
جوف المقصورة
«بين الحرف والحرف، سكنت حكاية.. وبين قلوبكم وبين كلماتي وُلد هذا الفصل الأخير، الذي لم يكن ليُكتب لولا أنفاسُ اهتمامكم التي منحت الرواية نبضاً. لقد رافقتموني في دروبِ هذه الحكاية، وعشتم معي تقلباتِ أبطالها، حتى أصبحتم أنتم جزءاً لا يتجزأ من هذا العالم الذي بنيناه سوياً. ها نحن اليوم نصل إلى الضفة الأخيرة، حيث تترتب الأقدار وتكتمل الملامح.. أدعوكم الآن لتشاركوني لحظة الوداع، لنرسم معاً المسكَ الذي يليق بختام مسيرتنا، ولنطوي معاً كتاباً لم نكن لننهيه لولا ثقتكم التي كانت الوقود والدافع. إلى كل من آمن بالشخصيات وتفاعل مع أدق تفاصيلها، إليكم هذا الختام الذي صُغته بمداد من وفاء.. تفضلوا، لندخل معاً إلى جَوْفِ الْمَقْصُورَةِ.»
كانت سماءُ العاصمةِ صافيةً، لولا أن شقَّ سكونَها فجأةً صرخةٌ حادةٌ، صرخةٌ لا تُخطئها أذنٌ خبرت حروبَ الصحراء.
في الأعالي، انشقَّ الزرقةَ سوادٌ فاحمٌ كأنّه قطعةٌ من ليلٍ مباغت؛ إنه صقرُ “شَدَّاد”، يحلّقُ بجناحيه المهيبين، يطوي المسافاتِ بقوةٍ وكبرياء. كان صوته القويُّ يترددُ في الأرجاء، حاداً كالموسيقى التي تسبقُ العواصف.
داخل أروقةِ القصرِ، توقفت حركةُ الخدمِ والجواري، وتجمّدَ الزمنُ للحظة. بمجرد أن رنَّ صدى الصرخةِ في الأرجاء، تحوّل القصرُ من سكونٍ مطبقٍ إلى خليةِ نحلٍ مضطربة. الحراسُ عند البواباتِ استقاموا في وقفاتهم، تلاقت أعينهم في ذهولٍ ممزوجٍ بالرهبة، وألقوا سلاحهم جانباً في حركةٍ لا إراديةٍ ليعدّلوا ملابسهم، فصاحبُ الصقرِ قد اقترب، ولا مجالَ للتقصيرِ في لحظةِ العودة. الخدمُ بدأوا يركضون في الممراتِ بخطواتٍ متسارعة، الأيادي ترتجفُ وهي تُبخرُ الأروقةَ وتُعيدُ ترتيبَ السجادِ في غمرةِ التخبطِ والهلعِ السعيد.
وفي غرفتها، انتفضت لالة اليازية. لم تكن بحاجةٍ لمن يخبرُها؛ فذلك الصوتُ الذي اخترقَ نوافذَ القصرِ كان نداءً روحياً مألوفاً. وضعت يدها على صدرها الذي خفقَ بعنفٍ، وتوجهت بخطواتٍ مسرعةٍ وواثقةٍ نحو الشرفةِ العالية.
على الجانبِ الآخر، خرجت الشريفة من جناحها بسرعةٍ كادت تطيرُ معها أثوابها، وجهها شاحبٌ من فرطِ المفاجأةِ والدهشة. توقفت في الرواقِ الأوسط، عيناها مسمرتانِ نحو الأعلى، وقد استقرَّ في يقينِها أنَّ الغيابَ قد انكسر.
أما الأميرة الشامة، فكانت في غرفتها، وما إن سمعت الصوتَ الحادَّ حتى سقط القلمُ من يدها، وتجمّدَت في مكانِها. التفتت ببطءٍ نحو النافذة، وكأنَّ روحَها قد سُحبت إلى الخارج. لم تكن حركةُ شامة عشوائيةً كباقي الخدم، بل كانت هادئةً بهدوءِ العواصفِ؛ وقفت، عدّلت من هيئتها بكلِ وقارِ الأميرات، ثم اتجهت بخطىً ثابتةٍ نحو الخارج، وعيناها تلمعانِ ببريقِ الحكمةِ التي تعرفُ معنى هذا النذير.
ما إن أطلّت لالة اليازية من شرفتها، حتى رأت الصقرَ العظيمَ يهبطُ بجلالٍ، مخترقاً الهواءَ ليحطَّ رحالَه فوق سورِ القصرِ الشاهقِ. في تلك اللحظةِ، التقت الأنظارُ؛ الشريفةُ في الرواقِ ترفعُ بصرها للسماء، والشامةُ تخرجُ بوقارٍ لتشهدَ الحدث، والكلُّ في القصرِ سكنت أنفاسُهم.
علمت النساءُ الثلاثُ بقلبِ الصبرِ والانتظارِ أنَّ الغيابَ قد انتهى، وأنَّ السلطانَ قد اقترب. خيمَ صمتٌ مهيبٌ على القصرِ، صمتٌ تُسمع فيه دقاتُ القلوبِ وهي تعدُّ الثواني القادمة، حيث لا صوتَ يعلو فوق صوتِ حوافرِ الخيولِ القادمةِ من البعيدِ، والتي بدأت تُعلنُ بوضوحٍ: لقد عاد شَدَّاد.
زَلْزَلَةُ الدُّخُولِ
بينما كان صقرُ السلطان يراقبُ من فوق الأسوار، كانت الأرضُ تحتَ أبوابِ العاصمةِ تبدأُ في الاهتزاز. لم تكن خيولاً عادية، بل كانت خيولَ شالةٍ الجموح، التي لا تعرفُ للراحةِ طريقاً.
ظهر الفرسانُ الثلاثةُ من وراءِ غبارِ الأفقِ، يتقدمهم القائدُ بملابسِه التي غزاها غبارُ السفرِ الطويل، ودرعُه المخدوشِ بآثارِ السيوف. كان إيقاعُ حوافرِ خيولهم على البلاطِ الحجريِّ للمدينةِ قوياً، مرعباً، ومنظماً.. “طَق.. طَق.. طَق”، صدىً يترددُ في جنباتِ الأزقةِ كأنه نبضُ قلبٍ عملاقٍ استيقظَ من سبات.
كانوا يمتطون الخيلَ بوقارٍ لا ينحني، وعيونُهم خلفَ اللثامِ العسكريِّ كانت حادةً كالنصل، لا تلتفتُ يميناً ولا يساراً. الناسُ في الأسواقِ تراجعوا إلى الوراء، تحلقوا على الأرصفةِ في صمتٍ مطبق؛ لم يجرؤ أحدٌ على الكلامِ، بل كانت العيونُ تلاحقُ الراياتِ التي ترفرفُ خلفهم، راياتٍ لم تعد تحملُ رموزَ شالة، بل تحملُ شموخَ العودة.
وبكلِّ جبروتِ الفرسان، كانوا يحفرون الأرضَ بحوافرِ خيولهم حفيراً؛ كلُّ خطوةٍ كانت رسالةً للأرضِ وللناسِ بأنَّ “السلطانَ لا يأتي زائراً، بل يأتي ليمتلكَ.” الهواءُ كان مشحوناً برائحةِ العرقِ، والحديدِ، والغبارِ الممزوجِ برائحةِ النصرِ المر.
عندما وصلوا إلى الساحةِ الكبرى أمامَ بوابةِ القصرِ، توقفوا وقفةً واحدةً، كأنهم جسدٌ واحدٌ نُحتَ من صخر. انتصبَ الفرسانُ في سروجهم، وبحركةٍ واحدةٍ متزامنة، رفعوا رماحهم نحو السماء، صائحين بصوتٍ هزَّ دعائمَ القصرِ:
«افْتَحُوا لِلْحَقِّ طَرِيقاً.. فَمَنْ أَطَاعَ العَهْدَ، فَلْيَسْتَعِدَّ لِلِقَاءِ صَاحِبِهِ. السُّلطَانُ شَدَّادُ قَدْ بَلَغَ المُنْتَهَى، وَقُرْطُبَةُ اليَوْمَ لَا تَنَامُ!»
في تلك اللحظة، ركعَ الحراسُ عند البواباتِ احتراماً، وفتحت الأبوابُ العظيمةُ على مصراعيها، ليدخلَ الفرسانُ إلى قلبِ القصرِ، تاركين خلفهم في الشوارعِ ذهولاً لا يوصف، وقبلاً تتساءلُ في هيبةٍ: “هل هذه هي العودةُ التي انتظرناها؟”
صَفُّ النِّهَايَةِ.. وَمَوْكِبُ السُّلْطَان
في قلبِ القصر، كان الصحنُ العظيمُ قد تحول إلى منصةٍ للوقار. وقفت النساءُ الثلاثُ في تَرَتُّبٍ هادئٍ يعكسُ مكانةَ كل واحدةٍ منهن؛ لالة اليازية في الصدارة، شامخةً كالجبل، وبجانبها الأميرة بوقارها الفكري الذي لا يلين، والشريفة بوفائها الصامتِ الثابت. لم يكن حديثٌ يدور بينهن، فكل واحدةٍ منهن كانت تقرأُ في عيونِ الأخرى ثقلَ اللحظة.
خارج الصحن، في الساحةِ العظيمة، كان مشهدُ الاصطفافِ كأنه يومٌ مشهود. القادةُ، من أعتى المحاربين إلى أصغرِ القادةِ الميدانيين، يقفون بظهورٍ مستقيمةٍ كأنهم رماحٌ مغروزة في الأرض. الوزراءُ والمستشارون، بملابسهم الرسميةِ والوقارِ الذي يغلفُ وجوههم، صمتوا صمتاً أطبقَ على الأنفاس. الجنودُ اصطفوا صفوفاً وصفوفاً، امتدت كالأمواجِ المتراصةِ من بوابةِ القصرِ إلى مشارفِ الساحة، لا حركةَ تخلُّ بهذا الاصطفاف، ولا صوتَ يعلو فوقَ دقاتِ طبولِ القصرِ التي بدأت تُقْرَعُ بإيقاعٍ رتيبٍ وهادئ، وأجراسُ القصرِ الضخمةِ تدقُّ دقاتٍ متتابعةً تملأُ أرجاءَ العاصمةِ هيبةً.
وفجأة.. غابَ صدى الطبولِ، وحلَّ مكانَهُ زلزالٌ أرضيٌّ مسموع.
بدأت خيولُ شَدَّاد تظهرُ في الأفق، والراياتُ التي تحملُ رمزَ السلطانِ تتمايلُ بقوةٍ مع هبوبِ الريح. دخل شدادُ العاصمةَ لا كغريبٍ، بل كمالكٍ للأرضِ، محاطاً بفرسانه الذين أطافوا به كأنهم هالةٌ من نارٍ وحديد. الأرضُ تحت حوافرِ خيولهم لم تكن تمشي، بل كانت ترتجفُ.
دخل شداد، وكان وجهُه مرآةً لكلِ ما مرَّ به في “شالة”؛ آثارُ القسوةِ والانتصارِ والخبرةِ كلها ارتسمت في نظراته الصقرية. الراياتُ كانت تخفقُ فوق رؤوسهم، والخيولُ تصهلُ صهيلاً امتزجَ بدقاتِ الطبولِ التي تصاعدت وتيرتها حتى كأنها نبضُ قلبِ العاصمةِ نفسه.
الأبوابُ العظيمةُ، التي لم تُفتح بهذا الاتساعِ منذ سنين، استقبلت الموكبَ بجلالٍ. وعندما دخل شدادٌ الساحةَ، تهاوت الرؤوسُ إجلالاً، وانحنى الجميعُ صمتاً، بينما كان صقرُه يطلقُ صرخةً أخيرةً من فوق الأسوار، معلناً أنَّ السلطانَ قد وصل، وأنَّ التاريخَ قد بدأ يُكتبُ اليومَ
توقفت الخيولُ دفعةً واحدةً عند فناءِ القصرِ العظيم. خيّم صمتٌ مهيبٌ على الساحة، صمتٌ لم يقطعه إلا صوتُ تنفُّسِ الخيولِ المتلاحقِ ووقعُ ركابِ الخيلِ حينَ خلعَ السلطانُ رِجلَهُ عنهُ. ترجّل شَدّاد عن صهوةِ جوادِهِ ببطءٍ مدروس، كانت حركتُه توحي بالثقلِ والحكمةِ، لا بالتعب.
انحنى القادةُ والوزراءُ انحناءةَ ولاءٍ كاملة، وجباهُهم تكادُ تلامسُ الأرضَ، بينما ظلَّ السلطانُ منتصباً كرمحٍ أصيل، لا يلتفتُ يميناً ولا يساراً. كانت نظراتُه مسلطةً نحو الأمام، أطلقَ نظرةً صقريةً فاحصةً جالت في وجوه القادةِ والوزراءِ المصطفين، وكأنه يقرأُ ما وراءَ الأقنعة.
رفعَ يده اليمنى، فخيم صمتٌ أشدُّ من صمتِ القبور. لم يعدْ هناك صليلُ سيوفٍ، فقط صدى نَفَسِ السلطان. وبصوتٍ لا يقبلُ التأويل، خاطبَ كبيرَ وزرائه الذي كان في اول صفوف الوزراء ينحني باجلال ووقار.
«إنَّ مَنْ تَرَكْتُهُمْ فِي الغِيَابِ يَدُبُّونَ فِي دَائِرَةِ الحُكْمِ، قَدْ جِئْتُ اليَوْمَ لِأُحَاسِبَهُمْ عَلَى صِدْقِ الِانْتِمَاءِ. لَا دُخُولَ لِأَحَدٍ إِلَى حَرَمِ القَصْرِ، وَلَا قَرَارَ يُنْفَذُ فِي العَاصِمَةِ حَتَّى أَخْرُجَ مِمَّا أَنَا فِيهِ. كُلُّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ زِمَامُ الأَمْرِ فِي غِيَابِي، فَلْيَضَعْ خَتْمَهُ وَسِجِلَّاتِهِ بَيْنَ يَدَيَّ فِي المَجْلِسِ العَالِي
التفتَ شدادُ بحدةٍ نحو قائدِ حراسه الخاص:
«أَحِيطُوا بِالمَجْلِسِ، وَلَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ دَمُهُ عَلَى خَطِّ السَّيْفِ مَعِي. أَمَّا الخَوَنَةُ.. فَلَا تَحْتَاجُونَ لِسُؤَالِهِم، فَوُجُوهُهُمْ هِيَ مَنْ سَتَشْهَدُ عَلَيْهِم.»
وقف في وسطِ الساحة، جسده مشدودٌ كوترِ قوسٍ لا يخطئ الهدف. أشار بيده إشارةً واحدةً، فتعالت أبوابُ الديوانِ العالي، وانفتحَ مدخلُ القاعةِ الكبرى التي شهدت مؤامراتِ الغياب.
دخل شَدَّاد، ووراءه وزيره الوفي، الذي كان الظلَّ الذي راقبه في غيابه. اصطفَّ القادةُ، والوزراءُ، والمستشارون في ردهاتِ الديوان، صمتٌ مطبقٌ يلفُّ المكان، صمتٌ يخترقُه فقط وقعُ خطواتِ السلطانِ على الرخام.
كان الشدادُ يمشي ببطءٍ بين صفوفهم. كلُّ وزيرٍ يمرُّ بجانبه، كان يحني رأسه حتى يكادَ يلمسُ الأرض، لكنَّ الشدادَ كان يتوقفُ أمامهم، ينظرُ في عيونهم نظرةً فاحصةً، نظرةً تملكُ القدرةَ على قراءةِ خياناتِ السرائر. لم ينطقْ بكلمةٍ، لكنَّ الصمتَ كان أوَقْعَ من ألفِ تهديد.
دخلوا الديوانَ “واحدًا تلو الآخر”، كلٌّ بحسبِ رتبته، وفي قلبِ كلِّ واحدٍ منهم رعدٌ وخوف. وعندما اكتملَ الجمعُ، وقفَ الشدادُ عند رأسِ الديوان، حيثُ العرشُ الخشبيُّ العتيق، وأشار لوزيره الوفيِّ بالوقوفِ عن يمينه.
بصوتٍ أجشَّ، ملؤه صدى سنينِ الحروبِ ومكرِ السياسة، قال:
إنَّ مَنْ ظنَّ أنَّ الغِيَابَ سَكْرَةٌ تَغِيبُ مَعَهَا بَصِيرَتِي، فَلْيَعْلَمْ أَنَّنِي كُنْتُ أَرَى العَاصِمَةَ بِعَيْنِ مَنْ هُوَ خَارِجَ أَسْوَارِهَا
التفتَ نحو الوزيرِ الوفي، وأومأَ برأسه:
«ابْدَأْ بِقِرَاءَةِ سِجِلِّ الخِيَانَةِ.
في تلك اللحظة، ارتبك القادةُ، وبدأت الوجوهُ تضطربُ وتتغيرُ ألوانها. لقد أدركوا أنَّ الشدادَ لم يعد وحده، بل عاد بـ “البرهان” الذي يحمله وزيره الوفي في يده.
تقدم عبد السلام، وبصوتٍ مسموعٍ في أرجاء الديوان، بدأ بذكرِ الأسماءِ التي عاثت في العاصمةِ فساداً وخيانةً خلال غياب السلطان.
في الصفوفِ الأماميةِ، وقف القائدان الخائنان، وهما من “قادةِ حرسِ الحدودِ النخبة”، الذين كان يُؤتمنُ جانبهم على بواباتِ المدينةِ والحصونِ، وهما: (غسان) و (ثابت).
تغيرت ملامحُ غسان وثابت حين نادى عليهما عبد السلام. حاولا إظهارَ الثبات، لكنَّ ارتعاشَ أيديهم فضحَ خوفهم. نظر إليهما شَدَّاد نظرةً باردةً، ثم التفتَ إلى إسحاق:
«يَا إِسْحَاقُ، أَهَذَا هُوَ دِرْعُ العَاصِمَةِ الذي وَضَعْنَا فِيهِ ثِقَتَنَا؟ أَهَذَا هُوَ حَارِسُ الثُّغُورِ الذي بَاعَ سِتْرَ الأَرْضِ لِأَجْلِ بَخْسٍ مِنَ المَالِ وَالسُّلْطَةِ؟»
تقدم القائد اسحاق بضع خطوات، ووقفَ أمام غسان وثابت، ونظرَ إليهما نظرةَ احتقارٍ من محاربٍ لا يعرفُ الغدر:
«لَقَدْ كُنْتُمَا خِنْجَراً فِي ظَهْرِ هَذِهِ البِلَادِ، بَيْنَمَا كَانَ السُّلْطَانُ يَحْمِلُ هَمَّهَا فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ.»
ارتفعَ صوتُ عبد السلام يقرأُ تفاصيلَ التواطؤ، حيثُ كشفَ كيفَ فتحا أبوابَ الحصونِ سراً، وكيفَ تآمرا على إضعافِ الجندِ من الداخل. سقطَ القائدانِ على ركبتيهما، لا طلباً للرحمةِ، بل لأنَّ هيبةَ الموقفِ أثقلت أجسادهم.
في تلك اللحظة، لم يعدْ في الديوانِ غيرُ صوتِ الشدادِ الحازم:
«لَا مَحَلَّ لِلْخَائِنِ فِي هَذِهِ الدَّارِ. يَا إِسْحَاقُ.. جَرِّدُوهُمَا مِنْ رُتَبِهِمَا، وَلْيَكُنْ مَصِيرُهُمَا عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنْ يَمَسَّ أَسَاسَ هَذَا القَصْرِ.»
بإشارةٍ من إسحاق، تقدَّم حرسُ القصرِ وسحبوا غسان وثابت خارجَ الديوانِ في صمتٍ مريب، بينما خيّم الذهولُ على باقي المستشارينَ والقادةِ الذين أدركوا الآن أنَّ السلطانَ قد عاد، وأنَّ عهداً جديداً من المحاسبةِ قد بدأ.
بعد أن أُخرج الخائنان (غسان وثابت)، ساد صمتٌ أثقل من الجبال. التفت شَدَّاد ببطءٍ نحو الجانبِ الأيسر من الديوان، حيث يقف الوزير (منصور)، الرجل الذي كان صوته يترددُ في الغرفِ المغلقةِ، يحرّضُ الشيوخَ، ويزرعُ الشكوكَ في النفوس، ويحرثُ الأرضَ فتنةً ضد السلطان.
كان منصور يحاولُ التماسك، لكن نظراتِ شَدَّاد كانت تُعريه من وقاره المصطنع. لم يصرخ السلطان، ولم يطلب سيفاً، بل التفت نحو المنصةِ العاليةِ التي يجلسُ فيها شيخُ الإسلام وكبارُ الفقهاءِ الذين حُشدوا ليشهدوا هذا اليوم.
بصوتٍ منخفضٍ ومملوءٍ بالوقار، خاطب شَدَّاد الشيخَ الكبير:
«يَا شَيْخَ الإِسْلَامِ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ -مُشِيراً إلى منصور- قَدْ اتَّخَذَ مِنَ المِنْبَرِ مِعْوَلاً لِهَدْمِ وَحْدَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ. لَمْ يَكْتَفِ بِمُعَادَاتِي، بَلْ سَعَى لِتَفْرِيقِ الكَلِمَةِ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ، وَأَفْسَدَ ذِمَمَ الشُّيُوخِ بِالفِتْنَةِ وَالْبُهْتَانِ. فَانْظُرْ فِي أَمْرِهِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، فَأَنْتُمُ أَهْلُ العَقْدِ وَالحَلِّ، وَأَنَا لا أَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا بِحُكْمِ الشَّرْعِ.»
ارتجف منصور، فالمواجهةُ مع السلطانِ قد تُدفعُ بصلحٍ أو عفو، لكن المواجهةَ مع “الفتوى” هي نهايةٌ لا رجعةَ فيها.
نهض الشيخُ الكبير، وخطا نحو وسطِ القاعةِ بخطواتٍ متهاديةٍ لكنها واثقة. نظر إلى منصور نظرةً تجمدت لها الدماءُ في عروقه، ثم قال بصوتٍ جهوريٍّ لا يأتيه الباطل:
يَا مَنْصُورُ، إِنَّ سَعْيَكَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِيقَادَ نَارِ الفِتْنَةِ فِي بَيْتِ المُلْكِ، هُوَ عُدْوَانٌ عَلَى بَيْضَةِ المُسْلِمِينَ. وَمَنْ خَانَ المِيثَاقَ وَحَرَّضَ عَلَى الفَسَادِ، فَقَدْ جَازَ فِيهِ قَوْلُ اللهِ: {وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ}. وَبِناءً عَلَيْهِ، فَقَدْ حَكَمْنَا بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الدَّوْلَةِ مِنْكَ، وَبِعَزْلِكَ عَنِ الأَمَانَةِ الَّتِي خُنْتَهَا، وَبِنَفْيِكَ عَنِ الدِّيَارِ حَتَّى يَرَى السلطانُ فِي أَمْرِكَ مَا يَشَاءُ، حِفَاظاً عَلَى أَمْنِ العِبَادِ.»
سادَ صمتٌ رهيب، لم يجرؤ أحدٌ على التنفس. كان حكمُ الشيخِ هو “ختمُ الحق” الذي لا يُردُّ. نظر شَدَّاد إلى إسحاق، فأومأ القائدُ، وتناول الحرسُ منصوراً الذي سقطَ مغشياً عليه من هولِ الموقف، وسُحبَ من الديوانِ دون أن ينطقَ بكلمة.
تنهد شَدَّاد، ونظر إلى الحاضرينَ نظرةَ مَن استردَّ عافيةَ مُلْكِهِ، ثم التفتَ إلى الوزير عبد السلام:
أشار شداد إلى إسحاق، القائدِ الوفي، ليتقدم.
«يَا إِسْحَاقُ ، أَنْتَ مَنْ يَعْرِفُ مَعْدِنَ الفُرْسَانِ. بَدءاً مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تُعَيَّنُ “قَائِداً لِأَمِيرَاءِ الجَيْشِ”؛ وَمَهَمَّتُكَ أَنْ تُعِيدَ تَرْتِيبَ الصُّفُوفِ. كُلُّ مَنْ كَانَ يَتْبَعُ “غَسَّانَ” وَ”ثَابِتٍ” مِنَ الجُنُودِ، يُعْرَضُ عَلَيْهِ العَهْدُ جَدِيداً، فَمَنْ أَبَى فَسِلاحُهُ يُوضَعُ عِنْدَ بَابِ القَصْرِ وَيُصْرَفُ إِلَى أَهْلِهِ بِلا ضُرٍّ، وَمَنْ أَقْسَمَ، فَلْيَحْمِلْ سِلاحَهُ بِنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، فَإِنَّنَا لَا نُحَارِبُ بِجُنُودٍ مُكْرَهِينَ.»
ثم التفت إلى الوزير عبد السلام:
«يَا عَبْدَ السَّلَامِ، كُنْتَ لِي بَصَراً حِينَ كَانَ غَيْرُكَ يَعْمَى، وَلِسَاناً حِينَ كَانَ غَيْرُكَ يُبَلَّعُ الخَوْفَ. لَقَدْ تَقَلَّدْتَ الآنَ “مَنْصِبَ الصَّدَارَةِ العُظْمَى”. أَعِدَّ قَوَائِمَ الرِّجَالِ الذينَ لَمْ يَخُونُوا، لِنُوَلِّيَهُمْ مَقَالِيدَ الحُصُونِ، فَلا حُكْمَ لِخَائِنٍ بَعْدَ اليَوْمِ فِي مَفَاصِلِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ.»
قطع شداد دابرَ التمرد؛ فحوّلَ “الخونة” إلى ذكرى منبوذة، و”الخائفين” إلى جنودٍ يُمنحون فرصةً للوفاء، و”الأوفياء” إلى قادةٍ يُكافأون.
وقفَ الجميعُ صفاً واحداً، وبحركةٍ عسكريةٍ موحدة، أقسموا الولاءَ من جديد.
خرج شداد من الديوان، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً. لم يلتفت، كانت خطواته لا تزال تحمل رمل الصحراء وصليل الترس، رغم أنه في قلب القصر. بقي الوزير عبد السلام وبعض الشيوخ الكبار الذين عاصروا والده السلطان نعمان واقفين في الردهة، يراقبون ظهره وهو يبتعد نحو “المقصورة”.
مسح الشيخُ أبو حفص، الذي كان مستشاراً للسلطان نعمان لثلاثين عاماً، لحيته البيضاء وقال بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالرعشة:
«أتعلم يا عبد السلام؟ كان السلطان نعمان -رحمه الله- إذا دخل الديوان، خُيِّل إلينا أن العرشَ وحدهُ من يكلمُنا. كان للتاجِ هيبةٌ تمنعُ الأنفاسَ، وكان يكتفي بالإشارةِ، فتُنفذُ الأوامرُ في المشارقِ والمغاربِ وهو جالسٌ في سكونِ عرشِهِ.»
أومأ الشيخ إبراهيم برأسه موافقاً، وأضاف بأسى:
«نعمان كان سلطاناً.. كان يرى الحكمَ “رفعةً” لا تُلمس، وكان الحكمُ عنده “ليناً” يغلفُ القراراتِ بوقارٍ لا يُسألُ عنه. أما السلطان شداد .. لا يسألُ التاجَ عن هيبتِهِ، بل يصبغُ هيبتَهُ بدمِ ميدانِهِ. انظر إليه، لا تعرفُه إن كان سلطانَ البلادِ أم فارساً في طلائعِ الجند.»
التفت إليهم الوزير عبد السلام، الذي خبر سرَّ شداد أكثر من أيِّ بشرٍ على الأرض، وبابتسامةٍ مكرورةٍ قال:
«أنتم ترونَ “سلطاناً” ناقصاً، وأنا أرى “قائداً” كاملَ المكر. شدادٌ لا يريدُ كرسياً يتكئُ عليه، بل يريدُ شبكةً لا يُفلتُ منها أحد. السلطانُ في عهدِ والدهِ كان يثقُ فيمن حوله، فخُذِل، أما شدادٌ.. فهو لا يثقُ إلا في سيفِهِ وعقلِهِ الذي يزنُ المؤامرةَ قبل أن تُولدَ في أذهانِكم.»
تنهد الشيخ أبو حفص وقال
«إنَّ شداداً “شديدٌ”.. شديدٌ لدرجةٍ تجعلنا نشتاقُ لليونةِ العهدِ الأول. هو لا يصاحبُ، ولا يبتسمُ إلا ليخدع، ولا يجلسُ إلا ليرسمَ خطوةً جديدةً في الثغور. إنه يملكُ دهاءَ السياسيين، لكنْ بصلابةِ المحاربين.. لا هو سلطانٌ نخشى هيبتَهُ، بل هو قائدٌ نخشى يقظتَهُ.»
ختم الوزير عبد السلام الحوارَ بنظرةٍ حادة
«تلك هي مأساتُكم؛ كنتم تظنون أن السلطانَ “منصبٌ” يُحترم، وتناسيتم أنه “دماغٌ” لا يُهزم. شدادٌ ليس سلطاناً تقليدياً، إنه عاصفةٌ بشرية، وهو في حِلٍّ من “ليونة” الملوك، لأنه قرر أن يكونَ هو المطرقةُ، وأنتم.. أنتم فقط تعيشون في هذا العهد، فإما أن تصمدوا في وجهِ طوفانِهِ، او تنزلو الكتب والعبائات امامه”
بقي الوزير عبد السلام والشيوخ يراقبون شداد وهو يبتعد، فاستأنف الشيخ إبراهيم الحديث بصوتٍ مخنوق بالذكرى:
«هل تذكرون يومَ أرسله السلطان نعمان إلى أنمارة؟ يومها كانت تلك المنطقةُ جمرةً لا يطفئها إلا الدم. قال لنا نعمان حينها: “أرسلُه ليُروضَ الذئاب، فإذا روضها، صار هو الذئب الذي يحمي الحمى”. ظننا أنه سيعودُ إلينا بعد عامٍ أو اثنين، لكنه بقي هناك سنواتٍ طوالاً.»
هزّ الشيخ أبو حفص رأسه بمرارة، وأكمل:
«لقد أكلت رمالُ أنمارة كلَّ ذرةٍ من “سلطنة” القصر في عروقه. هناك، حيث القبائلُ لا تعترفُ إلا بمن يغلبُها، وحيثُ لا ينفعُك نسبُكَ ولا عرشُ أبيك. لقد تعلمَ هناك أنَّ السلطةَ ليست في مرسومٍ يُكتبُ، بل في رأسٍ يُقطعُ ليرتدعَ الآخرون. عاد شدادٌ وقد صار “صُلبَاً” كصخورِ أنمارة، لا يلينُ ولا يلين.»
تدخل عبد السلام، وعيناه تلمعان بفهمٍ عميقٍ لشخصية السلطان:
والآن، أنتم تستغربون صرامتَه؟ شدادٌ ما زال يظنُّ أننا جميعاً في “أنمارة”؛ يعاملُ الوزراءَ كما كان يعاملُ زعماءَ القبائلِ المتمردين، ويرى الديوانَ ميدانَ معركة. لقد صار “تدريسه” في قسوة الصحراء هو دستوره الوحيد.»
أضاف الشيخ إبراهيم بنبرةِ إدراك:
«لهذا لا يلبسُ الحريرَ، ولا يكتفي بالإشارة. هو يشعرُ بالحرجِ وسطَ أبهةِ القصرِ؛ يرى فيها ضُعفاً، ويرى في القادةِ حوله أشباحاً لا تصلحُ للوغى. لقد سُلبَ منهُ “حقُّ الترفِ” في صباه، فاستبدله بـ “حقِّ البقاء” في كهولته.»
ختم عبد السلام الحوار وهو يلتفتُ ليغلقَ أبوابَ الديوان خلفهم:
«لا تنتظروا منه أن يكونَ “نُعمانَ” آخر. السلطانُ نُعمان كان يُريدُ أن يَحكُمَ التاريخَ بنظرياتِ القصور، أما شَدَّادٌ.. فإنه يصنعُ التاريخَ بيده، بدءاً من توحيدِ قبائلِ “أنمارة” الصخرية، حتى دخوله بلاطَ “شَالَةَ” المنيع.
أتظنون أنَّ قبائلَ الأمازيغِ في أعالي الجبال ؟ كانت سهلةَ المَنال؟ إنَّ مَن روّضَ ذئابَ انمارة واسود الاطلس الامازيغية لن يرهبَه أفاعي الديوانِ هنا. هُوَ لن يدخلَ قصرَه كملِكٍ يكتفي بالعرشِ، بل سيدخلُه دائماً كقائدٍ، عيناهُ لا تفتآنِ تفتشانِ عن عدوٍّ، حتّى لو كان ذلك العدوُّ جالساً بيننا في هذا المجلس، يتنفسُ من هوائنا ويأكلُ من زادِنا!»
صمتَ الوزيرُ للحظةٍ ليتركَ كلماتِه تترسخُ في القلوبِ المرتجفة، ثم أضاف بابتسامةٍ خبيثةٍ زرعت الرعب في الصدور
«السلطانُ نُعمان بَنَى دولةً، لكنَّ شَدَّاداً بَنَى “قوةً” لا تَقهر. هو لا يَحكُمُنا، هو يُحاصِرُنا.. يَحاصِرُ خياناتِنا قبل أن نُفكّرَ فيها، ويَستأصلُ شأفةَ الغدرِ قبل أن ينمو. فمن أرادَ في هذا العهدِ أماناً، فليكنْ صادقاً في ولائِه، فإِنَّ “القائدَ” في مِحْرَابِهِ لا يغفرُ لمن يطعنُ في الظَّهرِ مَنْ حَمَاهُ.»
لِقَاءُ العَهْدِ وَالغِيَاب
خطا شَدَّاد نحو “جوف المقصورة” بخطواتٍ تختلفُ عن تلك التي دكَّ بها ساحةَ الديوان. خلعَ عن عاتقهِ ثقلَ السيفِ وصرامةَ القائد، لكنَّ هيبتَهُ بقيت تسبقُه كظلٍّ طويلٍ يمتدُّ أمامَه.
حينَ دنا من الصحن، كان المشهدُ ينتظرُه؛ لالة اليازية تقفُ كالسنديانة، بل مشى بخطواتٍ متهيبة، وحين وصلَ أمامها، أمسك كفيها، وقبّلهما طويلاً، ثم رفع رأسه ليقرأ في وجهها تفاصيلَ سنواتِ الانتظار. لم تكن الكلماتُ ضرورية، ففي صمتِ “اليازية” وقوةِ حضورها، كان يرى الوطنَ الذي تركه والوطنَ الذي عاد إليه. همست بنبرةٍ خافتة، لكنها هزت أركان المكان:
“أعدتَ للأرضِ ميثاقَها يا ولدي، وأعدتَ لقلبي النبضَ الذي انقطعَ.”
بعد أن استمدَّ من أمِّه صمودَه و التي كانت نظراتُها تتبعهُ بالفخر، والتفت ليقفَ مباشرةً أمام ابنه علي. كان علي، ابنُ السبعِ سنوات، يقفُ بصلابةٍ تُحاكي وقفةَ أبيه، عيناهُ تلمعانِ وضع شَدَّاد يده على مقبضِ سيفه، ثم فكَّ حزامه وألقاهُ جانباً، في إشارةٍ رمزيةٍ أنه لم يعد في ميدانِ معركة. انحنى حتى أصبح في مستوى ابنه، ونظرَ في عينيه نظرةَ فاحصٍ لا يرحم، وكأنه يختبرُ معدنَ الصبيّ الذي تركهُ طفلاً وعادَ ليجدهُ رجلاً صغيراً.
كسر علي الصمتَ بصوتٍ ثابتٍ لا يرتجف:
«لَمْ أَنَمْ لَيْلَةً وَاحِدَةً دُونَ أَنْ أُشْهَرَ خَشَبِي كَمَا فَعَلْتَ أَنْتَ بِسَيْفِكَ. كُنْتُ أَنْتَظِرُكَ لِتُخْبِرَنِي: هَلْ كَانَ النَّصْرُ حَقّاً كَمَا كُانت جدتي تحكي لي في احلامي؟!”
ابتسم شَدَّاد لأولِ مرة، ابتسامةً خفيفةً لم تصل لعينيهِ الصقريتين، بل بقيت في زاويةِ فمه. وضع يدهُ الثقيلة على كتفِ الصبي، وقال بنبرةٍ فخرٍ لا تُخفى:
«النَّصْرُ يَا عَلِيُّ لَيْسَ مَا نَرَاهُ فِي أَحْلَامِنَا، بَلْ هُوَ مَا نَصْنَعُهُ بِأَيْدِينَا حِينَ تَضِيقُ بِنَا الأَرْضُ.
ثم سحب الصبيَّ نحوه بضمةٍ خاطفةٍ وقوية، ضمّةَ محاربٍ لا يجدُ الأمانَ إلا في صلبِ مَن سيخلفُه. وبعد أن استقامَ في وقفته، التفتَ إلى الشريفة التي كانت تقفُ خلفهما، ونظرَ إلى طفلتهِ الصغيرةِ في يديها، بعد أن احتضن علي وأعطاه تلك “الوصية الصامتة” التي تليق بمستقبل القائد، التفت شَدَّاد نحو الشريفة. توقف أمامها، وفي عينيه نظرةُ تقديرٍ تفيضُ بالامتنانِ لكلِّ يومٍ قضته في غيابه. لم يكن لقاءً عابراً، بل كان إقراراً بمكانتها كشريكةِ حياةٍ صانت الدار.
ثم خفض بصره نحو البنيّةِ الصغيرةِ في يديها. مدَّ يدهُ بحذرٍ ورقةٍ شديدةٍ، وكأنه يخشى أن يكسرَ شيئاً من فرطِ حنوهِ. لمسَ خدَّها الصغير، وابتسمَ ابتسامةً دافئةً:
«مَرْحَبًا بِقِطْعَةٍ مِنِّي، رَأَتِ النُّورَ وَأَنَا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ..
نظر إلى الشريفة نظرةً تُعبّرُ عن عمقِ امتنانه، ثم أضاف:
«لَقَدْ أَعْطَيْتِها مَلامِحَ السَّكِينَةِ، ، فَاحْفَظِيهَا فِي عَيْنَيْكِ، فَهِيَ اليَوْمَ صَارَتْ أَثْمَنَ مَا أَمْلِكُ.»
بعد هذه اللحظات، استقامَ في وقفته، واستجمعَ كلَّ هيبتِهِ. التفتَ ببطءٍ شديدٍ نحو الركنِ الذي تقفُ فيه شامة.
هنا، خيّم الصمتُ الثقيل. لم تعد هناك كلماتٌ تقال، ولا عباراتٌ تليقُ بحجمِ الفجوةِ التي خلّفها غيابُه. نظراته الآن لم تكن للقائدِ الذي يوزعُ المهام، بل كانت نظراتِ رجلٍ يقفُ أمام “سرِّه الأكبر”.
بعد أن انصرف الجميع، وبقي الصحنُ فسيحاً وموحشاً في آنٍ واحد، وقف شَدَّاد في منتصفِ الرخام. كان يُفترضُ به أن يكونَ القائدَ الذي انتصرَ للتو، لكنَّ ملامحَهُ كانت توحي برجلٍ يواجهُ شيئاً أكبرَ من المعارك.
وقفت شامة في ركنِها، جسدُها منتصبٌ، ونظراتُها ثابتةٌ نحو الأفق، كأنها تتعمدُ ألا ترى الوجودَ في غيرِ تلك النقطة.
وقف شَدَّاد في منتصفِ الرخامِ، بجسدٍ منتصبٍ لا ينحني، ويدينِ تستقرانِ خلفَ ظهرهِ بوقارٍ ملكيٍّ لا يُخفى. كانت ملامحهُ محفورةً بحزمٍ لم يتركْ للارتباكِ مساحةً؛ وجهه كأنه قناعٌ من صخر، وعيناهُ تلمعانِ ببرودٍ حادٍّ يقطعُ أنفاسَ المكان.
لم يلتفت شَدَّاد نحو شامة فوراً، بل انتظرَ حتى استقرت أنفاسُ الصمتِ في القصر. ثم استدارَ ببطءٍ مهيب، وحركتُه مدروسةٌ كتحركِ الجبال. توقف أمامها، لا مسافةَ قريبةً توحي بالضعف، ولا بعيدةً توحي بالهروب. وقفَ وقفةَ مَن يملكُ الأرضَ ومَن عليها.
نظرَ إليها نظرةً طويلةً، كانت نظرةً تزنُ الوقارَ وتفحصُ الصمود. قال بنبرةٍ رخيمةٍ، هادئةٍ، لكنها تحملُ في طياتها سلطةً لا تُناقش:
«قِيلَ لِي إِنَّ الصَّبْرَ فِيكِ لَا يَنْفَدُ، وَرَأَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ قَائِمَةً بَعْدَ غِيَابِي.. لَمْ آتِ لِأُفَتِّشَ فِي مَا مَضَى، فَالمُلُوكُ لَا يُنَقِّبُونَ عَنِ الرِّمَادِ، بَلْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا بَقِيَ مِنْ حُدُودِ المَمْلَكَةِ.»
رفعت شامة رأسها، وقابلت نظرتَهُ بنظرةٍ لا تقلُّ هيبةً، فهي وإن كانت زوجته، إلا أنها تدركُ أنها شريكةُ هذه الهيبة. لم ترتبك، ولم تخفض بصرها. قالت بنبرةٍ صافيةٍ، خاليةٍ من أيِّ انكسار:
«المَمْلَكَةُ يَا سُلْطَانُ، لَيْسَتْ حِجَارَةً تُشَيِّدُهَا، بَلْ أَرْوَاحاً تَحْمِلُهَا. وَمَا بَقِيَ مِنْهَا، لَمْ يَبْقَ بِفَضْلِ الصَّبْرِ وَحْدَهُ، بَلْ لِأَنَّ هُنَاكَ كِبْرِيَاءَ يَأْبَى أَنْ يَخْضَعَ لِغِيَابٍ، مَهْمَا طَالَ.»
لم تظهر على وجه شَدَّاد أيُّ حركةٍ، لا تشنجَ ولا اضطراب. بقيَ ثابتاً كالسيفِ في غِمده. سادَ صمتٌ استمرَّ طويلاً، كان صمتاً يُحللُ فيه كلٌّ منهما ما وراءَ الآخر. اقترب شَدَّاد خطوةً واحدة، كانت خطوةً فيها من “الامتلاك” ما يجعلُ الجدرانَ تشهدُ على سلطته، وقال بنبرةٍ منخفضةٍ، لكنها واضحةٌ كوقعِ الحوافر
«الْكِبْرِيَاءُ صِفَةُ الحُرِّ، لَكِنَّ المَلِكَ يَعْرِفُ مَتَى يُطِيعُهُ، وَمَتَى يُجْبِرُهُ عَلَى الانْحِنَاءِ.. لَا أَمَامِي، بَلْ أَمَامَ القَدَرِ الَّذِي أَعَادَنِي إِلَى هُنَا.»
تجمّدَ الصمتُ بينهما، وكان الصحنُ في تلك اللحظة مسرحاً لصدامٍ صامتٍ أشدَّ وطأةً من ضجيجِ المعارك. شَدَّاد لم يرمش، ونظراته الممسوحة بالبرود الملكي كانت تخترقُ ثبات شامة
ظلت شامة شاخصةً ببصرها إليه، لم يرفَّ لها جفن، ولم تُبدِ أيَّ تأثرٍ بوطأةِ حضورِه. وبصوتٍ انسابَ كخيطٍ من فولاذٍ في سكونِ المكان، قالت:
«الْقَدَرُ قَدْ يُعِيدُ الْجَسَدَ يَا سُلْطَانُ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ سُلْطَةً عَلَى مَا أَمَاتَتْهُ السِّنُونَ فِي النُّفُوسِ. إِنْ كُنْتَ قَدْ عُدْتَ لِتَكُونَ صَاحِبَ الْقَصْرِ، فَلَكَ ذَلِكَ.. وَإِنْ كُنْتَ قَدْ عُدْتَ لِتَكُونَ سَيِّدَ الْقُلُوبِ، فَقَدْ جِئْتَ إِلَى مَكَانٍ لَمْ يَعُدْ يَعْتَرِفُ بِالْأَلْقَابِ.»
استقرَّت نظرةُ شَدَّاد على وجهها، ولم تتحرك عضلةٌ واحدة في ملامحهِ الجامدة. لم يُظهر غضباً، ولم يُبدِ دهشةً؛ كان واثقاً من أنَّ كلَّ حرفٍ نطقَت به ليس إلا انعكاساً لكبرياءٍ يحترمهُ هو قبل أن يكرهه.
حرك شَدَّاد رأسَهُ ببطءٍ شديد، نظرةُ استهزاءٍ خفيفةٍ لاحت في زاويةِ عينيهِ، ثم قال بصوتٍ يملؤه الجبروتُ الرصين:
«الْقُلُوبُ.. قَضِيَّةٌ أُخْرَى لَا تُخَاضُ فِي الرِّحَابِ. لَكِنَّكِ أُنْسِيتِ حَقِيقَةً وَاحِدَةً يَا شَامَةُ: أَنَّ هَذَا الْقَصْرَ لَا يَقْبَلُ الْأَنْدَادَ، وَأَنَّ هَيْبَةَ السَّلْطَنَةِ هِيَ الْقَانُونُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْرِي عَلَى مَنْ تَحْتَ سَقْفِهِ.
خطا شَدَّاد نحوها خطوةً إضافية، حتى باتت أنفاسُه تلامسُ هالةَ وقارِها، لكنه لم يتجاوزْ حدودَ الاحترامِ السلطاني. مدَّ يدهُ ببطءٍ مهيب، لا ليلمسها، بل ليضعها على حافةِ الرخامِ بجانبها، محاصراً إياها بهيبتهِ دونَ تلامسٍ جسدي، ثم أردفَ بكلماتٍ كأنها حُكمٌ نهائي:
«سَأَتْرُكُ لَكِ هَذَا الْكِبْرِيَاءَ لِتَعِيشِي بِهِ، لَكِنْ لَا تَنْسَي أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ لِأَسْتَعْطِفَ، بَلْ لِأَسْتَرِدَّ مَا كَانَ لِي بِحَقِّ السَّيْفِ وَالْعَهْدِ.»
