عباد، فقد أمرت رجالي بتغييبها تماماً وطمس معالمها في مكان قفر، حتى لا يقف أحد من رعيته أو أهله على خبره أو يعرف له مكاناً.”
استمع السلطان الشداد إلى هاته الفواجع والأخبار الثقيلة بـبرود تام وملامح جامدة كالصخر، لم يرف له جفن ولم يظهر على وجهه أي أثر للدهشة أو التأثر؛ فموت الخونة وانتحار النسا لم يكن ليحرك شعرة في ميزان حكمه. مر على الأخبار مر الكرام وكأنها ريح عابرة، ثم التفت إلى سلمان ونطق بصوت جهوري وازن، يقطر بالصرامة الملوكية:
ـ “دَعْ هاته الأخبار وراءك يا سلمان.. لقد أزحنا الحجر العاثر من طريقنا، ولم يعد يهمنا شأنهم؛ فإن أمامنا اليوم عملاً جليلاً وشالة أمور في أيدينا تنتظر الحسم.”
توقف الشداد في مشيته فجأة، والتفت بكليته نحو قائده، وثبّت نظراته الثاقبة في عينيه، ثم أردف بـأمر سري قاطع، قليل الكلام كبير التاويل:
ـ “اسمعني جيداً يا سلمان.. أريدك أن تقلب القبيلة رأساً على عقب، وتبحث لي في خفايا خيامها وبين نسائها عن امرأة عجوز تكون ضليعة في قراءة الخط، خبيرة بضرب الفال، وفي يدها حكمة وعلم من علوم الأسرار . ابحث عنها بالسياسة والكتمان، ومتى وجدتها.. أحضرها إليَّ في قمتي هاته دون أن يشعر بـأمرها أحد.”
انحنى سلمان بـوقار شديد، ووضع يده اليمنى على صدره علامة السمع والطاعة، ونطق بـصوته الخفيض الحازم الذي لا يرتعد:
ـ “أمرك مطاع يا مولاي السلطان. سأتحرك في الحين بـنفسي كظلك الخفي، وأدير العيون في كاع أركان القبيلة وبين خيامها؛ ولن يرتد إليّ طرف حتى أقف على هاته العجوز وأقودها إلى قمتك بالسياسة والكتمان التام، دون أن يشم أحد من الإنس أو الجان خبراً لـهاد الميعاد.”
تراجع سلمان خطوتين إلى الخلف بـأدب الملوك، وعيناه مثبتتان في الأرض، قبل أن يستدير بـخفة ويسرع خطاه صوب أروقة القصبة لـمباشرة المهمة، تاركاً السلطان الشداد واقفاً بـهيبته، وعيناه الصقرية تلوحان في الأفق مستعدة لـمعركة من نوع آخر.
ف هاد الأثناء، داخل حجرة الخلوة اللي صبحات قفص من حرير، كانت كنزة ف عالم آخر، معزولة على الدنيا وما عارفا خبار على أشنو واقع برا القصبة. ناضت من الفراش وذاتها الوازنة والمهبرة كتحس بـالتقل فيها؛ الدهشة د البارح والسر د “الثقاف” للي علمها بيه الشداد مزال عاقدين ليها الخاطر وكايـدوروا ف راسها.
وقفت قبالة واحد المرآة كبيرة د النحاس المصقول، وبدأت كتمشط شعرها الكاحل الشلال بالمهل وبـلا حس، وعويناتها مفيضين بـالدموع الصافية للي كتهبط على حناكها؛ دموع الحيرة والخوف من هاد الغيب للي طاحت فيه. بلعات ريقها بـالحسرة وهي كتشوف ف السيقان ديالتها البيضين المنقوشين بالحناء الرفيعة، حناء الفرح للي تلوى بالغموض، وكتشوف ف قفطانها الأبيض الراقص؛ حست براسها غريبة بزاف وسط هاد البيوت الواسعة والحيطان العالية د القصر، بعيدة على الخيام والمراعي فين كبرت ف الأمان.
جمعت شعرها بـالتاويل وهبطت يديها المرعوشة، وجلست ف واحد الركنة فوق الموبرة، تكمشات على ذاتها وجمعت رجليها لـعند صدرها، وبقت كتمتم بـصوت خافت ومكسور، كتعاود كلام السلطان ف ودنيها:
ـ “يا ربي حنيني.. أشنو هاد البلا تاني للي عاقد طالعي ؟ وأنا للي عمري آذيت حد! بقت حاضية الباب وعينيها زايغين، مقطوعة على العالم وما عارفة حتى أشنو كايتطبخ برا، كتسنى بـالدهشة والخلعة أشنو غايجيب ليها هاد النهار الجديد فاش يرجع عندها السلطان الشداد بـهيبته الصارمة.
ما دازت عاود ثاني غير ساعة د المَكْانة، حتى تحل الباب د البيت بـالسياسة، ودخلوا الخدم د القصر الرفيع؛ نسا متولات كايتمشاو بـالصواب والتاويل، هازين ف يديهم الطيافر د النحاس فيهم كاع ما كايشتهي الخاطر من اللبس الرفيع، البخور د العود القماري، والما د الورد للي فايحة ريحته.
قربوا من كنزة بـالتبسيمة والترحيب الملوكي، وبدأوا كيجْهزوها بـالمهل؛ يمسحوا على شعرها الكاحل بـالروائح الطيبّة، ويبدلو ليها الكسوة بـأخرى د الحرير الصافي. الخدم، فاش شافوا هاديك الدهشة والخلعة مزال شادة ف عويناتها، بغاو يونسوها بـالكلام؛ بدأوا كيبسطوا معاها بـالسياسة ويضحكوا بـكلام موزون باش يطيروا منها الغبينة ويخففوا عليها هاد الصدمة د ليلتها اللولة ف دار السلطان.
خادمة (كتسرح شعر كنزة بـالمشط د العاج وتبتسم): “ما شاء الله يا لالة العروسة، هاد الشعر الكاحل الشلال للي عطاك الله، كايقطر بـالسر د بنات البلاد. غير ارتاحي وتفاجي يا لالة، نورتي القصبة “
خادمة أخرى (كتمد ليها قفطان د الحرير بـالتاويل): “إيوا هادي باينة وظاهرة كاع! والسلطان راه عشاااق الزين .. وما يختار لـحرمته غير الغزال الوافية للي تليق بـالهمة الملوكية. هاد القفطان الأبيض غايجي على قوامك المهبر بحال القمر.
كنزة (كتمسح دمعة صافية هبطت على حنكها، وتنهد بـالغُبن): “الله يكبر بيكن يا لالة.. اللبس زين والخير كاين،ولاكن هاد الحيوط العالية. ضيقوا عليا الخاطر. أنا بنت الفضا والريح، وعمري لفيت هاد السكات د القصور.. جوفي بغى غير النسمة د الهوا د برا.”
ف هاديك اللقطة، ناضت كنزة بـقوامها الوازن والمهبر، مشات بـالزربة جيهة الباب الكبيرة باغية تخرج لـالفسحة، ولاكن الخدم تسبقوا بـالأدب وحبسوا طريقها،
كنزة (تلوح شعرها لـلور وعينيها محلولين بـالدهشة): “خلوني غير نخرج نشوف هاد السما فين واصلة، ونشم الهوا ف الدويرة د القصر.. راه الصدر ديالي غايطرطق بـهاد الخنقة.”
الخادمة الكبيرة (تحط يديها بـالملاطفة والسياسة على كتاف كنزة): “ها عار الله يا لالة العروسة، رجعي لـفراشك ونامي ف أمان الله. راه خطوتك غالية وما تخرج من هاد العتبة بـلا شور.”
كنزة (بـنبرة مكسورة وفيها الحرورية د بنات البلاد): “واش أنا للي كنت كنلعب جنب الواد مع بنات القبيلة ونمشي ف المراعي بـلا قيد، نرجع اليوم محبوسة وراء الدفة د الباب؟ واش هادا حكم السلطان عليا !
الكبيرة (بـصوت خافت وكله توقير وصرامة د القصور): “أوامر السلطان الشداد واضحة يا لالة وما فيها ثنيان؛ خروجك من هاد العتبة ممنوع، وما تحطي رجلك برا هاد البيت حتى يرجع سيدي ويقول كلمته بـالتاويل. ارتاحي وخلي الخاطر يصفى، راه السبع غرضه غير يحميك.”
رجعات كنزة اللور بـخطوات ثقيلة ومكسورة، وجلست فوق الموبرة وهي كتعاود كلامهم ف ودنيها، وبلعات ريقها بـالحسرة حيت عرفت باللي حريتها د زمان صبحات رهينة ف يدين الشداد. رجعات كنزة اللور، وراحتها مفقودة، بدأت كتسوط وتنهد بـالحرقة د بنت الفضا للي تحبسات بين ليلة وضحاها. شافت فيها الخويدم الكبيرة للي سميتها “لوبانة”، وحست بـهاديك الغبينة للي راكبة العروسة؛ قربات منها بـالسياسة والتاويل ونطقات بـصوت خافت كله ملاطفة:
ـ “ها عار الله يا لالة العروسة، هدن الخاطر وخلي قلبك يصفى.. قولي ليا شنو خصك من برا نجيبو ليك حتى لـبين يديك؟ لّي بغاتها خاطرك تحضر ف الحين، غير خليك ف مكانك وارتياحي، راه خروجك كايجيب لينا الخراب مع السلطان”
الحرورية د العيالات الحرات شعلات ف جوفها؛ بدأت كتنهد وتسوّط، وطار ليها السلك د الصبر. شافت ف لوبانة بـعويناتها للي كايبرقوا بـالدموع والحرقة، ونطقات بـواحد النبرة حامية، مخلطة بـالزربة والشهامة د بنات البلاد للي فاش كايتزيروا كايخرجوا كولشي من قاع الخاطر:
ـ “أش غاتجيبي ليا يا لوبانة وأنا جوفي شاعلة فيه العافية؟! اسمعي ليا مزيان وعار الله لا ما ديري هاد الإحسان.. سيري طيري عند مي ف القبيلة، قولي ليها بنتك راه غا تّسطى وتهببببل! قولي ليها غايخرج ليا العععقل ف هاد القصر! وقولي ليها دير ليا شي تاويل وشي حل من عندها تفك بيه هاد الثقاف للي عاقد طالعي.. راه إيلا بقيت محبوسة ومثقوفة هكذا، غانموت بالفقصة ويخرج ليا العقل(كمشات لكمة حدا حنكها ونترات بالغصة) بقت كتلهث بـديك النفس الحارة، ولوبانة كتشوف فيها بـالدهشة، وعاقلة على كول كلمة خرجت من فم هاد الغزالة
فاش سمعوا الخدم هاد الهضرة د الثقاف والرباط، تبدلات الملامح ديالهم وتسبقوا بـالضحك الخفيف والدهشة، وبدأوا كيردوا عليها بـالمهل وبـكلام كله صواب د القصور وبساط النسا:
ـ “ها عار الله يا لالة العروسة، هدي الله واشمن ثقاف كتهضري عليه؟! كولنا شطحنا وغنينا على صباحك حتى شبعنا وزهينا، والقصر كولو فرحان بـالصبوحي ديالك.. غير طردي الشيطان، راه السر والمحبة باينين ف هاد العتبة.”
هاد الكلمة د “الصبوحي” زادت غير الفقصة والجهد ف صدر كنزة؛ شعلت فيها العافية د الحرورية، وبدأت كتجلس وتنوض ف بلاصتها، ما راسهاش فين يحطها بـالغدد د الصدر. شافت فيهم بـعويناتها الحاميين ونطقات بـنبرة مكسورة ومجهدة كتقطر بـالحرقة د بنت البلاد:
ـ “أشمن صبوحي شطحتو عليه؟! وأشمن زهو كتغنيو ليه وأنا مربوطة سدي منيع؟! أنا للي ركبت العز، صبحت هاد الليلة رهينة وراء السد المنيع.. والله ما حاس بيا حد!”
تلفتات نيشان جيهة لوبانة، وزيرات على يديها بـالجهد، ونطقات بـالكلام الحامي للي خارج من قاع الجوف بـالزربة والنفس الحارة:
ـ “اسمعي ليا مزيان يا لوبانة، وعار الله لا ما ديري هاد الإحسان.. سيري طيري عند مي ف القبيلة، قولي ليها تفك رباطي وتلقى ليا شي تاويل! قولي ليها إيلا ما دارت حل، غاندير حايكي على ظهري ونخرج من هاد الأبواب العالية، ونمشي عندها بـرجليا كاع ما يهمني خوف! غانموت ولا نمشي عند هاديك حنش الغار نقددها بـسناني!”
بقوا الخدم بيناتهم غير كيشوفوا لـبعضياتهم ويتنهدوا بـالحسرة؛ دخلهم العجب من هاد الكلام الحامي د الثقاف والرباط للي خرج من جوف هاد العروسة، وعرفوا باللي القضية ما فيها لا غنج ولا دلال د النسا، وإنما فقصة وغديد راكب الصدر. تقدمات لوبانة بـالمهل، ولواحات نظرة د الفهمية لـصاحباتها، وتنهدات واحد التنهيدة غارقة ونطقات بـصوت خافت كلو سياسة:
ـ “إيوا هانا مشيت عند مك ودخلت لـدويرتكم ف القبيلة.. شنو غانقوليها بـالضبط يا لالة؟ عار الله لا ما فهميني أشنو نوصل ليها بلا زيادة ولا نقصان.”
شافت فيها كنزة بـعويناتها الفازعين بـالدموع، وزيرات على حوايجها بـالغل والمحنة للي ف جوفها، ونطقات بـالنفس الحارة والزربة د بنات البلاد، كتوصيها وتأكد عليها باش توصل الكلام بـالحرف:
ـ “قولي ليها كولشي بـالحرف يا لوبانة! قولي ليها بنتك راه طاح عليها الضيم، راه جاو ليها ف ليلة فرحها وكحلو ليها السعد ورماو عليها النحس! حسدوها على زمانها وعلى سلطانها وخلاوها واحلة.. قولي ليها بنتك راه مزال ما صبحات، ومربوطة سدي منيع، وفي الغبينة واحلة ما عارفا سماها من أراضيها! قولي ليها يطيروا عندها ويجيبوا الفكاك ويشوفوا من حالها قبل ما يخرج ليها العقل ف هاد الحيوط!”
شدات فيها بسرعة وكملات
“ااه !! وعنداكي ضربي لي الطررر يقولو عايبة وانا شريفة بنت الاشراف ! حسي مسي مايسيق حد خبارك “
سمعات لوبانة هاد الكلام للي كايقطر بـالمرار، وحز ف خاطرها حال هاد الغزالة للي تبدل زهرها ف ليلة واحدة. تنهدات الخويدم عاود ثاني، وجمعات وقفتها بـالهمة والصواب، ونطقات تطمنها بـالتاويل د عيالات زمان:
ـ “واخا يا لالة، كلامك أمانة ف عنقي وهانا غاندير حايكي على ظهري ونهبط ف الحين لـ(الموقف د الركوب) فين كيقصدوا الناس الدواب والخيول باش نشد الطريق دغيا ونوصل لـالقبيلة بـالزربة بلا ما يتعطل هاد الغرض.”
في ديوان الحكم المفتوح على مشارف أسوار شالة العظيمة، كان السلطان الشداد واقفاً كالجبل الأشم، متوشحاً بلباس الفروسية الخفيف الأنيق، المحكوم بوقار على جسده المفتول، يضع يده اليمنى على مقبض سيفه الوازن. تحلق حوله كبار مستشاريه وثلة من أمهر المهندسين والبنائين، والكل ينظر بوجوم وحيرة إلى الخرائط والأسوار الخارجية التي تضربها أمواج المياه العميقة، حيث تآكلت القواعد وصار تصدعها يهدد حصانة الثغر بأكمله.
تقدم كبير المهندسين، رجل اشتعل رأسه شيباً وأمضى عمره بين الحجر والطين، انحنى بتوقير وقال بنبرة متهدجة يملؤها العجز:
ـ “مولاي السلطان، إن أمر هذه الأسوار المائية معضل يحير العقول. الترميم بالصخر المنيع يقتضي منا البناء في عمق المياه وتحت الدوار، وهو أمر مستحيل لم تبلغه صنعة ولم تدركه حيلة في عصرنا هذا. إن غوص البنائين وحبس الماء لتثبيت القواعد تحت اللجج ضرب من الوهم، والأسوار الخارجية تكاد تنهار وتكشف عورة القصبة أمام العدو.”
عم الصمت أرجاء الديوان، وتنهد المستشارون تنهيدات ثقيلة ملؤها القنوط، فالعجز أمام طبيعة الماء حتمية لا مفر منها.
في هذه اللحظة، لم ينطق الشداد بكلمة. ظل واثق الخطوة، صارم الملامح، وعيناه الصقرية الثاقبة تمسحان جدار السور الممتد وتخترقان عباب الماء. بدأ يخمم عميقاً، يلاحظ بدقة تامة كيف تتوزع الأحمال، وينتبه لهندسة المكان وحكمة البناء الأول الذي وضع تلك الحصون. تثبتت نظراته الملوكية في نقطة التقاء السور العالي بصلابة الأرض الداخلية، وومضت في عقله شرارة الذكاء المنطقي الفذ الذي صقلته الحروب وخبرة الأرض.
التفت السلطان الشداد بكليته نحو المهندسين، فاستقامت وقفتهم وهدأت الأنفاس لهيبته، ثم نطق بصوت جهوري وازن، يفيض بالثقة والذكاء الصارم:
ـ “أيها الرجال، إنكم ترومون المستحيل بطلبكم ترميم ما استوطنه الماء، والملك الحكيم لا يصارع الموج بل يسخره لحصنه. إن إصلاح الأسوار الخارجية من جهة الماء أمر سنتركه خلفنا؛ فالجهد فيه ضائع، والمال فيه هباء.”
تطلع إليه الجميع بدهشة، ليتابع الشداد راسمًا خطته ببنانه فوق الخريطة بحنكة بالغة:
ـ “اسمعوا التأويل .. سنعمد إلى حصاد البناء من الداخل، على طول الجدار الذي يطوقه الماء. سنبدأ بتحصين وتشييد أسوار جديدة كلياً، تنبت من صلب الأرض الجافة المستقرة، وترتفع متلاحمة مع الأسوار العالية القديمة، لتكون منيعة، شديدة الرص، ممتدة من قرار الأرض إلى عنان السماء. ومتى تم لنا هذا الحصان الداخلي المنيع، سنعمد إلى ردم الفراغ بين الأسوار القديمة والجديدة بـالتراب والصخر المدكوك، ثم نعيد بناء ما حصدناه من الممرات الداخلية.”
