الرجوع إلى القصة
ليلة الخميس
الفصل 9 192 دقائق تقريباً 31/07/2026

الفضل 9

تغيرت نبرة “الشدّاد” فجأة، لم يعد ذلك السلطان المهزوز الذي يحاول الدفاع عن قراراته، بل عاد ليرتدي قناع السلطة الموحش. اقترب منها ببطء، وفي عينيه لمعةُ تحدٍّ بدأت تشعلُ “الصراع الحقيقي” بينهما.

“تريدين أن تحاسبيني على الحُرمةِ يا شامة؟” قالها بصوتٍ منخفضٍ مرعب، وهو يحيطُها بنظراته التي لم تعد تحملُ أيَّ أثرٍ للين. “الحُرمةُ تُصانُ حينَ يكونُ صاحبُ البيتِ مطمئناً، وأنا لم أعد مطمئناً منذ ان قطعت الوصال “

جحظت عيناها للحظة، لكنه لم يمهلها لتتحدث، بل تابع بضغطٍ على ذقنها، ليس بقسوة، بل بتمكّنٍ جعلها تشعر بوطأة كلماته:

“لقد لعبتِ أوراقكِ بذكاءٍ داهٍ. نعم، أمي غادرت، والخدم نُبذوا، وأصبحتِ أنتِ سيدةَ المشهد. لكن، هل ظننتِ أن ‘الشدّاد’ سيترك عرشه أو حياته رهينةً لذكاء امرأةٍ مهما بلغت من الدهاء؟ أنتِ الآن لستِ زوجةً في خلوة، أنتِ خصمٌ في ساحة حرب لا أقبل فيها إلا بالانتصار.”

شدّ على ذقنها، وأكمل والشررُ يتطايرُ من عينيه:

“لقد كانت أمي ‘عدواً’ ظاهراً، كنتُ أراها وأعرف كيف أواجهها. أما أنتِ.. فأنتِ ‘العدوُّ الذي يسكن تحت جلدي’. من هذه اللحظة، لن يكون بيننا لا مودة ولا عتاب. القصر سيصبح ميدان مراقبة دائمة. كل كلمةٍ تنطقينها، كل خطوةٍ تخطينها، وكل رسالة ستكون تحت مجهري.”

ابتسمت “شامة” ابتسامةً باهتة، رغم الألم الذي شعرت به من قبضته، وقالت بجرأة استفزازية:

“أهذا هو قرارك يا مولاي؟ أن تعيش في قصرٍ ممتلئ بالظنون فقط لأنك لم تعد تشعر بالطمأنينة التي فقدتَها بيدك؟ أنت لا تُحاربني، أنت تُحارب عقلك الذي لا يستطيع التوقف عن التفكير فيّ.. وفي طيفِ ذاك الوصال الذي تظن أنني قطعته.”

سحب “الشدّاد” يده وكأنه لمس ناراً. زاد التوتر بينهما لدرجة أن الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً، مشحوناً برغبة متناقضة: الرغبة في سحق الآخر، والرغبة في امتلاكه.

“سأريكِ كيف يُحارب السلطانُ من سولت لها نفسها أن تتلاعب بعقله.”

تغيرت ملامح الشدّاد في لمح البصر؛ تحول الغضب الساطع في عينيه إلى رغبةٍ جامحة، رغبةٍ ممزوجةٍ بالانتقام والرغبة في امتلاكها بالكامل، ليس فقط جسداً، بل إرادةً أيضاً. لم يعد الكلامُ يكفي ليفضَّ هذا الاشتباك المشتعل بينهما.

بسرعةِ المفترس، التفتَ وأغلق باب الجناح بمفتاحٍ صلب، ثم التفتَ إليها. كانت شامة لا تزال واقفةً بكبريائها، لكن أنفاسها تسارعت حين رأت نظرة “الشداد” تتغير.

بخطواتٍ واسعةٍ، اقتربَ منها. لم يمهلها حتى لتتنفس، بل قبضَ على معصميها بقوة، وجرّها نحو السرير الضخم. رماها فوق الوسائد الحريرية، وسقط فوقها كالجبلِ الذي لا يلين.

“تريدين الحصار؟” همسَ فوق شفتيها بصوتٍ يرجفُ من حدةِ المشاعر، “سأجعلكِ تحاصرين معي.. في كل تفصيلٍ من حياتك، حتى لا تعودي تفرقين بين انتقامي وبين عشقي.”

كانت شامة تتحدى غضبه، تلمعُ عيناها بانتصارٍ خفي؛ فهي تعلمُ أنَّ هذا “الهجوم” هو اعترافُه الوحيدُ بضعفهِ أمامها. قاومتهُ لحظةً بيديها على صدره، لا لتمنعه، بل لتزيدَ من اشتعالِ ناره، قبل أن تتركَ قبضتها تنهارُ على كتفيه، مستسلمةً لهذا “العقاب” الذي كانت تريده منذ البداية.

في تلك اللحظة، لم تعد الحربُ بينهما صراعاً على العرش أو على الرسائل، بل صارت صراعاً بين جسدينِ يغليانِ بمرارةِ الفراقِ الذي فرضه الشك. كان الشدّاد يعاشرها وكأنه يحاولُ محو “الشك” من ذاكرته، ويحاولُ أن يطبعَ وجوده في كل ذرةٍ من جسدها، ليتأكد أنها له وحده، وأن لا أحد سواه يمكنه أن يمتلك هذه “الأفعى” التي تسكنُ مخدعه.

شامة، ببراعةِ الأنثى التي تعرفُ كيف تروضُ السلطان، كانت تجذبهُ إليها بجنون، تهمسُ في أذنهِ بكلماتٍ لم يجرؤ أحدٌ على قولها له: “اكسرني.. إذا كنتَ تظنُّ أنَّ في الكسرِ امتلاكاً، فأنا سأكونُ القيدَ الذي لن تستطيعَ نزعهُ من عنقكَ أبداً.”

في تلك اللحظة، تلاشت حدودُ السلطة، وغابَ القصرُ، والرسائلُ، والوشاة. لم يبقَ إلا رجلٌ يحاولُ استعادةَ طمأنينتهِ المفقودة، وامرأةٌ تعرفُ أنَّ أعظمَ انتصارٍ لها ليس في كسبِ المعركة، بل في جعلِ عدوّها يركعُ أمامَها طالباً “الوصال” بدلاً من “الحرب”.

كان مشهداً يعجُّ بالتناقض؛ عنفُ اللقاءِ الذي يحملُ كلَّ أنواعِ الشوق، والهدوءُ الذي يسبقُ عاصفةً جديدةً، حيثُ يعلمُ كلاهما، في قرارةِ نفسِهما، أنَّ صباحَ الغدِ لن يكونَ كباقي الأيام، وأنَّ هذا الوصالَ قد أذابَ الجليدَ الذي كان بينهما، لكنه فتحَ باباً لصراعٍ أكثرَ عمقاً وخطورة.

انتهت “المعاشرة الشرسة” ليس كما يبدأ عادةً الهدوء، بل بانكسارٍ صامتٍ ملأ الغرفة. تراجعَ “الشدّاد” إلى الوراء، تاركاً “شامة” غارقةً في الوسائد، أنفاسهما كانت لا تزالُ تتسارع، لكنَّ نارَ الصراعِ تحولت إلى جمرٍ يوقدُ شيئاً آخر: الندمُ الممزوجُ بالتملك.

وقفَ الشدّادُ ببطء، لم ينظر إليها، بل اتجهَ نحو النافذة يراقبُ الظلامَ الخارجي.

. لقد أرادَ أن يكسرَها، فإذا بهِ يجدُ نفسَه قد كُسرَ أمامَ أنوثتها وقوتها في آنٍ واحد.

التفتَ إليها، كانت شامة لا تزالُ مستلقيةً، تنظرُ إلى السقفِ بعينينِ لم تفقدَا بريقَ التحدي، رغمَ استسلامِ جسدِها قبلَ قليل.

اقتربَ منها مجدداً، وجلسَ على حافةِ السرير. لم يلمسها، لكنه وضعَ يدهُ بالقربِ من يدها، وقال بصوتٍ أخفت من الهمس، “ظننتُ أنني سأخرجُ من هنا منتصراً.. فإذا بي أشعرُ أنني تركتُ فيكِ جزءاً مني، وأخذتُ منكِ شيئاً لم أعد أملكُ السيطرةَ عليه.”

التفتت شامةُ إليه، وبنظرةٍ تفيضُ بدهاءِ المرأةِ التي عرفت كيفَ تلمسُ قلبَ الوحش، قالت:

“أنتَ لم تكسرني يا شدّاد.. أنتَ فقط أكدتَ لنفسك أنني الوحيدةُ التي تجعلُكَ تفقدُ اتزانَكَ. أنتَ تريدُ محاربتي، لكنكَ لا تستطيعُ العيشَ من دوني. وهذا هو انتصاري الحقيقي.”

أغمضَ الشدّادُ عينيهِ،ومسح على لحيته . في تلك اللحظة، لم تعد هناك كلمات، ولا حاجة لمزيدٍ من الحروب. استلقى بجانبها، وضمَّها إليه بقوة، ليس كقائدٍ يضمُّ عدوّةً، بل كرجلٍ يعودُ أخيراً إلى موطنهِ الوحيد.

كانَ الهدوءُ الذي حلَّ بينهما هدوءاً ثقيلاً، مشحوناً بمعرفةِ الطرفينِ أنَّ صراعهما سيستمر، لكنَّ قواعدَ اللعبة قد تغيرت. لم يعد الصراعُ على “من يغلبُ من”، بل أصبحَ صراعاً على “كيفَ نعيشُ معاً دونَ أن ندمرَ بعضنا”.

أغمضت شامةُ عينيها وهي مستندةٌ على صدرهِ، تبتسمُ ابتسامةً خفيفةً في الظلام. لقد انتصرت، ليس بالسلاح، بل بكونها الوحيدة التي استطاعت أن تُنزلَ “السلطان” من عرشهِ إلى سريرِها، لتجعلهُ بشراً يخطئ، يشتاق، ويحتاج

بينما كان ضوءُ الفجرِ الأول يتسللُ عبر المشربياتِ الخشبية ليخطَّ خيوطاً من نورٍ على ملامحِ “شامة” النائمة على صدرهِ، كان “الشدّاد” مستيقظاً، عيناهُ تراقبانِ الفراغ. لم يكن يفكرُ في “الوصال”، بل كان يعيدُ ترتيبَ بيادقِ مملكتهِ التي اهتزت.

نهضَ ببطءٍ شديد، متجنباً إيقاظها، ووقف في وسطِ الجناح. كانت ثيابهُ التي خلعها في غمرةِ اشتعالِ ليلتهِ ملقاةً على الأرض، التقطَ رداءهُ السلطانيَّ وارتداه، وكأنه يرتدي “قناعه” من جديد. نظرَ إلى شامة وهي مستسلمةٌ للنوم، كان مشهداً يثيرُ في قلبهِ مزيجاً غريباً من “الحاجة”

خرجَ “الشدّاد” من الجناح تاركاً “شامة” تغط في نومٍ عميق، وتاركاً خلفه كل توترات الليلة الماضية. لم يتجه نحو “حسن الحاجب” ليأمر بتنفيذ النفي، بل سار في أروقة القصر بهدوءٍ مريب، وكأن شيئاً لم يكن. كان قرارهُ الذي اتخذه في لحظة غضبٍ قد تبخر، ليس ضعفاً منه، بل لأنه أدرك أن كسرَ والدته أمام أعين القصر سيهزُّ هيبة العرش أكثر مما سيحميه.

في المقابل، كانت “لالة اليازية” في جناحها، في حالة استنفارٍ لم تشهدها من قبل. جلست على عرشها الصغير، ظهرها مستقيم، وعيناها مثبتتان على الباب الخشبي الموشى بالنقوش. كانت تسمع حركات الحراس في الرواق، كل خطوةٍ تزيد من خفقان قلبها، وكل دقةٍ على الباب تظنها قد أتت لتنفيذ “القرار”.

مرَّت الساعات.. ثم الصباح.. ثم انتصف النهار.

لم يأتِ “حسن الحاجب”، ولم يأتِ الحراس، ولم يصدر أيُّ مرسومٍ سلطاني بنفيها.

زادت حدة توترها؛ ففي البداية ظنت أنها “مؤامرة” أو “هدوءٌ يسبق العاصفة”، لكن مع مرور الوقت، تحول خوفها إلى حيرةٍ ثم إلى غضبٍ مكتوم. كانت تتوقع منه أن يأتي ليواجهها، أو أن يطردها أمام الملأ لتعرف كيف تردّ الضربة، لكن صمتهُ كان بمثابة “تجاهلٍ مهين”.

وقفت في وسط الجناح، مشت بخطواتٍ مضطربة. نظرت من النافذة إلى باحة القصر، رأت الحراس في مواقعهم المعتادة، كأن لا شيء تغير.

“لماذا لا يتحرك؟” تمتمت وهي تعصرُ منديلها بين أصابعها. “أراد نفيي، ثم ابتلعَ كلمته؟ أم أنه ينتظرُ أن أزحفَ أنا إليه لأتوسلَ بقائي؟ لن يحدث.”

قررت “اليازية” ألا تخرج، وألا تسأل، وألا تظهر أيَّ ضعف. ظلت في جناحها، ترفضُ التحرك، ترفضُ الخضوع لانتظارٍ لا يعرفُ نهايته. كانت تُمارس “عناد الأم” في وجه “صلابة السلطان”. هي تعلم أن بقاءها في جناحها يعني أنها لا تزال موجودة، لا تزالُ قوية، وأن قرارهُ -إن وُجد- قد سقطَ في بحرِ صمته.

أما “الشداد”، ففي مكتبه، كان يمارسُ عمله اليومي كأن شيئاً لم يكن. لم يذكر النفي، ولم يسأل عن “اليازية”. كان يبتلعُ غيظه، ويراقبُ الموقف. كان يعلمُ أنها تنتظر، وأنها قلقة، وهذا بحد ذاته كان “عقاباً” يراه كافياً لهذه المرحلة. هو لم يلغِ النفي، هو فقط أجّلهُ إلى حين.. أو ربما تركها تعيشُ في سجنِ “انتظارِ العقاب” الذي لن يأتي، ليعرفَ مدى انهيار أعصابها تحت وطأة الصمت.

كانت هي تنتظرُ “النفي”، وهو يفرضُ عليها “الحيرة”. حربٌ باردة تدورُ في أروقة القصر، حيث لا أحد يجرؤ على كسر الصمت.

خرجت “شامة” من جناح الشداد بخطواتٍ سريعة، كأنها تحاول الهروب من طيفه الذي لا يزال عالقاً في أرجاء المكان. لم تكن تمشي بهدوئها المعهود؛ فثوبها كان مبعثراً قليلاً، وعيناها اللتان اعتادتا إخفاء كل شيء، كانتا تضجانِ بلهيبِ الغيظ.

حين وصلت إلى جناحها الخاص، دفعت الباب بقوةٍ جعلت وصيفتها تنتفضُ فزعاً. لم تلتفت لأحد، سارت مباشرة نحو “المرآة الكبيرة” في وسط الجناح. نظرت إلى انعكاس صورتها، وبدلاً من أن ترى “شامة الداهية”، رأت امرأةً تلوم نفسها على “الضعف” الذي أبدته ليلة أمس.

بدأت تمسحُ وجهها بقسوة، وكأنها تريد أن تمحو أثر تلك الليلة، أثر لمساته، وأثر كلماته.

“يا لكِ من حمقاء..” همست لنفسها بصوتٍ مبحوح يملؤه الاحتقار لذاتها. “كلُّ ذاك العناد، كلُّ تلك الحروب، كلُّ ذلك التخطيط.. انهارَ في لحظةِ ضعفٍ أمامَ نظرةٍ منه.”

لم تكن غاضبةً منه، بل كانت غاضبةً من كونها “بشراً” يضعف، غاضبةً لأنها فشلت في الحفاظ على “القناع” الذي كانت تلبسه لتواجهه. شعرت أن تلك الليلة جعلتها “مكشوفة” أمامه؛ فقد أثبتت له -دون أن تقصد- أنها ليست مجرد خصمٍ سياسي، بل امرأةٌ ترغبُ فيه بقدر ما تكرهُ قيودَه.

بدأت تتحرك في جناحها بجنون، ترتبُ الأشياء، ثم تبعثرها من جديد. كانت تريدُ العودة إلى “جناح الشداد” لتمزق كل ما يربطها به، لكنها في الوقت نفسه، تشعرُ برغبةٍ قاتلةٍ في مواجهتهِ الآن، ليس كعاشقة، بل كعدوٍ لا يرحم.

قالت وصيفتها بتردد: “مولاتي، هل أحضر لكِ الفطور؟”

التفتت إليها شامة بنظرةٍ حادة كالسيف، وقالت بصوتٍ أجوف:

“اخرجي. لا أريدُ أحداً هنا. لا أريدُ حتى أن أرى وجهي في هذه المرآة.”

بقيت وحيدة، وبدأت تمشي في الغرفة ذهاباً وإياباً. العناد الذي كانت تبنيه أصبح يبدو لها الآن هشاً كزجاجِ القصور. أدركت أن الشداد -بذكائه- قد قرأ “خسارتها” في تلك الليلة، وأنه الآن يراقبها من مكتبه، ربما يبتسمُ بانتصارٍ لأن “الأفعى” قد دُجنت أخيراً.

“لن أكون رهينةً لعاطفتي يا شداد..” قالتها وهي تقف أمام النافذة، تراقبُ “جناح اليازية” من بعيد، وتتخيلُ تلك الأمَّ تنتظرُ قرار النفي الذي لم يأتِ. “إذا كنتَ تظنُّ أنني سأصبحُ مجردَ ظلكَ في جناحي، فأنتَ لا تعرفُ شامة بعد.”

قررت في تلك اللحظة أنَّ الصمتَ قد انتهى. عليها أن تخرج، عليها أن تتحرك، ليس لتواجهه، بل لتثبتَ لنفسها أولاً، ثم له، أنها لا تزال تلك المرأة التي تخشاها الممالك.

تزربات “لوبانة” فالرواق، كتهز وتطوي، كتشوف يمين ويسار بحال يلا خايفة من ضلها. دخلات للجناح ديال “كنزة” بحال شي ريح، وجهها حمار بالخبار اللي جابت، والنهجة طالعة ونازلة فصدرها.

رمات راسها قدام “كنزة” اللي كانت جالسة كتقاد فزيف حياتها، وقالت بصوت مسموم ومخبي:

“يا لالة كنزة.. يا السعد المسعود! الصباح زوين والخبر ما يسرّش! داكشي اللي كنتِ خايفة منو وقع.. السلطان والشامة دازو الليل كامل مجموعين فجناح السلطان، وما خرجت حتى دابا عاد هاد الصباح!”

“كنزة” اللي كانت هازة كحلها باش تكحّل عينيها، حبسات يدها فالهوا. خرجات عينيها فيها، ودارت واحد الحركة بيديها بحال يلا كتقشع شي حاجة مسمومة، وقالت بنبرة فيها نبرة “بنات القبيلة” اللي كيعرفو قيمة راسهم وما كيتسوقوش للقيل والقال البلدي:

“وياك آ لوبانة؟ واش هادشي علاش جيتي كتنهجي؟ واش هاد الخبر اللي جيتي بيه توكّلي ليا بيه صباحي؟”

“لوبانة” بقات غير كتشوف ومصدومة، وكملات “كنزة” وهي كتشوف فيها باستحقار، وحركات راسها بواحد الطريقة بلدية ديال “ما عندي غرض”:

“شوفي آ لوبانة، وديريها حلقة فودنك: هاد الخبارات ديال ‘بات فجناح فلانة’ و’خرجت فلانة’.. هادشي ديريه فالبلاصة اللي جيتي منها. أنا ما بغيت ليا هاد السقاطة ما كنسمعها. شكون تشاور معاك؟ ومع من تشاوري أصلاً باش توصلي ليا هادشي؟ وشكون قال ليك أصلاً تجيبي ليا هاد السموم فهاد الصباح الزين؟”

نطرات فيها عينيها وقالت وهي كتقاد قفطانها بكل ثقة:

“أنا كنزة! ما كيردني لا ليل ولا نهار، ولا شامة ولا غيرها. اللي بغا يدير يدير، اللي بغا يبيت يبات. ما تزيديش تعاودي ليا هاد الهضرة، لحقاش إلا سمعت شي كلمة بحال هادي مرة أخرى، غادي نخرج فيك جنوني ديال هاد الخبارات المسمومة.. دابا، خرجي عليا من جناحي، وخلي الصباح يدوز بخير!”

“لوبانة” بقات كترجف، جمعات وقفتها وخرجات وهي كتتمتم، بينما “كنزة” رجعات تكحل عينيها ببرود أعصاب، كأن الخبر ما زاد فيها وما نقص.

لبسات “كنزة” قفطانها البلدي اللي مولفة، اللي كيخليها تتحرك على خاطرها، وقادات السبنية . تحزمات بـ “شبيكة” مزوقة، وخرجات من جناحها بحال يلا هي في دار باها، بابتسامة خفيفة وخطوات موزونة، ما هامها لا قواعد القصر لا مكانة مرت السلطان ، تمشات في ممرات القصر، كدوز من قدام الخدم والحراس، كتشوف فيهم وتهز راسها بواحد “التحية” بلدية خفيفة، بلا ما تقلب على شكون كبير وشكون صغير. عزيز عليها الحرية، وعزيز عليها تشم ريحة الورد والنعناع في الرياضات.

وصلات للعرصة الكبيرة،لقات تما عبيبوش اللي جالس كيهرس اللوز حدا واحد الخصة وياكل .

دازت حداه دايرة يدها على جنبها ، وهي كتحرك بليونة، وبدات كتدندن بواحد النغمة شعبية أصيلة، صوتها كيتحكم فالدقات ديالو:

“أصباح صباح ماليه.. هالملح والسير عليه..”

كتغني وتشوف فيه بنص عين وتقلب شنافيها

هرس لوزة وطير القشرة بيده الصغيرة بخفة، وقال بصوت فيه نبرة الاستفزاز الممزوجة بالضحك:

“الصباح صباح ماليه، واللوز كيبغي اللي يهضمو.. والخبر كيبغي اللي يبلعو. واش لالة كنزة جاية تهرس معانا اللوز، ولا جاية تسول علاش الجناح ديال السلطان بات شاعل هاد الليلة؟”

“كنزة” حبسات، وبقات كتشوف فيه بنص عين، وجهها ما تبدل فيه والو. قربات ليه، وحنات راسها شوية باش تجلس فمستواه حدا حرف الخصّة، وقالت بابتسامة خبيثة:

“اممم شلاااا وشلالي باش عمر جناح السلطان !

عبيبوش هرس لوزة أخرى بضربة وحدة، وقدم لـ “كنزة” لوزة مقشرة بيده الصغيرة، وعينيه كيلمعو بالذكاء:

“أنا كنشوف من التحت يا لالة، والتحت هو اللي كيبان فيه كلشي. السلطان دخل اللي دخل، والباب تسد، والصباح خرج.. والكل كيسول: كنزة فينها من هاد اللعبة؟ واش نتي أصلاً كاينا فالحساب ولا غير ضل دايز فالممرات؟”

“كنزة” ضيقات عينيها، هاد القزم الصغير كيعرف يضرب فالموضع الحساس. قربات ليه كثر، وهمسات بكلمات خلات ابتسامته تجماد واللوزة اللي في يده توقف:

“كنزة هاهيا قدامك ! غزااالة منورة شهوة مني . ما مزاحما فحسابات ولا شادة الصف على جناح السلطان. اللي كيبغيني عااارف فين يلقاني القويزم . ايوا بصحتك اللوز .رد بالك راه فيه الحلو وفيه المررر

قالتها وقلبات راسها كتسملل فعينيها ومشات كتغني ودنذن

خرجات “الشريفة” من جناحها، كانت لابسة قفطانها دالحرير الرقيق، ولكن ملامحها كان طايح عليها الضيم والهم اللي هزاتو سنين. مشيتها كانت ثقيلة، بحال يلا كتهز تقال الدنيا على كتافها. تمشات فالممر اللي كيطل على الجناح ديال السلطان، وعينيها، اللي كانو كيشوفو بزاف دالحكايات، كانو اليوم مكسورين.

كانت “السعدية”، الخويدمة ديالها اللي كتعرف خبايا القصر، متبعاها بخطوات خفيفة. ملي وصلات “الشريفة” لواحد الركن هادي فالممر، حبسات، وتنهدات تنهيدة اللي خرجت من أعماق قلبها.

قربات ليها “السعدية”، ووجهها كان باين فيه التردد، ولكن ضروري تهضر. همسات بصوت خافت، بحال يلا خايفة حتى الحيوط يسمعوها:

“يا لالة الشريفة.. الصبر، الصبر هو الدواء. راه… راه القصر كلو كيتهامس باللي لالة شامة باتت البارح عند السلطان فجناحه. والضيا اللي كان شاعل تما، ما طفى حتى لطلوع النهار.”

وقفات “الشريفة” فبلاصتها، بحال يلا شي خنجر دخل فقلبها. ما نطقات بوالو فالبدية، غير عينيها اللي ولاو كيلمعو بالدموع اللي حابساهم بقوة. ملامحها، اللي كانت ديما صامدة، بدات كترخى تحت ضغط هاد الخبر.

“شامة؟” خرجت الكلمة من فمها بحال شي أنين، حاولات “السعدية” تشد ليها يديها، ولكن “الشريفة” سحبات يديها بشوية، وبدات كتمشى، ولكن هاد المرة بلا اتجاه، بحال يلا ضايعة فدارها. انهيارها ما كانش بالصراخ، كان انهيار صامت، مؤلم، لانهيار كرامتها ومكانتها اللي بقات سنين كتبنيها ومابغات تقاد ، عاد مزادت تكفسات كتر

كانت “السعدية” متبعاها بعينيها، عاجزة باش تواسيها،

المكان: رياض القصر الكبير. مع غروب الشمس، الضوء البرتقالي كينعكس على الزليج الملون. صوت “الخصّة” (النافورة) كيتمازج مع دقات الدفوف اللي بدات كترتفع وتدير صدى في الممرات.

الحركة:

“كنزة” واقفة فوسط الرياض، لابسة قفطان موف (بنفسجي) مطرز بالصقلي، واقفة بوقفة ديال اللي “حاكم وقاضي”. لوبانة، الخادمة اللي تيقا فيها، حداها كتحرك بخفة، كتوجه الخدم، والعريفة واقفة كتنظم الجواري اللي بداو كيتجمعو فدائرة.

المشهد:

كنزة كتعطي إشارة بيديها، كيبدا الغنا. الدفوف كتضرب بقوة، والجواري كيدخلو فـ “حلقة” شعبية. كنزة كتمشى وسطهم بابتسامة نصر، كتحط يدها على كتف هادي وكتغمز هادي، ولكن عينيها كيترصدو كل خادم وخادمة، كتقلب على “خيط” أو “سر” وسط الهرج والمرج.

فواحد الجنب، عبيبوش، وسط الصداع، كان كيبان بحال شي “عفريت” صغير، حركاته سريعة، كينقز من بلاصة لبلاصة، كيدير حركات مضحكة بيده باش يضحك الجواري، كنزة، وهي كتحرك وسط الحلقة، قربات من عبيبوش. حبسات الرقصة ديالها، وشافت فيه بحدة. عبيبوش وقف بخفة البرق فوق حرف الخصّة، وبدا كيدير حركات “شطح” مضحكة، ولكن فاش قربات منه، حبس الحركة، وتكلم بصوت مسموع وسط دقات الدفوف:

“أ لالة كنزة، الدفوف كتغطي على بزاف دالحوايج.. حتى على دقات القلب اللي خايفة من الجاي!”

كنزة مابتسماتش، بل زادت خطوة لقدام، لدرجة أن ريحة “المسك” ديالها طغات

قالت ليه بصوت هادي وحاد:

سييير دي ماتعاود للالاك لايحساب ليها انا غنجلس نبكي ونعصر فالمنادل! يا كيتكم يا خلاكم “

وسط هاد الهرج، بانت “الشريفة” جاية من بعيد. ما كانتش هي “الشريفة” المنهارة اللي شفناها قبيلة. وجهها كان مشرق، عينيها كيلمعو ببريق غريب، بحال يلا وقعات شي حاجة خلاتها ترجع فيها الروح. كانت لابسة قفطان ديال المناسبات، وخطواتها فيها واحد الهيبة اللي خلات الخدم يسكتو واحد بواحد، حتى وقف الصوت وبقى غير الصدى ديال الدفوف.