أدار ظهرهُ لها بوقارٍ ملكيّ، تاركاً إياها واقفةً في مكانها، بينما كان صدى خطواتِهِ الثابتةِ هو الصوتَ الوحيدَ الذي يكسرُ صمتَ المقصورةِ حتى غادرَها، تاركاً خلفه بركاناً خاملاً
خَلْفَ الأَبْوَابِ الْمُوصَدَةِ: انْكِسَارُ المَرَايَا
لم تكد الخطواتُ تبتعدُ في الرواقِ حتى استندت شامة بظهرها إلى البابِ الخشبيِّ الثقيل. تنفست بعمقٍ، ثم فجأةً، تلاشى ذاك الجمودُ الصخريُّ الذي ارتدته كدرعٍ أمام السلطان. بدأت يداها اللتان كانتا مشدودتينِ بقوةٍ ترتجفانِ بعنف، وتسارعت أنفاسُها حتى كادت تختنق.
انزلقت إلى الأرضِ ببطء، وجلست فوق البساطِ المنسوج، وقد بدأت الدموعُ تتلألأ في عينيها كالبلورِ المكسور، لكنها حبستها بجهدٍ جهيد. كانت الرعشةُ تسري في أوصالها، وكأنَّ جبلًا من الجليدِ قد ذابَ في لحظةٍ واحدة، تاركاً إياها عاريةً أمامَ وهنِها.
في تلك اللحظة، دخلت دادة رقية، التي كانت تراقبُ كلَّ خطوةٍ
. بمجرد أن رأت ابنتها في تلك الحالة، أغلقت البابَ خلفها بهدوء، واقتربت منها بخطواتٍ حانية، وجثت على ركبتيها بجانبها.
نظرت إليها رقية بعينينِ تعرفانِ خبايا هذه الروح، وقالت بصوتٍ متهدجٍ
“يهديك الله ابنتي براكة ما تحرقي فراسك ،، حرقتي قلبي معاك “
رفعت شامة رأسها، وكانت الرعشةُ لا تزالُ في يديها، نظرت إلى رقية بدموعٍ أبت إلا أن تنحدر، وأجابت بنبرةٍ مخنوقة
«عيت يا دادة.. عيت نصبر، وعيت نلعب دور اللي ما كيتهزش، ولكن ملي شفتو.. ملي وقفت قدامو، حسيت بكلشي فيا كيرجف. خايفة نضعاف قدامو، وخايفة نكون بانت ليه ضعيفة، وهو كيشوف فيا بهاديك النظرة اللي ما عرفت واش هي حب ولا انتقام.»
ضمتها رقية إلى صدرها، تمسحُ على شعرها وكأنها تحاولُ لملمةَ شتاتها،أطبقت شامة عينيها، وهي تشعرُ بدموعها تبللُ كتف رقية، ورعشتها بدأت تهدأ قليلاً بفعلِ احتواء الأم الحانية، لكنَّ وجعَ القلبِ بقيَ معلقاً، كجرحٍ مفتوحٍ لا يندملُ إلا بالبوح.
يخيمُ السكونُ على أروقةِ القصرِ، سكونٌ لا يقطعهُ إلا وقعُ خطواتِ شَدَّاد الذي دلفَ إلى مقصورةِ لالة اليازية. دخلَ بهيبةٍ تَسبقه، ملامحُ وجهِهِ كأنها نُحتت من صوان، لا أثرَ فيها لسفرٍ أو عناء. ما إن لمحتهُ لالة اليازية، حتى انتصبت واقفةً، تقديراً لمكانةِ السلطانِ قبلَ مكانةِ الابن، واستقبلتهُ بابتسامةٍ فخرٍ لا تُخطئها العين.
بصوتٍ يحملُ وقارَ العصور، باركت له النصرَ:
«مباركٌ يا ولدي ما حقتْهُ يداك في شالة، لقد عُدتَ بالمجدِ الذي يليقُ بسلالةِ السلطنة، وأعليتَ رايةً لا تنحني.»
أومأ شَدَّاد برأسهِ إيماءةً طفيفة، ثم أجابَ بنبرةٍ واثقة
«لولا سدادُ الرأيِ والدعواتِ الصادقة، لما استقامَ لنا أمر. فقدنا في الطريقِ ما فقدنا، وجرّعتنا خيانةُ الخائنينَ مرارةً ما كنتُ أحسبُ لها حساباً، لكنَّ الحقَّ في النهايةِ ساد.»
حلَّ صمتٌ ثقيلٌ في المكان، صمتٌ يُطوِّقُ المعنى ولا يلتفُّ حوله. أدارَ شَدَّاد بصرهُ نحو النافذةِ المطلةِ على الصحن، ثم استدارَ إليها ببطءٍ مهيب، وقال بلهجةٍ آمرةٍ لا تقبلُ التأويل:
« أوصي بأن يُهَيَّأَ جناحٌ خاصٌ في القصر، يُجَهَّزُ بأبهى ما في الخزائن، ويُعَدُّ بكلِّ ما يليقُ بمقامِ زوجةِ السلطان.»
هنا، انفرجت أساريرُ لالة اليازية عن دهشةٍ لم تستطع إخفاءها، ارتجفت هدبُ عينيها لحظةً، وبرزت علاماتُ المفاجأةِ على وجهِها الواعي. لكنها، وبحكمتها التي خبرت بها دهاليزَ القصور، ابتلعت كلماتِها قبل أن تولد. لم تسأل “لِمَن؟” ولم تستفسر عن الزوجةِ المقصودةِ التي لا يعلمُ بأمرها أحد.
نظرت في عيني ابنها نظرةً واحدةً، فقرأت ما وراءَ الحروفِ من تصميمٍ وحزم.
أومأت برأسها إيماءةً بطيئةً ومتحفظة، إشارةً منها إلى أنها تلقَّت الأمرَ ووعت مقاصدَه، دون أن تكسرَ هيبةَ الصمتِ الذي سادَ بينهما
أومأت لالة اليازية برأسها، وبصوتٍ رخيمٍ مفعمٍ بالطاعةِ والتدبير، قالت:
«سَيُنفَّذُ الأمرُ يا ولدي.. سيُهَيَّأُ الجناحُ على أكملِ وجهٍ، ويُجَهَّزُ بكلِّ ما يليقُ بِمقامِ زوجةِ السلطانِ وما يتطلبهُ هذا المقامُ من أبهةٍ وإجلال.»
التقت نظراتُهما. كانت لالة اليازية تتفرسُ في وجهِ ابنها، وفي عينيها ذكاءٌ متوقدٌ يقرأُ ما وراءَ الحروف. خفضت نبرتَها قليلاً، وأردفت بسؤالٍ مباشرٍ يحملُ في طياتِه كلَّ الفهمِ والاحتواء:
«وهل أجعلهُ مطعماً بالطابعِ الأمازيغيِّ في نقوشِه وأثاثِه؟»
توقف الزمنُ للحظةٍ في المقصورة. لم ينطق شَدَّاد بكلمة، بل اتسعت عينُه بابتسامةٍ بارقةٍ لم تظهر على شفتيه، بل كانت “نظرةَ إقرارٍ” عميقةً ومريحة، أخبرت أمه بكل شيءٍ دون حاجةٍ للسان. ردت عليه لالة اليازية بابتسامةٍ هادئةٍ ووقورة، وحنت رأسها بإجلالٍ يليقُ بمكانتِه، إيذاناً منها بأنَّ الرسالةَ قد وصلت، وأنَّ المهمةَ أصبحت في عهدتها.
استدار شَدَّاد، وغادرَ المقصورة بخطواتٍ واثقةٍ يترددُ صداها في الرواق. بقيت لالة اليازية مكانها، تسترجعُ كلَّ كلمةٍ قيلت وتوزنها بميزانِ الخبرة. حينها، رفعت رأسها بكبرياءٍ صامت، وأشارت لجاريةٍ كانت تقفُ في الأطراف:
«نادِ لي العريفةَ.. دعيها تأتِ إليَّ فوراً.»
ما إن دخلت العريفة حتى أغلقت لالة اليازية البابَ خلفها بإحكام، لتقولَ لها بنبرةٍ حازمة:
«يا عريفة، عندنا ضيفٌ جديدٌ سيحلُّ بالقصرِ، ولا أريدُ خطأً واحداً. اختاري واحداً من أجنحةِ القصرِ الكبيرة، وأريدكِ أن تجهزيهِ على أكملِ وجهٍ بأجودِ الحريرِ والأثاث.»
توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرةٍ تحملُ توجيهاً صارماً لا يقبلُ التغيير:
«وليكنِ التجهيزُ بالطابعِ الأمازيغيِّ الأصيل.. أريدُ النقوشَ والأثاثَ أن تعكسَ عراقةَ الجبلِ وروحَ المغرب ، ، أريدُ أن يشعرَ مَن يدخلهُ بأنه في بيتهِ الأول. كلُّ شيءٍ يجبُ أن يكونَ في غايةِ التكتمِ والسرية، فالأمرُ يخصُّ زينةَ القصرِ وما سيأتي به السلطان.»
انحنت العريفة وهي تدركُ جسامةَ المهمة، وأجابت بإيجازٍ وطاعة:
«سيكونُ كما أمرتِ يا مولاتي، لن يعلمَ أحدٌ بما يدورُ خلفَ هذه الجدران.»
خرجت العريفة مسرعةً لتنفيذِ الأمرِ بدقةٍ متناهية، بينما بقيت لالة اليازية وحدها، تتأملُ جدرانَ جناحها، مدركةً أنَّ القصرَ على وشكِ أن يشهدَ عودةً ستغيرُ كلَّ شيء، وأنَّ الجناحَ الذي سيتزينُ بلمساتِ الأمازيغ، سيحملُ في طياته الكثيرَ من أسرارِ السلطان.
كان موكب لالة كنزة يشقُّ طرقه نحو العاصمة ببطءٍ مهيب، كأنَّ الأرضَ تحت عجلاتِ عربتِها الذهبيةِ ترفضُ الاستعجالَ في استقبالِ ملكةِ الجبلِ الجديدة. كانت العربةُ تُجرُّ بستةِ خيولٍ أصيلةٍ مُطهمة، والفرسانُ بملابسهم الرسميةِ يحيطون بها من كل جانب، سياجٌ من القوةِ يحمي هذا السرَّ القادم من خلفِ الجبال.
في الداخل، كانت كنزة تجلسُ بوقارٍ، يحيطُ بها مخملُ المقاعدِ الوثير، ورائحةُ البخورِ النادرِ تملأ المكان. لم تكن كنزةُ الأمس التي تعلو وجنتيها غبارُ القبيلة، بل كانت سلطانةً في أبهى حُلَّة؛ ترتدي قفطاناً من حريرٍ أزرق داكن، مطرزاً بخيوطِ الذهبِ التي تحكي حكاياتِ الجبل، وعلى رأسها تاجٌ خفيفٌ يتلألأُ في ضوءِ الشمسِ الذي يتسللُ من نوافذِ العربة.
كانت لبانة تجلسُ بجانبها، تراقبُها بابتسامةٍ فخورة، بينما كانت كنزةُ تلتصقُ بالنافذة، عيناها تلمعانِ ببريقٍ لا يوصف، تراقبُ الحقولَ والمدنَ الصغيرةَ التي يمرُّون بها، وهي التي لم تعرف يوماً سوى قممِ الجبالِ الشاهقة.
قالت كنزة بصوتٍ يملؤه الذهولُ ولكنة امازيغية تغلب في مخارج الحروف من فمها برقة:
«شوفي يا لبانة.. كاع هادشي ديالي؟ عمري ما تخيلت راسي وسط هاد الموكب، ولا كنت كنظن بلي غنركب في هاد العربة لي كتجري!
ضحكت لبانة بخفةٍ وأجابتها:
«هذا هو المكتوب يا لالة كنزة، السلطان بغاك تكوني سلطانة، وهادي غير البداية، القصر اللي غادي ندخلو ليه دابا غادي يبدل كوولشي، ايوا غيير وجدي راسك!”
تنهدت كنزة بحنينٍ ممزوجٍ بالفرح، وقالت وهي تمسحُ بيدها على نسيجِ القفطان الغالي:
السلطان .. سبقنا كي الريح، خايفة يا لبانة،القلب ديالي كيضرب!
مسكت لبانة يدها وشدت عليها:
“زيري راسك الاللة كنزة، القصر ماشي هوا القصبة، والعيون فيه حاااارة تولول وفيه النسا كتااار والخدم والعبيد كي النمل ، كوني لاللة مولاتي
فجأة، تغير إيقاعُ الخيول، وبدأ صخبُ المدينةِ يرتفعُ من الخارج. أزاحت كنزة الستارَ الثقيلَ قليلاً، فظهرت أسوارُ العاصمةِ العظيمة، بواباتُها الشاهقةُ التي تلوحُ في الأفق. كانت المئاتُ من العيونِ تترقبُ موكبَ “زوجةِ السلطان” القادمة.
حين اقتربت العربةُ من البوابةِ الكبرى للقصر، أحست كنزة برعشةٍ خفيفةٍ في قلبها، لكنها استجمعت قواها. رفعت رأسها بكبرياءِ ابنةِ الجبل، وطلبت من لبانة أن تُعدلَ لها التاج. كانت البوابةُ تفتحُ أمامها، تُعلنُ دخولَ عهدٍ جديد، ودخولَ المرأةِ التي ستُقلبُ موازينَ القصرِ بلمسةٍ من أصالتِها الأمازيغية.
توقفت العربةُ الذهبيةُ أمام البوابةِ الكبرى للقصر، وأحاط بها حراسُ القصرِ في صفينِ متراصين، يفسحون الطريقَ في صمتٍ مطبقٍ يعكسُ هيبةَ الموقف. تجمهرَ الخدمُ والجواري والعبيدُ في فناءِ القصر، كانت أعينهم تترقبُ بفضولٍ قاتل؛ فالموكبُ الملكيُّ القادمُ لا يشبهُ أيَّ استقبالٍ سابق، والكلُّ يتساءلُ: مَن هذه التي جاءتْ في هذا الموكبِ المهيب؟
من شرفةِ الجناحِ العلوي، كانت عيونُ ترصدُ المشهد. تجمعت الجواري في همسٍ ونظراتٍ حائرة!
في الجناح، كانت لالة اليازية جالسةً بهدوء، كأنها في انتظارِ ختامِ مقطوعةٍ موسيقيةٍ أتقنتْ تأليفها. لم يقطع هدوءها سوى صوتِ العريفة التي دخلت مسرعةً، وهي تطأطئ رأسها باحترامٍ بالغ، هامسةً بنبرةٍ يملؤها الوجل والسرعة:
«مولاتي.. الموكبُ قد وصل! العربةُ الذهبيةُ أمام البوابة، والفرسانُ يحيطون بها..
ارتسمت على شفتي لالة اليازية ابتسامةٌ خفيفةٌ، لم تضطرب، ولم تعجل، بل استقامت وقفتُها بهدوءٍ ملكيٍّ لا يُضاهى. نفضت ثوبها بوقار، ثم قالت بصوتٍ رصين:
«لقد طال الانتظار.. فلنذهب لاستقبالها، فمقامُها اليومَ من مقامِ دارنا.»
خرجت لالة اليازية من غرفتها، والخدمُ والجواري ينحنون أمامها في طريقها. كانت تمشي بخطواتٍ موزونة، وعيناها ترقبان الفناءَ الذي بدأ يمتلئ بالعيونِ المترقبة. صعدت “الحريم” إلى الشرفاتِ في صمتٍ مريب، وكأنَّ الهواءَ في القصرِ قد شُحنَ بتوترٍ غير مسبوق، فالجميعُ أحسَّ بأنَّ شيئاً كبيراً قد تغيَّر في هذه اللحظة.
وقفت لالة اليازية أمام البوابةِ الكبرى، وقد توسطت الفناءَ، وعيناها الثاقبتانِ تراقبانِ اللحظةَ التي سُيفتحُ فيها بابُ العربة. كانت تعرفُ جيداً أنَّ كلَّ عينٍ في القصرِ مُسلطةٌ عليها وعلى القادمة.
وقف لاللة اليازية داخل الفناء ترقب من الداخل عبر البوابة العالية ، تنتظرُ بابتسامةٍ بارزةٍ يملؤها الفخرُ والترقب. حين انفتح بابُ العربةِ، وبدأت كنزة في النزول، لم يكن نزولها كنزولِ الملكاتِ المعتاداتِ المتمرساتِ على الأضواء، بل كان نزولاً يتسمُ بحذرِ الطيورِ الوديعة.
بمجرد أن لامست قدماها الأرض، ووقعت عيناها على حشودِ الخدمِ والجواري، وتلك الأعينِ التي كانت ترقبها من كلِّ صوب، شعرت كنزة بحرارةٍ مفاجئةٍ تغزو وجنتيها، فاحمرَّتا وتوردتا بلونِ شقائقِ النعمان. خفضت رأسها بسرعة، وبحركةٍ عفويةٍ نابعةٍ من حياءِ الجبل، رفعت يدها ببطء لتضعَ لثامها على أنفِها، تغطي به نصفَ وجهها، وكأنها تحاولُ الاختباءَ من تلك النظراتِ التي تلاحقُها.
لم تكن قادرةً على رفعِ بصرها لتواجهَ لالة اليازية، بل بقيت واقفةً في مكانها، تفركُ أصابعها بخجلٍ وتنظرُ إلى الأرض، بينما كان قفطانُها الفاخرُ يضفي عليها وقاراً يتناقضُ تماماً مع ارتباكها الجبلي.
اقتربت منها لالة اليازية، وهي تدركُ تماماً أنَّ هذا الخجلَ هو دليلُ أصلِها وطهارةِ منبتها، فقالت بصوتٍ حانٍ، ولكنه يحملُ توجيهاً ملكياً:
«ارفعي رأسكِ يا ابنتي، فأنتِ اليومَ في داركِ، وبين أهلكِ. لا داعي لهذا الخجلِ الذي لا يليقُ بِمقامكِ الجديد.»
تجمدت كنزة في مكانها، فالحياءُ الذي يغمرُ روحَها جعلها لا ترى من حولها إلا الأرضَ، حتى جاءت تلك الكلماتُ الهادئةُ القويةُ لتهزَّ كيانها. رفعت بصرها ببطءٍ شديد، لتتأملَ المرأةَ التي تقفُ أمامها؛ كانت هيبتُها لا تُخطئ، لباسُها من الحريرِ الثقيلِ الموشى بالذهب، وملامحُ وجهِها التي تحملُ عزةً لا تملكُها إلا سيداتُ القصور.
بمجرد أن وقعت عيناها على وقار لالة اليازية، اتسعت عيناها بذهولٍ واضطراب، وزاد توترُها حتى كاد أن ينحبسَ نَفَسُها. تلفتت حولها بسرعةٍ كأنها تبحثُ عن مخرجٍ أو إشارة، لكنَّ لبانة كانت تقفُ خلفها، فهمست في أذنها بصوتٍ خفيٍّ وسريع:
«هادي هي لالة اليازية.. أمُّ السلطان الشداد يا كنزة، ما تبقايش واقفة بحال هكا!»
في تلك اللحظة، وكأنَّ صاعقةً من الإدراكِ ضربت قلبَ كنزة. اتسعت عيناها أكثر، وشحبَ وجهُها من هولِ المفاجأة، ثم توردت خدودُها بحمرةٍ داكنةٍ من شدةِ الخجلِ والارتباك. لم تفكر مرتين؛ فبفطرتها كبنتِ قبيلةٍ تعرفُ قدرَ الأمهاتِ وسلطتهن، اندفعت كنزة بحركةٍ عفويةٍ وسريعة، وخطت خطوتينِ للأمام، ثم انحنت بقوةٍ ودون تردد، ممسكةً بيدِ لالة اليازية مقبلةً إياها بخشوعٍ وإجلالٍ صادق.
قالت بصوتٍ يملؤه التوترُ والرجفةُ والحروف التي تخرجُ من أعماقِ قلبها:
“سمحي ليا !! اا اا..لاللة ام اسيدي !!
بقيت منحنيةً، ولم ترفع رأسها فوراً، لثامُها الذي كانت تغطي به أنفها سقط قليلاً من على وجهها بفعلِ حركتها السريعة، فظهرت ملامحُها الصافيةُ بوضوحٍ أكبر، وهي تنتظرُ ردَّ فعلِ لالة اليازية، وكلُّ جوارحِها ترتجفُ رهبةً من هذا اللقاءِ غيرِ المحسوب.
ابتسمت لالة اليازية في سرها، وشعرت أن حدسها لم يخبُ حين اختارت الترحيب بها بنفسها. فالحركة التي قامت بها كنزة، بكل ما فيها من ارتباكٍ وعفوية، كانت انعكاساً لفطرةٍ تربت على احترامِ الكبارِ وتقديرِ مقامِ الأم.
لمست لالة اليازية رأس كنزة برفقٍ، وفي عينيها نظرةُ ارتياحٍ لما رأته من أصالةٍ في تصرفِ الفتاة. لم تكن بحاجةٍ للكثير من الكلام لتعبّر عن قبولها؛ بل قالت بصوتٍ رزينٍ ودافئ:
«ارفعي رأسك يا بنتي.. مرحباً بكِ في دارك.»
رفعت كنزة رأسها ببطء، وعيناها لا تزالانِ تلمعانِ بدمعةِ خجلٍ لم تذرف، بينما ظلت لالة اليازية تتأمل ملامحها بتمعنٍ هادئ، وهي تستشعر صدق ذلك الحياء الفطري.
التفتت لالة اليازية نحو لبانة التي كانت تقفُ في الخلف، وقالت لها بنبرةٍ آمرةٍ وهادئة:
«دي لالة كنزة للجناح ديالها ترتاح، الطريق كانت طويلة.»
كان عبيبوش يراقبُ المشهدَ بتركيزٍ حاد. القزمُ الصغير، ذو الملامحِ التي تجمعُ بين مكرِ الثعالبِ وقوةِ الذئاب، كان يختبئُ خلفَ عمودٍ ضخمٍ، لا يُرى منه إلا عيناه اللتانِ تلمعانِ بذكاءٍ متقد.
كانت عيناه تلاحقانِ كلَّ حركةٍ لـ كنزة؛ من لحظةِ نزولِها من العربةِ، إلى انحنائها لـ لالة اليازية، وصولاً إلى مشيتها الخجولةِ نحو الجناح. كان عبيبوش يحللُ كلَّ تفصيلٍ؛ يراقبُ هندامها، طريقتها في المشي، وردةَ فعلِ “أم السلطان” التي لم يسبق له أن رآها تستقبلُ أحداً بهذا الهدوءِ غيرِ المعتاد.
في عقلِ عبيبوش، كان كلُّ مشهدٍ يتحولُ إلى “خبرٍ” ثمين. أحسَّ بحدسهِ الدفين أنَّها عروس ! وليست كباقي نساءِ الحريم؛ فهذه الفتاةُ تحملُ في طياتِ حياءِ الجبلِ سرّاً كبيراً يُحاكُ بعيداً عن أذنِ مولاتِه لالة شامة.
تجمدت ملامحه، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خبيثة، فقد جمعَ من المشهدِ ما يكفي ليرسمَ به ملامحَ الخطرِ القادم. وبخفةِ ظلٍّ لا تليقُ إلا به، استدارَ بهدوءٍ ليختفيَ في دهاليزِ القصر، كأنه طيفٌ لا يُمسك، عازماً على إيصالِ ما رآه إلى لالة شامة.
خلفَ أعمدةِ الرخامِ في الرواقِ المؤدي إلى الصحن، كانت شريفة تراقبُ ما جرى، وعيناها تضيقانِ كأنها تحاولُ قراءةَ طلاسمَ لا تفهمُها. التوترُ كان يسري في عروقها، فمشهدُ الاستقبالِ الملكيِّ الذي خصته لالة اليازية لتلك الغريبةِ لم يكن عادياً، بل كان إعلاناً صامتاً عن تغييرٍ قادمٍ يهددُ توازنَ القصر.
سارت شريفة بخطواتٍ تقيلة نحو لالة اليازية التي كانت لا تزالُ واقفةً في مكانها، تتابعُ اختفاءَ كنزة خلفَ الأبواب. توقفت شريفة أمامها، ملامحُ الشكِّ والترددِ تغطي وجهها، ونبرةُ صوتها تحملُ حدةً خفيةً ممزوجةً بالخوف:
«شكون هاد البنت يا لالة اليازية؟ الموكبُ اللي جات فيه، والاستقبالُ اللي خصيتِها بيه.. هادشي عمرنا ما شفناه، ولا سمعنا بيه فخاطر السلطان.»
استدارت لالة اليازية ببطء، وفي عينيها نظرةٌ باردةٌ صلبةٌ كالجمرِ تحت الرماد. لم تتفاجأ بسؤالها، بل كانت تنتظرُ لحظةَ المواجهة. وقفت في هدوءٍ تام، ثم أطلقت كلماتها ببطءٍ شديد، كأنها تلقي حجراً في بحيرةٍ ساكنة:
«هادي ماشي مجرد ضيفة يا شريفة.. هادي زوجة السلطان شَدَّاد، اللي جابها معاه من رحلةِ النصر.»
هوت الكلماتُ على شريفة كالصاعقة. اتسعت عيناها بذهولٍ قاتل، وتراجعت خطوةً إلى الوراء وكأنَّ الأرضَ اهتزت تحت قدميها. تجمدت أنفاسُها، وبدا اللونُ ينسحبُ من وجهها تدريجياً، لتبقى ملامحُ الصدمةِ مرسومةً على محياها، عاجزةً عن النطق، وعاجزةً عن استيعابِ الواقعِ الذي فجرته لالة اليازية في وجهها.
لم تكتفِ لالة اليازية بالصمت، بل اقتربت منها خطوةً، وقالت بصوتٍ خفيضٍ لكنه صارم:
«السلطان قرر، والأمرُ نُفِّذ. وهاد القصر، من هاد اللحظة، فيه سيدَة جديدة.»
خيمَ الصمتُ في الرواقِ الثقيل، صمتٌ لم يقطعهُ إلا أنفاسُ شريفة المتسارعة التي كانت تقاومُ انكسارَها أمام لالة اليازية.
حيث انهارت كلُّ حصونِ الطمأنينةِ التي كانت تعيشُ عليها شريفة، لتدركَ أنَّ العرشَ الذي ظنت نفسها شريكةً فيه، قد نُصِبَ عليهِ ملكٌ جديد.
في تلك اللحظة التي تهاوت فيها حصونُ شريفة، شعرت بدوارٍ شديد؛ فقد ضاقت أرجاءُ القصرِ من حولها، وتلاشت قدرتها على الوقوف. مالت بجسدها إلى الخلف وكأنَّ رياحاً عاتيةً دفعتها، وبدأت يداها ترتجفان بحثاً عن سندٍ يمنعُ سقوطها المهين أمام مَن كانت تظنُّهم خصومَها.
بسرعةِ البرق، تدافعَ الخدمُ والجواري المحيطون بها، وأمسكوا بذراعيها بقوةٍ لئلا تنهارَ على الأرضِ الرخامية. كانت شريفة تلهث، عيناها زائغتانِ تنظران إلى الفراغ، بينما كان جسدها يرتجفُ كغصنٍ في مهبِّ العاصفة.
أما لالة اليازية، فلم تزدد إلا ثباتاً. لم تمدَّ يدَها، ولم تُبدِ ذرةَ شفقةٍ أو تراجع. بل على العكس، زادت في وقارِ وقفتها ونظرت إلى شريفة وهي في حالةِ الانهيارِ تلك بنظرةٍ مُتعالية، خاليةٍ من أيِّ تعاطف. خطت لالة اليازية خطوةً واحدةً نحوها، وبصوتٍ لا يعرفُ اللين، قالت:
«القصرُ يا شريفة لا يتحملُ الضعفاء، والوقوفُ فيه يتطلبُ قلباً أصلبَ من الرخام. إذا كان هذا الخبرُ قد زعزعَ كيانكِ، فكيفَ سيكونُ حالكِ حينَ تواجهينَ مَن أصبحت اليومَ سيدةَ هذا الجناح؟»
تركتها لالة اليازية في قبضةِ خدمِها، وأدارت لها ظهرَها ببرودٍ تام، تاركةً إياها تعاني من وطأةِ الصدمة. كانت شريفة تحاولُ استجماعَ أنفاسِها، لكنَّ نظراتِ لالة اليازية الباردةِ وهي تبتعد، كانت أقسى عليها من سقوطها. بقيت شريفة في مكانها، يتلقفها خدمها، وهي لا تزالُ تحتَ تأثيرِ الصدمة التي فجرتها في وجهها لالة اليازية، مدركةً أنَّ القصرَ الذي كانت تظنُّه ملكاً لها، قد أصبحَ الآن غريباً عنها تماماً.
كانت لالة شامة في جناحِها، غارقةً في عزلةٍ مصطنعة. كانت تجلسُ أمام مرآتِها النحاسيةِ الكبيرة، تداعبُ بأصابعِها الطويلةِ عقداً من اللؤلؤِ النادر، لكنَّ بصرَها كان شاردًا خلفَ نافذةِ الغرفة، تائهًا في مدىً لا تراهُ غيرُها. لم يكن حضورُ الجواهرِ حولها سوى قناعٍ لِفراغٍ ينهشُ صبرها، فهي التي اعتادت أن تكونَ الخيطَ الذي تُحركُ بهِ أهواءَ القصر.
فجأة، تهشمَ جدارُ السكونِ بصوتِ ارتطامِ بابِ الجناحِ الذي فُتحَ بعنف. دخل عبيبوش، كأنه كُرةٌ من نارٍ وشؤم، يلهثُ بصوتٍ مسموعٍ يقطعُ أنفاسَه، وعيناه الجاحظتانِ تضجانِ ببريقِ الفضيحةِ التي شهدها. توقف في منتصفِ القاعة، منحني الظهر، يمسحُ العرقَ عن جبينهِ بكُمِّ قميصهِ وهو يرتجفُ هلعًا.
التفتت لالة شامة ببطءٍ مهيب. لم تكن خائفة، بل كانت نظراتُها تحملُ حدةَ النصل. سقط عقدُ اللؤلؤِ من بينِ أناملها، ليتناثرَ على البلاطِ صوتاً رتيباً أثارَ توترَ المكان. نهضت واقفةً، وقد استشعرَ جسدُها خطباً جسيماً، وصاحت بنبرةٍ آمرةٍ أذابت الهواءَ في الغرفة:
«عبيبوش! انطق.. أشنو اللي خلى حالتك هكا؟ أشنو اللي شفتي خلاك تدخل بحال شي هارب من الموت؟»
اقترب عبيبوش منها بخطواتٍ متعثرة، ولم يجد ما يفعله سوى أن يهمسَ بصوتٍ متقطعٍ مخنوق، وهو يشيرُ بيدهِ نحو البوابةِ الخارجية:
«يا لالة.. يا لالة شامة.. القصرُ تَقْلَب! السلطان.. السلطان الشداد جاب معاه عروسة! جات فالعربية، وموكبها ما شفت بحالو فعمري.. لالة اليازية استقبلاتها بحال إلا ملكة، ودخلوها للجناح الكبير.. أنا شفت كلشي بعيني!»
لم تصرخ شامة، بل تجمدَ في عروقها دمُ الملوك. اتسعت عيناها حتى كادت تخرجُ من محجريهما، وشحبَ وجهها، . اهتزت يدها وهي تمسكُ بطرفِ الطاولةِ لتثبتَ وقوفها. كان وقعُ الخبرِ عليها كضربةِ خنجرٍ مسمومٍ في صميمِ سلطتِها؛
انتفضتْ وهي تحاولُ التنفس، لكنَّ الهواءَ في الغرفةِ صارَ ثقيلاً، مختنقاً برائحةِ الغدر. تراجعتْ خطواتٍ إلى الوراء، ويداها أصبحتا الآن ترتجفانِ بضعفٍ لا يُحتمل. تلاشت ملامحُ “السلطانة” القوية، وظهرت خلفها امرأةٌ مفجوعة، امرأةٌ طعنها مَن كانت تظنُّ أنه سُكنَها.
انفجرتْ في عبيبوش بصراخٍ مشروخ، صوتٍ يخرجُ من أعماقِ جرحٍ نازف:
«كذّاب! أنت كذّاب يا عبيبوش! الشداد.. الشداد ما يقدرش يديرها فيا! ما يقدرش يرميني فشي زاوية ويجيب وحدة تانية عليا
بدأتْ دموعُها تنهمرُ بحرارة، ليس دموعَ حقدٍ فحسب، بل دموعَ امرأةٍ محروقةِ القلب. وضعت يدها على صدرها، في المكانِ الذي ينبضُ باسمِ الشداد، وكأنها تحاولُ أن تضغطَ على قلبها ليتوقفَ عن الألم. مشت بغيرِ هدى، تصطدمُ بالأثاثِ الفاخرِ في جناحِها، تحطمُ بيديها مزهريةً غالية، وكأنها تحطمُ جسدَ ذكرياتها معه.
في لحظةِ صمتٍ مريرة، سقطتْ على أقربِ كرسيّ، ونظرتْ إلى انعكاسِ وجهِها في المرآة؛ رأتْ امرأةً باهتة، مهزومة، مكسورة. بدأت تمسحُ دموعها بقسوةٍ مؤلمة، وفي تلك اللحظةِ بالذات، تحولَ الانكسارُ إلى غلٍّ أسود. مسحت دموعها، ليس لأنها توقفت عن البكاء، بل لأنَّ الكبرياءَ بدأ يختلطُ بالمرارة.
نظرت إلى عبيبوش بعينينِ حمراوينِ من شدةِ القهر، وقالت بنبرةٍ تقطرُ سماً ووجعاً:
«تزوج عليها.. بعد كل هاد السنين، بعدما عطيتو حياتي، يجيب وحدة أخرى تاخذ بلاصتي؟..»
في تلك اللحظة، حدثَ شرخٌ في كيانِ شامة. نظرت إلى المرآة، فرأت فيه ملامحَ امرأةٍ كانت يوماً ملكةً في قلبِ السلطان، والآن أصبحت مجرد ذكرى تُطوى. فجأة، تحولت عيناها من نظرةِ الحقدِ الجامدِ إلى بريقٍ غريبٍ ومضطرب. بدأ صدرُها يعلو ويهبطُ بصوتٍ مسموع، ثم انطلقت منها ضحكةٌ هستيرية، ضحكةٌ حادةٌ، عاليةٌ، وموحشة، اهتزت لها جدرانُ الجناح.
كانت تضحكُ وكأنها تُحطمُ زجاجَ روحها، ضحكةُ امرأةٍ فقدت صوابها تحت وطأةِ الخيانة. لم تتحمل وجودَ عبيبوش أمامها، فدفعته بيدها بقوةٍ مفرطةٍ جعلته يترنحُ ويسقطُ أرضاً، وهي لا تزالُ تضحكُ ضحكاً مرعباً يمزقُ الصمت.
خرجت من جناحها، لا تبالي من حولها ولا بشعرها الذي بدأ يتحررُ من تيجانِ الذهب. كانت تسيرُ في ممراتِ القصرِ كالمجنونة، لا ترى أحداً، ولا تسمعُ أحداً، وصرخاتُها تمزقُ أرجاءَ القصر:
” شداااااد ،، يا شداااااد أينَ أنتَ يا شَدَّاد؟ أينَ أنتَ يا مَن تَقَلَّدْتَ قلبيَ مِثْلَ السَّيْف، فجعلْتَهُ غِمْداً لغَدْرِكَ؟ أينَ الوعودُ التي نَقَشْناها على جُدُرِ اللَّيالي؟ أينَ العُهودُ التي مَزَجْناها بِدِماءِ الوفاءِ؟ أَتَجْزي الإحسانَ نُكْراناً، وتُبدِلُني بِغريبةٍ لم تَطَأْ قَدَماها مَواطِئَ مَجْدِنا؟»
تتوقفُ لحظةً، وتنفضُ أيديَ الخدمِ عنها كأنها تنفضُ ذُلاً لا يليقُ بِعرشِها المصدوع، ثم تصرخُ صرخةً تُدوي في الأرجاء:
«وَاذُلَّاهُ! أَيُسْتَبْدَلُ القَمَرُ بِشُعاعٍ عابِر؟ لَقَد بَعْتَ سِنينَ العُمرِ بِثَمَنٍ بَخْس! أَيُّها الظَّالِمُ المَغْرُور، خَرَجْتَ لِتَجْلِبَ لَنا النَّصْر، فَعُدْتَ لِتَجْلِبَ لِقَلْبِيَ الخِذلان! لَنْ تَسْتَرِيحَ هَذِهِ الدَّارُ، وَلَنْ تَذُوقَ هَذِهِ العَروسُ طَعْمَ الهَناءِ ما دَامَ فِي صَدْرِي نَفَسٌ يَترَدَّد!»
كانت شامة كالإعصارِ الذي لا يُصدُّ، فجناحُها الملاصق لجناحِ الشداد جعلَ من صراخِها في الممرِ طعناتٍ مباشرةً لسمعِ السلطان. رغمَ محاولاتِ الخدمِ والحراسِ استجماعَ قواهم لردعها، إلا أنَّ ثورةَ الجنونِ في عينيها أرهبتهم، فكانت تدفعُهم بكلِّ ما أوتيت من قوةِ المقهور، حتى وصلت إلى البابِ العظيمِ لجناحِ السلطان.
بضربةٍ واحدةٍ من كتفِها، دفعت البابَ الذي انفتحَ على مصراعيه، لتقتحمَ الخصوصيةَ التي لم يجرؤ أحدٌ على انتهاكِها من قبل.
دخلتْ، فاصطدمت عيناها بالشداد. كان يقفُ وسطَ الغرفة، قد انتهى لتوِّه من غسْلِ وعثاءِ السفر، يرتدي قميصاً من كتانٍ ناعمٍ يبرزُ صلابةَ مَنكِبه، وسروالاً مخصصاً لركوبِ الخيل، ملامحُ وجهِهِ الصارمةُ تعكسُ هدوءاً يسبقُ العاصفة.
خلفها، كان الخدمُ والعبيدُ في حالةِ ذهولٍ، يتدفقون خلفها كأنهم يحاولون احتواءَ الكارثة. وقف الشداد ساكناً، لم يرمش له جفن، لكنَّ نظرةً واحدةً خاطفةً منه، حادةً كالسيفِ المصلت، كانت كفيلةً بأن تُجمدَ الجميعَ في أماكنهم. تراجع العبيدُ والخدمُ فوراً، وأغلقوا البابَ خلفهم بصمتٍ مطبق، تاركينَ شامة وحدها في حضرةِ السلطان.
تسمرت شامة في مكانها، لكنَّ جنونها لم يكن نابعاً من ضعف، بل كان اندفاعاً يائساً لمَن أدركت أنها فقدت أغلى ما تملك، فلم يعد لديها ما تخافُ عليه أو منه. استجمعت بقايا كبريائها الجريح، وتقدمت منه بخطواتٍ غيرِ متزنة، حتى صارت لا تبعدُ عنه إلا ذراعاً واحدة.
لم تنظر إليه كـ”سلطان” مهاب، بل كـ”رجلٍ” خائنٍ عبثت بقلبه. ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتة، محملةٌ بمرارةِ الموت، وبدأت تتحدث بصوتٍ خافتٍ، لكنه كان يرتجفُ بحدةٍ تشبهُ نصلَ الخنجر:
«أتعتقدُ أنني أقتحمُ خلوتَكَ لأتوسلَ بقاءً؟ أو لأرجوَ عطفاً قد جفَّ نبعُه؟»
ضحكت ضحكةً مريرةً أخرى، ومدت يدها لترتجفَ فوق صدره، لا لتضمه، بل لتشيرَ إلى قلبه الذي كان يضطربُ تحت ثيابه
«إنني لا أقتحمُ جناحكَ يا شداد.. إنني أقتحمُ قبري! ألا ترى؟ أنا هنا أُلقي بنفسي في لظى غضبك، لأني أدركتُ أنَّ صمتي كان موتاً بطيئاً، وأنَّ مواجهتَكَ الآن.. هي الانتحارُ الذي اخترتُهُ بملءِ إرادتي.»
لم تكن خائفةً من بريقِ عينيهِ الحادتين، بل اقتربت أكثر، حتى تلاقت أنفاسُهما. كان صمتُ السلطانِ يهزُّ أركانَ الغرفة، لكنها تحدت صمتَهُ بصراخٍ داخليٍّ مسموعٍ في عينيها. تابعت بجرأةٍ متهورة، وهي تمسكُ بطرفِ ثوبِ الفرسانِ الذي يرتديه:
«افعل ما شئت.. اقتلني، أنفِني من هذا القصر، أو اجعلني أهونُ عليكَ من خادمٍ في اسطبلاتك.. لقد قتلتَ “شامة” التي كانت تهابُكَ، ولم يبقَ أمامك اليومَ إلا بقايا امرأةٍ لن يضيرَها جمرُ سياطِكَ، ولن يُخيفَها تجهمُ وجهِكَ. أنا لا أخشى غضبكَ يا شداد، لأنني -منذ اللحظةِ التي وطئت فيها تلك الغريبةُ أرضَ دارنا- قد مِتُّ بالفعل.»
انفجرتْ في وجهه، وعيناها تلمعانِ ببريقٍ جنونيٍّ، تحدٍّ صارخٍ لكلِّ قوانينِ القصرِ وهيبةِ الحكم. كانت تعلمُ أنها بتجرئِها هذا على السلطان، وبكسرها لحرمةِ خلوتهِ بهذه الطريقة، قد حكمت على نفسها بالهلاك. كانت تراهُ يتصلب، ترى عروقَ رقبتهِ تنبضُ بغضبٍ مكتوم، ومع ذلك، لم ترجع خطوةً واحدة، بل بقيت واقفةً في وجهه، شامخةً في دمارها، منتظرةً الضربةَ القاضيةَ التي ستنهي بها وجودَها، أو تبدأ بها صراعاً وجودياً لا عودةَ منه.
تصلَّبَ الشدادُ في مكانِهِ، لكنَّ ملامحَهُ لم تضطرب. بدلاً من أن يصرخَ أو يغضبَ كما كانت تتوقعُ “شامة”، التفتَ عنها ببطءٍ شديد، كأنَّ وجودَها في غرفتهِ لا يعدو كونَهُ هواءً عابراً. سارَ بخطواتٍ وئيدة نحو كرسِيهِ الوثير، جلسَ عليهِ بهدوءٍ مستفز، وبدأ يُصلحُ أكمامَ قميصِهِ، متجاهلاً كلياً تلكَ المرأةَ التي كانت تقفُ أمامهُ عاريةً من الخوف، تترقبُ موتها.
سادَ صمتٌ ثقيلٌ، لم يقطعهُ إلا صوتُ أنفاسِ شامة المتسارعة، بينما كان الشداد ينظرُ إلى خنجرٍ موضوعٍ على طاولتهِ بتركيزٍ شديد، كأنما لا يرى أمامَهُ أحداً. وبصوتٍ منخفضٍ، خاوٍ من أيِّ نبرةٍ بشرية، قال دون أن يلتفتَ إليها:
«لقد انتهى وقتُ الهذيان يا شامة.. الجاريةُ التي تتجاوزُ حدودَها في حضرةِ سيدِها، لا تُجابُ بالكلمات، بل تُجابُ بالصمت. اخرجي، فالمكانُ الآن لا يتسعُ إلا لمن يُقدِّرُ قيمةَ الهدوء.»
نزلت كلماتُهُ عليها كأنها جمرٌ أحرقَ ما تبقى من صبرها. جنَّ جنونها؛ فالتجاهلُ كان أقسى من الضربةِ التي كانت تنتظرُها. شعرت وكأنَّ الأرضَ ابتلعت كيانَها، وكأنَّ السنينَ التي قضتها في ظلهِ قد تلاشت كأنها لم تكن. في تلك اللحظة، لم تعد تفكرُ في عواقبِ كلماتها، فاندفعت نحوهُ بخطواتٍ متخبطة، وقالت بصوتٍ متهدجٍ يقطرُ سماً:
«تظنُّ أنَّ تجاهلكَ سيُميتني؟ تظنُّ أنني سأخرجُ خاضعةً كجاريةٍ غبية؟ اسمعني جيداً يا شداد.. إذا كنتَ قد ظننتَ أنَّ عروسكَ الجديدةَ ستكونُ قرةَ عينك، فأنا أعدكَ أنها لن تكونَ إلا كفناً يلفُّ أحلامكَ. لستُ أنا من سيموتُ هذا اليوم، بل هي.. سأجعلها تذوقُ من الموتِ ألواناً، وسأهديكَ جثتها قبل أن يكتملَ قمرُها في قصرِك!»
تلقى الشداد تهديدَها بجمودٍ تام، كأنَّ صاعقةً لم تضربْ غرفتهُ للتو. لم يرمش، ولم تضطربْ ملامحهُ التي نُحتت من صخرٍ صلد، بل اكتفى بتركِ يديهِ على جانبي قميصهِ من الكتان، في حركةٍ غريزيةٍ وكأنه يمسكُ بزمامِ أعصابهِ بقبضةٍ من حديد.
توقفَ الزمنُ في الغرفة. نهضَ الشداد عن كرسيهِ ببطءٍ مرعب، وحينما التفتَ إليها، لم يكن هناكَ أيُّ أثرٍ للبرودِ الذي كان يرتديه. كانت عيناهُ تقدحانِ شرراً، وعروقُ رقبتهِ بارزةٌ كأنها ستقفزُ من شدةِ الاحتقان. سارَ نحوها بخطواتٍ واسعةٍ واثقة، حتى حاصرها بضخامةِ جسدهِ أمامَ الحائط، وأطبقَ على فكِّها بيدهِ بقوةٍ جعلتها تأنُّ من الألم، ثم انحنى حتى اقتربَ من أذنها، هامساً بنبرةٍ تشبهُ لفحَ النار بصوت لايشبه الصوت البشري.
«أتعلمينَ يا شامة.. لولا أنَّ يدي مقيدةٌ بمسؤولياتٍ أكبرَ من خيالكِ، لكانَ لسانُكِ الذي نطقَ بهذا التهديدِ قد دُفنَ في غياهبِ النسيان. لا تُجبريني على أن أكونَ جلادكِ، فقد أرهقني أن أكونَ سجانكِ.»
دفعها بيدِهِ بلطفٍ مُريب، حركةٍ توحي بالرغبةِ في النأيِ بنفسه، ثم استدارَ ببطءٍ مهيب. وقفَ أمامَ النافذةِ مفتوحاً ظهرهُ لها، يتأملُ المدى في الخارجِ بجمودٍ مطلق، تاركاً إياها غارقةً في صمتِهِ الذي لم يقلْ شيئاً.. ولكنه، بطريقةٍ ما، أوحى بكلِّ شيء.