اتسعت عيون كبير المهندسين بذهول وعلامات الإعجاب تنطق على وجهه، وهو يرى المعضلة الهندسية تنهار أمام منطق السلطان. وأردف الشداد وعيناه تلمعان ببريق النصر والهيبة الملوكية:
ـ “بهذا ، نترك الأسوار الخارجية القديمة كـغطاء وتمويه، بينما الحصن الحقيقي قائم ف دقة واحدة وراءها بصلابة الحجر الحتّان. وحينها.. يستحيل حتى على أعتى الجيوش وأشد العدا كسر ذلك الجدار، ولو ضربوه بالمجانيق دهرًا، فما وراء الحجر إلا حجر مدكوك وأرض راسخة.”
انحنى المستشارون والمهندسون جميعاً في دقة واحدة، وقد ملأتهم الهيبة والإجلال لذكاء هذا السبع وفطنته التي تفتت الصخر، ونطق كبيرهم بلسان قاطع:
ـ “والله يا مولاي الشداد، لقد أوتيت حكمة الملوك وفراسة الفرسان. هذا بناء لا تدركه حيلة العدو، وستبقى شالة ممتنعة على كاع من عاداها بفضل عقلك الوازن.”
وفي الركن الثالث من أركان حكمه المتين، حيث تلتقي هيبة السيف بحكمة التدبير وعلو الهمة، غصّ ديوان القصبة بكبار الكتبة والمسؤولين عن بيت المال والجباية. كان السلطان الشداد واقفاً بوقاره المعهود وبلباس فروسية محكم وأنيق، يملي أوامره الصارمة التي لا تقبل رجوعاً ولا ليناً، وعيناه الثاقبتان تراجعان دفاتر الخراج وسجلات القبائل التابعة لشالة والشاوية.
تطلع الشداد إلى مستشاري الأموال ونطق بصوت جهوري وازن، يقطع كل شك:
ـ “إن أمان شالة وثمن حصانتها لا يُدفع بالتمني، بل بالوفاء والسمع والطاعة التامة. أريد أن تُنظّم الدواوين بـأعلى درجات الحكمة والتدبير، وتُجمع الجبايات من كافة القبائل والمراعي بقسطاس مستقيم، دون زيادة ترهق الرعية، ولا نقصان يضعف بيت المال. فمن أظهر طاعته ووفر خراج أرضه، فله عهدنا بالأمان والكلأ.. ومن زاغ أو تماطل، فالسيف أولى بعنقه.”
ثم التفت بكليته صوب قادة خيالته الأشداء، الذين استقامت وقفتهم إجلالاً لهيبته الملوكية، وأردف بأمر حازم يعيد رسم حدود القوة في المنطقة:
ـ “أما طرق القوافل وسابلة التجارة التي تقصد قصبة شالة، فهي حرم ملوكي لا يُمس وعِرض من أعراض الدولة. أريد عيون الخيالة ممدودة على طول المسالك، يحرسون الفجاج ويؤمنون الوديان بـاليقظة التامة والجهد المستمر؛ حتى تسير القافلة المحملة بالتبر والحرير من أقصى المراعي إلى أبواب أسوارنا المائية، دون أن يجترئ على ترويعها قاطع طريق أو طامع في غفلة. اجعلوا هيبة الشداد تسير أمام الركب كظلها، ليعلم القاصي والداني أن أرضنا مقفولة بأمر السبع.”
انحنى الجميع بوقار شديد، واضعين أيديهم على صدورهم علامة الطاعة العمياء، وهم يعلمون أن ملك الشداد قد تمدد بالحق والصرامة، وأن عاقبة الخروج عن شوره هي الهلاك المحتوم.
ما إن انفضّ مجلس الديوان وانحنت الرؤوس بالطاعة، حتى تحرك السلطان الشداد بخطواته الوازنة الصارمة التي تجر الهيبة وراءها. لم يلتفت خلفه، بل قصد الساحة الكبرى للقصبة حيث كان فرسه الأدهم مطهماً، يمسك بلجامه أحد الغلمان متأهباً.
كان فرساً كاحلاً كظلام الليل، لا يركبه إلا الأشداء، كأنه قُدّ من صخر الأسوار المائية. وضع الشداد يده القوية على السرج، وبخفة الفرسان الحواة وثب فوق ظهره، فاستقام على صهوته بوقار ملوكي، ولباس فروسيته المجموع والمحكوم يبرز صلابة جسده المفتول وقامته المهيبة.
لوّح بيده لقادة خيالته، فاصطف ركب الحرس من خلفه كالسيل الجارف. نتر لجام فرسه فتأهب الأدهم وحمحم في فضاء شالة، ثم انطلق السلطان ينهب الأرض نهباً، خارجاً من أبواب القصبة العالية؛ ليقف بنفسه على الثغور، ويشهد عيون خيالته وهي تطوق الفجاج، تاركاً وراءه القصر والأسوار تئن تحت وطأة أسراره وحكمه الصارم.
ف هاد الأثناء، وراء الأبواب المسدودة والحيطان العالية د قصبة شالة، كانت كنزة جالسة ف واحد الركنة د البيت، والكمد والضيق راكبين صدرها. كانت كتسمع من بعيد تباخ الخيل ووقع الحوافر د عود السلطان الشداد وهو خارج ينهب الأرض جيهة الثغور، وزادها هاداك الصمت للي خلا وراه غُبن فوق غُبن؛ هي بنت الفضا والحرية للي عمري لفات عتمة الحصون وسكات القصور.
دخلات عليها الخادمة “لوبانة” من بعد ما قادات الحايك ديالها فوق ظهرها، وقربات منها بـخطوات خفيفة وبـواحد النبرة كولها كتمان وصرامة، ونطقات بـصوت خافت:
ـ “حان الميعاد يا لالة كنزة.. هانا درت حايكي على ظهري، وغادية نهبط ف الحين لـموقف الركوب باش نشد الطريق دغيا لـدويرتكم ف القبيلة. واش كاين شي كلمة أخيرة نوصلها لـمّك ف عنقي؟”
هزات كنزة راسها بـالنخوة، وعويناتها كايبرقوا بـالحرقة د الدموع للي حابساهم، ونطقات بـواحد النفس حامية كتقطر بالمرار:
قولي لـمّي تسيفط ليا خدوج ورحمة يونسوني هنا لداخل! قولي ليها بنتك غاتموت بـالوحش والخنقة، وعار الله لا ما خلاتهم يجيو عندي لهاد المحبس، يهرسوا عليا هاد السكات د القصر ويطيروا مني هاد الغدايد، بين ما دار الله شي تاويل د الفكاك.”
نزلات لوبانة راسها بـالإيجاب وعينيها كتقول وخا، وزادت خطوتها بـالحايك خارجة . لاكن لوبانة، هاديك الخويدم الماكرة للي كبرات بين حيوط القصر وعارفة الدق الصغير والكبير، ما كانت غادية لا لـموقف الركوب ولا لـالقبيلة! هي غير دارت لـكنزة خاطرها بـالكلام وصواب اللسان باش تهدن غدايدها وتطير منها هاديك الفقصة للي شاعلة ف جوفها. عارفة باللي أوامر السلطان الشداد قاصحة وما فيها اللعب، وإيلا سايراتها ف هاد الهبال وخرجت تقصد الدوار بلا شوره، غايطير ليها الراس من فوق الكتاف.
غير سدات الدفة د الباب وراها، نفضات الحايك على كتافها وتنهدات، ونزلات بـالسياسة لـالتحت د القصبة، جيهة المطابخ وبيوت الخدم فين كاين الزهو د النسا والكوانين شاعلة. جلست تماك ف الأمان، كتدوز الوقت مع صاحباتها، تشرب أتاي وتعمر الخاطر، وهي مخبية
بقت تماك حتى غبرات الشمش، وطاح الظلام على أسوار شالة المائية، وتعاشا العشية وتهدنات الحركة ف القصر. ف هاديك الساعات المتأخرة د الليل، ناضت لوبانة وقادات حايكها عاود ثاني، وطلعات بـالمهل ف الدروج، قاصدة البيت د لالة كنزة باش ترجع عندها بـشي خبار مصاوبة بـالتاويل
حلات لوبانة الدفة د الباب بـالمهل وبـلا حس، ودخلات لـالبيت. لقات كنزة مزال ما لقات راحة، كتدور ف وسط البيت بوحدها بحال الغزال الـمزيّق ف قفص، والوجه ديالها كولو قنط وغدايد، وعينيها معلقين
غير شافتها كنزة داخلة، وقفات وقفتها الوازنة وتعلقت عينيها ف فم لوبانة كتسنى خبار القبيلة. تقدمات لوبانة بـالسياسة والصواب د النسا، ورخات الحايك على كتافها وهي كتمسح على صدرها كأنها جاية من سفر بعيد، ونطقات بـصوت حنين خافت باش تدير ليها خاطرها وتهدي هاديك العافية للي شاعلة ف جوفها:
ـ “ها عار الله يا لالة كنزة هدن الخاطر واجلسي ترتاحي، راه جيتك بـالخبار للي تفاجي عليك هاد القنط. هانا طرت حتى لـالقبيلة ودخلت لـالدويرة كاع ما همني تعب، ولقيت لالة مّك الله يطول عمرها، وبلغتها كلامك بـالحرف بلا زيادة ولا نقصان. غير سمعات الخبار، ناضت وقفت وقالت ليا: ‘قولي لـبنتي كنزة غير تبرد الخاطر وتطرد الشيطان، راه الفكاك موجود والتاويل كايندار ف هاد الساعات د الليل’.”
وزادت لوبانة كتميل راسها بـواحد التبسيمة د الملاطفة باش تزيد تبرّد قلب العروسة:
ـ “وزيدون يا لالة، مّك راه عطات الكلمة لـخدوج ورحمة، وقالت ليهم يجمعوا راسهم ووجدو الحايك،باش يجيو عندك هنا وسط القصر يونسوك ويزهيو معاك هاد الأيام، حتى يحن الله ويتحل هاد العقد بـالخير والسر المكمول. غير ارتاحي دبا ونامي ف أمان الله، راه كولشي غايكون كيف بغات خاطرك.”
سمعات كنزة هاد الهضرة، وتنهدات واحد التنهيدة طويلة خرجت من قاع صدرها، وكأن هاداك القنط والجهد للي كان فيها برد شوية فاش حست باللي خبارها وصلت لـالدوّار وصحيباتها جايين ف الطريق.
انقضى هزيع من الليل حين عاد السلطان الشداد إلى قصبة شالة، يتقدم ركبه الذي ينهب الأرض نهباً. كان صوت حوافر فرسه الأدهم يطرق صخر الساحة الكبرى بقوة، مخترقاً سكون الظلام. ترجل السلطان بهيبته الملوكية، ولباس فروسيته يتدلى بوقار، ليسلم لجام جواده لأحد الغلمان، والتفتت عيناه الصقريتان نحو ظلال الرواق الممتد، فلمح سلمان واقفا في دقة واحدة ووقار، وبجانبه امرأة عجوز متدثرة بكساء داكن يستر ملامحها، مطأطئة الرأس كأنها تحمل أسرار الأرض في جعبتها.
تقدم سلمان بخطوات واثقة، وانحنى بإجلال أمام السلطان، ثم نطق بصوت خافت موزون:
ـ “مولاي السلطان، لقد نفذت أمرك المطاع. جئتُ بها من قاع الخيام ومن وراء المسالك التي لا تطأها قدم، وهي بين يديك الآن، كاتمة للسر وعارفة بعقد الأسرار.”
تطلع الشداد إلى المرأة العجوز بنظرة حازمة يملؤها الشك والقوة، ونطق بصوته الجهوري الخفيض:
ـ “أحسنت يا سلمان، عينك لا تنام وولاؤك حصن للملك. اذهب الآن وتولّ حراسة الساحة بنفسك، ولا تترك عيناً تلمح ما يدور في هذا الرواق.”
انحنى سلمان طاعةً وتراجع إلى الخلف متسللاً في الظلام ليؤمن المكان. وفي تلك اللحظة، التفت الشداد نحو العجوز، وأشار بيده آخذاً إياها إلى قاعة خلوية منبوذة عن الأعين، لينفرد بها دون سواها. وقف الشداد بكامل قامته المهيبة، واضعاً يده وراء ضهره ، ونظر إليها بصرامة ملوكية وقال بصوت يقطر حزماً:
ـ “اسمعي وعي ما أقول أيتها المرأة.. إن ملوك شالة لا تُعجزهم الأسنان ولا السلاح، ولكن ليلتي الأولى في عتبتي هذه عُقدت بـرباط منيع وسد سري، . أريدك أن تنظري في هذا الأمر بحكمتك وعلمك بالأسرار، وتفكي هذا الثقاف الملعون الذي طال طالعي. واعلمي أن لكِ الرضا والذهب إن صدقتِ الفكاك، ولحوق الرأس بالجسد إن أفشيتِ حساً أو دار في عقلك غدر.”
ارتعدت العجوز ورفعت رأسها بخوف مشوب بالاحترام، وقالت بنبرة مرتعشة:
ـ “الأمان يا مولاي السلطان، الأمان! سرك راه ف بير غارق وغامق كاع ما يلحقه حد.. وعقود الليل والرباط ما يصعبوش على من شابت راسها بين النجوم ورمال الصحراء وخبرات طالع النسا. غير قودني لـعند العروسة، ويكون الفرج والتاويل بـأمر الله ف هاد الساعات المباركة.”
دار الشداد بـالمهل، وبـالخطوات الصامتة والوازنة للي كتجر الهيبة، بدأ كايتمشى ويسحبها وراه وسط الظلام والكتمان د الممرات العالية د القصر، قاصد نيشان البيت د لالة كنزة، فين مخبي السر للي غايتحل قفله ف هاد الليلة العاكرة.
تفتح الباب بـالمهل وبـلا حس، ودخل السلطان الشداد بـخطواته الوازنة الملوكية، وتبعاته العجوز متسللة ف ظله. ف هاديك اللحظة، تحل الباب على مشهد كايطير العقل: كانت لالة كنزة جالسة ف ركن البيت، مالقات ما دير ف هاداك السكات، ونزلات شعرها الكاحل المطلوق بحال شلال د الليل فوق كتافها، وشادة ف يدها مشط د العاج كتدوزه عليه بـالمهل والتاويل، وفي كامل أنوثتها، وجمالها النقي للي كايسلب القلوب ويحير العقول. شمع الكوانين كان ضاوي على ملامحها، ومبين النخوة والسر د بنات الأشراف للي راكب فوق وجهها الصافي.
العجوز غير حطات عينيها عليها، ورجعات خطوة لـاللور مبهوضة من هاداك البها، وزيرات الكساء على صدرها، وبدات كتسمي الله بـصوت خافت كلو إعجاب ودهشة:
ـ “بسم الله الرحمن الرحيم.. تبارك الله وصلّي على النبي! تبارك الرحمن على هاد الآية د الزين والسر المكمول! ما شاء الله على هاد الغزال للي حجبوا عليه الحيوط.. هاد الزين ما يستاهل رباط، وما يدور بيه نحس يا مولاي السلطان.”
أما الشداد، وخا هو الجبل للي ما يتهز وصاحب السيف القاطع، غير شاف كنزة ف هاداك المقام د الأنوثة والجمال الباهر، زاد حز ف خاطره هاداك العجز، وتحرك ف جوفه الجهد والجهام د السبع المربوط وراء السد المنيع. وقف بـهيبته قبالتها، وعينيه كتقول كولشي بلا ما ينطق بـكلمة واحدة.
ابتعد السلطان الشداد بخطواته الوازنة والثقيلة جيهة المشربية العالية المطلة على أسوار شالة المائية ونهر أبي رقراق. وقف هناك وعطاها بظهره، واضعاً يديه خلف صلبه، شامخ الرأس كالجبل الأشم، بينما كانت كنزة جالسة في مكانها، تائهة، تدور عينيها الكاحلتين بين ضهر السلطان المهيب وحركات هاد العجوز للي دخلات وسط خلوتها.
تقدمت العجوز نحو كنزة باللين واللطافة د عيالات زمان، وبتبسيمة حنينة كتطمن القلب، مدت يديها المرعشتين وأخذت مشط العاج من يدها بالمهل، ثم جلستها فوق الفراش الوثير (المضربة د الصوف والحرير). بدأت العجوز تقرأ آيات من الذكر الحكيم وتنفث في كفيها، تمسح على رأس كنزة وجبينها، لتشرع في طقس الفحص والتقليب كما هوا شائع في القبايل والعادات
نزلت العجوز عند قدمي كنزة، وبدأت بـ “تكميد” و”غمز” عروق العنق وأسفل البطن، مستعملة زيوتاً دافئة لينة مسقية بـ “العرعار” و”الفيجل” (الفوتة) للي كيطرد طوارق الليل. كانت العجوز تقلب يدي العروس وتقرأ خطوط الكف ونبض المعصم دقة دقة، ثم مررت حزاماً من الصوف الحر الأبيض (أملال) سبع مرات من تحت قدميها إلى رأسها وهي تمتم بـ “التمغارت” (التعاويذ الأمازيغية القديمة للي كتجمع بين البركة وسؤال الفرج)، وتبعتها بـعملية غمز خفيفة وعميقة على عظام الحوض والضلوع، لتتبع مسارات الدم والتأكد من خلو الجسد من أي تشنج نفسي أو سحر مربوط.
مع كل غمسة ولمسة دافئة من يد العجوز القاسية على عروق جسد كنزة، كان النفس ديال العروس كيتزير، واللحم ديالها كيقشعر من برودة السر، فبدأت تخرج من بين شفتيها آهات خافتة، متوجعة ومتهدجة، آهات كولها أنوثة مكلومة كتكسر سكون الحجرة العالية وتطرق أذن السلطان الشداد مباشرة.
الشداد، وهو واقف بعيد عند المشربية، هاز راسه الفوق، عاطي بالظهر للمشهد وعينيه متثبتة ف النجوم وعباب الماء للي ضاير بالأسوار. ومع كاع هاديك الآهات للي كانت كيسري الصدى ديالها ف ودنيه، كان كيتحسس مقبض خنجره وجوفه كايغلي بـالجهام والنخوة؛ سبع مأسور ف عرينه، يسمع أنين غزالته ف هاداك الفراش ولا يملك لفكاكها حيلة إلا الصبر وحكمة هاد المرى. ظل واقفاً كالصنم المنيع، يتأمل السماء والنجوم الطالعة، منتظراً أن تنتهي العجوز من فك العقدة الملعونة للي حبسات رجولته وراء السد المنيع.
بعد ما سالات العجوز الفحص وسَمْعات آهات كنزة، دارت جيهة الشداد للي واقف عند المشربية، ونطقات بـصوت خافت وموزون:
ـ “مولاي السلطان، الأمر فيه ‘ثقاف قاصح ومربوط بـالحديد “
تلفت الشداد بكامل هبته شاف فيها ومشات عينيه لكنزة لي كانت نايضة وشادة ضهرها كتتألم والشعر طايح على جنبها .