عبيبوش، اللي كان كيراقب من بعيد، حبس ودار يديه على جنابو بحال الى ماعجبوش الحال تحبس شطيحهم !

وقفات الشريفة قدام كنزة. كنزة اللي كانت واثقة من راسها، شافت فيها باستغراب، ولكن حافظات على ابتسامة “الانتصار”. الشريفة شافت فـ “النشاط” اللي دايرة كنزة، شافت فـ “لوبانة” والجواري، وضحكات.. ضحكة خفيفة ومستفزة، وبدات كتهضر بصوت مسموع ومسموم:

“تبارك الله عليك يا كنزة.. النشاط، الغنا، الدفوف.. كنشوف بلي راشقة ليك ومفوجة على راسك!”

وقفات كنزة ودارت يدها على جنبها كتقلب فعينيها وجاوباتها بنبرة كتحاول تبان فيها القوة:

“القصر كلو عامر بالحياة يا لالة الشريفة، والنشاط ما كيعرفش السيد من الخادم، كيعرف غير اللي كيعرف يفرح لراسو. ولينا كنشوفو الناس مضيوم حالها ، قلت نفرحهم، واش هادشي ضرك فالخاطر!!؟

الشريفة قربات منها كتر، حطات يدها على كتف كنزة، واللمسة ديالها كانت باردة بحال التلج، وقالت ليها بصوت خافت ما كيسمعوه غير هما بجوج:

“لا ما كيضايقنيش.. بالعكس، كيعجبني نشوفك فرحانة، حيت الفرحة اللي كتدوز فلحظات الضعف هي اللي كتكون أكبر دليل بلي الواحد باغي يغطي على شي حاجة. تهلاي فالنشاط ديالك يا كنزة، حيت فاش كيسكت الدف، كنبداو نسمعو الصداع ديال الحقيقة اللي كيكون مخبي تحت الحصير.”

خزرات فيها كنزة، وبدات كتحس بالدم كيجمد فعرْقها. الشريفة دارت بظهرها، ومشات بكل هيبة، مخليا كنزة واقفة في بلاصتها، ضنا ان كنزة كتبرد على راسها . لاكن الحقيقة كانت حاجة اخرى ،،

غير مشات ضارت كنزة هازة يديها وهزات واحد البندير وبدات تشير للكل يغني وبدات تطلق فصوتها وتردد

“”يا اللي بنيتي على الرملة، شوفي فين غادي تولي..

الريح إيلا هاج، يقلع الشجر اللي معلي.

أنا خيط الحرير، ما تقطعو لا إبرة لا قاطع،

وأنا النية اللي ما صابها لا زواق لا طابع.

وبدات تضرب وتشتف وتغني وتشالي براسها حتى داز السلطان من احد الاروقة العالية وتلفت للاسف شافها وسط الخدم والبنادر كتشطح وتغني وضاربة الدنيا بركلة

الرياض ولّات فيه واحد الحركة ما عمرها دازت. السلطان عطى “الأمان” للنشاط، والخدم اللي كانو مكمشين من الخوف، طلقو ريوسهم.

طلع عبيبوش فوق واحد “الكرسي” ديال الخشب، وبدا كيدير حركات بهلوانية بيده، كيشطح بطريقة “شعبية” فيها بزاف دالمرح، والجواري اللي كانو خايفين يضحكو، دابا طلقوها ضحكة مجلجلة.

كنزة، كتشوف فـ عبيبوش وكتضحك، وبدات كتشير لـ لوبانة باش تجيب الدفوف اللي كيديروا “الرنة” القوية. ولّات كدور وسط الجواري، كتحمسهم، والكل ولا كيشطح بحماس:

“يلاه يا لبنات! اللي ما شطحات اليوم، ما تشطح فالعمر كلو!”

في واحد القنت من القنوت، كانت دادة رقية واقفة، متكية على العمدان ديال الرياض، حاطة يدها على حنكها، ومتبعة المشهد بعينيها اللي عامرين بالرضا. كانت كتشوف فـ كنزة كيفاش جمعات الكل بلا استثناء. بدات كتصفق بيديها (التصفيق الحار) بواحد الإيقاع متزن، وكتحرك راسها مع الغنا

الجواري تجمعات عليهم الحلقة، وحدة كترد على الأخرى فـ “الردادات” ديال العيطة، والنشاط ولّى واصل للسما. عبيبوش، فواحد اللحظة، نزل من فوق الكرسي، وبدا كيدور قدام دادة رقية، كيشطح ليها وهي كتضحك وكتصفق

الرياض كلو كيدور بالدفوف، الألوان ديال القفاطن ديال الجواري كترسم لوحة فنية مع غروب الشمس، والضحك ديال عبيبوش كيرن فالمكان. السلطان من بعيد، كيشوف فهاد اللوحة، ومبتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة ديال واحد شاف القصر ديالو ولّى دار عائلية حقيقية.

الجو ولّى كلو طاقة إيجابية، والناس نسات كاع “الضيم”الكل كيصفق، والكل كيغني، والقصر كلو ولا نبض واحد.

فوسط قمة النشاط، والعيطة واصلة للسما، ودادة رقية كصفق بحرارة، سكت كلشي فجأة. فوسط ما هما ناشطين، وبلا ما يحسوا، بانت شامة جاية من بعيد، متمشية بخطوات هادئة وموزونة وسط الممرات اللي كتدخل للرياض. كانت ملامحها هادئة، وعلى وجهها ابتسامة عادية وبسيطة، بحال شي وحدة خرجات تتمشى وتستمتع بالجو دالعشية.

شوية بشوية، الجواري اللي قراب للمدخل بداو كيحسوا بوجودها، وبدا الصداع كينقص تدريجيا. كنزة كانت عاطية بالظهر، ولكن ملي شافت دادة رقية حبسات التصفيق وبدات كتشوف جهة المدخل، تدارت كنزة باش تشوف شنو واقع.

بان ليها شامة جاية لعندهم، بابتسامة صافية، ما فيها لا تكبر لا رسميات. تمشات شامة بخطوات خفيفة وسط الحلقة اللي كانت دايرة. الجواري بعدو ليها الطريق باحترام وتفاجؤ.

وصلات شامة للوسط، وين كاين النشاط. ما وقفاتش بعيد وما دارتش الرسميات ديال السلطانة. بكل بساطة، تمشات وسط الحلقة، وجلسات فواحد القنت حدا دادة رقية وحطات يديها على قفطانها براحة، كأنها كانت معاهم من البدية.

عبيبوش: اللي كان كيشطح، حبس يدو فالهواء وبقى كيشوف فيها بذهول، وعينيه كيتحركو بينها وبين كنزة.

كنزة: حطات البندير على ركبتها، وبقات كتشوف فـ شامة وهي جالسة، وابتسامتها بقاو فيها غير أطرافها.

دادة رقية: اللي كانت كتشوف فـ شامة بابتسامة ديال “الرضا”، هزات يدها وبدات كتحركها ببطء، كأنها كترحب بالضيفة اللي جات تفرح معاهم.

من داك الرواق العالي، السلطان كان واقف كيشوف فهاد الصورة: شامة، بكل هدوئها، جالسة وسط الجواري وكنزة، بابتسامة عادية، كأنها ما بقاتش كتهتم للصراعات، غير للنشاط واللمة. هاد المنظر، ديال شامة وهي كتهرس الحواجز بابتسامة هادئة، خلى السلطان يربع يديه، ويرجع اللور بابتسامة حيرة، وما قدرش يفهم كيفاش هاد القصر تحول من “ساحة صراع” لـ “دار واحدة”.فجأة!!

كنزة بقات جالسة فبلاصتها، هزات البندير بيديها، ودارت ابتسامة عريضة وثقة، وقربات لعند شامة وقالت بصوت مسموع ومبهج:

“أهلاً لالة شامة! نورتي الرياض. كنت يلاه كنقول لدادة رقية وللوبانة بلي النشاط بلا بيك بحال القصر بلا ضو. مرحبا بيك، نتي مولات الدار، والكلمة كلمتك!”

وبحركة “ماكرة” وممتعة، مدات البندير لـ شامة وقالت ليها بابتسامة تحدي خفيفة:

“ايوا مللي جيتي جيتي يلاه يا لالة شامة، وريني كي كتديري تنشطي القصر، ولا غير الدفوف اللي كيعجبوك؟”

شامة بقات كتشوف فكنزة، وضحكات ضحكة هادئة، خذات البندير من يدها ومداتو لدادا رقية ، وقالت ليها:

“نتي فيك الخير والبركة ! منتفضلش قدامك الاللة كنزة “

عبيبوش، باش يهرس هاد التوتر اللي بيناتهم، ناض كيشطح وبدا كيدور عليهم بجوج وهو كيغني:

“دار السلطان عاااالية!! فيها خوووخة ودالية!

فيها قادوووس منحاس!!

فيها البنات زاهياااا وفيها الهوى بلا قياااس!

بمجرد ما سالا عبيبوش الموال ديالو، وهز يدو للسما بحركة بهلوانية، الرياض كلو زاد فالتصفيق. دادة رقية، وهي شادة البندير، بدات كتدق عليه بواحد الإيقاع هادئ ومنتظم، خلى الجميع كيتمايلو معاه بلا شعور.

شامة، وهي جالسة فمكانها، مالت جهة كنزة وبصوت خافت، وسط الصداع ديال الدفوف، قالت ليها بابتسامة خبيثة وممتعة:

“الدار دارك يا كنزة، والنشاط هو اللي كيبين معادن الناس.. شفتك اليوم، وعجبني فيك كيفاش كتجمعي القلوب، غير هو، ردي البال.. راه الدفوف كدير الصداع، والقلوب كتحتاج السكينة باش تسمع دقاتها الحقيقية.”

كنزة ما بقاتش كتشوف فيها بتحدي، بل بقات كتشوف فيها بتقدير (ممزوج بالحذر). مالت هي ثاني جهتها وردات عليها:

“والسكينة يا لالة شامة، ما كتحلى غيير فاش كيكون الجو صافي، وأنا اليوم.. طمعت فهاد الصفا “

عبيبوش، اللي ما كيسكتش، قرب منهم بجوج، ودار حركات بيده كأنه “كيفرق” عليهم الرضا والضحك، وغمز لـ دادة رقية اللي زادت فإيقاع الدف.

السلطان، اللي كان واقف فداك الرواق العالي، شافهم بجوج كيهضرو مع بعضياتهم بابتسامة، شاف الهدوء اللي رجع للرياض، وشاف كيفاش القصر ولا “عائلة” وحدة. السلطان، بلا ما يخرج بكلمة، دار بظهره ورجع للداخل، ولكن هاد المرة.. كان كيمشي بوقفة ديال السلطان اللي عارف كيد النسا وعارف سوقهم ومجمعهم والى ضحكو لبعضياتهم فراه العافية كتشعل وتكدي فصمت والبلا فطريقو ليه .

الرياض كيبان عامر ألوان، البندير باقي كيدق، ضحكات الجواري كترن فالممرات، والشمس بدات كتغيب، مخليّة واحد الضوء ذهبي كيلمع على وجه كنزة ووجه شامة.. جوج نساء، جوج عقول، وهدنة بدات بـ “بندير” وسالات بـ “حكمة”.

“برج الصقور”، أقصى ركن في القصر، حيث الهواء طلق والريح كيصفر بين الجدران العالية، والنسور الشاهقة كترد الصدى بحركات أجنحتها القوية.

شامة كانت كتمشى ببطء، خطواتها موزونة بحال مشية ملكة، بعيدة على صخب الرياض والنشاط اللي مكايساليش من نهار دخلات عندهم كنزة ورجعات وحدة منهم .وهي كل ليلة فرح وكل سيمانة لامة جديدة حتى بداو كيتعودو على داك الوضع بلا ميحسو.

وصلت شامة للركن اللي فيه “كاسر”، النسر اللي كيعتبروه كل حراس القصر “سيد الجوارح”. كان واقف على المجثم الخشبي ديالو، عيونه الحادة بحال الخناجر كترصد الأفق، وريشو البني والذهبي كيلمع تحت أشعة الشمس الباردة ديال العصر.

غير بانت شامة، “كاسر” حرك راسو بخفة، وبدا كيدير واحد الصوت مبحوح، نداء ديال “المعرفة”. شامة اقتربت بابتسامة نادرة، ابتسامة ما فيها لا دهاء ولا تكلف، ابتسامة صادقة. مدت يديها اللي مغطياها بالقفاز الجلدي، وعرات ببطء على وجه النسر، كتحيد عليه الجلد لي مغطي منقارو الحاد

بدات كداعب ريش رقبته بحركات حنينة، و”كاسر” بدوره خفض راسو، مغمض عينيه، كيتلقى اللمسة ديالها كأنه طفل محتاج للأمان. كانت لحظة ديال سكينة تامة، والوقت بحال يلا وقف.

وفجأة…

تبدل كلشي. وجه شامة اللي كان مسترخ، تشنج فجأة. يديها اللي كانت كداعب الريش، زغبات وتوقفت فالهواء، قبل ما تنزل وتتجمع بضغط قوي فوق كرشها. ملامحها تبدلات، عينيها اتوسعو للحظة، وحطت يدها الأخرى على حيط البرج باش تسند راسها. تنفست بعمق، واحد النفس اللي كان فيه مزيج بين الألم المفاجئ وشي حاجة أخرى.. شي حاجة خلاتها تغمض عينيها مزيان وتضغط على شفايفها باش ما يخرج منها حتى صوت.

“كاسر” حس بالتوتر، فتح عينيه الحادتين وبدا كيصدر صوت حاد، محرك أجنحتو بقوة خلات الغبار يطير فالبرج.

شامة بقات واقفة، مغمضة عينيها، يدها مازال مضغوطة بقوة على بطنها، ما تحركاتش، وما نطقاتش. غير واحد الرعشة خفيفة دازت فجسمها، قبل ما ترجع تدريجيا لبرودها المعهود.

فتحات عينيها، كانت النظرة فيهم تبدلات؛ رجعت غطات وجه “كاسر” بهدوء، ومسحات الغبار على قفطانها، بحال يلا كانت كتجمع شتات راسها. التفتت للباب ديال البرج، وخدات نفس طويل، وخرجت بخطوات ثابتة، مخليا “كاسر” كيشوف فيها

نازلة من البرج، خطواتها اللي كانت ثابتة بدات كترخى. حسات بواحد “الدوار” (سخفة) قوية كتحجب عليها الرؤية، والحيط اللي كانت شادة فيه ولا كيدور بها. ما قدراتش تزيد خطوة وحدة أخرى، فرخات جسمها وجلسات على أول اخر درجة من السلم الرخامي، شادة راسها بيديها، ونفسها كيتقطع.

فديك اللحظة، كانت كنزة طالعة مع الدرج كدندن بالشلحة فاتجاه جناحها، . فاش لمحَت خيال شامة جالسة بهاديك الطريقة، تجمعات فيها ملامح الاستغراب.

غير شافت الحالة ديال شامة، وجهها مصفر، وعرق بارد كيسيل على جبينها، تبدلات نبرة كنزة من الفضول للهلع الحقيقي. حطات “الرباعيات” ديال القفطان ديالها وجريت لعندها، شداها من كتافها وبدات كتهز فيها:

“مالك؟؟ شداتك الموت اويلي!!

شامة كانت كترجف، يديها بجوج كيداربو مع القفطان، وجهها فقد كاع ألوانو. حركات راسها بلا ما تقدر تنطق بكلمة، والرجفة فجسمها زادت قسوات.بغات كنزة توقفها وقالت

“وا ختي نتي طالعة مقلزة عند النسور اش داك لتما والشمش كطنطن ، زيدي زيدي نوضي سيري ديري شوية دالمخينزة راه هاذي غير الشمس ضرباتك ..نوضي

شداتها كتنوض فيها فجأة، وبلا سابق إنذار، شامة مالت على جنبها، وبدات كتقيا بواحد الطريقة خلات كنزة ترجع اللور من الصدمة، عينيها توسعو ويدها تحطات على فمها .

سكتات كنزة فجأة، عينيها بقاو متبتين فالحالة ديال شامة، واحد الشك غريب بدا كيتسلل لداخلها. شافت فكرش شامة اللي كانت مكمشة عليها بلا ما ترد البال، كنزة، اللي كانت عاد دابا كتلعب معاها لعبة “الند للند”، لقات راسها دابا شادة واحد الإنسانة اللي كترجف بين يديها، والهدوء اللي كانت كتحاول تبينو الشامة طار وتلاشى، مخلي وراه حقيقة بدات كبان ملامحها فالجو.

شامة بدات كتهدن شوية، حلات عينيها بضعف، شافت فكنزة اللي كانت واقفة فوق منها بحال التمثال، عينيها خارجين من بلاصتهم، ومصدومة.. ماشي غير حيت شامة مريضة،ولاكن بنت القبيلة ماتخفا عليها خفية دغيا مشا عقلها لجهة اخرى

شامة (بصوت مبحوح ومقطوع): صافي وليت لاباس..لاباس

جناح “شامة”. الجو داخل الغرفة تقيل، عامر بريحة البخور والمسك اللي بدا كيغطي على ريحة الردان اللي باقي خفيف فالهواء. الغرفة مفروشة بالزرابي الغالية، والضوء داخل من الشراجم خافت، كيخلق ظلال طويلة على الحيوط.

شامة متكية فوق الناموسية الكبيرة، وجهها رجع ليه شوية اللون ولكن باقي شاحب، يديها كترجف خفيفة، وفمها باقي كيسيل بالماء، وعينينها مغمضين

دادة رقية، اللي كتعرف شامة من نهار تزادت، كتمشى فجناح الغرفة بخفة، كتحط الفوطات، كتقاد الكيسان، وكتحاول تبان “عادية” باش تبرد الجو. كنزة واقفة فالباب، مكمشة على راسها، عينيها كيترصدو كل حركة، كل نفس، وكل لمسة ديال دادة رقية. كنزة دابا ماشي هي ديك الزهوانية لي مولفة بالزهو وضاربة الدنيا بركلة

كنزة دابا هي الصياد اللي شم “الخبر” وبغى يتأكد منو.

كنزة (بصوت حاد ولكن كتحاول تبينو حنين): “دادة رقية، غير قولي ليا شنو واقع؟ واش هادشي من الماكلة ولا شي ضربة دالشمس؟ ولا دقة مولاي الزين؟ هاا؟؟

راني ما غنقدر نتحرك من هنا حتى نطمئن عليها.. شامة هي لالة القصر، وما نقدرش نشوفها هكا ونمشي!”

دادة رقية وقفات وسط الغرفة، شافت فكنزة بواحد النظرة “معلومة” ولكن هادئة بزاف. جات عندها بخطوات موزونة، وحطات يدها على كتف كنزة، بابتسامة ديال وحدة شافت وعاشت فالحياة بزااف:

دادة رقية (بصوت كلو فن وديبلوماسية): “الله يرضي عليك ابنتي كنزة، الله يرحم ليك الوالدين على هاد الشهامة. ولكن شامة دابا محتاجة الراحة، ومحتاجة الخاطر يبرد. هاد الحالة عارفاها، شي حاجة غير د العشية والضغط ديال القصر، ما كاين لا خطر لا والو. سيري ابنتي ارتاحي، الله يكتر خيرك ويخلف عليك

كنزة ما تحركاتش، عينيها رجعو لعند شامة اللي كانت كتقلب فالفراش. كنزة شافت واحد “الرعشة” أخرى فإيد شامة، وشافت كيفاش دادة رقية كتحاول بذكاء تغطي على تفاصيل معينة. الفضول فقلب كنزة ولا كيحرقها، بغات تعرف: واش اللي كظن فيه بصح؟ واش القصر غيتبدل مساره كامل بسبب هاد اللحظة؟

كنزة (بإصرار): “لا دادة، أنا هنا، يلاه نتي اللي كتحتاجي المعاونة، أنا غنبقى حدا لالة شامة حتى تفتح عينيها..”

دادة رقية فهاد اللحظة، قطعات عليها الطريق بلا ما تبان قاصحة، ولكن بواحد الطريقة اللي خلات كنزة تحس براسها بلي “ما عندها فين تزيد”. قربات منها بزاف، وبصوت خافت، حنين، ولكن فيه “أمر” غير مباشر، قالت ليها:

دادة رقية: “ابنتي، يهديك الله شامة دابا باغا السكينة، وأنا كنطلب منك هاد المعروف، خليها ترتاح، خليها بوحدها.. يلاه، ردي البال لراسك، وأنا هنا معاها. كلشي غيكون بخير.”

بقات كتدفع فيها غير بالعينين وبالهضرة الموزونة، حتى لقات كنزة راسها برا الباب، وبشوية بشوية، دادة رقية سدات الباب فاش حسات بكنزة خرجات للرواق. كنزة وقفات فالممر، كتشوف فالباب المسدود، وقلبها كيضرب بجهد، ماشي خوف، ولكن حيت عرفات بلي اللي شافت اليوم بداية ديال شي حاجة كبيرة

وهاد السر اللي شافت، هو السلاح اللي غيقلب موازين القوى الى كان بصح داكشي لي فبالها

الحكيمة، بيديها الخشنين والمجربين، كانت مازال كتجس بطن شامة. شامة، اللي وجهها باقي شاحب، كانت كتنفس بصعوبة، عينيها فالسقف، كتحس بلمسات الحكيمة بحال إلا شي تيار كهربائي خفي كيدوز فجسدها.

دادة رقية كانت واقفة قريبة، حبسات تنفسها، عينيها متبتين فالحكيمة، كتحاول تقرا فملامحها أي إشارة.

الحكيمة فجأة، حيدات يديها من فوق بطن شامة، وبقات كتشوف فيها واحد اللحظة طويلة، النظرة ديالها تبدلات من الجدية الصارمة لواحد الابتسامة باهتة ومطمئنة.

الحكيمة (بصوت هادئ وموزون، كسر سكون الغرفة):

“لالة شامة.. داكشي اللي فيك ما هو عياء، وما هو ضربة شمس، وما هو مرض. داكشي اللي فيك.. حياة جديدة بدات كتدق فكرشك.”

شامة (فتحات عينيها بذهول، صوتها خرج مرتجف ومقطوع):

“شنو؟ شنو كتقولي يا حكيمة؟ واش.. واش راكي متأكدة؟”

الحكيمة (أكدت ليها برأسها وهي كتقوم):

“عارفة خدمتي مزيان أ لالة. الحمل دابا فشهوره الأولى، والردان والسخفة هما اللي فضحو هاد السر. الله يكمل عليك بالخير، هاد الدار غيولي فيها صوت رضيع.”

شامة تسمرات فبلاصتها. الدم غاب على وجهها عاوتاني، ولكن هاد المرة ماشي من الألم، بل من قوة الصدمة. يديها اللي كانت حطاها على كرشها، بدات كترجف بواحد الطريقة غير إرادية. كانت ديما كتظن بلي هاد الحلم مستحيل

دادة رقية، اللي كانت خايفة، بانت عليها واحد الفرحة هيستيرية، قربات لـ شامة وبدات كتمسح على راسها بدموع الرضا:

“سمعتي يا لالة؟ سمعتي؟ ربي ما كينساش العباد، هادي هي البشارة اللي كنت كنتسناها!”

خارج الجناح:

الباب تفتح، والحكيمة خرجت، ووجها كان كيعبر على “الحدث”. كنزة اللي كانت واقفة، شافت هاد النظرة، وقربات بسرعة، عينيها كياكلو الحكيمة:

“الحكيمة! قولي لينا، شنو كاين؟ واش لالة شامة لاباس؟ شنو لقات عندها؟”

الحكيمة وقفات، شافت فكنزة اللي كانت واقفة، ونظرة الحكيمة لهاد اللحظة كانت فيها “إعلان” غيقلب كلشي:

“لالة شامة.. حاملة.”

الكلمة طاحت فالممر بحال شي قنبلة. الخدم سكتو، والجواري رجعو اللور، وكنزة.. كنزة بقات واقفة، يدها على جنبها، ولكن هاد المرة يدها بدات كترجف، والابتسامة اللي كانت كتحاول ترسمها على وجهها تلاشت تماماً، حيت عرفات بلي بهاد الخبر، الأرضية اللي كانت واقفة عليها فـ القصر، بدات كتهز تحت رجليها.

الجناح ديال اليازية كان كيسودو فيه الهدوء الحاد. اليازية، بوقارها المعهود ولباسها الفاخر، كانت جالسة كتشرب أتاي بتمهل، محاطة بالخدم ديالها.

دخلت العريفة كتهلهل، وجهها حمر من الجري، وأنفاسها مقطوعة. دخلات نيشان وسط الجناح، والخدم بعدو عليها فزعين، عرفوها جايبة “شي خبر تقيل”.

اليازية حطات الكاس د أتاي ببطء شديد، ودارت عندها بواحد النظرة باردة، ولكن عينيها كانو كيلمعو بفضول حاد:

“شوية عليك يا العريفة.. شنو وقع؟

العريفة (قربات وهمسات ليها بحدة وبصوت مخلوع):

“يا لالة اليازية! يا لالة اليازية.. القصر ناضت فيه قيامة، والخبر ما يقدر يصدقو حتى واحد!”

الكلمات خرجات من فم العريفة بحال الرعد. اليازية، اللي كانت شادة الكاس، حست بيديها كتجمد. الكاس من يدها طاح وتكسر فالبلاصة، وصوت التكسار ديالو تردد فكل ركن.

العريفة (كتكمل كلامها):

“شامة.. لالة شامة يا لالة.. الحكيمة خرجت من عندها دابا، وأعلناتها قدام كلشي.. حاملة! لالة شامة حاملة!”

وجه اليازية اللي كان هادئ، تبدل فلحظة. بياض وجهها ولا بحال الموت، عروق رقبتها تنفخو، وعينيها، اللي كانو كيشوفو ببرود، ولاو كيخرج منهم شرار ديال الغضب. تنفسات واحد النفس طويل ومخنوق، بحال إلا شي حاجة كانت مخنقاها فصدرها.

اليازية (بصوت كلو حقد، كيرجف من الغضب):

“حاملة؟ شامة؟ اللي سنين وهي كتسنى شي حاجة ما عمرها وقعات؟ شكون اللي قال هاد الهضرة؟”

العريفة (بصوت مسموع، خايفة):

“الحكيمة نيت يا لالة! الحكيمة خرجت وقالتها قدام كاع الخدم والجواري، وكنزة راه باقة تما مصدومة!”

اليازية ناضت من بلاصتها بحركة عنيفة، لدرجة أن قفطانها تجر وراها. بدات كتمشى فجناحها ذهاباً وإياباً، يديها كيرجفو، كتحاول تستوعب الصدمة. كانت كتشوف فالحيوط بذهول، كأنها كتسولهم: “كيفاش؟ كيفاش تقدر تقلب اللعبة فدقة وحدة؟”

العداء اللي كان بيناتهم سنين، الصراعات، المكائد، كلشي دابا بان ليها “لعب دراري” قدام هاد الخبر. اليازية وقفات فجأة حدا الشرج، شافت فالشمس اللي كانت كتميل للغروب، وقالت بصوت خافت، مخيف، كلو سم:

“يا شامة.. واش بغيتي تفرضي وجودك بهاد الطريقة؟ واش بغيتي تورثي القصر وتاخدي كلشي؟ والله حتى هادشي غيكون آخر حاجة كتفرحي بيها..”

بعيداً عن صخب الرياض وأروقة القصر المزدحمة. الجناح هنا مجهز ليكون “خلوة” لمحارب وليس قاعة للترف، جدرانه مزينة بسيوف قديمة ودروع استُعملت في معارك كبرى.

السلطان الشداد، القائد الذي لم يترجل عن صهوة جواده إلا في القصر، كان في هذه اللحظات يرتدي “قميصاً” من الكتان الخفيف بلون داكن، وسروالاً واسعاً مريحاً يشبه لباس الفرسان، حزام جلدي عريض يلف خصره، وشعره مربوط بإحكام. كان جالساً أمام خريطة قديمة، يخطط لمسارات تأمين الحدود، بيده قلم ريشة يحدد مواقع الحاميات. الهدوء يلف المكان، لا صوت يعلو فوق صوت طقطقة الشمعة المشتعلة على الطاولة. كان في حالة “استحضار” للذهن، يراجع أمور الدولة بهدوء القائد الذي اعتاد اتخاذ القرارات المصيرية.

الحاجب حسن، الرجل الذي يحفظ القصر وأسراره كما يحفظ كف يده، دخل بخطوات صامتة كأنه لا يمشي على الأرض. السلطان كان وحده في الجناح، يقلب أوراقاً، فرفع رأسه عندما أحس بوجود “ظله” عند الباب.