سادَ في الجناحِ صمتٌ ثقيل، لا يقطعهُ إلا رنينُ أنفاسِ شامة المتلاحقة. ظلَّ الشداد واقفاً أمامَ النافذة، ظهرهُ العريضُ يشكلُ جداراً عازلاً بينه وبينها، وكأنه يرفضُ الاعترافَ بوجودها.
ترنحت شامة في وقفتها، ثم اقتربت ببطءٍ مريب، وكأنها تمشي على زجاجٍ مهشم. مدت يدها المرتجفة، وبأطرافِ أصابعها التي لامست نسيجَ قميصهِ من الكتانِ فوق كتفه، لم تكن تلمسُ سلطاناً، بل كانت تلمسُ “الرجل” الذي نذرت له عمرها. لم يتحرك الشداد، ظلَّ مسماراً في مكانه، جسدُه متصلبٌ كأنه مكبلا بسلاسل من جليد
همست خلفَ ظهرهِ، وصوتها يتهدجُ بمرارةٍ لا تُحتمل
«هل كرهتني لهذا الحد يا شداد؟ أم أنك فقط تحاولُ إقناعَ نفسك بأنني لم أعد أساوي شيئاً في ميزانِ حياتك؟»
لم يأتِها جواب. بقي هو كما هو، صامتاً، جامداً، حتى أنها أحست بأنها لا تخاطبُ بشراً، بل تخاطبُ جداراً صامتاً.هنا تحولَ الوجعُ إلى برودٍ أشدُّ فتكاً. سحبت يدها بسرعة، وبحركةٍ خفيفة باردة، نزعت الخاتمَ الذي طالما كان رمزاً لوعده لها، ذلك الخاتمُ الذي شهدَ لياليَ القصرِ الأولى.
لم ترمِ بهِ، ولم تصدر صوتاً يكسرُ هيبةَ السكون، بل تقدمت بخطواتٍ واثقةٍ نحو الطاولةِ التي وضعَ عليها خنجرَهُ، ووضعت الخاتمَ برفقٍ شديدٍ فوقَ سطحِ الطاولة، بجوارِ المقبضِ الذهبي للخنجر، وكأنها تودعُ جزءاً من روحها وتتركهُ في عهدةِ ماضٍ لن يعود.
استدارت دونَ أن تنطقَ بكلمةٍ أخرى، وبدأت تمشي نحو الباب. كانت مشيتها تفيضُ بكرامةٍ ملوكية، لا تلتفتُ إلى الوراء، لا تبالي بما يدورُ في خلدِ السلطانِ الواقفِ كالصنم. حينَ وصلت إلى مقبضِ الباب، توقفت للحظةٍ، وكتفها المتهالكُ يرتجفُ بضعفٍ خفي، ثم فتحت البابَ وخرجت، تاركةً خلفها عطرها الذي كان يملأُ المكان، والخاتمَ الذي يصرخُ صمتاً فوق الطاولة، ورجلاً لا يزالُ يرفضُ الالتفات،
بمجرد أن أغلق البابُ خلفها بصوتٍ خافتٍ، تحولَ الجناحُ إلى زنزانةٍ موحشة. ظلَّ الشداد مسماراً في مكانه، نظرهُ معلقٌ بالأفقِ البعيد، لكنَّ كلَّ حواسهِ كانت مشدودةً إلى تلك النقطةِ الصغيرةِ على الطاولة: الخاتمُ المستقرُّ بجانبِ الخنجر.
مرت دقيقة، ثم اثنتان، والصمتُ يثقلُ كاهلَ المكان. أخيراً، تحرك. كان تحركُهُ ثقيلاً، وكأنه يجرُّ خلفه أصفاداً من ذكريات. سارَ ببطءٍ نحو الطاولة، ووقفت يدهُ معلقةً فوقَ الخاتم. لم يلمسْهُ في البداية، بل اكتفى بتأمله؛ كان الخاتمُ لا يزالُ يحملُ دفءَ جسدِها، وكأنها تركت فيه جزءاً من نبضِها قبل أن تنسحب.
فجأةً، قبضَ على الخاتمِ بقوةٍ جعلت مفاصلَ أصابعهِ تبيضُّ، ثم أطبقت يدهُ عليهِ لدرجةِ أنَّ المعدنَ غرزَ في كفه. زفرَ زفرةً مكتومةً خرجت من أعماقهِ كأنها صرخةٌ حبيسة، التفتَ بقسوةٍ نحو البابِ الذي خرجت منه، وعيناهُ تشتعلانِ ببريقٍ مخيف ، جلسَ على كرسيه، لكنَّ السكينةَ التي كان يتصنعها قد تبخرت. التقطَ الخاتمَ من كفهِ، ووضعهُ أمامَهُ على الطاولة، وأخذَ يُحدقُ فيهِ كأنما يقرأُ فيه مصيره. لم يعد يرى أمامهُ سلطنةً أو ملكاً، كان يرى فقط طيفاً لامرأةٍ تجرأت على كسرِ هيبتهِ، ومع ذلك، لم يجد في نفسه رغبةً في عقابها، بل وجد رغبةً عارمةً في أن يركعَ كبرياؤُه أمامَ عنادِها.
في تلك اللحظة، اتخذ قراراً صامتاً؛ لن يلحق بها، ولن يتوسلَ عودتَها. سيبدأُ “حصاراً عاطفياً”؛ سيعزلُها داخلَ قصرها، وسيجعلُ كلَّ تفاصيلِ القصرِ تذكرُها بأنها لا تزالُ امرأته، حتى وإن أعلنت هي الحرب.
انزلقت شامة خلف بابِ جناحِها، وكأنَّ القوةَ التي كانت تستندُ إليها قد تبخرت بمجرد أن أوصدت البابَ دونه. لم تعد تلك السيدةَ الملوكية التي خرجت من قاعة السلطان، بل عادت طفلةً تائهةً يبحثُ عنها الوجعُ في كلِّ زاوية.
سقطت على الأرضِ في ركنٍ مظلمٍ من الغرفة، حيثُ يغيبُ ضوءُ المشاعلِ المرتجفة. ضمت ركبتيها إلى صدرها، وأطبقت يديها على وجهها بقوةٍ كأنها تحاولُ منعَ روحها من الانشطار. في البداية، كان نحيباً مكتوماً، اهتزازاتٍ عنيفةً تجتاحُ جسدها النحيل، ثم انفجرَ البكاءُ أخيراً.. ليس بكاءً على الخاتم، ولا على المكانة، بل بكاءً على “نفسها” التي أحرقتها لتضيءَ حياةَ رجلٍ لم يكتفِ بنورها.
كانت دموعها ساخنةً، تحرقُ خدودها، تمسحُ معها بقايا الكبرياءِ الذي تكلفت ارتداءه أمامَ الشداد. شهقاتها كانت تترددُ في الغرفةِ كأنها صدى لأرواحٍ رحلت. مدت يدها إلى الهواءِ وكأنها تبحثُ عن يدهِ لتمسكها، ثم سحبتها بسرعةٍ وأغلقت قبضتها على الفراغ، مدركةً أنَّ “الشداد” لم يعد موجوداً، وأنَّ الرجلَ الذي أحبته قد غاب خلفَ قناعِ السلطنةِ الصلد.
ظلت هكذا، غارقةً في ظلامِ غرفتها، لا يكسرُ سكونَ انكسارها إلا صوتُ أنفاسها المتقطعة التي تحولت إلى عويلٍ خافتٍ لا يكادُ يُسمع. في تلك اللحظة، لم تكن تفكرُ في انتقام، ولا في شكوك، كانت فقط “تتألمُ” بصدقٍ مرعب، تفرغُ كلَّ سنينِ الوفاءِ التي انتهت بهذهِ النهايةِ المرة.
أحست بكلِّ جدارٍ في الغرفةِ يضيقُ عليها، وبكلِّ قطعةِ أثاثٍ كانت يوماً جزءاً من سعادتهما، تصرخُ فيها بالرحيل. ظلت في ركنها، تتكورُ على ألمها، حتى غابَ وعيُها في دوامةٍ من البكاء الصامت، تاركةً لليلِ القصرِ أن يلفَّ جسدها المنهك ببردِ الوحدة، بعيداً عن كلِّ عيونٍ تترصدُ انكسارها.
في جناحها الهادئ، الذي تفوح منه رائحة البخور القديم، كانت شريفة تجلس أمام مرآتها النحاسية. لم تكن تنظرُ إلى انعكاس وجهها، بل كانت تحدقُ في الفراغ، بينما يداها المرتجفتان تحاولان عبثاً ترتيب خصلات شعرها التي لم تعد تهمها.
لم تصرخ شريفة، ولم تكسر زجاجاً. بل أصابها جمودٌ غريب، وكأن شيئاً ما بداخلها قد انكسر بهدوء، مثل غصنٍ جاف. نهضت عن مقعدها ببطءٍ شديد، وسارت نحو النافذة التي تطلُّ على ساحة القصر. رأت من بعيدٍ حركة الخدم، والتحضيراتِ الغرفة الجديدة ،
فأحست ببرودةٍ تسري في عظامها رغم دفءِ المساء.
عادت إلى سريرها، وارتمت عليه كمن أُثقل كاهلهُ بقرونٍ من الزمن. وضعت يدها على صدرها، حيث تشعرُ بضيقٍ لا يُطاق. بدأت دموعها تنهمر بصمتٍ، دموعُ امرأةٍ رأت “الشداد” يتغيرُ أمام عينيها، رأت كيف يُداسُ تاريخها معهُ تحت أقدامِ نزواته الجديدة.
انكمشت على نفسها، تغطي وجهها بوشاحها، لتخفي نحيبها المكتوم. لم يكن بكاءها غضباً، بل كان رثاءً لنفسها، لسنواتٍ ضاعت في خدمةِ سلطانٍ لا يرى إلا ما يشتهيه، ولعمرٍ أفنتهُ في حبِّ رجلٍ لم يعد يراها إلا كذكرى باهتةٍ في زوايا قصرِهِ الكبير. في تلك الغرفة، وسط صمتها المطبق، كانت شريفة تنهارُ بعيداً عن أعينِ الجميع، مدركةً أنَّ القصرَ الذي بنتهُ بحبها، قد صارَ اليومَ سجناً لروحها المكسورة.
بعد أن استقرت شريفة في لوعة انهيارها، حدث تحولٌ مفاجئ في ملامحها؛ مسحت دموعها ببطء، وتصلبت نظراتها في الفراغ. لم تعد تلك المرأة المنكسرة، بل استحال الوجع في داخلها إلى “غليل” متقد. رفعت رأسها بشموخ و بخطواتٍ ثابتة، مفعمةٍ بعزمٍ جديد، قاصدةً جناح شامة، وكأنها ذاهبة لتسترد جزءاً من كرامتها التي تبعثرت.
لكنَّ المفاجأة كانت بانتظارها عند ممر الجناح. لم تكن الممراتُ فارغةً كما اعتادت، بل كانت محاطةً بحراسةٍ مشددة غير مألوفة، وجوهٌ غريبة تقفُ كالجدرانِ الصماء أمام باب شامة، وبجانبهم خادمةٌ جديدة لم ترها من قبل، تتأبطُ ملامحَ الجفاء.
توقفت شريفة أمام الحراس، وبنبرةٍ آمرةٍ تليقُ بمكانتها كزوجةٍ أولى، قالت:
— “أفسحوا الطريق، أريدُ دخولَ جناحِ شامة.”
تراجعت الخادمةُ خطوةً للأمام، ونظرت إلى شريفة ببرودٍ استفزازي، قائلةً بلهجةٍ جافة:
— “لا يمكنُكِ الدخول يا سيدتي، إلا بعد أن يتمَّ تفتيشكِ.”
تجمدت الدماءُ في عروق شريفة، واتسعت عيناها ذهولاً:
— “تفتيشي؟ أأنتِ تدرين من أنا؟ أنا شريفة، زوجةُ السلطانِ
ردت الخادمةُ دون اكتراث:
— “أوامرُ السلطانِ فوقَ الجميع، لا أحدَ يدخلُ أو يخرجُ من هذا الجناحِ دون تفتيشٍ دقيقٍ لضمانِ سلامةِ ما بداخلِه. أخرجي ما في كمامكِ واكشفي عن يديكِ، هذا هو القانونُ الجديد.”
انصاعت شريفةُ وهي تشعرُ بإهانةٍ تنهشُ كبرياءها، ففتحت كفيها ورفعت أكمامَ ثوبها تحت أنظار الحراس القاسية، بينما كانت الخادمةُ تتفحصُها بوقاحة. وحين انتهت، أومأت للحراس بفتح الباب.
دخلت شريفةُ الجناحَ لتجدَ شامةَ مستلقيةً على فراشها، تحدقُ في السقفِ بعينينِ غائرتينِ من أثرِ البكاء، لم تكلف نفسها عناء النهوض، ولم تحرك ساكناً، بل ثبتت نظراتها في شريفةِ ببرودٍ يغلفُ انكسارها.
وقفت شريفةُ أمامها مباشرةً، وقد استعادت نبرةَ التحدي، وبدأت حديثها
— “شفتك دابا فحال شي جثة هامدة.. واش هادشي اللي دار فيك الشداد خلاك تنسي راسك؟ واش عاد دابا عرفتي شنو كايعني تكوني وسط القصر وما فيدك حتى حاجة؟”
صمتت شريفةُ قليلاً، ثم أردفت بمرارة:
— “فكرتيني يا شامة فداك النهار فين دخلتِ علينا أول مرة.. كنتِ كتشوفي فيا بشوفة ديال التكبر، وعمرك فكرتي بلي نهار غادي يجي وغادي تذوقي نفس الكاس اللي سقيتيني منو. اليوم، أنا كنشوفك دابا، وحاسّة بلي هادشي اللي واقع ليك غير بداية.. الشداد اللي خذلني أنا، ما عندوش قلب باش يرحمك أنتِ.”
ظلت شامةُ مطبقةً على صمتها، تنظرُ إلى شريفةِ بعينينِ فارغتين، وكأنَّ كلامَها لا يلامسُ حتى قشرةَ روحها المنهكة، فهي في هذه اللحظة، تعيشُ وجعاً أعمقَ من أن تصفهُ الكلماتُ أو تقتحمَهُ شماتةُ الأعداء. استمر الصمت بينهما لحظاتٍ، ثقيلاً ومحتقناً، وكأن الهواء في الغرفة قد تجمد بفعل الكلمات التي ألقتها شريفة. شامة، التي كانت تحدق في السقف كأنها تبحث عن مخرجٍ من جدران القصر، أدارت رأسها ببطءٍ شديدٍ نحو شريفة. لم تكن في عينيها دمعة، ولم تكن في ملامحها رغبة في الدفاع عن نفسها أو الرد على سخريتها، بل كان هناك حضورٌ باردٌ ومهيب، حضورُ امرأةٍ فقدت كل شيء، فلم يعد يرهبها شيء.
شريفة، التي استمدت جرأتها من رؤية شامة منكسرة، زادت من حدة نظراتها وقالت وهي تشير بإصبعها نحو الفراغ:
-جاتك قاصحة؟! هضري، دافعي على راسك! ولا لقيتي راسك غارقة في نفس الغراق اللي كنتِ كتشوفيني فيه بعينيك الباردين؟ الشداد دابا قلب الصفحة، وأنتِ ما بقيتي والو في هاد القصر.. غير ذكرى غبرات، وحالياً مجرد سجينة تحت رحمة السجان اللي كنتِ كتحسبيه عاشقك.”
تنهدت شامة نفساً عميقاً، ثم اعتدلت في جلستها ببطء، وكأنها تحمل فوق كتفيها جبالاً من التعب. نظرت إلى شريفة نظرةً خاليةً من الحقد، نظرةً تفيضُ بترفعٍ غريب، ثم قالت بصوتٍ هادئٍ لا يرتجف — “سَالِيتي هضرتك؟ شريفة، أنا ما جيتش للقصر باش نكون بحالك، ولا باش نكون ضحية بحالك. داكشي اللي كتحسبي أنتِ “ذل” أو “عذاب”، هو عندي مجرد وقت غادي يدوز. وما دمتي جيتي لهنا باش تشفي فيا، فخسارة فيك هاد الوقفة وهاد الكلام.”
لم تعلُ نبرتها، ولم تظهر أي انفعال، بل أشارت بيدها نحو الباب، ثم أردفت ببرودٍ قاطع:
— “خرجي. ما عندي ما نزيد معاك، وكلمة وحدة أخرى من بعد هاد الساعة، ما غاديش تكون مني.. خرجي من بيتي.”
تجمدت شريفة في مكانها، وقد صعقها برودُ شامة الذي لم تكن تتوقعه. شعرت فجأة أن وجودها في الغرفة أصبح تافهاً، وأن تلك المرأة التي كانت تظنها منهارة، لا تزال تملكُ قوةً تفرضُ بها الصمت. لم تجد شريفة ما ترد به، فاستدارت بخيبةٍ وألمٍ مكتوم، وغادرت الجناح بخطواتٍ متسارعة، بينما ظلت شامة في مكانها، تعيد إغلاق أبواب روحها من جديد، لا تزيد على ذلك كلمةً واحدة.
خرجت شريفة من جناح شامة بخطوات متسارعة، وجهها يشتعل بغيظٍ مكتوم، وكبرياؤها الذي حاولت استعادته قد جُرح مجدداً ببرود شامة. وفي الرواق المؤدي للجناح، كانت دادة رقية، تلك المرأة التي رافقت شامة منذ نعومة أظفارها، تقبلُ مسرعةً وهي تحمل بين يديها صينية نحاسية بها بعض الأعشاب التي اعتادت تحضيرها لها.
عند زاوية الرواق، تقابلت رقية وشريفة. توقفتا للحظة؛ نظرةٌ واحدة باردة وتبادلُ نظراتٍ مشحونةٍ بالعداء الصامت. لم تنطق شريفة بكلمة، بل واصلت طريقها بخيلاءٍ مكسورة، بينما تابعت رقية سيرها نحو باب شامة، ملامحها تحمل قلقاً دفيناً على ابنتها، لكن، بمجرد أن اقتربت رقية من باب الجناح، توقفت مصدومة. لم يكن الباب كما عهدته؛ حراسٌ يرتدون دروعاً ثقيلة يقفون كالأصنام، وأمامهم وقفت خادمةٌ جديدةٌ لم ترَ مثلها في القصر من قبل. كانت الخادمة طويلة القامة، ذات بنيةٍ عضليةٍ مفتولة، وعينين حادتين كعيني الصقر، تضعُ يدها على مقبض خنجرٍ طويلٍ يتدلى من خصرها، كأنها “فارسة” جُردت من جوادها ووضعت لتكون حارسةً لسجن.
تراجعت رقية خطوةً إلى الوراء، ثم قالت بصوتٍ يرتجفُ حيرةً وغضباً:
— “واش هادشي كنشوف فيه؟ شكون نتوما اللي واقفين هنايا؟ وكيفاش كتمنعوني ندخل عند بنتي للجناح ديالها؟ أنا دادة رقية، وعمري ما منعتني شي حاجة ندخل لعندها!”
تقدمت “الفارسة” نحو رقية بخطواتٍ واثقة، وطولُ قامتها جعلها تبدو كأنها تغطي أفق المكان. نظرت إلى رقية حادة ، وصوتها كان خشناً وحاداً كصليل السيوف:
— “أوامرُ السلطانِ لا تُناقشُ ، ولا تعتذرُ لأحد. نحنُ هنا لنطبقَ أمراً واحداً: لا أحدَ يدخلُ، ولا أحدَ يخرج.”
حاولت رقية أن تتجاوزها، لكن الخادمة وضعت يدها القوية على كتف رقية، مثبتةً إياها في مكانها بصلابةٍ لا تلين:
— “اسمعيني مزيان، الكلامُ ليس لكِ وحدك، بل لكلِّ من يعرفها. الأوامرُ صدرت بقطعِ الصلةِ بكلِّ من كانوا يُسمون “معارفها”. أنتِ، ومن على شاكلتكِ، ممنوعون من الاقتراب من هذا الباب. من هذه اللحظة، هذا الجناحُ أصبحَ منسياً عن العالم، ولن يطأ عتبتَه أحدٌ إلا بكلمةٍ مني.. والكلمةُ اليوم هي: ارحلي من هنا قبل أن يضطرَّ الحراسُ لفعلِ ما لا يرضيك.”
تراجعت رقية والدموعُ في عينيها، مذهولةً من هذا التحول الذي جعل ابنتها “شامة” ليست مجرد سجينةٍ، بل “منفيةً” داخل جدران قصرها، معزولةً تماماً عن كلِّ روحٍ أحبتها.
خطت كنزة أولى خطواتها داخل جناحها الجديد، وهي التي جاءت من خيامِ قبيلتها البسيطة لتعيشَ في قلبِ قصرٍ مهيب. عيناها المتسعتان تتنقلان بذهولٍ بين تفاصيلِ الغرفة الواسعة التي تفوحُ منها رائحةُ الأصالة.
لم يكن مجرد جناح، بل كان تحفةً من فنونِ العمارة الأمازيغية. أرضيةٌ مفروشةٌ بزرابي “زربية الأطلس” بألوانها المتداخلة التي تحكي قصصَ الجبال، وجلسةٌ أرضيةٌ وثيرة بوسائدَ مطرزة يدوياً بأنماطٍ هندسية دقيقة، بينما السريرُ في ركنٍ قصي يبدو كعرشٍ خشبيٍ مزخرفٍ بحفرٍ بارزٍ يبعثُ على الطمأنينة.
التفتت كنزة إلى خادمتها “لبانة”، التي كانت تتبعها بذات الدهشة، وقالت بلهجتها الشعبية العفوية التي لم يغيرها القصر بعد:
— “يا لبانة، واش هادشي كاين فالحقيقة؟ وراه بحال إلا دخلت لشي حكاية!! شوفي شحال زوين هادشي، الخشب عامر بنقوش بحال داكشي اللي كيديرو ناس ديالنا فمداشرنا، غير هو هنا مذهب ومزيان كتر.”
اقتربت لبانة، وهي تلمسُ نسيج الوسائد بذهولٍ وقالت:
— “تبارك الله وما شاء الله يا لالة كنزة، هاد الجناح كبر من القبيلة كلها! والسلطان ما خلى ما دار، باين فيك عزيزة عليه بزاااف، هادشي غير هما اللي كيستاهلو يدخلو ليه.”
ضحكت كنزة ضحكةً بريئةً رنت في أرجاء الجناح، وتمددت على الجلسة الأرضية وهي تشعرُ بنعومة الزربية تحت يديها:
هزي ليا هادوك الشراجم يا لبانة، بغيت نشوف الشمس كيفاش كضرب فهد النقوش.. بغيت نحس بلي هاد القبة ولات داري، وماشي غير بلاصة جابني ليها السلطان.”
لمعت عينا كنزة وهي تتخيل حياتها هنا، بعيداً عن صراعات القبيلة ، غير مدركةٍ أن بساطتها هذه هي ما ستثير حولها غيرةَ الأخريات، وأن جناحها الأمازيغي الدافئ قد يصبحُ في نظرِ الكثيراتِ قلعةً منيعةً يصعبُ اختراقُها.
بينما هي تتأمل تفاصيل الجناح الأمازيغي ببهجةٍ طفولية، اقتربت “لبانة” منها لتساعدها في التخلص من “الحايك” الذي كانت ترتديه. انسدل القماش الأبيض الطويل ببطءٍ عن كتفيها، ليظهر تحتَهُ ثوبٌ من الحرير الفاخر، مُطرزٌ بخيوطٍ ذهبيةٍ تحاكي زينة قبائلها الجبلية، ولكنه الآن يغلف جسدها بلمسةٍ ملكية.
في حركةٍ انسيابية، سحبت كنزة طرفَ الوشاح، ليفلتَ من فوق كتفيها ويسقطَ بهدوءٍ فوق الزربية الصوفية المنسوجة ببراعة. تنفست الصعداء، وأزاحت خصلاتِ شعرها الأسود الفاحم عن وجهها، ثم استدارت نحو لبانة لتقول شيئاً، لكنَّ ثوبَ الحرير -الذي كان يحتمي بظلالِ الغرفةِ الخافتة- خانهُ هذه المرة.
بينما كانت كنزة تعدلُ خصرَ ثوبها الحريري، تراجعت لبانة خطوةً إلى الوراء لتفسح لها المجال، فسقط ضوءُ الشمعة الجانبي بوضوحٍ على جسدها. انشدَّ قماشُ الحريرِ الرقيق بضغطٍ خفيفٍ عند منطقة الخصر، ليحددَ دون استئذانٍ أو تجميل، استدارةً مكتملةً ومكورةً لبطنٍ بارزٍ تحت ثنايا الحرير، يبرزُ بوضوحٍ لا تخطئه عينُ الفطن .
كانت لبانة تراقبُ هذا البروزَ بعينينِ لا تعرفانِ الدهشة، بل تعرفانِ “الحذر”، فهي منذ البداية تدركُ أنَّ هذه العروسَ لا تحملُ في أحشائها مجردَ طفل، بل تحملُ “مستقبلها” ومستقبلَ القبيلة بأكملها.
اقتربت لبانة بخطواتٍ صامتة، وبنظرةٍ مفعمةٍ بالولاء الممزوج بالخوف، مدت يدها لتسوي طياتِ الحريرِ حول ذلك البروزِ المكور، وكأنها تسترُ سراً مقدساً.
— “ارتاحي يا لالة.. الطريق كانت طويلة، وهذا اللي في حشاك محتاج السكون أكتر منك
في تلك اللحظة التي كانت فيها كنزة تضع يدها على بطنها، دُفع باب الجناح بهدوءٍ مهيب. دخلت لالة اليازية، بخطواتها الموزونة التي تملأ المكان بهيبةٍ لا تُخطئها عين. لم تكن تنوي في بادئ الأمر اكتشاف سرّ، بل كانت جاءت لترى كيف استقرت عروس ابنها الجديدة في قصرها.
كانت تمشي وكأنها تتفقدُ ممتلكاتها حين وقعت عيناها على كنزة، التي كانت تقفُ بوقارٍ يلفه الحياء، لم تكن هناك دهشةٌ صاخبة، بل كانت نظرةُ فاحصةٍ خبيرة، تدركُ بعينِ الأمِ ما لا تدركهُ العيونُ العادية.
توقفت اليازية أمام كنزة، وتأملت ذلك البروزَ المكتوم تحت الحرير، فبرقَ في عينيها بريقُ الرضا، ذاك الرضا الذي لا يخرجُ إلا من امرأةٍ رأت في هذا الحدثِ استقراراً لملكِ ابنها. لم تقفز، ولم تتسرع، بل مدت يدها ببطءٍ لتلمسَ برفقٍ طرفَ ردائها، قائلةً بصوتٍ رصينٍ يملؤه الهدوء:
— “تبارك الله عليك يا بنتي.. ربي جعل في وجهك القبول، وزادك من فضله ما هو أغلى من كنوز القصر.”
أشارت بيدها نحو بطن كنزة بنظرةٍ فيها الكثير من الفخر المكتوم، وتابعت بنبرةِ أمٍّ تباركُ عطاء الله:
— “هاد السر اللي شايلة في أحشائك، هو أمانةٌ غالية.. وأمانة السلطان ما كايحملها غير اللي الله راد ليه الخير. الله يتمم ليك على خير، ويجعل في هاد المولود السعد واليمن على هاد الدار.”
نظرت كنزة إلى لالة اليازية بامتنان، بينما بقيت لبانة في ركنها مطرقةَ الرأس، مدركةً أنَّ القصرَ قد أشرقَ بضوءٍ جديد. كانت كلماتُ اليازية مباركةً لا تقبلُ التأويل، رسمت بوقارها ملامحَ مرحلةٍ جديدة، حيثُ صارت كنزة، وبكل هدوء، ركيزةً أساسيةً في هذا البيت، تحت رعايةِ من تملكُ زمامَ القصرِ
انحنت برأسها إلى الأسفل، وقد غطت حمرةُ الخجلِ وجنتيها البيضاوين، وبدت في تلك اللحظة كزهرةٍ بريةٍ خجلت من أن يُذكرَ سرُّها علناً داخل جدران القصر.
فركت كنزة أصابعها ببعضها بتوترٍ محبب، ورفعت عينيها ببطءٍ نحو السلطانة، ثم خفضتهما مرة أخرى بحياءٍ شديد، وقالت بصوتٍ منخفضٍ لا يكادُ يُسمع، متشبعٍ بلهجتها الجبلية العفوية:
— “الله يبارك فيكِ يا لالة.. هادا رزق من عند الله، ، وما نتمناه هو رضا الله ورضاكِ ورضا سيدي السلطان
وضعت يدها الأخرى على بطنها برقة، وكأنها تحاولُ حمايةَ هذا السرِّ من نظراتِ الجميع، بينما ابتسامتها المتواضعة ظلت مرتسمةً على وجهها، ظلت واقفةً في مكانها، تترقبُ بوقارٍ كلمات اليازية التالية، وهي تتمنى لو أن الأرضَ تنشقُ وتبتلعَ خجلها، لكنها في الوقتِ نفسه، كانت تشعرُ براحةٍ غامرةٍ لأنَّ اليازية، بقوتها ووقارها، قد باركت هذا “الحمل”
نظرت لالة اليازية إلى كنزة نظرة طويلة، لم تكن مجرد نظرة سلطانة إلى عروسها، بل كانت نظرة امرأة خبرت دروب القصر الملتوية وعرفت أنَّ في جوف الجدران عيوناً لا تنام. تقدمت خطوة أخرى، وصوتُ حليها الذهبية يتردد في سكون الغرفة كوقع خطواتٍ واثقة، ثم خفضت صوتها ليكون أقرب إلى الهمس، لكنه يحمل ثقل الوصية:
— “يا كنزة، هاد الجنين اللي في أحشائك هو أغلى ما يملك هاد القصر اليوم. ومن هاد اللحظة، ردي البال لخطواتك.. القصر عامر باللي يبتسم ليك في وجهك، ويضمر ليك غير اللي يضرك.”
توقفت قليلاً لترى وقع كلماتها في عيني كنزة اللتين اتسعتا حذراً، ثم أردفت بجدية صارمة:
— “وصيتي ليك، ابعدي على ضراتك. لا تخالطي حد، ولا تفتحي بابك ولا قلبك لأي وحدة فيهم، وخصوصاً شامة.
لم تكن اليازية تبتسم، بل كانت عيناها تحدقان في كنزة كأنها تزرع فيها درعاً من الحكمة:
— “ردي البال لراسك، وما تاكلي ولا تشربي غير من يد لبانة، اللي كنعرفها مخلصة ليك. القصر اليوم غادي يتغير، والعيون غادي تزيد تترصد ليك أكثر من أي وقت فات. كوني ذكية، خليكِ في جناحك، وما تعطي فرصة لحتى حد باش يوصل ليك أو للي في أحشائك. هاد الأمانة، كنزة، هي اللي غتحدد بلاصتك فهد الدار، فحافظي عليها بدمك.”
تسمرت كنزة في مكانها، وكأن كلمات لالة اليازية قد ألقَت عليها تعويذةً من الجمود. لم تكن هذه الكلمة غريبةً على مسامعها، لكن وقعها في هذا القصرِ كان مختلفاً تماماً؛ كانت تطنُّ في أذنيها كجرسِ إنذارٍ لم تكن تتوقع سماعه.
اتسعت عيناها بذهولٍ بريء، وارتجفت يدها التي كانت تلامسُ بطنها. التفتت ببطءٍ نحو لبانة، وكأنها تبحثُ عن طوق نجاةٍ في وجه خادمتها، لتسأل بصوتٍ متهدجٍ يعكسُ صدمةً حقيقية:
— “ضرات؟.. واش.. واش كاينين عيالات خرين عند السلطان؟”
لم تنتظر لالة اليازية رداً، فقد كانت كلماتها كبذارٍ سُمّيٍّ ألقته في أرضٍ بكر، وهي تعلمُ يقيناً أنَّ الصدمةَ هي أولى خطواتِ النضجِ في هذا القصر. استدارت بوقارٍ، وعباءتها المخملية المطرّزة تنسابُ خلفها بهدوءٍ، تاركةً خلفها صمتاً أطبق على أنفاس الجناح.
وقفت كنزة في وسطِ الغرفة، يدها لا تزالُ مسمرةً على بطنها، وكأنها تحاولُ أن تستوعبَ. نظرت إلى لبانة، التي كانت تقفُ في الزاوية بعيونٍ يملؤها الأسى، وقالت بصوتٍ يكادُ يكونُ همساً مكسوراً
ساد صمتٌ خانق في الغرفة، لم يقطعه إلا صوت أنفاس كنزة المضطربة. التفتت ببطء نحو لبانة، وعيناها تلمعان بدموع الخيبة والخذلان، ثم قالت بصوتٍ يملؤه الوهن:
— “حتى أنتي يا لبانة؟ حتى أنتي كنتي عارفة بلي كاينين عيالات خرين، بلي كاينين ضرات، وسكتي عليّ؟ خليتيني عايشة فواحد المنامة ، ومخلياني مخدوعة حتى جاو فضحوني قدام راسي؟”
انحنت لبانة برأسها، ويدها تفرك طرف ثوبها بتوتر، ثم أجابت بصوتٍ خافتٍ ومتهدجٍ ينمُّ عن خوفٍ دفين:
— “سمحي ليا يا لالة.. والله ما كانت بيدي حيلة. أنا غير خويدم ، ومكاينش لي كيهضر فهاد الدار بلا أمر السلطان. موضوع بحال هادا، نطقو بيه كيجيب غير المشاكل، السلطان هو اللي كيقرر شكون يدخل لهاد القصر وشكون يخرج، وهو اللي كيقرر شنو يتقال وشنو يتخبا.”
رفعت لبانة عينيها المليئتين بالرجاء نحو كنزة، وأضافت:
— “أنا ما بغيت غير سلامتك، وهاد القصر فيه اللي آذانهم كتوصل لكل بلاصة. كنت كنحاول نحميك، وما بغيتش نكون أنا اللي كتهدم هاد الفرحة اللي كنتي عايشاها، وخا كنت عارفة بلي الحقيقة غتجي نهار وغتفرض راسها.”
نظرت كنزة إلى لبانة، ولم تجد في عينيها خيانة، بل وجدت “خوفاً”أدركت في تلك اللحظة أن لبانة مجرد ترسٍ صغير في اسطول يديره السلطان، حيث لا تملك الخادمات حتى حق “الحقيقة”. تنهدت كنزة تنهيدةً عميقة، ومسحت دموعها بيدها، ووضعت يدها على صدرها كأنها تحاول تهدئة نبضات قلبها المتسارع، ثم سألت بصوتٍ صارمٍ مشوبٍ بالمرارة:
— “دابا قولي ليا يا لبانة، شحال من وحدة مزوج بها السلطان؟ وشكون هاد شامة اللي ذكرات لالة اليازية؟ واش هي اللي كاتسير هاد القصر كامل؟”
اقتربت لبانة بخطواتٍ وجلة، وأغلقت باب الجناح بإحكام، ثم عادت لتقف قريبة من كنزة، خافضةً صوتها إلى أدنى حد، وكأنها تخشى أن تسمع الجدرانُ ما ستقوله:
— “يا لالة كنزة، السلطان عنده جوج د العيالات. كاين الشريفة، وهي الزوجة الأولى، وحدة وقورة وهادئة، كتشوف غير فداتها وما كتدخل فحد. وكاين شامة…”
توقفت لبانة قليلاً، وابتلعت ريقها قبل أن تكمل بمرارة:
— “شامة هي النار اللي كتحرق الأخضر واليابس. هي اللي كانت كتحساب راسها الوحيدة اللي عندها الكلمة، والمفضلة عند السلطان قبل ما تجي نتي. هي امرأة ذكية، قوية، ولسانها حاد بحال السيف، وما كتقبلش شي وحدة تنافسها فقلب السلطان.”
نظرت كنزة إلى لبانة بتركيز، كأنها تحفر ملامح “شامة” في خيالها، فأكملت لبانة:
— “قصتها طويلة، كانت هي اللي كتحكم فكلشي، واللي ما كيعجبهاش كتقلب عليه الميدة . شامة ماشي غير ضرة، هي ماشي بحالنا. شامة أميرة، بنت سلطان، ودمها حرّ من سلالة ملوك. هي ماشي غير وحدة من عيالات السلطان، هي ذراعه اليمين اللي كيسير بها أمور القصر، وهي اللي مطلعاها على كاع أسرار السياسة والتدبير.”
أخذت لبانة نفساً عميقاً وأكملت، وعيناها تدوران في أرجاء الجناح كأنها تخشى العيون المتلصصة:
— “حضور شامة في القصر بحال حضور الشمس، كاع اللي فيه كيوقرها، من خدام وعبيد وحتى كبار القوم اللي كيزورو السلطان، كينحنيو ليها قبل ما ينحنيو لأي حد آخر. كاع العيون كتحني رؤوسها ماشي غير احتراماً، بل خوفاً.. جمالها هيبة، وكلامها قانون، وحتى السلطان، ديك القوة اللي كتشوفيه فيها، راه شامة هي اللي كتغديها بذكائها.”
توقفت لبانة لتنظر في عيني كنزة، ثم أضافت بنبرةٍ لا تخلو من قصدٍ لإثارة غيرتها:
— “شامة هي اللي كانت كتمشى فجنب السلطان فكل بلاصة، والكل كان كيسميها ‘سيدة القصر’ بلا منازع. حتى اللبسة ديالها، وطريقة مشيتها، وحضورها فالمجالس، كلشي كيشهد بلي هي الوحيدة اللي كتحمل لقب ‘الأميرة’ بجدراة. السلطان كيعتبرها دكاءه اللي كيمشي على رجلين، وفاش كيتلاقا معاها، كتلقايه كيرتاح لحديثها، كأنها هي الوحيدة اللي فاهمة خبايا عقله.”
أكملت لبانة وعيناها تراقب تأثر كنزة:
— “تخيلي يا كنزة، شامة ما كتحتاجش تطلب، هي كتاخد مكانتها بقوة شخصيتها. والناس كيتناقلو أخبارها بلي هي الوحيدة اللي تقدر توقف قدام السلطان وتعارضه ويسمع ليها. هادي هي المرأة اللي نتي دابا دخلتي لساحتها، وهادي هي البلاصة اللي كنتي كتصبي أنها تكون ديالك، ولكن شامة.. شامة ما كتسيرش القصر، شامة هي القصر.”
كانت كلمات لبانة كطعناتٍ في قلب كنزة، التي شعرت بالغيرة تتأججُ في صدرها. لم تعد ترى في شامة مجرد منافسة، بل أصبحت تراها “المرأة المثالية” التي خطفت كل شيء، والتي تملكُ قلب السلطان وعقله، مما جعل غيرة كنزة تتجاوز الخوف إلى رغبةٍ عارمة في إثبات وجودها أمام هذه الأميرة المتسلطة.
تغيرت نبرة لبانة، وانخفضت أكثر وهي تمسح بيديها على أطراف ثوبها، وكأنها تزيح ستائر عن أسرار لم يجرؤ أحد على كشفها لكنزة:
— “يا لالة، إلى هضرنا على الشريفة، فإحنا كنهضروا على أصل القصر. هي ابنة عمه، ورفيقة دربه من سنين، وبحكم مكانتها كزوجة أولى وبنت أصل، هي اللي عطات للسلطان البكر؛ ولد وبنت هما قرة عينه. الشريفة بعيدة على كل هاد الصداع، حيت هي ضامنة بلاصتها، وواثقة فمكانتها، وما كايشغلها غير وليداتها وصلاتها.”
سكتت لبانة لحظة، ثم اقتربت من أذن كنزة، وأضافت بصوت خافت مفعم بالسر المهيب:
— “ولكن.. شامة! شامة حكاية تانية، حكاية كتشعل نار فالقلوب. الكل كيعرف بلي شامة ما كاتولدش، ورغم هادشي، السلطان بغاها، وعشقها عشق ما بعده عشق. هي اللي ملكات قلبو، هي اللي كيقضي معاه أغلب وقته فالمجالس والمشاورات. الغريب يا لالة، أن شامة رغم عقمها، فرضات راسها كـ ‘سيدة القصر’ الأولى بالفعل وبالمكانة، وكأن السلطان كيشوف فيها العوض عن كلشي.”
نظرت لبانة لكنزة بتركيز، كأنها تريدها أن تفهم حجم التحدي:
— “الكل فهاد القصر عارف بلي شامة هي الوحيدة اللي كتحرك القصر بكلمة، والكل عارف بلي السلطان لولاها ما يقطع طريق ولا يبدا مشوار. هي ما عندهاش ولاد اللي يثبتو بلاصتها، لكن عندها ‘قلب السلطان’ اللي كيسوى أكتر من كل ولاد الدنيا. وهادشي هو اللي كيخليها شعلة د الغيرة، حيت كنزة.. نتي دابا عندك ‘الحاجة’ اللي هي محرومة منها، وهادشي اللي غيجعلها تشوف فيك ماشي غير عدوة، بل غتكون بحال شي ليث جريح كيدافع على عرشه.”
وقع هذا الخبر كالصاعقة على كنزة، فانتصب جسدها وتلاشت ملامح الارتياح التي كانت ترتسم على وجهها قبل قليل. لم تعد تسمع حفيف ستائر الجناح، ولا صوت أنفاس لبانة؛ كل ما كان يتردد في أذنيها هو صدى الحقيقة
سكتات كنزة، وبحالا شي حد ضربها على وجهها ببرودة. تحبس التنفس فصدرها، وعينيها، اللي كانو كيبرقو بالفرحة ديال الحمل، ولاو بحال جوج جمرات طافيين. حطات يدها على الحيط باش توازن راسها، وقالت بصوت كيترجف، فيه نبرة ديال الوحدة اللي كتحس بيها دابا:
— “ولاد؟.. عندو ولاد؟”
كان السؤال خارج ببطء، وكأن كل كلمة كتخرج بصعوبة. رجعات شافت فلبانة بعينين كلها استفهام وتيه، وقالت بلهجتها الجبلية المقهورة:
— “واش السلطان، سيدي اللي شفتو فنهارنا الأول، عندو عيالات خرين؟ ولاد خرين؟.. يعني أنا.. أنا غير وحدة من بزاف؟”
بدات كنزة كتمشى فالغرفة بلا هدف، بحالا باغة تهرب من الحقيقة اللي بدات كتحاصرها. بدات كتهضر مع راسها بحال شي بطلة فلحجاية، كتحاول تفهم كيفاش هاد “الخديعة” دازت عليها:
— “يا ربي.. أنا اللي كنت كنحساب راسي فداري، وسط حبابي،و هاد الولد اللي فكرشي هو الفرحة اللولة لهاد القصر.. الساعة طلع هاد القصر بحال شي غابة، وعندو ولاد سابقيني، وعندو عيالات واكلين معاه الملح والحكام ! علاش ما قالوش ليا؟ علاش خبيتو عليا؟!!
“اسمعي مني ما يجيك مليح ، وحطي كلامي حلق فودنك: الدنيا ما دايمَة لحد، والعاقلة هي اللي كتعرف فين تحط رجليها. ما تحاوليش تقارني راسك بـ شامة، ولا تدخلي معاها في قوالب وفتن لا منها فايدة. ، وأنتِ اللي فيك الخير، ترفعي على الصغائر.
الشريفة مقامها محفوظ وموقر، وعليكِ بالاحترام والتقدير، هادي خصلة من خصال الكبار اللي كيعرفوا قيمة الناس. أما شامة.. خليها في طريقها، وما تحرقي أعصابك لا معاها لا مع غيرها. الحروب والنزاعات غير كضيع الهيبة وكتنقص من الشان. كوني أنتِ الكبيرة، بعقلك وبصوابك، وخلي الأمور دوز بسلام، حيت اللي كيبغي يرفع راسو، كيترفّع على ما لا يعني”.
كنزة جالسة، الحركات ديالها ثقيلة، ملامحها مخلطة بين الدهشة والحرقة. كتشوف في الفراغ، وفجأة كتحط يديها على فخادها وكتضربهم بقلة حيلة، كأن الأرض عاد تفتحات تحت رجليها).
كنزة (بصوت مخنوق ومكسور):
” ياويييلي!! هي دبا انا ضرة ؟!! انا الثالتة؟!!
نظرت إليها لوبانة بشفقة، واقتربت منها، وضعت يدها على كتف كنزة وقالت بصوت خافت ولكن حازم):
“غير بردي أعصابك ، راه اللي خفي كان أعظم. حسابك غير شامة اللي شغلات بالك؟ كون كنتِ عارفة شكون ساكن فهاد القصر، كون طار ليك النعاس. هاد الدار عمرات بـ ‘الامات’، جواري كثار من كل لون وصنف، كل وحدة فيهم كطمع فشي نضرة ولا التفاتة من السلطان.
هاد الامات،ها لي جابوها من أسواق النخاسة، واللي جابوها من ويلات الحروب، بلا أهل، بلا سند، بلا والي ولا تالي.. كاينين اللي جاو غير هدايا تهدات للسلطان، بحال شي تحفة زينو بيها بلاصتهم. هادو كاع كيتسماو من حريم السلطان، وكل وحدة فيهم فطريقها وهواها.
لهذا، الى درت عقلك فـ راسك، وما طحتش من قيمتك فصراعات خاوية. اللي بغات تضمن راسها فوسط هاد ‘الخنيق’، خاصها تكون أذكى من الحرب، وما تخليش العيالات يجرّوها للمستوى ديالهم. دابا شفتي بعينك؟ هادشي راه بحر، ولو دخلتِ ليه بلا ما تعرفي تعومي، غتغرقك الأمواج ديالو.. كوني قوية وجمعي راسك، راه اللي كتحكم فـ قلبها هي اللي كتربح فـ هاد القصر.”
سادَ صمتٌ ثقيلٌ في الغرفة، لم يقطعه إلا أنفاس كنزة المضطربة ووقعُ خطواتٍ مهيبة بدأت تقتربُ من الخارج. فجأةً، انفتح البابُ بهدوءٍ يوحي بالهيبة، ودخل السلطان. كانت مشيتُه تحملُ ثقلَ السلطة، ونظراته مسحت المكان ببرودٍ خبير، وكأنها تزنُ أرواح الجالسين قبل أجسادهم.
توقفت كنزة عن البكاء فجأة، وجمدت في مكانها، بينما حاولت لوبانة أن تُخفي ارتباكها خلف قناعٍ من الوقار المصطنع. غيّر حضورُ السلطان ميزان القوى في الغرفة؛ تراجعتْ كلمات “الامات” والتحذيرات التي قالتها لوبانة إلى الظل، وحلَّ محلها ثقلُ اللحظة.