“ديري اللازم ..ولي خصاتك نحضروها فالحين”
حدرات العجوز راسها بالطاعة وقالت
“بجهد الله وبركة الاولياء نفكو ثقافها قبل ما يودن العشا”
جمعت شتات نفسها وقالت بنبرة حذرة وموزونة، كتفصل المتطلبات اللي غتفك هاد التقاليد:
— “باش يتفك هاد العقد يا مولاي… غايخصني منسج. منسج يكون يلاه تمدات خيوطه الأولى، وباقي جديد بالزربية ديالو، بكلشي ديالو… عاد بدا كيخدم فيه.”
ملامح شداد ما تغيرتش، ولكن عروق يديه تزيرت. طلب بحال هذا ف هاد الوقت كان كافياً يقلب الدنيا، ولكن صبّر نفسو بواحد القوة رهيبة، كتم غيضه لداخل، ودار خطوة للور. بلا ما ينطق بحتى حرف ولا يعطي أي ردة فعل، دار وعطاها بظهره، وخرج من البيت بخطوات متباعدة وثقيلة كتسمع رنتها فالأرض.
بعد من جناح العروس فين كان سلمان واقف بصرامة طاغية ،وغير شاف السلطان حدر راسه للأرض بكل وقار، عينيه ما متجرأش ترفع وتلاقى مع عيون السلطان. سلمان ما كانش غايب على الخبار، كان عارف البير وغطاه، وعارف شنو كيدور وسط داك البيت… ولكن شكون هذا اللي يقدر يحل فمه مع شداد ف هاد المواضيع؟ هاد المسألة كتمس الغارق. هما شرفهم واحد وفضيحتهم وحدة وعزهم واحد شرف شداد هو شرف سلمان بيديه، والضربة اللي كتقيس السلطان كتجرح سلمان ف قلب كبريائه. هاز مع سيدو نفس التقل ونفس الهم، وواقف تما كدرع وفيّ مستعد يحمي هاد الشرف بدمه.
وقف شداد قدام سلمان، وبصوت خافت ولكن فيه نبرة الأمر الصارم اللي ما كتقبلش النقاش، قال ليه:
— “الشريفة طالبة منسج… يكون يلاه بدا كيخدم، عاد محطوطة فيه الزربية جديدة بكلشي ليها.”
سلمان، بلا ما يتردد ولا يخلي السلطان يشوف ف ملامحه أي أثر ديال الدهشة، جاوب ف الحين، وبصوت حازم وواثق:
— “حالا وفورا يا مولاي. دابا غادي نقلب ف البيوت المجاورة كاملة على اللي كينسج، ونحضرو ليك هنا ف الحين.”
خرج سلمان من القصبة وتحرك وسط الظلام بخطوات سريعة وموزونة، متبوع بـشلة ديال العبيد اللي تابعينو بحال خيالو. قاصد واحد الدار ف الجوار، معروفة ف ديك الناحية بلي كتجمعوا فيها النسا من الصباح للصباح باش يتعلموا ويخدموا نسج الزرابي.
الليل كان هادئ، ومنين وصلوا لباب الدار، سلمان ما بغاش يدير الفوضى ولا يروع الساكنة. قرب ودق ف الباب بأدب كبير ووقار، مراعي الجيران ومراعي النخوة ديالو. غير حلوا ليه، تكلم مع مالي الدار بكلام رزين وموزون، وطلب منهم المنسج اللي يلاه بدات فيه الخدمة وباقي جديد. الناس، وخا تفاجأوا ف هاد الوقت، ما قدروا يرفضوا طلب جاي من جهة القصبة، وزايدون أدب سلمان فرض راسو.
تحركوا العبيد خفاف سراعا، هزوا المنسج بكل حذر باش ما تخسر فيه حتى خيط، وحطوه فوق عربة كانت كتسناهم برا. رجعوا بيه للقصبة ودخلوه وسط السكات، حتى وصلوا لواحد البيت خاوي وواسع. حطوا المنسج تما، وتجمعوا عليه الخدم والعبيد، قادوا الوقفة ديالو مزيان، وزيروا الخشبات والشبه ديالو حتى تبت ف الأرض ورجع واقف ناضي، ما يتحرك ما يميل.
غير كملوا الشغل، سلمان دار ليهم إشارة بيدو، وخواو البلاصة كاملة ف الحين. البيت رجع خاوي، ما فيه غير المنسج الجديد كيتسنى، والصمت رجع يلف المكان.
ف هاد الأثناء، كانت لوبانة كتحرك بحال الحية، دخلت لبيت كنزة فاش كانت الشريفة جالسة. قربت منها وبصوت خافت علمتها باللي كلشي واجد والمستور تحط ف بلاصتو.
هنا، ناضت العروسة. تنهدات وجمعت كبرياءها وأنوثتها الطاغية اللي كتسلب العقول.
حطت رجليها ف بلغتها، وخرجت بخطوات ثابتة ومنومة. هبطوها الخدم من الدروج، وف كل خطوة منها كان كيبان سحر أنوثتها والوشاح على راسها
وقفت الشريفة وسط البيت، عينيها مثبتين على المنسج اللي واقف ف الوسط بحال السارية. دارت جيهة الباب، وعطت إشارة لـكنزة.
تقدمت كنزة بخطوات ثقيلة،هازة قفطانها من الجنب . وقفت قدام الشريفة اللي كانت ملامحها ف هاد اللحظة صارمة وما فيهاش اللعب، بحال شي كاهنة كتستعد تفتح كتاب قديم.
زيرت على كتوف كنزة بيديها بجوج، ودفعتها ببطء ولكن بحزم لجهة المنسج. قربتها من الخيوط المشدودة، دخلت الشريفة كنزة وسط الخيوط، بين “القيام” و”المرمى”، خلات الخيوط دوز على لحمها وثوبها، دورتها بمهارة، وعاودت جبدتها… ودخلتها المرة الثانية، وعاودت دورتها. ومع كل دورتين ودخلة، كانت الشريفة حادرة راسها، وفمها ما كيحبسش من التمتمة. كلام خافت، متسلسل، وبحروف قاصحة كترعد ف الصمت ديال البيت الخاوي، كلام مجهول الساس كيتسمع بحال الهمس ديال الغيب.
بقات الشريفة غادية على هاد الحال، كتدخل كنزة وتدورها وسط خيوط المنسج، المرة الثالثة، الرابعة، الخامسة… وكنزة مستسلمة تماماً لهاد الطقس، حاسة بالخيوط الجداد كيمسوا الذات ديالها، والتمتام ديال الشريفة كيدور بيها بحال الحجاب.
حتى كملت سبعة ديال المرات تاليتهم. سبعة الدورات دوزت فيهم كنزة بين الخيوط واللوح ديال المنسج، والشريفة كتمتم بآخر الكلمات وتنفث ف الهوا، بحال يلا يلاه فكت العقدة السابعة ورماتها ف جوف المنسج الجديد.
جيهة لوبانة اللي كانت واقفة عند الباب وعينيها خارجين بالدهشة والترقب. الشريفة عطاتها إشارة قاطعة براسها، إشارة دغيا تفهمات.
ف الحين، تحركت لوبانة وجابت السطل اللي كان محطوط ف الجنب… ماء ماشي بحال كاع المياه، ماء مجموع دقة بدقة من سبعة ديال الموجات ديال البحر، مرغوي ومالح ونابع من الغارق ديال المحيط، جابوه حتى لقلب القصبة ف هاد الليل.
قربت الشريفة من كنزة اللي كانت باقا واقفة حدا المنسج، مستسلمة وهادئة بحال شي تمثال ديال الرخام. هزت الشريفة كاس وغرقتو ف داك الماء د البحر، وبدات تكب عليها ببطء وبطريقة موزونة.
بدات كتغسل ليها وجهها، ويديها، ورجليها، وكتدوز داك الماء المالح على الذات ديالها. ماء السبع موجات كان كيهبط وكيغسل معاه كاع الثقل، وكاع التقاليد والعكس اللي كان حاجز . كنزة كانت كتحس بالبرودة ديال البحر كيسري ف عروقها، وبحال يلا ديك الملوحة كتطهرها وتجدد فيها الروح والأنوثة من أول وجديد.
الشريفة ولوبانة تكلفوا بالغسيل دقة بدقة، حتى سالاو داك الماء كامل، وخلاو كنزة واقفة نقية، مقطرة بماء البحر، والسر ديال السبع موجات لفوها بيه لداخل ف داك البيت الخاوي.
حلو الكموسة لي فيها لباس لعروسة ، لباس جديد، عمرو تلمس وعمرو شاف الشمس. ثوب من الرفيع، مخدوم باليد بدات الشريفة ولوبانة يلبسوها دقة بدقة وبكل وقار. هبطوا عليها القفطان الجديد اللي كان كيزلق على لحمها المطهر بماء البحر بحال الحرير. الثوب باقي فيه ريحة الخزين الجديدة، وباقي واقف ومصون، عمرو عرف جسد آخر من غيرها . خلاوه محلول وقادوا ليها الكمام والشقاق، وكنزة واقفة بحال الغزال وسط داك اللباس اللي زاد أظهر أنوثتها وعطاها هيبة كتليق بلقب عروسة السلطان شداد.
ملي كملوا، وقفت كنزة وسط البيت، مكسية بالجديد .
غير كملوا ليها اللباس الجديد اللي باقي بالريحة ديالو، دارت الشريفة جيهة لوبانة وعطاتها إشارة بيديها. تحركوا بجوج، وحضنوا كنزة من الجناب بكل وقار ودلال، وطلعوا بيها ف الدروج ف داك السكات ديال القصبة، قاصدين خلوتها دخلوا بيها لبيتها، المكان اللي كتعرفو والحيطان اللي مألوفة ليها. البيت كان دافئ، وبمجرد ما دخلات ليه كنزة، حست بواحد النفس ديال الراحة. جلسوها الخدم بكل وقار فوق فراشها، وهي جالسة وسط لباسها الجديد بحال شي غزال هادئ، عينيها حادرين للأرض والأنوثة ديالها الساطعة منورة القنت اللي جلست فيه.
قربت الشريفة وجلست حداها، حطت يدها اليمية بكل حنان ووقار على جبهة كنزة، وبدات ترقيها.
صوت الشريفة رجع يهمس ف أرجاء البيت بكلام الله وبالرقى القديمة المحصنة اللي كتحمي النفس والجسد. بدات تقرا عليها وتعاود، كتطرد العين، وتفك العكس، وتحيد التابعة والتابع، وتحصن هاد الشرف من أي حسد ولا أذى. ومع كل آية وكل دعاء، كنزة كانت كتحس بالبرودة والسكينة كتنزل على قلبها، وكاع داك الخوف والتقل اللي داز عليها تبخر وتلاشى وسط حيطان بيتها.
بقات الشريفة مستمرة ف الرقية، وتفث عليها بالخير والتحصين، ولوبانة واقفة قريبة كتدور البخور اللي تخلطات ريحتو الزكية مع ريحة اللباس الجديد، حتى رجع البيت كامل معطر ومحصن ف أمان الله وحفظه.
من بعد ما جلست كنزة ف الفراش ولبسات الجديد، الشريفة ما كملاتش غا الرقية وصافي، بل دارت جيهة لوبانة وعطاتها إشارة بصباعها. لوبانة فهمات المرمى، مشات للصندوق وجبدات واحد الموس ماضي، جديد وعمرو قيس شي حاجة، اليد ديالو د العاج والشفرة ديالو كتشعل ف الظلام.
حطت لوبانة الموس ف يد الشريفة. كنزة فاش شافت الموس، عينيها وسعوا وضارت فيها الرعدة، ولكن الشريفة حطت يدها الأخرى على كتفها وثبتاتها بنظرة قاصحة ولكن فيها الأمان.
قربت الشريفة من كنزة، وبدات كتحرك الموس ببطء فوق الذات ديالها، كتدوز الظهر د الموس (الجهة الميتة ماشي القاطعة) فوق ركابيها وفوق لحمها بطريقة رمزية، بحال يلا كتقطع بيه كاع الخيوط المخفية اللي كانت حابساها.
الشريفة حدرات راسها لجهة ودن كنزة، وقالت ليها بصوت مخنوق وفيه هيبة:
— “قولي ورايا يا بنتي، وعاودي ورايا اللسان باللسان… قولي: أنا خيط وموسى حيط، تفك الرباط وتنحى الحيط.”
كنزة، والنفس ديالها متسارع والأنوثة ديالها مرعوبة من هاد اللحظة، بلعات ريقها وجمعت صوتها. شافت ف الموس اللي كيدوز على لحمها، ونطقات الكلمات بنبرة مترددة ف الأول، ومن بعد وثقات:
— “أنا خيط… وموسى حيط… تفك الرباط وتنحى الحيط.”
الشريفة عاودت دوزت الموس من جيهة الفخذ والركبة الأخرى، وزادت ف التمتام ديالها، وقالت ليها ثاني:
— “زيدي قوليها وعقدي عليها النية، باش القفل يتفتح والحديد يلين.”
كنزة عاودات الجملة المرة الثانية والثالثة، ومع كل مرة كانت كتقول فيها: “أنا خيط وموسى حيط…” كانت كتحس بحال يلا شي قيد حامي كان مزير على لحمها لداخل بدا كيرخا، وبدا كيدوب تحت هاد الطقس الرهيب.
ملي كملات الجملة سبعة د المرات، الشريفة هزت الموس، نفثات عليه، دارت ببطء جيهة المجمر اللي كان زاند فالقنت، والعافية ديالو شاعلة وحمرة.
تقدمات الشريفة، وهزات الموس بيديها بجوج، وحطاتو وسط الزند، دفناتو وسط الفاخر الشاعل. كنزة ولوبانة كانوا كيشوفوا ف السكات، وعيونهم متبعين الحديد اللي بدأ كيشرب العافية، حتى رجع الموس حمر بحال الجمرة، كيرتعد بالسخونية وسط الرماد.
ف هاد اللحظة، الشريفة كانت موجدة حداها غضارة (إناء) فيها الماء الصافي، ماء نقي وسير ما قايساه تال حاجة. مدت يديها، جبدات الموس الحمر من وسط النار بمهارة، وف الحين طفاتو وسط داك الماء الصافي. طلع واحد البخار كثيف لفوّاق، عمر البيت بريحة الحديد والنار، وداك الصوت ديال الطفيان تردد ف الصمت حطات الموس ف الجنب، وهزات الإناء ديال الماء الصافي . قربات عند كنزة، وقالت ليها بصوت فيه الهيبة والوقار:
— “هادا هو الفساد ديال كاع العكس يا بنتي. هاد الماء طفا فيه الحديد، وغيطفى معاه كاع القسوة والرباط اللي كان حابس الذات ديالك.”
الشريفة بدات كتاخد من داك الماء الصافي بيديها، ودوزو ببطء على الفرج والرحم ديال كنزة، كتغسل ليها هاديك البلاصة بحذر ورفق، وكتكب قطرات منو تحت رجلين كنزة وفوق عتبة البيت.
الماء المطفّي فيه الحديد الحمر، ف الثقافة القديمة، هو الساروت اللي كيرخي اللحم القاصح، ويلين الغشاء السميك، ويفسخ التشنج اللي كيقبط العروسة ليلة دخلتها. كنزة حست ببرودة غريبة متبوعة بسخونية سرات ف لحمها، وبحال يلا الذات ديالها ترخات تماماً واستسلمت للقدر ديالها.
الملامح ديالها رجعات جادة وصارمة، لأن هاد اللحظة هي الفاصلة.
قربات الشريفة من كنزة اللي كانت باقا مستسلمة ف فراشها، وقالت ليها بصوت حنين ولكن فيه يقين:
— “حلي رجليك يا بنتي وتمددي… خاصني نتقن بلي العقدة تفرتتات والحديد لان، وما يبقى ف الخاطر شك.”
كنزة تمددات ببطء، والنفس ديالها محبوس، وعينيها ف السقف كيتسناو.
تقدمات الشريفة، وحطات يديها بمهارة وخفة المرة الخبيرة اللي عارفا العبار والتقلاب. بدات كتقلب دقة بدقة، كتقيس الأنسجة واللحم المحيط بذاك المكان، وتعاود العبار بصباعها باش تشوف واش داك التشنج والقساوة اللي كانت بحال الحيط باقي ليها أثر. الشريفة كانت كتحس بنبض اللحم تحت يديها ، فالاول كان انقباض قوي ديال اللحم عكس دبا، لقات بلي الأنسجة مرخية، واللحم رطب ولين، وكاع داك الحصار النفسي والجسدي اللي كان مزير على البكرة تطلق وتفسخ تماماً.
عادت العبار المرة الثانية، وزاد وجهها تفتح بالبشرى. حيدات يديها، ومسحاتهم ف ثوب نقي، وضارت جيهة لوبانة وهي كتهز راسها بالفرحة وقالت:
— “الحمد لله… العقدة تفكات، والرباط تنحى. اللحم رجع يرخا بحال الزبدة، وطريق السلطان صبحات مسرحة بلا عياط بلا عذاب.”
كنزة ف ديك اللحظة تنهدات واحد التنهيدة طويلة بحال يلا تخلقت من جديد، وحست بالراحة كتسري ف ذاتها كاملة من بعد ما سمعت كلام الشريفة وتيقنات بلي الثقاف مبقاش ليه وجود.
ملي كملات الشريفة، دارت جيهة لوبانة وقالت ليها بصوت قاطع:
— “جمعي هادشي، وخوي الطريق. الشغل كمل، والعروسة مطهرة، مرقية، ومفتوحة لراجلها بإذن الله.”
الشريفة دارت شالها فوق راسها، يالاه دارت باش تخرج وتحط رجلها على العتبة، حتى تحركات كنزة خفيفة بحال خيال الغزال. قبطات ف ثوب الشريفة، وزيّرت عليه بيديها بجوج، ولصقات حداها حتى رجع الصدر ديالها كيطلع ويهبط بالنفس السخون. شافت فيها بعيون واسعة عامرة برهبة الحب والخوف من الجاي، وبصوت خافت، بحال الهمس ديال السحر، قالت ليها:
— “الله يخليك ليا يا الشريفة… ما تخرجيش وتخليني هكا. ديري ليا شي قبول… بغيت هاد القبول يخليه يشوفني غير أنا، يدخل لهاد البيت ويعمى على نسا الدنيا كاملة، وعمرو يدور عليا ولا يشوف من غيري.”
الشريفة وقفت ف بلاصتها، دارت عينيها ف كنزة وبقاو الشفايف ديالها كيتجمعوا حتى طرطقات بواحد الضحكة دافية، ضحكة ديال المرة الكبيرة اللي قاريا الدنيا وعارفة الأسرار. لوبانة حتى هي، اللي كانت واقفة عند الباب شادة البخور، ما قدرتش تكتم راسها، غطات فمها بيديها وضاحكة بالغمزة والغميز.