الحاجب حسن (بصوت منخفض ولكنه واضح ومباشر):

“مولاي السلطان، أعتذر عن قطع خلوتك، ولكن الخبر الذي أتيت به لا يحتمل التأجيل. الحكيمة خرجت للتو من جناح لالة شامة، والخبر يسبقها في القصر كالنار في الهشيم.”

السلطان الشداد لم يتحرك من مكانه، لكن قلم الريشة في يده توقف في الهواء. عقد حاجبيه، ونظر إلى الحاجب حسن نظرة ثاقبة:

“تكلم يا حسن. ماذا حدث؟”

الحاجب حسن:

“الحكيمة أكدت.. لالة شامة حامل، يا مولاي.”

تلك اللحظة تجمد فيها الزمن. القلم سقط من يد الشداد على الخريطة، تاركاً بقعة حبر صغيرة بدأت تنتشر. الشداد، الذي واجه الجيوش وهزم الخصوم بقلب ثابت، شحب وجهه فجأة، ونهض من مقعده بحركة آلية غير واعية.

الدهشة لم تكن مجرد تعبير عابر، بل كانت زلزالاً داخلياً. كان قد طوى صفحة الأمل في قلبه منذ زمن طويل، وتقبّل فكرة أن شامة “عاقر” كما يردد الجميع، وأنه سيظل بلا وريث من المرأة التي اختارها قلبه. ظل واقفاً، يده اليمنى مرتجفة قليلاً، استند بها على حافة الطاولة الخشبية الثقيلة، كأنه يحاول التأكد من أن ما سمعه ليس وهماً من أوهام التعب.

الشداد (بصوت خافت، غير مصدق، يهز رأسه ببطء):

“حامل؟.. شامة؟ أنت متأكد يا حسن؟

الحاجب حسن (بانحناءة خفيفة):

“أقسم لك يا مولاي، الحكيمة نطقت بالخبر أمام القصر كله، والسرور بادٍ على رقية والرغاريد تصدر من جناح لاللة شامة كشهاب من نار !

السلطان الشداد، القائد الذي لم يُعهد عليه الانكسار أمام العدو أو الخوف من الموت، تحول في تلك اللحظة إلى رجلٍ يواجه فيضاً من المشاعر التي تفوق قدرة الخيال.

ببطءٍ شديد، وبحركة توحي بالثقل، أعطى الشداد ظهره للحاجب حسن. لم يكن يريد أن يُرى في لحظةٍ خلع فيها درعه النفسي، ولم يعد فيها ذلك السلطان المهاب، بل مجرد روحٍ تقف في حضرة خالقها.

الحاجب حسن، بذكائه المعهود وحكمته، أدرك أن هذا الموقف لا يحتاج إلى استئذان. انحنى بهدوءٍ، وتراجع بخطواتٍ خافتة جداً، تاركاً الباب موارباً، ليلتحم السلطان بخلوته التي تحولت إلى محرابٍ للسكينة.

بمجرد أن أطبق الصمت على المكان، أطلق السلطان نفساً طويلاً، كأنه كان يحمل جبالاً على صدره وبدأت تنزاح. استند بكلتا يديه على حافة النافذة العالية التي تطل على القصر، وهناك، بدأت العبرات تشق طريقها على بياض عينيه ، لم تكن دموعاً عادية؛ كانت دموع “الفرج” الذي طال انتظاره، دموع سنوات من الصبر المكتوم والقبول المرّ بالقدر. مسح وجهه بيده ونفسه ترتد الى صدره تعبر عن دهشةٍ بليغة.. دهشةٍ لأن الله اختار أن يحيي الأمل في وقتٍ كان الشداد قد قرر فيه دفنه.

رفع الشداد رأسه نحو السماء، ويداه ارتفعت تلقائياً بوضعية الدعاء. في تلك اللحظة، اختفت هيبة السلطنة، وبان “العبد” في أصدق حالاته:

“اللهم.. يا من بيده ملكوت كل شيء، يا من يعلم خفايا الصدور.. أشكرك شكراً يملأ الأرض والسماء. كنت قد ركنت إلى القضاء وأيقنت بأن قدري هو السيف والدار، فجئتني بالبشارة في وقتٍ انقطع فيه رجائي.”

صوته كان يرتجف، ممزوجاً بخشوعٍ يلامس شغاف القلب:

“اللهم احفظ هذه الأمانة، واجعلها ذرية صالحة تملأ قصري بالبراءة، وتكون قرة عين لي ولشامة.. يا رب، أنت الذي قلت (ادعوني أستجب لكم)، وها أنا ذا عبدك الشاكر، الراجي رحمتك، الموقن بقدرتك التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.”

بقي طويلاً على تلك الحال، رأسه مطأطأ، الإيمان في تلك اللحظة لم يكن مجرد كلمات، بل كان نوراً يغمر ملامحه، يمسح آثار القسوة التي فرضتها عليه الحروب، ويترك مكانهما ملامح رجلٍ استشعر لطف الله الخفي في أدق تفاصيل حياته.

في تلك الخلوة، لم يعد الشداد يفكر في الخريطة التي تركها على الطاولة، ولا في الحدود التي كان يؤمنها؛ كان يرى فقط طيف طفلٍ يركض في أروقة قصره، وكانت تلك الرؤية، لأول مرة في حياته، تجعله يشعر بأنه يمتلك العالم كله.

خروج السلطان الشداد من خلوته كان خروجاً مهيباً. لم يعد ذاك القائد الذي يخطط للمعارك، بل أصبح رجلاً تسكنه رهبة البشارة. ملامحه كانت حادة، صلبة كالصخر، لم يرتسم على شفتيه أي أثر للابتسام، بل كان وجهه يحمل وقاراً شديداً وهيبةً ملكية جعلت كل من التقى به في طريقه ينحني دون أن ينطق بكلمة. عيناه كانت تلمعان ببريق غريب، بريق “اليقين الممزوج بالدمع المكبوت”.

على بُعد خطوات، كانت كنزة تترقب من خلف إحدى الأعمدة الرخامية. كانت تغزز أظافرها بعنف، أنفاسها متسارعة، وعيناها تلاحقان خطوات الشداد الثقيلة التي تزن الأرض وزناً. حين رأت اتجاهه نحو جناح شامة، تجمدت في مكانها، وعرفت أن الخبر قد وصل إلى السلطان، وأن الأرض من تحتها بدأت تضيق.

وصل السلطان إلى باب جناح شامة. دادة رقية، التي كانت تقف كالحارس الأمين عند الباب، وما إن وقعت عيناها على هيبة الشداد الواقف أمامها، حتى تراجعت خطوة للوراء، كانت عيناها محمرتين من أثر البكاء، ووجهها يحمل آثار دمعٍ لم يجف بعد.

دادة رقية (بصوت يتهدج، ممزوج بالبشارة والخشوع):

“مولاي.. السلطان.. البشارة، البشارة اللي طال انتظارها! الله جاب الفرج لدارنا، وبارك في أمانتك يا مولاي.”

لم يتكلم السلطان، اكتفى بإيماءة خفيفة برأسه، تنم عن أمرٍ بالانصراف. انحنت دادة رقية بجسدها المنهك وخرجت مسرعة، تاركةً المكان لسكينةٍ مقدسة.

دخل الشداد بهدوءٍ، تاركاً الباب موارباً خلفه. كانت الغرفة تعبق برائحة المسك، وفي زاوية الغرفة، كانت شامة جالسة على سجادة الصلاة، وقد أسدلت خمارها على وجهها. لم تشعر بدخوله في البداية. كانت تبكي بصوتٍ منخفض، شهقاتها متقطعة، وكتفاها يهتزان بعنف. رفعت يديها للسماء، ودموعها تنهمر كالمطر على خديها.

شامة (بصوت متهدج، تهمس بخشوع):

“يا رب.. يا من جبرت بخاطري حين انقطع رجائي.. يا من وهبتني الحياة بعدما ظننتها مستحيلة، احفظ لي هذه الوديعة، واجعلها نبتاً صالحاً، ولا تحرمني من نور عيني.. يا رب..”

لم يقطع الشداد دعاءها. اقترب منها بخطواتٍ تكاد لا تُسمع، وجلس خلفها مباشرة على السجادة، بمسافة قريبة جداً. مد يده ببطءٍ مهيب ووضعها تحت يديها المرفوعتين، مشكلاً بهما “محراباً” صغيراً من الطمأنينة.

ارتجفت يد شامة حين شعرت بدفء كف السلطان تحت يديها، لكنها لم تخفضهما، بل أكملت الدعاء، وأكمل السلطان معها بصوتٍ رجوليٍ عميقٍ، رخيمٍ، يملؤه الإيمان:

“اللهم اجعلها ذرية مباركة، تملأ أركان هذا القصر بالخير، وتكون لنا عوناً وسنداً.. اللهم كما جبرت كسر قلوبنا، فاجبر خاطرنا بتمامها على خير، وأقر أعيننا بها يا رب العالمين.”

خيم الصمت بعد الدعاء، صمتٌ لم يقطعه إلا صوت أنفاسهما الممتزجة. خفضت شامة يديها ببطء، وهي ما زالت غارقة في بكائها، فقام الشداد، وأمسك يديها برفقٍ شديد، كأنه يمسك شيئاً زجاجياً ثميناً قد ينكسر. قرب يديها من وجهه، وانحنى ليطبع عليهما قُبلة طويلة، دافئة، ملؤها الامتنان والاعتراف بالمعجزة.

لم يقل كلمة واحدة، ففي تلك اللحظة، كان صمت الشداد أبلغ من أي كلام، وكانت دموع شامة أصدق من أي وصف، في مشهدٍ خلت فيه القلوب من كبرياء السلطة، ولم يبقَ فيه سوى عظمة الخالق في وهب الحياة.

سحبت شامة يديها ببطء من بين يدي السلطان، ومسحت دموعها بظهر كفها، وبدأت تتحدث بصوت متهدج، يتقطعه الشهيق، كأنها تخرج لواعج صدرٍ حبستها السنون طويلاً:

“مولاي.. أهذا حلمٌ؟ أم هي الحقيقة؟”

نظرت إليه بعينين يغمرهما دمعٌ صريح، وأكملت وهي تتنفس بصعوبة:

“كم مرة وقفتُ في هذا المقام.. كم مرة صليتُ وناجيتُ ربي.. وكنتُ أشعرُ بأن السماء بعيدةٌ عني، وأن كل الأبواب قد أُوصِدَت في وجهي. كنتُ أرى الناس يغمرهم هذا الفرح، وكنتُ أحدثُ نفسي: أينقصني شيءٌ؟ ألم يشأ ربي أن يجبر بخاطري؟”

أطلقت زفرةً ممزوجة بشهقةٍ قوية، وحاولت أن تجمع شتات نفسها:

:

“كنتُ أراك يا مولاي حين تدخل إلى جناح نسائك الأخريات، وتملأ القصر ضحكات أبنائك.. كنتُ أتمنى حينها أن أهرب، أن أداري وجهي، فقد كنتُ أشعر أنني وحدي من بينهن المكتوب عليها الحرمان..

غطت شامة وجهها بيديها وبدأت تبكي بحرقة، كأن كل الكلمات التي حبستها عبر السنين قد انطلقت دفعةً واحدة:

“واليوم.. اليوم حين أخبرتني الحكيمة بهذا النبأ، شعرتُ أن قلبي يكاد يخرج من بين ضلوعي. ليس خوفاً، بل لأن هذا الفرح جاء بعد طول انتظار، حين ظننتُ أنني سأظل دائماً في ظل نسائك الأخريات.. أخافُ يا مولاي.. أخاف أن أكون في حلمٍ، وأستيقظ لأجد نفسي في ذلك القصر الذي لا يسمع فيه أحدٌ صدى دعائي.”

رفعت رأسها، ووجهها غارق في دمعها، وصوتها بدأ يستعيد ثباته وسط النحيب هذه العبدة التي تقف أمامك، شعرت اليوم فقط أن الله قد قبل ضراعتها.. هذه البشارة ليست مجرد طفل.. إنها أملٌ جديد سيمنحني مكاناً أزلياً في حياتك، حياةٌ ستنسيني كل تلك الليالي التي قضيتها في صمت التساؤلات والغيرة المكتومة.”

كان الشداد ينصت إليها، وملامحه التي اعتادت الصلابة بدأت تلين وتغلفها مسحةٌ من حنانٍ عميق. كان يستمع لشهيقها وتعبيرها عن شعورها بالدونية أمام زوجاته الأخريات، وبلا أن ينطق بكلمة، اقترب منها وبكل هدوء.. مسح دمعةً كانت تنساب على وجنتها، كأنه يمحو بها آثار سنين من الإحساس بالحرمان.

نظر إليها الشداد، وفي عينيه مزيجٌ من وقار السلطان ورقة المحب. لم تكن نظرته هذه المرة نظرة القائد إلى رعيته، بل كانت نظرة العاشق الذي استردّ أخيراً قطعةً من روحه كانت تائهة. وضع يديه على كتفيها، ثم قال بصوتٍ رخيمٍ، يتردد صداه في أرجاء الجناح بوقارٍ ملكي:

“يا شامة.. يا زهرة قصري التي صبرت على قسوة الأيام. لا تقولي هذا، فما كانت مكانتكِ يوماً رهينةً بذرية، ولا كان حبي لكِ مكيالاً يُقاس بغيركِ من النساء. لقد كنتِ لي السكن حين تشتد بي نوائب الدهر، وكنتِ الملاذ حين تضيق بي مسالك السياسة والحرب. إن كان لغيركِ أبناءٌ، فلكِ أنتِ وحدكِ عرشٌ في قلبي لا يزاحمكِ فيه أحد.”

صمتَ قليلاً، ثمّ أردف بنبرةٍ أكثر عمقاً، والدمع لا يزال يلمع في مقلتيه:

“أما اليوم.. فقد أسمع اللهُ دعاءكِ، وجبر كسر روحكِ، وكأنما أراد أن يختم صبركِ الجميل بآيةٍ من رحمته. لا تظني أن هذا الولد سيغير من منزلتكِ شيئاً، بل هو ثمرةُ طهركِ وصبركِ، وهو النور الذي سيضيء ما تبقى من عمري. كفي عن البكاء يا ابنة الأصول، فاليومَ لا مكان في قلبي لغير الفرح، ولا مكان في هذا الجناح لغير الشكر. إنّ الله إذا أعطى، أدهش.. وقد أدهشني ربي بكِ، وبما أودع في أحشائكِ من حياة.”

رفع يده ليمسح جبينها برفق، ثم قال بهدوءٍ الواثق:

“قفي يا شامة، واشمخي بعزكِ، فأنتِ اليوم أمُّ وريثٍ قد كتبه اللهُ لي من مهجتكِ. لا تدعي لوساوس القصرِ والغيرةِ سبيلاً إلى قلبكِ، فما كان في قلبي لكِ ليس حباً عادياً، بل هو ميثاقٌ غليظٌ لا يفسده تعاقبُ السنين، ولا تطفئه رياح

صمتَ الشدادُ قليلاً، وكأنَّ الكلماتِ قد نفدت أمامَ هيبةِ اللحظة، فمدَّ ذراعيهِ القويتين اللتين اعتادتا حملَ السيوفِ وقيادةِ الجيوش، ليحيطَ بهما جسدَ شامةَ النحيل، ويضمها إلى صدرهِ ضمةً تحوي كلَّ سنواتِ الصبرِ والانتظار.

استندت شامة برأسها على كتفه، وأغمضت عينيها، تاركةً لشهيقها الأخير أن يذوب في طياتِ قميصهِ

، بينما غمرها السلطانُ بحنانٍ لم يذق طعمهُ إلا في هذه الخلوة. في ذلك العناق، تلاشت جدرانُ القصر، وذابت هيبةُ السلطنة، ولم يبقَ إلا روحانِ التقيتا بعدَ طولِ جفاءٍ من القدر، تجدانِ في حضنِ بعضهما ملاذاً من عواصفِ القصرِ

بقيَا هكذا طويلاً، ساكنينِ في سكونِ الليلِ الذي بدأ يزحفُ على أروقةِ الجناح، وكلٌ منهما يشعرُ بنبضِ الآخر، وكأنَّ ذاك النبضَ هو القسمُ الذي جدداه على مواصلةِ الرحلةِ معاً، محصنينِ بحبٍّ لم يعد مهدداً بظلِّ الوحدة، بل صارَ شجرةً مباركةً أينعت بفضلِ الصبرِ والدعاء.

ثمَّ رفعَ الشدادُ رأسهُ قليلاً، ونظرَ في عينيها اللتينِ باتتا تلمعانِ ببريقِ الأملِ المكتمل، وقالَ بصوتٍ خافتٍ كوشوشةِ النسيم:

“لتهدأْ روحكِ الآن يا شامة.. فقد أشرقَ فجرُنا، ولن يغيبَ بإذنِ الله.”

كان القصرُ يغلي كمرجلٍ من الأخبار، والوشاياتُ تتطايرُ في الممرات كأوراقِ الخريفِ العاصفة. كنزة، التي كانت تغلي من الداخل كبركاناً خامداً، لم تجد ملجأً لسمومها إلا في جناح شريفة.

دخلت كنزة دون استئذان، بخطواتٍ متعجلة، وشعرها الذي كان يوماً مرتباً بدأ يفقد توازنه. شريفة، الزوجة الأولى، كانت تجلس في هدوءها المعهود، تمسك بسبحةٍ من خشب العود، ملامحها هادئة كصفحةِ ماءٍ راكد.

كنزة (تلهث، ويدها تضغط على صدرها):

“هيييه!! جالسة هنا ماجايبة للدنيا خبار؟؟ سعدااااتك على برودية قلبك ! انا بعدا تخنقت كتحس بالموت وصلات لصدري !

نظرت إليها شريفة ببرودٍ، ولم ترفع نظرها عن سبحتها:

“تكلمي يا كنزة، وما بكِ هذا الاضطراب؟ القصرُ لا يهتز إلا إذا أراد السلطانُ ذلك، فما الذي أقلقكِ حتى نسيتِ آدابَ الدخول؟”

كنزة (تقترب منها وتهمس بصوتٍ مشحون بالغل):

اويلي قالك نسييتي اداب الدخول!! السيدة مافراسها مايتعاود مسكينة. وراه شاااامة حاملة ..والخدم والعبيد كيضربو الحلوة برا ونتي مخشية هنا نتي والخدم ديالك ناعسين ماجايبين خبار!! وشااامة لي قلتو مكتولدش !! هاهيا حملات وهاهيا غتولد !

تجمدت السبحة في يد شريفة، وتلاشت ألوانُ الطمأنينة من وجهها الذي اصفرَّ فجأةً، كأنَّ صاعقةً نزلت في وسط الغرفة.

شريفة (بصوتٍ خافت، يرتجفُ كأنه نصلٌ مكسور):

“حامل؟.. شامة؟ مستحيل.. هذا كذبٌ، كذبٌ لا يُصدق!”

كنزة (تزيدُ من نارها)

كدوب!!! وا كن غيير كان كدوب!! انا شفت بعيني مولاي الزين غادي كيجري عندها للبيت والزغارت ارا برررع تقول حنا ولدنا ليه القرودة ! ايوا عرفتي الحبيبة هادشي شكيعني؟؟ كيعني بلي انا ونتي صاافي وليتا تبن ياكلو منو البهايم وها شامة غدير علينا تاج وتسرج لينا لجام وتركب علينا !

بدأت شريفة تتنفس بسرعة، يداها اللتان كانتا تمسكان بالسبحة بدأتا ترجفان بشدة. وقفت شريفة محاولةً التماسك، لكن ساقيها لم تعودا تحملانها. كانت تحدق في الفراغ، والكلماتُ تترددُ في عقلها كصدى مشؤوم: “حامل.. شامة حامل”.

شريفة (بصوتٍ يتهدج، وهي تشير لكنزة بضعف):

“اخرسي.. اخرسي يا كنزة.. لا تقولي هذا.. لقد قضيتُ عمري هنا.. كنتُ الأولى، كنتُ.. كنتُ..”

بدأت ملامح وجهها تضطرب، وعيناها بدأت تغيبان في ظلامٍ مفاجئ.

كنزة(تضرب فخديها بسخرية):

هاهيا غتسخف..سعدية عطيها تشرب وخليها حتى تفييق علااااا خاطرها باقي ليها الايام فين تزيد تسخف( نفخات بملل) حتى يدي مول الامانة امانتو نتهى من وحدة فيكم بعدا

لم تُكمل كنزة كلمتها حتى هوت شريفة على الأريكة، ومنها إلى الأرض، وقد فارق الوعيُ جسدها الهزيل. سقطت السبحة وتناثرت حباتُ العود على الأرض كأنها دمعاتٌ خشبية. بقيت كنزة واقفةً فوقها، تراقبها ببرودٍ،

، فقد أدركت أن هذا الخبر وحده، كان كفيلاً بأن يقلبَ القصرَ رأساً على عقب، وأنَّ الصراعَ قد دخل الآن مرحلةً لا عودة منها.

كنزة(بسخرية):

هه ماكتقدرش على الفرح والبشارة مسكينة ..هانا مشيت بحالي

بعد أن هدأت أنفاسُ الغرفة، وانزوت الهمومُ خلف جدران الجناح، ظلَّ الشدادُ جالساً بجانب شامة، يمسكُ كفَّها بين يديه وكأنه يخشى أن تفلت منه اللحظة. نظرَ إليها طويلاً، ثم مسحَ بيده على بطنها بحركةٍ حانيةٍ لم يعهدها فيه أحد، وقال بصوتٍ منخفضٍ يملؤه الوقار:

“يا شامة، لقد كنتُ أظنُّ أنَّ صمتي في هذه السنوات كان صبراً، لكنني اليوم أدركتُ أنه كان إعداداً لهذه اللحظة. ربي استجابَ لدعواتنا، وأريدُ أن يكون لهذا المولود اسمٌ يحملُ في طياته قصةَ صمودنا.. اسماً يجمعُ بين رقةِ قلبكِ وهيبةِ الطريق الذي قطعناه معاً.”

تعلقت عيناها بعينيه، وهمست بصوتٍ يملؤه الترقب: “وماذا يرى مولاي؟”

ابتسمَ الشدادُ ابتسامةً خفيفةً لم تظهر على شفتيه منذ دهر، وقال:

“فكرتُ طويلاً.. ونظرتُ في سجلاتِ قلبي وما عشتهُ من صبابةٍ معكِ، فوجدتُ أنَّ اسم ‘قيس’ هو خيرُ ما نُسميه. فهو اسمٌ يرمزُ للوفاء الذي لا يلين، والحب الذي لا يعترفُ بالمستحيل. إن كان هذا النورُ الذي في أحشائكِ ذكراً، فسيحملُ اسم ‘قيس’، ليكون شاهداً على أنَّ الشدادَ قد وجد فيكِ ليلى عمره، وبأن هذا الولدَ هو ثمرةُ عهدٍ لم يكسره طولُ الانتظار.”

اتسعت عينا شامة، وارتجفت شفتها بابتسامةٍ ممزوجةٍ بدمعةِ فرح، فقد كان الاسمُ يلامسُ شغافَ قلبها الأدبي، ويحاكي قصصاً قرأتها في خلوتها، وأحلاماً لطالما تمنتها.

قالت بصوتٍ متهدجٍ من شدة التأثر:

“قيس؟ يا له من اختيارٍ يليقُ بمولاي.. ‘قيس’.. وكأنني أسمعُ صداه يترددُ في أروقةِ التاريخ. نعم، إن كان ولداً، فليكن ‘قيس’، فهو الاسم الذي يحملُ في طياته حكايةً لا تنتهي، حكايةً عشناها نحنُ، وسيحملُها هو من بعدنا.”

أضاف الشدادُ بنبرةٍ أكثر عمقاً وهو يشدُّ على يدها:

أحنى الشدادُ رأسهُ وقبّلَ يدها، وكأنه يختمُ ميثاقاً جديداً، ليس ميثاقَ سلطانٍ ورعية، بل ميثاقَ أبٍ وأمٍّ ينتظران معجزتهما القادمة، وسط قصرٍ يغلي من حولهم، بينما هما في جناحهم، في عالمٍ آخر من السلامِ واليقين.

سادَ السكونُ أرجاءَ الجناح، ولم يعد يُسمعُ إلا طنينُ القناديلِ التي كانت ترسلُ ضوءاً خافتاً يراقصُ الظلالَ على الجدران. أمرَ الشدادُ الخدمَ بالانصراف، وأُغلقت الأبوابُ دونهم، لتبدأَ ليلتُهما بعيداً عن صخبِ القصرِ

أُحضرَ العشاءُ، وكانت الموائدُ تعجُّ بأطايبِ الطعام، لكنَّ قلبيهما كانا شبعانينِ بنبأِ الحياةِ التي تنمو بينهما. لم يكن عشاءً عادياً، بل كان احتفاءً بالسكينةِ التي طالما افتقداها. تبادلا أطرافَ الحديثِ بصوتٍ خافت، يخططانِ للمستقبلِ وكأنَّ العالمَ خارجَ هذه الغرفةِ قد توقفَ عن الدوران. وبعدَ أن طالَ سهرُهما، خلدَ الشدادُ إلى النومِ وهو يضمُّ شامةَ إلى صدره، ويده لا تزالُ تستشعرُ نبضَ الجنينِ في أحشائها.

في حين كانت أنفاسُ شامةَ الهادئة تتسارعُ قليلاً قبل أن تستسلمَ هي الأخرى لسلطانِ النوم.

لم يكن نومُ الشدادِ هادئاً كالعادة. بعدَ ساعاتٍ من الغيابِ في بحرِ الأحلام، وجدَ نفسَهُ واقفاً في ساحةٍ مهيبة، لا يحيطُ بها جدارٌ ولا يحدُّها أفق. الأرضُ تحتَ قدميه كانت تمتدُّ كأنها بساطٌ من نورٍ باهت، والسماءُ فوقهُ كانت مُثقلةً بغيومٍ سوداءَ كثيفة، تتلاطمُ كأنها أمواجُ بحرٍ هائج.

وسطَ ذلك السوادِ المطبق، انشقت السماءُ عن خطٍّ من نورٍ أبيضَ ناصعٍ، انحدرَ منها كأنه عمودٌ من شمسٍ في ليلةٍ ظلماء. حينها، بدأت أصواتٌ لا تشبهُ أصواتَ البشرِ تتوافدُ إلى مسامعه، ليست كلاماً مفهوماً، بل هي تردداتٌ تهزُّ كيانه. وفجأة، انبثقت من ذلك النور كلماتٌ عربيةٌ قديمة، محفورةٌ في الفراغ، يقرؤها الشدادُ وهو لا يعلمُ كيف يقرؤها، لكنها كانت تتجلى أمامَ عينيهِ وتنبضُ في عقله:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا”

لم يكتفِ المشهدُ بذلك؛ إذ بدأت الكلماتُ تتلاشى واحدةً تلوَ الأخرى حتى لم يبقَ في الرؤيةِ سوى كلمة واحدةٍ معلقةٍ في الهواء، تتوهجُ بلونٍ أحمرَ قانٍ يشبهُ نصلَ السيف. راحَ الشدادُ في منامهِ يحدقُ فيها، وجسدُه يرتجفُ بوقارٍ، وبدأ صوتهُ يخرجُ من حنجرتِهِ في الغرفة، بصوتٍ أجشٍّ، مكررٍ، رتيبٍ، كأنه في حالةٍ من الغيبوبةِ الروحية:

“سَدِيداً.. قُولوا قولاً سَدِيداً.. سَدِيداً.. قولاً سَدِيداً..”

كان يكررُها بعينين مغلقتين، وجبينٍ يغرقُ في عرقٍ بارد، وكأنه يلقي قسماً أو يعلنُ بيعةً لشيءٍ غير مرئيٍّ يراهُ أمامَهُ في تلك الرؤيا.

استيقظت شامةُ فجأةً على وقعِ صوتهِ الذي ملأَ الغرفة، كان صوتاً غريباً، ليس صوتهُ المعتاد، بل صوتاً يحملُ ثقلَ القرونِ وهيبةَ الأنبياء. رأت الشدادَ مضطرباً، يدهُ ممدودةٌ إلى الفراغِ كأنه يحاولُ الإمساك بكلمةٍ ما، وشفتيهِ لا تتوقفانِ عن النطقِ بذاتِ اللفظ:

“سَدِيداً.. قولاً سَدِيداً..”