تفرّس السلطان في وجه كنزة، التي كانت آثار الصدمة لا تزال مرتسمة على ملامحها، ثم انتقل ببصره نحو لوبانة التي خفضت رأسها قليلاً في حركةِ خضوعٍ مدروسة. لم يقل شيئاً في البداية، بل اكتفى بوقفةٍ مليئة بالسطوة، وكأنه كان يقرأ ما يدور في عقولهما من خلال نظراتهما المرتبكة.
كان الصمتُ في تلك اللحظة أبلغَ من أي كلام، فالسلطان لم يكن مجرد رجلٍ يدخل إلى غرفته، بل كان يمثلُ القوة التي جعلت كنزة تدرك أخيراً حجم “البحر” الذي تعيش فيه، كما وصفته لوبانة منذ لحظات.
انسحبت لوبانة بخطوات هادئة ومتزنة، تاركةً كنزة في مواجهة مباشرة مع السلطان، الذي ظل واقفاً كتمثال من رخام، يملأ بهيبته أركان المكان. لم تكن كنزة تطيق ثقل الصمت، فانفجرت دموعها التي حبستها طويلاً، واهتز جسدها مع كل شهقة خرجت منها.
رفعت عينيها المليئتين بالانكسار، وبصوتٍ تملؤه الحرقة والخذلان، قالت:
“علاش؟ علاش خبيتي عليا هادشي كامل؟ ما قلتيش ليا عائلة، بلي مزوج، وبلي عندك وليدات..والكبيرة كاع كتحب شامة ومفضلها عليا! ولا حيت انا بنت القبيلة ماكبرت فقصور مكنعرف طريقهم؟
ساد صمتٌ خانق، لم يقطعه سوى أنفاس كنزة المتقطعة. اقترب السلطان بخطواتٍ بطيئة وواثقة، توقف أمامها مباشرة، وأمسك ذقنها برفقٍ جعلها تنظر إلى عينيه الصقريتين. كان وجهه خالياً من أي تعبير، لا غضب ولا ندم، بل نظرة رجلٍ تعود أن يمتلك كل شيء ولا يبرر لأحد.
قال السلطان بصوتٍ رخيمٍ ومنخفض، يحمل حدةً لا تقبل الجدل:
“يا كنزة، أنا سلطان، والسلطان لا يبرر أفعاله لأحد. ما تظنينه ‘خديعة’ هو في شرعي وفي أعراف هذا القصر ترتيبٌ طبيعي للأمور. شامة هي زوجتي، لها مقامها ومكانتها التي لا تُمس، وأبنائي هم ورثة هذا العرش، لا مساس بهم ولا بمكانتهم. أما أنتِ.. فقد اخترتكِ بملء إرادتي لما وجدتُ فيكِ من روح، فلا تحاولي أن تضعي نفسكِ في ميزانٍ لستِ منه. الحب عندي ليس عقداً تملكين فيه الحق في مساءلتي، بل هو خيارٌ أمارسه بمزاجي. لا تبكي على شيءٍ لم تملكيه أصلاً، واعلمي أن وقارك في هذا القصر مرهونٌ بقدرتك على تقبل الحقيقة كما هي، لا كما تحبين أن تريها.”
أفلت ذقنها بقسوةٍ باردة، واستدار نحو النافذة، تاركاً إياها غارقة في صدمتها، تدرك للمرة الأولى أن كلماته كانت أشد وقعاً على قلبها من ألف سيف.
(وقفت كنزة، مسحات دموعها بيديها، ونفضت على راسها غبار الصدمة. داك الشعور بالدوخة اللي جاها في الأول، بدلته فلحظة ببرودة أعصاب ديال وحدة عارفة فين حاطة رجليها. شافت في السلطان، اللي كان عاطيها بالظهر، وقلبها كان كيضرب بحال الطبل، ولكن عقلها كان خدام أسرع من البرق).
كنزة (بصوت حنين، مسموع،
“اسمح ليا أ مولاي.. سمح ليا إلا كترت عليك بالهضرة. راه غير قلة عقلي والخوف اللي خلاتني نخرج هاد الكلام. شكون أنا باش نحاسبك؟ وشكون أنا باش نلومك؟ الحق عندك امولاي ..الله اودي نتا سيدي وتاج راسي وفعيني ، وأنا اللي جيت بقلبي كلو كنرميه في طريقك بلا ما نعرف شكون اللي سابقني فيها. كنزة ما تخرج من يدك وما تكون إلا كيف بغيتي.. كون عرفت، كون طويت هاد الهضرة في قلبي ومسحتها، حيت اللي كيبغي، كيبغي بلي كاين، ماشي بلي بغا هو يكون.”
(حطات يديها على صدرها وكملات بابتسامة خفيفة، ممزوجة بلمعة دمعة
“غير قولي يا مولاي، واش أنا كنزة اللي عرفتيها، ولا وليت وحدة أخرى في عينيك بهاد الهضرة؟ والله ما كان قصدي نغبن خاطرك، راه غير المحبة هي اللي خلاتني نغلط.. اعتبر هادشي غيير زلة د العيالات، ونساها.”
تلفت ليها وبقا كيشوف فيها بملامح جامدة، ولكن فداخل عينيّه كان واحد النوع من الابتسامة الخفيفة، ابتسامة ديال واحد كيشوف شي طفل صغير كيحاول يقلد الكبار. ما خدش هضرتها على محمل الجد، بالعكس، بانت ليه هضرتها غير “هبال” ديال وحدة ما زال ما عارفة الدنيا كيف دايرة).
السلطان (تنهد بسخرية خفيفة، ودار فيها شوفة ديال “شكون هاد البنت هادي”):
“أنتِ باقي ما كبرتي يا بنتي، شكون قال ليك هاد الهضرة؟ شكون علمك هاد الكلمات اللي أكبر منك؟”
(قرب عندها، ومد يده، مسح على راسها بحركة أبوية فيها شوية ديال الاستعلاء، بحال إلا كيسكت شي طفلة كاتباتر)
“شوفي فيا.. الحقيقة اللي راكِ باغا تفهميها، مازال ما جاش وقتها. أنا السلطان، وعندي حريم وقصر وناس، وأنتِ هنا باش تفرحي خاطري، ماشي باش تحللي وتقارني. هاد ‘الخفة’ اللي فيك هي اللي عاجباني فيك، خليكِ هكا، ضحوكة، وما تدخليش راسك فشي أمور اللي تخرج عليك.”
(زفر بملل، وكأن الحوار سالى بالنسبة ليه)
“امسحي دموعك، وبلا ما تبرزي راسك بهاد الأفكار اللي لا تسمن ولا تغني من جوع. يلاه، ديري داكشي اللي كتعرفي ليه، وخليني من هاد الدراما ديال الكبار.. مازال ما وصلتي ليها.”
اتاجه لوحدة من دوك الجلسات الامازيغية ، جلس بوقارٍ مهيب، ملامحه تعكس ثقلاً لا يدركه إلا من حمل هموم الأمة. سادَ سكونٌ في المكان، إلا من حركة الخدم الذين دخلوا بصمتٍ ليجهزوا الجلسة، بـ “صينية” الفواكه والمسرات.
أخذت كنزة نفساً عميقاً، مسحت ما تبقى من أثر دموعها، وبنظرةٍ حازمة، توجهت نحو الباب. فتحته بقوة، فوجدت لوبانة تنتظر في الرواق، ملامحها تعكس ترقباً حذراً. خرجت فيها كنزة عينيها، ونطقت بصوتٍ خافت ولكن فيه أمر لا يقبل التأجيل:
“لوبانة.. ما تبقايش واقفة ، ديري خدمتك. سيري جيبي لي الفرقة ديال القصر، الطبالات والمغنيات.. بغيت الدف، والبندير، والدربوكة يصدحوا هنا دابا، بلا تعطيلة!
لم تنتظر كنزة رداً، بل دخلت وأغلقت الباب خلفها، تاركةً لوبانة تهرع لتنفيذ الأمر. لم تمر دقائق، حتى عادت لوبانة ومعها الموسيقيات، دخلن بخفةٍ وركنّ في إحدى زوايا الغرفة. بمجرد ما بدأت إيقاعات البندير والدربوكة بنغمة امازيغية تملأ المكان، بدأت الدقات تشق الصمت، دقاتٌ تتسارع مع دقات قلب كنزة المكتوم.
في تلك الأثناء، تحزمت كنزة بالموزون. كان كل خيطٍ فيه يلمع تحت ضوء القناديل، وكل حركةٍ تقوم بها كانت كأنها تُخفي تحتها غصةً تكاد تقتلها. اقتربت من السلطان، وبدأت تتمايل، تتمايلُ كالغصن مع الريح، محاولةً أن تبدو في قمة البهجة، بينما عيناها كانتا غائرتين بالوجع الذي حولته إلى طاقةٍ في جسدها.
السلطان كان يراقبها بوقاره المعهود، جالساً في مكانه كأنه في محراب، يتابع حركات كنزة الموزونة التي كانت تجوب البيت. كان الطرب يملأ المكان، والخدم يتحركون في صمتٍ مريب، بينما كنزة كانت ترقص، ليس لهواً، بل لتثبت لنفسها -قبل السلطان- أنها هنا، وأن حضورها لا يمكن محوه بصمت أو غياب.
زادت وتيرة الموسيقى، واشتدّ دقات البندير والدربوكة، وكنزة في عالمها الخاص، كتشطح بالموزون اللي كيزيد لمعان وسط الضي الخافت. كانت حركاتها خفيفة وموزونة، رغم أنفاسها اللي بدات كتسارع والحمل اللي كيتقل خطواتها. كانت كتحاول تنسى كلشي، تنسى شامة، وتنسى قسوة السلطان، وتنسى الغصة اللي في قلبها، فكانت كتشطح بكل قوتها.
فجأة، وسط ما هي غارقة في هزات الموزون، سكتت الموسيقى في عقلها. حست بشي حاجة بحال شي خنجر بارد داز في أسفل بطنها. تجمّدت بلاصتها، وبقاو يديها مهزوزين، بينما وجهها تبدل اللون ديالو من الحماس للصفرة.
شدّات في كرشها بيديها بجوج، حركات الموزون اللي كانت كتلتمع، ولات دابا كتهز مع رجفة يديها اللي تشنجات. الشهقة اللي كانت مكتومة في صدرها خرجات كأنها صرخة مكبوتة.
(بصوت مبحوح ومقطوع):
“أخ.. يا ربي..”
السلطان، اللي كان جالس بوقاره، لاحظ هاد التغير المفاجئ. حركات كنزة اللي كانت بحال النسمة، تحولات لجمود مريب. ملامحها اللي كانت فيها الفرحة المصطنعة، ولات ملامح وحدة كتصارع الألم. الخوف بدأ كيبان في عينيها، الخوف على هاديك النعمة اللي في كرشها.
ساد الصمت في الغرفة، والموسيقيات حبسوا الدق في لحظة وحدة، كأن المكان كلو حبس أنفاسه مع كنزة. السلطان وقف من بلاصته، الهيبة اللي كانت في وجهه بداتها تتبدل بالاستغراب والقلق، وعيناه مسمرين على كنزة اللي بدات كترخى وهي شادة في كرشها بقلة حيلة.
تحول الجو في الغرفة في لمح البصر؛ من طربٍ وأضواء إلى صمتٍ مشحون بالخوف. ما إن بدأت كنزة تترنح تحت وطأة الألم حتى انتفض السلطان من مجلسه. لم تعد هناك مسافة بينه وبينها، ففي لحظة الضعف الإنساني هاته، تلاشت كل الحواجز.
خطا السلطان خطوات واسعة وسريعة، وسبق الجميع ليصل إليها قبل أن تسقط. أمسك بها بذراعيه القويتين، ليس كحاكمٍ يمسك بمرؤوسة، بل كإنسانٍ يذعره خطرٌ يهدد شيئاً يخصه.
السلطان (بصوتٍ أجش، خلت منه نبرة السلطة وحل محلها قلقٌ مكتوم):
“كنزة! ما بكِ؟ تنفسي.. لا تحاولي الوقوف.”
توقف كل شيء في الغرفة؛ الموسيقيات تجمّدن في أماكنهن، وذهلت لوبانة التي سارعت بالتقدم وهي تضرب كفيها ببعضهما في هلع. نادى السلطان بصوتٍ صارمٍ يقطعه الجزع:
“نادوا الحكيمة فوراً! تحركوا ولا تتلكؤوا!”
حملها السلطان برفقٍ شديد، ووضعها على فراشها، وظل ممسكاً بيدها. كانت كنزة ترتجف، وعرقٌ بارد يغطي جبينها، وعيناها معلقتان به بنظرةٍ فيها مزيج من الألم والخوف. اقتربت لوبانة بسرعة، وبدأت تحاول تهدئتها وهي تهمس في أذنها، بينما السلطان، الذي كان يفرض وقاره على أركان القصر، ويده لم تفارق كتف كنزة، كأنه يحاول أن يستمد منها الطمأنينة أو يمنحها إياها في تلك اللحظة الحرجة.
دخلات الحكيمة ومعاها مساعداتها، وبدات الأمور كتاخد مجرى الجد والخطورة.
تراجع السلطان للوراء. هيبته اللي كانت مخبية بانت دابا فالحزم ديال ملامحه. وقف فالباب، وشاف فـ لوبانة بواحد النظرة اللي كاتقول “حياتها بين يديكم”، وخرج.
حدرات لبانة راسها وسدات الباب فور خروجه ورجعات كتجري جنب كنزة شدات فيديها كتصبرها. كتمسح ليها العرق من وجهها، وجهها فقد كل ألوانه وأصبح شاحباً كالكفن، وشعرها التصق بجبينها. كانت تعتصر الملاءات بين أصابعها بقوة حتى كادت أن تمزقها، بينما صرخات الألم المكتومة تخرج من حلقها كأنها شفرات تقطع سكون الليل.
الحكيمة كانت تتحرك بمهارةٍ عجولة، صوتها يتردد في أرجاء الغرفة: “اصبري يا بنيتي.. تنفسي.. لا تفقدي وعيكِ، دابا يفرج الله!”
كنزة كانت في عالم آخر، الألم كان ينهش جسدها، كأن روحها تسحب منها مع كل نوبة وجع. جسدها يرتجف، ودموعها تنهمر بصمت دون أن تجد القوة حتى للبكاء. لوبانة كانت تقف عند رأسها، تمسح على جبينها بخرقة مبللة بماء الورد، وعيناها مليئتان بالرعب؛ كانت تعرف أن الولادة المبكرة في مثل هذه الظروف قد لا ترحم.
كنزة (بصوتٍ واهنٍ يخرج من بين أسنانها):
“موت.. يا لوبانة.. حاسة بروحي غتخرج.. ما قاداش.. ما قاداش نزيد..”
الحكيمة (بصرامة ممزوجة بالرحمة):
“ما تقوليش هاد الهضرة! دفعي.. دابا خاصك تدفعي بكل جهدك، وإلا الجنين غيغلبك ويغلبنا!”
في تلك اللحظة، تعالت صرخة كنزة بشكل مرعب، صرخة لم تكن بشرية، بل كانت نداء استغاثة من أقصى أعماقها. تشنج جسدها بالكامل، وتقوس ظهرها كأنها تتقاتل مع الموت في معركة أخيرة. لم تعد تسمع أحداً، لا الحكيمة ولا لوبانة، كان كل ما تشعر به هو برودة الموت التي بدأت تتسرب إلى أطرافها.
كانت تغيب عن الوعي شيئاً فشيئاً، وبينما كان الألم يصل إلى ذروته، ساد صمت مفاجئ.. صمتٌ أثقل من الضجيج، جعل لوبانة تبحث عن نبض كنزة بيدٍ ترتجف.
ساد في الغرفة صمتٌ مطبق، يقطعه فقط صوت أنفاس كنزة المتلاحقة والواهنة. كانت كنزة غارقة في عتمة الألم، جسدها يرتجف بعنفٍ تحت وطأة الولادة المبكرة. الحكيمة كانت تحاول بكل ما أوتيت من خبرة أن تستخرج الجنين، لكن وجهها كان يشي بالخطر الداهم.
فجأة، انفتح الباب بقوة، ودخلت لالة اليازية. كانت عباءتها الثقيلة تجر خلفها هيبة لا تُنازع. لم تتلفّت يميناً ولا شمالاً، تقدمت بخطواتٍ موزونة ومسرعة نحو الفراش، وكأنها تقتحم حصناً محاصراً.
نظرت لالة اليازية إلى كنزة الملقاة، الشاحبة، والتي كانت على وشك أن تفقد آخر خيوط وعيها. لم تضيّع وقتاً في الكلام، بل نظرت للحكيمة بنظرةٍ أمرت بها الجميع بالتنحي.
لالة اليازية (بصوتٍ جهوريٍ وآمر، يملأ زوايا الغرفة):
“أخرجي عن الطريق يا حكيمة! لا وقت للارتجاف.. لوبانة، تعالي هنا، لا تتركي رأسها! احضري الماء الدافئ وخرق الحرير المعقمة فوراً.”
اقتربت لالة اليازية، وشمرت عن ساعديها. وضعت يدها بحزم على كتف كنزة، وهزتها بقوةٍ مدروسة لتستعيدها من غيبوبتها.
لالة اليازية (تهمس في أذن كنزة بصوتٍ لا يقبل الانكسار):
“كنزة.. اسمعيني! يا بنت القبايل، الموت لا يأتي لمن تملك في أحشائها حياة. اجمعي شتاتك.. ادفعي بكل ذرة قوة بقيت فيكِ! لا تخذليننا، ولا تخذلي روحاً تريد الخروج إلى هذه الدنيا.”
بلمسة خبيرة، بدأت لالة اليازية تدير عملية الولادة، توجه الحكيمة وتأمر لوبانة بصرامة. كانت كنزة بين يديها تشعر بتلك القوة التي تنقلها إليها لالة اليازية. تحت وطأة الألم الشديد، بدأت كنزة تستجيب، عيناها فتحتا ببطء، وتعلقت نظراتها بـ لالة اليازية التي كانت تمثل لها في تلك اللحظة القوة الوحيدة في هذا العالم.
“دفعي.. يا كنزة! ادفعي!”
كان صوت لالة اليازية هو الناقوس الذي يقطع عتمة الألم، وكانت الغرفة، رغم قسوة اللحظة، تعج بحركةٍ يقودها إصرار لالة اليازية على الانتصار للحياة.
اشتدّت الكربة فديك الغرفة، والجو ولى خانق كأن الجدران كتضياق عليهم. كنزة ما بقاتش كتملك حتى الجهد باش تصرخ، صوتها بحّ وولى كيخرج غير أنين متقطع كيندب الصدر. وجهها عرقان، وشعرها لاصق على جبهتها، وعينيها بدا البياض ديالهم كيغلب، كأن الروح باغا تفلت وتسلم الوعي للموت.
الولادة ولات عسيرة بزاف، الجنين كان مستعصي والخروج ديالو قبل الوقت ولى مسألة حياة أو موت. الحكيمة بدات يديها كيرجفو، وجبهتها قطرات بالعرق، لدرجة أنها تجمعت وقربات من أذن لالة اليازية وهمسات ليها بصوت مخنوق بالخوف:
“للا اليازية… لالة، الولد واحل بالوجع المقلوب، والبنت ما بقاتش كتجاوب معايا… إلا بقات هكا، غيمشيو بجوج بين يدينا!”
هنا، لالة اليازية تحولات لكتلة د الغضب والصمود. ما سمحاتش للخوف يدخل للغرفة. دارت عند الحكيمة بشوفة حادة بحال الموس ونترات فيها:
“سكتي! هاد الهضرة ما تقوليهاش قدامها! قسماً بالله إلا وقعت ليهم شي حاجة حتى تكون رقبتك هي الثمن. تحركي وديري خدمتك!”
شمرت لالة اليازية على دراعها كثر، وجلسات فوق الفراش حدا كنزة. حطات يديها بجوج على كرش كنزة وبدات كتساعد الحكيمة بجهد ودفع مدروس، كتزير معاها مع كل وجعة. ومن الجهة الأخرى، شدات كنزة من كتافها وهزات ليها راسها شوية، وبدات كتضرب ليها وجهها بخفة بماء زهر باش ما تغيبش.
لالة اليازية (بصوت قوي كيرعد فـ الغرفة، وفيه أمر لا يرد):
“كنزة! فيقي معايا! ما كاينش النعاس دابا! كبدي على داك الجنين وزيري… زيري بحال إلا كتدافعي على عمرك. الموت ما غتاخدكش من هاد القصر وأنا واقفة تما! ادفعي يا كنزة… ادفعي!”
الحكيمة كانت حانية، يديها غارقين فـ الشغل، كتحاول بكل ما عطاتها الحكمة والجهد تدور الجنين وتسهل طريق الخروج، وعظامها كيرعدو من الثقل ديال المسؤولية. ولوبانة واقفة شادة رجليها، وكتدعي وتبكي بصوت مخفوت.
المجهود كان جبار، الغرفة ولات بحال ساحة معركة حقيقية، لالة اليازية كتضغط بكل قوتها وخبرتها، والحكيمة كتصارع من لداخل، وكنزة مسكينة بقات بيناتهم بحال الريشة فـ مهب الريح، كتجمع آخر قطرة د الروح بقاو ليها فـ دمها باش تعطي هاد الدفعة الأخيرة.
بدات لالة اليازية كتضغط بيديها بجوج على بطن كنزة بواحد القوة قاسية، كانت كتحاول تدفع الجنين من الخارج، في حين كانت الحكيمة كتصارع من الداخل. كنزة كانت فديك اللحظة فشي بلاصة بعيدة، الألم تجاوز القدرة د العقل البشري على التحمل. جسدها ولا كيتشنج بوحدو، عينيها تقلبوا، وبدا فمها كيرغى من شدة السكات اللي كانت فارضاه على راسها باش ما تصرخش.
كنزة (بصوت كأنه جاي من القبر، متقطع وواهن لدرجة ما يتسمعش):
“لالة.. ما قاداش.. الضوء كيظلم.. مابقيتش حاسة بـ رجلي..”
لالة اليازية (وهي كتزيد تضغط بقوة أكبر، وكأنها كتحاول تنقل القوة ديالها لكنزة):
“شوفي فيا يا كنزة! ما تشوفي حتى حد غيري! الا غمضتي عينك دابا، غادي تمشي للأبد. ادفعي! ادفعي بكل ما عندك! لوبانة! شديها من كتافها وطلعيها عندي!”
لوبانة كانت كتبكي وكتعاون، كترفع كنزة من كتافها باش لالة اليازية والحكيمة يلقاو كيفاش يتعاملو مع الحالة. الجنين كان عنيد، والموقف ولا عسير لدرجة أن الحكيمة لقات راسها كتصلي وتدعي فوسط الخدمة، ويدها كترجف. لالة اليازية، رغم الوقار ديالها، حوايجها تكمشو، والتاج اللي كان فوق راسها مال، والعرق غطا وجهها، ولكن عينها ما حيداتهمش من كنزة.
لالة اليازية (بصرخة آمرة):
“دابا يا كنزة! دابا! يا إما تخرجيها للحياة، يا إما غنتبعوها بجوجنا للموت!”
كانت اللحظة الأكثر قسوة، كنزة تجمعات فديك الدفعة الأخيرة كأنها كتخرج روحها، صرخة صامتة خرجات من صدرها، صرخة ديال وحدة كتصارع آخر عرق فالحياة، والغرفة كلها تزلزلات بهاد المجهود اللي فوق الطاقة البشرية.
تفسخات العقدة أخيراً، وساد واحد الصمت ثقيل فـ الغرفة، صمت كأنو ديال شي معجزة عاد وقعات. بعد هاديك الدفعة الأخيرة اللي كانت شبه مستحيلة، ختارقات صرخة خفيفة، ضعيفة، وبحّة سكون المكان.
الحكيمة، اللي كانت غارقة فالعرق والارتباك، خرجات الجنين بيديها المرتجفين، وحطاتو بسرعة على الفراش. لالة اليازية، اللي كانت عاد دابا ثواني قليلة كتحارب الموت، طلقات كتاف كنزة، ورجعت اللور، وجها شاحب ولكن ملامحها كانت كتعبر على واحد النوع من النصر اللي ما كيعرفو إلا اللي واجه الموت ورجع.
كنزة، اللي كانت حاسّة بلي روحها كانت معلقة فواحد الخيط رقيق، ارخات كتافها تماماً. عينيها بقاو محلولين نص حلة، كيشوفو فالضباب، وصدراها كيطلع ويهبط بصعوبة بالغة. كانت بحال شي محاربة خرجات من معركة دامت سنين.
الحكيمة (صوتها كيخرج مرتعش ومملوء بالبشرى):
“حيّة.. الحمد لله، مولاي السلطان، لالة اليازية.. البنيّة حية!”
لوبانة، اللي كانت منهارة بالبكا، مسحات عينيها بسرعة وجرات باش تلف الجنين فـ الحرير، وهي كتردد كلمات الحمد والشكر. لالة اليازية، رغم التعب اللي بان على وقارها، شافت فـ كنزة، اللي كانت باقة بحال شي خيال، هامدة فوق الفراش.
لالة اليازية (بصوت فيه بحة ديال التعب، ولكن فيه لمسة حنان نادرة):
“شوفي يا كنزة.. شوفي شنو خرج من بين يدين الموت.
كنزة، واخا كانت غايبة على الوعي، حركات صباعها ببطء، وكأنها سلمات للأمر الواقع. الغرفة اللي كانت البارح كتعج بالطرب والموزون، ولات دابا مكان ديال “بداية جديدة”، وسط ريحة الورد، ودقات القلوب اللي يلاه بدات كتهدأ من السباق ديالها مع الموت.
بينما كانت لوبانة كتلف المولودة فالحرير، والحكيمة كتمسح العرق على جبهتها وكتنفس الصعداء، بدأت كنزة كترجف مرة أخرى، وبدا وجهها كيزرق من جديد. الحكيمة، اللي كانت باقة يديها قريبة لجسد كنزة، حست بشي حاجة غير طبيعية. عينيها وساعوا بالذهول، وشافت فلالة اليازية اللي كانت باقة واقفة كتشوف فكنزة بواحد النوع من الرضى.
الحكيمة (صوتها كيخرج بحال شي همس مذعور):
“يا ربي السلامة.. يا ربي تلطف بنا..”
لالة اليازية (تحركاتها الوقورة ولات سرعة ديال الغضب):
“شنو واقع؟ تكلمي دابا!”
الحكيمة (كتلمس بطن كنزة اللي مازال قاصح ومنفوخ):
“لالة.. كاين شي حاجة أخرى.. الولادة ما سالاتش.. كاين.. كاين جنين ثاني!”
ساد صمت جحيمي فـ الغرفة. لالة اليازية تجمّدات بلاصتها، ولوبانة طاح من يدها طرف الحرير اللي كانت شادة. كنزة، اللي كانت يلاه بدات كتحس بشوية ديال الراحة، شهقات صرخة أخرى ديال العذاب، وحسّت بـ “موجة” جديدة ديال الوجع، أقوى وأعنف من الأولى، بدات كتهز كيانها الضعيف.
لالة اليازية (صوتها كان فيه خليط من الرهبة والصرامة، دارت عند كنزة اللي بدات كترجع للغيبوبة):
“كنزة! فيقي! مازال ما سالينا! هادي معجزة أخرى باغا تخرج.. ما تخلينيش نندم حيت قلت عليك قوية!”
المجهود اللي كان مطلوب دابا ولا مضاعف. الحكيمة كانت كترجف، والخدم اللي كانو بداو كيرتاحوا رجعوا في حالة هيستيرية ديال الخوف. لالة اليازية، اللي كانت عيالات القصر كاملين كيخافو من نظرتها، بان فيها واحد النوع من الخوف الإنساني لأول مرة، ماشي خوفاً على مكانتها، ولكن خوفاً على حياة هاد “الوريث” الثاني اللي اختار يجي فهاد الظروف القاتلة.
لالة اليازية (كتشد كنزة من كتافها وكتزير عليها):
“اللهم إن هادشي من عندك.. يا كنزة، دابا! دابا! الجنين الثاني ما غيصبرش، إما يخرج دابا، يا إما غيغرقنا بجوجنا فالظلام!”
الغرفة رجعات ساحة د المعركة، وبدات الجولة الثانية من الصراع اللي كان أصعب وأقسى، والكل كيتسنى يشوف واش كنزة عندها القوة باش تعطي للدنيا طفل ثاني، ولا هاد المعجزة غتكون هي القاضية.
الجو داخل الغرفة تحول من التعب إلى ذهولٍ مطلق. الحكيمة، رغم خبرتها الطويلة، كانت تلهث، ويداها اللتان كانتا تقطران دماً، لم تكن ترجفان من الخوف فقط، بل من ثقل المفاجأة.
الحكيمة (بصوتٍ متهدج، وعيناها مثبتتان على بطن كنزة الذي لم يزل مرتفعاً):
“لالة.. الرأس.. الرأس بدأ يظهر! إنه.. إنه جنينٌ آخر! يا لطف الله، كيف صمد جسد هذه المسكينة لهذا كله؟”
لالة اليازية، التي كانت في أوج قوتها، شعرت للحظة بضعفٍ بشري أمام هذا التجلي الإلهي. مسحت بيدها على وجه كنزة، التي كانت في حالة هذيان، تهمس بكلمات غير مفهومة، وكأنها في رحلة بين عالم الأحياء والأموات. لم تكن كنزة تملك حتى صرخة لترد بها على هذا الألم الجديد؛ جسدها تحول إلى ما يشبه الخشب اليابس، لا يقوى إلا على الارتعاش اللاإرادي.
لالة اليازية (تصرخ بحزم، وكأنها تقود معركة أخيرة):
“اسمعي يا كنزة! اسمعي صوتي جيداً! لقد أخرجتِ الأولى، وهذا الثاني لا يحتاج إلا لدفعةٍ واحدة.. لا تخذليه، لا تخذليه وهو يرى النور!”
في تلك اللحظة، استجمعت كنزة ما تبقى من ذرات روحها. لم تعد تشعر ببطنها، لم تعد تشعر بجسدها، فقط كان هناك نداءٌ خفي، نداءُ أمومةٍ غريزيّ دفعها لتجمع كل ما في عروقها من قوة. الحكيمة، التي أدركت أن هذا المولود في وضعٍ أخطر من سابقه، ضغطت بكل ما أوتيت من عزم، بينما لوبانة كانت ترفع ظهر كنزة، والدموع تحرق خديها.
وبعد دقيقةٍ بدت وكأنها دهر، دقيقةٍ ساد فيها سكونٌ موحش لا يكسره إلا أنفاس الحكيمة المتلاحقة، جاءت الدفعة الأخيرة. خرج الجنين الثاني، وسط صمتٍ أثقل من الجبال.
لم يبكِ المولود الثاني.
ساد رعبٌ بارد في الغرفة. الحكيمة حملت الصغير بحذر، ومسحت وجهه، لكنه ظل ساكناً.
الحكيمة (بصوتٍ خافت، ميت):
“يا لالة.. إنه.. إنه لا يتنفس.”
لالة اليازية، التي كانت في قمة ثباتها، شعرت وكأن الأرض تميد بها. لم تتردد لحظة، انتزعت الصغير من يدي الحكيمة المرتجفتين، وبدأت تحاول إنعاشه بكل ما أوتيت من خبرة الأمهات القدامى، وهي تهمس بوعيدٍ ودموعٍ مكتومة:
“لا.. لن ترحل.. لقد جئت للدنيا لتكون شاهداً، لا لتكون طيفاً! تنفس.. باسم الله، تنفس!”
وفي لحظةٍ حبست الأنفاس، بينما كانت كنزة تسقط في غيبوبةٍ عميقة لا تدري فيها ما حولها، انطلقت صرخةٌ حادة، صرخةٌ قوية شقت جدار الغرفة، وأعلنت أن المعجزة قد اكتملت.
سقطت لالة اليازية على ركبتيها، والطفل يصرخ بين يديها، بينما كانت الحكيمة تسجد لله شكراً. لقد وُلد التوأم، لكن كنزة.. كنزة كانت قد أفرغت كل قطرة حياةٍ في جسدها، لتبقى هامدة على الفراش، كأنها تحفةٌ من الرخام، بعد أن أدت أمانتها.
ساد صمتٌ خانق في الغرفة، لم يقطعه سوى صراخ المولود الثاني الذي أعلن عن قدومه أخيراً. لالة اليازية، التي كانت لا تزال على ركبتيها، احتضنت المولود بين ذراعيها، صدره الصغير يعلو ويهبط بانتظام، لكن عينيها كانتا شاخصتين بذهول نحو كنزة.
كنزة كانت غارقة في بياض الفراش، جسدها هامداً تماماً بعد أن أفرغت آخر ذرة طاقة في كيانها. يدها التي كانت تعتصر الملاءة ارتخت، ووجهها، الذي كان قبل قليل يحترق بلهيب الألم، اكتسى الآن بصفاءٍ غريب كأنه تمثالٌ من المرمر.
الحكيمة (بصوتٍ يتهدج بالرعب):
“لالة.. النبض! نبضها لا يكاد يُسمع.. لقد استنفدت كل شيء!”
اقتربت لالة اليازية بسرعة، تركت الصغير بعناية في مهدٍ دافئ، واندفعت نحو كنزة. لم تكن هناك هيبة العائلة أو صرامة القصور، بل كانت هناك يدٌ ترتجف تحاول البحث عن نبضٍ غائب في معصم كنزة النحيل.
لالة اليازية (تصرخ بصوتٍ آمر،
“لوبانة! لا تقفي هناك كالمشلوخة! أسرعي بماء الورد والمسك.. دلكي أطرافها! لا تدعي الدم يتجمد في عروقها.. كنزة! اسمعيني، لقد جلبتِ الحياة للدنيا، لا تسمحي للموت أن يسرقك منها الآن!”
بدأت الغرفة تتحول إلى خلية نحل من العمل المحموم؛ لوبانة تمسح جبين كنزة بخرقٍ مبللة، والحكيمة تحاول السيطرة على النزيف الذي بدأ يضعف جسد كنزة المنهك. لالة اليازية كانت تضغط بكل قوتها على كف كنزة، تحاول أن تنقل إليها دفء الحياة من جسدها.
لالة اليازية (تهمس بصوتٍ يملؤه التوسل والقوة):
“أنتِ قوية يا كنزة.. أقوى من أن تنهزمي في هذه اللحظة. انظري إلى ثمار تعبك، انظري إلى ما وهبتِه للحياة.. عودي، لا تتركي القصر يغرق في سوادٍ لا ينجلي.”
مرت ثوانٍ بدت كأنها دهر. الغرفة كانت تضج برائحة الدماء والمسك، والأنفاس كانت محبوسة في الصدور. وفجأة، بينما كانت لالة اليازية على وشك أن تفقد الأمل، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ حركةٌ طفيفة.. خيطٌ رفيع من الروح عاد ليدب في جسد كنزة، تبعه أنينٌ خافتٌ جداً، كأنه تنهيدةٌ طويلة خرجت من أعماقٍ بعيدة.
فتحت كنزة عينيها ببطء، نظرةٌ زائغة، غائمة، لا ترى إلا الضباب، لكنها كانت نظرة “حية”.
الحكيمة (بصوتٍ متهلل):
“عادت! لالة.. لقد عادت!”
أسندت لالة اليازية ظهرها إلى الجدار، وقد أدركت أن كنزة قد عبرت الجسر الضيق بين الموت والحياة، لكن الغرفة ظلت تعج بآثار المعركة التي خاضتها هذه الأم لتنتزع طفليها من بين مخالب القدر.
وفي الجناح الهادئ حيث تقيم لالة الشريفة، كانت السعدية، خويدمة لالة الشريفة، تجري كالمجنونة في الممرات، ثوبها يتخبط بين رجليها، وأنفاسها مقطوعة من كثرة الجري والهلع.
وصلت السعدية إلى باب جناح لالة الشريفة، دفعت الباب بقوة لم تعهدها من قبل، ودخلت دون استئذان. لالة الشريفة كانت جالسة على أريكتها الوثيرة، تمسك بمسبحة من العقيق، تحاول جاهدة أن تخفي آثار الضيق على وجهها منذ أن عرفت بخبر زواج الشداد.
السعدية (تلهث بصوتٍ متقطع، وجهها أصفر من أثر الركض):
“لالة.. لالة الشريفة! لحقي.. يا لالة، المصيبة.. الخبر نزل عليا كالصاعقة!”
لالة الشريفة (وضعت المسبحة بهدوءٍ مصطنع، لكن عينيها ضاقتا بحذر):
“ما بكِ يا سعدية؟ أهذا وقت الجري في الممرات؟ ما الذي يحدث؟”
السعدية (اقتربت منها ويدها ترتجف):
“كنزة.. مرات مولاي يا لالة! راهي فـ بيت الولادة.. الحكيمة والناس كاع مشغولين، والحالة ما تبشر بالخير! راهي كتولد يا لالة!”
تجمّدت لالة الشريفة في مكانها. سقطت المسبحة من يدها لتتدحرج على الأرضية الرخامية، لكنها لم تلتفت إليها. الخبر نزل على قلبها كخنجر مسموم. هي التي ظنّت أن زواج الشداد منها كان مجرد “نزوة” أو تدبيراً سياسياً، لم تكن تعلم قط أن هناك حَملاً، وأن هذا الحمل قد وصل إلى مرحلة الولادة.
لالة الشريفة (بصوتٍ خافت، يملؤه الجمود والذهول):
“ماذا قلتِ؟ كنزة.. حامل؟ وهي.. هي الآن تضع مولودها؟”
السعدية (تبكي بخوف):
“إييه يا لالة.. والكل كيقول باللي الولادة صعيبة، ولالة اليازية بنفسها دخلات الغرفة! القصر كلو مقلوب!”
وقفت لالة الشريفة، لكن ساقيها خانتاها فارتجفت. شحوب وجهها زاد عمقاً، وعيناها اللتان كانتا تفيضان بالوقار تحولتا إلى بحيرة من الغضب المكتوم والغيرة التي لا ترحم. لم تكن الصدمة فقط في وجود ولد، بل في حقيقة أن الشداد أخفى عنها هذا الأمر، وأن هذا البيت، الذي اعتبرته حصنها، قد اخترقه الآن “وريثٌ” لامرأة أخرى.
لالة الشريفة (بصوتٍ يقطر حنظلاً، وكأنها تحدث نفسها):
“حامل.. وهي تولد الآن.. وأنا آخر من يعلم؟”
لالة الشريفة لم تبكِ، بل قبضت على أطراف ثوبها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، ونظرت إلى الفراغ بنظرةٍ توعدت فيها بالكثير. لقد انتهى زمن الهدوء في جناحها، وبدأ زمنٌ آخر، زمنٌ ولادةُ هذا الطفل سيكون فيه أولى خطواته في عالم الصراع الذي لم يرحم أحداً.
لالة الشريفة (بصوت آمر، جاف):
“السعدية.. هيئي لي ثيابي. لا يمكن أن أبقى هنا والقدر ينسج خيوطه خلف ظهري.”
في حديقة القصر الغنّاء، حيث تتمايل أغصان النارنج وتختلط رائحة الياسمين بندى الصباح، كان السلطان يجلس على دكة خشبية منحوتة، وقد خلع عنه رداء السلطة الثقيل، مكتفياً بجبة بسيطة. لم تكن هناك حراسة مشددة، ولا قادة جيوش، كان فقط هو وعلي.
كان علي يمسك بقصبة طويلة، يلوح بها في الهواء محاولاً محاكاة حركات الفرسان
، بينما السلطان يراقبه بنظرات يملؤها حنانٌ لا يراه عامة الناس في وجهه الصارم.
السلطان (بصوتٍ دافئ، بعيداً عن نبرة الأوامر):
“ارفع مرفقك قليلاً يا علي.. هكذا. القصبة ليست مجرد خشب، إنها امتدادٌ لساعدك. إذا تمايلت هي، فقدتَ توازنك.”
توقف علي، ونظر إلى والده بعيونٍ تلمع بالبراءة والتحدي. مشى بخطواته الصغيرة نحو السلطان، وجلس بجانبه، تاركاً القصبة على العشب.
علي:
“يا أبي.. هل عندما أكبر سأحمل سيفاً حقيقياً؟ هل سأكون قوياً مثلك، لا يهزمك أحد؟”
ابتسم السلطان ابتسامة خفيفة، ووضع يده الكبيرة على كتف صغيره، يضمه إليه في حركة عفوية. نظر إلى الأفق، حيث القصور والأبراج التي يحيط بها القلق والسياسة، ثم عاد بنظره إلى علي.
السلطان:
“القوة يا علي ليست في حمل السيف، بل في معرفة متى تغمده.
تنهد علي وكأنه يحاول استيعاب تلك الكلمات الكبيرة على عمره الصغير، ثم قال ببراءة:
“أنا لا أريد السيف.. أريد فقط أن أكون معك هنا في الحديقة، حيث لا يوجد صراخ ولا سيوف.”
شعر السلطان بغصة في حلقه؛ لحظة صدقٍ من طفله جعلته يدرك ثمن العرش الذي يجلس عليه. مسح على شعر ابنه بيده، وقال بصوتٍ خافت:
“ليت الحياة يا علي، كانت حديقةً أبدية.. ليتنا نختار دائماً ما نحبه.”
ظل الصمت سيد الموقف للحظات، يقطعه فقط تغريد العصافير وحفيف الشجر، في مشهدٍ بدا كأنه استراحة محارب من عالمٍ لا يعرف الرحمة. كان السلطان يتأمل ابنه، وكأنه يرى فيه مستقبلاً يرجو له أن يكون أكثر سلاماً من حاضره.
استغل علي لحظة شرود والده، ونزل من فوق الدكة بخفة، وبدا كأنه يخطط لمناورة جديدة. رمى القصبة جانباً، وجرى نحو حوض النوافير الحجري، وبدا كأنه يبحث عن شيء ما داخل الماء الصافي.
علي (وهو يغمس يديه الصغيرتين في الماء):
“أبي! تعال انظر.. السمك يهرب عندما أقترب! لماذا لا يريدون اللعب معي؟”
قام السلطان، بخطوات هادئة ومتزنة، ووقف خلف ابنه مباشرة. نظر إلى انعكاس صورتهما في الماء؛ صورة السلطان المهيب، وصورة الصغير الذي يحاول استكشاف العالم بفضول.
السلطان (بنبرة مازحة):
“لأنهم يا علي يظنون أنك صياد. الصياد لا يلعب، الصياد ينتظر.”
ضحك علي ضحكة رنانة هزت أرجاء الحديقة، ثم التفت نحو والده وسأله بسذاجة الأطفال القاتلة:
“هل أنت صياد يا أبي؟ هل تنتظر شيئاً في القصر؟
.. حتى ماما الشريفة تقول لي إنك مشغول دائماً.”
تغيرت ملامح السلطان في تلك اللحظة؛ تلك الضحكة التي كانت في عينيه تلاشت، وحل محلها ذلك الغموض الذي لا يعرف علي كنهه. انحنى السلطان ليصبح في مستوى نظر ابنه، ووضع يديه على كتفي علي الصغير، ونظر في عينيه بجدية.
السلطان:
“الصيد في عالمنا ليس سمكاً يا علي. أحياناً نصطاد القرارات، وأحياناً نصطاد السلام، وفي أحيان أخرى.. ننتظر كي لا نقع في فخاخ الآخرين. القصر مكانٌ جميل، لكن خلف جدرانه دائماً ما يوجد ما يجب حمايته.”
سكت علي قليلاً، وكأنه يشعر بأن حديث والده انتقل من “اللعب” إلى “الواقع”. اقترب علي أكثر، وعانق والده بطفولة، ضاماً إياه بكل ما أوتيت يداه الصغيرتان.
علي:
“أنا لا أحب الصيد.. ولا أحب الانتظار. أحب فقط أن تبقى هنا.”
شد السلطان على عناق ابنه، وأغمض عينيه للحظة، وكأنه يستمد القوة من ذلك العناق الدافئ في عالمٍ بارد.
أخذ السلطان يد علي الصغيرة بين يديه، ونظر إليه بعمق:
السلطان:
“علي، يا قرة عيني.. أنت الآن تكبر، ورجولتك بدأت تظهر في تصرفاتك، أليس كذلك؟”
أومأ علي برأسه بفخر: “نعم يا أبي.”
السلطان (بنبرةٍ فيها الكثير من الجدية والحنان):
“الرجل يا بني، لا تكتمل قوته إلا بـ ‘السند’. القصر، رغم كبره، يظل بارداً إذا كنتَ وحدك فيه. أنت ذكي، وتعرف أن الحياة لا تبقى على حالها.”
سكت السلطان قليلاً، ثم تابع وهو يمسح على شعر ابنه:
“قريباً.. سيزيد في دارنا ‘أهلٌ’ جدد. سيكونون إخوتك، لحمك ودمك. سيحملون اسمك، وسينظرون إليك كقدوة، وكأنك الجبل الذي يستندون إليه حين يشتد بهم الخطب.”
نظرت عينا علي ببراءةٍ ممزوجة بالاستغراب:
“إخوة؟ ولكن يا أبي.. ألن نلعب وحدنا بعد الآن؟”
ابتسم السلطان ابتسامة دافئة، لكنها مشوبة بمسؤولية كبيرة:
“اللعب وحده لا يصنع الرجال يا علي. الأخوة هي أن تملك قلباً يتسع لغيرك. هؤلاء الصغار، حين يكبرون، سيكونون جيشك الأول، وحصنك إذا ألمّت بك الأيام. أريدك أن تكون لهم كما كنتُ أنا لك دائماً؛ ملجأً، وموجهاً، ومحباً.”
اقترب السلطان أكثر من وجه ابنه، وأردف بصرامةٍ حانية:
“أنت ‘علي’.. والاسم وحده يحمل ثقل الأمانة. خصك تكون كبير فقلبك قبل ما تكون كبير في سنّك. الحب الذي ستمنحه لهم، سيعود إليك أضعافاً. أريدك أن تبدأ من الآن بالاستعداد، وأن تفتح لهم مساحة في عالمك الصغير قبل أن يخرجوا إلى الدنيا.”
نظر علي إلى انعكاس صورته في ماء النافورة، ثم رفع رأسه إلى والده وقال بجديةٍ طفولية:
“سأكون لهم سنداً كما قلت لي يا أبي.. سأعلمهم كيف يمسكون القصبة، وكيف لا يهرب السمك منهم.”