حطات الشريفة يدها الحنينة على حنك كنزة، ورجعات شعرها اللور، وقالت ليها بكلام كله عسل ونخوة:
— “علاه يا بنتي… واش كاين شي قبول ف الدنيا كتر من هاد الزين والفتنة اللي جمعتي ف هاد الذات؟ هاد لعيون وهاد الخير تبارك الله اللي عاد غسلتها بماء السبع موجات وطفيت فيها حديد الموس، هي القبول بجهد الله. السلطان راه راجل(زيرات على يدها بحرورية، ، والراجل قدام هاد الفتنة كيرجع بحال الخاتم.”
لوبانة زادت قربات، وضارت بيهم وهي كتفتف بالبخور، وقالت بضحكة مكمشة:
— “إيه والله يلا حشومة عليك يا لالة كنزة تطلبي القبول وأنت كتشعلي بحال شمس النهار! الشريفة زيرت على ليدين ديال كنزة باش تطمنها، وقالت ليها آخر كلامها وهي خارجة:
— “جمعي قلبك يا بنتي، وتبتي خطوتك. السحر ديال المرة هوا كبرانيتها ، عزها وقيمتها ، وخناثها وحروريتها..وعاد زينها ولسانها لحلو ! خلي عيونك يشوفوا ف عيونه نيشان، وديك الساعة غتعرفي بلي قبولك راه تسارى ف عروقه بلا حروز بلا كتابة.”
فضات الشريفة كلامها، وخرجت هي ولوبانة وخلاو الباب موراهم مردود، وكنزة رجعات لفراشها، النفس ديالها هدا، والكلمات ديال الشريفة زادوها واحد الثقة عمات الخوف اللي كان فيها.
تحل الباب ورجعات الشريفة كضحك من جديد بوحدها وكتشوف وراها واش كاينة شي خادم وزادت قربات من كنزة لي وقفات مستغربة وقالت ليها بصوت خافت ويدها الموشومة على فمها
— “جمعي قلبك يا بنتي وبلا ما تعمري راسك بهادشي د القبول والحروز… السلطان شداد ماشي هو الراجل اللي تشدو جرة ديال الخيط ولا لقمة د البخور. واش ما شافوش عينيك هاداك الخاتم بو حجرة كحلة اللي فصبعو؟ ليمينية
كنزة وسعات عينيها، ورجعات بالذاكرة لور، تفكرات ديك اليد القوية اللي كتحكم وتأمر، وتفكرات الحجرة الكحلة اللي كتلمع بحال ليل مظلم ف صبعو. الشريفة كملات كلامها وهي كتهز راسها بيقين:
— “هاداك لحجر ليماني الكحل يا بنتي، راه مخرط ومقري عليه عند الكبرااانين! هاداك حصن حصين ضد العين، وضد السحر، وضد كاع النسا اللي بغاو يميلو طريقو.السلطان محصن ماعندك ما تشدي فيه ، والقبول ديالو عاطيه ليه الله ف الهيبة اللي كترعد الرجال قبل النسا.”
— “سحرك الليلة يا بنتي هو هاد الحشمة ىالخناث ، فاش يدخل عليك، حادري عينيك ف الأول وقاراً لهيبتو، ومن بعد شوفي فيه شوفة المرة اللي واثقة ف الزين ديالها وفي الشرف اللي هازاه. هادا هو القبول اللي ما عندو دوا، وهادا هو الساروت اللي غيجيبو عندك وخا يدوروا بيه جنون الأرض.”
طبطبات الشريفة على حنك كنزة، ودارت شالها فوق كتافها بغات تمشي وشدات فيها كنزة من جديد كتوسل — “إيلا كان هو هكاك يا الشريفة… الله يرحم لك الوالدين، حصنيني حتى أنا! إيلا كان السلطان هاز هاد القوة كاملة ومحصن ضد كاع النسا،انا وراه قدامو بحال الريشة كيديها الريح ويجيب.(دورات كندة عينيها يمين وشمال ) نعطيك لي بغيتي ..راني مرت السلطان نسيتي؟!
الشريفة من بعد ما سمعت الطلب ديال كنزة وهي كترجف وتطلب التحصين، ما تحركاتش ف الحين وما جاوباتهاش بالزرب. بقات واقفة ف بلاصتها، حادرة عينيها جيهة الأرض وساكتة… صمت طويل، فيه التفكير والتدبير ديال المرة الكبيرة اللي كتوزن الكلام والفعايل قبل ما تخطي أي خطوة. عيونها كانوا كيدوروا وسط داك الصمت بحال يلا كتقلب ف كتاب قديم على التحصين اللي يليق بهاد المقام وهاد الهيبة ديال السلطان .شافت ف كنزة اللي باقا شادة ف ثوبها وعينيها معلقين فيها كيتسناو الجواب، وابتسمت واحد الابتسامة خفيفة فيها الوقار والأمان. طبطبات على يد كنزة المزيّرة، وقالت ليها بصوت حنين وموزون، صوت كيرد الروح للقلب الخايف:
— “دابا نرجع عندك… كوني هانية وديك الساعة نقاد ليك الشغل اللي يثبت قدمك ويزيد ف حجبك. جمعي قلبك دابا وخليني نخرج نساوي الطريق مورايا، والوقت ديالك غا يتقاد كلو على حقو وطريقو.”
كلام الشريفة نزل على كنزة بحال البلسم، وخلاها ترخف يديها وتطمن باللي الشريفة عاطياها كلمتها وما غتخليهاش ف مهب الريح وخرجات من البيت وسدات الباب وراها
إضاءة تاريخية: سر الحجرة الكحلة وطالع السلاطين
ما كانش السحر، والتنجيم، وقراءة الطالع كيتعبروا خرافة د العوام أو قلة حيلة كيتخباو وراها الضعاف؛ بل كانوا جزءاً من النضام الحكم، وعلم قايم بذاتو كيتعلموه كبار الحكماء والفقهاء ف بغداد. القصور ف داك الزمان كانت كتدار بالسياسة والسيف، ولكن كتسير حتى بحركة النجوم وطوالع الفلك.
السلاطين والملوك، بالرغم من الإيمان القوي ديالهم، والفتوحات العظيمة اللي قادوها، والجيوش اللي كانت كترعد الأرض تحت حوافر خيلها، ما كانوا كيحركوا أسطول ف البحر، ولا كيزحفوا بجيش ف البر، حتى كيجمع السلطان “منجم البلاط” الخاص بيه. كان المنجم كيجلس ف ديوان الحكم، حاط قدامو “الأسطرلاب” والخرائط الفلكية، كيقرا حركة الكواكب وكيحدد “ساعة السعد” و”وقت القبول”. ف نظرهم، هادشي ماشي ضعف، بل هو خذ بـأسباب الغيب، بحال يلا كيقراو تقلبات الريح قبل ما ينشروا الشراع.
وهاد الخوف من “العكس” أو “الرباط” (الثقاف) ف ليلة الدخلة، كان هو الشغل الشاغل ف ديوان الحريم. السلطة ف القصر ما كانتش غا ف يد الرجال برّا، بل كانت كتدور ف كواليس نسا القصر لداخل؛ والمنافسة بين الزوجات والجواري على حظوة السلطان خلات “القبول” و”الحروز د التحصين” سلاح يومي مشهور وعادي، مكاينش اللي ينكرو أو يستعيبو.
داكشي علاش، الخاتم بو حجرة كحلة — العقيق اليماني الكحل — اللي ف صبع السلطان شداد، مكانش غا زينة ديال الملك. هاداك كان كيتعبر “درع غيبي” مصوب بحساب فلكي دقيق، محصن بأسماء ورقى مكتوبة بماء الذهب والزعفران، باش يحمي هيبته الطاغية من عين الحاسدين، ويمنع سحر النسا المغلوبات من أنه يربط القوة ديالو.
شداد فاش خرج من البيت وخلا الشريفة تدير طقوس المنسج والموس، كان كيتصرف بـالكبرياء ديال سلطان عارف بلي “العكس” حرب مخفية، والحرب المخفية ما كتزادش بالسيف، بل كتفسخ بـالأسرار اللي كتعرفها غير المرة الكبيرة الخبيرة بحال الشريفة. هادشي خلى سلمان يحدر راسو وقاراً ماشي تشفياً، حيت عارف بلي حتى السلاطين، فاش كتوصل الأمور للطالع والرباط، كيمشيو مع عادات الزمان حكماً وتدبيراً.
القبول: “سلاح الأنوثة” وغريزة البقاء
فالمجتمعات القبلية التاريخية، كانت السلطة المادية، والسلاح، والمال، والجاه كاملين ف يد الرجال (السلاطين، الشيوخ، والمحاربين). المرأة ف هاد المنظومة ما كان عندها لا عسكر يحميها ولا ديوان يضمن مكانتها؛ ومن هنا تولد “القبول” كـ غريزة بقاء ودفاع عن النفس.
سحر المحبة والجاه: القبول بالنسبة لنسا القبائل كان هو “الدرع” اللي كيحميهم من قهر الرجال أو تهميش المجتمع. البنت أو المرة كانت كتعقد النية وتستعمل البخور، أو العطور المقطرة (بحال ماء زهر أو الورد)، أو الحروز باش تزرع الهيبة والمحبة فقلب الراجل اللي كيحكمها (سواء كان الأب، الزوج، أو السلطان).
الحماية من الدسائس: وسط الخيام أو القصور والبيوت الكبيرة اللي عامرة بنسا د القبيلة، المنافسة كانت شديدة على حظوة الراجل الكبير. القبول كان هو السلاح المخفي باش المرة تضمن باللي كلمتها مسموعة، وبلي غاتولد ولاد غايكون ليهم الشأن، وباش تحمي راسها من “العين الطاغية” د الضرات والمنافسات.
“العرف الاجتماعي
المرأة الحكيمة (الشريفة أو العرافة): فكل قبيلة، كانت كتوفر مرة كبيرة ف السن، مجربة، وعارفة الأسرار. هاد المرة ما كانوش كيشوفوها كـ “ساحرة شريرة” بالمنظور السينمائي، بل كانت كتعامل كـ مستشارة روحية وجسدية. هي اللي كتقلب العروسة، هي اللي كتدير العبار، وهي اللي كتوصف التباخيرة والتحصين.
الاعتماد على الطبيعة: السحر القبلي كان سحر “طبيعي” كيعتمد على العناصر الأربعة: النار (المجمر والزند)، الماء (البحر، المطر، أو ماء البير المهجور)، التراب (الأعشاب، الفاسوخ، والجاوي)، والهواء (البخور والروائح). هاد المواد كانت جزء من محيطهم اليومي، داكشي علاش استعمالها ف طقوس الغيب كان كيجيهم طبيعي بحال الفلاحة أو الرعي.
تكامل السحر مع الدين والهيبة
فالثقافة القبلية، ما كانش كاين انفصال حاد بين الدين وهاد الممارسات. كانوا كيديروا “الحجاب” و”الرقية” ويخلطوها بآيات الحفظ والتحصين، ويديروا البخور تبركاً بدفع الجن والشياطين.
وحتى الجبابرة والسلاطين اللي كانوا كيفتحو البلدان ويقودو الجيوش، كانوا كيلبسوا تحت دروعهم حروز مكتوبة بالزعفران والمسك، وكيديروا ف صباعهم خواتم بحجر العقيق اليماني الكحل المقري عليه لحمايتهم من سحر الخصوم ومن العين وكيبطل اي تنويم او سحر او ارواح كدور حداهم
فاش كتقرا على بنت د القبيلة بحال “كنزة” كتطلب القبول أو التحصين، أو مرة خبيرة بحال “الشريفة” كتقلب العبار وتطفي الموس ف الماء، ف أنت كتشوف آلية دفاعية ونظام حياة كامل كان هو الطريقة الوحيدة المتاحة ليهم فداك الزمان باش يوازنوا كفة القوى بين ضعفهم المادي وقوة الطبيعة والرجال المحيطين بيهم.
من بعد ما صلاو العشاء، وهدات الحركة ف الساحات الكبيرة د القصبة، بدات ليلة أخرى مرسومة بالسر والمحبة.
فجأة، تحل الباب د البيت د كنزة، ودخلوا الخدم بضحكتهم ونشاطهم، منورين المكان بحال الفراشات. كانوا هازين ف يديهم الشموع الطويلة، والمباخر كتقطر بريحة العود والند. تقدموا جيهتها، وبداو كيتولوا العروسة، هادي كتسرح ليها الثوب د المنسج، وهادي كتقاد ليها لكمام وتثبت المشاطي د الفضة ف شعرها، والأخرى كترش ماء الورد المقطر اللي كيرد الروح.
وسط داك النشاط والغمزات د الفرحة، تقدمات لوبانة حنات راسها وقالت لكنزة بابتسامة عريضة وصوت كله بهجة:
— “الله يسعد مساك يا لالة كنزة… أبشري بالخير والنور، السلطان شداد راه ف الجناح ديالو، وصيفطنا نوجدوك ونعلموك بلي بغاك الليلة تعشاي معاه ف ديوانو الخاص.”
البنات كاملين طرطقوها بواحد “الصلاة والسلام” خافتة وموزونة، باش ما تصدعش السكات دالقصبة وبداو كيضحكوا ويقولوا ليها: “سعدك وزينك الليلة يا لالة، طريقك مسرحة والقبول عاطي ريحتو من العتبة.”
كنزة ف هاد اللحظة، بلعات ريقها، وتفكرات القلبة لي قلب عليها لبارح حتى كان غيسكت ليها القلب.
تحلّ الباب العود الثقيل ديال جناح السلطان، دخلات كنزة بخطوات موزونة، بحال الخيال الطايف وسط الدخان الأبيض ديال الند والجاوي اللي معمر المكان. الخدم اللي رافقوها من بيتها بقاو اللور عند العتبة وحدروا الراس وقاراً، وخلاوها تدخل بوحدها لداك الديوان الخاثر بالسر والضو د الشموع الطويلة الراكية ف الشمعدانات د النحاس.
كانت داخلة وهيبتها سبقاها. الزين ديالها الليلة ماشي غير زين وصافي، بل هو القبول براسو اللي فيض النور ف هاديك الخلوة الملكية؛ عينيها الكبار الواسعين، الكحلين بحال ليل الصحراء بلا كحل،فيهم حياء عضيم ورعشة وبريق رباني كانت كتلمع تحت ضو الشموع بحال الذهب المرخي.
مع كل خطوة كتخطيها، كان ثوب المنسج الرفيع، العريض والواقف، كيتجر موراها بوقار الملكات، مطرز باليد د المعلمات د القبايل دقة بدقة، وفوق كتافها شال د الحرير مرخي كيبين ويغطي سر العنق والصدر المبلل بماء زهر المقطر. الريحة ديالها كانت سبقاها، ريحة كتقلب الراس وتدوخ العقل، خليط من النقا والمسك الخاثر والند اللي تغلغل ف عروق الثوب وذات البنت. شعرها الكحل الطويل نازل ورا ضهرها بحرية وخصلة متمردة طايحة حدا حنكها وعنقها، بحال ليل مفرتت فوق الثوب لحليبي
كان السلطان شداد جالس ف صدر الديوان على الأرض، فوق بساط عريض د الصوف المرعزي المنسوج بماء الذهب والحرير. الجلسة ديالو ما كانتش جلسة عابرة، بل كانت فيها الهيبة والوقار د السلاطين اللي مولفين حُكم الأرض؛ واخد راحتو ومتربع بوقار، ضهرو مسرح وراسي بحال جبل، حاط يديه اليمية فوق ركبتو بكل ثقة، وفيها كيشيع داك الخاتم العتيق بـالحجرة الكحلة (العقيق اليماني) اللي كيعكس ضو الشموع بحال لغز غامق ومحصن.
كان لابس فوقاني خفيف وشفاف من ثوب الشاش البغدادي الرفيع، مخدوم بـالمقاصب دلحرير ف الكتاف وف الحاشية د الكمام العراض. هاد التوب الخفيف كان مبين عرض صدره القوي الأسمر اللي مطبوع بلفحة د شمس الغزوات والمعارك، وصدره كان كيطلع ويهبط بواحد النفس رزين وفيه الهيبة د السبع. تحت منو السروال د الحرير لمرخي، ومجموع بحزام عريض د المجدول المخدوم دلحرير الصافي اللي مأصل ف دار المخزن.
المحيا ديال شداد كان كلو وقار؛ لحيتو كحلة ومقادة بحساب، ملامحو حادة وصارمة بحال حد السيف، وعينيه بحال عيون الصقر اللي مولف يشوف الفيافي والجيوش من بعيد. قدامو مائدة واطية د النحاس الأصفر لمرصع بالفضة، عليها زلايف دطين الاندلسي بالبللور وفوقها العشاء مأصل ومغطي بـالمكاكب دنحاس ؛ روائح اللحم بـالسفرجل المعسل وماء زهر، والخبز د القمح الزرع السخون طالعة ومخالطة مع ريحة العود القماري اللي كيزند ف المجمر النحاسي ف القنت د البيت.
غير حط عينيه على كنزة وهي داخلة بديك الفتنة والسر، تبدلات ديك النظرة الصارمة اللي كترعد الرجال؛ ترخاو كتافو شوية، وعينيه وسعوا وهو كيشوف هاد الغزال اللي جابو ليه الله تال بين يديه. تبسم واحد الابتسامة خفيفة، دافية وفيها هيبة الملك، وهز يديه اليمية—اللي فيها الخاتم بو حجرة كحلة—وفشار ليها بـأصابعو بكل وقار ولطف باش تقرب، وقال ليها بصوت رخيم وخاثر كيزلزل الروح:
— “قربي يا بنتي… قربي لـعند شداد، الليلة كمل السر، ونورات القصبة بوجودك.”
سمعت كلمته الدافية والموزونة: “قربي يا بنتي…”، حست براسها بحال يلا تزلزلات الأرض تحت قدميها. تما فين طغى عليها واحد الحياء عجيب وقاصح، حياء بنات الأحرار اللي مخبين ف الخيام ماشي حياء الضعف، بل حياء العز والنخوة.
عينيها الكبار الواسعين وحواجبها الناعمة عراض ومتولين في احسن صورة ، حادرتهم للزربية، ما قدرتش تهزهم وتشوف نيشان ف عيونو البياض الناصع ديال بشرتها، هاداك البياض الصافي اللي كيبق بـالنوّار وكيبري تحت ضوء الشموع بحال الثلج ف قمة الجبل، شعلت فيه واحد الحمرة طبيعية وسخونة د الحشمة، زادت داك البياض سحر ونور على نور، بحال يلا الورد تفرتت فوق الحليب.