ارتعدت شامةُ من هولِ المشهد، وسحبت غطاءها بذعرٍ، وهي تراقبُ زوجها الذي كان غارقاً في عالمٍ لا تراه، يرددُ الكلمةَ بانتظامٍ مخيف، حتى خُيّلَ إليها أنَّ جدرانَ الجناحِ بدأت تهتزُّ مع كلِّ مرةٍ ينطقُ فيها تلك الكلمة، قبل أن يفتحَ الشدادُ عينيه فجأةً، ويتوقفَ الزمنُ في الغرفةِ للحظة، وعيناهُ لا تزالانِ مثبتتينِ على نقطةٍ غير مرئيةٍ في سقفِ الجناح.

كانت أنفاسُ الشدادِ تتلاحقُ كأنما خاضَ معركةً طاحنة، وجبينُهُ يقطرُ عرقاً جعلَ خصلاتِ شعره تلتصقُ بصدغيه. تحركت شامةُ بسرعةٍ، نهضت من فراشها بخفةِ المذعور، وسكبت له كأساً من الماءِ من إبريقٍ فضيٍّ كان بجانبِ الفراش. مدت يدها إليه، فتناولها بيدٍ مرتعشة، وتجرعَ الماءَ دفعةً واحدةً كأنه يطفئُ حريقاً في جوفه.

جلسَ الشدادُ على طرفِ الفراش، يضربُ بيدهِ على ركبتيه، ويردُّ أنفاسهُ ببطءٍ شديد، وعيناهُ لا تزالانِ غائمتينِ بصدى المشهدِ الذي رأى. ظلت شامةُ تحدقُ فيهِ بصمتٍ، تنتظرُ حتى هدأَ روعه قليلاً، ثم سألتهُ بصوتٍ خافتٍ يملؤه الوجل:

“مابه بدنك يرتعش يا صقر؟؟

ما الخطب؟ أيُّ رؤيا رأيتَ لتنتفضَ هكذا وترددَ كلامَ الحقِّ بلسانٍ لم أعهدهُ فيكَ؟ أخبرني، فقلبي قد خفقَ لهيبةِ صوتك.”

رفعَ الشدادُ بصرهُ إليها، وكان بريقٌ غريبٌ لا يزالُ يسكنُ حدقتيه. زفرَ طويلاً ثم قال بصوتٍ متهدج:

“لا أدري يا شامة.. لا أدري إن كانت رؤيا أم نداءً جُعلَ في قلبي. رأيتُ نفسي في فضاءٍ سحيق، بلا أرضٍ ولا سماء، ثم انشقتِ العتمةُ عن نورٍ لا عينَ رأت مثله، وكلماتٍ من قرآنِ الله تتساقطُ حولي كأنها نجومٌ.. لم أكن أقرؤها بل كانت تُرسمُ في روحي رسمًا.”

صمتَ قليلاً، ثم أردفَ وهو ينظرُ إلى كفِّ يدهِ كأنما يرى الكلماتِ لا تزالُ محفورةً عليها:

“رأيتُ الآية.. ‘يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً’.. وتكررت الكلمةُ في أذني كقرعِ الطبول، ‘سديداً’.. تكررت حتى ملأت أركانَ المكان، ورأيتُ في نهايةِ النورِ شيئاً لم أفهمه، خيالاً لشيءٍ عظيمِ الشأن،تحول على اثر ضهوره المكان الى لون اخضر لا نهاية له!”

أصغت شامةُ لكلِّ كلمةٍ بذهول، وحين توقفَ عن الكلام، خيّمَ صمتٌ ثقيلٌ على الغرفة. بقيت ساكنةً، تبتلعُ ريقها، ثم فجأةً، انفرجت أساريرُ وجهها عن ابتسامةٍ غامضةٍ ورقيقة، وكأنها قرأتْ شيئاً في وجهِ زوجها المضطرب.

نظرَ إليها الشدادُ باستغرابٍ، واختلجت حاجِباه بحدة، وقال بلهجةٍ يمتزجُ فيها التعجبُ بالضيق:

“ما لكِ يا شامة؟ أهذا وقتُ ابتسامٍ؟ لقد رأيتُ ما أوجفَ قلبي وأفزعَ منامي، وأنتِ تنظرين إليَّ كأنني حكيتُ لكِ حكايةً من حكايا اللهو؟ ما الذي يثيرُ عجبكِ في هذهِ الهيبةِ التي رأيت؟”

تنهدت شامةُ بعمق، ومالت برأسها قليلاً، ثم قالت بنبرةٍ واثقةٍ وعينينِ تلمعانِ بذكاءٍ دفين:

“لستُ أبتسمُ استخفافاً يا صقر، بل أبتسمُ لأنَّ قلبكَ قبلَ عقلكَ قد اهتدى إلى البشارةِ التي ننتظرها.. إنَّ ما رأيتَ ليس مجردَ منام، بل هو رسالةٌ جُعلت على لسانِ الغيبِ لتؤكدَ لكَ حقيقةً قد لا تُدركُها الآن.”

ثم أكملت وهي تمسكُ يدهُ وتضعها على بطنها برقة، والابتسامةُ لا تزالُ تزينُ محياها:

“الصقرُ الذي لا يخشى مواجهةَ السيوف، يخشى اليومَ أن يقرأَ ما خطَّتهُ الأقدارُ لوليده. ألا تدركُ أنَّ ‘السديد’ هو الاسمُ الذي أودعهُ اللهُ في روعك؟ فكيفَ يستقيمُ أن تأتيكَ الآيةُ وتترددَ في أذنيك بلسانك، ثم تظنُّ أنَّ الأمرَ قد خَلَتْ منه الحكمة؟”

مالت نحوه قليلاً، وبدأت تهمسُ بنبرةٍ تحولت فيها الابتسامة إلى هيبةٍ ووقار:

“يا صقر، لا تظن أنَّ ما رأيتَ هو مجردُ صدى لكلماتٍ ألقاها النومُ في مسمعك. لقد رأيتَ الآية، والآيةُ في كتابِ الله لا تأتي عبثاً، فهي نورٌ يُستضاءُ به. حين كررتَ ‘سديداً’ في منامك، لم تكن ترددُ لفظاً عابراً، بل كنتَ تترنمُ بصفةِ مولودٍ سيحملُ من اسمهِ نصيباً.. سيأتي ليُقومَ ما اعوجَّ، ويصدقَ حين يميلُ الناسُ إلى الكذب، ويحكمَ بالعدلِ حين يطغى الهوى. هذا ليس اسماً فحسب، بل هو عهدٌ يُعقدُ عليه منذ الآن.”

أغمضت عينيها لثانية، وكأنها تستعيدُ مشهد الرؤية من خلال كلماته، ثم أكملت بنبرةٍ أكثر عمقاً:

“لقد قلتَ لي إنك رأيتَ شيئاً عظيماً في نهاية النور.. ألا تدركُ يا صقر أنَّ ذاك النورَ هو مقامُه؟ وأنَّ هذا الاسمَ الذي رددتَهُ بلسانك هو ‘السدادُ’ الذي سيقودُ به خطاه؟ لقد أُعطيتَ مفتاحَ مملكتهِ قبل أن يفتحَ عينيهِ على الدنيا، وأُلقيَ إليك بـ ‘السديد’ ليكونَ هو النبراسَ الذي يضيءُ طريقه.”

صمتت شامةُ قليلاً، لتترك الكلماتِ تتغلغلُ في وجدانهِ، ثم أضافت وهي تمسكُ وجهه بكفيها بلطفٍ بالغ:

“الصقرُ لا يخطئُ هدفه، وأنتَ اليومَ لم تخطئ إشارتكَ في منامك. هذا الولدُ ليسَ فقط ثمرةَ حبنا، بل هو ‘سديدُ’ هذا القصرِ، ومُصلحُ شأنه. فهل بعدَ كلِّ هذا النورِ، وبعدَ أن نطقتَ به بلسانِ الغيب، يجرؤُ قلبكَ على التردد؟”

سادَ صمتٌ مهيبٌ في الجناح، ولم يعد يُسمعُ إلا أنفاسُ الشدادِ التي بدأت تستقرُّ، وعينيهِ اللتينِ بدأتا تستوعبانِ المعنى الحقيقي لما حدث. لقد كان صوتاً خفياً يهمسُ له في ظلامِ الجوفِ بالاسمِ الذي سيُغيّرُ وجهَ التاريخ.

ظلَّ الشدادُ صامتاً، وعيناهُ معلقتانِ في سقفِ الغرفةِ وكأنهُ يرى الحروفَ لا تزالُ تتراقصُ في الفضاء. لم ينطقْ بكلمة، ولم يزدْ على زفرةٍ عميقةٍ خرجت من صدره، وكأنَّ عقلهُ يصارعُ يقيناً جديداً بدأ يفرضُ نفسه على يقينهِ القديم. لم تكن شامةُ بحاجةٍ لأكثرَ من ذلك الصمت؛ فقد رأت في نظراته أنَّ الكلمة قد استقرت في جوفِ قلبه. استسلمَ الشدادُ للكرى من جديد، لكنه كان نوماً مضطرباً، بينما كانت شامةُ تغمضُ عينيها وعلى شفتيها ابتسامةُ النصرِ الهادئ، مطمئنةً إلى أنَّ البذرةَ قد زُرعت.

مع بزوغِ أولِ خيطٍ من خيوطِ الفجر، وقبلَ أن تنفضَ شامةُ غبارَ النومِ عن جفنيها، كان الشدادُ قد تسللَ من الفراشِ بخطواتٍ واثقة. لم يكن خروجهُ هروباً، بل كان تلبيةً لنداءٍ غامضٍ في نفسه، رغبةً في أن يرى ما وراءَ كلماتِ زوجته. لقد كان يرى في شامة ذكاءً يسبقُ زمانها، ويخشى أن تكونَ عاطفتُها قد صاغت من الرؤيا ما تشتهي نفسُها أن تراه، فقررَ أن يعرضَ الأمرَ على من لا يميلُ لهوى.

في الديوانِ الفسيح، حيثُ تتسللُ خيوطُ الشمسِ عبرَ النوافذِ الموشاة، كان الشدادُ ينتظرُ وحده. لم يمضِ وقتٌ طويل حتى دخلَ “الشيخُ الوقور”، عالمُ القصرِ الذي يزنُ الكلمةَ بميزانِ الشرعِ والتقوى.

أشارَ الشدادُ للشيخِ بالجلوسِ قبالته، وبدأ يروي الرؤيا بكلِّ تفاصيلها، منذ انشقاقِ السماءِ عن النور، مروراً بالآيةِ التي اهتزت لها أركانُ منامه، وصولاً إلى ذلكَ المشهدِ العظيم الذي أعقبها، حيثُ تبدلَ ذاك الفضاءُ المظلمُ ليغدوَ أرضاً خضراءَ وارفةً تضجُّ بالحياة. لم يُخفِ الشدادُ شيئاً، ولا حتى شعورهِ بأنَّ شيئاً عظيماً يُعدُّ لهذا القادم.

صمتَ الشيخُ طويلاً، يقلبُ بصرهُ في ملامحِ السلطانِ المشتتة، ثم تنحنحَ وقال بصوتٍ يملؤه الجلال:

“يا مولاي، إنَّ ما رأيتَ ليسَ من أضغاثِ الأحلام. لقد شهدتَ في منامكَ آيةَ الله، والآيةُ إذا جُعلت في منامِ الملوكِ، كانت إيذاناً بعهدٍ جديد. أما عن ‘القولِ السديد’، فهو في كتابِ اللهِ نُورٌ يُهدى به إلى الحق، وإنَّ المولودَ الذي في أحشاءِ زوجتِكَ ليسَ كغيره من المواليد، بل هو ذكرٌ، ولقد اختارهُ اللهُ ليكونَ لهُ شأنٌ عظيم، يُقيمُ العدلَ ويُسدّدُ الرأيَ حين تختلفُ الأهواء.”

اقتربَ الشيخُ من الشداد، وأردفَ بنبرةٍ تخترقُ الحجب:

“لقد رأيتَ في آخرِ رؤياك تحولَ العتمةِ إلى لونٍ أخضر، وهذا يا مولاي برهانٌ من الله على أنَّ هذا المولودَ سيحملُ لواءَ النصرِ والتقوى، وهو بستانُ المملكةِ القادم. فليكن اسمهُ ‘السديد’، فهو الاسمُ الذي سيحملُ به أمانةَ اللهِ في الأرضِ من بعدك، وذاك الشأنُ العظيمُ الذي رأيت، سيجعلهُ بين الناسِ علماً يُهتدى به، لا يُطفئُ نورهُ باطلٌ ولا يغيبهُ ظلام.”

سكتَ الشداد، وشعرَ بأنَّ ثقلاً كبيراً قد انزاحَ عن صدره، وتلاشت كلُّ شكوكهِ التي ساورتهُ في الصباح. لقد تلاقت رؤيا قلبهِ مع شهادةِ العلمِ، وتأكدَ له أنَّ ما بدأت شامةُ تهمسُ به، ليس مجردَ أمانٍ عابرة، بل هو قدرٌ مكتوبٌ منذُ الأزل.

كانت خيوطُ الشمسِ الأولى تلامسُ أسوارَ قُرطبة العتيقة، حينما تسللت “يازية” من بابٍ خلفيٍّ للقصر، مُتلفعةً بسلهامٍ داكنٍ من الصوفِ الخشن، أخفى تحت طياته معالمَ وجهها الذي أضناهُ الحقد. خلفها، كانت “زهرة”، عريفتها الكبيرة وذراعها اليمنى في الدسائس، تمشي بخطواتٍ حذرة، تتلفتُ يميناً وشمالاً كأنها تطاردُ الأشباح.

وصولاً إلى زقاقٍ ضيقٍ وموحش في أطرافِ قُرطبة، حيثُ تكثرُ الدورُ العتيقةُ التي لا شمسَ فيها، توقفت يازية أمام بابٍ خشبيٍّ قديمٍ ومتهالك. طرقت البابَ طرقةً خفيفةً ومُتفقاً عليها. لم تمضِ لحظاتٌ حتى فُتح البابُ ببطء، وظهرت “القابلة” (حُسناء)، امرأةٌ وجهها محفورٌ بخطوطِ الخبرة ، وحين وقعت عيناها على يازية المتنكرة، تراجعت خطواتٍ للوراء، وقد اصفرَّ وجهها وارتبكت أنفاسها.

“أنتِ؟ في داري؟ يا لَلطفِ الله، أدخلي يا مولاتي.. أدخلي!” تمتمت القابلة بصوتٍ مرتعش، وهي تجرُّ أذيالَ خوفها.

دخلت يازية، وفي عينيها نظرةٌ لا تعرفُ الرحمة. جلست على أريكةٍ بالية، بينما وقفت زهرة تحرسُ البابَ كأنها كلبةُ صيد. لم تكن يازية من النوعِ الذي يُضيعُ الوقت في المجاملات، فنزعت السلهامَ عن رأسها، ورمقَت القابلةَ بنظرةٍ قطعت أنفاسها:

“أتيتُكِ يا حُسناء، لا لأسمعَ اعتذاراتكِ عن ارتجافِ يديكِ، بل لأقضيَ أمراً لا يرتدُّ. شامة.. تلك التي في جناحِ الصقر.. الحملُ الذي في جوفها، أريده أن يزولَ قبل أن يشتدَّ عوده، أريده أن يذبلَ ويتبخرَ كأنَّ شيئاً لم يكن. لا أريدُ دماً يراقُ في القصر، بل أريدُ علةً تبدو طبيعيةً، مرضاً يُنهي الوجودَ دونَ ضجيج.”

ارتبكت القابلة، وراحت تفركُ يديها الخشنتينِ بتوترٍ شديد: “يا مولاتي.. هذا أمرٌ عظيم، والشدادُ ليس بالرجلِ الذي يغفلُ عن نائبةٍ تصيبُ زوجه، وإذا ما عرفَ…”

قاطعتها يازية بحركةٍ حادةٍ من يدها، ورمت صرةً من الذهبِ الثقيل على الطاولةِ الخشبية، فطنَّ صوتُ المعدنِ في أرجاء الغرفةِ الضيقة كأنه نذيرُ شؤم:

“الشدادُ مشغولٌ بمجدِ ملكه، ولن يلحظَ ذبولَ زهرةٍ في جناحٍ محصنٍ إن أحسنتِ التدبير. الذهبُ هنا لا يكفي فقط لشراءِ صمتكِ، بل يكفي أيضاً ليجعلَ من القابلةِ الأفقرِ في قُرطبة، أغنى سيدةٍ في المدينة. أعلمُ أنَّ في جعبتكِ من الأعشابِ ما يُسقطُ الجنينَ ويُوهنُ الرحمَ، فاستعمليها، وبدقةٍ لا تثيرُ الريبة.”

اقتربت زهرةُ العريفةُ من القابلة، وهمست في أذنها بصوتٍ كالسمِّ الزعاف: “إن نجحتِ، فلكِ الذهبُ والمكانة. وإن أخطأتِ.. فاعلمي أنَّ أسرارَ هذا البيتِ وجدرانَه ستكونُ شاهدةً على نهايتكِ قبلَ أن يصلَ الخبرُ للسلطان.”

طأطأت القابلةُ رأسها، وأطبقت يدها على صرةِ الذهبِ بضعفٍ واستسلام، وقالت بصوتٍ واهنٍ يملؤه الشرُّ المستتر:

“سيكونُ كما أردتِ يا مولاتي. سأدخلُ إليها ناصحة، وسأجعلُ مشروباتِ تقويتها هي التي تحملُ الموتَ في طياتها.. لن يشكَّ أحد، وسيموتُ هذا الحملُ ببطء، وكأنه انطفأ من تلقاءِ نفسه.”

وقفت يازية، وأعادت ارتداءَ سلهامها، ورمقت القابلةَ بنظرةٍ أخيرةٍ مليئةٍ بالتحدي:

اذا ..اليوم يبدأُ عملك. ابدئي بدسِّ السمِّ في العسلِ، واجعلي من ضعفها فرصةً للتقربِ منها. لا أريدُ أثراً، أريدُ النتيجة.”

خرجت يازيةُ من الدارِ بخطواتٍ واثقة، تاركةً خلفها القابلةَ في حالةٍ من الرعبِ والترقب، بينما كانت زهرةُ تتبعها بابتسامةٍ باردةٍ تشبهُ ابتسامةَ الأفاعي التي تترصدُ فريستها في صمتِ قُرطبة الغامض.

كان المطبخُ الملكي في قصر قرطبة يضجُّ بالحركة، لكنَّ دادة رقية كانت تعملُ في ركنها الخاصِ كأنها في حصنٍ منيع. أبعدت الخدمَ بصرامةٍ معهودة، وبقيت وحدها تُعدُّ الفطورَ لشامة. كانت يداها المجبولتانِ بالوفاء تقلبانِ الخبزَ وتُعدانِ “الحسو” بعناية، تراقبُ كلَّ تفصيلةٍ وتشمُّ رائحةَ البخارِ كأنها تبحثُ عن أيِّ شائبة.

حملت الصينيةَ الفضيةَ بيدينِ ترتجفانِ من الحرصِ لا من الضعف، وما إن دخلت جناحَ شامة حتى أغلقت البابَ خلفها بظهرها، ثم اقتربت وقالت بصوتٍ خافتٍ

“هاكي يا بنيتي، هاد الفطور صوبتو ليك بيدي، ما قرب ليه حتى حد.. كولي بسم الله، اليوم ما عندك مناش تخافي، رقية واقفة ليك بالمرصاد.”

ما إن بدأت شامة في الأكل، حتى طُرق البابُ بخفة، ودخلت “حسناء” القابلة، تحملُ رزمةً من القماشِ المنسوج. وقفت بابتسامةٍ هادئة وقالت:

“ألف لا بأس عليكِ يا مولاتي، جئتُ بهذهِ الأعشابِ والمقوياتِ التي جمعتُها من أندرِ البساتين، فهي خيرُ ما يثبتُ الجنينَ ويقوي الرحم، عليكِ باتباعها يومياً ولن تري إلا الخير.”

نظرت إليها دادة رقية بامتنانٍ وشكرت القابلةَ بلسانٍ داعٍ، بينما أخرجت شامة من صندوقها صرةً من الذهبِ وقدمتها لها جزاءً على “إخلاصها”، فانصرفت القابلةُ وهي تتظاهرُ بالخشوعِ والحرص.

فتحت رقية الرزمةَ أمام شامة، وقالت بفخر:

“شوفي يا بنيتي، هادو هما العشوب اللي غينفعوك، .. غنكون أنا اللي واقفة على دواءك وماكلتك، القصر عامر بالسموم وما غانتيقو في حتى حد.”

مدت شامة يدها لتتأمل الأعشاب، وقربت الرزمةَ من وجهها، لكنَّ حاسةَ شمِّها التي صقلتها القراءةُ والاطلاعُ في أمهاتِ الكتبِ نبهتها. مالت برأسها، وبدأت تفرزُ الأعشابَ بيدها بتركيزٍ شديد، ثم قالت لدادة رقية بصوتٍ غلبهُ الاضطراب:

“رقية.. هادي ريحة ماشي طبيعية، كتشبه لشي حاجة..

بدأت تُسمي لها الأعشاب واحداً تلو الآخر، ووجهها يزدادُ شحوباً:

“هذا ‘شيح’ بجرعةٍ قاتلة، وهذا ‘سذاب’ مُركز.. رقية، هادو ماشي للتثبيت، هادو أعشابُ الإسقاط! هاد القابلة ما جاتش تداوينا، هادي جات تقتل ليا ولدي وتحطم رحمي.”

انتفضت رقية في مكانها، وتحولت ملامحُ وجهها من الامتنانِ إلى غضبٍ عارمٍ كاد أن يفجرَ الجناح، واندفعت نحو البابِ صارخة:

“وخا، يا الحية! نمشي دابا للسلطان، نخليه يشوف بعينيه شنو كان كيدور فدارو، نذبحها قدامو!”

أمسكتها شامة من يدها بقوة، وقالت بنبرةٍ حازمةٍ رغمَ رعشةِ يدها:

“حبسي يا رقية! الصراخُ لا ينفعُ الآن. إذا ذهبتِ للسلطانِ الآن، ستكونُ كلمةُ القابلةِ ضدَّ كلمتنا، وقد يجدون من يدافعُ عنهم. اهدئي.. خليني أنا نقول ليك شنو غادي نديرو، غادي نردّو كيدهم في نحرهم بطريقةٍ ما يتوقعوهاش.”

في الجناحِ الفسيح، حيثُ تتسللُ خيوطُ الشمسِ الذهبيةِ عبرَ المشربياتِ الخشبيةِ لتلامسَ جدرانَه الموشاةَ بالزخارفِ الأندلسية، كانت شامةُ تجلسُ على أريكةٍ وارفة. لم يكن في أرجاءِ المكانِ غيرُ خريرِ نافورةٍ صغيرةٍ في الفناءِ الخارجيّ، وصوتِ تقليبِ صفحاتِ كتابٍ قديمٍ بين يديها.

كانت عيناها تترصدانِ سطورَ المخطوطةِ بتركيز، لكنَّ ذهنها كان يطوفُ في أرجاءِ القصر، يستحضرُ تلكَ الرزمةَ المخبأةَ بعنايةٍ تحتَ وسادتها. كانت “دادة رقية” تجلسُ في زاويةٍ قريبة، تغزلُ الصوفَ بصمت، وعيناها بين الفينةِ والأخرى ترقبانِ البابَ بحذرٍ شديد، كأنها تحرسُ كنزاً من غدرِ الزمن.

فجأة، سادَ سكونٌ مهيبٌ في الرواق، ثم أُعلنَ عن دخولِ “الشدّاد”.

دخلَ السلطانُ الجناحَ بخطواتٍ واثقة، فاحت منه رائحةُ المسكِ والعود، ملامحُ وجهه الصارمُ

التي تعبت من أعباءِ الدولةِ بدأت تنفرجُ فورَ وقوعِ بصرهِ على شامة. توقفت شامةُ عن القراءة، وأغلقت كتابها ببطء، ثم نهضت لاستقباله.

اقتربَ الشدّادُ منها، وانحنى ليطبعَ قبلةً حانيةً على جبينها، ثم قال بصوتٍ رخيمٍ تمتزجُ فيه القوةُ بالود:

“هل أرهقكِ انتظارُ العودةِ يا شامة؟ لقد أخذتني أمورُ القصرِ بعيداً عن هذا النورِ الذي لا أجدُهُ إلا في وجهك.”

ابتسمت شامةُ ابتسامةً خفيفةً أخفت خلفها الكثير، وأشارت بيمينها نحو الأريكةِ لتجلسَ بجانبه:

“القصرُ لا يكتملُ إلا بوجودك يا صقر، والكتبُ لا تُؤنسني كما يؤنسني حضورك. أتمنى أن يكونَ يومُك قد مضى بسلام، بعيداً عن أثقالِ الحكمِ وهمومها.”

جلسَ الشدّادُ وألقى بردتهُ جانباً، ثم نظرَ إلى عينيها بتمعنٍ وقال:

“السلامُ في قصرنا غايةٌ لا تُدركُ أحياناً، لكنَّ وجودكِ هنا يمنحني طمأنينةً لم أعهدها.. أخبريني، كيفَ وجدتِ يومكِ؟ هل شعرتِ بضيقٍ أو تعبٍ غيرَ معتاد؟”

نظرت شامةُ إلى رقية التي توقفت عن الغزلِ وشدّت وثاقَ ثوبها، ثم التفتت شامةُ نحو الشدّادِ بوقار، وبدأت ملامحُ الجديةِ تظهرُ على وجهها، فقد كانت اللحظةُ التي تنتظرها قد حانت، والرزمةُ المخبأةُ توشكُ أن تكشفَ وجهاً آخرَ للقصر.

قالت بهدوءٍ مريب: “يومي كان هادئاً يا مولاي، لكنَّ هناكَ ما يجبُ أن أطلعكَ عليه.. أمرٌ يتعلقُ بعافيتي، وبسلامةِ ما في أحشائي.”

امتدت يدُ شامة إلى تحتِ الوسادة، وسحبت الرزمةَ القماشيةَ ببطءٍ شديد. وضعتها فوق الطاولةِ الخشبيةِ المطعمةِ بالصدف، وبدأت تفكُّ عقدَ القماشِ بأصابعَ هادئة، بينما كان الشدّاد يرقبُ حركاتها بفضولٍ ومودة، ظانّاً أنها تُطلعهُ على بشائرِ الخير.

فتحت شامة الرزمة، وملأت الغرفةَ رائحةٌ نفاذةٌ وقوية. قرّبتها من أنفها، تنشقت العبيرَ الذي لا يخفى على خبير، ثم رفعت عينيها نحو السلطان وقالت بصوتٍ رزين:

“زارتني القابلةُ اليوم، طمأنتني على حالي، وجلبت لي هذه الأعشاب. أخبرتني أنها خيرُ ما يُهدى للحاملِ في مثلِ حالي، لتثبيتِ الجنينِ ودرءِ الدوخةِ والاضطراب، كي يستقرَّ بي المقامُ وأهنأَ بالراحة.”

لمعت عينا الشدّادِ بالرضا، وانفرجت أساريره. اقتربَ من الطاولة، ونظرَ إلى الأعشابِ بعينِ المُطمئنّ، ثم قال بصوتٍ يملؤه الارتياح:

“هذا حسنٌ يا شامة، حسنٌ جداً. القابلةُ خبيرةٌ بأمورِ النساء، وما دامت هي من نصحتكِ، فاعلمي أنَّ في ذلك خيراً كثيراً. كلي ما يأتيكِ، وواظبي على هذا الدواءِ بانتظامٍ، فسلامتكِ وسلامةُ طفلكِ هما أغلى ما أملكُ في هذا القصر.”

هنا، ارتسمت على شفتي شامة ابتسامةٌ باردة، لم تكن تشبهُ ابتساماتها المعهودة، ابتسامةٌ كأنها صقيعٌ يلفُّ المكان. نظرت في عيني السلطان مباشرةً وقالت بهدوءٍ تقشعرُّ له الأبدان:

“إيه، عندك الحق في كل كلمة قلتيها يا مولاي.. إلا في شيءٍ واحد.”

سكنت حركةُ الشدّاد، وضاقت عيناهُ بفضولٍ ممتزجٍ بالحذر، وسألها بصوتٍ خافت: “ما الذي تعنينه يا شامة؟”

أشارت شامة بأصابعها إلى الرزمة، وبدأت تُقلبُ فيها الأعشابَ واحداً تلو الآخر، وهي تشرحُ له ببرودٍ أعصابٍ كأنها تُلقي درساً في الطب:

“هذا ‘الشيح’ يا مولاي، إذا زادت جرعته ألهبَ الرحم، وهذا ‘السذاب’ الذي تراهُ مخلوطاً معه، هو السمُّ الذي يقتلعُ الجنينَ من جذوره.. هؤلاء ليسوا أعشاباً للتثبيت، بل هي سمومٌ كفيلةٌ بدكِّ الرحمِ وتحطيمهِ في ليالٍ معدودات.”