ضحك السلطان ضحكة خافتة، وضم ابنه إلى صدره، وهو يشعر براحةٍ غريبة، وكأنه يضع أول لبنةٍ في بناءٍ جديد، بناءٍ يقوم على “الأخوة” في قصرٍ لا يعرف سوى المنافسة.
بينما كان السلطان لا يزال يحتضن علي، ويشرح له بكلماتٍ موزونة قيمة “السند” الذي سيأتيه في صورة إخوة، انقطع سكون الحديقة بصوت خطواتٍ سريعة، ثقيلة، ومتعثرة. التفت السلطان بحدة، ليرى الحاجب “حسن” يندفع نحوهم، وجهه يكتسي بلونٍ شاحبٍ غير معتاد، وأنفاسه تتسارع لدرجة أنه كاد يتعثر في ثوبه.
توقف الحاجب حسن على بعد خطواتٍ، انحنى انحناءةً سريعة ومضطربة، ولم ينتظر الإذن ليفتح فمه.
الحاجب حسن (بصوتٍ مشحون بالتوتر والخوف):
“مولاي.. مولاي السلطان! المعذرة.. المعذرة على اقتحام خلوتكم، ولكن.. الخبر لا يحتمل التأجيل!”
تغيرت ملامح السلطان في لحظة، عادت إليها هيبة الحكم وصرامة الملوك، ونهض من مكانه تاركاً يد علي، مما جعل الصغير يبتعد خطوةً إلى الوراء بخوفٍ فطري.
السلطان (بصوتٍ رزين، يقطع الهواء بحدته):
“ما الذي حدث يا حسن؟ تكلم!”
الحاجب حسن (يبلع ريقه بصعوبة، وينظر إلى الأرض قبل أن يرفع عينيه للسلطان):
“مولاي.. لالة كنزة.. لقد وضعت حملها. الولادة كانت عسيرةً جداً، بل تفوق الوصف.. ولكن الله لطف!”
ساد صمتٌ وجيز، السلطان لم يتحرك، لكن قبضته بدأت تشتد.
الحاجب حسن (يكمل بصوتٍ خافت ومذهول):
“مولاي.. ليس طفلاً واحداً.. بل توأمان! توأمان في رحمٍ واحد! الجميع في الجناح في حالة ذهول، والكل ينتظر توجيهاتكم.”
تجمد السلطان في مكانه. الكلمات التي كان يلقيها قبل ثوانٍ على مسامع علي عن “إخوةٍ سيأتون” لم تكن سوى نبوءةٍ تحققت في لحظتها. نظر السلطان إلى ابنه علي، ثم عاد بنظره إلى الحاجب، وعيناه تعكسان عاصفةً من المشاعر المكتومة.
علي (ببراءة، ينظر إلى والده):
“هل هذا يعني يا أبي أنهم جاءوا الآن؟ هل هؤلاء هم السند الذي كنت تحدثني عنه؟”
السلطان لم يجب. التفت نحو القصر، حيث بدأت أصوات الخدم والهمس المتردد تصل حتى إلى أطراف الحديقة. كان يعلم أن هذا الخبر، “التوأمان”، ليس مجرد حدثٍ سعيد في القصر، بل هو إعلانٌ عن بدايةِ مرحلةٍ جديدةٍ تماماً، مرحلةٌ ستختبر قوة تحمله، وقوة “علي” الذي بدأ الآن يستوعب أن عالمه الوحيد قد انتهى فعلاً.
السلطان (بصوتٍ حازم، موجهاً كلامه للحاجب):
“اذهب يا حسن.. وأخبر الجميع انني ا سأكون هناك في لحظات.”
استدار السلطان نحو القصر، وخطواته أصبحت أسرع، وأكثر ثقلاً، وكأنه يتجه نحو ساحةِ معركةٍ جديدة، سلاحها هذه المرة ليس السيف، بل مصير عائلةٍ كاملة.
بمجرد أن استدار السلطان تاركاً الحديقة خلفه، توقف فجأة. شعر بـ “شدٍّ” خفيف على طرف جبته. كان علي الصغير، الذي تشبث بملابسه وكأنه يستغيث من صمت والده المفاجئ.
التفت السلطان، ونظر إلى ابنه الذي كانت عيناه الواسعتان تعكسان خليطاً من الفضول والخوف.
السلطان (بصوتٍ خافت، ونبرةٍ استعادت شيئاً من دفئها):
“نعم يا علي.. هم السند، وهم الأمانة. والآن، حان وقتك لتكون الأخ الأكبر.”
أمسك السلطان بيد علي، وقاده نحو القصر بخطواتٍ واسعة. لم يكن يمشي كمن يذهب للتهنئة، بل كمن يذهب لاستلام دفة القيادة في قلب عاصفة. كلما اقتربوا من الجناح، كانت أصوات الحركة تزداد؛ الخدم يتبادلون النظرات المرتعشة، والحرّاس يقفون في صمتٍ مريب، يعلمون جميعاً أن موازين القوى داخل هذا القصر قد تغيرت إلى الأبد بمجيء هذين المولودين.
وصلوا إلى الرواق المؤدي لغرفة كنزة. كانت رائحة بخور “الجاوي” وماء الزهر تفوح بقوة .
دخل السلطان الغرفة. كان المشهد مهيباً. لالة اليازية كانت تجلس على طرف الفراش، ترتجف أطراف ثوبها من التعب، بينما كانت الحكيمة تعتني بالتوأمين اللذين لُفا في حريرٍ أبيض. كنزة كانت غائبة عن الوعي، كتمثالٍ شاحبٍ لا يكسر سكونه إلا أنفاسها الضعيفة جداً.
تقدم السلطان نحو المهد الصغير. نظر إلى الوجهين المتشابهين، اللذين لا يزال أثرهما من الرحم بادياً عليهما.
انحنى قليلاً ليلقي نظرة فاحصة على التوأمين، ثم التفت إلى الوراء حيث كان علي يقف متردداً عند الباب.
السلطان (بصوتٍ متهدج من التأثر، مشيراً لعلي بيده):
“ادخل يا علي.. اقترب يا بني، لا تخف.”
دخل علي بخطواتٍ وجلة، وعيناه معلقتان بالمهد. حين رأى التوأمين، اتسعت عيناه دهشةً، وارتسمت على وجهه ابتسامة بريئة. السلطان وضع يده على كتف علي، وشجعه على الاقتراب أكثر حتى لامست يده الصغيرة طرف الحرير الذي يلف المولودين.
في تلك اللحظة، اتجه السلطان نحو كنزة الملقاة بوهن. اقترب منها، وجلس على حافة الفراش، ماسحاً على جبينها برفقٍ أبوي نادر. لم يكن في نظراته سوى الامتنان لهذه المرأة التي خاضت معركة الموت لتمنحه هذا النسل.
السلطان (يهمس بصوتٍ مسموع للموجودين):
“لقد أديتِ الأمانة يا كنزة.. رفعتِ رأسي، ووهبتِ لهذا القصر فرحةً لا تقدر بمال.”
ثم التفت إلى التوأمين، وبدا وكأنه يستحضر أسماءً لها وقع الجبال في التاريخ.
ساد في الغرفة صمتٌ مهيب، وكأن القصر بأكمله حبس أنفاسه لكي لا يقطع هذا المشهد. اقترب السلطان من المهد، وأشار للحكيمة أن ترفع المولودين برفق. بلمساتٍ حانية، حمل السلطان طفلته بين ذراعيه، وبدت صغيرة وهشة كأنها قطعة من الغيم، ثم حمل أخاها في ذراعه الأخرى.
كانت اللحظة أشبه بعهدٍ جديد يُقطع أمام الله. بدأ السلطان يرفع صوته، ونبراته القوية المعتادة في ساحات الحكم تحولت إلى همسٍ إلهي خاشع.
اقترب من أذن سيف الدين أولاً، وبدأ يؤذن بصوتٍ رخيم هزّ أركان الغرفة، صدى التكبير والتهليل خرج من قلبه قبل أن يخرج من حنجرته:
“الله أكبر، الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله..”
أنهى الأذان، ثم انحنى على أذن الصغير وهمس باسمه، وكأنه يغرس في روحه القوة والوقار:
“باسم الله، أسميتك سيف الدين..جئت .. للدنيا كالسيف في وجه العواصف، سيكون اسمك ‘سيف الدين’، تيمناً بما ستحميه من عهود. لتكون سيفاً للحق، ودرعاً لمن لا درع له.”
ثم التفت إلى طفلته أذن في أذنها بكلماتٍ بدت كأنها دعاءٌ للزمن القادم، ثم ضمها إلى صدره، وقال بصوتٍ يملؤه الحب والحنان:
“وباسم الله، أسميتكِ ‘سرّاء’.. لتكوني بلسماً لكل عسر، ومفتاحاً لكل ضيقٍ قد يُلمّ بهذا القصر، وتكوني كما يعني اسمك؛ فرحةً وسعادةً للقلب الذي يراكِ.”
ثم أتم مراسم الأذان، وقبل جبينها الذي كان ناعماً كالحرير. التفت إلى كنزة، التي كانت تتابعه بضعف، ورأى في عينيها بريق الموافقة والامتنان. كان الاسم يقع على القلوب كأنه دعاءٌ مستجاب، فاسم “سرّاء” يحمل في طياته معنى الفرح والسرور، وكأنه جاء ليغسل آثار الصراخ والألم التي شهدتها هذه الغرفة قبل قليل.
التفت السلطان إلى علي، الذي كان يقف مذهولاً بجمال المشهد، وقال له:
“أسمعتَ يا علي؟ هذه أختك ‘سرّاء’، وهذا أخوك ‘سيف الدين’. هما سرّ القصر الجديد، وسبب الفرح الذي سيدخله بعد اليوم.”
ابتسم علي، وتلمس يد أخته الصغيرة وهو يردد الاسم ببراءة: “سرّاء.. أهلاً بكِ يا سرّاء.”
لالة اليازية، التي كانت تراقب من بعيد، مسحت دمعة خفية من طرف عينها، فقد كان اسم “سرّاء” اختياراً حكيماً، اسمٌ يبعث على التفاؤل ويبعد عن أي مسمى قد يشعل الغيرة. وفي تلك الغرفة، التي كان الموت يتربص بها قبل ساعة، أصبح “سيف الدين” و”سرّاء” هما عنوان الحياة الجديدة، وبدأت القلوب في هذا القصر تشعر بنوع من الهدوء السكينة بعد حرب ولادة عسيرة .
في ركنٍ قصي من جناحها الذي تحول إلى سجنٍ ذهبي، كانت شامة تجلس على سجادة صلاتها، والنور الخافت للقناديل يرتسم على وجهها كأنه خريطةٌ للأسى النبيل. طوت سجادتها بحركةٍ مدروسة، واستندت إلى عمودٍ من رخام، ممسكةً بقطعةٍ من جلد غزالٍ قديم، وكأنها تستمد من المخطوطات قوةً لم تعد تجدها في واقعها.
شامة (بصوتٍ يزفر ألم السنين، وبلاغةٍ لا تخلو من حزن):
“يا ربّ.. لقد قرأتُ في أخبارِ الملوك كيف تستقيم الدولُ بالعقل، وكيف تنهارُ بالهوى. واليوم، أجدُ نفسي غريبةً في قصرٍ بنيتُ فيه أحلامي.. أهيَ عقوبةُ الروحِ حين تتعلق بغيرِ بارئها؟ إنَّ هذا الحب الذي كان لي يوماً “سكنى”، صار الآن “سجناً”. أحببتُ الشدادَ حتى ذبتُ فيه، فصرتُ معه كشخصٍ واحد، واليوم.. اليوم أرى في عينيهِ شخصاً غريباً، وأرى في قلبي كُرهاً ينمو كالأعشابِ الضارة وسط بستانٍ كان مُزهرّاً.”
وقفت شامة، ملامحها الحادة تزداد صرامةً، ويداها اللتان طالما خطّتا رسائل التسيير والسياسة، قبضتا على أطراف ثوبها.
شامة (تخاطب نفسها، بنبرةٍ تفيض بالوعي):
“أنا شامة.. ابنةُ العباسيين، التي رضعَت لبانَ الحكم وفنون التسيير. هل يليقُ بامرأةٍ من صلبي أن تذوي في زاويةٍ تبكي عهوداً نُكثت؟ هذا الحبّ الذي يفتتُ عظامي ليس إلا وهن. اللهم.. خلّصني من هذه النقطةِ الميتة في قلبي. انتزع هذا الحبّ مني كما ينتزعُ السيفُ غمدَه، كي أستعيد عقلي. أريدُ أن أرى الخريطة من جديد، لا بعيونِ العاشقةِ التي خُذلت، بل بعيونِ السلطانةِ التي تعلمُ متى تضربُ ومتى تصمت.”
سارت في الغرفة بخطواتٍ موزونة، مشيةِ من لا يملكُ إلا كبرياءه، وعيناها تشعان ببريقٍ لم يعد يعترفُ بالضعف.
شامة (بصوتٍ خفيض ولكن صارم):
“لقد كان الشدادُ نصفَ روحي، فليكن اليومَ مجردَ صفحةٍ في تاريخي. إن لم يهبني القدرُ نسلاً، فليكن طموحي هو وليدي، وليكن هذا القصرُ هو ساحتي التي سأديرها ببرودِ العقل، لا بنارِ القلب. لا أريدُ خلاصاً في حضنه، بل أريدُ خلاصاً منه. يا ربّ، امنحني ذلك التجرد.. أعد إليّ تلك “شامة” التي كانت تُهابُ كلمتها قبل أن تُحبّ طلتها.”
توقفت أمام المرآة، نظرت إلى انعكاسها بعينين لا تدمعان، بل تحللان. في تلك اللحظة، لم تعد شامة تلك الزوجة المحبوسة، بل بدأت تظهر ملامح المرأة التي قررت أن تخرج من رمادِ عاطفتها، ليس كضحية، بل كلاعبٍ بارعٍ في رقعةِ شطرنجٍ لم تعد تحتملُ الخطأ.
جلست شامة أمام منضدتها الخشبية، والقلم في يدها يرتجفُ قليلاً، ليس من الخوف، بل من ثقلِ القرار. كانت غرفتها غارقة في صمتٍ مطبق، لا يقطعه إلا حفيف الورق. لم تكن تكتب رسالة حبٍّ أو عتاب، بل كانت تكتب “وثيقة خروجها” من حياة الشداد، بأسلوبٍ عباسيٍّ رصين، يجمع بين كبرياء الأميرة وقوة عقلها.
شامة (تحدث نفسها بصوتٍ خافت، والمداد ينساب على الورق):
“لا دماءَ ستُراق، ولا عروشَ ستُهدم.. سأكون أنا من يطفئ نار الفتنة قبل أن تستعر، وسأنسحبُ بوقارٍ لا يقوى على منعه، فالسلطان لا يؤذي من قرر الرحيل بسلام.”
استيقظ القصر على إيقاعٍ لم يألفه منذ زمن؛ زغاريد النساء تتصاعد من جناح “كنزة” كأنها أسراب من الطيور المهاجرة، ورائحة البخور والمسك والجاوي تعبق في الأروقة، تغطي على رائحة الليل البارد. الخدم يتراكضون كخلايا النحل، الصواني محملة بالحلويات والمشروبات، والكل يتبادل التهاني بقدوم “سيف الدين” و”سرّاء”. القصر، الذي كان قبل ساعات ساحةً للترقب، تحول إلى خليةٍ من البهجة الصاخبة؛ فالمواليد الجدد في القصر ليسوا مجرد أطفال، هم ضمانةٌ لدوام الحكم وبشائر خير.
في هذه الأثناء، كان السلطان الشداد يجلس في مكتبه الخاص، يرتشف قهوة الصباح ببطء، يحاول استجماع هدوئه وسط ضجيج الأفراح في الخارج. كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل من المشربية، لتضيء وجهه المتعب الذي بدأت تعلوه ملامح الراحة بعد ليلةٍ عصيبة.
فجأة، طرقت الأبواب بعنفٍ مدروس. دخلت “الفارسة”، حارسة جناح شامة، بخطواتٍ واثقة وعسكرية، وجهها لا يعبر عن أي تأثر بأجواء الفرح في الخارج. انحنت أمام السلطان بحركة حادة.
الفارسة (بصوتٍ جاف وقوي):
“مولاي السلطان، المعذرة على قطع هدوئكم في صباحٍ كهذا، لكن لالة شامة أصرت على أن تسلمكم هذا بنفسي، ولا يصح لغيري أن يمسه.”
مدت يدها المقبوضة على رسالةٍ مختومة بختم شامة العباسي. تجمدت نظرات السلطان، وتغيرت ملامحه من الهدوء إلى الترقب الحذر. أخذ الرسالة، كان ختمها يوحي بقراراتٍ صعبة.
فتح السلطان الرسالة ببطء، وبدأ يقرأ بتركيزٍ شديد، بينما كانت الفارسة تقف خلفه كتمثالٍ صامت.
“إلى الشداد..
أكتبُ إليك، لا بصفتي زوجةً تتوقُ للوصل، ولا خصماً يتربصُ بالفرصة. أكتبُ إليك بصفتي ابنةَ العباسيين، التي أدركت أنَّ المقامَ في هذا القصر صار يضيقُ بالروح التي لا تجدُ في أروقته إلا صدى خيباتها.
لقد شهدتُ كيف تبدلت موازينُ القصر. ولأنني أربأُ بنفسي وبك أن نتحول إلى رموزٍ للصراع، ولأنني أحقنُ دماء القصر من فتنةٍ قد تنشأُ عن بقائي تحت سقفٍ واحد مع ماضٍ لم يعد يتسعُ لي.. فإني أطلبُ منك الاستقلال.
لا أريدُ حظوةً، ولا أريدُ جناحاً، ولا أرجو منكَ وداً. أطلبُ منك أن تأذن لي بالانتقال إلى قصرِ العائلةِ البعيد، حيثُ السكينةُ والبعدُ عن ضجيجِ السياسة. هناك سأجدُ ذاتي، وسأديرُ شؤوني بعيداً عن عينيك، بعيداً عن هذا النفيِ القسري الذي عشتُه بين جدرانك. كن شجاعاً كما عهدتك، واقبل مني هذا الرحيل، فهو في مصلحةِ الجميع، وهو الخيارُ الوحيد الذي يحفظُ لي ما تبقى من كرامةٍ، ويحفظُ لكَ استقرارَ عرشك.”
ساد صمتٌ رهيب في الغرفة. في الخارج، كانت الزغاريد لا تزال تتعالى، لكن في داخل المكتب، بدا الصوت وكأنه قادم من عالمٍ آخر. السلطان لم يحرك ساكناً، نظراته ظلت معلقة بآخر جملةٍ في الرسالة، وكأنه يحاول استيعاب أن “شامة” لم تعد تطلبُ قلبه، بل تطلبُ حريتها.
وضع الرسالة على الطاولة، والتفت ببطء إلى الفارسة.
السلطان (بصوتٍ متهدج، لكنه مسيطر عليه):
“هل طلبت منكِ شيئاً آخر؟ أو هل كانت على حالٍ يشي بالاضطراب؟”
الفارسة:
“على العكس يا مولاي.. كانت في أهدأ حالاتها. كانت كمن أنهى طقساً طويلاً من التفكير، ولم تكن تنتظر رداً، بل تنتظرُ حكماً.”
نظر السلطان مرة أخرى إلى الورقة، وفكر في أنها بذكائها العباسي، قد أحرقت كل جسور العودة بطلبها “الاستقلالية”.
طوى السلطان الورقة ببطء، وكأنما يطوي معها جزءاً من ماضيه، ثم وضعها في درج مكتبه المعتاد، ليغلق عليها بالسر والغموض كما يفعل مع أسرار الدولة الكبرى. نظر إلى الفارسة بحزم: “عُودي لمكانك.. ولا كلمة عما دار هنا.” انصرفت الحارسة، وخرج السلطان بخطواتٍ واثقة نحو بهو القصر، تاركاً خلفه صمت المكتب ليواجه ضجيج القصور.
في هذه الأثناء، وفي جناحها المنعزل الذي يطل على ركنٍ من البهو الرئيسي، كانت الشريفة تقف خلف المشربية الخشبية. لم تكن تشارك في صخب الخدم ولا في بهجة الجواري. كانت عيناها تراقبان المشهد من بعيد؛ الخدم يحملون الأثواب الفاخرة، المباخر تطلق سحباً من العود الملكي، والأصوات تتعالى بـ “يحيى التوأمان.. يحيى سيف الدين وسرّاء”.
كانت الشريفة تلمس بيدها برودة الخشب، وفي قلبها نارٌ من نوعٍ آخر.
الشريفة (تحدث نفسها بصوتٍ خافت، والغيرة تنهش هدوءها):
“انظروا إليهم.. يهرعون كما لو أنهم استقبلوا فيضاً من السماء. كنزة.. كنزة التي لم تكن إلا ظلاً عابراً، أصبحت اليوم مركز الدائرة. الزغاريد التي كنت أحلم أن أسمعها باسمي، تُهدى اليوم لغرباء.. توأمان لا يعرفان من أين أتيا، يسرقان كل شيء؛ الاهتمام، المكانة، وحتى نظرة السلطان
أغلقت عينيها لحظة، وحاولت استجماع وقارها ، لكن غصّتها كانت أقوى.
الشريفة (تكمل بصوتٍ يملؤه السمّ المغلف بالوقار):
“أحلامٌ تُبنى على عظامِ أخريات. كنزة تظن أنها ملكت القصر، لكنها لا تدرك أن القصر حين يمتلئ بالضجيج، يفقد هيبته.. وحين يمتلئ بالورثة، يفقد استقراره.”
سحبت طرف ثوبها، وكأنها تحمي نفسها من عدوى الفرح الساري في القصر. كانت ترقب السلطان وهو يمر وسط الخدم، يبتسم، يوزع النظرات، وكأنه نسي تماماً وجودها خلف تلك الجدران.
الشريفة (بنظرةٍ حادة وقاسية):
“افرح يا شداد.. افرح بهذا النسل الجديد. ولكن تذكر أن القصور لا تتسع دائماً لقلبين، وأن ‘شريفة’ التي تجاهلتها ، قد تكون هي الصخرة التي تتحطم عليها كل هذه الأفراح غداً. الغيرة ليست صراخاً، الغيرة هي أن تجعلهم يندمون على كل لحظة فرحٍ لم تكن أنت جزءاً منها.”
ابتعدت عن المشربية، واتجهت نحو المرآة. لم تكن تبحث عن جمالها، بل كانت تبحث في وجهها عن القوة التي ستجعلها تواجه هذا الواقع. كانت تغلي من الداخل، لكن ملامحها ظلت جامدة، صلبة كجدارٍ من الحجر العتيق ، تتشرب مرارة الغيرة وتصهرها في قالبٍ من التخطيط الصامت.
في جناح كنزة، كانت الأجواء أشبه بعرسٍ أسطوري. الضياء يملأ المكان، وروائح العنبر والمسك تداعب الأنفاس. كنزة، التي كانت قبل ساعاتٍ فقط تصارع سكرات الموت، تجلس الآن كملكةٍ تتربع على عرش أمومتها، وقد تزينت بأبهى حلة؛ ثوبها المخملي المطرز بخيوط الذهب يبرز بياض وجهها الذي استرد عافيته، وشعرها مصفف بإتقان تحت غطاء رأسٍ من الحرير الشفاف.
على مهودٍ من خشب الأبنوس المرصع بالصدف، كان “سيف الدين” و”سرّاء” يغطان في نومٍ عميق، كأنهما تحفتان من الجنة.
لم تستطع كنزة أن تظل ساكنة. كانت روحها “الفرفوشة” والمحبة للحياة أقوى من أي تعب. نهضت فجأة بخفةٍ غير متوقعة، وبدأت تتحرك في أرجاء الغرفة، تارةً تقترب من المهد لتعدل غطاء سيف الدين، وتارةً تعود لتنظر إلى سرّاء بإعجابٍ لا يصدق.
لوبانة (تحاول إمساكها من يدها، بنبرة خوف):
— “يا لالة كنزة، الله يرضي عليك، راني خايفة عليك! البارح يلاه خرجتي من الموت، راه الرحم باقي ما رتاح، والعيا باقي في عظيماتك. جالسي، والله إلا قلبي غيخرج من بلاصتو من الخوف!”
كنزة (تضحك ضحكة مجلجلة، وتدور في الغرفة كأنها عروس):
— “راحة شنو يا لوبانة؟ الراحة للموتى! أنا دابا ولدت السبع والسبعة، بغيت نخرج نغني، بغيت الدنيا كلها تعرف بلي كنزة جابت لشداد قرة عينو! شوفي هاد سيف الدين، كيتشبه لأباه حتى في النعسة ديالو، وهاد السرّاء.. يا ربي السلامة، شوفي كيد كتشوف فيا بعينين كيسلّوا الروح!”
لوبانة (بصوتٍ يرتجف):
“الخدم كيشوفو غيضربوك بالعين، والكل كيهضر على قوتك ونشاطك، ولكن هادشي راه خطر عليك. راه الجرح باقي طري، والبرد د القصر كيغدر. خليني نفرش ليك هاد الزرابي ونجلسك تحت الشمشية، راه باقا الدوخة شداك الدوخة!”
كنزة (تتوقف فجأة وتنظر للمرآة، وتعدل من زينتها بحركة سريعة):
— “دواكِ قوليها للناس اللي كايتسناو نطيح، أما أنا راه قبايليّ دمهم حامي، ما كنمرضوش بالولادة، كنخرجوا منها أقوى! عاجبني الحال نتحرك، عاجبني نشوف الدنيا كضحك ليا.
لوبانة (بقلة حيلة، تتبعها):
“يهديك الله الاللة كنزة ،،جلسي ترتاحي غير شوية”
كانت كنزة تتحرك في الغرفة كأنها “ملكة القبايل” التي لا تعرف الانكسار، قوتها تنبع من بساطتها وفرحتها الغامرة، ولوبانة تراقبها بذهول، معجبةً بهذا النشاط الذي لا يصدقه عقل.
كانت لالة اليازية تتهادى في رواق القصر كأنها ملكةٌ متوجة، تفيض وقاراً ومهابة. كانت قد ارتدت أبهى ما عندها؛ حزامٌ من الذهب يلف خصرها، و”الشدة” التقليدية تعلو رأسها بوقار، تنسدل منها خيوط الهدب الذهبية لتلامس كتفيها في حركةٍ متناغمة مع مشيتها الواثقة. كانت عيناها تتفحصان كل زاوية، فكل تفصيلٍ في هذا العرس الملكي كان يحمل بصمتها.
الرواق يضج بالحياة؛ الجواري يتحركن في أثوابهن المطرزة الملونة، الزغاريد لا تتوقف، ورائحة البخور الملكي تعبق في المكان، والبهجة تملأ عيون الجميع. لالة اليازية، رغم كل ما في القصر من صخب، كانت الوحيدة التي تسيطر على زمام الأمور بهدوءٍ لا يخطئه نظر.
توقفت فجأة وسط الرواق، وأشارت بسبابتها إلى “العريفة” التي كانت تشرف على تنسيق الجواري وتوزيع المهام، فاقتربت منها العريفة بخطواتٍ مسرعة ومنحنية احتراماً.
لالة اليازية (بصوتٍ قوي ومسموع، يحمل نبرة الأمر الحكيم):
“يا عريفة، اسمعي ما أقوله جيداً. هاد الفرح اللي كنشوفو، خاصو يكمل بالهنا والراحة لوليدات السلطان. كنزة ولدت توأم، والتوأم ماشي بحال طفل واحد، الرضاعة ديالهم غتكون قاصحة عليها وهي يلاه خارجة من تعب الولادة.”
أومأت العريفة برأسها مؤكدةً: “سمعاً وطاعة يا لالة، كلشي تحت أمرك.”
لالة اليازية (تعدل من وضع ‘شدتها’ بيدها وتكمل بنظرة ثاقبة):
“ما بغيتش كنزة تعيا ولا تضرر، وهاد الوليدات خاصهم يتغذوا مزيان من أول نهار. قلبي على ‘مُرضعة’ تكون قوية، صحيحتها على قد الحال، ومرضية، وتكون حليبتها مباركة. جيبيها دابا، ديريها تكون معاونة لكنزة في الرضاعة د التوأم، باش نضمنوا بلي سيف الدين وسرّاء يرضعوا ويشبعوا، وكنزة ترتاح وتسترجع صحتها بلا ما تكرفص راسها بزايد.”
ثم أضافت بلهجةٍ لا تقبل الجدل:
“هاد المرضعة خاصها تكون من بنات الأصول، خديها من بين الخدم ، اللي يلاه ولدوا، واللي معروفين بالطهارة والرزانة. اختاري أحسنهم، وبلا ما نوصيك،”
واصلت لالة اليازية سيرها في الرواق، والهدب الذهبي على رأسها يتمايل مع كل خطوة، بينما كانت نظراتها الحادة تملأ المكان بالهيبة. استدارت مرة أخرى نحو العريفة التي كانت لا تزال تنتظر أوامرها، وبدت على وجهها ملامح خطةٍ أكبر وأشمل.
لالة اليازية (بنبرةٍ فيها الكثير من الحكمة والسياسة):
“وزيدي يا عريفة.. هاد الليلة ما بغيتهاش تكون غير لأفراح كنزة. هاد الليلة خاصها تكون لجمع الشمل. خبري لاللة شريفة وقولي ليها: لالة اليازية كتقول ليك، هاد الفرحة ما كملات إلا بوجودكم. الليلة غادي نجمعوا الوليدات كاملين، وغادي نديروا ‘الحنينة’ للتوأم، وغادي نحتفلوا حتى بمريم بنيت الشداد لي غاب عليها فسبوعها توقفت لالة اليازية للحظة، وعيناها تلمعان ببريق من التحدي والذكاء:
“بلغيها هاد الكلام بالحرف: كتقول ليك لالة اليازية، هاد الدار داركم، والفرحة ديال الوليدات فرحة الجميع. الشداد رجع للقصر، والتوأم نورونا، ومريم خاصها تكون بين إخوانها. قولي ليها توجد راسها وتزين، وتخرج هي ومريم باش نشاركوا الأفراح كاملين.. حنا عائلة واحدة، والناس في القصر وفي الزنقة خاصهم يشوفوا بلي السلطان جامع ولادو ومهني بيهم.”
العريفة (بدهشة):
“واش نبلغها هادشي يا لالة؟ واش هي غتقبل تخرج من بعد اللي طرا؟”
لالة اليازية (بابتسامةٍ باردة وحازمة):
“هادشي اللي طلبت منك، قوليها ليها بلسانٍ طيب، وبلا ما تبيني ليها بلي هادشي أمر. قولي ليها بلي هادي رغبة القصر ورغبة السلطان باش يدخل السرور على الجميع. وإذا بانت منها شي معارضة، فكرّيها بلي هادي فرصتها باش تبين للجميع بلي هي ‘شريفة’ بأخلاقها قبل باسمها، وبلي هي اللي جامعة الكلمة في هاد الدار.”
ثم استدارت لالة اليازية، مكملةً مشيتها نحو جناح كنزة، وهي تهمس لنفسها:
“خصنا نجمعوهم هاد الليلة..التفرقة هي اللي كتجيب الفتنة، ولكن ملي كيكونوا كاملين تحت عيني، كنعرف شكون اللي غيضحك وشكون اللي غيغدر. الليلة غتكون ‘حنينة’ وصلح.. وبغيت نشوف كيفاش غتكون ردة فعل الشريفة ملي تشوف كنزة وكنزة ملي تشوف شريفة
اتجهت بخطواتٍ موزونة نحو جناح كنزة، تاركةً العريفة تهرول نحو جناح الشريفة، وهي تعلم أن هذه الدعوة هي الاختبار الحقيقي لمدى صبر الشريفة، أو ربما هي الفتيل الذي قد يُشعل ما كانت تحاول إطفاءه.
في الرواق المؤدي إلى جناح السلطان، كان الصمت سيد الموقف، لا يقطعه إلا وقع أقدام الحراس. كانت دادة رقية تقف في زاويةٍ ظليلة، جسدها المنهك يرتجفُ ليس من البرد، بل من لوعة قلبها على “شامة”. وإلى جانبها يقف عبيبوش القزم، الذي اشتهر بنضراته التي تخترق الجدران؛ كان واقفاً كتمثالٍ من صخر، يراقب المارة بعينين لا ترفان، ويداه مطويتان خلف ظهره.
خُيّل إليهم صوت خطوات السلطان تقترب. خرج “الشداد” بطلته المهيبة، تحيط به هيبة السلطنة، ووجهه الذي لا يشي بما في صدره. وما إن مرّ بجانبهما، حتى انحنت دادة رقية بجسدها المكسور، ليس انحناءة خضوعٍ محض، بل انحناءة انكسارٍ وأسىً يقطرُ حزناً على حال ابنتها التي دفنها في سجن القصر.
دادة رقية (بصوتٍ متهدج، مخنوق، تملؤه حكمة السنين ولكن يكسره الحزن):
“مولاي.. السلطان.. يا صاحب العهد والعدل.”
توقف الشداد، ومال برأسه قليلاً نحوها، بينما ظل عبيبوش القزم ساكناً في مكانه، يراقب المشهد كأنه يزن الكلمات قبل أن تُنطق، وعيناه تلمعان ببريقٍ غامض تحت ظلالِ قبعته.
دادة رقية (تخفف نبرتها، تسودد له بصوتٍ يملؤه التوسل النبيل):
“ما جئتُ لأنازعك في حكمٍ، ولا لأعترضَ على أمرٍ.. ولكنني أمّ، وقلبي يغلي على ابنتي ‘شامة’. أراها في خيالي مكسورة، محبوسة في غياهبِ جناحٍ لا تصله شمسٌ ولا أنس. أتوسلُ إليك بجاهِ من وُلدوا في بيتك اليوم.. اسمح لي برؤيتها، دقيقةً واحدة فقط، أشدُّ فيها من أزرها وأمسحُ بيدي على رأسها.. لا تتركها وحيدةً في انكسارها، فإن الكسرَ في الروح لا يداويه إلا القرب.”
صمتت رقية، ودموعها تنحدر على خدودها المتغضنة، كانت نظرتها مزيجاً من الاحترام للسلطة والألم البشري الذي لا يُقهر.
أما عبيبوش القزم، فقد كان ينظر إلى السلطان، ثم إلى رقية، لم ينبس ببنت شفة، لكنه كان يراقبُ هل ستكون هذه الكلمات سبباً في رحمةٍ أم في غضب.
نظر الشداد إليها، ملامحه كانت صلبة كالصوان، لم تتزحزح. لم يكن ينظر إليها كخادمة، بل كشاهدةٍ على عهودٍ نكثها.
السلطان (بصوتٍ أجش، صارم، يحمل حدّة السلاطين):
“يا رقية.. اعلمي أنني لم أُدخل شامةَ جناحها لتتعذب، بل لأحميها وأحمي القصر من صخبِ ما جرى. إن بقاءها في عزلتها ليس سجناً بقدر ما هو تصفيةٌ لحساباتٍ لم تكن هي أهلها، ولا أنتِ.”
توقف قليلاً، ثم أردف بنبرةٍ لا تقبل الجدل:
“لا يدخل عليها أحد، ولا يخرج منها أحد، حتى يستتبّ الأمر . هي في ذمتي، وما يُصلحها هو السكون لا الشفقة. عودي إلى عملك، ولا تذكري لي هذا الأمر ثانيةً.. فالشفقةُ في مقامِ السلطنة ضعف
التفت الشداد مغادراً، تاركاً دادة رقية مسمرةً في مكانها، تتجرع مرارة الرفض، بينما ظل عبيبوش القزم ينظر إلى ظهر السلطان، ثم تطلع في عيني رقية بنظرةٍ غامضة، كانت تحمل في طياتها شيئاً يشبه المواساة الخفية التي لا يجرؤ أحدٌ على إظهارها في حضرة السلطان.
مع اقتراب الغروب، تحولت “عرصة” القصر إلى قطعةٍ من الجنة؛ الأشجار العتيقة تزينت بمصابيح زيتية صغيرة، ونوافير الماء ترش رذاذها العطر في الأرجاء، بينما كانت فرقة النساء الموسيقيات يملأن الفضاء بنغمات “الآلة” الأندلسية التي تأسر القلوب. الخدم والجواري يتهادون بحللهم المخملية المطرزة، يحملون صواني النحاس المبروقة، محملة بـ “كعب الغزال”، “المحنشة”، وفواكه الموسم المرصوفة بدقة، ورائحة ماء الزهر والورد تمتزج بعبير العنبر والعود.
في هذه الأجواء الملكية، بدأت الأنظار تتجه نحو الدرج الكبير. ظهرت كنزة، وكأنها شمسٌ أشرقت في سماء القصر. كانت تلبس قفطاناً من الحرير الأخضر الزمردي، مطرزاً بخيوط الصقلي الذهبية، وشعرها الأسود الفاحم، الذي لم تره الجواري من قبل إلا وهو مخبأ، ينسدل كليلٍ بهيم على كتفيها، مبرزاً بياض وجهها الذي زادته الولادة نوراً وبهاءً. كانت عيناها تلمعان بفرحةٍ لا تُحتوى، تبتسم للجميع وكأنها توزع السعادة بيدها.
خيم صمتٌ مهيب للحظة، تخلله همس الجواري بكلمات الإعجاب: “تبارك الله! أهذا هو وجه كنزة؟ ما هذا الجمال الرباني!”.
نزلت كنزة الدرج بخطواتٍ متهادية، واتجهت مباشرةً نحو لالة اليازية التي كانت تجلس في صدر المجلس، تتأمل المشهد بعينٍ راضية. اقتربت كنزة، وانحنت لتقبل يد لالة اليازية بوقارٍ جم، ثم عادت وقبلت اليد الأخرى، فتهللت أسارير اليازية وربتت على كتفها بحنان:
— “تعالي يا بنتي، اجلسي بجانبي، مكانكِ هنا اليوم وبيننا جميعاً.”
لوبانة، التي كانت تمشي خلفها، كانت تمسح دموع الفرح بعينيها، فخورةً بسيدتها التي خطفت الأنظار دون جهد.
وفجأة، ساد سكونٌ مختلف، ثقيلٌ ومحمل بالترقب. بدأت الشريفة تنزل الدرج، بطلةٍ تفيض بالشموخ والأنفة. كانت ترتدي قفطاناً من حرير “الموبرا” القرمزي، تضع فوق رأسها تاجاً صغيراً، وتمسك بيدها الصغيرة “مريم”، بينما تحيط بها مربياتٌ يمسكن طفلها الآخر. نزلت الشريفة ورأسها مرفوع، لا تنظر يميناً ولا يساراً، حتى استقرت عيناها على كنزة.
في تلك اللحظة، همست لوبانة في أذن كنزة بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
— “لالة.. هادي هي الشريفة.. زوجة السلطان الأولى.”
تغير لون كنزة فوراً؛ بهتت ابتسامتها، وذاب بريق الفرح في عينيها ليحل محله شعورٌ حاد، غريب، لم تعرفه من قبل. شعرت بحرارةٍ في صدرها، مزيجٌ من الرهبة والغيرة التي تلسع كقرصة النحل. نظرت إلى الشريفة، فرأت فيها ثباتاً بارداً وكبرياءً لا يهتز، وشعرت لأول مرة بجدارٍ خفي يرتفع بينهما.
أما الشريفة، فبمجرد أن وقعت عيناها على كنزة، شعرت بلهيبٍ يشتعل في أعماقها. لم تكن الغيرة غيرةً على الشداد فقط، بل كانت غيرة امرأةٍ ترى منافسةً تمتلك جمالاً “برياً” وروحاً متقدة لا تستطيع هي محاكاتها. توقفت الشريفة للحظة، حدقت في كنزة ببرودٍ حارق، وكأنها تزن قوتها وتطبع ملامحها في ذاكرتها، ثم التفتت نحو لالة اليازية بابتسامةٍ مصطنعة، بينما قالت اليازية بصوتٍ عالٍ لترأب الصدع:
— “مرحباً بالشريفة، ومرحباً بحفدتي مريم. اليوم القصر يجمع أحبته، فليكن الفرحُ للجميع.”
جلست الشريفة بكامل وقارها في الجهة المقابلة، وبدأت النظرات تتقاطع بينها وبين كنزة. موسيقى الأندلس لا تزال تصدح، لكن القلوب كانت تغني لحناً آخر؛ لحن المواجهة الصامتة بين الضراير تحت أنظار اليازية التي تراقب المشهد وتدير رقعة الشطرنج بخبرتها المعهودة.
مع إسدال الليل لستائره المخملية. في جناحه الخاص، كان السكون سيد الموقف، لا يقطعه إلا طقطقة خشب الصندل في الموقد.
بعد حمامٍ ملكي طهّر فيه جسده من غبارِ السياسة وأعباء الإمارة، استرخى الشداد على مقعده الوثير، وقد ألقى بعباءته الثقيلة جانباً، وكأنه يتخلص من ثوبِ المسؤولية ولو للحظات. كان يرتدي قميصاً خفيفاً من الحرير الطبيعي، يبرز عضلات صدره وكتفيه اللذين تحملا ما لا يطيقه بشر. وجهه، الذي كان يرتدي قناع الجمود أمام الرعية، بدأ يسترخي، لكن عينيه ظلتا محملتين بأسئلةٍ لم تجد جواباً.
ببطءٍ شديد، مد يده نحو الدرج الخفي في مكتبه، وأخرج الرسالة التي خطتها يدا “شامة”. كانت الورقة لا تزال تحتفظ برائحة المسك والزعفران، وكأنها نبضٌ حيٌّ خرج من روحٍ لا تقبل الانكسار.
فتحها للمرة الألف، وأخذ يقرأ الكلمات ببطءٍ مهيب، صوته الداخلي يهمس بالعبارات في الغرفة الفارغة:
“إلى الشداد.. أكتبُ إليك، لا بصفتي زوجةً تتوقُ للوصل، ولا خصماً يتربصُ بالفرصة. أكتبُ إليك بصفتي ابنةَ العباسيين، التي أدركت أنَّ المقامَ في هذا القصر صار يضيقُ بالروح التي لا تجدُ في أروقته إلا صدى خيباتها.”
توقف الشداد عند هذه الجملة، وساد صمتٌ طويل. كان يقرأ الحروف، لكنه كان يقرأ ما بين السطور: يقرأ فيها كبرياءً كان يوماً مصدر فخره، ويقرأ فيها فصلاً من حياته بات يطارده كطيفٍ لا يرحل. أصابعه القوية تلامس حواف الورقة برقةٍ تناقض تماماً صرامة طباعه.
أعاد القراءة، وكأن كل كلمةٍ هي نصلٌ يلامس جرحاً قديماً. تلاشت مسحات الاسترخاء عن وجهه، وتصلبت عضلات فكّه، وبرقت عيناه ببريقٍ حاد، صارم، لا يعرف التردد. لم تكن الرسالة بالنسبة له مجرد كلمات، بل كانت تحدياً لسيادته، وتفكيكاً لهيكلية القصر الذي يبنيه.
استقام في جلسته، وأصبحت قامته كالسيف المسلول، هيبة السلطان عادت لتغلف كل ذرةٍ في الهواء المحيط به.
في تلك اللحظة، وبحركةٍ خفيفةٍ مدروسة، طرقت الفارسة الباب ودخلت، منحنيةً برأسها بكل وقارٍ عسكري. كانت تنتظر إشارةً واحدةً منه.
لم يلتفت إليها السلطان في البداية، بل ظل يحدق في الورقة، ثم رفع رأسه ونظر إليها بنظرةٍ اخترقت حضورها.
السلطان (بصوتٍ عميق، فصيح، كأنه صاعقة):
— “أحضري شامة.”
أومأت الفارسة برأسها وانصرفت بخطواتٍ صامتة وسريعة، تاركةً خلفها باب الجناح يُغلق بهدوء.
فتحت الفارسة باب الجناح، ولم تكن تدخل خلفها امرأة محطمة، بل كانت تدخل “سلطانة” لم تفقد من شموخها ذرة. دخلت شامة بخطوات واثقة، فستانها ينساب كأنه نهرٌ من حرير، ورأسها مرفوعٌ بشموخ لا يُنحني، ونظراتها باردة، واثقة، توحي بأن كل ما مرّت به لم يكن سوى اختبارٍ زادها صلابة. لم تكن في ملامحها أي آثارٍ للضعف؛ بل على العكس، كان جمالها أكثر حدة، وكأنها استمدت من عزلتها قوةً لا تكسر.
وقفت أمام الشداد، تتطلع إليه بعينين لا ترفان، متحديةً صمت الغرفة وهيبته التي تملأ الأركان. لم تتكلم، ولم تنتظر إذناً بالجلوس، بل ظلت واقفة، شامخةً كجبلٍ لا تهزه الرياح.
استدار السلطان ببطء، وفي يده الورقة التي حملت مطالبها بالاستقلال. لم تكن في نظراته رحمة، لم ينطق بكلمة، بل اتجه نحو الموقد حيث تتراقص النيران.
بكل هدوءٍ وتراوٍ، وبحركاتٍ مدروسة لا تسرع فيها، ألقى برسالة “استقلالها” في قلب اللهب. راقبها وهي تتلوى وتتحول إلى رماد، تتلاشى كلماتُها التي طالبت فيها بالبعد والتحرر، وكأنها تتبخر في الهواء.
استدار إليها، ووجهه قناعٌ من حديد، وعيناه تشعان ببريقٍ يوحي بأن ما أحرقه لم يكن مجرد ورق، بل كان وأداً لطموحها في مهده.
السلطان (بصوتٍ منخفض، رخيم، ومملوءٍ بالازدراء المتعمد):
“ظننتِ أنكِ كتبتِ طلباً لِـسلطان.. فإذا بكِ تكتبين أمنيةً لـخيالٍ يتبدد.”
ظل واقفاً أمامها، يغمرهما صمتٌ ثقيل، مشحونٌ بكل التوتر بين السلطان الأموي والسلطانة العباسية ، شامة كانت تقف بثبات، تراقب الرماد، دون أن تبدي أدنى انكسار، وكأنها تقول له بنظراتها: “أحرقتَ الورق، ولكنك لم تحرق إرادتي”.
كانت هذه هي “الهدنة الزائفة”؛ هو يظن أنه أدبها بحرق طلبها، وهي لا تعلم أنها بانتظار عاصفةٍ أعتى وأقوى.