تقدمت جيهته بخطوات ثقيلة ومحشومة، وثوب المنسج الرفيع اللي لابساه كان من الحرير الصافي المخلوط بالصقلي، توب رطب ومسبوك كيزلق على ذاتها ومع كل خطوة كيدير واحد التخسخيس حنين كيتسمع وسط السكات د البيت. يديها بجوج كانوا مخبين وسط الكمام العراض د هاد التوب الرطب، مزيرة بيهم على بعضياتهم وهي حاسة بالحرير كيزلق بين صباعها من كثرة الحياء والرهبة د المقام.شعرها المنسدل سحباته شوية بـ غريزة الأنثى المحشومة باش تغطي بيه عنقها وصدرها، وبقات غا ريحتها د ماء زهر المقطر والمسك الخاثر هي اللي كتهضر عليها وتسبق خطوتها.
وصلت تال قبالته، وقبل ما تجلس، وقفت وقفة خفيفة، حدرت راسها كثر وزاد الحياء صبغ وجهها الأبيض بالحمورية، وطاحت على ركابيها فوق البساط بـ واحد الرشاقة، وزلق التوب د الحرير موراها فوق الزربية بنعومة، وجلست ف الجنب ديال المائدة الواطية، عاطية بالجنب لـ شداد ومائلة وجهها جيه الأرض، ف قمة الأدب والحشمة د العروسة ليلتها الأولى.
شداد بقى متبع هاد الحياء الطاغي وهاد البياض اللي كيشع، وهاد الثوب اللي كيزلق مع حركاتها بحال الما، الجبابرة والسلاطين وخا كيبغيو المرة ت पोजي (تثبت) قدامهم، كيدوخهم هاد الحياء العذري الأصيل اللي كيبين كرامة البنت وعزها. والنظرة الصارمة ديال وجهه ذابت كليا، وهو كيشوف هاد اللوحة د الجمال والحشمة جالسة حدا مائدته.
حط مرفقو على المائدة النحاسية ومال جيهتها شوية، وبنبرة خاثرة، دافية وصوت فيه هيبة التملك ؟
قال ليها وهو كيتأمل ف ملامحها:
— “قولي ليا يا بنتي… لمن شبهتي ف هاد الزين كلو؟جمعتي سر الدنيا كله فهاد الحسن تبارك تبارك الله «
كلام السلطان والتبريكة ديالو نزلوا على كنزة بحال الدفى اللي سرى ف عظامها، وخا الحشمة كانت عاصرة قلبها. الحمرة زادت صبغات خدودها البيضين، وحدرات راسها كثر حتى زلق شعرها الكحل على حنكها، ومقدراتش تحبس واحد الابتسامة رقيقة خرجت منها على غفلة، وتحولات لـ واحد الضحكة خفيفة، محشومة وموزونة، غطات عليها بفم كمها الرطب د الحرير. ضحكة قصيرة بحال النغمة د وتر العود، بينات فيها سرارها وزادت البيت كلو نور.
كانت هادي أول مرة كيشوف ثغرها مبسم وأول مرة كتطرب ودنو هاد النغمة الحنينة وسط جناحو.، تنهد واحد التنهيدة طويلة مال جيهتها كثر، وبقات عينو متبعاها وهي كتغطي فمها بذاك الكم الرطب د الحرير،وقال
“ايوا هاكاك ..ضحكي نشوفو الجوهر !”
مد شداد يدو الرزينة بكل وقار، وتقدم جيهتها بتمهل حتى لقت صباعو طريقهم ليدها اليمية اللي كانت مخبعة وسط الكم الرطب د الحرير. غير حط يدو الدافية، حس بالنعومة د بشرتها البيضا وبديك الرعدة الخفيفة د الحشمة اللي سرات ف ذاتها. تما، قبط يدو على معصمها، تالين قاست صباعو داك الدمليج د الذهب العريض والمنقوش اللي كان مجموع على المعصم ديالها بحال قيد د النور، وبدا كيزلق ويتحك مع الحرير د الثوب، عاطي واحد الرنة خفيفة د النخوة.
زير على يدها بشوية، وبدا كيجرها عندو بـ لطافة وهيبة الملوك، باغي يقربها عندو طغى عليها الحياء لدرجة النطق هرب ليها. تخرط جير بياضها بـ واحد الحمرة سخونة، وتلفات ليها الهضرة، وبدات كتمتم بصوت حنين، خافت، وكيرعد بحال الغزال:
— “ا.. السلطان..طفي …طفي الشمع..”
بقى ثابت ف جلسته الملوكية، يده ما زال قابطة ف يدها الرطبة عند داك الدمليج د الذهب العريض المنقوش، ولكن عيون الصقر ديالو تبدلات فيهم النظرة الصارمة. رجعات فيهم واحد التبسمة زايغة ودافية، تبسمة د الراجل اللي داخ بالسر والقبول وبغى يزيد يجر هاد الغزال لـ عندو ويشوف الحياء ديالها فين غايوصل.
مال جيهتها كثر، وضغط على معصمها بواحد اللطف فيه هيبة السلاطين، وقال ليها بصوت رخيم وخاثر كيدوب ف الودن:
— “نوضي أنتِ… نوضي بطوعك وطفي الشمع”
ناضت واقّفة بخطوات موزونة وثقيلة بالحياء، وثوب المنسج الحريري الرطب كيزلق على ذاتها ويدير داك التخسخيس الحنين فوق الزربية المرعزية. مشات جيهة الشمعدانات الكبار اللي ف القنات د الديوان، وبدات كتحني وتطفي الشمعة تلو الشمعة بنفَسْ دافئ ومحشوم، ومع كل شمعة كتحيد، كان الضلام كيدخل للجناح وكيخلي غير الخيال د الفتنة ديالها كيتمايل.
بقى شداد متبعها بعينيه الزايغين، كيمتع نظره ف هاديك المشية الملكية وبياض عنقها وجبهتها اللي كيشع وسط الضلمة اللي ك تكبر.
ملي كملات الشموع د البيوت، رجعات جيهة المائدة الواطية د النحاس، حدرات راسها حتى طاح شعرها الكحل المسبوك على حنكها، ومدت يدها البيضا الساطعة، اللي كيبرق فيها الدمليج المنقوش، باش تطفي الشمعة الأخيرة والوحيدة اللي بقات شاعلة فوق المائدة ومنورة وجهها ووجه السلطان.
غير قرب فمها الصغير يطفيها، حتى مد شداد يده الرزينة القوية، وحطها فوق فوق الشمعة حبسها وما خلاهاش تطفي داك النور اللخراني. شاف فيها بنظرة دافية وثابتة، وقال ليها بصوت خاثر كلو هيبة:
— “خلي هادي… خليني غير نلمح هاد البياض وهاد الحشمة اللي ف عيونك.”
كنزة ف هاد اللحظة، وهي قريبة ليه والضو د الشمعة الأخيرة كيعكس حمرة خدودها، جمعات شتات قلبها اللي كيطيح ويطلع بالرهبة، وقالت ليه بنبرة فيها واحد الأمر حنين ومزير، صوت كيرعد بالأنوثة والحياء الطاغي:
— “لا.. طفيها..الله يسعدك يا السلطان.. طفيها.”
كلامها المزير والمحشوم كله فتنة رخى الشمعة، وناض ليها واقّف بهيبته وطوله الجبار. قبل ما تستوعب كنزة، كان قرب ليها حتى تلاقات أنفاسهم السخونة، ومد يديه القويين، دارهم مورا ضهرها وجمع ليها يديها بجوج اللور، شادهم بـ قبضة وحدة رصينة وفيها تملك الملوك.
قرب وجهه لـ وجهها، وعيون الصقر نزلو نيشان ف عينين كنزة الكبار الواسعين الكحلين. النظرة ف عينيه كانت حامية وفيها سطوة العشق، خلات كنزة يتقطع منها الحس كلياً، وتثبتات ف بلاصتها بحال الغزال اللي حاصرو السبع؛ النفس مبقاتش قادرة تخرجها من صدرها، وعينيها غرقوا ف عينية وهو كيشوف فيها بديك التبسمة الزايغة.
بلا ما يمهلها، ميل راسه وهبط لـ عنقها المبلل بماء زهر المقطر، وحط عليه بوسة حامية وخاثرة، بوسة دافية وسخونة تغلغلات ف لحمها الأبيض الصافي. مع ديك اللمسة، قفزات ذاتها وسرى فيها الحر وتلوى خصرها الرقيق بين يديه بحال لحرير وعظامها ترخاو كلياً مابقتش هازاها الأرض.
غير حس بيها تلوات وترخات ف يديه، هبط يديه اللخرى تحت منها وهزها بين دروعو بكل خفة ووقار، وثوب المنسج الرطب كيزلق ويتجمع. مشا بيها خطوات موزونة تال السرير الملكي، وحطها بـ لُطف فوق الفراش العالي د الحرير والبركار.
تكا عليها وبدا كيدوز يديه الرزينة القوية على حسن جسمها، كيتلمس النعومة د الحرير والمنسج اللي مغطي ذاتها الفاتنة. طلع يده بتمهل وجر الفوقاني د القفطان بشوية، وهو مأخوذ بنور بياضها، حتى وصل للسروال د الحرير اللي لابساه لتحت؛ لمح باللي السروال كان قصير، كيبين ساقها الأبيض الساطع والخلخال د الفضة اللي فيه.
شداد حط يده على السروال، وعقد حواجبو ، وقال ليها بصوت بحّان وخاثر كلو تملك:
— ” خطيك من هاد السراول ما تلبسيهمش ليا ف هاد الجناح…
خرجت كنزة من الصدمة د الجرة، وعينيها الكبار وسعوا بالدهشة والحياء الطاغي اللي عاود صبغ وجهها بالحمورية. زيرت على صدرها بفم كمها الرطب، وشافت ف الثوب د السروال اللي تقطع بين يديه، وقالت بصوت مبهوض، كتمتم
“هييهه!! نبقا نمشي بلا سروال؟!”
رجعات وجهه ديك التبسمة الزايغة الدافية اللي فيها تملك الرجال وسلطة الملوك. حط يدو بين فخادها دوزها على لحمها الرطب وبدا كيزير شوية بشوية ويزيد فالقوة حتى تأوه ثغرها قدام عينيه ، وشاف ف عينين الغزال اللي قبالته، وقال ليها بصوت رخيم، خاثر وموزون كلو هيبة ونخوة:
— “تخرجي لبرا لـ عند الناس؟ لبسي عشرة د السراول د الحرير والصقلي، وتحزمي بـ المضام الكبار د الذهب، وتغطي بالوقار اللي يليق بـ لالة العيالات… ولكن هنا، ف هاد الجناح، وعندي أنا… تجي بلاش، ما يحجب هاد البياض على عيني حتى ثوب.”
مال جيهتها كثر فوق الفراش د الحرير، وهبط يده القوية تلمس معصمها بـ واحد الثقل رزين، ضغط عليه شوية—ماشي بجهد، ولكن بـ ديك اللمسة الحامية اللي كتخلي الذات تفهم باللي الراجل اللي قبالتها هو السيد د المكان والزمان. قرب وجهه لـ وذنها، حتى حس بـ أنفاسها السخونة اللي بدات كتخطف، وقال ليها بصوت بحّان وخاثر كيزلزل الروح:
“ماثنيش كلامي ..فاش يتكلم سيدك كتحني الراس وطبقي”
كنزة، وهي حاسة بـ الثقل د يده والسطوة د نظراته، ترخات ذاتها كلياً وتلوى خصرها وسط الفراش. هاد “القوة اللينة” ديالو خرجت منها واحد الأنوثة دافية؛ بدات كتميل مع حركاته بحال العود د الخيزران، وعويناتها الكبار غرقوا بالدموع د الحياء
تنهدات واحد التنهيدة حنينة، وخرج منها واحد الصوت دلالي مخلط بالحشمة الطاغية، وهي كتحاول تخبي وجهها الأبيض الناصع ف صدره الأسمر العريض:
“يديي …اااح غلبتي عليا غلبتي عليا”
شاف هاد اللوحة د الضعف الموزون والدلال الأصيل، ووجْهُه تفتح بـ ديك التبسمة الزايغة الملوكية؛ عرف باللي السلاح ديالها هو هاد الحياء اللي كيزيد يشعل النار ف الجناح. هبط يده اللخرى ومسح ليها على شعرها الكحل المسبوك، وزاد جمعها لـ عنده كثر، باغي يذوق كل قطرة دلال خارجة من هاد الغزال اللي تاه بين يديه.
ووجْهُه تفتح بـ ديك التبسمة الزايغة الملوكية؛ عرف باللي السلاح ديالها هو هاد الحياء اللي كيزيد يشعل النار ف الجناح. هبط يده اللخرى ومسح ليها على شعرها الكحل المسبوك، وزاد جمعها لـ عنده كثر، باغي يذوق كل قطرة دلال خارجة من هاد الغزال اللي تاه بين يديه.
هبط شداد عليها بـ واحد القبلة حامية وخاثرة على فمها الصغير قبلة طويلة وموزونة كتقطر بـ الهيبة ف هاد اللحظة، تقطع الحس كلياً ف الجناح؛ كنزة تزلزلات ذاتها، وحست بـ الدنيا دارت بيها فاش تلاقاو شفايفها مع شفايف السبع الجبار. القبلة ما كانتش غا لمسة عابرة، بل كانت قبلة طويلة، دافية، وفيها نفس حامي من كثرة الرهبة والدلال اللي سرى ف عروقها، ترخاو كتافها تماماً وسط دروعو، ويدها البيضا اللي فيها داك الدمليج د الذهب العريض زلقات بـ غريزة الأنثى المعشوقة حتى حطاتها على كتافو العراض، كتشد فيه بحال يلا باغة تبت راسها من هاد الدوخة د العشق اللي نزلت عليها.
طالت القبلة حتى حس السلطان بلي الغزال ديالو داب كلياً بين يديه، وبلّات أنفاسها المخلوطة بـ ريحة ماء زهر كتعمر صدره. تما رخص الشفايف ديالو بشوية، ومال على عنقها الناصع يكمل كلام الشوق بـ قبلات حاميين ومتلاحقين خلاو خصرها يتلوى ونفسها يتخطف وسط الفراش د الحرير الرطب.
مابقا ليها جهد فالممناعة وهوا قلبها فوسط الفراش حتى تاهت وتجدرات من لباسها وتعرات ، نفجر جسدها مدفع ضرب فقلب الفراش. سحر خاص وحياء طاغي ، كتغطي صدرها فكل مرة قلبها على ضهرها وتغطي مؤخرتها فكل مرة قلبها على وجنبها حتى طابت ورجع وجهها حمر وتحقن الدم فشفايفها .
تكات على ضهرها وشعرها مزلع على بياض السرير .
فتح وجليها فالاعلى بحال قوالب السكر وعينيه فعينيها تايهين ونفسه حارقة كتقيس وجهها ودخل فجوفها فقلب القبلات .فلحضة الفتح زيرات على حجبانها وبغات دفعو لاكن بخفة جمع ليها يدها فوق الوسادة بجوج بيد وحدة، ومع الغمرة د اللقاء واللحم الطري كيزيد يتفتح بين يديه بـ الرضا والرفق،بذا كيردد وجبهتو على جيتها
— “بسم الله الفتاح… اللهم اجعل هذا الفتح فتحاً مباركاً، تفتح به قلوبنا للود، وبيتنا للبركة، وأيامنا للستر. اللهم بارك في هذا الميثاق، واجعله رباطاً غليظاً لا تفكه الأيام ولا تغيره الأحوال.”
تفتح اللحم الطري وداز الشرف حامي وقاني .. ف اللحظة اللي تفتح فيها اللحم الطري وبان الأمار، ذات كنزة الناعمة ما قدراتش تستحمل هاد الكمية د الأحاسيس المخلطة؛ بين الرهبة الطاغية، والألم العذري الأولى، والهيبة د السبع اللي فوق منها.
حسات بـ الدنيا دارت بيها، والنَفَسْ اتخطف من صدرها دقة وحدة. عويناتها الكبار المكللين بالشفر دابوا وغمضوا بـ تمهل، ويدها ترخاو ، راسها مال جيهة المخَدة د البركار، ووجْهها الأبيض الصافي رجع شاحب بحال الوردة اللي قاصها ريح الصبا، وفقدات الوعي تماماً
حين فتحت كنزة عينيها بتمهل، وأصاب وجهها الناصع برد ماء الزهر، وجدت رأسها مستنداً إلى ساعد السلطان شداد؛ ذلك الساعد المفتول الشاب الذي لفحته شمس الغزوات فصار كالنحاس المصقول. كانت الرعدة لا تزال تسري في أوصالها الغضة، فنظرت إليه بنظرات كحيلة يمتزج فيها وجل العذارى بحياء الفتح الأول، لتصطدم بطلعةٍ هماوية تفيض بهيبة الشباب ونخوةٍ تسد الأفق.
كان شداد في عنفوان شبابه، يجلس بجلسة الصُّلب وفراسة الصقر؛ لحيته السوداء المحددة بدقة تبرز حدة لحييه وقوة ملامحه الرجولية الحارة، وعيناه الواسعتان الحادتان تلمعان في عتمة الجناح ببريق الذكاء والسطوة وثقة من يملك زمام الأرض. كفكف ببرجمة إبهامه الكبيرة ذات العروق النافرة قطرات الماء عن وجنتي كنزة المشربتين بالحمرة، ثم ضمها إلى صدره الشاب العريض — كأنما يلف غزالاً ببرنس من أمان —نزلت هذه الكلمات — وتحديداً لفظة «ابنتي» بمدلولها العربي الأصيل في الحماية والأنفة — كالغيث البارد على روع كنزة؛ إذ أيقنت أن هذا الليث الشاب الهصور، الذي ترتعد لخطواته الرزينة الفيافي وتنقاد لأمره الجيوش، قد خلع قساوة الحرب وهيبة السلاطين عند عتبة جناحها، ليلبس لها رداء الأبوة الحامية والوجاهة المخزنية الرفيعة، فاستسلمت لحضنه آمنةً مصونة، وقد خمدت في جوفها كل ريبة.