تغيرت ملامحُ الشدّادِ في لحظةٍ خاطفة؛ احتقنَ وجههُ بالدمِ، وتصلبت نظراتهُ التي انتقلت من الرزمةِ إلى وجهها، كأنه لم يصدق ما سمعه. بدا كمن ضُرب على رأسهِ بمطرقةٍ ثقيلة، وشعرَ بأنَّ الأرضَ تميدُ به. نهضَ من مكانهِ بغضبٍ مكتوم، وقبضَ على حافةِ الطاولةِ حتى ابيضّت مفاصلُ أصابعه، وقال بنبرةٍ حادةٍ كأنها رعدٌ يسبقُ العاصفة:

“هل تدركينَ ما تقولين؟ أتهزئينَ بسلامةِ هذا القصرِ وبما أؤمنُ به؟

لم تضطرب شامة، بل بقيت ثابتةً كالجبل، ونظرت إليهِ بعينينِ لا تعرفانِ الخوف، وقالت بلهجةٍ لا تقبلُ التأويل:

“أنا لا أرمي أحداً بالباطل، ولا أريدُ أن أظلمَ أحداً ولا أن أشعلَ ناراً في قصرك. أنا فقط أضعُ الحقيقةَ بين يديك. إن شككتَ في قولي، فلكَ أن تتأكدَ بنفسك.. ولن تحتاجَ لكلامٍ كثير، بل لفعلٍ واحدٍ يقطعُ الشكَّ باليقين.”

استشاط السلطانُ غضباً، لا من شامة، بل من فكرةِ أنَّ الخطرَ قد دنا من جوهرِ حياته. اقتربَ منها حتى كادَ أنفاسهما أن تمتزج، وقال بصوتٍ مكتومٍ كهديرِ البحر:

“إن كانَ ما تقولينه حقاً، فهذا يعني أنَّ هناكَ من يجرؤُ على العبثِ بحياتي.. يلاه، أريني! أريني كيفَ السبيلُ لإماطةِ اللثامِ عن هذا الزور.”

مسحت شامةُ على طرفِ ثوبها بهدوء، وأشارت لرقية بأن تقترب، ثم التفتت إلى الشدّادِ بملامحَ جادة:

“يا مولاي، السياسةُ في القصورِ تُدارُ بالحذر، لا بالاندفاع. سأتظاهرُ غداً بأنني أُعاني من آلامٍ مبرحةٍ ودوخةٍ لا تطاق.. سأستدعي القابلةَ على عجل، وكأنني جثوتُ على ركبتي من الألم.”

أخذت نفساً عميقاً وأكملت:

“حين تدخلُ الجناح، ستجدني في فراشي مريضة. سأشكو لها بأنني اتبعتُ وصفاتِها، وأنني أخذتُ من هذه الأعشاب، وسأسألها بارتيابِ الحاملِ الخائفة: ‘هل هذا هو الدواءُ الصحيح؟ فقد ساءت حالتي بعدهُ’. سنتركها هي من تتحدث.. سنتركها هي من تؤكدُ لكَ، وبملءِ فمها، أنَّ هذه الرزمةَ هي التي جلبتها بيديها، وأنها هي من نصحتني بها.”

تابعَ الشدّادُ حديثها بذهولٍ من دقةِ تخطيطها، فقالت بنبرةٍ قاطعة:

“بذلك، لا يمكنها أن تنكرَ أنها جابت هاد العشوب بيديها، ولا يمكنها أن تدعي أنني بدلتها أو خلطتها لأظلمَ أحداً. سنضعها أمام حقيقتها، وأمامك.. وحينها سيتضحُ إن كانت مخلصةً لجنينك، أم أنها أداةٌ في يدِ من يترصدُ حياتنا.”

صمتَ الشدّادُ لحظةً، وعيناهُ تحولتا إلى جمرتين. نظرَ إلى الرزمةِ الملقاةِ فوق الطاولة، ثم قال بصوتٍ خافتٍ صارم:

“لم يكد الصمتُ يُخيم على الجناحِ بعد كلامِ شامة، حتى انتفضَ الشدّادُ واقفاً. لم يكن وجهه يبدي أيَّ رغبةٍ في التمهلِ أو التظاهرِ بالمرض؛ فدماءُ السلطنةِ في عروقهِ كانت تغلي، وهيبتهُ كرجلٍ حامٍ لبيتهِ لا تسمحُ لهُ بأن يتوارى خلف الستائرِ ليسمعَ خديعة.

رمقَ الرزمةَ بنظرةِ احتقار، ثم التفتَ إلى شامة قائلاً بصوتٍ رخيمٍ صارم:

لا انتضار لن أسمحَ لامرأةٍ نذلةٍ أن تطأَ عتبةَ جناحي مرةً أخرى، ولن أسمحَ لنفسي أن أمارسَ دورَ الجاهلِ في بيتي.”

اتجهَ الشدّادُ نحو بابِ الجناح، وفتحَهُ بقوةٍ لم تترك مجالاً للتردد. كان الحرسُ يقفون في الرواق، فأشارَ بيدهِ بحركةٍ خاطفةٍ لم تكن تحتاجُ إلى تفسير. حضرَ الحاجب “حسن” في لمحِ البصر، محنياً رأسه في انتظارِ الأمرِ المطاع.

بصوتٍ يقطرُ حزماً، أمرَ الشدّادُ الحاجبَ حسن:

“خذْ رجالكَ، وتوجه فوراً إلى دارِ القابلة. لا تتركها تأخذُ نفساً، ولا تسمحْ لها بالالتفافِ أو المراوغة. أحضرها إلى سجنِ القصرِ المظلمِ فوراً. أريدُ منها الحقيقةَ كاملةً، ومَن وراءَ هذه السموم.. إن لم تنطقْ طوعاً، فاجعل الجدرانَ تشهدُ على عويلها.”

انطلقَ الحاجبُ حسن كالسهم، ولم يمرَّ سوى بضعِ ساعاتٍ من الترقبِ الثقيلِ في القصر، حتى عادَ حسنُ بخطواتٍ موزونةٍ تنبئُ بوقوعِ الخطب. دخلَ على الشدّادِ في جناحهِ الخاص، وكان وجهُ الشدّادِ قد تحجرَ تماماً.

وقفَ الحاجبُ حسن، وبدا عليهِ شحوبٌ مفاجئ، فقد كانَ يحملُ خبراً يزلزلُ كيانهُ كخادمٍ للقصر. تنحنحَ وقال بصوتٍ متهدجٍ يكسرهُ الخوف:

“مولاي.. لقد أُلقي القبضُ على القابلة، ولم يطل استنطاقها، فقد كانت أضعفَ مما توهمنا. لقد اعترفت بكل شيء.”

صمتَ الحاجبُ للحظة، وكأنه يجمعُ شتاتَ نفسه ليخرجَ بالكلماتِ الأقسى:

“اعترفت بأنَّ الأعشابَ التي قدمتها للسيدةِ شامة هي سمومٌ محضة، وأنها من خلطتها بيديها. وحينَ ضغطنا عليها لتعرفَ من حرضها، سقطت في النحيبِ قائلةً إنَّ لالة اليازية، والدتكم، هي من زارتها في بيتها، وهي من أمرتها بهذا الفعلِ الشنيع، وهي من هددتها بالهلاكِ إن لم تنفذ ما أرادت.”

سادَ سكونٌ جنائزيٌّ في الجناح. خُيّل لشامة التي كانت تسمعُ من وراءِ الستارِ أنَّ الزمنَ قد توقف. نظرَ الشدّادُ إلى الفراغ، ولم تكن ملامحُ وجهه تدلُّ على غضبٍ عادي، بل على بركانٍ خامدٍ يوشكُ أن يحرقَ كلَّ شيء.

أشارَ الشدّادُ للحاجبِ حسن بالانصراف، ثم وقفَ وحيداً، يترددُ في أذنيهِ اسمُ والدتهِ كوقع السيف في قطع الهواء كانت الحقيقةُ التي سمعها أشدَّ وطأةً من كلِّ مؤامراتِ الأعداء.

استمع إليها الشدّادُ بإنصاتٍ شديد، وقد بدأت ملامحهُ تنبسطُ شيئاً فشيئاً أمامَ حنكةِ شامة التي لم تكن تتوقعها. حين انتهت من شرحِ خطتها، سادَ صمتٌ عميقٌ في الجناح، لم يقطعهُ إلا صوتُ تنفسهما المتلاحق.

أجابت شامةُ بنبرةٍ واثقةٍ وذكية:

“يا مولاي، الحيلةُ هي أن نُشعرهم بأنهم انتصروا، لكي يطمئنّوا ويتوقفوا عن ملاحقتنا. القابلةُ في قبضتنا، وهي تعلمُ أنَّ نجاتها لا تكونُ إلا بولائها لكَ، لا لغيرك. سنُطلقُ سراحها على أن تظلَّ تترددُ عليَّ، وسنُشيعُ كذباً بين الحشمِ والخدمِ أنَّ ما في أحشائي قد سقطَ إثرَ نزيفٍ مفاجئ.”

تأملها الشدّادُ بدهشةٍ، فتابعت هي:

“سيسري الخبرُ في أروقةِ القصرِ كالنارِ في الهشيم، وحينها ستشعرُ لالة اليازية وكلُّ من يتربصُ بنا أنَّ هدفهم قد تحقق، وسيهدأ روعهم، ولن يلتفتوا إلينا بعد اليوم. سأعيشُ في جناحِي هادئةً، مطمئنةً، أُتابعُ حملي في كنفِ السريةِ المطلقة، ومعي القابلةُ التي ستكونُ عيونا لنا لا علينا، حتى إذا حانت لحظةُ الميلادِ وأشرقت شمسُ المولود، سيكونُ ذلكَ أكبرَ صدمةٍ لهم، وسيعلمون أنَّ مكرَ اللهِ وقدرهُ أقوى من كلِّ سمومهم ومكائدهم.”

مالَ الشدّادُ نحوها، وقد أدركَ بُعدَ نظرها، وقال بنبرةٍ ممتزجةٍ بالتقدير:

“أتعلمينَ يا شامة؟ لقد خِفتُ عليكِ من هذهِ القصور، لكنني اليومَ أرى فيكِ سلطانةً تفوقُ في حكمتها أعظمَ وزراءِ الدولة. فليكن ما أردتِ. سأُطلقُ سراحها بنفسي، وسأحذرها تحذيراً أخيراً يجعلُ الموتَ أهونَ عليها من خيانةِ ثقتنا.”

أحست شامةُ أنَّ ثقلاً كبيراً قد انزاحَ عن صدرها، فهي لم تكن تريدُ فقط حمايةَ وليدها، بل كانت تريدُ حمايةَ هذا البيتِ من انقسامٍ يمزقُ أوصاله. نظرت إليهِ بعينينِ تملؤهما الطمأنينة، وأكملت:

“بهذهِ الطريقة، سنحمي أنفسنا من ألسنةِ الغدر، وسنتركُ لهم فرصةً للاطمئنانِ إلى ‘نصرهم المزعوم’، بينما نُحنُ نكبرُ في الخفاء، حتى يحينَ الوقتُ الذي تظهرُ فيهِ الحقيقةُ بقوةٍ لا تُقهر.”

أومأ الشدّادُ برأسهِ موافقاً، وقد استعادَ رباطةَ جأشه، وبدأ يُفكرُ في كيفيةِ تنفيذِ هذهِ الخطةِ بدقةٍ متناهية، تاركاً وراءهُ غضبهُ العارم، ليحلَّ محلهُ هدوءُ الصيادِ الذي يضعُ شباكهُ في صمت.

مرّ الأسبوعُ ثقيلاً على شامة في جناحها، تلازمهُ بحذر، بينما كانت “يازية” في جناحها، تترقبُ الأخبارَ بقلبٍ ينهشهُ الفضولُ المسموم، تارةً تظنُّ أنَّ السمَّ قد فعلَ فعلتهُ، وتارةً تظنُّ أنَّ شامة لا تزالُ تتحدى القدر.

وفي صبيحةِ اليومِ الثامن، حين كانت خيوطُ الضوءِ تداعبُ ممراتِ القصر، بدأت الهمساتُ تتحولُ إلى أخبارٍ متناقلةٍ بين الحشمِ والخدم. كانت “كنزة” تقفُ في الفناءِ الخلفي، حين اقتربت منها إحدى الجواري وبدأت تهمسُ لها بما سمعتهُ من جناحِ شامة.

توقفت كنزة عن عملها، واتسعت عيناها بذهولٍ وارتجاف. لم تكن الصدمةُ باديةً على وجهها فحسب، بل في ارتجافِ يديها. التفتت يمنةً ويسرةً لتتأكدَ من خلوِّ المكان، ثم تمتمت بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالشفقةِ المصطنعة:

“مسكيينة !! ماتهناا تفرح بيه حتى شوية! ايييوا العين حق الله يخلف ليها .

جمعات كنزة راسها، وبسرعة بدات غادية بخطوات خفيفة كتحاول ما تجلبش الانتباه، حتى دخلات لجناح “شريفة”. دخلات لقات الجو كئيب، وشريفة جالسة فواحد الركن، وجهها شاحب، عينيها غايرين، وحالتها حالة، كأنها ما بقاتش هي ديك المرأة اللي كان الزين كيشع من وجهها.

قربات كنزة لعندها، حطات يديها على كتفها وقالت بنبرة فيها الشفقة والمكر:

“لالة شريفة، مالي كنشوفك هكا؟ تجمعي راسك شوية، هاد الحال اللي راكي فيه ما يليقش بيك. نوضي الله يرضي عليك، دخلي للحمام، غسلي هاد الغمة على وجهك، ونقي راسك، الدنيا باقة طالعة هابطة.”

شافت فيها شريفة بنظرة كلها وجع وما جاوباتش، فكملات كنزة وهي كتقرب منها بزاف، بحال إلا باغة تقول سر:

“أش غنقول ليك آ لالة.. ياك كتعرفي شامة؟ إيوا راه طاح ليها هداك الشي اللي كان فكرشها. هاد الصباح عاد ناض الصداع فجناحها، وقالوا بلي تيلاد طاح ! باححح خوات المجرى

، وما بقى ليها والو من داك الحمل. القصر كامل راه كيهضر شريفة حركات راسها ببطء، وكأن الخبر ما بقاش كيحرك فيها شي حاجة، ولكن كنزة ما حبساتش، زادت ضغطات عليها:

“إيوا دابا نوضي، نوضي ياختي باااز ليك على هاد العيشة لي عايشة حتى دوك الاولاد مساكن مرضتيهم بهاد الغمة يالاطيف.

كملات كلامها خارجة

“ياربي كندخل لهاد البيت كنتخنق قلبي كيتقبط عليا ،، يالاطيييف

العريفة ما تسناتش، كأن رجليها ما كيلمسوش الأرض، حتى دخلات لجناح “لالة اليازية”. كانت اليازية جالسة كتسنى، كأنها حاسة بلي شي حاجة وقعات، غير شافت العريفة دخلات، وقفات بلا ما تحس:

“قولي آ العريفة، طفي هاد النار اللي فقلبي! شنو كاين؟”

العريفة انحنات وقالت بابتسامة ديال النصر: “أبشري آ لالة، الخبر اللي كان كيدور فالهضرة، تأكد دابا. الحمل ديال شامة ما بقاش، طاح ليها فليل، والقصر كامل راه كيتهامس بهاد الخبار. شامة دابا فالجناح ديالها، والحال اللي هي فيه ما كيسر عدو ولا حبيب.”

فديك اللحظة، اليازية تغمضات عينيها، وخرجت منها واحد التنهيدة عميقة، كأنها شي جبل كان جاسم على صدرها وتزاح. بدات كتحس بالراحة كتدخل لقلبها، والملامح ديال الغيظ اللي كانت ديما فاشلة فوق وجهها، بدات كتحول لواحد الابتسامة ديال الراحة والانتصار.

جلست اليازية، وحطت يديها على صدرها وقالت بصوت كلو هدوء: “أخيراً.. أخيراً القصر غادي يرجع للهدوء ديالو. دابا نقدر نتنفس مزيان، وهاد الغريبة اللي جاتنا من بعيد، عرفات بلي هاد الدار عندها حرمتها، وما يمكنش لأي وحدة تفرض فيها راسها.”

العريفة زادت شجعاتها: “داكشي اللي كاين آ لالة، كاع داك الصداع والمشاكل اللي كانت غادية تجي من مورا هاد الحمل، دابا تبخرات. الحمد لله، كلشي رجع لبلاصتو.”

يازية هزات راسها، وبانت فيها الراحة النفسية اللي ما عمرها حست بيها من نهار دخلت شامة للقصر، وكأنها أخيراً ربحات الحرب اللي كانت كتدور فخاطرها.

دازت يومين على الخبر ديال الإجهاض، والقصر كان غارق فالسكون، كأن الكل كيترقب. وفواحد الصباح، كانت “لالة اليازية” جالسة فجناحها كتشرب أتاي وهي حاسة بواحد الراحة ما عمرها عرفاتها. فجأة، سمعات الحركة فالرواق، وبان ليها من الشباك “الحاجب حسن” وهو كيأشر للحراس، وكانت “شامة” خارجة، لابسة جلبابها، وموراه الخدم كيهزو صنادقها وحوايجها، غاديين بيها لجهة الباب الكبير ديال القصر.

اليازية ما قدراتش تصبر، ناضت بسرعة، لبسات خمارها، وخرجات كتمشى بخطوات واثقة ومغرورة، تبعتها “العريفة”. وقفات اليازية قدام الحاجب حسن اللي كان كيشرف على الخروج، وسولات بصوت فيه واحد النبرة ديال السخرية الممزوجة بالانتصار:

“يا الحاجب حسن، هادشي اللي كنشوف؟ شامة خارجة؟ وفين هاد ‘المولاتي’ غادية بهاد الحوايج كاملين؟”

الحاجب حسن حنى راسو باحترام، وقال ببرود ديال الرجال اللي كيعرفو كيفاش يخبّيو السر:

“لالة اليازية، السلطان، الله ينصرو، هو اللي أمر بهاد الشي. شاف بلي نفسية شامة تهرسات بعد اللي وقع ليها، وبلي هاد القصر ما بقاش كيساعدها على الراحة، فقرر يصيفطها للقصر ديال العائلة فالبادية.”

يازية حطات يديها على جنبها، وابتسمات ابتسامة ديال وحدة نالت مرادها: “والقصر ديال العائلة؟ وشحال غتجلس تما؟”

الحاجب كمل بنفس النبرة الرسمية: “السلطان قال بلي غتجلس تما أيام، ترتاح، وتجدد أنفاسها، حيت اللي وقع ليها ما ساهلش، والسلطان ما بغاش شي حاجة تزيد تأثر على صحتها هنا فالعاصمة.”

يازية تنفسات الصعداء، حست بلي الدنيا ضحكات ليها أخيراً. شافت فالحاجب وقالت بلهجة آمرة: “إيوا، الله يجعله خير. المهم هو الراحة ديالها، ومزيان اللي السلطان فكر فهاد الشي، الدار هنا ولات عامرة بالصداع.”

شامة فديك اللحظة دارت شافت فيها، ملامحها كانت باهتة ومخزونة، ولكن فداخلها كانت شامة (أو شامة المتخفية وراء الدور) كتشوف فاليادية نظرة ديال الوداع لواحد المعركة اللي هي اللي ربحاتها. خرجات شامة من القصر، والباب الكبير تسد وراها، واليازية باقة واقفة، شادة فخمارها، كتشوف فديك الغبرة اللي خلاوها حوافر الخيل، وهي كتقول فخاطرها:

“أخيراً، ارتاح القصر، ورجعات المياه لمجاريها.. ياك ما بغيتي تطلعي للسما، ها أنتِ دابا خارجة بحال الدخاخن.”

دخلات اليازية لجناحها، وهي حاسة بلي الأرض ما كتهزش، ما عارفاش بلي داك القصر ديال البادية هو فين غتكمل شامة حملها فسرية تامة، بعيداً على عيونها وسمومها، حتى يجي الوقت اللي غتزلزل فيه القصر بالخبر اللي ما عمرها توقعاتو.

كانت الشمسُ تميلُ نحو الغروب، تاركةً خيوطاً ذهبيةً تداعبُ جدرانَ القصرِ القديم في البادية. شامة تجلسُ على أريكةٍ وثيرَةٍ قربَ النافذةِ المفتوحة، يداعبُ الهواءُ وجهها العليل. لم تعد تلكَ المرأةَ التي تخشى الظلال، بل أصبحت روحاً تستمدُّ قوتها من الأرض.

وضعت يدها على بطنها الذي بدأ يبرزُ بوضوح، يرتفعُ كقبةٍ صغيرةٍ معلناً عن حياةٍ جديدةٍ ترفسُ داخلها. همست لنفسها بابتسامة: “اقترب الموعد يا صغيري.. القصرُ ينتظرُ، والقدرُ يحيكُ خيوطهُ.”

دخلت دادا “رقية” بهدوء، تحملُ طبقاً من الأعشابِ المقطوفةِ طازجةً. نظرت إلى شامة وقالت: “يا لالة، الصغيرُ يتحركُ بكثرةٍ اليوم، كأنهُ يشعرُ برائحةِ العودة.” أجابتها شامة وهي تراقبُ أفقَ الوادي البعيد: “إنهُ لا يركلُ يا دادا، بل يطرقُ أبوابَ الحياة. كلُّ يومٍ يمرُّ هنا، هو مسمارٌ في نعشِ مكرِهم.”

شريفة، الزوجةُ التي ذبلت، كانت تقفُ عند نافذتها تراقبُ وصولَ الشداد. شعرتْ بمرارةِ تجاهلِ اليازية لها، وتجاهلِ السلطانِ لمكانتها، وبدأت تدركُ أنَّ “شامة” لم تكن عدوتها الوحيدة، بل كانَ القصرُ بكلِّ من فيه.

دخلت عليها كنزةُ بخطواتٍ واثقة، وقالت بصوتٍ خافت:

“ماعيتي ما مليتي؟؟ نهار ومطال ونتي مخشية بين هاد الحيوط حابسة راسك ؟ سعداااتك ولاهيلا سعداتك !! الناس كتوجد للعيد والدنيا مقلوبة وكلشي فرحان ونتي هاكا جالسة ! نوضي نوضي ديري ليك حنينة راه الشيب بدا يغطي راسك ونتي فدار غفلون .

قالتها وطلعات وهبطات وخرجات كتنهد مع الباب والملل قاتلها . لي كديرو ليوم كتعاودو غدا وخايفة تحرك شي بندير ولا طعريجة وينوض ليها السلطان يوريها كسر الحداد كيفاش داير .

ليلةُ العيد، كانت الأضواءُ تملأُ فناءَ القصر. كنزة فجناحها فرحانة بصندوق الحرير والحلي كتقيس وتعاود ، واليازية حتى هي مفرشة قدامها اجود المنصوريات والكتان لي جا خصيصا ليها .اما شريفة بقات فجناحها غير روح كيطلع وتهبط وولدها حداها كيلبس ويقيس وبنتها كتلعب والخدم شادين ليهم الخاطر عايشين معاهم اجواء تحضيرات العيد .

كان فناءُ القصرِ الكبير يغصُّ بالأعيانِ وأركانِ الدولةِ في ليلةِ العيد. الشموعُ الكبيرةُ (الشمعدانات النحاسية) كانت تلقي بظلالٍ راقصةٍ على الزليجِ المزخرف، ورائحةُ البخورِ الملكي (العود والند) تعبقُ في الأرجاء، ممزوجةً برائحةِ الياسمينِ المنبعثةِ من حدائقِ القصر.

كانت “لالة اليازية” تجلسُ في صدرِ الديوان، ترتدي قفطاناً من المخملِ القرمزي، وعلى رأسها تاجٌ ذهبيٌّ بسيط، لكنَّ عينيها كانتا تجولانِ في القاعةِ بقلقٍ مريب. بجانبها، كانت “كنزة” تتظاهرُ بالهدوء، لكنها كانت تفتلُ أصابعها بتوترٍ واضح، في انتضار دخول السلطان و عيناها تراقبان”شريفة” التي كانت جالسةً في ركنٍ قصي، شاحبةً، كأنها روحٌ غريبةٌ عن هذا المكان.

فجأة، دوت أصواتُ الأبواقِ النحاسيةِ في أرجاء القصر، وهي إشارةُ دخولِ السلطان. سادَ صمتٌ جنائزي. تطلعَ الجميعُ نحو البوابةِ الكبيرةِ الداخلية لجوف المقصورة اللتي فتحها الخدم بقوة

دخلَ السلطان “الشداد” بهيبتهِ المعهودة، خطواته واثقة، وجههُ يتوهجُ بصرامةٍ غامضة. لكنَّ المفاجأةَ التي جمدت الدماءَ في عروقِ الحاضرين لم تكن السلطان، بل ما كانَ خلفه.

خطت “شامة” إلى داخلِ الفناء. لم تكن تلكَ الشامةُ التي خرجت قبل أشهرٍ منكسرةً مهزومة، بل كانت تمشي بخيلاءِ ملكةٍ عائدةٍ من الموت. كانت ترتدي قفطاناً من الحريرِ الأبيضِ المطرّزِ بخيوطِ الذهبِ الخالص، يتدلى بوقارٍ، وكأنهُ يغطي سرّاً عظيماً. يداها كانتا تستقرانِ على بطنها المنتفخِ بروزاً جليّاً، كأنه قبةٌ مقدسةٌ تحملُ وعداً بالبقاء.

تجمدت في مكانها لاللة اليازية في مكانها، يدها التي كانت تحملُ كأساً من الشايِ ارتجفت حتى سُكبَ الشايُ على فستانها دونَ أن تشعر. اتسعت عيناها بذهولٍ مرعب، وفُتح فمها قليلاً وكأنها ترى شبحاً عادَ للحياة.

كنزة: سقطت المروحةُ التي كانت في يدها أرضاً. بدأت ملامحها تتغيرُ من الفضولِ إلى الرعب، وتحولَ لونُ وجهها إلى لونِ القماشِ الأبيض،فقد اتضحت لها الصورة جيدا وادركت الخدعة .

ما شريفة انتفضت واقفةً، ووضعت يدها على صدرها وهي تهمسُ بكلماتٍ غيرِ مفهومة، وكأنها تلمسُ يَدَ القدرِ التي لم تكن تتوقعها.

توقفَ الشدادُ في وسطِ الفناء، والتفَّ حولَ شامة، وأمسك بيدها أمام الجميع، مما جعلَ الحاضرين يهمسون بصوتٍ غيرِ مسموع. صمتت الموسيقى، وانقطعَ حتى صوتُ الريحِ في الأروقة.

رفعَ الشدادُ صوتهُ، وكان رنّاناً قوياً اخترقَ صمتَ الجدران:

“يا أهلي، ويا أعيانَ دولتي.. لقد قيلَ إنَّ الغصنَ قد انكسر، وقيلَ إنَّ الأملَ قد وُئد. ولكنَّ اللهَ قد أتمَّ وعدهُ.”

نظرت شامة مباشرةً في عيني اليازية، ثم انتقلت بنظراتها إلى كنزة، بابتسامةٍ هادئةٍ وواثقة، وقالت بصوتٍ مسموعٍ هزَّ القاعة:

“ما لا يقتلنا يا لالة، يزيدنا قوة. كنتُ في البادية، لا لأهربَ من عارٍ، بل لأحميَ بذرةً مباركةً من سمومِ الغدرِ التي فاحت رائحتها في أركانِ هذا القصر.”

أطبقت اليازية شفتيها بقوةٍ حتى كادت تُجرح، بينما كانت كنزة تتراجعُ للخلف، تحاولُ الاختفاءَ بين الجواري لاخفاء صدمتها .

سادَ صمتٌ مُطبق، لم يكسرهُ إلا وقعُ خطواتِ “الشدّاد” التي كانت ترنُّ على أرضيةِ الفناءِ كوقعِ حوافرِ الخيلِ في ميدانِ الوغى. تقدمَ حتى وقفَ في مواجهةِ والدتهِ مباشرةً، مُحيطاً إياها بهالةٍ من الهيبةِ والوقارِ الذي لا يأتيهِ إلا الملوك.