راقبت شامة أطراف الورقة وهي تتفحم حتى صارت رماداً، ثم نقلت بصرها ببطءٍ نحو السلطان، نظرةٌ خالية من أي توسل، بل مليئةٌ بـ”الاستحقار” المهذب.
شامة (بصوتٍ منخفض، هادئ لدرجةٍ تخيف، وبنبرةٍ لا تخلو من السخرية العباسية):
“ظننتُ أنني أخاطبُ سلطاناً يرى ما خلف الجدران، فإذا بي أخاطبُ رجلاً يظن أن احتراق الحبر ينهي ما في الصدور. أحرقتَ الورقة يا شداد، لكنك لم تحرق الحقيقة؛ والحقيقة أن وجودي في هذا القصر، بوجودِ ضُرتك، صار عبئاً لا يليق بمقامي.. ومقامك.”
اقتربت منه خطوةً واحدة، كانت المسافة كافيةً ليشم رائحة عطرها الذي يشبه عبق القصور العباسية، وقالت بنبرةٍ تقطر ثقة:
“الاستقلالية التي طلبتها ليست مِنةً منك، بل حقٌّ تقتضيه كرامتي التي أبت أن تذلّ في بلاطٍ صار يُقاس بالغيرة بدل الهيبة. فإذا كان ردك هو النار.. فاعلم أنني لم أكن أنتظر منك نوراً في هذه الغرفة.”
ثم التفتت بجسدها، ببطءٍ كأنها لا تكترث لوجوده، وقبل أن تصل إلى الباب، توقفت، ونظرت إليه من فوق كتفها بنظرةٍ أخيرة:
“أنت تحاول حصرَ ناري داخل قصرك، وتنسى أن النار إذا حُصرت.. لا تنطفئ، بل تلتهم كل ما يحيط بها. ابقَ في هذا الجناح مع رمادِ أوهامك.. فلقد انتهى زمانُ الطلب، وبدأ زمانُ الفرض.”
استدارت شامة بكبرياءٍ متمرد، وبدأت تمشي نحو الباب بخطواتٍ موزونة، واثقةً بأنها قد هزت أركان هيبته. لم تكن قد وصلت إلى المقبض حتى جاءها صوته.. لم يكن صراخاً، بل كان صوتاً خفيضاً، ثقيلاً، مشبعاً بوعيدٍ يجمّد الدماء في العروق:
السلطان (ببرودٍ قاتل، دون أن يلتفت نحوها، مكتفياً بالنظر إلى الموقد):
“تتحدثين عن النار يا ابنة العباس.. وتنسين أن من يملكُ صكوكَ القصر، يملكُ إطفاءها قبل أن تستعر. تظنين أنكِ تمشين نحو باب الخروج؟”
التفت الشداد نحوها فجأة، وبخطواتٍ واسعة وقوية قطع المسافة التي بينهما حتى صار خلفها مباشرة. توقفت شامة، لكنها لم تلتفت، فأنفاسه كانت قريبةً جداً من أذنها حين أردف بنبرةٍ تقطرُ سلطة:
“هذا القصر ليس داركِ لتفرضي فيه شروطك، وليس ساحة معركةٍ لتنصبي فيها نارك. لقد جئتِ إلى هنا زوجةً، وستبقين هنا.. ليس لأنني أرجوكِ البقاء، بل لأنكِ لا تملكين حتى حق اختيارِ مكانِ خيبتك. وإذا كان ‘زمن الطلب’ قد انتهى كما تزعمين، فاعلمي أن ‘زمن الطاعة’ لم يبدأ بعد، لأنكِ لم تدركي بعدُ.. مَن هو السلطان الذي تقفين أمامه.”
وضع يده على الباب، مغلقاً إياه بقوةٍ جعلت صدى الإغلاق يتردد في أرجاء الجناح، ثم أضاف بصوتٍ صارم لا يرحم:
“لا تخرجي من هذا الجناح، إلا إذا سمحتُ لكِ بذلك. أظنُّ أن ‘عزلتكِ’ التي اشتكيتِ منها، تحتاجُ إلى وقتٍ أطول.. لِتتعلمي كيف تتحدثين مع السلطان.”
تراجعت شامة بخطوةٍ واحدة إلى الوراء، وقد اصطدمت بصلابة جسده الذي صار حاجزاً بينها وبين الباب. كانت المواجهة الآن في أشد أوقاتها، فلم يعد الأمر مجرد نقاش، بل أصبح صراع إراداتٍ بين سلطانةٍ لا تنكسر، وسلطانٍ لا يهاب”
التفتت شامة ورائها بسرعة ، لكنها لم تكن لفة انكسار، بل خطوة لتعيد تذكيره بما هو أثقل من السلاسل. نظرت إليه، وعيناها تلمعان ببريقٍ حديدي:
شامة (بصوتٍ قوي، يتردد صداه في جنبات الجناح):
“لا تظن يا شداد أنني نسيتُ كيف جئتُ إلى هنا. لم آتِ بدافعِ هوىً أو رغبة، بل جئتُ ‘ديةً’ لحقن دماءٍ كانت ستجري أنهاراً لولا وجودي في قصرك. حينها، لم تكن أنتَ فقط من يقف، بل كان الأعيان والوزراء شهوداً على عهدك.”
اقتربت منه، وأشارت بإصبعها نحو صدره، دون خوفٍ من سلطته:
“لقد أعطيتني تلك الورقة، وختمتَ عليها أمام الملأ، لا لتكون مجرد أمانٍ شخصي، بل لتكون ضمانةً لي ولحاشيتي من غدر الزمان وتقلباتِ السلاطين. لقد تعهدتَ بالراحة، بالأمان، وبأن كرامتي فوق كل اعتبار. واليوم، هل أصبح صكُّ الأمان هذا ورقةً تُحرق في موقدك كما أحرقت رسالتي؟”
ابتسمت شامة ابتسامةً خاليةً من أي دفء، وتابعت بنبرةٍ لا ترحم:
“تتحدث عن الطاعة؟ وأي طاعةٍ تطلبها ممن جئتَ بها لتعزها وتؤمنها؟ إذا كنتَ قد قررتَ التنصل من عهدك أمام الملأ، فاعلم أن التاريخ لا يغفر للسلاطين الذين يغدرون بمن قدموا أرواحهم فداءً للسلام. لقد أمنتني على نفسي، والآن أنتَ من يتربص بي.. فأيُّ سلطانٍ هذا الذي يرى في ديته عدواً، وفي أمانه قيداً؟”
صمتت للحظة، ثم أردفت بحدةٍ أشد:
“أنا لا أطالبك بالحب، ولا أطالبك بالوصل، أنا أطالبك بالوفاء بما شهدت عليه الأرض والسماء يوم قُبلتُ ديّةً لحقن دماء قومي. فإما أن تحفظ العهد وتتركني في سلامي، أو تخرج أمام الملأ وتعلن أنك سلطانٌ لا يُؤتمنُ على ميثاق.”
ساد صمتٌ خانق في الجناح، صمتٌ لم يقطعه إلا أنفاس الشداد المكتومة وهو ينظر إلى شامة. لم تكن كلماتها مجرد تذكيرٍ بالعهد، بل كانت صاعقةً تضربُ في جوهر كبريائه السلطاني.
أدار الشداد ظهره لها ببطء، مشى نحو مكتبه بخطواتٍ رزينة، كمن يسير إلى منصة الإعدام، لكنه إعدامٌ اختاره هو بنفسه. لم ينظر إليها، بل فتح الدرج الخفي الذي كان يخبئ فيه “نهايتهما”، وأخرج منه تلك الورقة التي لم تحترق، الرسالة التي خطتها يداها إلى أبيها، والتي كانت بالنسبة له خنجراً مسموماً في ظهره.
التفت إليها، ووجهه قناعٌ من حديد، لا تشوبه شائبةُ انفعالٍ أو اهتزاز. كانت يده ثابتةً كأنها مسمارٌ في جدار، وهو يضع الرسالة أمامها على الطاولة، ببطءٍ وبرودٍ يبعثان الرعب في النفس.
السلطان (بصوتٍ عميق، رزين، ومستقرٍ كالجبال):
“تتحدثين عن العهد يا شامة؟ وعن ميثاقٍ شهد عليه الملأ؟”
أشار بإصبعه نحو الحروف المكتوبة بخط يدها، بوقارٍ يغلفه احتقارٌ شديد:
“أنتِ تطالبين بوفاءٍ لعهدٍ أنتِ من نقضتِ قدسيته، هذا خط يدك صكُّ خيانةٍ’ عظمى، خطّته يداكِ لتسليمِ أمنِ هذه الدولة لأبيكَ.”
لم يرتفع صوته، بل ظل محتفظاً بنبرته الهادئة، تلك النبرة التي لا تعرف التردد أو الضعف، ونظر إليها مباشرة في عينيها بنظرةٍ صقرٍ رصد فريسته:
“لقد منحتكِ الأمانَ حين جئتِ ‘ديةً’، وقدمتُ لكِ الراحةَ حين كنتِ غريبةً في دياري. ولكن، حين اخترتِ أن تكوني عيناً لأعدائي داخل عقرِ داري، فقد أسقطتِ عن نفسكِ حق الحماية، وأسقطتِ عني التزام العهود. العهدُ يا شامة لا يُعطى لمن يضعُ الخنجرَ في ظهرِ صاحبه.”
استقام في وقفته، وصار كأنّه تمثالٌ من وقار، وتابع بنبرةٍ قاطعة، لا تقبلُ الجدل:
“لقد كنتِ تتحدثين عن القيدِ والحرية.. فاعلمي أن قيدكِ اليوم ليس مما صنعتُه أنا، بل هو نتاجُ ما خطّت يداكِ. أنتِ لستِ هنا اليوم بصفتكِ زوجتي، بل بصفتكِ ‘خائنةً’ كُشف أمرها. والآن، أخبريني.. أيُّ وجهٍ بقِيَ لكِ لتطالبي بوفاءٍ لمن كنتِ تخططين لخذلانه؟”
تراجعت شامة إلى الوراء، وقد اتسع بصرها وهي ترى الحقيقة التي لم تتوقع يوماً أن تواجهها. السلطان لم يصرخ، ولم يغضب، بل كان كالإعصار الصامت الذي لا يترك خلفه إلا الدمار. كانت هي الآن في مواجهةِ رجلٍ لا يغفر، ولا ينسى، ولا يرتجف.
رفع رأسه واضعا يديه خلف ضهره ، بوقارٍ ملكي، وعيناه لا تغادران عينيها، ونبرته انخفضت لتصبح أكثر حدة، كأنها نصلٌ يقطع أوهامها:
السلطان (بصوتٍ هادئ كالموت، لكنه يحمل ثقل الجبال):
“أتظنين يا شامة أنني حين صمتُّ على هذه الرسالة، كنتُ غافلاً؟ أو أنني حين غلفتُ عتبي بالبرود، كنتُ متسلطاً؟ لقد كنتِ أنتِ الخنجر، وكنتُ أنا الدرع.”
، وأشار نحو الرسالة التي لا تزال مستقرة على الطاولة:
“أتعلمين ما كان ليحدث لو أنَّ غيري وصلته هذه الورقة؟ لو أنَّ الحاجب الذي استلمها من المرسول قبل أن تصل إلى أبيكِ، كان قد رفعها لِديوان القضاء أو للملأ؟ لقد كان الموتُ حينها أرحمَ ما سيطالبُ به الأعيان. كانوا سيطالبون بقطعِ رأسِ ‘الخائنة’ العباسية في ساحة القصر، وكان لزاماً عليّ -حتى وأنا الشداد- أن أنفذ حكم الدولة.”
صمتَ قليلاً ليترك وقع كلماته يتسرب إلى عقلها، ثم تابع ببرودٍ يثير الرعب:
“لقد أعدتُ صياغةَ الحقيقة أمامَ حاجبي، ، بل ودفعتكِ -دون أن تشعري- لتظهري بمظهر الموالية لكي أُغلقَ أفواهَ من كانوا يتربصون بدمك. لقد حميتكِ من غدرِ القوانين التي شرعتها دولتي، وحميتكِ من سيفٍ كنتِ أنتِ من استلّه لتذبح به نفسك.”
اقترب منها مرة أخرى، وأكمل بصوتٍ يملأ زوايا الجناح:
“الورقة التي تطلبينني اليوم بالوفاء بها.. ذلك الأمان، كان صكاً أخلاقياً سرياً، لكنكِ حين خنتِ، لم تعودي في ذمةِ العهد، بل أصبحتِ في ذمةِ ‘عفوي’. لقد حفظتُ رأسكِ من المقصلة، وسترتُ عارَ خيانتكِ بعباءةِ سلطتي، وتجرعتُ مرارةَ الغدر صامتاً كي لا تنهدمَ أركانُ الدية التي جئتِ بها.”
ثبت بصره فيها، وبدا في تلك اللحظة سلطاناً لا يُقهر، يحمل عبء حماية عدوته التي هي زوجته:
“أتحدثينني عن الأمان؟ لقد منحتكِ أماناً يفوقُ ما خطّه القلم، أماناً دُفع ثمنه من هيبتي أمامَ خاصتي وحاجبي. كنتُ أحاولُ أن أجدَ لكِ مخرجاً، فإذا بكِ تعودين لتطالبيني بالاستقلال.. كأنكِ تطالبين بالحرية لخائنةٍ كان يجب أن تكون اليوم تحتَ التراب.”
ساد في الجناح صمتٌ ثقيل، وكأن الأنفاس توقفت. لم تكن شامة في هذه اللحظة امرأةً تُحاجج، بل كانت كياناً يترنح أمام هول ما سمع.
شامة (بصوتٍ متهدج، تخرجُ كلماته بصعوبةٍ شديدة):
“الرد… الرد الذي وصلني من أبي.. الخط، الختم، الكلمات.. كان كل شيءٍ مطابقاً.”
نظرت إلى الشداد، واتسعت عيناها بذهولٍ لا يصدقه عقل، فقد أدركت للتو أن كل خطوةٍ اتخذتها، وكل أملٍ بنيته على نصيحة أبيها، لم يكن سوى خيوطٍ حركها الشداد بنفسه. لم يكن الأبُ هو من أجاب، بل كان الزوج هو من تقمص دور الأب ليجرّها إلى مصيدةِ اعترافاتها.
سقطت يداها على جانبيها بضعفٍ لم يعهده فيها أحد. الصدمة جعلتها تشعر وكأن الأرض تميد بها؛ كل رسالةٍ بعثتها لاحقاً، كل سرٍّ استودعته في “ردود أبيها”، كان يصبّ في مصلحة الشداد، يغذي ذكاءه، ويجعله يراقبُ تحركاتها وهي تظن أنها في مأمن.
وقف الشداد أمامها، بوقاره المعهود الذي لا يلين، وعيناه تراقب ببرودٍ صقريّ كل تفصيلٍ في وجهها الشاحب، وكل رعشةٍ خفيفة في جسدها الذي حاول الصمود. كان ينتظر.. لا ليرى انكسارها، بل ليرى متى ستستعيد تلك السلطانة العباسية توازنها بعد أن سُحبت السجادة من تحت قدميها.
مرت دقائق بدت كأنها دهر. أغلقت شامة عينيها بقوة، تتنفس بعمق، تحاول لملمة شتات روحها المحطمة. استجمعت بقايا كبريائها، ورفعت رأسها ببطء، رغم أن الحقيقة كانت تنخر عظامها.
شامة (بنبرةٍ ارتجفت قليلاً قبل أن تستقر على نبرةٍ حادة ومليئة بالمرارة):
“لم تكتفِ بسجنِ جسدي في هذا القصر، بل قررتَ أن تسجنَ عقلي في أوهامك. لقد كنتَ تُحاورني بصوتِ أبي.. كنتَ تسرقُ صوته لتستدرجني إلى حتفي.”
صمتت، ثم نظرت إليه نظرةً عميقة، تحمل كل ما في قلبها من خيبة:
“ظننتُ أنني كنتُ أواجه زوجاً غيوراً، فإذا بي أكتشفُ أنني كنتُ أواجه رجلاً لا يرى في زواجه سوى رقعة شطرنج. هل كنتَ تستمتع يا شداد؟ هل كان قلبك يضحك وأنت تكتب لي رداً بلسان أبي، لتُشعرني أنني لا أزالُ تحت ظله؟”
ظلت عيناه ثابتتين على عينيها، لم يرمش ولم يتراجع. لم يجدِ معها الإنكار، فما كان يفعله هو “السلطة” في أبهى صور دهاءها.
استجمعت شامة كل ذرة من كبريائها العباسي الذي صُقل في قصور بغداد، تلك القصور التي علمتها أن الموت أهون من أن تظهر مهزومة. مسحت وجهها ببطء، وكأنها تمسح آثار الصدمة، ثم عدلت وقفتها حتى عادت تلك السلطانة التي لا ينحني لها رأس.
شامة (بصوتٍ خفيض، لكنه يضجُّ بقوةٍ تهدُّ الجبال):
“لقد أتقنتَ اللعبة يا شداد. تقمصتَ دورَ أبي، استدرجتَني، وحبستَني في سجنٍ من التضليل. ظننتَ أنك بذاك الختم المزيف وبالتلاعب بكلمات أبي، قد قتلتَ عقلي.. لكنك في الحقيقة، لم تقتل فيَّ إلا آخر خيطٍ كان يربطني بامرأةٍ كانت تُلقي بالاً لمشاعرك.”
خطت نحوه بخطواتٍ واثقة، والمسافة بينهما تكاد تنعدم:
شامة (بنبرةٍ هادئة، موزونة، تشبه قرع السيوف):
الخيانة التي تراها في تلك الأوراق، كنتُ أراها أنا في تلك اللحظة ‘استغاثةً’ لامرأةٍ شعرت أنَّ الشراكة التي قامت عليها إمبراطوريتنا قد انتهت.”
خطت نحوه بخطوةٍ واحدة، وعيناها تحدقان في عينيه بقسوة:
“نحن لم نتزوج عن حبٍّ يا شداد، بل عن تفاهمٍ سياسي. جئتُ لك بعقلي، وبحكمتي، وبحلمِ بناءِ إمبراطوريةٍ نكون نحن قطبيها. وحين حطمتَ تلك الشراكة بعودتك لـ ‘شريفة’، جعلتني أشعر أنني لم أعد شريكةً في الحلم، بل مجرد ورقةٍ سياسيةٍ انتهى دورها. الغيرةُ لم تكن غيرةَ نساءٍ على رجل، بل كانت غيرةَ ‘سلطانةٍ’ خافت على مكانتها، وعلى المشروع الذي بنيناه معاً.”
صمتت للحظة، ثم تابعت بحدة:
“أما عن تلك الرسالة، فقد كانت لحظة ضعفٍ بشريّ، نعم، ولكنَّ أفعالي من بعد ذلك كانت برهاناً على ولائي لهذا المشروع. هل نسيت مَن الذي قدم لك مفاتيح كشفِ البرغواطيين في شالة؟ هل نسيت مَن ضحت بنفسها في ساحات الوغى لتأمين بقاء ولدك؟ لقد كنتُ أقدمُ لـ ‘السلطان’ ما لم يجرؤ أحدٌ على تقديمه، بينما كان هو يُمعن في إقصائي.”
نظرت إلى الرسالة التي كشفت خيانتها، ثم أضافت بنبرةٍ لا تقبلُ التأويل:
“أنت ترى فيَّ خائنة، وأنا أرى في نفسي السلطانة التي لم تَخُن ‘المشروع’، بل خانت ‘الثقة’ التي مزقتها أنت حين جعلتني غريبةً في قصرك. لا تظن أنني كنتُ ساذجةً حين كتبتُ لأبي، كنتُ أبحثُ عن حلفاء حين شعرتُ أنَّ حليفي الأول -أنت- قد استغنى عني. فإذا أردتَ محاكمتي، فحاكمني بصفتي ‘شريكةً’ شعرت بالخطر على مكانتها، لا بصفتي زوجةً متمردة.”
ساد صمت طويل في الجناح، لم يقطعه سوى صوت اشتعال النار في الموقد، التي بدت وكأنها الوحيدة المسموح لها بالاضطراب. ظل الشداد واقفاً، يراقبها بنظراتٍ غامضة، نظراتٍ لا تُفسر، هل هي نظرات غضبٍ متقد، أم تقديرٍ لذكاء امرأةٍ تجرأت على مواجهته بالحقيقة؟
تحرك الشداد ببطء، اقترب من الطاولة، وسحب الرسالة التي كانت دليلاً على خيانتها، لكنه هذه المرة لم يلقِ بها في النار. طواها بهدوء ووضعها في جيبه، كأنه يحتفظ بها كـ “سجل” لا كـ “دليل إدانة”.
السلطان (بصوتٍ منخفض، رزين، ومملوءٍ بالسطوة):
“الشراكة يا شامة.. لا تقوم على نصفِ حقيقة. أنتِ تتحدثين عن ‘مكانتكِ’ كشريكة، وتنسين أن الشريك الذي يخشى على مكانته، لا يُراسل أعداءَ الدولة سراً.”
استدار نحوها، وعيناه تلمعان ببريقٍ حاد:
“لقد أصبتِ حين قلتِ إنني لم أكن أراكِ مجرد زوجة، بل كنتُ أراكِ عقلاً يضاهي عقلي. لهذا السبب تحديداً، لم أكن أحتملُ أن تضعفي، أو أن تضعي يدكِ في يدِ أبيكِ لترسمي لنفسكِ مساراً خارج إمبراطوريتنا. أنتِ تظنين أنني حاربتك، بينما كنتُ أحاولُ ‘صقلكِ’ لتكوني السلطانة التي لا تحتاجُ لأحدٍ غيري لتثبتَ وجودها.”
سكتَ قليلاً، ثم أردف بنبرةٍ قاسية ومباشرة:
“لقد أنقذتِ العرش في شالة، وألقيتي بنفسك في الهلاك في أنمارة وهذا ما يشفعُ لكِ اليوم. ولكن، الشراكة التي تتحدثين عنها، لا يُعاد بناؤها بالكلام، بل بالولاء المطلق. لقد انتهى زمنُ الغيرة التي تجعلكِ تلتفتين لـ ‘شريفة’، وانتهى زمنُ رسائلِ الاستغاثة لأبيكِ.”
مد يده، وبحركةٍ سلطانية فيها من الثقة الشيء الكثير، رفع ذقنها لتنظر إليه:
“سأمحو تلك الرسالة من ذاكرةِ القصر، وسنعتبرُ ما حدث طيشاً سياسياً لامرأةٍ شابة لم تدرك بعدُ حجمَ الجبال التي تحيطُ بها. ولكن، كوني على يقين.. إذا تكررت هذه ‘الهفوة’، فلن يكون هناك قصرٌ أو عهدٌ يحميكِ مني. هل أنتِ مستعدةٌ لتكوني شريكتي، لا كـ ‘رهينةٍ’ خائفة، بل كـ ‘سلطانةٍ’ لا تعترفُ بغيرِ هذا العرش؟”
بقيت نظراتها معلقةً في عينيه، لم تخفَ قوتها، لكن خفت بريق “الشراكة” الذي كان يلمع فيها قبل لحظات. تراجعت خطوةً إلى الوراء، متخلصةً من لمسته، ووقفت بوقارٍ يعلنُ نهاية عهدٍ وبدايةَ زهدٍ في كل شيء.
شامة (بصوتٍ خفيض، مستقر، لا تشوبه شائبةُ تردد):
“لقد سألتني إن كنتُ مستعدةً لأكون شريكتك، وأنا أقول لك: ما دمتُ قد دخلتُ هذا العرش وعشتُ تحت جناحه، فأنا لا أعترفُ بسلطانٍ غيرك، ولا أدينُ بالولاء لعرشٍ غير عرشك. أنتَ سيدي، وهذا الكيانُ هو قدري. ولكن..”
صمتت لتأخذ نفساً عميقاً، ثم أردفت بمرارةٍ واضحة:
“أنا لا أملكُ في قلبي ولا في روحي طاقةً لأكون شريكتك السياسية، ولا أملكُ صبراً لأكونَ واحدةً من حريمك. لقد جئتَ بعروسٍ جديدة، وهذا حقك كـ ‘سلطان’، لكنه ليس من حقي كـ ‘امرأة’ أن أقبلَ بهذا التشارك. أنا لا أستطيعُ أن أراكَ تتقاسمُ عمرك، ولا أستطيعُ أن أراكَ تتقاسمُ قرارك مع من لا يشبهني ولا أشبهه.”
نظرت إلى الأرض للحظة، ثم أعادت النظر إليه بصدقٍ جارح:
“أنا هنا أُجرّد نفسي من كلِّ ما ظننتهُ قدراً؛ أخلعُ عني رداء السياسة الذي أرهقني، وأعتزلُ أدوار العقلِ المدبر الذي كان يؤرقك. أنا لا أطلبُ منك الطلاق، ولا أطلبُ منك حريتي المطلقة، بل أطلبُ لنفسي ‘النفي’. أريدُ أن أبعدَ عن هذا القصر، عن الدسائس، عن صراعات الحريم، وعن وجهك الذي يذكرني بكلِّ خيبةٍ عشتها هنا. سأظلُ وفيةً لعرشك من بعيد، سأظلُّ خادمةً لدولتك بالصمت، لكنني لا أستطيعُ أن أكونَ جزءاً من حياتك.”
خيم صمتٌ مهيب على الجناح، وكأن الجدران أنصتت لقرارها بالانكفاء. لم يرمش الشداد، لكن نظراته التي كانت تحاول احتواءها، بدت وكأنها تصطدم بـ “جدار” جديد بنته شامة حول نفسها.
السلطان (بصوتٍ منخفض، رزين، ومملوءٍ بالسطوة والغرابة):
“تتحدثين عن النفي؟ أتدركين ما تطلبين؟ أنتِ تطلبين أن تكوني سلطانةً بلا قصر، وزوجةً بلا وصل.. تطلبين أن تعيشي في ظلِ عرشي دون أن تري العرش. ألم تفكري في العواقب؟ ألم تفكري في أنَّ خروجك بهذا الشكل قد يفسره الآخرون على أنه ‘نفيٌ عقابي’ أو خروجٌ عن طاعتي؟”
خطا نحوها خطوةً واحدة، كانت كافيةً لتشعر بهيبته تطوق المكان:
“أنتِ تطلبين مني أن أتخلى عن ‘عقلي السياسي’ الأقوى في قصري، مقابل أن ترحلي إلى المجهول. هل تظنين أنني سأسمحُ لكِ بالبقاء في ذاكرتي كـ ‘غريبةٍ وفية’ تعيشُ في منفىً اخترتِه بنفسك؟”
صمتَ قليلاً، ثم أردف بنبرةٍ لا تُفهم، هل هي تهديدٌ أم حيرة؟
“أنتِ تطلبين النفي، بينما العالمُ كله يطمحُ ليكونَ جزءاً من سلطاني. هل أنتِ واثقةٌ أنكِ ستجدين في البعدِ سلاماً؟ أم أنكِ تحاولين الهروبَ من الحقيقة التي تدركينها جيداً: أنكِ مهما ابتعدتِ، ستظلين جزءاً من هذا العرش، حتى وإن كنتِ في أقصى الأرض؟”
كانت كلماته قاسية، تضعها أمام عبثيةِ طلبها؛ فهي تطلب الرحيل من رجلٍ لا ينسى، ومن قصرٍ لا يغادره أحدٌ دون أن يترك جزءاً من روحه خلفه.
لم تعد في عينيها تلك النار التي كانت تتقد قبل قليل. كانت نظراتها باردة، مستقرة، كأنها نظرات إنسانةٍ عبرت جسر الموت وعادت، فلم يعد يخيفها شيء.
شامة (بهدوءٍ تقشعر له الأبدان):
“العواقب؟ وهل يخشى من فقدَ كل شيءٍ عواقبَ الرحيل؟ يا شداد، أنت تخاطبني كأنني أملك ما أخسره، كأنني أخشى ضياع مستقبلٍ أو عرش. انظر إليّ.. ألا ترى؟ أنا هنا، في هذا القصر، لا أملكُ ولداً يشدني إلى الحياة، ولا طموحاً يربطني بمجدِ دولتكم. أنا ميتةٌ بالفعل، سواء بقيتُ أمشي فوق هذا الأرض أو وُوريتُ تحت ترابها، فلا فرق عندي بين القبرِ وهذا القصر.”
اقتربت منه، وأكملت بنبرةٍ خالية من أي انفعال:
“أنت ترى فيَّ ‘عقلاً سياسياً’ يمكن توظيفه، وترى فيَّ ‘أداةً’ تخدمُ مشاريعك. لكنني حين أخرجُ من هذا المكان، لا أبحثُ عن المجد، بل أبحثُ عن صمتٍ يغطي خيبتي. لا تحذرني من العواقب، فمن لا يخشى الموت، لا يرهبهُ النفي.”
سكتت للحظة، ثم أردفت بمرارةٍ صافية:
“لقد استهلكتني هذه القصور، وأرهقتني هذه الأدوار التي فرضتها عليّ، والتي لم تجنِ لي في النهاية سوى أن أكونَ ‘ورقةً’ في يديك. لا أريدُ السياسة، ولا أريدُ مكانة، ولا أريد أن أكون ‘مستشارة’ تقتاتُ على فتاتِ السلطة. أريد فقط أن أبتعد، أن أعيش بقية أيامي في مكانٍ لا يذكرني فيه أحدٌ بأنني كنتُ يوماً ‘شامة العباسية’ التي كان يخشاها الأعداء.”
نظرت إليه نظرة أخيرة، كأنها تودع فيها كل ما كان يربطها به:
“لذا، لا تلوح لي بالعواقب. فالميتُ لا يُنفى، والروحُ التي فارقت الحياة في داخلك، لا يضيرها أين سكن الجسد. اسمح لي بالرحيل، لا من أجل العرش، بل من أجلِ إنسانةٍ لم تعد تجدُ لنفسها مكاناً في عالمك.”
ساد صمتٌ طويل، لم يقطعه إلا صوت الرياح وهي تصطدم بنوافذ الجناح. كان الشداد يراقبها بتركيزٍ شديد، نظراته التي كانت كالصقور تحولت إلى نظرات رجلٍ يرى العالم ينهار من حوله، لكنه يرفض أن يغلق عينيه.
السلطان (بصوتٍ منخفض، رزين، ومملوءٍ بالسطوة التي لا تقبل الجدل):
“الموتُ الذي تتحدثين عنه يا شامة ليس هروباً، بل هو إقرارٌ بالهزيمة. أتظنين أنني، بعد كل ما بنيناه، وبعد كل ما مررنا به، سأسمح لكِ بأن تمحي وجودكِ من عالمي لتعيشي في نفيٍ تختارينه أنتِ؟”
اقترب منها، وكان قربه هذه المرة يحمل ثقلاً لا تطيقه، ثم أردف بنبرةٍ باردة كقطعة ثلج:
“طلبتِ الابتعاد عن السياسة؟ لكِ ذلك. طلبتِ النأي بنفسكِ عن صراعات الحريم وعن اسمي؟ لكِ ذلك. سأمنحكِ منفىً داخل هذا القصر.. جناحٌ منعزل، هدوءٌ مطلق، وحريةٌ في ألا تري وجهاً لا تودين رؤيته. لكن، أن تغادري أسوار هذا القصر؟ أن تخرجي لتعيشي ‘غريبةً’ في عالمٍ لا يحميك؟ لن يحدث. فأنتِ لستِ مجرد امرأةٍ تطلبُ الرحيل، أنتِ عهدٌ لا أفرطُ فيه.”
نظرت إليه شامة بدهشةٍ مشوبةٍ بالخيبة، ففهمت أنه حكمٌ بالمؤبد في قفصٍ ذهبي.
السلطان (متابعاً بحدةٍ لا تلين):
“إن كنتِ ترين نفسكِ ميتةً كما تقولين، فلتكن هذه حياتكِ في عزلتكِ الجديدة. سأوفر لكِ كلَّ سبلِ الهدوء، وسأرفعُ عنكِ كلَّ التكاليفِ التي ترهقك، لكنكِ ستبقين تحت كنفِ هذا العرش. لا تطلبي مني ما لا يمكن أن أمنحه؛ فالمكانُ الوحيدُ الذي تليقُ به ‘شامة العباسية’ هو تحت حمايتي، حتى وإن كانت تلك الحماية قيداً ترفضينه.”
استدار نحو الباب، ثم توقف للحظة، دون أن يلتفت إليها، وقال بصوتٍ أخفّ كاد يضيع في صدى الغرفة:
“لا تطلبي الرحيل.. فمن يرحلُ عني، لا يجدُ لنفسه مكاناً في خارطتي إلا كعدو. وأنتِ، رغم كل شيء، لستِ عدوّتي.”
خرج وأغلق باب جناحه خلفه بقوةٍ حاسمة، تاركاً إياها وسط المكان الذي صار سجنها، بينما ظلَّ وقعُ قفله للباب يتردد في أذنيها كصكِّ حكمٍ بالمؤبد. وقفت شامة تحدق في الجدران التي أصبحت قيدها، مدركةً أن السلطان قد منحها كل شيءٍ إلا الشيء الوحيد الذي كانت تطلبه: الخلاص.
لم تتحرك من مكانها، بل استدارت ببطء نحو المرآة الكبيرة في غرفة السلطان، نظرت إلى انعكاسها، وعيناها تلمعان ببريقٍ لم يعرفه الشداد من قبل.
شامة (بصوتٍ خافت، يملؤه وعيدٌ لا يخطئه أذن):
“ظننتَ أنك بحبسي هنا ستطفئُ الفتنة، ولكنك لم تدرك بعدُ أن النار إذا حُبست خلف الأبواب، لا تنطفئ.. بل تزدادُ اشتعالاً.”
لم تكن الكلمات موجهةً إليه، بل كانت عهداً قطعته على نفسها. سارت بخطواتٍ ثابتة، وبدلاً من أن تنهار أو تبكي، بدأت ترتب المكان الذي ستعيش فيه، ليس كـ “منفية”، بل كـ “قنبلة موقوتة” بانتظار اللحظة المناسبة.
شامة (تحدثُ نفسها بنبرةٍ باردة):
“أردتني في قصرك؟ حسناً. أردتني أن أكون عهدك؟ سأكون. لكنني لن أكون الزوجة الهادئة التي تنشدُ السلام. ما دامت نيران الغيرةِ تحرقُ صدري، فليحترقْ معها هدوءُ هذا القصر. لقد جنيتَ على نفسك يا شداد، فمن يختارُ أن يحتفظَ بقلبٍ جريجٍ في مخدعه، عليه أن يتحملَ وخزاتِ نصله.”
ابتسمت ابتسامةً خاليةً من أي دفء، وتابعت:
“ما دمتَ قد اخترتَ بقائي، فاستعدَّ لرؤيةِ ما يمكن أن تفعله امرأةٌ لا تملكُ ما تخسره، امرأةٌ تراقبُ خطواتك، وتسمعُ همساتك، وتنتظرُ أن يذيقك زمانك بعضاً مما أذقتني إياه. لقد حكمتَ عليَّ بالبقاء، ولكنك ستتمنى لو أنك تركتني أرحل.”
التفتت إلى الباب، ووضعت يدها عليه، وكأنها تلمسُ سلطة الشداد التي حاولت محاصرتها:
“سأكونُ ظلكَ الذي لا يغادر، ووجعك الذي لا يبرأ، والذكرى التي لن تتركك تتهنأ بعروسك أو بعرشك. سأكونُ هنا.. شاهدةً على كل لحظةِ ضعفٍ ستمرُّ بها، وسأكونُ أنا الجحيم الذي يسكنُ جنّتك.”
كانت شمسُ الصباحِ تتسللُ إلى الجناحِ بخجل، كأنها تحاولُ كسرَ وحشةِ المكان، حين قُطعَ هدوءُ الصباحِ بصوتِ قفلٍ يُفتح، ولم تكن خطواتِ الحراسِ الثقيلةَ التي اعتادتها شامة. انفرج البابُ عن “دادة رقية”، التي اندفعت إلى الداخلِ كأنما تُسابقُ الريح، وعيناها اللتانِ غشاهما كحلُ الزمانِ تفيضانِ بدمعٍ مكبوت. لم تنتظر إذناً، بل ارتمت في أحضانِ شامة بلهفةِ أمٍ رأت وليدتها بعد طولِ غياب، وهي تشهقُ بعبراتٍ غلبتها:
“يا بنيتي، يا لالة شامة.. واش كاين شي فرحة كبر من هادي؟ ربي هو اللي عالم بقلبي شحال كان كيتحرق عليك، وعمري ما ظنيت غدي يجي نهار ونقدر ندخل لبيتِك بلا إذن. اليوم بان الفجر، والسلطان –الله يهديه- حيد العساس اللي كان حاط، وقالي بلسان فمو: ‘اللالة شامة حرة تمشي وتجي’. يا ربي تكون هادي بداية الصلح، وتنسي علينا داك الضيق اللي دوزنا!”
تراجعت شامة بخطواتٍ وئيدة، وعيناها تجولان في الزوايا التي كانت بالأمسِ زنزانةً لا يجرؤُ طيرٌ على الاقتراب منها. كان الفراغُ عند العتبةِ شاهداً على تغييرٍ جذري، لكنَّ قلبها لم يهنأ. نظرت إلى رقية، التي كانت ترتشفُ فرحتها ببريقٍ عذب، وأجابتها بنبرةٍ امتزج فيها الحزمُ بمرارةِ الوعي:
“شوفي يا دادة، هادشي ماشي ساهل كيف كيبان ليك. هو عارف بلي السجن ما كيدير والو، وقرر يحل عليا الباب باش يشوف آش غدي ندير.. واش غدي نضعف ونرجع لعندو، ولا غدي نخرج نخطط ضدو. هو باغي يخرجني من الجناح باش يراقب تحركاتي، ويشوف واش قلبي مازال فيه ‘الحنين’ ولا تبدلات فيه ‘الغيرة’ لنار.”
التفتت شامة إلى خزانتها، تلك التي كانت مهجورةً منذ أيامِ انزوائها. لم تعد الألوانُ الباهتةُ تليقُ بها، فهي الآن لا تخرجُ لتطلبَ العفو، بل لتفرضَ حضورها. أخرجت رداءً من الحرير المنسوج بخيوطِ الذهب، بلونٍ عميقٍ كلونِ الليلِ في الصحراء، وطلبت من دادة رقية أن تساعدها في التزين.
بينما كانت دادة رقية تصففُ شعرها وتزينها بأبهى الحلي، كانت شامة تراقبُ انعكاسها في المرآة، ليس بزهو، بل بتركيزِ خبيرةٍ تعرفُ كيف تصيبُ الهدف.
دادة رقية (بإعجابٍ ورهبة):
“يا لالة، تبارك الله! رجعتِ تشعلي ضو. هاد اللبسة وهاد الزينة، راه غدي يخليو القصر كامل يهضر. ولكن يا بنتي، واش هاد الزين كامل، هو اللي غدي يقابل الضرات وداكشي اللي جرا فالسرايا؟”
نظرت شامة إلى نفسها، لمسةُ كحلٍ أخيرة على عينيها جعلت نظراتها حادةً كالنصل، ثم أجابتها
“هاد الزين يا دادة، ماشي للضرات، ولا لشي وحدة أخرى. هاد الزين هو ‘السلاح’ اللي غدي نخرج بيه، باش الشداد يولي كيشوفني فين ما مشى، وباش يولي كيسول راسو: ‘شكون هاد المرأة اللي خرجت من جناحي؟’. خاصو يحس بلي اللي كانت حبيستو، ولات هي اللي كتحبسو في نظراتها، بلا ما تنطق بكلمة.”
وقفت شامة بوقارٍ ملكي، وكأنها لم تكن يوماً تعاني من انكسار. سارت نحو الباب، وفتحتُه بهدوء. لم تخرج مسرعةً، بل خرجت بخطواتٍ متمهلة، توزعُ نظراتٍ ثاقبة على الخدم والجواري الذين تجمدوا في أماكنهم، مذهولين من عودة “شامة” بهذا البريق.
سارت شامة في أروقةِ القصر، كانت خُطاها موزونةً كأنها تعزفُ لحناً جنائزياً لهدوء السلطان. وعندما وصلت إلى البهوِ الرئيسي، حيثُ كانت شريفةُ تتوسطُ الجواري، توقفت فجأة. لم تلتفت، لم تُلقِ تحيةً، بل تعمدت أن تمشي بزهوٍ يشي بأنها لا تزالُ هي السيدة، وأن غيابها لم يكن سوى استراحةِ محاربٍ قبل العودة للسيطرة.
كانت تعلم أنَّ عيوناً كثيرة تترقبُ ردة فعلها، وأنَّ أخبارَ خروجها ستصلُ إلى مسامعِ الشداد في دقائق. ابتسمت لنفسها، وهي تدرك أنَّ “خروجها” هذا ليس مجرد نزهة، بل هو الخطوة الأولى في حربِ “الظلال” التي نذرت نفسها لها.
بمجرد أن خرجت شامة من الجناح، بخطواتها الواثقة وزينتها التي أعادت للقصر هيبته، كان “عبيبوش” يقبعُ في زاويةٍ قريبة، يراقبُ الباب الذي طالما كان مغلقاً في وجهه. وما إن وقعت عيناه عليها، حتى تحولت ملامحه التي كانت توحي بالشر والذكاء إلى تعبيرٍ طفولي يفيضُ فرحاً.
لم يمشِ، بل قفز قفزةً سريعة واندفع نحوها، يتسابقُ مع خطواته القصيرة ليقف أمامها، وقد لمعت عيناه بدموعٍ حقيقية ممزوجة بضحكةٍ خبيثة.
“لالة شامة! يا ربي تسمح ليا، واش هادي نتي؟ واش عيني كيشوفو لالة الناس خارجة من هاد الحبس؟ والله العظيم إلى القصر كان بحال شي دار بلا سقف، واليوم عاد رجعات ليه الروح!”
لم يكتفِ بالوقوف، بل أخذ يدور حولها كأنه حارسٌ صغير، يتفحصُ زينتها بفخرٍ لا يوصف، وكأنه هو من أخرجها بيده من ذاك الجناح.
عبيبوش (وهو يمسح عينيه بسرعة بيده، ثم يلتفت يميناً ويساراً بخوفٍ متصنع):
“شوفي فيا يا لالة، شحال توحشت هاد الطلة! راه الحراس فاش شافوكِ خرجات عيونهم من بلاصتهم، ما صدقوش بلي ‘شامة العباسية’ رجعات تتمشى بيناتهم. واليوم.. اليوم خاصنا نوريوهم شكون اللي كيتحكم فهد القصر، ماشي غير شكون اللي كيسكن فيه!”
انحنى أمامها انحناءةً فيها الكثير من الاحترام الممزوج بـالفطنة ، ثم رفع رأسه بابتسامةٍ ماكرة وهو يغمز لها:
“غير قولي ليا يا لالة، فين باغية تبداي الحرب اليوم؟ واش نمشي نلعب على أعصاب شريفة، ولا نوجد شي مفاجأة للعروس الجديدة؟ أنا رهن إشارتك، وعيوني وودني واجدين باش نخدمو لالة شامة.”
كان عبيبوش يتدفق حماساً، وعيناه تلمعان كأنه يخطط لاختراق القصر كله في لحظة، لكن شامة، وبنظرةٍ واحدة حادة، أوقفت سيل كلماته. توقفت عن المشي، واستدارت إليه بوقارٍ يجعل كل من حولهما في العرصة يخفض بصره.
شامة (بنبرة هادئة، صارمة،
“عبيبوش، جمع راسك. لا هادي، لا ديك. دابا ماشي وقت ‘الخطة’ ولا وقت ‘الحرب’. دابا وقت نخليو كلشي يشوف بلي أنا رجعت، وبلي شامة واقفة على رجليها، لا محتاجة لفلان ولا لعلان.”
سكتت لحظة، وعيناها كانتا تراقبان زوايا العرصة، ثم أضافت وهي ترفع رأسها بشموخ:
“الخدم، الجواري، وحتى ‘مولاهم’.. خاصهم يحسو بلي أنا اللي كنتمشى فدنيتي، ومسوقة حتى لحد. أي حركة ناقصة دابا غتضيع علينا كلشي. تبعني بسكات، وخلي عينيك هما اللي يخدمو، بلا ما تحرك لسانك.”
عبيبوش (سكت فجأة، وحنى راسو بذكاء المطيع، وقال بصوت خافت):
“سمحي ليا يا لالة، راه الفرحة هي اللي خرجات هاد الهضرة. عندك الحق، الصمت أحيانا كيكون أقوى من السيف. أنا موراك، وعيوني فوسط راسي، واللي غيتحرك غيسمع غير صدى خطوتك.”
استأنفت شامة مشيتها، بخطواتٍ موزونة، وعبيبوش يتبعها باحترامٍ شديد، لكن عيونه كانت تتحرك في كل اتجاه، تلتقطُ الهمسات ونظرات الاستغراب والرهبة من كل من مروا بجانبهم. كانت تمشي كأنها في ملكوتها الخاص، لا تلتفتُ لأحد، وتترك للآخرين مهمة التساؤل عن سر هذا التحول.
بينما كانت شامة وعبيبوش يعبران ممرَّ “العرصة” المظلل بأشجار الليمون، اعترضتهما لالة اليازية. وقفت بوقارها المفتعل، محاطة بلفيفٍ من الجواري، ترتدي من الفخامة ما يجعل الشمس تنعكس على حليّها. ابتسمت ابتسامةً عريضة، وخطت نحو شامة بخطواتٍ وئيدة، ثم مدت يدها لتمسك بيد شامة بقوةٍ مبالغٍ فيها، كأنها تعصرُ جرحاً.
لالة اليازية (بصوتٍ ناعمٍ كالعسل
“يا كبدي يا شامة! شحال توحشناك فساحة القصر.. تبارك الله عليك، جيتي منورة بحال شي قمر خرج من الغيوم. ولكن.. شفتك خرجتِ متأخرة شوية، راه القصر تبدلات فيه الحوال، وولات فيه أفراح وأخبار ما كانتش فبالك.”
توقفت شامة عن المشي، وثبتت بصرها في عيني اليازية، بينما كان عبيبوش وراءها يزمجر بصمتٍ في صدره.
لالة اليازية (تابعت وهي تميل برأسها نحو شامة، بنبرةٍ تشبهُ تقطيرَ العسلِ فوق جرحٍ مفتوح):
“مسكينة يا بنتي، شحال داز عليك من تمارة ومحاين.. ولكن الله سبحانه، كيف كتعرفي، كيعطي على قد النية. شفتي ‘كنزة’؟ العروس الجديدة.. تبارك الله، ما شاء الله، جابت لسلطاننا جوج وليدات، كيشبهو ليه كأنهم فلقة د القمر. كنشوفهم في حضنه، كيتلعبو ويضحكو، وقلبي كيبرد.. راه الوليدات هما زينة الحياة، وهما اللي كيشدو الراجل فدارو، ماشي غير الجمال.”