غلغل شداد أصابعه القوية بين خصال شعرها الفاحم المطروح على وسائد البركار، مستمتعاً بشذا المسك والورد الذي يفوح من أثوابها. كان يرقب انتظام أنفاسها بعد تلك السكتة ، بينما كان الدم القاني المحلل يشق طريقه بتمهل ليرسم على الحرير الأبيض آية العفة والبيعة الأولى. تنفس السلطان الصُّعَداء، ونهض بحركته المهيبة الرزينة التي لا عجلة فيها ولا خفة، بل فيها خيلاء الفرسان الأقوياء. التفت حول جسده الفارع بردته المخملية الثقيلة المنسوجة بالخيوط الذهبية، فبدا كغمام أسود يحيط بقمة جبل. خطا خطوات ثقيلة لها وقع الوقار على الرخام نحو صندوق من خشب الأبنوس المرصع بالعاج، فتحه بيمينه واستل منه شاشاً من رقيق الحرير الأبيض النقي، ثم عاد إلى السرير وتناول أمار شرفها بتمهل وعناية، التفت إلى كنزة التي بدأت تسترد وعيها بالكامل، وتتحرك تحت غطائها المطرز بحياء طاغٍ، فدنا منها وسدَّ بظله الفارع الشاب ضوء الشموع سترًا لها، ثم قال بنبرة تحمل اعتزاز الفاتحين وفصل القضاء:
“لِلَّهِ دَرُّكِ مِنْ حُرَّةٍ صَانَتْ حِمَاهَا، وَحَفِظَتْ رَأْسَهَا وَرَأْسَ سَيِّدِهَا فَوْقَ السَّحَابِ!”
بينما كانت كنزة تلوذ بالصمت وتغض طرفها خجلاً أمام سطوته اللينة
مع شروق الشمس ، الدنيا ما زال يالاه كتنفس، حتى تفتحات الأبواب الكبيرة د الجناح بوقار، ودخلوا الخدم والماشطات الرفيعات، مشمرين على يديهم بالقفاطين الغالية المخزنية، والزغاريت خرجات من جوفهم خاثرة، متقونة، كتهز لحيط د القصر بلا ما تزعج هيبة المكان. القدام كانت “لوبانة” غادية بخطوة موزونة، هازة ف يديها طبق النحاس المرصع، فيه الفاخر زاند ورايح بـ العود القماري والند الغالي، وحداه قراعي د الفضة مقطر فيهم ماء زهر الصافي اللي عاطي ريحتو ف الجناح كلو.
كنزة كانت جالسة فوق السرير د البركار بحال الشميعة، حانية راسها المسبوك بـ الحياء الطاغي، ووجهها مشرب بالحمرة د الخجل، حتى دخلوا عليها الماشطات بالسلام والتحيات الرفيعة، هزوها بـ الرفق والوقار، مجمعين عليها بالزغاريت اللينة والبخور كيدور عليها، وخرجوها جيهة الحمام الرخامي السلطاني اللي كان واجد وسخون. تما، بداو يطبقو عليها طقوس الفتح الأولى؛ نزلوها ف الما الدافئ المخلط بـ المحلب والمسك المذاب تسترخي ذاتها الناعمة وتزول منها رهبة الليلة الأولى. الماشطات كيكبو عليها الما المقطر بشوية ويسبكوا شعرها الكحل الطويل، ولوبانة واقفة عند الراس كتدعي ليها بـ السعد والذرية الصالحة وتبخر التوايب الجديدة.
من بعد ما كمل الغُسل والصفاء، ونشفو ذاتها بـ شاش الحرير الرطب وبخروها بالمسك الجامد، رجعوها لـ بيتها وجناحها مكللة بـ الزغاريت والسر الطالع. لبسوها “ثوب الصباحية”؛ قفطان من الديباج الأخضر الملكي المنسوج بالذهب المطروز باليد ، وحطو على راسها الشربوش المرصع بالجوهر الحر.
حطوها فوق المنصة العالية د الوسائد بحال الملكة المتوجة. وف هاد اللحظة، دخلت لوبانة والخدم هازين مائدة “الصبوح” الفاخرة؛ طباقي د الفضة فيهم الخبيص بالتمور والسمن الحار، والفالوذج، وكيسان د العصير د الرمان البارد واللبن الممسك اللي كيرد الروح.
ما زالت كنزة جالسة فوق منصة الوسائد العالية كالملكة المتوجة، وعطر المسك وماء زهر يفوح من قفطانها الأخضر الملكي، حتى تحركت الستائر الحريرية الثقيلة، وساد الجناح صمتٌ مطبق يحمل هيبة ساطعة؛ أعلن عن دخول السلطان
دخل بعنفوان شبابه وخطواته الرزينة الثقيلة،لباس فروستيه المهيب اللي كيليق عليه وعلى شخصته زادو هبة ، . لم يكن بمفرده، بل كان يتبعه خادمه الأمين “مرجان” وهو يحمل بين يديه طبقاً كبيراً من النحاس المرصع بالعاج، مغطى بمنديل من الحرير الديباج الأحمر المخيط بأسلاك الذهب قدمه ليد لبانة خلف الابواب .
توقف شداد أمامها ، وأومأ للبانة برأسه إيماءة واحدة صامتة، فتقدمت بخضوع ووضعت الطبق بين يدي كنزة، ثم انحنت وانسحبت إلى الخلف بوقار.
مد السلطان الشاب كفه القوية ذات العروق النافرة، ورفع المنديل الحريري ليكشف عما في الطبق، فلمعت العيون وانبهرت الأنفاس؛ كانت “الرضوة السلطانية” تفيض بالفخامة في الوسط، استقر طوقٌ من اللؤلؤ البحري الحر النادر (المخَنَّقة)، حباته غليظة وناصعة البياض كأنها قطرات من ضوء القمر تليق بعنق غزالته.
وبجانبه خلخال ذهبي دكّاني ثقيل الوزن، منقوش بنقش الملوك الظاهر، صُنع خصيصاً لتكون لخطواتها في القصر رنة العز والسيادة.
وإلى جانب الحلي، وضعت صرّة من الديباج الأحمر محشوة بمئتي دينار ذهبي حامي من ضرب بغداد، كمالٍ خاص وتصرفٍ مطلق لسلطانة الحصن الجديدة.
أمام هذا الكرم الرفيع، زاد حياء كنزة وغضت طرفها كحيل العينين إلى الأرض، مشربة الخدين بالحمرة. دنا منها شداد، وسد بظله الفارع وعنفوان رجولته ضوء النافذة، ثم وضع يده الدافئة على جبهتها ومسح عليها برفق وأناة، ونطق بصوت جوفي، عميق، خاثرٍ فيه بحة الملوك وفصاحة الحكام قائلاً:
— «هَذِهِ رَضْوَةُ العِزِّ يَا سَيِّدَةَ الحِصْنِ، . قَلِيلٌ فِي حَقِّ مَنْ صَانَتْ حِمَاهَا، وَحَفِظَتْ نَفْسَهَا، وَرَفَعَتْ رَأْسَ سَيِّدِهَا فَوْقَ السَّحَابِ! هَنِيئَاً مَرِيئَاً لكِ”
التفتت كنزة بتمهل وحياء، وعيناها الكحيلتان ترمقان تلك الخيرات الموضوعة في الطبق، لكن السلطان لم يكتفِ بالذهب واللؤلؤ؛ بل أراد أن يقطع دابر الطامعين ويثبت ملكها في حصنه بـ صك التمكين الأرضي.
مد يده القوية إلى حزامه المخملي، واستل منه رقاً غزيراً ملفوفاً بعناية، مكتوباً بخط الثلث الرفيع بماء الذهب الخالص، ومختوماً بخاتمه السلطاني الحامي. وضعه فوق صرّة الدنانير بوقار الملوك، وسد بظله الفارع ضوء النافذة تظليلاً لها، ثم نطق بصوته الجوفي، العميق والخاثر، قائلاً بفصاحة سلاطين
— «وَهَذَا كِتَابُ الرِّضْوَانِ وَصَكُّ التَّمْكِينِ يَا ابْنَتِي، مَكْتُوبَاً بِالعِزِّ وَمَخْتُومَاً بِالعَهْدِ؛ فَقَدْ جَعَلْتُ لَكِ الجَنَاحَ الشَّرْقِيَّ لِهَذَا القَصْرِ المَنِيعِ بِأَبْوَابِهِ، وَبَسَاتِينِهِ، وَخَدَمِهِ، وَحَرَسِهِ، مِلْكاً خَالِصَاً لَكِ وَلِعَقِبِكِ مِنْ بَعْدِكِ. لَا يُشَارِكُكِ فِيهِ شَرِيكٌ، وَلَا يَعْلُو فِيهِ أَمْرٌ فَوْقَ أَمْرِكِ. خُذِيهِ بِيَمِينِكِ يَا سَيِّدَةَ الحِصْنِ، فَمَا كَانَ جَزَاءُ مَنْ حَفِظَتْ رَأْسَهَا وَصَانَتْ عِرْضَ سَيِّدِهَا إِلَّا أَنْ تُتَوَّجَ بِالمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ.»
تقدمت لوبانة والخدم بانحناءة إجلال وعيونهم مبهورة بهاد الحظوة الكبيرة، وتقدمت كنزة بـ يد كترعد بـ الحشمة، وتسلمت الصك المذهب وقبلته وووضعته فوق راسها بـ أدب بنت الأحرار، وسط زغاريت الخدم اللي عاودت تطلقات لينة ودافية ف أرجاء الجناح الشرقي، اللي ولى من هاد الصباح ملكها وشاهد على نصرها وعزها.
حلات الرق بـ واحد الجدية عمياء وعاقدة والبسمة على وجهها حلاتو بالمقلوب!
رجعو الحروف كيشوفو فالارض والختم السلطاني هارب ليها الفوق. بقات كنزة مبحلقة ف الورقة، وتقربها لعينيها وتبعدها، وتقلب راسها المسبوك يمنة ويسرة بـ واحد الملامح د “العلماء” كأنها كتحلل ف مرسوم ديوان الخلافة، وهي ف الحقيقة كتشوف ف الحروف المقلوبة بحال الطرز دالنطع
شداد، اللي كان واقف بـ طوله الفارع وعنفوان شبابه، كيرقب الحركات ديالها بـ عيون الصقر، انتبه للورقة المقلوبة ف يديها. ايلى كان كيزلزل الجيوش بـ كلمة، ف هاد اللقطة خلاتو يحبس واحد الابتسامة عريضة ف وسط لحيته المحددة بلا ميحرك شفتيه لاكن بان التعبير فعينيه .
الخدم والماشطات اللي كانوا دايرين بيها وعلى رأسهم لوبانة، مشاو عينيهم نيشان ليها وهما مهبطين الراس ، حيا وموت د الضحك دازت ف عروقهم، ولكن هيبة الشداد واقف كالجبل خلاتهم يحصروا النفس؛ تنكسو وخلاوها فالجوف عاقدين الشفايف وكيزيروا على كمام قفاطنهم باش ما تخرجش منهم حتى ضحكة تفضحهم قدام السلطان. الجناح كلو ولى فيه واحد الصمت محيّر، والخدم راسهم ف الأرض وعينيهم كيدوروا ف الجناب
ف الوقت اللي الامور غادية كما خطط ليها السلطان ، تسمعات دقة قاصحة، رتيبة، ومزروعة ف الباب الكبير د الجناح.
جمع المجمع بنضرة وحدة ، ودخل الحاجب راسو فالارض وعينيه ف الارض لي تحت اقدامو بـ وقار، ويديه هازة قصبة د الفضة مخشي فيها “مكتوب مختوم بـ الشمع الأحمر” ومبلل بـ ملوحة البحر. شداد غمز لوبانة تخرج، وقبط المكتوب، غير شاف الختم عرفو د الوزير ديالو ف الأندلس (الكاتب السري اللي هاز لية الشغل تما).
حلّ المكتوب وعينيه الصيّادة كتقرى السطور، وملامح وجهه بدات كتقساح وعروق جبهته خرجوا.
«إِلَى مَقَامِ مَوْلَانَا السُّلْطَانِ المُعَظَّمِ شَدَّادٍ الأُمَوِيِّ، صَاحِبِ التَّاجِ وَالعَرْشِ فِي قُرْطُبَةَ، حَفِظَ اللهُ مُلْكَهُ وَأَدَامَ نَصْرَهُ بِحِصْنِ شَالَةَ..
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ نَفَدَ الصَّبْرُ وَأَطَلَّتِ الفِتْنَةُ بِرَأْسِهَا فِي بَلَاطِكَ، وَاعْلَمْ يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ مُنْذُ أَنْ غَادَرْتَ عَقْرَ دَارِكَ قَبْلَ سَنَتَيْنِ خَلَتَا، لِتَقُودَ عَسْكَرَكَ نَحْوَ العُدْوَةِ لِتَأْسِيسِ ثَغْرِ شَالَةَ المَنِيعِ، كُنَّا نَضْبِطُ البِلَادَ بِسُلْطَانِ اسْمِكَ. لَكِنَّ الأَدْوَاءَ الدَّاخِلِيَّةَ قَدْ تَحَرَّكَتْ فِي غَيْبَتِكَ؛ فَقَدْ نَقَضَ الثُّوَّارُ مِنْ بَنِي حَفْصُونَ عُهُودَهُمْ الَّتِي قَطَعُوهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاسْتَغَلُّوا بُعْدَ جُيُوشِكَ المَخْلُوصَةِ عَنِ الأَنْدَلُسِ، فَأَغَارُوا عَلَى مَرَافِئِ مَالَقَةَ وَقَطَعُوا طُرُقَ المَدَدِ وَالخَرَاجِ الصَّاعِدِ إِلَيْكَ.
وَمَا زَادَ الجَمْرَ اتِّقَادًا، أَنَّ بَعْضَ طَوَاغِيتِ الدِّيوانِ هُنَا بَدَأُوا يَهْمِسُونَ بِالعِصْيَانِ، مُسْتَغِلِّينَ انْشِغَالَكَ بِتَأْسِيسِ شَالَةَ لِيَقْلِبُوا بِسَاطَ الحُكْمِ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِنَا، وَقَدْ حَاصَرُوا مَخَازِنَ الذَّهَبِ السُّلْطَانِيِّ الَّتِي كُنَّا نُمِدُّكَ بِهَا لِبِنَاءِ أَسْوَارِ العُدْوَةِ.
، وَإِنَّ رِجَالَكَ لَفِي ضِيقٍ وَحِصَارٍ.. فَالعَجَلَ العَجَلَ، أَدْرِكْ مُلْكَكَ بِالصَّرِمِ وَالخَيْلِ، فَإِنَّ عِزَّ شَالَةَ مِنْ عِزِّ قُرْطُبَةَ، وَإِنْ هَوَتِ العَاصِمَةُ ضَاعَ التَّأْسِيسُ!»
مزق المكتوب بقيضة يدو وخرجات من عينيه شرارة حمراء غيرات ملامح وجهه !
، دار بـ زربة، وعينيه فيهم الموت والشرر د السلاطين، و الحاجب
كيجري وراه والأنفاس ديالو مقطوعة وهو ك يبلّغ الأوامر: «الديوان الطارئ ف البلاصة! اجمعوا القادة الكبار ف قاعة السلاح!»
دَخَلَ السُّلْطَانُ، فَسَادَ الصَّمْتُ المُطْلَقُ فِى أَرْجَاءِ القَاعَةِ الَّتِي غَصَّتْ بِقَادَةِ الجُنْدِ الأَنْدَلُسِيِّينَ ، تَقَدَّمَ شَدَّادٌ حَتَّى صَدْرِ المَجْلِسِ، ثُمَّ أَرْسَلَ صَوْتَهُ الخَاثِرَ الرَّعِيدَ يَقُولُ:
«مَعَاشِرَ القَادَةِ .. جَاءَنَا مَكْتُوبُ الثَّغْرِ مِنَ الأَنْدَلُسِ، وَإِنَّ الفِتْنَةَ قَدْ أَطَلَّتْ بِرَأْسِهَا فِى قُرْطُبَةَ! لَقَدْ نَقَضَ الخَوَنَةُ وَثُوَّارُ الجِبَالِ عُهُودَهُمْ، وَأَرَادُوا قَلْبَ بِسَاطِ الحُكْمِ فِى غَيْبَتِنَا. وَإِنِّى لَرَاقِبٌ مَتْنَ البَحْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِفُرْسَانِ الحَرَسِ الخَاصِّ لِأَطْحَنَ رُؤُوسَ العِصْيَانِ فِى عَقْرِ دَارِنَا.»
التَفَتَ السُّلْطَانُ بِعَيْنَيْهِ الصَّيَّادَتَيْنِ نَحْوَ كَبِيرِ قَادَتِهِ وَرَجُلِهِ الحَدِيدِيِّ، وَنَادَى بِاسْمِهِ جَهْرًا:
«أَيْنَ أَنْتَ يَا سَلْمَانُ؟»
تَقَدَّمَ القَائِدُ سَلْمَانُ بِقَامَتِهِ المَهِيبَةِ وَحَنَى رَأْسَهُ وَقَارًا، فَخَاطَبَهُ السُّلْطَانُ بِصَرَامَةٍ مَلَكِيَّةٍ:
«يَا سَلْمَانُ.. لَقَدْ جَعَلْتُكَ وَالِيًا عَلَى حِصْنِ شَالَةَ، وَسَيْفِيَ المُطْلَقَ فِى رِقَابِ العِبَادِ ، الحِصْنُ وَالعَرِيْنُ أَمَانَةٌ فِى عُنُقِكَ، فَأَيُّ رَأْسٍ نَبَتَ فِيهِ الغَدْرُ دَاخِلَ هَذِهِ الأَسْوَارِ أَوْ خَارِجَهَا، فَاقْطَعْهُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ!»
ضَرَبَ السُّلْطَانُ شَدَّادٌ بِيَدِهِ الثَّقِيلَةِ عَلَى مَائِدَةِ الخَشَبِ العَتِيقِ، حَتَّى اهْتَزَّتْ لَهَا جَوَانِبُ القَاعَةِ، وَخَتَمَ قَوْلَهُ:
وَقَفَ القَائِدُ سَلْمَانُ، وَضَرَبَ بِقَبْضَتِهِ عَلَى دِرْعِ صَدْرِهِ، وَصَاحَ بِصَوْتٍ جَهُورِيٍّ:
«بِالذِّمَمِ وَالرِّقَابِ يَا مَوْلَايَ السُّلْطَانَ! لَتَكُونَنَّ شَالَةُ صَخْرَةً تَتَفَتَّتُ عَلَيْهَا نِصَالُ الأَعْدَاءِ
الْتَفَتَ نَحْوَ حَاجِبِ الدِّيوَانِ وَقَائِدِهِ الحَدِيدِيِّ سَلْمَانَ، وَنَطَقَ بِصَوْتِهِ الخَاثِرِ الصَّارِمِ:
«أَرْسِلَا المَرَاسِيلَ فِى الحَالِ نَحْوَ مَضَارِبِ زَنَاتَةَ! لِيُؤْتَ بِالشَّيْخِ المَيْمُونِ إِلَيْنَا ..فَإِنَّ لَنَا مَعَهُ أَمْرًا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ.»
ف الجناح النَّسوي د القصبة، بعيد على حس الرجال والسياسة، كان كاين واحد الرياض هماوي، صبّاحي، مشمّش ومعرّي للسما، السواري ديالو عالية والعرصَة لداخل عامرة بـ شجر الرنج والياسمين اللي كيرش ريحته مع النسمة د لقرّية.