نظرَ إليها نظرةً غاصت في أعماقِ روحها، نظرةَ من لا يخفى عليهِ ما في الصدور، ثم قال بصوتٍ رخيمٍ، يقطرُ حزماً وقسوةً مُغلّفةً بالأدب:

أرى في وجهكِ ملامحَ غريبةً لم أعهدها في يومِ عيدٍ أو فرح. أرى ارتباكاً يلوحُ في قسماتِ وجهكِ، ورعشةً في يمينكِ لا تُخطئها عينُ البصير. عجباً! ألا تسرُّكِ بُشرى حفيدٍ قد أزفَ أوانُ مجيئه؟ ألا يقرُّ عينكِ أنَّ في الطريقِ غُلاماً سيحملُ اسمي ويديمُ ذكري؟”

صمتَ قليلاً، ومالَ برأسهِ نحوها قليلاً، والشررُ يتطايرُ من عينيهِ كجمرِ الغضا، ثم أردفَ بنبرةٍ تقطرُ تهكُّماً:

“كنتُ أحسبُ أنَّ نبأَ مَن في أحشاءِ ‘شامة’ سيُزهرُ في قلبكِ رضاً، وسينطقُ لسانكِ بكلماتِ المباركةِ والدعوات. ولكن، أراكِ صامتةً كأنَّ على رأسكِ الطير، شاحبةً كأنَّ بشارتنا هذهِ قد أورثتكِ كرباً لا حُبوراً! أينَ تلكَ الابتسامةِ التي كنتِ تُريني إياها في كُلِّ ملمّة؟ أم أنَّ فرحتَنا هذهِ.. كانت ثقيلةً على نفسكِ يا مولاتي؟”

سادَ صمتٌ كأنهُ النذير، لم يقطعهُ إلا أنفاسُ الحاضرين المكتومة. لم يزد “الشدّاد” على ما قال، فقد بلغت كلماتهُ مبلغَ النصالِ في قلبِ والدته. وبحركةٍ فيها من الهيبةِ والوقارِ ما أذهلَ العقول، تقدمَ نحو “اليازية”، أمسكَ بيدها المرتجفة، وقبلها بقبلةٍ باردةٍ كأنها الوداع، ثم وضعَ كفّها على صدره، ونظرَ في عينيها بابتسامةٍ هادئةٍ لكنها تحملُ في طياتها خريفَ سلطانها.

استدارَ “الشدّاد” بوقارِ الملوك، تاركاً إياها مسمّرةً في مكانها، وسارَ بخطواتٍ واثقةٍ نحو جناحِ السلطنة، غائباً عن الأنظار، ومخلفاً وراءهُ ثقلاً يكادُ يفتتُ صخرَ القصر.

لم يبقَ في الفناءِ إلا صدى الخطواتِ المبتعدة، ووجوهٌ تترقبُ الانفجار. في تلكَ اللحظة، تحولت الأنظارُ من غيابِ السلطانِ إلى “شامة”. ظلت “اليازية” واقفة، والوجومُ يغطي محياها، لكنَّ صدمةَ الواقعِ بدأت تنهشُ قلبها الذي أنهكهُ المكرُ والغيظ.

فجأة، تغيرَ لونُ وجهها إلى بياضٍ شاحبٍ كالكفن، ارتجفَ جسدها بعنف، وبدأ “تشنج” حادٌ يطبقُ على أعصابها. كانت اللحظاتُ تسيرُ ببطءٍ مرعب، وفجأة، هوت “اليازية” على الأرضِ كأنها شجرةٌ عتيقةٍ نخرها السوس، وسقطَ تاجها الذهبيُّ عن رأسها ليصدرَ رنيناً معدنياً على الرخام، تدحرجَ التاجُ حتى استقرَّ عند قدمي “شامة”.

سادَ صخبٌ مفاجئ، جوارٍ يهرعن، وكنزة تقفُ متسمرةً من هولِ ما رأت، وشريفة تنظرُ في ذهول. لكن وسطَ هذا كله، كان هناكَ شيءٌ واحدٌ ثابت: نظرةُ “شامة” و”اليازية”.

كانت “اليازية” ملقاةً على الأرض، أنفاسها متقطعة، وعيناها زائغتانِ تنظرانِ إلى الأعلى، بينما وقفت “شامة” فوقها مباشرةً، شموخها لم يزدد إلا علواً. لم تكن شامة تنظرُ إليها بشماتة، بل بنظرةِ امرأةٍ حكيمةٍ رأت “العدالة” تتجسدُ أمامها.

انحنت “شامة” قليلاً، التقطت التاجَ الذي سقطَ على الأرض، ومسحت عنه الغبارَ بطرفِ خمارها، ثم رفعت نظرها لتلتقي عينا “اليازية” التي كانت في لحظاتِ وعيها الأخيرةِ قبل الإغماء.

سقطت “اليازية” مغشياً عليها، غائبةً عن الوجودِ من شدةِ الصدمة، بينما وقفَ الجميعُ صامتينَ أمامَ هيبةِ اللحظة، حيثُ صارَ القصرُ كلهُ يترقبُ: هل ستستيقظُ اليازيةُ لترى عهدَ شامة، أم أنَّ هذهِ كانت النهايةَ لكلِّ شيء؟

بينما كانت الجواري يتراكضنَ حول “اليازية” الملقاةِ على الأرضِ ، اقتربت “شريفة” من “شامة” بخطواتٍ وئيدة، ووقفت أمامها بابتسامةٍ باردةٍ شاحبة، ضحكت خلالها ضحكةً قصيرةً خاليةً من أي شعور، ثم قالت بصوتٍ يملؤه الزهوُ الجاهل:

“أتظنين يا شامة أن ما اقترفتِه هو النصرُ المبين؟ تباً لكِ ولما تحملهُ أحشاؤكِ! إنَّ ما تتوهمينهُ اليومَ إنجازاً عظيماً، ليس في حقيقتهِ إلا سقوطاً في وحلِ المكائدِ الذي تنزهنا عن الخوضِ في غمارِه. أيا امرأة، لقد انحدرتِ بنفسكِ إلى دركِ الألاعيبِ الوضيعة، ونسيتِ أنَّ المكانةَ تُرتقى بالصبرِ والتعالي، لا بالحيلِ والوقاحةِ التي تتباهينَ بها الآن. أنا، رغم كلِّ ما أصابني، لم أهبط يوماً إلى هذا المستوى، فما أفعالُكِ هذه إلا طعنةٌ في حرمةِ القصر، وما أنتِ إلا عابرةً في زمنٍ لا يغفرُ لمن أراقَ ماءَ وجههِ في سبيلِ عرشٍ زائل.”

لم تتحرك “شامة” من موضعها، بل زادت شموخاً، ونظرت إلى “شريفة” بعينين تلمعانِ ببريقِ التحدي، ثم أجابتها بصوتٍ قويٍ يقطرُ وقاحةً وازدراءً:

“أتتحدثينَ عن الشرفِ والمكانة، وأنتِ التي لم تجني من صمتِكِ وسذاجتِكِ إلا الذلَّ والهوان؟ ليتكِ ادخرتِ نصائحكِ لنفسكِ، لعلها تُجدي نفعاً في استردادِ ما ضاعَ من عُمركِ خلفَ جدرانِ هذا القصرِ الكئيب. تقولينَ إنني انحدرتُ إلى مستواكم؟ بل أنا مَن ترقيتُ لأحطمَ ألاعيبَكم التي عفا عليها الزمن. إنَّ ما تسمينهُ ‘وقاحةً’ يا شريفة، ليس إلا صرخةَ مَن ضاقَ ذرعاً بأن يكونَ أُضحوكةً لغباءٍ كهذا الذي تغرقينَ فيه. عودي إلى زواياكِ المظلمةِ، وانتظري.. فاليومَ لا مكانَ لمن لا يمتلكُ الجرأةَ لانتزاعِ حقِّهِ بيدهِ.”

ثم التفتت “شامة” إلى “اليازية” الممددةِ على الأرضِ بلا حراك، وابتسمت بمرارةٍ وهي تمسكُ التاجَ بين يديها، ثم قالت مختتمةً حديثها: “لقد أزفَ رحيلُ الغافلات، وبدأ عهدٌ لا مكانَ فيهِ للضعفاء.”

حُملت “اليازية” إلى مخدعها الخاص، وقد أطبقَ السكونُ على القصرِ كأنهُ رداءٌ جنائزي. كان الحكماءُ يهرعون إليها، يقلبون كفيها، ويجسّون نبضها، لكنَّ الصدمةَ كانت قد غارت في أعماقِ روحها، فأصابت كبرياءها في مقتل. أُصيبت بجسدٍ لا يستجيب، وعينينِ مفتوحتينِ على اتساعٍ مرعبٍ، كأنهما تُبصرانِ شتاتَ مجدها الذي تلاشى في لحظة.

دلفَ “الشدّاد” إلى الغرفة، كان وقعُ خطواته ثقيلاً، وجسدهُ يعكسُ صراعاً بين وقارِ السلطانِ وألمِ الابن. رأى الحكماءَ يحاولون إفاقة والدته، فأشارَ بيدهِ بحزمٍ مُطلِقاً أمراً: “اخرجوا، ودعوني وإياها.”

خلا المكانُ، إلا من أنفاسِ “اليازية” المتقطعةِ ونظراتها الزائغة التي استقرت على وجهِ ابنها. وقف “الشدّاد” عند رأسها، ووجهه يفيضُ بأسىً عميقٍ لا تخطئه عين. انحنى قليلاً، وقال بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالأسف:

“يا أمي.. لم أكن أبتغي يوماً أن أراكِ في هذا الموقف. كان قلبي يرجو أن أراكِ في أوجِ قوتكِ، تباركينَ عهدي، لا أن تكوني أسيرةَ فراشٍ لا يقوى على النهوض. ولكن، يا لالة، هل تتذكرين ما زرعتِ يداكِ؟”

تنهد بعمقٍ، ثم أكمل وعيناهُ لا تفارقان عينيها الجامدتين:

“لقد سعينا بكلِّ ما أوتينا من حكمةٍ أن نتفادى شروركِ، وأن نتقيَ مكركِ الذي لم يتركْ جانباً إلا أصابهُ. كنا نرجو أن يلينَ قلبكِ بالحق، لكنكِ أبيتِ إلا أن تستمري في غيّكِ، حتى صرتِ ضحيةً لأفعالكِ التي حِكتِها خيوطاً لتحبسي فيها الآخرين، فما لبثتْ إلا أن أطبقت عليكِ. إنَّ ما أصابكِ ليسَ قدراً غريباً، بل هو نتاجُ ما خططتِ لهُ وما أضمرتِه في نفسكِ من ضغينةٍ، ولم يجدِ معكِ صبري، ولا محاولاتي المستمرة في غضِّ الطرفِ عن تجاوزاتك.”

صمتَ “الشدّاد”، ومسحَ على جبينها بلمسةٍ خاليةٍ من العاطفةِ المعهودة، ثم قال بمرارةٍ ختامية:

“الآن، لا يملكُ أحدٌ أن يغيرَ ما اقترفتِه، ولا أن ينهضَ بكِ من هذهِ العثرةِ التي صنعتِها بيدكِ. لقد تمنيتُ لو أنَّ الأمورَ سارت في غيرِ هذا الطريق، لكنَّ الظلمَ لا يورثُ إلا الوهن. ارقدي يا أمي، وتأملي في ما آلت إليهِ العواقبُ.

قبل أن يهمَّ “الشدّاد” بالخروج، توقف عند العتبة، ونظرَ إلى والدته نظرةً يمتزجُ فيها الأسى باليقين. عاد بخطواتٍ بطيئة نحو فراشها، وانحنى ليصبحَ وجهه قريباً من وجهها الشاحب، ثم قال بصوتٍ خافتٍ حازم:

“يا أمي، لعلَّ الناظرَ إليكِ الآن في هذا الموضعِ يظنُّ أنَّ قلبي قد قسا، أو أنني قد أخطأتُ في حقِّ مَن أنجبتني. ولعلَّ الفطرةَ تدفعني للتساؤل: هل عليَّ أنا أن أطلبَ منكِ الصفح؟ أم أنَّ الأمرَ قد استقامَ على غيرِ ما نظن؟”

سكتَ قليلاً، ونظرَ إلى يديها الواهنتين، ثم تابع:

“إنَّ العقولَ تخلطُ دوماً بين الانكسارِ والمظلمة، ويظنُّ الرائي أنَّ كلَّ مَن هوى إلى الفراشِ فهو مظلوم، وأنَّ كلَّ مَن علا فهو ظالم. ولكن، أليسَ الظالمُ هو مَن جَنَى على نفسهِ قبلَ أن يجني على غيرهِ؟ أليسَ مَن حفرَ للآخرينَ بئراً قد هوى فيها بيده؟ إنَّ هذا السقوطَ الذي ترينه الآن ليسَ صنيعي، بل هو حصادُ بذرِكِ الذي أينعَ شوكاً.”

اقتربَ أكثر، هامساً في أذنها بكلماتٍ كأنها ميزانٌ للعدل:

“فلا تظني أنني حينَ أراكِ هكذا، سأشعرُ بوزرِ الظلمِ أو خطيئةِ العقوق. إنَّ السؤالَ الذي يجبُ أن يترددَ في أرجاءِ هذهِ الغرفةِ الآن ليسَ ‘مَن يعتذرُ لمن؟’، بل ‘مَن الذي أخطأ في حقِّ الآخر؟’. أنا لم أبتغِ قطيعتكِ، بل أنتِ مَن اخترتِ مسارَ المكرِ والعدوان، وأنا.. أنا لم أفعلْ سوى أنني تركتُ لنواميسِ الحياةِ أن تُنصفَ مَن أُتعبَ بالظلم. فمن ذا الذي يستحقُّ الاستسماح؟ مَن سلكَ طريقَ الحقِّ مرغماً، أم مَن سوّلَت لهُ نفسُهُ أنَّ القوةَ في الغدر؟”

اعتدلَ في وقفته، ونظرَ إليها نظرةً أخيرةً لا تحملُ كرهاً، بل تحملُ حقيقةً مجردة:

“سأدعُ الأيامَ والضميرَ –إنْ بَقِيَ في الصدورِ – يجيبانِ على هذا السؤال. فليسَ كلُّ مَن غلبَ ظالمٌ، وليسَ كلُّ مَن انهزمَ مظلومٌ. أنتِ مَن اخترتِ طريقكِ، وأنا لا أملكُ إلا أن أترككِ تحصدينَ ما زرعتْ يداكِ.”

استدارَ “الشدّاد” بخطىً ثابتة، وخرجَ من الغرفةِ تاركاً إياها في صمتٍ موحش، حيثُ لم يعدْ في الغرفةِ –أمامَ ضميرِها– إلا صدى كلماته، التي وضعت حداً فاصلاً بين “الشفقةِ المصطنعة” و”حقيقةِ الحساب”.

كانت “كنزة” تقفُ في زاويةٍ قصيّةٍ من الفناء، تتابعُ المشهدَ بعينينِ صقريتينِ لا تفوتُهما شاردةٌ ولا واردة. رأت “اليازية” تنهار، ورأت “شامة” تسيطرُ على الموقفِ ببرودِ أعصابٍ مذهل.

مسحت “كنزة” بيديها على ثوبها الحريري، وعدّلت شعرها بحركاتٍ هادئةٍ وموزونة. لم تظهر عليها أي علاماتِ انكسارٍ أو حزنٍ على حالِ “اليازية”؛ فقد كانت تدركُ جيداً أنَّ السفينةَ قد غيّرَت ربّانها، وأنَّ عليها أن تكونَ أولَ المهنئينَ لتضمنَ لنفسها مكاناً في العهدِ الجديد.

تنهدت “كنزة” تنهيدةً خفيفة، ورسمت على وجهها ابتسامةً عذبةً، مدروسةً بعناية، ثم بدأت تمشي بخطواتٍ متزنةٍ وثابتةٍ نحو “شامة”. كانت الجواري يتراجعنَ عن طريقها احتراماً، بينما كان القصرُ يراقبُ هذهِ الخطواتِ التي كانت بمثابةِ إعلانٍ رسميٍّ بالانحيازِ للطرفِ المنتصر.

وصلت “كنزة” إلى حيثُ تقفُ “شامة”، توقفت أمامها، وأمالت رأسها قليلاً بحركةٍ توحي بالاحترامِ الممزوجِ بالمودةِ المفتعلة. نظرت في عيني “شامة” بثبات، وقالت بصوتٍ رقيقٍ ومسموعٍ لمن حولهما:

“ايوا مبروووك عليك فرحنا ليك ونهار كبيير هدا، غير هوا علاش زعما كدبتي علينا قلتي طااح راح ؟؟ اممم(غنزاتها) ولا خفتي منا نضربو بالعين وقلتي ارا نجمع شطايطي وندير من هنا دازو؟

طلعات فيها ونزلات:

ايوا ماشي مشكل..زياذة الخير خيريين ..الله يفكك على خير ونشوفوك حتى نتي كتراري وترضعي وتباتي سهرانة حتى نتي

وقفت “شامة” بكاملِ ثقتها، لم تهتز لها شعرة، وبقيت عيناها معلقتينِ بعيني “كنزة” ببرودٍ يفتتُ كلَّ محاولات الاستفزاز. انتزعت ابتسامةً هادئة، وبصوتٍ رخيمٍ خلت نبرتهُ من أي ارتباك، أجابتها بالفصحى، في تباينٍ صارخٍ مع دارجةِ “كنزة” الاستفزازية:

“يا كنزة، لعلَّ لكلِّ مَن في القصرِ حكمةً من وراءِ صمته. وما سألتِ عنه، ليسَ إلا درساً في حفظِ الأمانةِ ممّن أرادوا لها الوأد. أما ‘العين’ التي تظنينَ أنني خشيتها، فقد كانت أرواحاً تترصدُ بذراريِ الملوك، فآثرتُ الغيابَ حتى يكتملَ القَدَر.”

ثم خطت خطوةً نحوها، حتى شعرت “كنزة” بأنفاسها، وأضافت بنبرةٍ لا تخلو من تهديدٍ مُبطن:

“أما عن السهرِ والرضاعةِ التي تمنيتِ لي، فإني أسألُ اللهَ أن يرزقكِ مثلها، لتعرفي أنَّ مَن يحملُ أمانةَ العرش، لا يجدُ وقتاً للسهرِ على حكاياتِ الجواري أو تتبعِ خطواتِ الآخرين. بارك اللهُ في تمنياتك، فهي –وإن كانت تحملُ في طياتها حرقةً لا تخفى عليَّ– تظلُّ كلماتٍ نرجو أن يتقبلها اللهُ بصدقِ النوايا.”

التفتت “شامة” للحاضرات، ثم عادت لتركز بصرها على “كنزة” التي تلاشت ابتسامتها تدريجياً، وقالت بوقارٍ ملكي:

“القصرُ يا كنزة يتسعُ للجميع، لمن أرادَ أن يبارك، ولمن أرادَ أن يراقب. فاحرصي على أن تكوني من الصنفِ الأول، فالتاريخُ في هذا العهدِ الجديد، لا يرحمُ العيونَ التي لا تعرفُ أينَ يجبُ أن تنظر.”

سادَ صمتٌ ثقيلٌ بعد كلماتِ “شامة”، وبدا أن “كنزة” قد أُسكتت بكلماتٍ موزونةٍ لا تقبلُ التأويل. انسحبت “كنزة” ببطء، وهي تشعرُ أنَّ “شامة” ليست الفريسة التي يمكنُ مباغتتها، بل أصبحت لبوةً تدافعُ عن عرينها.

بعد أن انتهى صخب الفناء وتلاشت نظرات الوداع المسمومة، انسحبت “شامة” من المكان بخطواتِ ملكةٍ استعادت عرشها. كان الهواءُ الليليُّ يحملُ نسماتِ العيد، ومصابيحُ القصرِ تنعكسُ على أرضيةِ الرخامِ كأنها نجومٌ سقطت لتمهدَ لها الطريق.

في ممرٍ جانبيٍّ يؤدي إلى جناحها الخاص، خفّت حركةُ الخدم، ولم يعد يسمعُ إلا وقعَ خطواتها الرتيبة. وفجأة، لمحت ظلاً صغيراً يتوارى خلفَ أحد الأعمدة الرخامية.

كان “عبيبوش”، خادمها الوفي، يقفُ هناك.

عينيهِ كانتا تلمعانِ بدموعِ الفرحِ الذي لم يستطع كتمانه. كان حانياً رأسهُ، يضمُّ يديهِ إلى صدرهِ بتواضعِ مَن فقدَ السندَ ثم وجدهُ، وظلَّ يرتجفُ من شدةِ التأثر.

توقفت “شامة” عن السير، وابتسمت ابتسامةً دافئةً لم تكن تبتسمها لأحدٍ في ذلك القصر، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ وودود:

“عبيبوش؟ ألا زلتَ هنا؟”

رفع “عبيبوش” رأسه ببطء، وتعلقت عيناهُ بملامحِ سيدته التي ظنَّ أنها لن تعود. انحنى بعمقٍ أكثر، وصوتهُ يتهدجُ بالبكاء:

“مولاتي.. لولا ثقتي بصدقِ وعدكِ لما احتملَ قلبي كلَّ هذا الغياب. لقد كان القصرُ موحشاً، والجواري يتهامسنَ بالسوء، وما كنتُ أجدُ لي ملاذاً إلا الدعاءَ في زوايا الغرفِ المنسية. هنيئاً لكِ العودة، وهنيئاً لنا هذهِ البشارةِ التي أزهرت في بيتنا.”

اقتربت “شامة” منه، ومدت يدها بلطفٍ لتمسحَ رأسه، وقالت بنبرةٍ مليئةٍ بالتقدير:

“لقد كنتَ لي خيرَ العيونِ حينَ غابَ عني النصير، وخيرَ الحافظينَ لسرّي حينَ ضاقت بي السبل. ليلةُ العيدِ هذهِ يا عبيبوش، ليست كباقي الليالي، فبوجودكِ أنتَ والأوفياءِ أمثالك، أستمدُّ قوتي.”

أخرج “عبيبوش” من تحتِ ردائهِ حفنةً من زهورِ الياسمين التي كان قد قطفها من حديقةِ القصرِ سراً، وقدمها لها بتواضع:

“هذهِ لكِ يا مولاتي.. فرحةٌ صغيرةٌ بقدومِ الغلام.”

أخذت “شامة” الزهورَ بامتنان، وشعرت بأنَّ دفءَ هذا الموقفِ الصغير أنساها كلَّ ما واجهتهُ في الفناء. أكملت طريقها نحو جناحها، وهي تشعرُ بأنَّ حلفاءها الحقيقيين ليسوا بالضرورةِ من يملكونَ التيجان، بل من يملكونَ القلوبَ التي لا تنحني إلا للوفاء.

دخلت “شامة” جناحها، وقد غمرها هدوءٌ يلفُّه شعورٌ بالانتصار. وما إن أغلقت الأبوابَ خلفها حتى سمعت وقعَ خطواتٍ واثقةٍ ومألوفة. التفتت، فإذا بـ “الشدّاد” يقفُ عند المدخل، هيبتهُ تملأُ المكان، وعيناهُ تحملانِ نظرةً لم تعهدها من قبل؛ نظرةَ الموثوقِ الذي سلّمَ مفاتيحَ حصنهِ لمن أثبتت جدارتها.

خطا نحوها، ثم وقفَ قبالتها، وقال بصوتٍ رخيمٍ لا يقبلُ الارتياب:

“أنتِ الآن سيدةُ هذا القصرِ بلا منازع. أمورُ النساء، وتسييرُ الجواري، وإدارةُ شؤونِ المقصورةِ الداخلية، كلُّها صارت بيدِكِ. كلمةُ مَن سيعصاكِ هي الكلمةُ التي سأحاسبُ عليها، ومشورتكِ في تدبيرِ القصرِ هي الشورى التي سأنفذها. لا أريدُ في هذا المكانِ إلا مَن يرضى بصحبتِكِ ويخضعُ لحكمِكِ.”

نظرت إليه “شامة” بدهشةٍ ممزوجةٍ بالفخر، فأكملَ الشدّاد بلهجةٍ حازمة:

“قد تكونُ هذهِ مسؤوليةً ثقيلة، لكنني أثقُ فحكمتك . فلتكنْ يدكِ هي التي تُصلحُ ما أفسدهُ الدهر، ولتكن كلمتُكِ هي القانونُ الذي لا يُرد. لقد ألقيتُ إليكِ بزمامِ القصرِ كله، فكوني لهُ كما كنتِ لنفسكِ؛ حازمةً، عادلةً، ومُهابة.”

أدركت “شامة” في تلك اللحظة أنَّ الزمنَ قد دارَ دورتَهُ الكاملة. لم تعدْ تلكَ الزوجةَ التي تنتظرُ الإذن، بل أصبحت هي المرجعُ والآمرة. انحنت بخفةٍ تعبيراً عن الطاعةِ لقرارِ السلطان، ثم نظرت إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقِ السلطةِ الجديدة، وقالت:

“إنَّ الأمانةَ التي حملتني إياها يا صقر ، سأصونها بكلِّ ما أوتيتُ من حزم. ولن يدخلَ هذا القصرَ أو يخرجَ منهُ شيءٌ إلا بما يوافقُ الحقَّ والشرع، وسأجعلُ من هذا البيتِ نموذجاً يُقتدى به، يُمحى فيهِ أثرُ الخيانة، ويسودُ فيهِ النقاء.”

غادرَ الشدّاد، تاركاً إياها وحدها في الجناح، لكنها لم تعدْ وحدها؛ بل أصبحت محاطةً بسلطةٍ تجعلُ من كلِّ نسمةٍ في القصرِ طوعَ أمرها. وفي تلكَ اللحظة، عرفت “شامة” أنَّ المعركةَ لم تنتهِ بانهيارِ اليازية، بل بدأت بتسييرِ دولةٍ صغيرةٍ داخلَ الجدران، ستكونُ هي مهندسةَ عهدها الجديد.

بزغَ فجرُ يومِ العيدِ على “قرطبة”، فكانت المآذنُ تعلو بتكبيراتٍ تزلزلُ أركانَ القصرِ الأموي، وتترددُ أصداؤها في أرجاءِ ساحاتِ “الزهراء”. كانتِ النسماتُ القادمةُ من نهرِ الوادي الكبيرِ تتسللُ عبرَ المشربياتِ الخشبيةِ لجناحِ “شامة”، حاملةً معها برودةَ الفجرِ وعبيرَ بساتينِ الأندلس.

استيقظت “شامة” على وقعِ نيرانٍ خفيةٍ تتأججُ في أحشائها، ألمٌ يمتدُّ في كيانها كأنهُ هزاتٌ أرضيةٌ تسبقُ زلزالاً. استندت بيديها على سريرها المخملي، وتنهدت بصوتٍ مكتوم، ثم همست والدموعُ تكادُ تغالبُ عينيها:

“أهذا أوانك يا صغيري؟ في يومِ العيدِ، في قلبِ قرطبة، اخترتَ أن تبصرَ النور؟”

اشتدَّت عليها موجاتُ المخاض، فكانت تأتيها كأمواجِ البحرِ المتلاطمة، كلما هدأتْ قليلاً عادتْ لتغمرها بوجعٍ أشدَّ وطأة.

في تلك الأثناء، انتفضت “رقية” من نومها مفزوعةً على أنينٍ مكتومٍ تسللَ إلى أذنيها. أسرعت نحو فراشِ “شامة”، لتجدها تتلوى من شدةِ الألم، وقد غطاها العرقُ وامتزجَ الشحوبُ بوجنتيها. لم تكن بحاجةٍ لسؤال، فقد كانت ملامحُ “شامة” تنطقُ بقدومِ اللحظةِ الموعودة.

همست “رقية” بصوتٍ يملؤه القلق:

“شدك الوجع؟؟ الله الله على بنيتي غتولد فهاد الصباح المبارك!”

لم تستطع “شامة” الرد، بل زادت قبضتها على الملاءاتِ قوةً. أدركت “رقية” خطورةَ الموقفِ وأهميته، فهرعت خارجَ الجناحِ تعدو بخطواتٍ متعثرة، حتى وصلت إلى الحراسِ والخدمِ بالخارج، وصاحت فيهم بصوتٍ متهدج: “أسرعوا! أبلغوا السلطان! الساعةُ قد حانت!”