اقتربت أكثر، وهمست في أذنها بصوتٍ أخفض، وكأنها تبوح لها بسرٍّ محبب:
“كان ربي يفتح عليك يا شامة، ولكن.. هاداك باب وربي سده عليك، وما يمكنش ليك تفتحي عاوتاني. كنزة دابا ولات هي اللي مالكة القلب والدار، وبالوليدات، راه ضمنات بلاصتها للأبد.. الله يرزقك الصبر يا بنتي، راه القصر بلا وليدات بحال شي شجر بلا ثمر، كيبقى غير زينة للعين، والشداد.. راه عيا ما يصبر على القحط.”
تراجعت اليازية قليلةً، وهي تنظر لشامة بنظرةٍ مشفقةٍ ظاهرها الرحمة وباطنها السخرية من عقم شامة، ثم أضافت:
“غير ما تكونيش قاصحة مع كنزة، راه الوليدات ما عندهم ذنب فشي حاجة، وكنزة مسكينة، حتى هي خدات بلاصتها اللي كتبها ليها الله.”
وقفت شامة، تتلقى طعنات لالة اليازية بابتسامةٍ باردة، كأنها صخرةٌ لا تهتز أمام أمواج البحر السامة. بلعت غصتها، وجمعت نار غضبها في قاع قلبها لتتحول إلى برودٍ جليديّ.
شامة (بنبرةٍ هادئة، رصينة، مليئة بالثقة
“يا لالة اليازية، كلامك بحال العسل، كيدخل للقلب وكيخلي وراه الحلاوة. كنزة الله يخلي ليها وليداتها، والدار دار السلطان، وما يملك إلا ما قسم ليه الله. ولكن.. الدنيا دوارة، واللي اليوم كيشوف راسو ملك الدنيا بوليداته، غدا يقدر يلقى راسو غريب، لأن السلطان الشداد، كيفما كتعرفي، قلبه بحال شي بير غريق، ما كيعرفو حد فين كيوصل، ولا لمن كيعطي الأمان.”
نظرت إليها بنظرةٍ عميقة أربكت اليازية قليلاً، ثم أضافت:
“شكراً على نصيحتك، خبيها عندك، راه الزمان باقي فيه بزاف ما يتقال، والقصر باقي فيه بزاف ما يتكشف.”
استدارت شامة بوقارٍ ملكي، وبينما كانت تهمُّ بالانصراف، تحرك طرف ثوبها، لتسقط من بين طيات قماشها ورقةٌ صغيرة مطوية بإحكام، استقرت على الرخام. لم تلتفت شامة، ولم تلاحظ، أو ربما لم تبالِ، ومضت في طريقها بخطواتٍ ثابتة، بينما سار عبيبوش خلفها مطأطئ الرأس في صمتٍ مريب.
توقفت لالة اليازية مكانها، عيناها معلقتان بتلك الورقة الصغيرة. انحنت بسرعة لتلتقطها، وفتحتها بيديها المرتجفتين. كانت الورقة تحملُ كلماتٍ بخطٍ متسارع، كلماتٍ لا تترك مجالاً للشك في معانيها:
“كن في الموعد عند استقرار القمر .. يا من لا يغيبُ عن ناظري.”
تجمدت لالة اليازية في مكانها، وجهها شاحب، والورقة في يدها تبدو كجمرةٍ تحرقُ أصابعها. نظرت إلى أثر شامة المبتعد في أروقة القصر، ثم إلى الرسالة، وضعت الورقة في كُمّها بخفة، ونظراتها تائهة بين الصدمة والذهول.
مضت شامة في طريقها، لم تلتفت، ولم يظهر على وجهها أي ارتباك. كان صمتها يملأ المكان، وكان عبيبوش يسير خلفها بملامحَ جامدة، لا توحي بشيء. اختفت شامة في أروقة القصر، تاركةً لالة اليازية وحيدةً مع سرٍّ قد يقلب كيان السلطنة رأساً على عقب.
كانت “العرصة” تنبض بخرير المياه، حين أقبلت “كنزة” بخطواتها الواثقة، ترتدي من الفخامة ما يشي بمكانتها الجديدة. كانت تسير بزهوٍ غافل، لا تعلم أن الأقدار وضعت في طريقها “شامة”، التي كانت تسيرُ بوقارٍ يكسوه الغموض.
توقفت “لبانة”، خادمة كنزة المقربة، فجأةً عن المشي. تجمدت في مكانها وظهر الشحوب على وجهها حين وقع بصرها على شامة. مالت بسرعة نحو كنزة، وهمست في أذنها بصوتٍ يملؤه الارتجاف:
“يا لالة.. هادي هي لالة الشامة.. اللي كان السلطان مغطي عليها.”
توقفت كنزة في مكانها، وانمحت ابتسامتها لتستبدل بفضولٍ حذر. تجمدت في مكانها، وعيناها تتفحصان تلك المرأة التي سُمع عنها الكثير، ولم يُرَ منها سوى الصمت.
وقبل أن تنبس كنزة بكلمة، تقدم “عبيبوش” بخطواته القصيرة السريعة، وقف أمام كنزة مباشرة، وبدأ يطوف حولها كأنه يفحص شيئاً غريباً في قصرٍ لا يعرفُ أصحابه. توقف أمامها، ورفع رأسه بملامحَ تفيضُ سخريةً وازدراءً، وقال بنبرةٍ حادةٍ مستفزة:
“يا لالة كنزة.. واش ولفتِ القصر شوية؟ واش عجبك الحال هنا؟ راه القصر كيبان زوين وهادي، ولكن.. راه الحيوط ديالو كيعرفو خبايا كبر بزاااف من هادشي اللي كتشوفيه فالمرايا. راه ماشي كل اللي لبس الحرير، عرف شكون اللي نسجو.. وماشي كل اللي سكن الجناح، عرف شكون اللي حفر الساس!”
أطلق ضحكةً قصيرة جافة، ثم أضاف بسخريةٍ لاذعة وهو يغمزُ لها:
“غير بشوية عليك، راه كاين فرق كبير بين ‘ضيفة’ جاية تونس الوقت، وبين ‘سيدة’ القصر اللي كانت ديما هنا.. ردي البال لا يغرك هاد الهدوء، راه العاصفة ديما كتبدا بسمعةٍ خفيفة فودن.”
وقفت كنزة مذهولة من جرأة هذا القزم، ونظراتها تنتقل من عبيبوش إلى شامة، التي ظلت صامتةً تماماً، تراقب الموقف بعينين كأنهما بحرٌ ساكن يخفي في أعماقه الغرق. لم تنطق شامة بكلمة، لم تلتفت، ولم تبتسم؛ كانت كأنها كيانٌ من عالمٍ آخر، نظراتها الثابتة جعلت كنزة تشعرُ فجأةً بضيقٍ في التنفس، وكأن الجدران قد ضاقت عليها.
تصلبت ملامح كنزة، وتلاشت آثار الارتباك، لتحل محلها نظرة حادة كالنصل. لم يرهبها قزمٌ ولا سخرية، بل زادتها استفزازات عبيبوش ثباتاً. لم تنظر إليه كقزم، بل كخادمٍ تجاوز حدوده، ورفعت رأسها بشموخٍ جعل “لبانة” تتراجع خطوةً للخلف خوفاً من العاصفة.
كنزة (بصوتٍ قوي، ثابت
“عبيبوش.. قريت بزاف فعيونك بلي لسانك سابق عقلك. القصر اه، ولفتو، ولفتو حيت دياري ومكاني، ماشي ضيفة كيف ما بغيتي تصور. والحرير اللي لابسة، راه الشداد هو اللي اختارو ليا،ايوا جمع راسك الخويدم نص شبر
اقتربت كنزة خطوة نحو عبيبوش، ولم تطرف لها عين، ثم أضافت بنبرةٍ لاذعة:
“بخصوص ‘الساس’ اللي حفرتيه، تهنى.. راه ولادي اللي في داري هما اللي كيأمنو الساس، ماشي الهضرة الخاوية والغمزات ديال القزم اللي كيقلب على بلاصتو فبلاصة ما كايناش ليه.
التفتت كنزة نحو شامة التي كانت تراقب بصمتٍ كأنه صمتُ القبور:
“هذا الخادم ديالك، خليه يربّي لسانو، راه القصر فيه اللي يربّي اللي ما ترباش.”
في تلك اللحظة، عمَّ صمتٌ ثقيلٌ جداً. عبيبوش، الذي اعتاد أن يرى الناس يرتجفون منه، وجد نفسه أمام امرأةٍ لا تهتز. ضحك ضحكةً خفيفة، مريبة، لا تحملُ غضباً بل تحملُ “تسلية”، وكأنه كان ينتظر منها هذا الرد بالضبط.
عبيبوش (وهو ينظر لشامة بابتسامةٍ خبيثة،
“تبارك الله.. بنت القبيلة خرجت ليها السنون! دابا عاد القصر غيبدا يغلي.”
التفتت شامة ببطءٍ شديد، نظرت إلى كنزة نظرةً طويلةً، لم تكن فيها إهانة، بل كانت نظرة “تقييم”، نظرة من يرى فريسةً بدأت تظهر مخالبها. لم تنطق شامة بحرف، لكن تلك النظرة كانت أشدَّ وطأةً من ألف كلمة. أومأت لعبيبوش برأسها، وكأنها تقول له: “كفى، لقد عرفتُ ما أردتُ معرفته”.
استدارت شامة ومضت، تاركةً كنزة في وسط العرصة، تحسُّ بنصرٍ مؤقت، لكن شيئاً ما في صمت شامة جعلها تشعرُ فجأةً بأنها قد وقعت في الفخ الذي كانت تخشاه دون أن تدري.
بقات كنزة فبلاصتها، أنفاسها طالعة نازلة ووجها باقي شاعل من الغضب والتحدي، بينما لبانة واقفة حداها، كترجف وكتشوف فجنبات العرصة بحال إلا خايفة الحيوط يسمعوها.
كنزة: شفتي لبانة؟ شفتي الزعامة ديال هاد القزم؟ كيهضر معايابحال الى هوا مول القصر! وشامة.. هاديك شامة اللي كيهضرو عليها، سكتات وخلات خويدمها كيطول عليا فلسانو.. واش كيسحاب ليها القصر ديال باها؟
لبانة ما جاوبتهاش دغيا، جرتها من يديها للجنب، بعيد على العيون، فواحد القنت مخبي تحت الشجر، ووجها ولا صفر بالخوف.
لبانة: يا لالة كنزة، الله يرضي عليك، سكتي هاد الهضرة! راه ما عرفتيش مع من كنتِ كتهضري. راه شامة ماشي هي شريفة.. شريفة هضرتها فمها وباينة، ولكن شامة؟ شامة بحال الأفعى تحت الحرير.
قربات لبانة منها كثر، وصوتها ولا كيهمس غير بالجهد:
لبانة: لالة، القصر كلو كيعرف بلي شامة لا يستهان بها، وبلي عندها شيطان كيخدم ليها فصورة قزم. راه السكوت ديالها قبيلة ماشي حيت خافت منك، ولكن حيت كانت كتقيس شحال الجهد ديالك، وحيت شامة عمرها ما كتجاوب فلحظة الغضب، هي كتخليك حتى تطلقي كلشي، عاد كتقرر كيفاش تنهيك. نصيحتي ليك يا لالة.. تقاي شرها. شريفة كتدابز معاك على البلاصة، ولكن شامة.. شامة ممكن تخليك تخسري كلشي، بلا ما تحسي، وبلا ما تلمسيها. راه القصر كلو كان كيرجف فاش كانت هي هنا، وهاد الرجوع ديالها اليوم.. راه ما جاش غي هكاك. شامة رجعات باش تاخد تارها، وباش توري لكلشي بلي القصر كلو ما كيسوى والو قدامها.
كنزة وقفات، وبدات ديك الثقة الزائدة ديالها كتهز. تفكرت نظرة شامة الأخيرة، ديك النظرة اللي ما كانتش فارغة بحال كيف ظنات فالبدية، بل كانت نظرة صائد كي درس حركات فريستو.
كنزة: كتهضري بحال إلا شامة شي سحارة.. أنا راه كنزة،مرتالسلطان، وبوليداتي كليت بلاصتي. إيلا كانت هي لفعة،انا اللي غنعرف كيفاش نقطع ليها راسها قبل ما توصل ليا.
ولكن، واخا هكاك، واخا كلمات كنزة قوية، كانت يديها كترجف وهي كتقاد ثوبها، وحست لأول مرة بلي صمت شامة كان ثقيل، وخلا فيها أثر ما قدرتوش تمحيه.
كنزة:قفقفتيني على واالو ..يخخ على نهار
دخلات لالة اليازية لجناحها وهي كترجف، سدات الباب بجهد كأنها باغية تحبس العالم برا. كانت الورقة في يدها بحال شي جمرة، وجها تبدل ولا صفر، وعينيها كيلمعو بواحد الخوف ممزوج بالحقد.
رمات الورقة على الطبلة الرخامية، وبدات كتمشى فطول الجناح وعرضو، بحال شي وحش محبوس فقفص.
اليازية: (كتكلم مع راسها بصوت عالي ومخنوق) واش هادشي حقيقة؟ واش هاد شامة خرجات غير باش تلاقى بشي حد وتخون الشداد؟ لا.. لا، هادي ماشي غير خيانة، هادي مصيبة! وإلا عرف السلطان بهادشي.. راه الدنيا غتقلب فالسلطنة كاملة.
بقات اليازية واقفة، والورقة فكف يدها، كاتشوف فالباب، عاد فجأة توقفت. تمسكات فالحافة دالطبلة، ونفسها بدا كينتظم.
اليازية: (كتفكر بصوت مسموع) لا.. الا مشيت دابا عند الشداد بالورقة، يقدر يظن بلي أنا اللي كنقلب على المشاكل، ولا بلي أنا اللي كنتجسس عليه. الا بغيت شامة تخرج من هاد القصر مطرودة، خاصني الجثة.. خاصني نشوف بعينيا شكون هاد اللي كتواطئ معاه.
صوبات شعرها، ودارت نداء للخادم ديالها الخاص، واحد الراجل كيتسما “حمودة”، معروف بالصمت ديالو والسرعة ديالو فالتجسس.
اليازية: حمودة.. اسمعني مزيان. شامة خرجات، ولكن رجعات للجناح ديالها. دابا، ما تغفلش عليها ولو للحظة. أي واحد دخل، أي واحد خرج، أي ورقة تلوحت، أي همسة تتقال، خاصها توصلني قبل ما يطيح الليل.
حمودة (بصوت خافت): علم، يا لالة.
اليازية: (وهي كاتعطيه نظرة ديال التهديد) ورد بالك، هاد المرة القضية فيها راسها، وما بغيت حتى غلط. الا شفتيها تلاقات بشي حد، أيا كان، قولي فين، وامتا، ومع من.
خرج حمودة وبدأ كينفذ الخطة ديالو، واليازية جلسات على الكرسي ديالها، ورجعات شافت فالرسالة، وابتسامة مسمومة راسمها على وجهها.
اليازية: خليكِ غادية فخيالك يا شامة، كملي راكي فالطريق الصحيح.
بدات اليازية كاتخيل الحدث اللي غتوقع فيه شامة، وكيفاش غتكون لحظة المواجهة قدام السلطان، وهي واثقة بلي عيون حمودة غتكون كافية باش تجيب ليها الحقيقة اللي تنهي بها الوجود ديال شامة فالقصر للأبد.
جلسات كنزة فـ “المقصورة” ديالها اللي كطل على العرصة، مخيرة بين شباك مخشب بالعرعار منقوش بنقشٍ بلدي دقيق. العشية كانت مائلة، والضوء ديال الشمس كيتسلل خيوط ذهبية كيتلعبو على الزليج البلدي اللي فـالروضة . قدامها محطوطة “الميدة” دالخشب، عليها براد أتاي مشحر، كطلع منو ريحة النعناع العبدي اللي كيسكر اللي شمو، ومعاه طبسيل دالحلوة داللوز مورية، وطبصيل دالتمر المجهول كيلمع بحال العقيق.
خدات كنزة كاس أتاي، شربات رشفة بمهل، وهي كتشوف فـ”العرصة” لتحت. كانت عينيها كيتمشاو فـكل قنت، كترصد الحركة. فجأة، بانت ليها شامة ماشية، وعبيبوش تابعها بخطواته القصيرة، كيدور راسو بحال شي صقر، كيشوف فـالخدم، كيعطي إشارة هنا، وكيغير مسار شامة بحركة من يدو لهيه.
فـديك اللحظة، طاح الضو على كلشي. كنزة ما بقاتش كتشوف غير خادم، شافت “اليد” اللي كتحرك الجسد. شافت كيفاش شامة كتعطي الإشارة غير بالعين، وكيفاش عبيبوش كينفذ بلا ما يتكلم. استوعبات الحقيقة: عبيبوش ماشي غير خادم، هو العقل، هو اللي كيسير اللعبة، وهو اللي كيربط الخيوط.
حطات الكاس فـالميدة، وصوت القعقعة ديالو مع الطبسيل كان هو الوحيد اللي كسر الصمت فالمقصورة. ملامح كنزة تبدلات، مابقاش فيها داك الضعف اللي كانت كتمثل، بل رجعات فيها وحدة من العيون ديال “بنات القبيلة” فاش كيشوفو الطريق الصحيح.
همسات مع راسها بصوت خافت:
آه.. هادي هي الساس. شامة بلي بلا عبيبوش، بحال شي طير بلا جناحات.
شربات رشفة أخرى دأتاي، وبدات كترسم الخطة فـعقلها. عرفات بلي باش تطيح القوة ديال شامة، خاصها تقطع يدها اليمنى. ما بقاتش كتشوف فـعبيبوش كخادم، بقات كتشوف فيه كـ “ثغرة”. إلا تشتت التواصل بيناتهم، إلا دخل الشك بين السيدة وخادمها، شامة غتولي بوحدها، وداك الساعة، يسهل تطويعها.
جمعات حوايجها، وقادات الوشاح ديالها، وعينيها مابقاوش كيرمشو من كثرة التركيز.
كنزة:
القصر كلو كيخاف من شامة، ولكن حتى واحد ما رد البال بلي شامة متكية ركيزة اللي هو عبيبوش. غدا، هاد الخادم غيولي هو اللي غيحرشها على راسو.. وما غيكونش عارف بلي كنزة هي اللي حكات الحجر باش تخرج النار.
سالات الكاس ديالها، ناضت بوقار، خلات كاس أتاي مريحة، وخرجات من المقصورة، وهي ناوية بلي عبيبوش، هاد “الشيطان” الصغير، غيولي هو أول حجرة غتطيح من الحيط اللي بانية عليه شامة مجدها.
كان الليل طايح على القصر بحال شي لحاف كحل، والسكون ما كيقطعه غير حس الريح اللي كيصفر فالممرات. حمودة، خادم اليازية، كان كيتسحب فالممرات بحال شي خيال. عينييه، اللي موالفين الضلمة، كانوا متبتين على جناح شامة. كان كيمشي غير بشوية، كيلصق فالحيوط، كيحاول يلقى شي ثغرة باش يسمع ولا يشوف شنو كيوقع لداخل.
وصل لواحد البلاصة مخبية، فين كاين الشباك دالجناح اللي كيجيب الريحة ديال البخور دالجوانب. وقف حمودة، حبس تنفسو، مخبي تحت واحد الشجرة دالياسمين اللي كانت كتعطي ريحة مجهدة دالليل. كان كيقرب ودنيه لجهة الشباك اللي كيدخل منو النور، كيحاول يلقط أي همسة ولا حس لداخل، كأنو شي صياد كيترصد غزال، كيحبس نفسو باش ما يسمعوهش، وكيحرك عينيه غير بمهل، كيمسح بيهم الجناح ديال شامة قنت بقنت.
داخل الجناح، كانت شامة كانت جالسة كتشوف فالمراية، كتحيد الخلخال من رجليها، وكتشوف فـدَدَة رقية فالمراية بنظرات هادية.
شامة (بصوت حنين فيه واحد النبرة دالطلب):
“دَدَة رقية، الله يرضي عليك، واش مازال فيك الجهد بعد هاد النهار الطويل؟ راه عييتك معايا بزاف
دَدَة رقية (بصوتها اللي كلو حرص وتفاني):
“ما كاين عيا يا لالة شامة، راكي عارفة،شحاال ماشفتك وتوحشششك ، ومنقدرش نخليك بوحدك من هنا لفوق. الدنيا غدارة
شامة (ضحكات ضحكة خفيفة، وحطات يديها على يد دَدَة):
“عارفة حرصك ومحبتك ليا يا دَدَة، ما كاين اللي يخاف عليا بحالك. ولكن، راه الليلة حاسّة بواحد الصداع فذاتي، بغيت غير نطلق شعري ونرتاح فخاطري، وبغيت نكون بوحدي..
دَدَة رقية (بقات كتشوف فيها بشك):
“بوحدك؟ لا يا لالة، والله منعاود نخليك وحدك
شامة (قاطعتها بلطف، وهي كتقرب عندها كأنها غتسر ليها شي سر):
“يا دَدَة، راه السلطان صيفط لي خبر بلي يقدر يجي يطل عليا فشي ساعة، مابغيتكش تحرجي ،،
كنبغي نكون بجمالي وبراحتي كيف كيبغيني. وزيدون، راه عندي واحد النذر بغيت ندوز هاد الليلة كاملة فـالقيام والذكر باش ربي يثبت لي مكانتي، وما كنبغيش اللي يقطع عليا الخلوة ديالي.”
دَدَة رقية (ترددات، وبدات كتحل فمها):
“ولكن يا لالة..”
شامة (زادت فـالنبرة ديالها دالجد):
“يا دَدَة، راه القصر كلو كيراقبو فيا، ما تزيديش تضيقي عليا حتى أنتي. يلا بغيتي مصلحتي، خلي لي هاد البيت لراسي هاد الليلة.. كاينين الحراس فالممر، وكاينين الخدم فكل بلاصة، ما غيوقع غير اللي كتبو الله. عافاك، ما ترفضي لي طلب، راني محتاجة لهاد الخلوة.”
دَدَة رقية شافت فـعيني شامة، لقات فيهم واحد الصرامة مغلفة بالحنّية، عرفات بلي شامة يلا بغات شي حاجة كتحققها، ولا صمات على حاجة ما كترجعش فيها.
دَدَة رقية (بقلة حيلة):
“لي بغيتي يا لالة.. الله يدير لي فيها الخير. غنكون غير فـالصالون دالجناح، إيلا احتاجيتي شي حاجة، غير ناديني، أنا موجودة.”
شامة (بابتسامة مرتاحة):
“الله يرضي عليك يا دَدَة، سيري دابا، ارتاحي، راكي عييتي.”
خرجت دَدَة رقية، وسدات شامة الباب وراها. غير سمعات صوت الخشخشة دالساروت، تبدلات ملامح شامة، ونزعات داك القناع دالهدوء.
شامة (هزات راسها فالهوا، وهمسات):
“دابا..غدوق طعم الخيانة بلسانك ، ونهار غنتعدم غنتعدم وانا ضاحكة ليك فوجهك
كان الليل وصل لـ “نصيص”، والقصر غارق فالسكون، ما كيقطعو غير حس العساس فالممرات ووقع الصبابط ديالهم على الزليج. “إدريس”، الحارس الشاب، كان كيتمشى فالممر اللي كيدوز من قدام جناح شامة. كان كيمشي ويجي، وعينيه بحال إلا كانو متبتين على الباب المخشب دالجناح، كأنو مغناطيس كيجذبه للداخل.
فجأة، تفتح الباب غير بضعة أصابع، وتسللات منو ريحة البخور داللبان والعود، وضو خافت دالشمعة بان فالممر بحال شي خيط ذهبي. شامة كانت واقفة تما، لابسة قفطان “جوهرة” ضاوي، وشعرها اللي كان مصفف بعناية كيعطيها هيبة دالملكات. ما قالت حتى كلمة، غير هزات عينيها فـإدريس بنظرة دابت فيها الحيرة والرجاء، نظرة خلاتو يحس بلي الدنيا توقفات فديك اللحظة.
إدريس حس بـ “سخفة” فذاتُ، وبواحد القوة خفية كتجر رجليه للباب. ما كانش عارف علاش كيمشي، ولا شنو باغي، كان غير عارف بلي خاصو يدخل. قرب للباب، وشامة رجعات اللور بخطوات بطيئة، كأنها كتدعوه للداخل بلا ما تنطق بحرف.
دخل إدريس، والباب تسد وراه بلا صوت. داخل الجناح، كانت الأجواء مختلفة كلياً، كأنو دخل لعالم آخر. شامة وقفات قدامو، مبتسمة بواحد الطريقة اللي خلاتو ينسى راسو فين كاين. كانت كتبان فـأجمل صورة، كأنها عروسة كتحتفل بليلة العمر، والضو دالشمع كيرقص على وجها الصافي.
شامة (بصوت حنين، كأنه نغم دالرباب):
“كنت عارفة بلي غتجي..”
إدريس وقف مسمار، عينيه كيشوفو فيها بذهول، بحال يلا كان فشي حلم وما بغاش يفيق. ما عرفش شنو يقول، ولا شنو يدير، كان بحال شي خيال تحكمات فيه الخيوط ديالها. شامة قربات منو، وبقات كتشوف فيه بديك الابتسامة الغامضة، إدريس (بصوت مبحوح، كأنو كيهضر من بعيد):
“لالة شامة.. ما عرفتش.. أنا غير كنت.. كنت كنعس..”
شامة قاطعاتو بلمسة خفيفة فكتفه، بقات كتشوف فيه بتقدير، وبدات كتدور عليه فـالجناح، بحال شي طاووس كيعرض ريشو. الحارس نسي الخدمة، نسي الحراس اللي فالممر، ونسي كاع اللي كيجري فبالو قبل ما يدخل. كان حاضر بجسدو، ولكن عقلو كان غايب فـعالمها، تحت سيطرة هاد اللحظة اللي ما كانش واجد ليها.
حمودة، اللي كان حاط عينه على الشباك ومخبّي راسو وسط الياسمين، كان كيتسنى يشوف شامة كتشرب أتاي بوحدها، ولا كتقرا شي ورقة سرية.. ولكن، اللي شافو خلاه ينسى راسو ويجرجر رجليه فالممر بحال شي مخبول.
حمودة ما بقاش كيشوف مزيان، دلك عينيه بيديه، ولكن الصورة بقات هي هي: حارس داخل لجناح “لالة شامة”، والباب تسد بـ “الرنة” ديال الساروت. حمودة حس بـ “السخفة” كتدور فيه، ماشي من الخوف، ولكن من “هول” اللي شاف. راه ماشي غير خيانة، راه “فضيحة” كتهدم عرش، وتطير روس!
ناض حمودة من بلاصتو بحال إلا مضروب بخجر مسموم مابقاش كيمشي على رجلو، ولا كيطير. وصل لجناح لالة اليازية، اللي كانت جالسة كتشرب كاس دالعصير دالرمان، وكتسنى الخبر اللي يبرد ليها غليلها.
دفع الباب بلا ما يستأذن، والمنظر ديالو كان يخلع: وجهو صفر، عينيه خارجين لبرا، وصدره كيطلع ويهبط بحال شي منفاخ.
حمودة (بصوت كلو رعشة، طاح على ركابيه قدامها):
“يا لالة.. يا لالة اليازية.. القصر.. القصر هدموه!”
اليازية نطات من بلاصتها، الكاس دالرمان طاح من يدها، تهرس وتشتت على الزليج بحال إلا بقعة دالدم. نطرات فيه وهي كترجف من الغضب:
“مالك يا حمودة؟ واش تسطيتي؟ شنو هاد الهضرة ديال الحمّاق؟”
حمودة (كيشير بصباعو اللي كيرجفو لجهة الجناح د شامة):
“شامة.. لالة شامة! دخلات الحارس للجناح ديالها.. شفتهم بعيني، الباب تسد عليهم، والضو دالشمعة بقات كترقص بوحدها!”
اليازية تجمدات فبلاصتها. الدم كلو هرب من وجها، وبقات كتشوف فالحيط، كأنها ما سمعاتش مزيان. عاودات دارت شافت فـحمودة، وعينيها كيشعلو بنار اللي ما كيبردها لا بحر لا سد.
اليازية تنفضات من بلاصتها، وقفات وقفة وحدة، وكأنها طالعة من قاع بير. ملامحها تبدلات، مابقاش فيها ديك اليازية الهادية، ولات “لبؤة” مجروحة. خرجات فالممر، كانت خطواتها ثقيلة وقوية، كأنها كتهرس الأرض تحت منها.
“يا الخائنة.. يا شامة.. يا اللي حسبتك غتشربي ليا السم، صدقتي أنتِ اللي غتشربي السيف!”
كانت اليازية كتمشى والموكب ديالها ديال الخادمات كيجريو موراها، وهي بحال إعصار غادي وكيكبر. ما كانتش غادية باش تسول، كانت غادية باش “تفضح” وتهدم كلشي فوق راس شامة. الخيانة العظيمة اللي كانت كتقلب عليها، ها هي قدام عينيها، وها هي الفرصة باش تقطع الحبل اللي كيربط شامة بالشداد.
حمودة كان تابعها، وهو حاس بلي الليلة غتكون “ليلة السقوط العظيم”.
سبقها كيجري لجناح شامة ووقف فالباب على برا باش يرصد اي حركة حتى توصل لاللة اليازية وبلا مايوصل خبار الكشف لشامة .
كان السلطان “الشداد” جالس فـ “خلوته”، الجو فيها كيدور بـ “العود القماري” اللي كيعطي للروح راحة. كان حاط قدامه أوراق الدولة، كيشوف فالحسابات والعهود، لابس جباذور من الكتان الرقيق وفعنقو سلسلة ذهبية كتبري مع ضوء الشمع.وفيدو خيط كحل لحرير مبروم ولويزة متوسطها صغيرة ، كان متجرد من لباس الفروسية ومهدن وكل تركيزو على المخطوطات لي قدامو كأنه كيرسم خطة او كيدرس لحرب مقبلة.
الضو دالشمع كان كيشعل ويطفي، والهدوء كان سيد المكان.
فجأة.. تلاشت السكينة. الباب الخشبي الثقيل لم يُفتح، بل “اقتُحم”. صوتُ ارتطامه بالجدار دوّى في الغرفة كأنّه انفجار.
دخلت اليازية. لم تدخل كمن يستأذن، بل دخلت كمن يملكُ الأرض ومن عليها. وجهها كان قناعاً من الجليد والحديد، عيناها، عيون “الأم” التي ترى ما لا يراه الآخرون، كانت تقدحُ شرراً لا يطفئه إلا الدم. توقفت في منتصف الخلوة، لم تنحنِ، لم تبتسم، بل وقفت شامخة، وفي نظرتها ثقةُ من يعرفُ “أصل الحكاية”.
الشداد لم يرمش. رفع رأسه ببطءٍ مرعب، حركةٌ كانت كافيةً لتجمد الدماء في عروق من في المكان. نظر إلى اليازية، لم يصرخ، ولم يسأل “لماذا”، بل قال بصوتٍ رخيمٍ، عميق، له وقعُ صليلِ السيوف على الدروع:
“أما كان في أروقةِ القصرِ من حائطٍ يستندُ عليه صمتكِ.. حتى جئتِ تكسرينَ هيبتي؟”
تقدمت اليازية نحوه بخطواتٍ موزونة، صدى خلعِها يترددُ في الغرفة كأنه دقّاتُ ساعةِ الموت. توقفت أمام الميدة، وضعت يدها عليها، وأمالت رأسها قليلاً كأنها تتفحص “ضعفاً” لا يراه غيرها.
“يا سلطانَ القصر.. جئتُ لأخبرك أن هيبةَ المكان قد سُرقت.. ومن خدرِ الخلوةِ، إلى جناحِ مَنْ أحللتَها في سويداءِ قلبك.”
توقفت الكلمات، وتركت الصمت ينهشُ أذن الشداد. نهض السلطان. كان وقوفه في حد ذاته مشهداً يملأ المكان بالرهبة. طالَ قامةً، عرضَ منكبين، وبنظرةٍ واحدةٍ حادةٍ كالنصل، جعلَ المكان يضيقُ باليازية.
“شامة؟”
نطق الاسم ببرودٍ جنائزي، صوته لم يهتز، لكن الهواء من حوله اهتزّ.
أومأت اليازية برأسها، ونظرةُ الانتصارِ تلوحُ في عينيها. استدار الشداد، لم يلتفت خلفه، لم يودع أوراقه، لم يتردد. خرج بخطواتٍ كانت تُسمع في القصر كأصواتِ خطواتِ الموت القادم. كان يمشي ببطءٍ، بوقارٍ متمرد حتى توقف امام الباب الخشبي.
وضع الشداد يده على المقبض الخشبي المزين بالنقوش، لكنه لم يدفع الباب.
ساد صمتٌ مطبق، صمتٌ جنائزي لا يقطعه إلا وجيب القلوب الخائفة في الممرات البعيدة. وفجأة، وبحركةٍ بالغة البطء، أزاح يده عن المقبض. لم تكن حركة ضعف، بل كانت حركة “صيادٍ” لا يريد أن يزعج فريسته قبل أن يطبق عليها.
أطبق الشداد شفتيه بإحكام، ثم استقام في وقفته، شاداً قامته التي ملأت الممر هيبة. في تلك اللحظة، تحولت جوارحه كلها إلى أذنين.
أمال رأسه قليلاً بحدة، وأغمض عينيه نصف إغماضة، كأنه يعزل ضجيج القصر كله ليركز فقط على ما يحدث خلف ذلك الخشب السميك. سكنت حركاته تماماً، حتى رداءه لم يعد يتحرك، وبدا كتمثالٍ من صخرٍ نُحت في قلب الممر.
كان القصر يهمس، لكن الشداد كان يلتقط أدق الترددات: حفيف أثواب، أنفاسٌ ثقيلة غير منتظمة، حركةٌ خفيفة خلف الستائر، أو ربما صوتُ اختناقٍ مكتوم.
وقف هناك، بهيبته المتمردة التي لا تقبل الخطأ، يرهف السمعَ بتركيزٍ مرعب. كل ذرة في كيانه كانت تترقب، كأن الزمن في تلك اللحظة انقسم إلى شطرين: ما قبل هذه اللحظة، وما سيليها من دمار.
سكتت الحركة في الممر، وتجمدت اليازية في مكانها، لا تجرؤ حتى على التنفس، تراقبُ “السلطان” وهو يتصيدُ بصمتهِ الحقيقةَ التي توشك أن تظهر
وفجأة.. انكسر حاجز الصمت.
صوتُ شامة تسللَ إلى الخارج، خافتٌ، متموجٌ كأنه يخرج من قاع بئر، نبرةٌ مليئةٌ بالدلالِ والتمرد، تتحدثُ وكأنها تناجي ظلاً أمامها.
“لا شيءَ في هذا الكونِ يهمُّ الآن، سوى دفءِ أنفاسِكَ التي تلامسُ روحي.”
ثم تبعتها ضحكةٌ قصيرة، ناعمةٌ كخيطِ حرير، أتبعتها بكلماتٍ كانت أشدَّ وقعاً من صاعقةٍ على قلبِ الشدّاد، وهي تهمسُ وكأنها تُداعبُ خصلاتِ شعرِ مَن أمامها:
خذني إليكَ، فما أنا إلا كينونةٌ ذابت في وجدِكَ
تجمدت الدماءُ في عروقِ الشدّاد. لم تكن خيانةً سياسية، بل كانت استباحةً لكيانِهِ، وسخريةً مُبينةً من مقامِهِ كرجلٍ. في تلك اللحظة، تحولت ملامحُهُ إلى قناعٍ من الصخرِ الصّلد. لم يعد الغضبُ صراخاً، بل صار بركاناً خامداً يغلي خلفَ عينيهِ الجاحظتين.
ببطءٍ شديد، وبحركةٍ مفعمةٍ بالوقارِ المرعب، رفعَ يدَهُ اليمنى، وبسطَ أصابعَهُ على سطحِ الباب، لا كمن يطرقُ، بل كمن يفرضُ سطوتَهُ على المكان. استقرت يدهُ، وتجمّدَ جسدُهُ. لم يكن ينتظرُ إذناً، كان فقط يمهلُ الأقدارَ ثوانيها الأخيرة.
انفجر الباب الخشبي الضخم تحت وطأة دفعة السلطان “الشدّاد” وكأنه لم يكن سوى خشبٍ هشّ؛ دوّى صوت ارتطامه بالجدران ليرجَّ أركان الجناح. دخل السلطان بخطواتٍ واسعة، كأنّ الأرض تتقاصرُ تحت قدميهِ غضباً. كانت وقفته توحي بهيبةِ مَلِكٍ أُهينت كرامتُه، وعيناهُ تقدحانِ شرراً لا يُبقي ولا يذر.
خلفهُ، اندفعت “اليازية” كإعصارٍ لاهث، تتبعها الخادمات والخدم، تتسارعُ أنفاسُهم ووجوههم شاحبةٌ من هولِ ما يتوقعون رؤيتَهُ.
توقفَ “الشدّاد” فجأة في وسطِ الجناح، سكنَ جسدُه كتمثالٍ من صخر. في تلك اللحظة، حدثَ شيءٌ غريب؛ أطبقَ فكّيه، وأغمضَ عينيهِ قليلاً، ثم اتسعت منخراه بقوةٍ مفرطة، يستنشقُ هواءَ الغرفة في “شهقةٍ” واحدةٍ عميقةٍ ومريعة، وكأنه يمتصُّ كلَّ ذرةِ أكسجينٍ، وكلَّ أثرٍ لرائحةٍ غريبةٍ في المكان، ليحفظَ أثرَ الخيانةِ في جوفِه، ليُجففَ أنفاسَ الغرفةِ في شمّةٍ واحدةٍ استباحت كلَّ ما في المكان.
فتحت عيناهُ بحدةٍ، وتحركت نظراتُه كالنصلِ المسموم، لتستقرَّ مباشرةً على الفراش.. وهنا، تجمدَ الزمن ،وشهقت الانفس من هول المنضر المخل بالحياء لاقصى حدوده
لم يكن هناك حارس، ولم يكن هناك رجلٌ يشاركها الخلوة. كانت “شامة” ممددةً على بطنِها، في وضعيةٍ توحي بكلِّ أنواعِ الدلال، ترتدي ثوباً حريرياً خفيفاً وفاضحاً ينسدلُ على جسدِها كأنه قطرةُ ماء، وشعرُها المنسدلُ يغطي جزءاً من ظهرِها العاري. كانت تمسكُ كتاباً بيدها، وتتلو بعضَ الكلمات بصوتٍ رخيمٍ، مُهدهدٍ، ومُشبعٍ بالأنوثة، تقرأُ ما فيهِ جهراً، غافلةً تماماً عن الإعصارِ الذي اقتحمَ خصوصيتَها.
تسمّرَ السلطان في مكانِه، اتسعت حدقتا عينيهِ من هولِ الصدمةِ التي فاقت كلَّ توقعاتِه؛ صدمةُ الغدرِ التي تحولت إلى مشهدِ “عزلةٍ” لا يُفهمُ كُنهُها. اليازية التي وصلت لتوّها، تجمدت هي الأخرى، وابتلعت ريقها بصعوبة، وقد تلاشى لونُ الانتصارِ من وجهِها، وحلَّ محلَّه ارتباكٌ قاتل.
خيمَ صمتٌ ثقيلٌ جداً، لا يكسرُه سوى صوتِ “شامة” الرخيم وهي تقرأُ الكلمةَ الأخيرةَ من جملتِها، قبل أن ترفعَ رأسَها ببطء، وتلتقي عيناها بعيني “الشدّاد” الذي كان يقفُ فوقَها كجبلٍ من الغضبِ والذهول.. عارٍ من أيِّ ذريعة، ومُحاصرٍ في قلبِ اللغز.
تجمد المشهد. السلطان “الشدّاد” لا يزال مسماراً في مكانه، أنفاسه المكتومة بدأت تتحول إلى زفيرٍ حادٍ يملأ الغرفة، وعيناه لا تبرحانِ الجسدَ الممددَ أمامه.
انتفضت كأنما لسعتها أفعى. حين التفتت ورأت السلطان، واليازية، والخدام خلفهم، سقط الكتابُ من يدها ليصطدمَ بالزليجِ بصوتٍ مكتوم.
في تلك اللحظة، انكشفت “الفضيحة” بشكلٍ آخر تماماً. لم تكن خيانةً مع رجلٍ، بل كانت خيانةً أشدَّ وقعاً على كرامةِ السلطان.. كانت “شامة” بجمالها الآسرِ، بذاك الثوبِ الحريري الرقيق الذي لا يكادُ يسترُ شيئاً، كاشفاً عن مفاتنِها وانحناءاتِ جسدِها بطريقةٍ أثارت في المكانِ رهبةً من نوعٍ آخر.
انتفضتْ شامة، ووجهُها اشتعلَ حمرةً لم يسبقْ أن رُؤيت عليها. غطتْ جسدَها بذراعيها، وأخذت تلتفتُ حولها بذعرٍ وذهول، تبحثُ بعينيها المضطربتين عن أيّ شيءٍ تسترُ بهِ جسدَها الذي انكشفَ أمامَ الجميع.
صاحت بصوتٍ مخنوقٍ، يقطرُ خجلاً وانكساراً:
“أنا.. أنا.. لا.. لا أحد.. كيف.. كيف دخلتم؟”
الشداد، الذي كان يتهيأُ لإراقةِ الدماء، تبدلَ بركانُ غضبهِ بذهولٍ قاتل. وقعُ بصرِهِ على “شامة” بتلك الهيئة، وهي تلملمُ أطرافَ ثوبِها بخجلٍ مفرط، جعلَ صرامتَهُ تهتزُّ. اليازية، التي كانت تتوقعُ خيانةً مع “رجل”، تراجعت إلى الوراء، وقد عقدَ لسانَها الحياءُ من هولِ المشهد، وشعرتْ أنَّ فعلتَها بإقحامِ السلطانِ هنا قد ارتدت عليها كخطيئةٍ لا تُغتفر.
سادَ سكونٌ مُرعب، لكنهُ لم يعد سكونَ غضبٍ، بل سكونَ خزيٍ عام. الخدّام، الذين كانوا يتبعون اليازية، خفضوا رؤوسهم بسرعةٍ وكأنَّ الأرضَ انشقت وابتلعتهم ، وتراجعوا إلى الممرِ الواحد تلو الآخر، يهرولون بعيداً عن الجناحِ وكأنهم يفرّون من حريق.
بقي “الشدّاد” واقفاً، نظرَ إلى اليازية بنظرةٍ احتقارٍ عميقة، نظرةٌ جعلتْها ترتجفُ وتتراجعُ هي الأخرى، تاركةً المكانَ يغرقُ في خجلٍ مفرط.
شامة لا تزالُ تحاولُ جمعَ شتاتِ ثوبِها، عيناها مبللتانِ بالدمعِ الذي خلطَ بينَ الخوفِ والندم. نظرَ إليها الشدادُ، وفي عينيهِ تلاشت نيرانُ الغضبِ لتحلَّ محلَّها نظرةُ “ندمٍ” مبكر، وكأنه يرى في ارتعادِها شيئاً كسرَ جبروتَهُ في تلك اللحظة.
أدارَ الشدادُ ظهرَهُ ببطءٍ شديد، صوتهُ حينَ تكلمَ كان مبحوحاً، ثقيلاً بوزنِ الندمِ الذي بدأ ينهشُ قلبَهُ:
“اخرجوا.. الجميع.. اخرجوا من هنا فوراً!”
أغلقَ البابَ خلفَهُ، تاركاً خلفهُ صمتاً لا يقطعه إلا صوتُ أنفاسِ “شامة” المتهدجة، وصوتُ ارتعاشِ جسدِها الذي لم يتوقف.
أطبقَ البابُ الخشبيُّ الثقيلُ بصوتٍ مكتوم، تاركاً إياهما في سكونٍ يضجُّ بالتوتر. لم يتبقَّ في الجناحِ أحد؛ فقد تلاشت اليازيةُ وخُدّامُها كأنهم طيفٌ لا أثرَ له، ولم يبقَ إلا الشدّاد، واقفاً كطودٍ شامخٍ في وسطِ الغرفة، وشامة، التي كانت لا تزالُ ترتجفُ على حافةِ الفراش، تلملمُ شتاتَ ثوبِها الحريريِّ المبتذل، ونظراتُها المذعورةُ لا تفارقهُ.
كانَ الصمتُ في الغرفةِ ثقيلاً، كأنّهُ جدارٌ لا يُخترق. الشدّادُ لم يتحرك، ظلَّت عيناهُ معلقتينِ بجسدِها، بتفاصيلِها، وبالكتابِ الذي سقطَ منها على الأرضِ كشاهدٍ على لحظةِ الطمأنينةِ التي ذُبحتْ بالاقتحام. كانَ في عينيهِ مزيجٌ من الذهولِ القاتلِ والندمِ الذي بدأ ينهشُ كبرياءَهُ كالسوس.
قالت “شامة” بصوتٍ متهدج، يرتجفُ بمرارةِ الإهانةِ والخزي:
“أهذا ما أتيتَ لأجلِهِ؟.. أن تكسرَ حصني وتُهينَ شرفي أمامَ من لا يرحم؟”
لم يجبها الشدّاد. تقدمَ خطوةً واحدة، كانت وقعتُها على الأرضِ توحي بمدى ثقلِ الندمِ الذي يحملهُ في صدره. اقتربَ منها حتى صارَ يقفُ قبالةَ فراشِها، وانحنى بجذعهِ قليلاً، لكنَّ عينيهِ كانتا لا تزالانِ تفتشانِ في وجهِها عن ذرةِ “غدرٍ” تبررُ حماقتَهُ، فلم يجدْ إلا وجهَ امرأةٍ انتُهكت عزلتُها بقسوة.
استقامَ الشدّادُ في وقفتِهِ، ونطقَ بصوتٍ خافتٍ، مبحوحٍ، لم تعتدهُ شامة من قبل:
“لم أكنْ أبحثُ عن غدركِ يا شامة.. كنتُ أبحثُ عن شيءٍ يثبتُ لي أنني لستُ مخدوعاً في كلِّ شيء. لقد أسمعوني وشايةً جمدت الدمَ في عروقي.. والآن، حينَ نظرتُ إليكِ، لم أرَ إلا حماقتي.”