تفتحات الأبواب الكبار د اللوح المنقوش، وبداو داخلين نسا القبائل الكبار، الشان والمرشان، الماشطات، والوجوه الغالية. الطفلة تلو الطفلة، النخوة د لعيالات مقبلة؛ كل وحدة فيهم مكسيّة بـ “المنصورية” و**”الدفينة”** د الموبرة الحرة والثوب السقلي المخرّق بـ اليد، مبرومين بـ المضمّات د الذهب والفضة المشرّفة، والخوابي د الجوهر واللبّات ك يبرقوا على الصدور الوافية. المشيات رازنة بـ ثقل الخلاخل ف الرخام، والزغاريت بدات ك تطلع وتشرك، زغرودة تلوى الزغرودة حتى رجعات السما د الرياض ك تلاوح بـ الفرح.
وف وسط الصحن د الرياض، تفرشوا الزرابي الحصارى، وجلسوا نسا جيلالة والغياطيات والماشطات الكبار هازين البنادر والتعاريج الطينية المدبوغة بـ الحنا.
«ها دِيرِيكْ لَكْ.. هَا السَّعْدْ جَاكْ.. يَا لَالَّة كَنْزَة العَزْ مْوَاتِيكْ!»
بدات الدقة ك تسخن، والربيع د البنادر ك يزلزل الحيط الصم د القصبة. الصوت د العيالات طالع بـ لغنى التراثي القديم، رتامي وخاثر، والزغاريت ك تقطع النفس.
ف هاد الروينة د الفرح والزهو، ناضت كنزة بقامتها الواقفة بحال النخلة. قفطانها الأخضر الملكي المنقوش بالصم المبروم كان ك يجر وراه الهمّة د الأحرار. حطّات يدها المبرومة على حزامها، ودخلت لـ وسط الحلقة د النسا. بدات ك تشطح بوقار مرت السلطان وتبسم بحياء العروس ؛ مشيتها ك تركّز ف الرخام بـ الميزان، مع كل دقة د بندير ك تميل بـ الشان، وكتفتل بـ يديها الصغار ف الهوى كأنها ك تملك القصر ومواليه.
العيالات داروا بيها حلقة، يصفقوا بـ الكف الحامي ويولولوا:
«يَا بَاضَّة العَرْشْ مَايْلِي.. يَا زِينْ الجْبَالْ المَايْلِي!»
ولوبانة واقفة ف الجنب، شادة بندير صغير وك تزير الدقة بـ الضحكة الفرحانة ديالها، وعينيها على لالة كنزة اللي ولات هي قمر هاد الرياض. الزهو شعل ف الصحن، والبنادر ك تكلّم، وكلشي غارق فالنشاط وكل مرة تنوض وحدة تشطح. الطبايق دالتمر والفاكهة كتفرق والخدم يرشو فالزهر على النسا ، ما دارين بـ المكتوب الحامي اللي عاد تقرى ف ديوان الرجال ولا بـ الغبرة د السفر اللي ك تتسنى
مع أذان المغرب، بدات الضبابة د الليل كتنزل ثقيلة على أسوار شالة العسكرية، والصوت د الله أكبر كيتلاوح بين الأبراج الطينية والشرَافات اللي واقفين فيها الرُّماة. الحصن لداخل مزموت، وما فيهش حس النزهة؛ غير ريحة العلف، وحس الخيل كتحمحم ف المَربط، وخطوات العسكر بـ الحديد كتحك ف الحجر.
ف قاعة السلاح الكبرى، شعلوا المَسارج د الزيت اللي مطلّعين دخان كيكوي العينين. شداد كان واقف ف الظل جيهة السواري العريضة، حاط يده على خنجره المرصع ف الحزام، والقائد سَلْمَان واقف جنبو بحال السور د الحجر، يديه على مقبض سيفه وعينيه متبعين الباب.
تفتحات البوابة التقيلة د اللوح، ودخل الشيخ المَيْمُون، شيخ زَنَاتَة المَهيب. دخل بـ جلسته الطويلة الهماوية، لابس برنسه الحار د الصوف الأبيض اللي مكمش بـ غبرة الطريق د السفر. غير حط رجليه ف الصحن د القاعة، دارت عينيه الصيّادة د جبال الفيافي ف البلاصة.
الشيخ الميمون كيعرف شداد هادي سنين، كيعرف شوفته وعارف الميزان د وجهه ف أيام الرخا والشدة. ولكن هاد الليلة، غير قرب وضوا عليه المشعل د الزيت، انقبض قلب الشيخ وحس بـ شي حاجة ماشي هي هذيك.
وجه السُّلطان شداد ما كانش هو الوجه د العريس اللي عاد تزوج بنته!
، ولا الوجه د السلطان اللي مولف يبتسم بـ النخوة والمودة لـ حلفائه؛ ملامحه المسبوكة كانت قاصحة بحال الحجر د السور، وعينيه فيهم واحد الغيرة حامية وصرامة غريبة كتقطع الهدرة ف الحنجرة. حتى التكميشة اللي بين حواجبه كانت كتقول باللي العرين لبرّا شاعلة فيه العافية.
وقف الشيخ الميمون، وقبل ما ينطق بـ كلمة السلام، بقا كيشوف ف هاد الاختلاف المخيف ف وجه شداد، وحس باللي هاد الدخلة د الليل وراها خطة د الدم والحديد غاتقير كاع الشغل ف شالة.
. انْحَنَى الشَّيْخُ بِرَأْسِهِ وَقَارًا وَأَلْقَى سَلَامَ المُلُوكِ، ثُمَّ نَطَقَ بِصَوْتٍ رَزِينٍ يَشُوبُهُ التَّرَقُّبُ:
«السَّلَامُ عَلَى مَوْلَانَا السُّلْطَانِ المَنْصُورِ..
«السلام على مولانا السلطان.. خير رينا يا سليل الأمجاد. ما عهدنا ف وجهك هاد الكسوف ف ليالي الفرح، وإني كنشوف ف عينيك نار حامية لا تبقي ولا تذر.»
خَطَا السُّلْطَانُ شَدَّادٌ نَحْوَهُ، وَيَدُهُ الثَّقِيلَةُ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى مَقْبِضِ خَنْجَرِهِ المُرَصَّعِ فِى حِزَامِهِ، فَأَطْلَقَ صَوْتَهُ الخَاثِرَ
خَطَا السُّلْطَانُ شَدَّادٌ نَحْوَهُ بـِ خُطُوَاتٍ مَلَكِيَّةٍ رَزِينَةٍ، وَيَدُهُ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى مَقْبِضِ خَنْجَرِهِ المُرَصَّعِ فِى حِزَامِهِ، فَأَطْلَقَ صَوْتَهُ الخَاثِرَ
«أَهْلًا بِكَ يَا شَيْخَ الشاوية ، .. لَيْسَ ثَمَّةَ كُسُوفٌ، بَلْ هِيَ مَهَامُّ المُلْكِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي. اعْلَمْ أَنَّنِي رَاقِبٌ مَتْنَ السُّفُنِ بَعْدَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ عِائِدًا إِلَى دَارِ خِلَافَتِنَا بِقُرْطُبَةَ لِتَرْتِيبِ شُؤُونِ البَلَاطِ وَإِمْضَاءِ أُمُورٍ سُلْطَانِيَّةٍ تَسْتَدْعِي حُضُورَنَا بِنَفْسِنَا.»
وَقَفَ شَدَّادٌ مُعْتَدِلًا بِنَامُوسِ السَّلَاطِينِ الوَاثِقِينَ، وَحَدَّجَ الشَّيْخَ بِنَظْرَةٍ قَاطِعَةٍ، ثُمَّ تَابَعَ:
«يَا شَيْخُ مَيْمُونُ.. تَذْكُرُ مَا حَسَمْنَاهُ بَيْنَنَا مُؤَخَّرًا، وَتَذْكُرُ العَهْدَ الوَثِيقَ وَالدَّيْنَ الَّذِي طَوَّقَ جِيدَكَ لِآلِ أُمَيَّةَ؟ لَقَدْ جَاءَ المِيقَاتُ لِتُوفِيَ بِكَلَامِكَ كَامِلًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ. دَيْنُكَ اليَوْمَ أَنْ تَسُوقَ لَنَا مِنْ فُرْسَانِ زَنَاتَةَ وَأَحْرَارِهَا حَامِيَةً شَابَّةً غَضَّةً مِنْ خِيرَةِ رِجَالِكَ، بِخُيُولِهِمْ وَعَتَادِهِمْ، لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ ذُو بَأْسٍ.»
رَفَعَ الشَّيْخُ المَيْمُونُ حَاجِبَيْهِ وَأَصْغَى، فِيمَا أَكْمَلَ السُّلْطَانُ بِيَانَهُ السُّلْطَانِيَّ دُونَ أَنْ يَكْشِفَ سِرَّ فِتْنَةِ الأَنْدَلُسِ:
«هَذِهِ الجُنُودُ الجُدُدُ سَيَدْخُلُونَ أَسْوَارَ هَذَا المُعَسْكَرِ فِى شَالَةَ، لَا لِيَحْرُسُوا الحَجَرَ فَحَسْبُ، بَلْ لِيَكْبُرُوا فِى صَحْنِهِ، وَتُصْهَرَ نُفُوسُهُمْ عَلَى يَدِ قَادَتِنَا الأَنْدَلُسِيِّينَ. نُرِيدُهُمْ أَنْ يَتَشَرَّبُوا فِى هَذَا الثَّغْرِ رُوحَ الرِّبَاطِ وَالعَصَبِيَّةِ لِهَذَا الحِصْن النَّاشِئِ، فَتَصِيرَ حَمِيَّتُهُمْ لِشَالَةَ كَحَمِيَّتِهِم| لِقَبَائِلِهِمْ، وَتُنْبِتَ فِى قُلُوبِهِمْ طَاعَةُ الرَّايَةِ وَالوَلَاءِ لِدَوْلَتِنَا.. فَيَكُونُوا هُمُ الدِّرْعَ الآدَمِيَّ لِهَذَا المُعَسْكَرِ فِى مَغِيبِنَا.»
ثُمَّ أَوْمَأَ السُّلْطَانُ نَحْوَ سَلْمَانَ الرَّابِضِ كَأَنَّهُ شِقٌّ مِنَ السُّورِ:
«أَنَا مَاضٍ فِى رِحْلَتِي، وَقَدْ خَلَّفْتُ لَكُمْ هُنَا سَيْفِيَ الصَّارِمَ، القَائِدَ سَلْمَانَ، وَالِيًا مُطْلَقًا عَلَى حِصْنِ شَالَةَ وَمُعَسْكَرِهَا. هُوَ مَنْ سَيَنُوبُ عَنِّي فِى كُلِّ أَمْرٍ، وَهُوَ مَنْ سَيُشْرِفُ عَلَى جَمْعِ رِجَالِكَ وَتَدْرِيبِهِمْ وَزَرْعِ نَامُوسِ الجُنْدِيَّةِ فِى نُفُوسِهِمْ. طَاعَتُهُ مِنْ طَاعَتِي، وَأَمْرُهُ أَمْرِي
صَمَتَ السُّلْطَانُ وَعَيْنَاهُ تَخْتَرِقَانِ وُجُومَ الشَّيْخِ. زَمَّ الشَّيْخُ المَيْمُونُ شَفَتَيْهِ بِعَزْمٍ حَارّ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ القَاسِيَةِ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ جَاوَبَهُ بـالدارجة المغربية:
«السمع والطاعة لسلطاننا.. الكلام هو الكلام، والعهد مقضي كيف شرطنا وحسمنا النية. . حنا غانزرعوا ولادنا ف هاد المعسكر حتى ينبتوا فيه جنود قاصحين، يحميوا الثغر ويموتوا دون رايتك الشريفة.»
التفت السُّلطان شداد نَحْو الشيخ الميمون، وعينيه ك يبرقوا بـ داك الذكاء السياسي اللي ما ك يقشعو حد، ، وَاعْلَمْ أَنَّ صَوْنَكَ لِلْعَهْدِ هُنَا فِى شَالَةَ، هُوَ صَوْنٌ لِمَقَامِهَا هُنَاكَ فِى قُرْطُبَةَ.»
الشيخ الميمون تباغت بـ هاد الأمر، وعينيه دارت ف البلاصة؛ فهم بلي شداد بـ هاد الخطة ذكي بزاف ومطوّق الشيوخ كاملين.. دا ليهم بنتهم لـ عقر داره باش تا واحد ما يجرؤ يتحرك ف غيابه. ولكن ف نفس الوقت، حس بـ النخوة حيت بنته غايولي عندها مقام ، والى ولدات ليه غيكبر حتى مقامو هوا ويعلى راسو ،ودرع السلطان ليه كتشكل قوة كبيرة بيناتهم صعيب على الشيوخ لاخرى يفرضو أرائهم بالقوة !
ضرب الشيخ الميمون على صدره،وقاال
لالة كنزة بنت الأحرار، والشرَف ديالها من شرفك. مادام غادية معاك لـ دار الخلافة، كون هاني من جيهة لبلاد؛ خيل زناتة وفرسانها غايوليو سور د الحجر ف شالة تحت يد القائد سلمان. سير بـ الأمان د الله،
رد السلطان باشارة من عينيه كعلامة رضى وقال
. إِنَّ شَالَةَ هَذِهِ التِّي نَقِفُ فِيهَا يَا شَيْخُ، لَيْسَتْ أَمْصَاراً لِلْمَعِيشَةِ، وَلَا أَسْوَاراً لِلرَّفَاهِيَةِ وَالسَّكَنِ، بَلْ هِيَ ثَغْرٌ لِلرِّبَاطِ، وَحِصْنٌ عَسْكَرِيٌّ صارم ، لَا يَصْلُحُ فِى هَذَا التَّأْسِيسِ لِلْمُخَدَّرَاتِ وَالنِّسَاءِ. مَقَامُ بِنْتِ الأَحْرَارِ سَيَكُونُ فِى بَلَاطِ الخِلَافَةِ بِقُرْطُبَةَ حَيْثُ تُرْفَعُ الرُّؤُوسُ..امضي يا شيخ ميمون بوادع ابنتك قَبْلَ أَنْ نَمْخُرَ عُبَابَ البَحْرِ
ف وسط العرْصة النَّسوية، كان الزهو عاد واصل للرأس؛ البنادر كيزيدوا يسخنوا، والعيالات دايرين حلقة بحال القمر، وكنزة ف الوسط عاد شادّة الرديح بـ همّتها وقامتها الواقفة، والزغاريت كتشق السما د الرياض ومخلية كاع النسا ناشطين مع العروسة الجديدة.
ف هاد الغمرة، تسلّلات لوبانة الخويدم من الجنب، عينيها مقلوبين بـ الدهشة ورازنة المشية باش ما تعيقش بيهم. قربات لـ عند لالة كنزة، وحطات يدها على كتفها وبغات ليها ف ودنها تحت حس الدقة:
«لالة كنزة.. لالة كنزة، حبسي الشطيح الله يرضي عليك. راه الشيخ الميمون باك ف بيت الضياف المستور جيهة المخرج د الجناح، وبغاك ف الحين..
تخطف لون كنزة وتبدلات مشيتها ف البلاصة. سلتات يدها من وسط الحلقة بـ الحياء، وتبعات لوبانة اللي غادية وتسترها بـ الجلايل د القفطان حتى خرجوا من الصخب د البنادر ودخلوا لـ واحد بيت الضياف مستور، السارية ديالو مضقية، والمَسارج د الزيت يالله منورين السجاد لَرضي.
غير حلات لوبانة الباب ودخلت كنزة، بان ليها الشيخ المَيْمُون واقف ف صدر البيت بـ طوله ونخوته د الأحرار. كان كيشوف فيها بواحد الابتسامة د الفخر والرضا، وعينيه مغرورقين بـ الفرحة وهو كيشوف بنته بـ قفطانها الصم الملكي وحليها ك تبرق بحال السلطانات.
تأدبات كنزة بـ أدب بنات القبائل؛ خَطات خطوات حانية، وقربات لـ عند باها بـ الميزان، هزات يده القَاسِيّة د الخيل وباسَت عليها بـ التوقير والإجلال، وثبّتات راسها للأرض.. حانية عينيها ف الزربية بـ الحشمة د العروسة، ما قدراتش تهز فيه العين من الحياء ووقار الأبوة.
حط الشيخ الميمون يده الثقيلة على راسها، وتنهد تنهيدة د الحنان، وقال ليها بصوته الرزين:
«الله يرضي عليك أ بنتي.. الله يثبت سعدك ويجعل أيامك كلها نُوَّار. كبرتي وبان شانك، ووليتي لالة العيالات وسيدتهم ف هاد لبلاد.»
سكت الشيخ شوية، وزاد قرب لـ عندها، وبدل نبرة صوته باش يعلمها بـ المكتوب:
«أ بنتي كنزة.. جا الميقَات د السفر. السلطان شداد عاد أمر بـ الرحيل هاد الليلة، ومغاديش يخليك هنا ف هاد الحصن العسكري د شالة؛ راه الحصن غير حجر ومعسكر د الجند، وما يليقش بـ مقامك. دابا غاتجمعي الوقفة وتربْطي حزامك، حيت غادية تركبي مع راجلك السُّلطان ف مراكب البحر هاد الساعة، وغاتسافري معاه لـ دار الخلافة ف قرطبة، تما فين غاتكوني سلطانة بـ عزك وشانك ف بلاد الأندلس.»
تخطف لون كنزة وتبدلات مشيتها ف البلاصة. سلتات يدها من وسط الحلقة بـ الحياء، وتبعات لوبانة اللي غادية وتسترها بـ الجلايل د القفطان حتى خرجوا من الصخب د البنادر ودخلوا لـ واحد بيت الضياف مستور، السارية ديالو مضقية، والمَسارج د الزيت يالله منورين السجاد لَرضي.
غير حلات لوبانة الباب ودخلت كنزة، بان ليها الشيخ المَيْمُون واقف ف صدر البيت بـ طوله ونخوته د الأحرار. كان كيشوف فيها بواحد الابتسامة د الفخر والرضا، وعينيه مغرورقين بـ الفرحة وهو كيشوف بنته بـ قفطانها الصم الملكي وحليها ك تبرق بحال السلطانات.
تأدبات كنزة بـ أدب بنات القبائل؛ خَطات خطوات حانية، وقربات لـ عند باها بـ الميزان، هزات يده القَاسِيّة د الخيل وباسَت عليها بـ التوقير والإجلال، وثبّتات راسها للأرض.. حانية عينيها ف الزربية بـ الحشمة د العروسة، ما قدراتش تهز فيه العين من الحياء ووقار الأبوة.