في تلك اللحظة، كان “الشداد” في جناحهِ الخاص، يرتدي حُلةَ العيدِ المهيبة؛ قفطانٌ من الحريرِ الموشّى بالخيوطِ الذهبيةِ الذي يليقُ بمقامِ السلطنةِ في يومِ الفطر. وما إن وصلهُ الخبرُ، حتى استشاطَ قلقاً. لم ينتظرْ إتمامَ حُلتِه، بل انطلقَ يعدو نحو جناحِ “شامة”، قلبهُ يخفقُ مع كلِ خطوة.

دخلَ الجناحَ في عجلةٍ، ليجدها في حالٍ يدمي القلوب. لم تمنعهُ هيبتُه من الجلوسِ على طرفِ فراشها، أمسكَ بيديها المرتجفتينِ بكلِّ حنان، وعيناهُ تفحصانِ وجعها الذي لا يُوصف. التفتَ إلى الخدمِ والوصيفاتِ الذين تجمهروا بذهول، وأمرَ بنبرةٍ لا تقبلُ التأجيل: “أحضروا الحكيمة! أسرعوا، لا تضيعوا لحظةً!”

في غضونِ دقائق، اقتحمت الحكيمةُ الجناحَ وهي تحملُ متاعها، وبدأت تتفقدُ الحالةَ بمهارةِ الخبير. وقف “الشدّاد” من مقامه، وانحنى ليطبعَ قبلةً حانيةً على جبين “شامة” المتعرق، هامساً في أذنها بصوتٍ يملؤه الدعاء: “صبركِ يا سيدةَ القصر، فاللهُ معكِ، ومولودكِ سيكونُ بشارةَ عيدنا. استجمعي قوتكِ، فالموعدُ قريب.”

ابتسمت “شامة” له بوهنٍ شديد، وهي تعاني مخاضها، بينما كان “الشداد” يلقي نظرةً أخيرةً مليئةً بالرجاء. ألقى نظرةً على الحكيمةِ لتطمئنَ عليهما، ثم استدارَ مغادراً الجناح، تاركاً إياها في رعايةِ الحكيمةِ والقدر، متوجهاً بقلبٍ معلقٍ بالداخلِ وبالسماء، ليؤدي صلاةَ العيدِ وهو يستودعُ اللهَ.

انتشر الخبر في أروقة القصر مثل سريان النار في الهشيم؛ همساتٌ مكتومةٌ تتبادلها الجواري خلف الأعمدة الرخامية، وعيونٌ تترصدُ حركةَ الحراسِ عند مدخلِ جناحِ السلطانة. لم تكن مجردَ أخبارٍ عادية، بل كانت صاعقةً أوقفت دورانَ القصرِ المعتاد في صباحِ يومِ العيد. الخدمُ يتناقلونَ النبأَ بأنفاسٍ لاهثة: “شامة تضع، والحكيمةُ خلفَ الأبوابِ المغلقة، والسلطانُ لم يذهبْ للصلاةِ بعد، بل هو هناك، في قلبِ العاصفة”.

في جناحِ “شريفة”، خيمَ صمتٌ جنائزيٌّ غريب. دخلت “السعدية” تلهث، ملامحُها مشدودةٌ من فرطِ التوتر، واقتربت من “شريفة” التي كانت تجلسُ على الأرضِ وسط كومةٍ من ثيابها المهترئة، تحدقُ في الفراغِ كمن يعيشُ في زمنٍ موازٍ. “يا مولاتي”، قالت السعدية بصوتٍ واهن، “القصرُ كلهُ يغلي، شامة في مخاضها، والشدّادُ لم يغادرْ جناحها حتى اللحظة”. لم يرفَّ لـ “شريفة” جفن، ولم تلتفتْ لنداءاتِ الخوفِ في صوتِ خادمتها. مدت يدها ببرودٍ لتعدلَ خصلةً من شعرِ ابنها الأكبر، الذي كان يجلسُ بجانبها بملابسهِ العيدِ الزاهية، ثم قالت بنبرةٍ جوفاء: “دعيها تلقى ما كُتب لها. لا تظني أنَّ الصراخَ سيغيرُ القدر، ولا أنَّ الوليدَ سيحيي ما ماتَ فينا. نحنُ هنا، ننتظرُ انقضاءَ اليومِ كبقيةِ الأيام، فالعيدُ لم يطرقْ بابنا قط”.

وعلى النقيضِ تماماً، كانت غرفُ “كنزة” تنبضُ بالحياة

وعيونٍ تتقدُ دهاءً. كانت الغرفةُ تفوحُ بروائحِ المسكِ والعنبر، و”كنزة” تتصدرُ المشهدَ أمامَ مرآتها النحاسيةِ الكبيرة، بينما انهمكت جواريها في تصفيفِ شعرها الطويلِ بعنايةٍ فائقة. دخلت “لوبانة” بخطواتٍ مسرعة، وانحنت لتهمسَ في أذنِ سيدتها بكلماتٍ لا تُسمع: “السلطانُ هناك.. والحكيمةُ أُدخلت منذُ حين، والأروقةُ تنتظرُ فقط صرخةً تعلنُ مولدَ الجديد”. توقفت الجاريةُ عن تسريحِ شعرِ “كنزة” للحظة، وتلاقت عينا “كنزة” مع انعكاسِ وجهها في المرآة. لم تظهرْ أيَّ ذعر، بل اتسعت عيناها بابتسامةٍ باردةٍ كشفرةِ سكين، ورفعت يدها لتشيرَ للجاريةِ بأن تُكملَ عملها، قائلةً بصوتٍ خافتٍ لا يكادُ يسمعهُ إلا الجدران:

اييوا الله يفكها على خير هدا منقولو “

في غرفةِ “شريفة”، كان الجوُّ خانقاً برائحةِ الركود. كانت “شريفة” تمسكُ بمشطٍ قديم، تحاولُ جاهدةً تصفيفَ شعرِ “علي” بحركاتٍ آلية، بينما كان هو يقفُ متصلباً، جسدهُ قد بدأ يكتسي ملامحَ الفتوة والرجولة التي لم تعد تقبلُ بدلالِ الصغر.

“أمي..” قال “علي” بحدةٍ وهو يبعدُ يدها عن شعره، “لقد قلتُ لكِ مراراً، أنا لم أعد طفلاً تصففينَ لهُ شعرهُ كلما أردتِ حبسهُ في غرفتك. أنا رجلٌ أطمحُ لأكثرَ من هذهِ الجدرانِ المظلمة.”

لم تكد “شريفة” تفتحُ فمها لترد، حتى انفتحَ البابُ بعنفٍ مدروس. دخل خادمٌ يلهث، انحنى أمام “علي” بتبجيلٍ فائق: “يا سيدي، مولاي السلطان ينتظرُ خروجك، فقد لبسَ حُلةَ العيدِ ويريدُك أن تصلي بجانبهِ في مسجد القصر

في غرفةِ “شريفة”، كان الجوُّ خانقاً برائحةِ الركود. كانت “شريفة” تمسكُ بمشطٍ قديم، تحاولُ جاهدةً تصفيفَ شعرِ “علي” بحركاتٍ آلية، بينما كان هو يقفُ متصلباً، جسدهُ قد بدأ يكتسي ملامحَ الفتوة والرجولة التي لم تعد تقبلُ بدلالِ الصغر.

“أمي..” قال “علي” بحدةٍ وهو يبعدُ يدها عن شعره، “لقد قلتُ لكِ مراراً، أنا لم أعد طفلاً تصففينَ لهُ شعرهُ كلما أردتِ حبسهُ في غرفتك. أنا رجلٌ أطمحُ لأكثرَ من هذهِ الجدرانِ المظلمة.”

لم تكد “شريفة” تفتحُ فمها لترد، حتى انفتحَ البابُ بعنفٍ مدروس. دخل خادمٌ يلهث، انحنى أمام “علي” بتبجيلٍ فائق: “يا سيدي، مولاي السلطان ينتظرُ خروجك، فقد لبسَ حُلةَ العيدِ ويريدُك أن تصلي بجانبهِ في جامعِ القصر.”

تغيرت ملامحُ “علي” في لحظة. نظرَ إلى “شريفة” بنظرةٍ مزيجٌ من العتابِ والأسى، ثم قال بصوتٍ جهوريٍّ يملؤه التحدي: “أرأيتِ يا أمي؟ أليسَ هذا دليلاً على أنني كبرتُ؟ السلطانُ يدعوني لمرافقتهِ في يومِ العيد، وأنتِ لا تزالينَ تعاملينني كأنني صبيٌّ في المهد! انظري إلى حالكِ، كيفَ تخرجينَ للناس؟ كيفَ يراكمُ القصرُ وأنتِ في هذهِ الحالة؟ إنني أستحيي من نفسي ومن نظرةِ الناسِ إلينا ونحنُ في هذا الضياع.”

لم ينتظر ردّها، بل التفتَ وخرجَ مسرعاً، تاركاً “شريفة” غارقةً في ذهولها، وكأن كلماته كانت سوطاً جلدَ به بقايا كبريائها.

نزل “علي” الدرجَ بخطواتٍ واثقةٍ تتسارعُ مع نبضاتِ قلبهِ المتهللِ فرحاً. في باحةِ القصرِ، كان “الشدّاد” واقفاً، يرتدي ثياباً بيضاءَ ناصعةً تعكسُ نورَ فجرِ قرطبة، وجههُ يفيضُ بالبشرِ رغمَ قلقِ الولادةِ الذي خلفهُ وراءه. ما إن لمحَ “علي” حتى أشرقَ وجهه.

اقترب “علي” وانحنى بكلِّ أدبٍ، ثم قال بصوتٍ يتهدجُ بالحماس: “عيدك مبارك يا مولاي.. وتقبل الله منك صالح الأعمال.”

ابتسم “الشدّاد” ووضع يده على كتف “علي” بقوةٍ ووقار: “علي.. هل أنت مستعدٌّ لأن تقفَ بجانبي اليوم؟”

لمعت عينا “علي” ببريقٍ أخاذ، وأجاب بصدقٍ عفويٍّ أذابَ جمودَ السلطان: “مولاي، لستُ مستعداً فحسب، بل إنَّ قلبي يكادُ يطيرُ من الفرحةِ لأنني سأصلي معك.. سأكونُ بجانبك في هذه اللحظة العظيمة.”

رتب الشداد بيد “علي” وأشارَ لموكبهِ بالتحرك. خرجَ الوفدُ السلطانيُّ وسطَ هيبةٍ تليقُ بيومِ العيد، متجهينَ نحو جامعِ القصرِ الكبير. كان “علي” يمشي مرفوعَ الرأسِ بجانبِ السلطان، يشعرُ بأنَّ العالمَ يتغيرُ من حوله، وبأنهُ لأولِ مرة، لا يكتفي بمراقبةِ التاريخِ من خلفِ جدرانِ أمهِ الحزينة، بل إنهُ الآن جزءٌ من صياغةِ هذا التاريخِ الجديد.

ساد في الجناح صمتٌ ثقيل، صمتٌ لم يقطعه إلا صوتُ أنفاسِ “شريفة” المتهدجة، التي كانت كمن تلقى طعنةً في صميمِ قلبها من يدِ مَن كانت تظنُّ أنهم حصنُها الوحيد.

بقيت “شريفة” في مكانها، مسمرةً على الأرض، نظراتها زائغةٌ بين الزوايا المظلمة. لم تكن تبكي، فالحزنُ في أعماقها قد تجاوزَ مرحلةَ الدموع، بل كانت تعيشُ حالةً من “الخواءِ العظيم”. كلماتُ ابنها “علي” ظلت تتردد في أذنيها كأجراسٍ جنائزية: “أنا لم أعد طفلاً”، “أستحيي من نفسي”، “أين حالكِ”..

كانت تشعرُ بأنَّ العالمَ الذي بنتهُ من حولِ نفسها وعزلتها قد انهارَ دفعةً واحدة. لم يعدْ خذلانُ السلطانِ لها هو ما يؤلمها الآن، بل خذلانُ فلذةِ كبدها الذي رأى فيها “عقبةً” أو “خزياً” عليه التبرؤ منه أمامَ السلطان.

بجانبها، كانت “السعدية” جالسةً على أعقابها، تفركُ يديها بتوترٍ وتنظرُ إلى سيدتها بشفقةٍ تكادُ تفتتُ قلبها. اقتربت السعدية قليلاً، ومسحت برفقٍ على طرفِ ثوبِ “شريفة” البالي، وقالت بصوتٍ خفيضٍ متهدج:

“يا مولاتي.. لا تأخذي كلامه على محملِ السوء. إنهُ صبيٌّ غرهُ طمعُ الرجالِ ومكانةُ السلطان.. لا يدركُ ما في قلبِ أمهِ من وجع.”

نظرت “شريفة” إلى “السعدية”، لكنَّ نظرتها كانت تمرُّ من خلالها، لا تراها. بدأت ببطءٍ شديد تلمسُ شعرها الذي كانت تصففهُ لـ “علي” منذ لحظات، وقالت بصوتٍ أجوف، كأنهُ صوتُ امرأةٍ تتحدثُ من وراءِ حجاب:

“أتسخرينَ مني يا سعدية؟ حتى أنتِ؟ لقد قالها صراحةً.. لم يعد يراني أماً، بل يراني ‘حالة’. لقد تعرى أمامي كلُّ شيء؛ كبريائي الذي ألبستهُ ثوبَ الحزن، وكرامتي التي ظننتُ أنني أحفظها في هذه الجدران.. لقد رأى كلَّ ذلك، ورأى فيهِ قبحاً.”

بدأت “شريفة” تضحكُ ضحكةً قصيرة، جافة، لا روحَ فيها، ثم تابعت:

“الشدادُ رحل، وشامةُ اليومَ تضعُ عهداً جديداً، وعليُّ.. عليُّ الذي حملتهُ في أحشائي، قد اختارَ عهدهُ أيضاً. أنا اليومَ لستُ فقط وحيدةً، أنا ‘المنسيةُ’ التي لا تليقُ بمقامِ القصر. انظري إلى حالي.. لقد أصبحتُ فعلاً ذلكَ الغبارَ الذي يخشى الناسُ أن تلمسهُ أثوابهم.”

سحبت “شريفة” يديها من تحتِ يدِ “السعدية”، وضمت ذراعيها حولَ صدرها وكأنها تحاولُ حمايةَ ما تبقى من روحها المتشظية. انحنت بجسدها إلى الأمام، وبدأت تتأرجحُ ببطء، مغمضةً عينيها، بينما ظلت “السعدية” صامتةً، تذرفُ دمعاً حارقاً بصمت، وهي تدركُ أنَّ “شريفة” قد دخلت الآن في غياهبِ عزلةٍ لا يعلمُ مداها إلا الله، عزلةٍ لن يخرجها منها عيدٌ ولا مولودٌ جديد.

كان القصرُ في الخارجِ يضجُّ بالحياةِ والأملِ بمناسبةِ العيد، بينما داخلَ هذا الجناح، كانت “شريفة” تدفنُ ما تبقى من كبريائها في قاعِ ذاكرتها، مدركةً أنَّ ابنها حين خرجَ من الباب، لم يخرجْ ليصلي فقط، بل خرجَ لينهي وجودها في حياتهِ إلى الأبد.

نزلت “كنزة” من جناحها وكأنها شمسٌ أشرقت في ممراتِ القصر، تجسدُ قمةَ الترفِ الأندلسي. كانت تتهادى في مشيتها، ترتدي “تكشيطة” من الحريرِ الطبيعي بلونِ الزبرجدِ النادر، مطرزةً بخيوطِ الذهبِ الخالص التي كانت تلمعُ مع كلِّ حركةٍ من جسدها. على رأسها، تعلو “خيط الريح” المُرصع بالزمردِ، يتدلى منهُ بخفةٍ على جبينها العريض، مما زادَ وجهها جمالاً وهيبة. عيناها المخططتانِ بكحلِ “الإثمد” الأصلي كانتا تشعانِ بريقاً لا يعرفُ الانكسار، وشفتانِ بلونِ العقيقِ مرسومتانِ بابتسامةٍ باردة، توحي بأنَّ الدنيا طوعُ بنانها. في قدميها، كان “الشربيل” المخملي المطرز يلامسُ الرخامَ بخفة، وكأنها لا تمشي، بل تسبحُ في الهواء.

بجانبها، كان أبناؤها يسيرون بخيلاء، يرتدون أجملَ ما في الأندلس، وجوههم مشرقةٌ بالنعيمِ والراحة، تمسكُ بهم خادماتُها بأيديهن، بينما كانت “كنزة” توزعُ الابتساماتِ يميناً وشمالاً. كان كلُّ مَن يمرُّ بجانبها من الجواري والخدم ينحني احتراماً وإجلالاً، لاسيما وأنها كانت تخرجُ “صررَ العيد” من حريرِ جيبها وتوزعُ “العيدية” بسخاءٍ مفتعل، وكأنها تريدُ أن تقولَ للجميع: “أنا سيدةُ هذا القصر، وما العيدُ إلا ما أمنحهُ أنا”.

في لحظةِ زهوٍ، تقدمت إحدى الجواري، ربما دفعها الفضولُ أو ربما كلفها أعداءُ كنزة بمهمةِ الاستفزاز، وقالت بنبرةٍ فيها لمسةٌ من الوقاحةِ المبطنة: “يا لالة كنزة.. القصرُ كلهُ يتحدثُ عن صرخةِ المولودِ المنتظر، والسلطانُ دخلَ عند لالة شامة ولم يخرج، وكأننا في زمنٍ غيرِ زماننا، ألا يثيرُ هذا استغرابك؟”

توقفت “كنزة” عن المشي فجأة. سادَ صمتٌ مفاجئ في الممر، وتراجعت الجاريةُ خطوةً للخلفِ وهي تنظرُ إلى شموخِ كنزة. لم تظهر “كنزة” أيَّ غضب، بل أمالت رأسها بدلالٍ مصطنع، واتسعت ضحكتها لتصبحَ قهقهةً هادئةً ومسموعة، ثم قالت بلهجةٍ لا تتركُ مجالاً للشك:

“إيوا ومالكِ تخلعتي يا بنيتي؟ علاش زعما هاد الاستغراب كامل؟ راه اللي ما عارفك يجهلك.. أنا ياكْ حملتْ وولدتْ في ليلتي الأولى، وفرحت السلطان وبيضت وجهو بلا ما نحتاج نتسنى سنين وسنين، وشامة مسكينة، بقالها شحال وهي كاتسنى هاد الوليد يجي، ومْطوّلة الغيبة، بغيتي السلطان يدير عين مييكة ومايمشيش يطل عليها، ويشوف ‘المعجزة’ ديالها اللي تعطلاتْ بزاف.. هادا راه غير واجب، ماشي حُب! واشْ كيسحابْ ليك غادي نغير؟ .. سيري الله يهديك، وشوفي شغلك، راه الغيرة كتاكل فيك غير نتي ولي بحالك

بمجرد ما سلات كلامها، هزات “كنزة” راسها بشموخ كيقطع النفس، وحطات نظرة أخيرة على الجارية، نظرة كانت بحال شي سيف مسموم، خلاتها تبلع ريقها وتراجع للور بخوف.

ما تسناتش رد، دارت بوقار الملكات، وبدات كتمشى وسط الأروقة. كان صوت “الشربيل” ديالها كيضرب مع الرخام إيقاع منتظم: طق.. طق.. طق، بحال شي نبض ديال القصر اللي تابعها فكاع حركاتها. ولادها حداها، كيمشيو بخيلاء وهما ماسكين فإيديها، والخدم والجوارى كينحنيو ليها وهما كيرجفو، كاين اللي كيحني الاحترام، وكاين اللي كيحني من الخوف.

خرجات من الجناح الرئيسي وبانت لها باحة القصر الكبيرة عامرة بالناس والزينة، ضوات البلاصة بجمالها وبهوتها. كانت مسمّعة واحد “الدمدمة” خفيفة، شي أهازيج قديمة ديال العيد، كترددها بشوية ففمها، وكأنها كتغني لنفسها ولانتصارها. ما تلفتاتش وراها كاع، خلاتهم تما كياكلو فبعضياتهم بالهضرة والفضول، وهي غادية فخاطرها، مبرعة، عاجبها راسها،

داخل جناح “شامة”، كانت الأجواء مشحونة بهدوء مقدس، بعيداً عن ضجيج القصر وتوقعات الخلق. لم تكن الولادة صراعاً مع الألم بقدر ما كانت انصياعاً لنداء الطبيعة. “شامة” مستلقية على فراشها الوثير، وجهها رغم العرق الذي يغشاه، كان يشع بوقار غريب، وكأنها في حالة مناجاة لا تدركها إلا الأمهات في لحظات التكوين.

“دادا رقية” كانت تجلس خلفها، تسند ظهرها بيديها القويتين، وتهمس في أذنها بكلماتٍ من ذكرٍ وتسبيح، تارةً تمسحُ على جبينها، وتارةً تشدُّ على كفيها. وضعت رقية قطعةً من الحرير المنسوج بعناية بين أسنان “شامة” لتتكئ عليها في لحظة الدفع، بينما كانت الحكيمة تتحرك بخفة وهدوء، يداها لا ترتجفان، ملامحها توحي بأن هذا المولود قد اختار طريقه إلى الحياة بسلام.

بدأت الموجات الأولى للمخاض، لكنها لم تكن نيرانًا تحرق، بل كانت دفعاتٍ قوية ومنتظمة، كأن الجنين يستعجل اللقاء. كانت “شامة” تأخذ أنفاساً عميقة، تغمض عينيها وتستسلم للتيار. لم يكن هناك صراخ، بل أنين مكتوم يمتزج بتكبيرات العيد القادمة من بعيد، كأن المدينة بأكملها تحتفي بهذا القدوم.

قالت الحكيمة بصوتٍ واثق وهادئ:

“يا لالة.. استجمعي قوتكِ، فالمولودُ قد أطلَّ برأسه، ما هي إلا دفعةٌ أخيرة ويُبصر النور.”

شدَّت “شامة” على يد رقية، وأغمضت عينيها بقوة، دفعت بكل ما أوتيت من عزم، وفي تلك اللحظة، تحرر الألمُ وتحول إلى نور. لم يستغرق الأمر طويلاً، فكأن المولود كان ينتظر اللحظة المناسبة فقط ليخرج إلى الدنيا.

في غضون دقائق، ملأ أرجاءَ الجناح صوتٌ خافتٌ في البداية، سرعان ما تحول إلى صرخةٍ قويةٍ ونقية، صرخةٌ اخترقت صمت الجناح ووصل صداها إلى أروقة القصر.

تنحنحت رقية ودموع الفرح تلمع في عينيها، التفتت إلى “شامة” التي كانت تتنفس الصعداء وقد زال عنها كل ثقل، وقالت بصوتٍ متهدج:

“أبشري يا مولاتي! إنهُ غلامٌ.. جميلٌ كالقمر!”

أخذت الحكيمة المولود بيديها الماهرتين، لفّته في أثوابٍ بيضاءَ ناعمة، ثم وضعته بحنان على صدر “شامة”. في تلك اللحظة، خمد كل شيء؛ اختفى الألم، ونسيت “شامة” تعب الأيام ومرارة الليالي. نظرت إلى وجه الصغير، الذي كان يتحرك بخفة، وشعرت بأنَّ قرطبة كلها قد أصبحت ملكاً لها في هذه اللحظة.

ابتسمت “شامة” بوهن، وأمسكت يد رقية التي كانت لا تزال بجانبها، وهمست بصوتٍ يملؤه الرضا:

“لقد جاء بسلام يا رقية.. وكأنه كان يعلمُ أنَّ عهداً جديداً يبدأُ في هذا العيد.”

لم يكن المخاض عسيراً، بل كان انسيابياً كتدفق مياه النهر في ربيع الأندلس، وكأن القدر نفسه كان يمهد الطريق لوليِّ العهد ليخرج إلى الدنيا في يومٍ مبارك، في وقتٍ كان فيه القصرُ يترقب، والقلوبُ في الخارجِ لا تزالُ غافلةً عن المعجزةِ التي تحققت خلف الأبواب.

بعد انتهاء صلاة العيد، تحول “المشور” – الساحة الكبرى للقصر – إلى لوحةٍ فنيةٍ مهيبة. اصطفَّ كبارُ الدولة، والوزراء، والقوادُ بملابسهم الرسمية الفاخرة، والخدمُ بجلابيبهم الموحدة، كلهم في انتظارِ خروجِ السلطان. كان الجوُّ مشحوناً بالوقارِ والسكينة، وصوتُ التكبيراتِ يترددُ في جنباتِ القصر، بينما كان “الشدّاد” يخرجُ من الجامعِ وبجانبهِ “علي”، الذي كان يمشي بخطواتٍ موزونةٍ يحاولُ فيها محاكاةِ هيبةِ السلطان.

كان “الشدّاد” يلقي التحيةَ يميناً وشمالاً بوجهٍ متهلل، و”علي” يتبعهُ كظله، يشعرُ بنظراتِ الإعجابِ والترقبِ من كبارِ القومِ نحوه، مما زادَ من ثقتهِ بنفسه. بعد انقضاءِ طقوسِ الاستقبالِ الرسمية في المشور، توجهَ السلطانُ مباشرةً نحو “الجناحِ السلطانيِّ الخاص” حيثُ تقيمُ النساء، بعيداً عن صخبِ السياسةِ والرجال.

بمجردِ دخولهم إلى ذلك الجزءِ من القصر، تغيرَ الإيقاع. كانت “كنزة” في مقدمةِ المستقبلين. نزلت الدرجَ بخفةٍ ودلال، قفطانها الحريريُّ يلمعُ كأنهُ مياهٌ جارية، وابتسامتها المشرقةُ تخفي خلفها الكثير. انحنت بخفةٍ ثم اقتربت، وقالت بنبرةٍ ناعمةٍ كالحرير:

“عيدك مبارك يا مولاي..

في زاويةٍ قريبة، كانت “شريفة” تقفُ بمفردها، بعيدةً عن صخبِ الترحيب. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً، وجهها شاحبٌ كالقمرِ في ليلةِ محاق، ولا أثرَ لزينةِ العيدِ على وجهها. كانت تنظرُ إلى “الشدّاد” و”علي” بعيونٍ غائرة، وكأنها تتابعُ مشهداً من وراءِ زجاجٍ عازل. لم تحاول التقدمَ للترحيب، بل اكتفت بهزِّ رأسها بخفةٍ عندما وقعت عيناهُ عليها، نظرةٌ تحملُ الكثيرَ من الانكسارِ الذي لم يندمل.

أولى “الشدّاد” اهتماماً خاصاً لـ “علي”، وكان يهمسُ له بينَ الفينةِ والأخرى، يوجههُ في كيفيةِ التعاملِ مع الحضور، و”علي” كان يصغي بكلِّ جوارحه، يتتبعُ خطواتِ السلطانِ بدقة، ويقلدُ إيماءاتِه. كان “علي” يشعرُ بأنَّ العالمَ يفتحُ لهُ أبوابهُ اليوم، وبأنَّ نظرةَ “الشدّاد” الحانيةِ إليهِ هي أعظمُ عيديةٍ نالها في حياته.

سادَ شعورٌ بالترقبِ في القصر؛ فالجميعُ يعلمُ أنَّ “الشدّاد” لم يأتِ فقط ليحتفل، بل ليتفقدَ أحوالَ عائلتهِ في هذا العيد. كانت “كنزة” تتوددُ وتتحدثُ بذكاء، بينما “شريفة” غارقةٌ في صمتها، وكلُّ ذلك كان يحدثُ تحتَ أنظارِ السلطانِ الذي كان عقلُه مشتتاً بينَ العيدِ في الخارج، وبينَ صرخةِ المولودِ التي لا تزالُ أصداؤها تترددُ في قلبهِ من الداخل.

وسط هاديك الأجواء المشحونة بالترقب واحد الحركة سريعة خلات الجمود ديال القصر يذوب. بنت “شريفة” الصغيرة، اللي كانت واقفة بعيد، ما قدراتش تصبر كثر، بدات كتجري بملابسها البسيطة نحو السلطان “الشداد”. غير شافها، تبدلات الملامح ديالو، نزل لمستواها وفتح يديه، هزها بحنان كبير وضمهالصدره.

بأس يديها الصغيرتين وراسها، وهمس فودنها بكلمات دافئة خلاتها تبتسم وهي محمرة من الحشمة. هاد المشهد خلّف صمت في الأرجاء، كنزة بقات كتشوف فيهم بنظرات مبهمة، وشريفة في القنت البعيد، عينيها غرغرو بالدموع وهي كتشوف بنتها فحضن الأب اللي تخلات عليه حتى هي في عزلتها.