نهضت شامةُ ببطءٍ متثاقل، وقد سحبت وشاحاً آخرَ حولَ كتفيها، مُستعيدةً جزءاً من وقارها الذي خُدش. نظرت إليهِ مباشرةً، بعينينِ لم تعودا تعرفانِ الخوف، بل تشبعتا بالتحقيرِ الصامتِ للموقفِ كلّه:
“والمخادعُ هو مَن يصدقُ الوشاةَ على حسابِ مَن شاركتهُ أنفاسَهُ؟! هه ااه نسيت ! فأنا الخائنة في نضرك فما الغريب في الامر !
تراجعَ الشدّادُ إلى الوراء، وكأنَّ كلماتها كانت ضرباتِ سيفٍ مسموم. تلاشت هيبتُه تماماً في تلك اللحظة، وبدا أمامها كرجُلٍ مهزومٍ في ميدانِ معركتِهِ الخاصة.
“لقد سقطتُ يا شامة..” همسَ وهو يغطي وجهَهُ بيدهِ للحظةٍ، ثم أردفَ بحسرةٍ واضحة: “سقطتُ في نظرِ نفسي قبلَ أن أسقطَ في نظركِ. والآن، أخبريني.. أيُّ ثمنٍ يُغسلُ عارَ هذهِ اللحظةِ من ذاكرتِك؟”
وقفت شامةُ أمامه، بوقفةٍ مليئةٍ بالكبرياءِ الذي لا يلين، وعيناها اللتانِ كانتا مبللتينِ بالدمعِ، بدأت تلمعانِ ببريقٍ مُرعبٍ لا يُنبئُ بخيرٍ لِمَن تسببَ في هذا الموقف.
قالت بصوتٍ واهن، لكنه يحمل قوةً لا تقهر:
“أتسألني عن الثمن؟.. أتظنُ أنَّ ما انكسرَ يُجبرُ بالاعتذار؟”
خطت نحوه ببطء، وتوقفت على مسافةٍ قريبة جداً، وعيناها تلمعان بدمعٍ كبرياءٍ جاف، وأردفت:
“لقد أهنتني يا شدّاد. لم تكتفِ باقتحامِ خلوتي، بل جعلتني فرجةً لمن لا يرحم، وعرضتَ حُرمتي التي هي أغلى ما أملكُ أمامَ أعينِ الخدمِ والجواري. لقد أريتَهم من جسدي ما لم يكنْ لأحدٍ أن يراهُ سواك، وفي تلك اللحظة.. لم تكنْ أنتَ مَن انكسرَ كبرياؤه، بل كانت كرامتي أنا التي ذُبحت على أعتابِ هذا الجناح.”
تراجع الشداد خطوةً، كأنه يتلقى صفعة، لكنها أكملت دون أن تمنحه فرصةً للرد:
“ظننتَ أنني خائنة، وهذا أهونُ عليَّ من أن أكتشفَ أنَّ الذي ائتمنتهُ على روحي، هو أوّلُ مَن يبيعُ سِتري في سوقِ الشك. كيفَ سأنظرُ إليكَ بعدَ اليوم؟
أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتهما بتحدٍ بارد:
“لقد قتلتَ شيئاً في داخلي يا شدّاد.. شيئاً كان يُسمّى الوفاء. فكيفَ أكونُ وفيةً لمن جعلَ سترِي مشاعاً للناظرين؟ لقد جعلتَ المسافةَ بيننا الآن أبعدَ من أن تقطعها جيوشك، وأعمقَ من أن يملأها ندمُكَ المتأخر.”
تنهدت بعمق، وكانت نبرتُها هذه المرة حازمةً، لا تقبلُ الجدال، حين قالت بمرارة:
“لذا، لا تطلبْ مني الصفحَ، بل امنحني حُريتي بعيداً عن هذا القصر. اطلب لي النفي.. ففي منفايَ سأجدُ كرامتي التي دفنتَها أنتَ اليوم، وفي غربتي سأكونُ أكثرَ أماناً من أن أعيشَ تحتَ سقفِ رجلٍ يرى في خلوتي ساحةً للحرب.”
وقعَت كلماتها على الشداد كحكمِ إعدامٍ أُلقيَ على قلبِهِ. لم يكن يتوقعُ أنَّ “العتاب” سيتحولُ إلى طلبٍ لـ “النفي”، وأنَّ رغبتَهُ في إثباتِ شرفه ستؤدي إلى خسارتهِ للأبد.
سادَ في الغرفةِ صمتٌ ثقيلٌ، وكأنَّ الجدرانَ نفسها احتبست أنفاسَها. “الشدّاد” ظلَّ واقفاً في مكانِهِ، لكنَّ جسدَهُ الذي كان يوماً حصناً منيعاً، بدا في تلك اللحظةِ كأنَّهُ انهارَ من الداخل.
رفعَ “الشدّاد” رأسَهُ ببطء، وكانت عيناهُ المتقدتانِ غضباً قد تحولتا إلى عينينِ غارقتين في انكسارٍ لم يسبقْ أن رآه أحدٌ في السلطان. اقتربَ منها خطوة، لكنهُ توقفَ حين رأى في عينيها انكماشاً لا إرادياً، كأنها تحاولُ حمايةَ بقايا روحِها من وجودِهِ.
وقف طويلاً، ثم قال بصوتٍ رخيمٍ، عميق، وهادئ لدرجة المرعبة:
“ستنالينَ ما طلبتِ.. ولكنَّ القصرَ لا يُغادرُه أحدٌ إلا بأمري، وتعودُ إليهِ الأرواحُ حينَ أشاء.”
أدار ظهره لها بوقارٍ ملكيّ، لم يتركْ وراءه اعتذاراً ولا تبريراً، وكأنَّ كلماتها التي جرحت كبرياءه لم تكن سوى هواءٍ عابر. خرج من الغرفة بخطواتٍ موزونةٍ لا تشوبها شائبة، تاركاً شامة غارقة في صمتها، وفي حيرةٍ من معنى كلماته؛ هل وافقَ على نفيها كعقابٍ لهما معاً، أم أنه يمهدُ لقرارٍ لا تدركُ أبعادهُ بعد؟
بمجرد أن استقرَّ صوتُ ارتطامِ البابِ الخشبيِّ الثقيلِ في إطاره، واختفت وقعُ خطواتِ السلطانِ “الشدّاد” في الممر، تحولت الغرفةُ فجأة من ساحةٍ للمواجهةِ والحزنِ إلى مسرحٍ لانتصارٍ مُريب.
جلست “شامة” على طرفِ الفراشِ ببطءٍ شديد، تلاشت تماماً تلك الرعشةُ التي كانت تظاهرُ بها أمامَهُ، وجفتْ تلك الدموعُ التي كانت تُعززُ موقفَها. وضعت يدها على صدرها لتسكنَ أنفاسها، ثم رخت ملامحها القاسية لتتحولَ تدريجياً إلى شيءٍ آخر.. بدأت تعضُّ على شفتيها السُفلى بقوة، وكأنها تكبحُ صرخةَ طربٍ مكتومة، أو كأنها تتذوقُ طعمَ النصرِ الذي انتزعتهُ من قلبِ الجبروت.
فجأة، انطلقت ضحكةٌ صامتة، بدأت في أعماقِ صدرها كاهتزازٍ خفيفٍ، ثم اتسعت لتتحولَ إلى ضحكٍ جنونيٍّ مكتوم. كانت شامة تضحكُ بجسدِها كله، تهتزُّ كتفاها في سكونٍ تام، وعيناها اللتانِ كانتا منذ لحظاتٍ تفيضانِ انكساراً، أصبحتا تلمعانِ ببريقٍ مُظلمٍ ومُخيف، بريقِ امرأةٍ تدركُ أنها تلاعبت بالسلطانِ الأكبرِ وجعلتهُ يرحلُ وهو يشعرُ بالهزيمة، رغمَ قناعِ وقارِهِ.
كانت تضحكُ في الصمت، ضحكاً لا صوتَ له، يترددُ صداه في أركانِ الغرفةِ المظلمة، ضحكاً يحملُ في طياته كلَّ سنواتِ الكبتِ والدهاء. مسحت وجهها بكفها، ثم نظرت إلى البابِ المغلق بنظرة انتصار ، وكأنها تقولُ للغرفةِ بأكملها: “لقد خرجَ مهزوماً.. وأنا هنا، لا أزالُ أحكم.”
استمرت في ضحكِها الجنونيِّ الصامت، تعضُّ على شفتيها حتى كادت تدميها، وهي تستشعرُ القوةَ التي ولدت في تلك اللحظة؛
دخلت لالة اليازية لجناحها كالإعصار، لكنه إعصارٌ محطم. لم تنتظر حتى يغلق الباب، بل ألقتهُ خلفها بقوةٍ جنونية لدرجة أن زجاج النافذة اهتز. كانت أنفاسها متقطعة، ووجهها، الذي كانت ملامحهُ قبل دقائق تفيضُ بالشماتة والانتصار، تحول إلى قناعٍ شاحبٍ يقطرُ خوفاً ورعباً.
رمت بوشاحها الفاخر على الأرض، وبدأت تمشي ذهاباً وإياباً في الغرفة كالمسحورة. يداها كانتا ترتجفانِ بشكلٍ هستيري، وكلما حاولت أن تستوعب ما حدث، كانت تزيدُ رعباً.
“يا ويلي.. يا ويلي على ما فعلتُ بيدي!”
همست بها لنفسها وهي تضعُ يديها على رأسها، وكأنها تريدُ خنقَ الأفكارِ التي بدأت تنهشُ عقلها. المشهدُ لا يفارقُ مخيلتها: السلطان وهو يقتحم، شامة وهي ممددةٌ بذاك اللباسِ الفاضح، النظرة التي رماها الشداد في عينيها حين تأكد أن لا “رجل” في الغرفة.
توقفت فجأة أمام المرآة. نظرت لنفسها، لم ترَ سلطانةً، بل رأت امرأةً تلاعبت بالنارِ وأحرقت ثوبها.
“لقد أريتُه إياها.. أريتُه مفاتنَها.. ظننتُ أنني سأهينُها، فإذا بي جعلتُه يرى من شامةٍ ما لم يكن يراهُ في خلوته!”
تذكرت نظرة “الشداد” لها حين خرجت من الجناح، نظرة الاحتقار الباردة التي جمدت الدم في عروقها. أدركت أنَّ “اللعبة” انتهت، وأنَّ شامة، ببرودها وخجلها المصطنع أو الحقيقي، ربحت الورقة الرابحة.
أخذت تتنفسُ بصعوبة، وصوتُ “الضحك المكتوم” الذي خيل إليها أنها سمعته وهي تغادر الجناح (أو ربما هو مجرد وسواسٍ من فرطِ خوفها) بدأ يتردد في أذنيها. أدركت أنَّ “شامة” ليست ضحية، بل أفعى كانت تنتظرُ لحظةً كهذهِ لتكشفَ غباءَ اليازية أمام السلطان.
بدأت تمشي في الغرفة كالمجنونة، تجمعُ خصلاتِ شعرها، ثم تطلقها، وهي تحدثُ نفسها بصوتٍ خافت:
“لن يتركني.. ابنُ قلبي سيذبحني ببرودهِ قبل سيفه. لقد حطمتُ هيبتَهُ، وجعلتُه يرى ما لا يليقُ بغيره.. يا شامة.. يا لُعنةَ هذا القصر!”
جلست على أريكتها، وبدأت تعضُّ على أظافرها من الخوف. هي الآن تعلمُ يقيناً أنَّ كلَّ خطوةٍ ستخطوها خارج هذا الجناح ستكون تحت مجهرِ السلطان، وأنَّ حياتَها في القصرِ أصبحت معلقةً بخيطٍ رفيع، خيطٍ تمسكهُ “شامة” من داخل غرفتها، وهي الآن تجلسُ بانتصارٍ وتنتظرُ الثمن.
بمجرد أن خرج الشدّاد من جناح “شامة”، لم يجد نفسه يتجه إلى قاعة العرش أو إلى غرفته، بل قادته قدماه – دون وعيٍ منه – إلى جناح “لالة اليازية”. كان قلبه يغلي بمرارةٍ لا تُحتمل؛ فالإهانة التي شعر بها لم تكن من شامة، بل من “الخديعة” التي استدرجته إليها أمه.
دخل الشدّاد دون استئذان. كان الباب يرتجفُ تحت وطأة دفعته القوية.
وجدت اليازية نفسها أمام “إعصار” لا يرحم. كانت لا تزال على حالتها، شعرها المبعثر وعيناها اللتان ملأهما الذعر، لكنها حين رأت السلطان يدخل، تجمدت في مكانها، محاولةً استجماع بقايا هيبتها.
الشدّاد وقف في وسط الغرفة، لم ينطق بكلمة في البداية. كان ينظر إليها بنظرةٍ جعلتها تتراجعُ حتى اصطدمت بمسندِ أريكتها.
“هل كنتِ ترغبينَ في رؤيةِ سقوطِها؟”
سأل الشدّاد بصوتٍ منخفضٍ، مسمومٍ بالهدوء، وهو يخطو نحوها خطوةً بطيئة.
اليازية (بصوتٍ مرتجف، تحاولُ التماسك):
“يا بني.. لقد كان واجبي أن أحميك، أن أفتحَ عينيكَ على ما يُحاكُ خلفَ ظهركَ.. لقد خفتُ عليكَ من…”
قاطعها الشدّاد بصرخةٍ مكتومة، لكنها زلزلت الغرفة:
“كفى!”
اقترب منها حتى أصبح في مواجهتها تماماً. كان يراها الآن، ليس كأمه التي تربى في كنفها، بل كعدوٍّ جعل هيبتهُ أضحوكة.
“لم تحميني. لقد عريتِ قصري، وعريتِ هيبتي، وعريتِ حتى أسرارِ مخدعي أمامَ الخدمِ والحرس. هل تظنين أنَّ الناسَ سيتذكرون ‘خيانة شامة’ التي لم تكن موجودةً أصلاً؟ لا.. سيتذكرون أنَّ السلطانَ اقتحمَ جناحاً، فرأى عُريَ زوجتهِ أمامَهم جميعاً. لقد جعلتِني ‘ديّوثاً’ في نظري ونظرِ رعيّتي بسببِ وشايتكِ الكاذبة.”
اليازية (بدأت تبكي بمرارة، لا خوفاً من العقاب، بل قهراً من قسوته):
“لم أكن أعلم! أقسمُ لك.. الوشاةُ أكدوا لي، ظننتُ أنني سأنجيكَ من عارٍ أكبر!”
الشداد (بابتسامةٍ باردةٍ كالثلج، وعينينِ تلمعانِ ببريقِ احتقارٍ واضح):
“الوشاة؟.. أنتِ من أطعمكِ الوهم، وأنتِ من أطعمته لي. والآن، اسمعي جيداً.. لقد خسرتِ مكانتَكِ عندي في هذه اللحظة. منذ هذه اللحظة، لا تتدخلي في شؤوني، لا تراقبي أجنحتي، ولا تذكري اسمها على لسانكِ، وليست لك سلطة في القصر.
التفتَ الشدادُ ليخرج، وقبل أن يصلَ إلى الباب، توقفَ دون أن يلتفت:
“وإذا رأيتُ في عينيكِ مستقبلاً أيَّ نظرةِ شماتةٍ تجاهها، فاعلمي أنَّ النفيَ الذي طالبت بهِ ‘شامة’ لنفسِها.. سأطبقهُ عليكِ أنتِ، ولو كنتِ من كنتِ.”
بينما كان الشدّاد على وشكِ ملامسة مقبضِ الباب ليخرجَ من جناحِ والدتهِ، استجمعت “اليازية” ما تبقى من كبريائها الجريح، ووقفت بانتفاضةٍ مفاجئة. كانت ترتجف، لكن عينيها كانتا تلمعانِ ببريقِ “المظلوم” الذي يملكُ ورقةً أخيرة.
“قف! لا ترحلْ وأنتَ تحملُ عني صورةَ الظالمةِ التي تفتري على ابنِها!”
صوتها جعل الشدّاد يتسمرُ في مكانه. استدار إليها ببطء، بوجهٍ كالحجرِ الصلد. كانت “اليازية” تُخرجُ من ثنايا جلبابها قطعةً من الورق، مطويةً بعناية، تبدو عليها آثارُ العبثِ بها.
“هذه.. سقطت منها هذه لم تكن روايةً، ولا وشايةً من الوشاة.. كانت رسالةً.”
تقدمَ الشدّاد نحوها بخطواتٍ بطيئة، وكأنه يقتربُ من شيءٍ يُنذرُ بالخطر. سحبَ الرسالةَ من يدها، وفتحها تغيرت ملامح الشدّاد فجأة، وتصلّب جسده وهو يمعن النظر في الورقة. اليازية كانت تترقب نظرة الغضب، لكنها لمحت في عيني ابنها شيئاً آخر: “الاستخفاف”.
رفع الشدّاد نظره عن الورقة، ونظر إلى والدته بنظرةٍ باردة، خالية من أي شكٍ في “شامة”، بل مليئة بالشك في “نية” من قدمت له هذه الورقة.
الشدّاد (بصوتٍ منخفض، يقطرُ استعلاءً):
“تظنينني غريباً عن خَطِّ يديها؟ هذا ليس خطَّ شامة.. هذه محاولةٌ رخيصةٌ لتقليدِ حرفِها، بل إنها لا تُشبهُه في شيء.”
رمى الورقة على الطاولةِ بقوةٍ خفيفة، وضحك ضحكةً تهكمية جعلت اليازية ترتجفُ رعباً.
“يا لَهذا القصر! يُحاكُ فيهِ الغدرُ بوقاحةٍ حتى في تفاصيله. ظننتُ أنكِ تبحثين عن الحقيقة، فإذا بكِ تُحاولينَ تضليلي بورقةٍ لا قيمةَ لها.”
هنا، رغم أنه أعلن أنها ليست خطها، إلا أنَّ “بذرة الشك” قد زُرعت بالفعل، ليس في “شامة”، بل في “المحيطين به”. الشدّاد أمسك الورقة مرة أخرى، وأعاد فحصها بدقة، ليست حباً في شامة، بل حباً في كشف “اللاعب” الذي يظن أنه أذكى من السلطان.
الشدّاد (بصوتٍ يزأرُ في أعماقِ صدره، رغم هدوئه الظاهري):
“إن لم يكن خطَّها.. فمن الذي كتبها؟ ومن الذي أرادَ أن يوهمَني بوجودِ حارسٍ لا وجودَ له؟”
بدأ يتخبط؛ إذا كانت الرسالة مزورة، فهذا يعني أن هناك “مؤامرة” تُدار في الخفاء ضد شامة.. أو ضدّه هو. هل هناك من يريدُ إشعالَ نارٍ بينه وبين زوجته لغرضٍ ما؟
نظر إلى اليازية التي كانت تتلعثم، وبدأ الشدّاد يربط الخيوط؛ الوشاية التي جاءته، اقتحامهُ المفاجئ، ثم هذه الرسالة المزوّرة. أدرك أنَّ “الفخ” لم يكن لشامة وحدها، بل كان مصيدةً أُعدت له هو ليتصرف بحماقة.
الشدّاد (بنبرةٍ مرعبة، اقترب فيها من والدته حتى كادت أنفاسه تحرق وجهها):
“سأعرفُ من كتبَ هذا الزور. وإن اكتشفتُ أنَّ أحداً في هذا القصرِ تجرأ على تزويرِ حرفِ شامةٍ ليتلاعبَ بعقلي.. سأُطهرُ القصرَ من رؤوسٍ كثيرة.”
كان الشدّاد في تلك اللحظة لا يرى في والدتهِ “الأم”، بل كان يرى في هذا “الزور” خيانةً لمفهومِ الحُرمةِ الذي قامَ عليهِ مُلكه. توقفَ عند البابِ، ولم يلتفت، كان صوتهُ يتردد في أرجاء الجناح كحكمٍ من قاضٍ لا يرحم.
“لم تكتفي يا أماه بالوشاية، بل تجرأتِ على تزويرِ حرفِها.. لقد جعلتِ القصرَ سوقاً للفتن.”
التفتَ إليها ببطء، وعيناهُ لا تحملانِ أيَّ شعورٍ سوى الحزمِ القاسي.
“شامة طلبت النفيَ لِتَطهرَ من خزيٍ لم تكنْ سبباً فيه، وأنا اليومَ أُحققُ لها طلبَها.. ولكن بقرارٍ يخصُّكِ أنتِ.”
شهقت “اليازية” ويدها على صدرها، والذعرُ يملأُ عينيها: “ماذا تعني؟.. أتنفيني أنا؟ أنا أمك! أنا من أئتمنتك على هذا القصر!”
الشدّاد (بصوتٍ أجشّ، لا تردّد فيه):
“القصرُ لا يأمنُ مَن يزرعُ فيهِ الأفاعي، حتى وإن كانت من دمِي. من هذه الساعة، لن تكوني في هذا القصر. ستحزمينَ أمتعتكِ وتغادرينَ إلى قصرِنا القديم في الشمال
اليازية (تصرخُ بمرارة، وتتقدم نحوهُ بخطواتٍ متعثرة):
“أتنفي أمكَ من أجلِ امرأةٍ لا تعرفُ أصلها؟ أتعلمُ ما سيقوله الناس؟ سيقولون إن السلطان طرد أمه!”
الشدّاد (يقطعُ حديثها بصرامة):
“الناسُ سيعرفون أنَّ السلطانَ يُطهرُ بيتَهُ من الدسائس. لا تحاولي استعطافي، فقد كسرْتِ الخيطَ الذي كان يربطُني بالرحمةِ في هذا الأمر. النفيُ لكِ ليس عقاباً، بل هو الوسيلةُ الوحيدةُ لأحميَ ما تبقى من هيبةِ هذا البيت.”
أشارَ بيدهِ نحو البابِ إشارةً نهائية، ثم قال بنبرةٍ لا رجعةَ فيها:
“اذهبي.. قبل أن أغيرَ قراري وأجعلَ المنفى أقسى مما تظنين. والرسالةُ التي في يدي.. ستكونُ دليلي في البحثِ عن كاتبها، وإن عرفتُ أنهُ يدٌ تابعةٌ لكِ، فسيكونُ الحسابُ أمامَ اللهِ لا أمامي.”
خرجَ الشدّادُ تاركاً والدتهُ في صدمةٍ خانقة، وسطَ صمتِ الجناحِ الذي بدأ يتساقطُ فيهِ كلُّ شيءٍ كانت تظنُّ أنها تمتلكه.
عاد “الشدّاد” إلى خلوتهِ الخاصة، المكان الذي كان يظنُّه ملاذه، فإذا بهِ في تلك اللحظة سجنٌ لِأفكاره. أغلق البابَ خلفه بقوةٍ جعلت القناديلَ تتأرجحُ في أرجاء الغرفة، ثم جلس على عرشهِ الخشبيّ المنخفض، تنفسَ بعمق، محاولاً طردَ نيران الغضب التي كانت تشتعلُ في صدرهِ بعد مواجهتهِ مع والدته. جلس طويلاً، الصمتُ يغلفُ الغرفة، والظلالُ تتراقصُ على الجدران. لم يكن “الشدّاد” السلطانَ الذي يخشاهُ الجميع، بل كان رجلاً تائهًا في غابةٍ من الشكوك.
بعد أن هدأ فورهُ قليلاً، وتلاشت حدّةُ أنفاسهِ، مدَّ يدهُ إلى جيبهِ وأخرجَ تلك “الرسالة” المزوّرة.
بدأ يقرؤها ببطء، حرفاً حرفاً. كلما أمعنَ النظر، كان شيءٌ ما في داخلهِ يهمسُ له: هذه ليست خيانةً لشامة، بل خديعةٌ لي أنا.
لاحظَ أنَّ الكلماتِ المكتوبةَ ليست مجردَ إخبارٍ عن خيانة، بل هي “دعوةٌ” صريحةٌ ليُقتحمَ الجناح في ساعةٍ معينة. الرسالةُ لم تكن تصفُ اللقاءَ فحسب، بل كانت تُحرضُ عليه. تملّكهُ شعورٌ غريب: لماذا هذه الدقة؟ لماذا هذا الموعدُ تحديداً؟ ولماذا سقطت الرسالةُ بهذه السهولة لتقعَ في يدِ والدته؟
تغيرت نظراتُه تماماً. لم يعد يرى فيها خيانةَ زوجته، بل بدأ يرى فيها “خريطةً” لاستهدافهِ شخصياً.
أدرك أنَّ من كتبَ هذه الرسالة كان يعلمُ طبيعتهُ، يعلمُ مدى غيرتِهِ، ويعلمُ تماماً أنهُ سيقتحمُ الجناحَ دونَ تفكير. لقد أرادوا منهُ أن يظهرَ بمظهرِ الرجلِ الأرعن، السلطانِ الذي يقتحمُ حُرمةَ زوجتِه دون دليل، ليُحطموا صورته أمامَ القصرِ وأمامَ نفسه.
بدأ يربطُ الخيوطَ بذكاءٍ حاد:
الأخبارُ التي وصلت لليازية.
التوقيتُ المثاليُّ للاقتحام.
الرسالةُ المزوّرةُ التي كُتبت بخطٍ لا يشبهُ خطَّ شامة، لتُسقطَ السلطانَ في فخِّ “التسرع”.
أطبقَ قبضتَه على الورقةِ حتى كادت تتمزق. لم يكن غضبهُ موجهاً لشامة، بل كان موجهاً لذلك “الخفي” الذي تجرأ على التلاعبِ بعقلهِ ومكانته. شامة لم تكن إلا “طُعماً” في هذه اللعبة، وسقطت هي الأخرى في الفخ، لكنها كانت الضحيةَ الأكبر.
بينما كان “الشدّاد” يحدق في الورقة، انقلبت موازين تفكيره في لحظة. بريقُ “المحارب” الذي كشف المخطط، خبا فجأة، وحلَّ محله بريقٌ آخر، بريقُ “الرجل” الذي يعرفُ امرأةَ قلبهِ جيداً.
تنهد الشدّاد تنهيدةً طويلة، وألقى بالرسالة على الطاولة الرخامية أمامَه. لم يعد يشكُّ في وجودِ مؤامرة، بل أصبحَ يشكُّ في “من” هي العقل المدبر الحقيقي خلفَ هذه الفوضى.
همسَ لنفسه بصوتٍ متهكم:
“أنا لا أبحثُ عن كاتبِ الرسالة.. أنا أبحثُ عن مُدبرِ المسرحية.”
بدأ يسترجعُ كلَّ تفصيلٍ صغير. كيف سقطت الرسالةُ بهذه السهولة من ثيابها؟ كيفَ كانت ممددةً بتلك الوضعيةِ التي “تستفز” الغيرة وتجذبُ العين؟دلك الصوت المدلل في وقت الاقتحام؟ اصددام الاحداث في وقت واحد ؟ لايمكن ان يكون صدفة؟!
أدرك أنَّ شامة لم تكن ضحيةً لهذا الفخ، بل ربما هي مَن “صممت” أجزاءً منهُ لتجعلَ “اليازية” تسقطُ في هاويةِ غبائها وتكشفَ أوراقها.
“يا لكِ من أفعى..” قالها الشداد وهو يبتسم ابتسامةً باهتة لا تحملُ حباً، بل تحملُ تقديراً لخصمٍ ذكي.
أدرك الآن أنَّ “طلبَ النفي” لم يكن هروباً، بل كانَ حركةً دفاعيةً عبقرية؛ فهي تعلمُ أنَّ بقاءها في القصرِ سيجعلُ اليازية تعودُ لتدبيرِ المكائد، فقررت أن تجعلَها تخرجُ من القصرِ “مطرودةً” بأمرٍ سلطاني.
اتجهَ الشدّادُ نحو النافذةِ المطلةِ على باحةِ القصر، كانت عيناهُ تلمعانِ ببريقٍ مُرعب، بريقُ السيطرةِ الذي لا يرحم. لم يلتفت إلى الوراء، بل نادى بصوتٍ جهوريٍّ يضجُّ بالحزمِ والسطوةِ، وكأنَّ صدى صوتِهِ يهزُّ أركانَ الجناح:
“يا حُرّاس!”
انفتحَ البابُ بسرعةٍ خاطفة، ودخلَ كبيرُ الحُرّاس، مطأطئَ الرأسِ أمام هيبةِ السلطانِ المشتعلة.
أكملَ الشدّادُ كلامَهُ دونَ أن يلتفتَ إليه، وعيناهُ لا تزالانِ تراقبانِ المدى:
“أبلغوا ‘حسن الحاجب’ فوراً.. أرسلوه لي في الحال، وقولوا له: لا أريدُ تبريراتٍ ولا تأخيراً. عليهِ أن يأتي بـ ‘شيخِ الإسلام’ إلى جناحي هذا، في أسرعِ وقتٍ يسمحُ بهِ خيولُ القصر.”
انتفضَ الحارسُ بـ “سمعاً وطاعة يا مولاي”، ثم خرجَ يهرولُ بخطواتٍ متسارعة، بينما بقيَ الشدّادُ في مكانِهِ، يداهُ خلفَ ظهرِهِ، وقبضتاهُ مشدودتانِ لدرجةِ البياض.
لم يكن يريدُ ‘شيخَ الإسلام’ للوعظِ أو الصلاة، بل كانَ يخططُ لأمرٍ عظيم. أرادَ أن يقطعَ دابرَ هذهِ الفتنةِ “قانونياً وشرعياً” أمامَ الناس. فاستدعاؤه في هذا الوقتِ المتأخرِ من الليلِ يعني أنَّ هناكَ أمراً جللاً سيُعلنُ عنه، ربما قرارٌ يتعلقُ بالنفي، أو إثباتٌ براءة، أو ربما… “تصفيةٌ” نهائيةٌ لكلِّ ما حدثَ اليوم.
دخل “شيخ الإسلام” الجناح بخطواتٍ وئيدة، تعلو وجهه المهابة والوقار، يتبعهُ “حسن الحاجب” الذي كان يرتجفُ من هولِ الموقف، فقد كان يرى السلطان في حالةٍ من الغضبِ الهادئ الذي يُنذرُ بالعواصف.
أشارَ الشدّادُ للحراسِ بالانصرافِ وأغلقَ البابَ بنفسه، ثم التفتَ إلى الشيخِ مباشرةً، دون مقدمات، وشرعَ في عرضِ ما حدث: من الوشاية، إلى اقتحامِ الجناح، إلى الرسالةِ المزوّرة التي كشفت لهُ أنَّ القصرَ صارَ مسرحاً لفتنةٍ لا تبقي ولا تذر، سادَ صمتٌ ثقيلٌ بينما كان الشيخُ يستمع، لا يقطعُ السلطانَ إلا بهزاتٍ خفيفةٍ من رأسهِ دلالةً على الفهم.
بعدما انتهى الشدّاد، وقفَ الشيخُ وواجهه بوقارٍ، وقال بصوتٍ رخيمٍ استقرَّ في زوايا الغرفة:
“يا مولاي، لقد أُبليتَ بفتنةٍ هي أشدُّ من القتل. وما أقدمتَ عليهِ من إبعادِ السيدةِ الوالدةِ لم يكن تقصيراً في حقِّ الأمومة، بل هو حمايةٌ لبيضةِ المُلكِ ودفعٌ للفسادِ قبل أن يستشري. إنَّ ‘سلطانَ العدل’ هو من يقدمُ حقَّ الأمةِ والمصلحةِ العامةِ على عاطفةِ الابنِ الخاصة.”
اقترب الشيخُ منهُ قليلاً، وأردفَ بكلامٍ جعلَ الشدّاد يستقيمُ في وقفتهِ، وكأنهُ يستمدُّ منهُ شرعيةً لقرارهِ القاسي:
“إنَّ العدلَ يا مولاي ليسَ دائماً رقيقاً، فالجراحُ التي تُصيبُ الجسدَ لا يُعالجها إلا الكيّ، ولو كان في ذلك ألمٌ للموضع. تصرفُكَ هذا ليسَ ظلماً، بل هو ‘تطهيرٌ’ لبيتِ الحُكم. فالسلطانُ لا يملكُ قلبهُ حينَ يتعلقُ الأمرُ بالحق، ومن يضعُ العاطفةَ أمامَ المصلحةِ فقد أضاعَ الرعية. أنتَ اليومَ لستَ ابناً يغضب، أنتَ ‘ظلُّ الله في أرضه’ الذي يقيمُ الميزانَ ولو على أقربِ الناسِ إليه.”
أغمضَ الشدّادُ عينيهِ للحظة، وكأنَّ كلماتِ الشيخِ قد وضعت بلسماً على كبريائهِ المجروح. كان يحتاجُ لهذا التأكيد، لهذا الغطاءِ الشرعيِّ الذي يحولهُ في نظرِ الناسِ –وفي نظرِ نفسه– من ابنٍ عاقٍ إلى سلطانٍ عادلٍ يضحي بأغلى ما يملكُ لأجلِ استقرارِ مملكته.
فتحَ الشدّادُ عينيه، وقد زالَ عنهما أيُّ أثرٍ للتردد، وقالَ بصوتٍ جهوريٍّ يملؤه الثبات:
“إذن، القرارُ نافذ. لن تغادرَ الوالدةُ القصرَ كأمٍّ معزولة، بل ستخرجُ ‘بأمرِ السلطان’ لترتيباتٍ تتعلقُ بأمنِ القصرِ، وهذا ما سيعلمُ بهِ الناس. أما أنتَ يا شيخ، فكن شاهداً على أنني ما فعلتُ هذا لهوىً في نفسي، بل حقناً لدماءِ الفتنةِ التي كادت تأكلنا.”
انحنى الشيخُ احتراماً، وأدرك الشدّاد أنَّ الورقةَ التي بيده –الرسالة المزوّرة– ستكونُ هي “صكُّ البراءة” أو “أداةُ الإدانة” في المرحلةِ القادمة، لكنَّ قرارهُ الأول بنفيِ أمهِ قد صارَ واقعاً لا رجعة فيه.
غادرَ “شيخ الإسلام” الغرفة، وبعد دقائق، فُتح البابُ من جديد لتدخل “شامة”. لم تكن تمشي كمن استُدعي للمثول أمام المحكمة، بل كملكةٍ تدخلُ شرفة قصرها في صباحٍ ندِيّ. كان ثوبُها بسيطاً، لكنَّ هيبتها كانت تغطي الغرفة بظلالٍ من القوةِ والهدوء.
وقفَ “الشدّاد” خلفَ مكتبه، والرسالةُ المزوّرةُ مطويةٌ أمامهُ كقنبلةٍ موقوتة. لم ينظر إليها مباشرة، بل انتظر حتى وقفت أمامه بمسافةٍ كافية، ثم قال بنبرةٍ باردة كالفولاذ:
“أرسلتُ في طلبكِ لا لأناقشَ النفي، بل لأناقشَ اللعبة.”
ضيّقَ “الشدّاد” عينيهِ، وخطا نحوها محاصراً إياها بنظراته: “هذه الورقة.. التي سقطت من ثيابكِ.
دليلُ خيانة، لكنني رأيتُ فيها ‘محاولة’ لا ‘حقيقة’. ومع ذلك.. ألا تعتقدين أنَّ وجودها معكِ، وبوصفِكِ أنتِ المستهدفة، يجعلكِ أولَ المشتبه بهم في حبكِ لهذهِ الفوضى؟”
لم ترتجف “شامة”. بل خطت هي الأخرى خطوةً نحو الأمام، بجرأةٍ جعلت “الشدّاد” يتوقف.
“الشكُّ رفيقُ الملوك، وأنا أحترمُ فيكَ هذا، يا شدّاد. لكنْ، دَع المنطقَ يحكمُ: لو أردتُ خيانةً، هل سأكتبُ رسالةً وأضعُها في ثوبي لأُسقِطها أمامَ أعدائي؟ أنا لستُ بهذا الغباء. ثم.. ألم تكن ‘اليازية’ هي من زرعَ الشكوكَ في رأسك منذُ أمد؟ ألم تكن أنتَ مَن سمحَ بالوشوشة في أذنِكَ ويجعلَكَ ترى عدواً في زوجتِكَ؟”
أشاحت بوجهها نحو النافذةِ وأكملت بنبرةٍ واثقة:
“لقد سألتني عن المسؤولية. أنا مَن تنازلَ عن القوةِ حينَ كانت في يدي، وأنا من ابتعدَ بإرادتي لا بضعفٍ، لأتركَ لكَ حريةَ القرار. هل من كانت تطمعُ في السلطةِ تفعلُ هذا؟ أنا لا أعرفُ شيئاً عن هذه الرسالة، ولا أقرُّ بخطّها، ومن زوّرها.. أرادَ أن يرى ‘الشدّاد’ وهو يذبحُ زوجتَه بيديه، ليخلوَ له الجوُّ في قصرٍ سقطت فيهِ هيبتُه.”
حاولَ “الشدّاد” محاصرتها: “أنتِ داهيةٌ يا شامة.. دهاؤكِ هذا هو ما يجعلني أشكُّ أنكِ انت من حبكتِ اللعبة!
ردت بسرعةٍ خاطفة، وبصوتٍ حادٍ كالشفرة:
“وإذا كنتُ أعلم؟ هل هذا يجعلني خائنة؟ أم يجعلني امرأةً تحمي نفسها من ‘الوشاة’ الذين لم يتركوا لي خياراً؟ اذا كان دفاعي عن نفسي هو ‘جريمة’، فلكَ أن تحكمَ بما تشاء. لكنني لم أزوّر، ولم أهنْ حُرمتي، ولم أخن عهدي معك.. والرسالة؟ اسأل عنها من وجدتها في ثوبي، فهي الوحيدة التي كانت تملكُ ‘الوصول’ لملابسي والعبث بأغراضي قبلَ دخولكم.”
نظرَ إليها طويلاً، كانت تقفُ بثباتٍ يُحرجُ جبروتَه. ابتسمت شامة، انحنت انحناءةً خفيفةً مليئةً بالدلالِ والشموخ، ثم همت بالخروج ، لاكن لم يكد باب الجناح يفتح ، حتى انفجرَ الشدّاد في المكان، لا صراخاً، بل صمتاً مريباً، ثم رمى بكرسيهِ بعيداً في غضبٍ مكبوت. توقف فجأة، يستعيدُ شريطَ تلك اللحظةِ المشؤومة التي لن تبارحَ ذاكرته.
توقفت شامة عند الباب اثر اصطدام الكرسي ،ثم التفتت الى الوراء . كانت تعلمُ أنها لم تنهِ اللعبة بعد، وأنَّ “الرجل” في الشدّاد يغلي خلف قناع “السلطان”.
عادت مرة أخرى بهدوئها المعهود.
نظر إليها الشدّاد، وهذه المرة لم تكن نظرةَ تحقيق، بل كانت نظرةَ رجلٍ مُحطمٍ من الداخل:
“تحدثتِ عن المنطقِ يا شامة، فليحكمِ المنطقُ إذن. كوني صادقةً معي هذه المرة، ولو لمرةٍ واحدة.”
اقتربَ منها حتى صارَ قريباً جداً، وهمسَ بصوتٍ يشبهُ حفيفَ الأفاعي:
“حينَ اقتحمتُ الجناح.. رأيتُكِ شبهَ عارية، ورأيتُ الخوفَ –أو التظاهرَ به– في عينيكِ. والأدهى.. أنني قبلَ أن أقتحم، سمعتُ ‘غزلاً’ يترددُ خلفَ الباب، صوتاً لم يكن صدىً، بل كان حقيقةً لمست أذنيَّ. هل من المنطقِ أن تكونَ هذه المصادفاتُ جميعاً عفوية؟ الرسالةُ، الوضعُ الفاضح، صوتُ الغزل.. كلها في توقيتٍ واحد؟ لا يا شامة، هذا لا يحدثُ إلا في مسرحيةٍ مكتوبةٍ بإحكام.”
لم تتراجع شامة هذه المرة، بل نظرت في عينيهِ مباشرة، بجرأةٍ لم يعهدها إلا في ساحاتِ القتال.
“ومتى كنتُ أنا امرأةً تتركُ أقدارَها للصدفِ يا شدّاد؟”
ساد صمتٌ خانق، ثم تابعت بصوتٍ منخفضٍ ومثير:
“أنتَ مَن علمني أنَّ القصرَ لا يأمنُ فيهِ إلا من يضربُ قبلَ أن يُضرب. نعم، كان هناك غزل، وكان هناك وضعٌ كاد أن يودي بحياتي. لكنكَ لا تسألني ‘هل خنتِ؟’، بل تسألني ‘من الذي يجرؤ على تهديدي في عقرِ داري؟’. ذلك الصوتُ الذي سمعتَه، وتلك الهيئةُ التي رأيتَني عليها.. كانت ‘فخاً’ نُصبَ لي لأكونَ أنا الضحية، فاستخدمتُ أنا الغباءَ المفرطَ لمن يحيطون بي لأحولَ ذلك الفخ إلى سكينٍ في نحرِ من أعدَّه.”
اقتربت منهُ أكثر، حتى تلاقت أنفاسهما، وأضافت:
“أنتَ رأيتَ في تلك اللحظة ‘خيانة’، وأنا رأيتُ فيها ‘نهايةً’ لكلِّ من يظنُّ أنني سأكونُ جاريةً في قفصِ الوشاة. إذا كان قَدري أن أظهرَ أمامك بهذا المنظر لأثبتَ براءتي من ‘خيانةٍ’ لم تكن موجودةً إلا في عقولهم.. فليكن. أنا لستُ نادمةً على ما رأيتَه، أنا نادمةٌ فقط لأنني لم أكن من بدأَ اللعبةَ منذُ زمنٍ بعيد.”
تجمدَ الشدّادُ في مكانه. كانت كلماتها كالخنجر الذي يغرس في الصدر، لكنه خنجرٌ يحملُ اعترافاً ضمنياً بقوتها ودهائها. هي لم تنفِ الترتيب، هي فقط غيرت “الهدف” من الترتيب.
الشداد (بابتسامةٍ مريرة):
“أنتِ شيطانٌ بملامحِ ملاك. لقد أعدتِ ترتيبَ الفضيحةِ لتكونَ طوقَ نجاة.”
شامة (بكل هدوء):
“السلطانُ هو من يحكمُ على الأفعال، أما المرأة.. فهي من تختارُ كيف تُفسرُ تلك الأفعال. الآن.. هل لا زلتَ تشكُّ في وفائي، أم أنكَ اكتشفتَ أنَّ خوفي الحقيقي ليس منك، بل من أن تضيعَ هيبتُك بسببِ ‘أوهام’ أمك؟”
خرجت الكلمة كالسهمِ الذي أصابَ قلبه. أدرك أن شامة قد انتزعت من يدهِ سلاح “الغيرة” وجعلتهُ عاجزاً عن التفكير، إلا في شيءٍ واحد: هذه المرأة.. هي وحدها من تستحقُ أن تقفَ بجانبه، أو أن تُدمرَ مملكته.
شعرَ “الشدّاد” وكأنَّ الأرضَ تضيقُ به. كانت كلماتُها مثلَ السياط التي تلسعُ كبرياءه. نظرَ إلى عينيها، فلم يجد فيهما ذرةَ انكسار، بل وجد فيهما بريقاً يطالبهُ بالاعترافِ بـ “خطئه”.
تراجعت شامة خطوةً إلى الوراء، وبنبرةٍ لا تخلو من عتابٍ مريرٍ مُغلفٍ بالوقار، قالت:
“ألم تكن أنتَ من علمني أنَّ جناحَ السلطانةِ هو أقدسُ مكانٍ في القصر؟ كنتُ في خلوتي، أبحثُ عن لحظةِ هدوءٍ بعيداً عن صخبِ الفتن.. فإذا بي أجدُ السلطانَ الذي أقسمَ على حمايتي، يقتحمُ مخدعي وهو محاطٌ بالخدم سكتت للحظة، ثم أكملت بحدة:
“ذنبُكَ يا شدّاد.. أنكَ سمحتَ للخدمِ والحشمِ أن يطأوا حُرمةَ مخدعي خلفَ خطاك. أنتَ من جعلتَ ‘فضيحتي’ -كما ظننتَها- مشاعاً، وأنتَ من جعلتَ الخدمَ يتفرجون على زوجتكِ وهي في أشدِّ لحظاتِ ضعفها. كان بإمكانك أن تأتي وحدك، كان بإمكانك أن تطرقَ البابَ كزوجٍ أو كسيد، لكنكَ اخترتَ أن تأتي كـ ‘جلادٍ’ وسطَ شهود.”
وضعت يدها على صدرها، وأكملت بصوتٍ خافت ومؤثر:
“أنا لم أكن عاريةً أمامَ الخيانة، أنا كنتُ عاريةً أمامَ ‘غدرِكَ’ حينَ صدقتَ فيّ كلامَ الأعداء. أنتَ من فضحتني يا شدّاد، وأنتَ من حوّلَ جناحَنا إلى ساحةٍ للعرض.. والآن، تُحاسبني على شيءٍ أنتَ من صنعَ تفاصيلَه؟”
أطبقَ الشدّادُ جفنيهِ بقوة، وكأنَّ كلامها هو الحقيقةُ المرة التي كان يهربُ منها. تذكرَ كيفَ دخلَ الجناح، وكيفَ كانَ الخدم يقفون خلفه، وكيفَ كانت النظراتُ تترصدُ كلَّ زاوية. أدرك أنَّ “الخطيئة” لم تكن منها، بل كانت في “طريقةِ مواجهتهِ” التي جعلت الفضيحةَ واقعاً لا يمحوهُ اعتذار.
فتح عينيه، ولم يجد ما يقوله. كانت “شامة” قد قلبت الأدوار تماماً؛ فبدلَ أن يكون هو القاضي الذي يُحاسب، أصبح هو المتهم الذي “هتكَ حرمةَ بيتهِ” بيده.
الشداد (بصوتٍ منهارِ القوة):
“أردتُ الحقيقة.. فجاءتني الحقيقةُ كخنجر.”
شامة (بصوتٍ أكثرَ ليونة، لكنه يحملُ تحذيراً):
“الحقيقةُ يا شدّاد، لا تُطلبُ بجنودٍ وحرس. الحقيقةُ تُطلبُ بالثقة.. وأنتَ اليومَ، خُذلتَ لا لأنني خنتُكَ، بل لأنكَ لم تكن يوماً واثقاً فيمن اخترتَ لتكونَ شريكةَ عمرك.”
يتبع
شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