حط الشيخ الميمون يده الثقيلة على راسها، وتنهد تنهيدة د الحنان، وقال ليها بصوته الرزين:
«الله يرضي عليك أ بنتي.. الله يثبت سعدك ويجعل أيامك كلها نُوَّار. كبرتي وبان شانك، ووليتي لالة العيالات وسيدتهم ف هاد لبلاد.»
سكت الشيخ شوية، وزاد قرب لـ عندها، وبدل نبرة صوته باش يعلمها بـ المكتوب:
«أ بنتي كنزة.. جا الميقَات د السفر. السلطان شداد عاد أمر بـ الرحيل هاد الليلة، ومغاديش يخليك هنا ف هاد الحصن العسكري د شالة؛ راه الحصن غير حجر ومعسكر د الجند، وما يليقش بـ مقامك. دابا غاتجمعي الوقفة وتربْطي حزامك، حيت غادية تركبي مع راجلك السُّلطان ف مراكب البحر هاد الساعة، وغاتسافري معاه لـ دار الخلافة ف قرطبة، تما فين غاتكوني سلطانة بـ عزك وشانك ف بلاد الأندلس.»
سمعات كنزة الخبار، وحسّات بحال إيلا الأرض دارت بيها دَورة خفيفة ف مكانها. تجمّعات الرُّعدة ف أطراف الجلايل د قفطانها، والقلب ديالها بدا كيضرب بـ الجهد حتى بغا يخرج من الصدر؛ الخبار نزلت عليها بحال الصاعقة ف ليلة عرسها.
بقات حانية راسها لـ لَرض، عينيها متبتين ف النقش د الزربية بـ الحشمة د العيالات ولكن الدمعة غلبتها وتنزلات دافية على خدها المَزْووق بـ العكار الفاسي. هي امرأة د الدار، بنت الجبل والنِّيّة، يالاه ولات كتعرف السوار د شالة وبغات تولفهم، ودابا ف دقيقة وحدة، خاصها تخلي لبلاد، وتركب متن البحر والموايج اللي عمرها شافتهم، وتمشي لـ بلاد الغُربة ف الأندلس اللي ما عْرفات فيها حد.
بلعات ريقها بـ الصبر، ومسحات دمعتها بـ الكم د قفطانها المنقوش بلا ما يشوفها باها، حيت ناموس الأدب عند بنات الأحرار كيمنعهم يعصاو أمر الوالد أو يبينوا الضعف ف وقت الشدّة. زيرَات يديها الصغار على حزام الصم، وهزات راسها شوية، وشافت ف باها الشيخ الميمون بـ شوفة كلها رجاء وخوف مخفي، وقالت ليه بصوت مرعوش ولكن ثابت بـ الطاعة:
«الرضا ديالك هو الأول يَا بّاه.. ومادام هادي كَلْمة السُّلطان وراضِي عليها أنت، ما عندي ما نقول. أنا طوع أمركم، واللّي فيها الخير للعهد ولقبيلتنا يكمّلها سيدي ربي. غير دعي معايا يَا بّاه.. دعي معايا بـ التيسير ف هاد الغربة وهاد السفر د الليل، راه الحمل تقيل على كتافي.»
الشيخ الميمون شاف هاد الرزانة وهاد الحياء ف بنته، وزاد فخر بها، حيت عرف باللي ربّى لالة العيالات اللي غاتشرّف سميتهم ف بلاد الأندلس وتكون قد المسؤولية وورّا السُّلطان شداد
خَرَجَتْ كَنْزَةُ مِنْ بَيْتِ الضِّيَافَةِ المُسْتُورِ بِخُطُوَاتٍ بطيئة ، كَأَنَّ رِجْلَيْهَا غُرِزَتَا فِى الصَّخْرِ الصَّمِّ لِأَسْوَارِ شَالَةَ. كَانَ صَوْتُ البَنَادِرِ وَالزَّغَارِيتِ الآتِي مِنْ عُمْقِ الرِّيَاضِ يَبْدُو لَهَا الآنَ بَعِيداً، نَائِحاً، كَأَنَّهُ صَدَى مَاضٍ جَمِيلٍ يَنْفَلِتُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهَا إِلَى الأَبَدِ.
دَخَلَتْ جَنَاحَهَا، فَوَجَدَتْ لُوبَانَةَ تَنْتَظِرُهَا وَعَيْنَاهَا مُعَلَّقَتَانِ بِالبَابِ. لَمْ تَنْطِقْ كَنْزَةُ بِكَلِمَةٍ؛ اكْتَفَتْ بِإِيمَاءَةٍ صَامِتَةٍ مِنْ رَأْسِهَا، فَفَهِمَتِ الخُوَيْدِمُ أَنَّ القَضَاءَ السُّلْطَانِيَّ قَدْ نَزَلَ. بِحَرَكَاتٍ سَرِيعَةٍ مَذْعُورَةٍ، بَدَأَتْ لُوبَانَةُ تَمُدُّ يَدَيْهَا إِلَى الصَّنَادِيقِ الخَشَبِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، تَجْمَعُ فِيهَا الأَقْمِشَةَ، وَتُدَحْرِجُ فِيهَا حُلِيَّ الصَّمِّ وَالمَوْبَرَةَ الحُرَّةَ الَّتِي لَمْ تَهْنَأْ كَنْزَةُ بِعِطْرِهَا بَعْدُ. كَانَ قَعْقَعَةُ المَضَامَّ الفِضِّيَّةِ دَاخِلَ الصَّنَادِيقِ يُشْبِهُ فِى أُذُنَيْ كَنْزَةَ صَوْتَ المَعَاوِلِ وَهِيَ تَحْفِرُ قَبْراً.
وَقَفَتْ كَنْزَةُ تَنْظُرُ إِلَى يَدَيْ لُوبَانَةَ، وَأَحَسَّتْ بِغُصَّةٍ تَخْنِقُ حَنْجَرَتَهَا. لَمْ يَكُنْ هَذَا السَّفَرُ فِى عَقْلِهَا مُجَرَّدَ رِحْلَةٍ وَرَاءَ البَحْرِ، بَلْ كَانَ فِى نَفْسِ بِنْتِ الجَبَلِ والنِّيَّةِ هُوَ المَوْتَ بِعَيْنِهِ.. مَوْتٌ نَاعِمٌ يُغَلِّفُهُ مَقَامُ السَّلَاطِينِ وَبَلَاطُ الأَنْدَلُسِ، لَكِنَّهُ يَنْتَزِعُ الرُّوحَ مِنْ جَسَدِهَا.
التَفَتَتْ نَحْوَ النَّافِذَةِ الضَّيِّقَةِ المَفْتُوحَةِ عَلَى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، حَيْثُ تَهبُّ نَسَمَاتُ وَادِي بُورَقْرَاقِ الخَاثِرَةِ المَمْزُوجَةِ بِرَائِحَةِ الشِّيحِ وَتُرَابِ لَبْلَادِ الَّذِي نَبَتَتْ فِيهِ. انْقَبَضَ قَلْبُهَا بِالوَجَعِ، وَتَسَلَّلَ إِلَى وِجْدَانِهَا إِحْسَاسٌ صَادِقٌ وَقَاطِعٌ: أَنَّهَا تَخْرُجُ الآنَ وَلَنْ تَعُودَ.
لَنْ تَعُودَ لِتَرَى مَضَارِبَ قَبِيلَتِهَا، وَلَنْ تَسْتَنْشِقَ غُبَارَ خُيُولِ زَنَاتَةَ وَهِيَ تَعْدُو فِى الفَيَافِي، وَلَنْ تَجْلِسَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرِ الرَّنْجِ تَسْتَمِعُ لِحَكَاوِي النِّسَاءِ العَجَائِزِ. هَذِهِ الأَرْضُ الَّتِي تَعْرِفُ كُلَّ حَجَرٍ فِيهَا، وَهَذِهِ العَائِلَةُ الَّتِي صَانَتْ طُفُولَتَهَا، سَتَصِيرُ مُجَرَّدَ أَطْيَافٍ تَلُوحُ فِى مَنَامَاتِهَا هُنَاكَ فِى قُرْطُبَةَ الغَرِيبَةِ. لَقَدْ وُضِعَتْ كَوَثِيقَةِ ضَمَانٍ بَيْنَ سِيَاسَةِ المُلُوكِ وَذِمَمِ القَبَائِلِ، وَثَمَنُ هَذَا العَهْدِ هُوَ عُمْرُهَا الذِّي سَيَبْلَى بَعِيداً عَنِ الأَهْلِ.
تَقَدَّمَتْ مِنْهَا لُوبَانَةُ، وَوَضَعَتْ عَلَى كَتِفَيْهَا السَّلْهَامَ الأَبْيَضَ الثَّقِيلَ لِيَسْتُرَ زِينَتَهَا السُّلْطَانِيَّةَ عَنِ الأَعْيُنِ. نَظَرَتْ كَنْزَةُ إِلَى وَجْهِ الخُوَيْدِمِ، وَرَأَتْ فِى عَيْنَيْ لُوبَانَةَ نَفْسَ المَرَارَةِ؛ تَنَهَّدَتْ كَنْزَةُ تَنَهُّدًا خَفِيفاً كَمَدًا، وَمَسَحَتْ طَرَفَ عَيْنِهَا بِأَنَامِلَ مُرْتَجِفَةٍ، ثُمَّ شَدَّتْ حِزَامَهَا بِيَأْسٍ وَقَالَتْ بِصَوْتٍ هَمَسَتْ بِهِ لِلْجُدْرَانِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ:
«يَا لَبْلَادْ.. خَلَّفْتُ فِيكْ سِرِّي وَصَبْرِي..
تَنَهَّدَتْ كَنْزَةُ تَنَهُّدًا خَفِيفاً كَمَدًا، وَمَسَحَتْ طَرَفَ عَيْنِهَا بِأَنَامِلَ مُرْتَجِفَةٍ، ثُمَّ شَدَّتْ حِزَامَهَا بِيَأْسٍ وَقَالَتْ بِصَوْتٍ هَمَسَتْ بِهِ لِلْجُدْرَانِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ:
«يَا لَبْلَادْ.. خَلَّفْتُ فِيكْ سِرِّي وَصَبْرِي..المْعَوْل راح “
أَمَامَ مَشْرِعِ شَالَةَ الرَّابِضِ عَلَى ضِفَّةِ وَادِي بُورَقْرَاقِ، كَانَ مَشْهَدُ الرَّحِيلِ فِى ذَلِكَ اللَّيْلِ البَهِيمِ يُشْبِهُ مَرَاسِمَ حَرْبٍ صَامِتَةٍ. فِى ذَلِكَ العَصْرِ، لَمْ تَكُنْ رِحْلَاتُ البَحْرِ نُزْهَةً، بَلْ كَانَتْ مُغَامَرَةً مَجْهُولَةً تَقْرَبُ مِنَ المَوْتِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا شَقَّتِ السُّفُنُ عُبَابَ المَاءِ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ بِأَمْرٍ سُلْطَانِيٍّ عَاجِلٍ.
تَحْتَ ضَوْءِ القَمَرِ المَحْجُوبِ بِالسُّحُبِ، كَانَتْ تَرْسُو ثَلَاثُ سُفُنٍ أَنْدَلُسِيَّةٍ حَرْبِيَّةٍ مِنْ نَوْعِ “الشَّوَانِي” العَرِيضَةِ. كَانَتْ جُذُوعُهَا الخَشَبِيَّةُ السَّوْدَاءُ المَدْهُونَةُ بِالقَطِرَانِ تَعْلُو وَتَهْبِطُ مَعَ حَرَكَةِ المَدِّ الخَاثِرِ، وَتُصْدِرُ صَرِيراً مُوحِشاً يَقْشَعِرُّ لَهُ البَدَنُ فِى سُكُونِ اللَّيْلِ. المَشَاعِلُ المَثْبُوتَةُ عَلَى أَرْصِفَةِ المَرْفَأِ الخَشَبِيِّ كَانَتْ تَتَرَاقَصُ فِى المَاءِ كَأَنَّهَا عُيُونٌ جِنِّيَّةٌ تُرَاقِبُ المَسَافِرِينَ.
فِى هَذِهِ الأَجْوَاءِ المَزْمُوتَةِ، كَانَتْ تَتَحَرَّكُ حَاشِيَةُ السُّلْطَانِ بِصَمْتٍ طَبَقِيٍّ صَارِمٍ. الفُرْسَانُ لَابِسُو الدُّرُوعِ الحَدِيدِيَّةِ يَقُودُونَ الخُيُولَ المُلَجَّمَةَ بِأَكْمَامٍ مِنَ القُمَاشِ حَتَّى لَا تُصْدِرَ حَوَافِرُهَا صَوْتاً عَلَى الأَلْوَاحِ، وَالجَدَّافُونَ النَّحِيلُونَ قَدْ صَفُّوا لِأَمَاكِنِهِمْ فِى جَوْفِ السَّفِينَةِ، مُمْسِكِينَ بِالمَجَادِيفِ الضَّخْمَةِ المَرْبُوطَةِ بِالحِبَالِ المَلْفُوفَةِ بِالشَّحْمِ حَتَّى لَا تَنْتَحِبَ فِى المَاءِ.
وَصَلَتْ كَنْزَةُ إِلَى رَصِيفِ المَشْرِعِ، تَقُودُ خُطَاهَا طَاعَةُ المَكْتُوبِ. كَانَ السَّلْهَامُ الأَبْيَضُ الثَّقِيلُ يُغَطِّي رَأْسَهَا، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا المُغْرَوْرِقَتَيْنِ كَانَتَا تَخْتَرِقَانِ سَوَادَ اللَّيْلِ لِتَتَأَمَّلَا أَسْوَارَ شَالَةَ الطِّينِيَّةِ العَالِيَةِ لِآخِرِ مَرَّةٍ. بَدَتْ لَهَا هَذِهِ الأَسْوَارُ فِى الظَّلَامِ كَأَنَّهَا عِمَالِقَةٌ تَنْفُضُ يَدَهَا مِنْهَا.
تَقَدَّمَ السُّلْطَانُ شَدَّادٌ بِقَامَتِهِ الهَمَاوِيَّةِ، لَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، صَعِدَ جِسْرَ السَّفِينَةِ الخَشَبِيِّ المَائِلِ بِثَبَاتٍ يُشْبِهُ ثَبَاتَ قَدَرِهِ، وَتَبِعَتْهُ كَنْزَةُ بِنَفَسٍ مَقْطُوعٍ، وَتَشَبَّثَتْ بِهَا لُوبَانَةُ وَهِيَ تَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهَا صُنْدُوقاً صَغِيراً مَكْسُوّاً بِالجِلْدِ فِيهِ مَا تَبَقَّى مِنْ عِطْرِ العَرُوسِ.
فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ التِّي وَطِئَتْ فِيهَا قَدَمَا كَنْزَةَ ظَهْرَ السَّفِينَةِ، انْطَلَقَتْ إِشَارَةُ الرَّحِيلِ الصَّامِتَةِ. لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ طُبُولٌ وَلَا أَبْوَاقٌ، بَلْ هَمَسَاتٌ عَسْكَرِيَّةٌ جَافَّةٌ. رُفِعَتِ الأَلْوَاحُ الخَشَبِيَّةُ، وَأُلْقِيَتِ الحِبَالُ الغَلِيظَةُ المَبْلُولَةُ، وَبَدَأَ الجَدَّافُونَ يَجْذِبُونَ المَاءَ بِقُوَّةٍ مَكْتُومَةٍ.
انْفَصَلَتِ السَّفِينَةُ عَنِ الأَرْضِ.. هَذِهِ الجُمْلَةُ كَانَتْ تَعْنِي لِكَنْزَةَ انْفِصَالَ الرُّوحِ عَنِ الجَسَدِ. تَقَدَّمَتْ نَحْوَ حَافَةِ الخَشَبِ (مُؤَخَّرَةِ الشَّانِيَّةِ)، وَنَظَرَتْ إِلَى المَرْفَأِ الذِّي بَدَأَ يَبْتَعِدُ وَيَصْغُرُ. رَأَتْ طَيْفَ بَاهَا، الشَّيْخِ المَيْمُونِ، وَاقِفاً فِى الظِّلِّ، بَرْنُسُهُ الأَبْيَضُ يَلُوحُ كَشَاهِدِ قَبْرٍ تَرْكَتْهُ وَرَاءَهَا. كَانَ وَاقِفاً صَامِداً كَمَا تَقِفُ جِبَالُ زَنَاتَةَ، لَكِنَّهُ بَدَا لَهَا فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ هَشّاً، بَعِيداً، لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِ ابْنَتِهِ شَيْئاً أَمَامَ سَطْوَةِ البَحْرِ وَالمُلُوكِ.
بَدَأَتِ الشَّانِيَّةُ تَمْخُرُ عُبَابَ وَادِي بُورَقْرَاقِ مُتَّجِهَةً صَوْبَ مَصَبِّ البَحْرِ الكَبِيرِ (المُحِيطِ الأَطْلَسِيِّ)، حَيْثُ الأَمْوَاجُ صَارَتْ أَكْثَرَ عُنْفاً، وَرَائِحَةُ المِلْحِ الحَارَّةُ بَدَأَتْ تَصْفَعُ الوُجُوهَ. مَعَ كُلِّ مَيْلَةٍ لِلسَّفِينَةِ، كَانَتْ كَنْزَةُ تَشْعُرُ أَنَّ بِلَادَهَا، وَأَهْلَهَا، وَقَبِيلَتَهَا، وَكُلَّ مَا كَانَتْ تَعْرِفُهُ، يَمُوتُ وَيَغْرَقُ فِى ظُلْمَةِ المَاءِ السَّحِيقَةِ.
أَسْنَدَتْ رَأْسَهَا عَلَى الخَشَبِ البَارِدِ المَدْهُونِ، وَتَرَكَتْ دُمُوعَهَا تَسِيلُ بِحُرِّيَّةٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بَعِيداً عَنْ أَعْيُنِ الرِّجَالِ، فِيمَا كَانَتْ سُفُنُ السُّلْطَانِ تَشُقُّ اللَّيْلَ صَوْبَ عُدْوَةِ الأَنْدَلُسِ، حَامِلَةً عَرُوساً غَرِيبَةً نَحْوَ مَوْتِهَا البَعِيدِ.
وَمَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ تَرْتَفِعُ لِتَحْجِبَ عَنْهَا أَسْوَارَ لَبْلَادِ، كَانَتْ كَنْزَةُ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّيْلَ الذِّي سَرَقَهَا مِنْ حِضْنِ زَنَاتَةَ، هُوَ نَفْسُهُ اللَّيْلُ الَّذِي يَسُوقُهَا عَرُوساً غَرِيبَةً لِتَكْتَبَ بِدُمُوعِهَا فَصْلاً جَدِيداً فِى دِيوَانِ النَّفْيِ وَالمُلُوكِ.»
يتبع
شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