من بعد، التفت السلطان للوليدات ديال “كنزة” اللي كانوا واقفين حداها. بابتسامة ديال أب فخور، نادى عليهم، وقربو ليه بخطوات واثقة. بادلهم الاهتمام وداعبهم بيده، وبانت عليه الفرحة بيهم، وبغا يوصل رسالة للكل بلي هادو ولادو اللي كيعتز بيهم. علي، كان كيراقب كل حركة من السلطان، وكيتعلم كيفاش الأب كيمزج بين هيبة السلطان وحنان الوالد.

بوقار، جمع السلطان ولادو كاملين، شد يد بنت شريفة، ويد واحد من ولاد كنزة، وبإشارة منه، تبعوه الباقي.

علي بصفته الابن الأكبر والأقرب، غاديين بخطوات تابثة نحو جناح “شامة”.

كنزة، بذكائها المعهود، بدات تتبعهم بخطوات هادئة، باغة تكون أول الحاضرين لهاد “الحدث”. شريفة، بقات في بلاصتها، ما قدراتش تزيد خطوة، كأن رجليها تبتو في الأرض، وبقات كتراقبهم من بعيد، وقلبها مقسوم بين الفرحة لبنتها والوجع على حياتها اللي ضاعت.

وصل السلطان لباب جناح “شامة”، وقف لحظة، مسح وجهه بيده، وكأنه كيجمع قواه باش يستقبل هاد اللحظة الفارقة. علي كان حداه، كيشوف فيه بنظرات الترقب، والوليدات الصغار دايرين بيهم بفضول طفولي.

السلطان دفع الباب ودخل، والوليدات دخلو وراه، وكل واحد فيهم كيشوف في “شامة” اللي كانت جالسة فوق الفراش، شاحبة ولكن بوجه كيشع بالنور، والمولود ملفوف في القماط الأبيض بين يديها.

ساد صمتٌ مهيبٌ في الجناح، لم يقطعه إلا وقعُ أقدامٍ موزونة. اصطفَّ الخدمُ والوصيفاتُ في نظامٍ بديع، كلٌّ يراقبُ في صمتٍ، وعيونُ كنزةَ تترصدُ كلَّ حركةٍ بحدةِ صقرٍ يخشى أن يضيعَ منهُ طريدته. أما “علي”، فكان يقفُ شامخاً بجوارِ أبيه، يراقبُ المشهدَ بعينِ الابنِ الذي يستشعرُ عظمةَ اللحظة.

خطا السلطانُ نحو “شامة”، وبدا وكأنَّ الزمنَ قد توقف. انحنى بهيبةِ الملوكِ وحنانِ الأب، وطبعَ قبلةً دافئةً على جبينها؛ فابتسمت “شامة” بوهنٍ يمتزجُ فيهِ التعبُ بالرضا. تقدمت “دادا رقية” بخطواتٍ وئيدة، تحملُ بين ذراعيها “البشارة” الملفوفةَ في أثوابٍ بيضاءَ حريرية، وقالت بصوتٍ متهدجٍ يملؤه الفرح: “يا مولاي.. لقد أهداكَ اللهُ غلاماً، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين”.

أخذَ السلطانُ المولودَ برفقٍ فائق، وما إن التقت عيناهُ بوجهِ الصغير، حتى تلاشت هيبةُ السلطنةِ أمامَ ملامحَ إلهيةٍ غطت وجهَ الوليد. كان نورٌ ربانيٌّ يشعُ من محياه، جمالٌ يفوقُ الوصفَ ووقارٌ يسبقُ أوانَه. انحنى السلطانُ ليقبلَ رأسَ طفله، ثم اقتربَ من أذنيهِ الصغيرتين، وبدأَ يؤذنُ ويقيمُ الصلاةَ بصوتٍ جهوريٍّ رخيم، ترددت أصداؤه في أركانِ الجناح، ثم نطقَ بصوتٍ واثقٍ ومسموع: “أُسميكَ… قيسُ… قيسُ السديد.”

في تلك اللحظة، انتفضت “شامة” بخفة، واتسعت عيناها بذهولٍ كأنما صعقها البرق. لقد كان هذا الاسمُ هو ذاته الذي ترددَ في رؤياه ؛ كانت تنتظرُ “السديد”، لكنَّ إتمامَ الاسمِ بـ “قيس” جعلَ جسدها يرتجفُ طرباً. تلاشت حيرتها، وارتسمت على وجهها ابتسامةٌ هادئة، وكأنَّ روحها قد استقرت أخيراً في مأمنها.

لم يتوقفِ المشهدُ عند هذا الحد، بل التفتَ السلطانُ ببطءٍ نحو “علي”. مدَّ ذراعيهِ بالوليد، وقالَ بنبرةٍ تحملُ أبعاداً أعمقَ من مجردِ تقديمِ طفل: “يا علي.. رحّب بأخيك.”

سادَ ذُعرٌ صامتٌ في أرجاءِ الغرفة؛ صُدمت “كنزة” حتى كادت تفقدُ توازنها، وذهلَ الحضورُ من هذهِ اللفتةِ غيرِ المتوقعة. مدَّ “علي” يديهِ بارتجافٍ وقور، احتضنَ أخاهُ الصغيرَ بينَ ذراعيه، وشعرَ بدفءِ الحياةِ يتدفقُ إلى قلبه. همسَ بنبرةٍ تقطرُ إيماناً: “ما شاء الله.. تبارك الرحمن.”

لم تكن مجردَ نظرةِ أخٍ لأخيه، بل كانت لحظةَ اعترافٍ ورباطٍ جديدٍ ينسجهُ السلطانُ بينَ أبنائه. وبعدَ لحظاتٍ من التأمل، استعادَ السلطانُ وليدَه من “علي” بلطف، وأعادهُ إلى “دادا رقية” التي ضمتهُ إلى صدرها، بينما كانت الأنظارُ كلها لا تزالُ معلقةً بالمشهد، وقلوبُ الجميعِ تضطربُ من ثقلِ اللحظةِ التي رسمت بوضوحٍ موازينَ العهدِ الجديد.

بعد أن أودع السلطان “الشداد” مولوده “قيس” بين ذراعي “شامة”، ألقى نظرة أخيرة مفعمة بالسكينة على الجناح. أومأ لرئيس الخدم بإغلاق الأبواب بوقار، ثم التفت نحو “علي” الذي كان يتبعه بخطوات حذرة، وكأن ثقل اللحظة لا يزال يطوق كتفيه.

خرجا معاً إلى الأروقة الرخامية الطويلة التي كانت تنعكس على جدرانها أضواءُ القناديل النحاسية. ساد الصمتُ لبرهة، لم يقطعه إلا وقعُ أحذيتهما على الأرض، قبل أن يكسر السلطان هذا السكون بنبرةٍ تخلو من هيبةِ السلطة، وتمتلئُ بحنانِ الأب:

“يا علي، رأيتَ كيفَ كانَ نظركَ إليه؟ لقد رأيتُ في عينيكَ شيئاً لم أعهدهُ فيك من قبل.”

توقف “علي” للحظة، ثم تابع السير بجانب أبيه، وأجاب بصوتٍ خافت: “لا أدري يا مولاي، لكنني شعرتُ بمسؤوليةٍ غريبة.. كأنَّ هذا الصغيرَ قد وُلدَ ليُغيرَ شيئاً فيّ.”

تنهد “الشداد” تنهيدةً طويلة، ووضع يده على كتف “علي” بقوة، وقال: “أنتَ لستَ مجردَ ابنٍ للسلطان، أنتَ سندُ العرشِ وعمودُ البيت. قيس..وسيف الدين هما قطعةٌ من روحك، الأيامُ ستدورُ يا بني، والسياسةُ قد تحاولُ التفريقَ بينكم، لكنَّ ‘الأخوة’ هي الحصنُ الوحيدُ الذي لا ينكسر.”

سحب السلطان “علياً” قليلاً ليقتربَ منه، ثم أضافَ بلهجةٍ حازمةٍ تملؤها الحكمة: “سيفُ الدين ينظرُ إليك كمثلٍ أعلى، وقيسٌ سيحتاجُ إلى حمايتك في غيابِ الظلالِ الأخرى. ، أريدك أن تكونَ ‘الأخ الأكبر’ الذي يجمعُ الشتات. هؤلاءِ هم أمانتك، وهم قوتك.”

شعر “علي” بأنَّ كلماتِ أبيهِ ليست مجردَ نصيحة، بل هي “ميثاق”. كان يتخيلُ ملامح “سيف الدين” الصغير، ويدركُ الآن أنَّ وجود “قيس” في حياته ليس مجردَ إضافةٍ لعائلة، بل هو بدايةُ رحلةٍ جديدةٍ من المسؤولية. سار وهو يستوعبُ “خيوط الارتباط” التي بدأ أبوهُ ينسجها بينه وبين إخوته، خيوطاً متينةً لن تستطيعَ مكائدُ القصرِ قطعها.

بينما هما يسيران، كان “علي” يشعرُ بأنَّ نظرتَه للقصرِ قد تغيرت؛ لم تعد الجدرانُ مجردَ حجارة، بل أصبحت مساحةً يتوجبُ عليه حمايتها. نظرَ إلى أبيهِ وقالَ بعزم: “سأكونُ لهم ما طلبتَ يا مولاي.. وأكثر. فبيتٌ لا يجمعُ إخوتهُ على المحبة، هو بيتٌ بلا أساس.”

ابتسم “الشداد” ابتسامةً خفيفة، وتابع السير بخطواتٍ واثقة، مطمئناً إلى أنَّ زرعَهُ قد بدأ يثمرُ في روحِ ابنهِ الأكبر، وأنَّ عهدَ التفككِ الذي عاشه القصرُ طويلاً، قد يجدُ نهايته في يدي هذا الغلام الذي بدأ يدركُ معنى “الرابطة”.

بمجرد ما خرج السلطان وعلي، وساد واحد الصمت تقيل في الجناح، بدات “كنزة” كتقرب من الفراش ديال “شامة”. مشيتها كانت فيها واحد النوع ديال التوازن المصطنع، وكأنها كتمشى على خيوط ديال العنكبوت. قربات حتى وقفات فوق راس “شامة”، وبقات كتشوف فيها وفي الوليد اللي بين يديها، وعينيها كيلمعو بواحد البريق ما قاداش تخفيه.

بواحد الابتسامة اللي بانت بحال يلا حقيقية، وهي في الحقيقة “سّم في عسل”، حطات يدها على طرف الملحفة وقالت “إيوا مبروك عليك يا لالة شامة، والله يجعلو عتبة د السعد والخير فهاد القصر. تبارك الله وما شاء الله، الوليد كيشرق بالنور، بحال يلا كيشبه لباه فشي نظرة.. الله يحجبو من العين، راه الدراري اللي كيجيو بعد تعطلة كيكونوا عزيزين، وهاد ‘قيس’ كيبان لي غيكون عندو الشأن الكبير.”

سكتات واحد اللحظة، وهي كتحاول تقيس نبض “شامة” بنظراتها، وزادت بابتسامة خفيفة وهي كتشوف في المولود:

“ارتاحي دابا، راه الولادة ماشي ساهلة، والدراري الصغار كيبغيو الرعاية والبال المهني. تهلاي فيه مزيان، راه الدنيا كتقلب، والواحد كيخصو يعرف كيفاش يربّي ولادو باش يكبروا ويحفظوا مقامهم ومقام مواليهم. وما تخافيش، راني وصيت الخدم والجواري يتهلاو فيك، واي حاجة احتاجيتيها، راه كنزة هنا، حنا راه خوت وعائلة وحدة، وما بيناتنا غير الخير والإحسان..”

قالت هاد الجملة الأخيرة وهي كتغمز “شامة” بواحد الطريقة خلات “شامة” تحس بلي هاد الكلام ماشي غير تهنئة، ولكن رسالة مبطنة بلي هي (كنزة) مازال هنا، ومازال كتحكم في خيوط اللعبة. ومن بعد، ضارت بوقار، ورجعات بحالها وهي كتمسح بيديها طرف قفطانها، بحال يلا كانت كتنفض عليها شي غبرة ما كايناش، وخلات “شامة” في بلاصتها كتحاول تستوعب هاد “الترحيب” المسموم.

كانت نظرة “شامة” إلى طفلها “قيس” تتجاوزُ حدودَ الأمومةِ المعتادة؛ لم تكن مجردَ نظرةِ إعجابٍ بجمالِ ملامحهِ، بل كانت نظرةَ من وجدَ ضالتهُ بعدَ تيهٍ طويل. في تلكَ اللحظات، كان وجهُ “قيس” الصغير يبدو لها كأفقٍ مفتوحٍ على عالمٍ من الأمان، وكأنَّ روحها التي مزقتها التوقعاتُ والمكائدُ قد التأمت فجأةً بمجردِ تلامسِ نظراتهما. كان هناكَ إحساسٌ غريبٌ بالانتماء، وكأنها لا ترى وليداً، بل ترى في قسماتِ وجهه الوديعِ دليلاً على وجودِ عدلٍ إلهيٍّ لم تكن لتصدقهُ لولا أنَّها تلمسهُ بيدها الآن.

لم تكن قادرةً على الرمشِ حتى؛ كانت عيناها تغوصانِ في تفاصيلِ وجهه، في دقةِ أنفهِ الصغير، وفي سكونِ أنفاسه التي كانت توقّعُ لحناً من السكينةِ في قلبها.

اقتربت “دادا رقية” منها، ورأت ذلكَ الانجذابَ في عيني “شامة”. كانت رقية، بخبرتها العتيقةِ في تقلباتِ القصرِ ونفوسِ البشر، تخشى من “أعينِ الحاقدين” التي لا تغيبُ عن هذا الجناح. وضعت يدها برفقٍ على كتفِ “شامة”، وقالت بصوتٍ خافتٍ ومشفِ

” يا ابنتي ، أعيذكِ باللهِ من كلِّ سوء. ابعدي عينيكِ عنه قليلاً، دعي الغلامَ يرتاحُ من ثقلِ النظرات؛ فالعينُ حقٌّ ولا يغفلُ عنها أحد، وأنتِ تعلمينَ أنَّ هذا الوجهَ قد أثارَ من الفضولِ ما لا يُحمدُ عقباه.”

لكنَّ “شامة” لم تسمعْ نداءَ الحذر، أو ربما سمعتهُ ولم تستطعْ تلبيته. كانت روحها معلقةً بخيطٍ خفيٍّ يربطها بهذا الكائنِ الصغير. هزت رأسها ببطء، دونَ أن تزيحَ بصرها عن “قيس”، وقالت بصوتٍ يكادُ يكونُ همساً، وكأنها تتحدثُ إلى نفسها أو إلى طيفٍ لا يراهُ غيرها:

“لا أستطيعُ يا رقية.. لا أستطيع. إنني أشعرُ وكأنني إن أغمضتُ عينيَّ للحظة، سيتبخرُ هذا الحلم، وسأستيقظُ لأجدَ نفسي في قصرٍ لا يعرفني ولا أعرفه. دعيني أتأملهُ.. ففي وجههِ فقط، وجدتُ معنىً لكلِّ تلكَ السنينِ التي قضيتها في الانتظار.”

ظلت “شامة” كما هي، غارقةً في بحرِ المحبةِ الذي غمرها، غيرَ عابئةٍ بمكانٍ أو زمان، كان العالمُ بالنسبةِ لها قد اختزلَ في تلكَ اللحظةِ وفي تلكَ الأنفاسِ الهادئة، ولم تكن القوةُ على وجهِ الأرضِ قادرةً على جعلها تُحوّلُ بصرها عنه، فقد كان “قيس” هو مرآتها الوحيدة التي ترى فيها -لأولِ مرة- وجهها الحقيقيَّ الذي نسيتهُ وسطَ غبارِ البلاطِ السلطاني.

انشرح صدر السلطان بزهوِ المولود، لكن سرعان ما تذكرَ أصلاً من أصوله، وجذوراً بدأت تذوي في ركنٍ قصيٍّ من القصر. اتجه بخطواتٍ خاشعة نحو جناحِ والدته، السلطانة الأم، التي أضناها الزمنُ وأقعدها المرضُ عن الحركةِ وعن الكلام.

دخلَ السلطانُ الجناحَ منفرداً، بعيداً عن أبهةِ الموكبِ لم يدخل بصفتهِ “الشدّاد”، سيدَ البلادِ والعباد، بل دخلَ “ابناً” ينوءُ بحملِ الشوقِ والبر. كانت الغرفةُ تفوحُ برائحةِ البخورِ القديم، والسكونُ فيها كأنهُ صلاةٌ طويلة. كانت والدتهُ ممددةً على فراشِها الوثير، جسدٌ غلبهُ الوهن، وعينانِ ذابلتانِ تتابعانِ الضوءَ الضعيفَ المتسللَ من المشربية.

اقتربَ منها، وجلسَ على طرفِ فراشِها. لم تنطق، ولم ترفعْ يدها، فقد خانها اللسانُ والجسد، لكنَّ بريقاً خافتاً لمعَ في عينيها حينَ وقعت عليه. انحنى السلطانُ، ووضعَ رأسهُ على صدرِها للحظاتٍ، يستنشقُ رائحةَ الطفولةِ والذكريات، ثم رفعَ رأسهُ وقبّلَ جبينها الطاهرَ قبلةً طويلة، مطبوعةً بالحبِّ والانكسار.

همسَ بصوتٍ متهدجٍ يكسوهُ الحنين:

“يا أماه.. عيدكِ مبارك. جئتُكِ اليومَ لا كَسلطانٍ يطلبُ البركة، بل كابنٍ يتوقُ إلى نظرةِ رضا منكِ، نظرةٍ كانت دائماً هي بوصلتي في عواصفِ هذا القصر.”

أمسكَ بيدها الباردة، ووضعها على وجهه، وشعرَ بضغطةٍ خفيفةٍ جداً، كأنها تحاولُ جمعَ كلَّ ما تبقى فيها من قوةٍ لتبادلهِ حنانَ الوداع. بقيَ معها لدقائقَ خيمَ فيها صمتٌ بليغ، صمتٌ تبادلا فيهِ كلَّ ما عجزَ اللسانُ عن قوله. لم تكن هناكَ حاجةٌ للكلمات، ففي ذلكَ الجناحِ الضيق، كان “الشدّاد” يعودُ دائماً إلى أصله، يخلعُ تاجَ السلطنةِ ويتركُ همومَ الملكِ خلفَ الباب.

وقفَ أخيراً، ثم ألقى نظرةً أخيرةً على وجهها الساكنِ كتمثالٍ من مرمر، وخرجَ بخطواتٍ هادئة، تاركاً خلفهُ أماً غارقةً في صمتها، وابناً استمدَّ من هذا اللقاءِ سكينةً يحتاجها ليواجهَ ما تبقى من يومِ العيد، وما تخبئه له الأيامُ خلفَ أبوابِ الجناحِ الملكي.

خرج السلطان من الجناح، وخطواته لا تزال محملة بوقار اللقاء الذي جمعه بأمه. وما إن تجاوز عتبة الباب حتى تجمد في مكانه، فقد كانت “شريفة” واقفة هناك، مستندةً إلى إطار الباب، وكأنها كانت تنتظرُ خروجه، أو ربما كانت تترددُ في الدخول.

بدت “شريفة” في تلك اللحظة صورةً من انكسارٍ نبيل. كانت قد حزمت أمرها لتدخل، لكنها وجدت نفسها أمامَ لحظةٍ فارقة. حين رأت “الشداد” خارجاً من جناحِ أمه، تجمدت نظراتها في عينيه. لم يكن في وجهها غضبٌ صاخب، بل كان هناك “عتابٌ صامت” يزنُ الجبال؛ عتابٌ يخرجُ من قلبِ امرأةٍ رأت سنواتِ وفائها تذوبُ في أروقةِ القصر، بينما هي لا تزالُ عالقةً في قفصِ انتظارها.

وقف “الشداد” أمامها، وقد تلاشى منهُ بريقُ السلطانِ الحازم، وحلَّ مكانهُ ارتباكُ رجلٍ يعلمُ أنَّ في قلوبِ نسائهِ جروحاً لا تندمل.

ظلت “شريفة” تنظرُ إليه، عيناها تحكيانِ قصةَ الوعودِ التي تبخرت، والأيامِ التي قضاها بعيداً عن جناحهما. لم تنطق بكلمة، لكنَّ صمتها كان صرخةً مدوية تقول: “لقد أهملتني.. تركتني لأواجهَ وحشةَ الجدران، بينما أنتَ تبحثُ عن السكينةِ في كلِّ مكانٍ إلا عندي.”

مالت “شريفة” برأسها قليلاً، وارتجفت شفتها السفلى، ثم همست بصوتٍ خافت، يقطرُ مرارةً تذيبُ الحديد:

“أكنتَ تحتاجُ يا مولاي لكلِّ هذا الوقت، وكلِّ هذا البعد.. لتعرفَ أنَّ في القصرِ قلوباً توقفت عن النبضِ في انتظارِ التفاتة؟ لقد ظننتُ أنَّ العيدَ يجمعُ شتاتَ القلوب، لكنني أرى أنَّ العيدَ أتى فقط ليُذكّرني بمكاني.. خارجَ دائرةِ اهتمامك.”

لم يكد الشداد يسمع كلمات العتاب المكسورة حتى تبدلت ملامحه، لم يجد فيها وهنًا يستحق الشفقة، بل وجد فيها “خنوعًا” يستنكرُه في من كانت يومًا شريكةً لم يلن له جانب، بل استقام طوله، ورمقها بنظرةٍ صقريّة حادة، نظرةٍ لا تعرف المداهنة، ثم تحدث بصوتٍ رخيمٍ، مخيفٍ في هدوئه، لغةٍ تليق بمن بيدهِ صولجانُ الحكم:

“أهذا ما استقر عليه حالُكِ يا شريفة؟ أن تقفي على أعتابِ الأبواب تتسولين نظرةً، وتنوحين على أطلالِ عهدٍ ولى وانقضى؟”

سكتَ قليلاً ليزرعَ كلامه في أعماقها، ثم تابع بنبرةٍ لا ترحم:

“إنني لا أهملُ امرأةً، بل أهملُ الضعفَ حيثما وجدته! لقد عرفتُكِ شموخًا يطاولُ الثريا، أراكِ تغرقين في وحلِ الشفقةِ على النفس. أتحسبين أن السلطنة تُدار بالدموع؟ أم تظنين أن مكانتكِ في قلبي تُصان بالانزواء في زوايا الظل؟”

اقتربَ منها خطوةً واحدة، حتى كادت أنفاسُه تلامسُ هيبةَ الموقف، وأردف بصرامة:

“إن كنتِ تنتظرين مني أن أهبطَ إليكِ في غيابةِ جبِّ حزنك، فقد خابَ ظنك. العيدُ لمن ينتصرُ على ضعفه، لا لمن يستجدي بهِ عطاءً. إن أردتِ استعادةَ مكانتكِ في هذا القصر، فلا تقفي أمام أبوابي كالسائلة، بل عودي إلى ‘شريفة’ التي عرفتها.. المرأة التي لا تنحني إلا لله، ولا يكسرُ قلبها عابثٌ من صروفِ الدهر. أما هذا الانكسارُ الذي ترتدينه كالثوب، فواللهِ إنه مما لا أطيقُ النظرَ إليه، وهو ما يُبعدني عنكِ أكثر مما يُقربني.”

ألقى كلماته كأحجارٍ ثقيلة، ثم التفتَ بوقارٍ لا التفاتة فيه، مخلفاً وراءه شريفة وهي تهتزُ من وطأةِ الصدمة. لم يمنحها فرصةً للرد، ولم يظهر ذرةً من ليونة؛ أرادَ أن يصفعها بكلماته لتستيقظ من سباتِ الخيبة، فإما أن تبعثَ من رمادِها من جديد، أو أن تظلَ سبيلاً للنسيان.

سقطت “شريفة” في فجوةٍ من الألمِ لا قاعَ لها. لم تعد ترغبُ في رؤيةِ أحد، حتى “لالة اليازية” التي كانت تلوذُ بها في مِحنِها، لم تعد تشتهي لقاءها. تراجعت ببطءٍ، كأنها ظِلٌّ هارب، واتجهت نحو جناحها بخطواتٍ متثاقلة، وقد تحولت كلماتُ “الشداد” القاسية إلى سياطٍ تجلدُ بها روحها.

ما إن أغلقت بابَ جناحها خلفها، حتى انفجرت باكيةً بتنهداتٍ وشهاقٍ مكتوم، كأنها تحاولُ إخراجَ كلِّ ما في صدرها من غصص. ضمت ابنتها الصغيرة إلى صدرها بقوةٍ مفرطة، كأنها تحتمي بها من قسوةِ العالم، وراحت تذرفُ دموعاً تحرقُ خديها، وهي تتأرجحُ في جلستها، غارقةً في ذُلِ الانكسار.

لم تكد تمضي لحظاتٌ حتى فُتح البابُ بقوة، ودخل “علي”. كان مشرق الوجه، متهللاً بالبشرِ بعدما أُشرك في “ميثاق” أبيه، يحملُ في عينيهِ بريقاً جديداً للمستقبل. لكن، توقفَ نبضُ السعادةِ في صدره لحظةَ وقعت عيناهُ على “شريفة”. وجدها في حالةٍ يرثى لها، وجهها شاحبٌ كالموت، ودموعها تنهمرُ بمرارة، وابنتها الصغيرة تبكي في حضنها خوفاً من بكاء أمها.

هرع إليها “علي” بخطواتٍ مضطربة، ركع أمامها وجثا على ركبتيه، وأمسك بيديها المرتجفتين بقلقٍ شديد:

“أماه! ما الذي حدث؟ من ذا الذي تجرأ على جرحكِ في يومِ العيد؟ أخبريني، من فعلَ بكِ هذا؟”

رفعت “شريفة” رأسها، وبدت عيناها محتقنتين بالدم، نظرت إليه بنظرةٍ خذلانٍ لا تُحتمل، ونزعت يديها من بين يديه بقسوة. نظرت إليه لا كابنٍ، بل كصورةٍ أخرى لأبيه، وقالت بصوتٍ متقطعٍ مخنوق:

“لا تقترب مني يا علي.. لا تقترب! أنتَ أيضاً؟ جئتَ لتتفرجَ على حطامي؟ لقد جئتَ لتتمتعَ بانتصارِ والدك وتزفَّ لي خبراً لا يعنيني؟”

سحبَ “علي” نفسه للخلف، مصدوماً من حدةِ كلامها، لتستطردَ هي بمرارةٍ لا تُوصف:

“أنتم.. كلكم متشابهون! تقتاتون على ضعفي، وتنتظرون الفرصةَ لكسرِ ما تبقى مني. تخرجون في أبهى حُللِكم، تضحكون، وتحتفلون، بينما أنا أُدفنُ حيةً خلفَ هذه الجدران. لقد كسرني اليومَ كما كسرني بالأمس، وأنتَ.. أنتَ تمشي في ركابه، تنهلُ من قوته، بينما تتجاهلُ أنَّ هذه القوةَ بُنيت على أنقاضِ كرامتي!”

بكت بصوتٍ عالٍ وهي تشيرُ نحو بنتها:

“ألم يرق قلبُه؟ ألم ترهف روحُك؟ لقد تركني كأنني غريبةٌ في قصرٍ بنيتُه بدمي! اخرج.. اخرجوا جميعاً واتركوني لقهري، فأنتم لا تبحثون عن إخوةٍ ولا عائلة، بل تبحثون عن ضحايا تزيدون بها أمجادكم!”

انكمش “علي” في مكانه، صامتاً مذهولاً، وقد شعرَ بأنَّ العالمَ الذي كان يراهُ قبل قليلٍ مشرقاً، قد تحولَ إلى سرابٍ قاتم. لم يكن يدري كيفَ يجيب، فالكلماتُ التي سمعها كانت أثقلَ من أن يحملها قلبُه في لحظةِ فرحٍ مباغتة، ووجد نفسه أمامَ جدارٍ من الألمِ لا يمكنُ تسلقه.

لم يملك “علي” رفاهية البكاء أو مواساتها؛ بل شعر فجأة بأن ذلك النور الذي ملأ صدره قبل قليل قد انطفأ دفعة واحدة، وحلّ محله ثقلٌ جثم على أنفاسه كالجبل.

تراجع “علي” ببطء، ونهض واجماً، ونفض يديه من أثر دموعها كأنها جمرٌ يحرق جسده. لم ينحنِ ليضمها، ولم تدمع عيناه شفقةً، بل تجمدت ملامحه، وارتسمت على وجهه علامات قهرٍ عميق، قهرِ الابن الذي سئم أن يكون دائماً الضحية بين مطرقة الأب وسندان الأم.

نظر إليها بعينين طفح منهما الكيل، ونطق بصوتٍ متهدجٍ يرتجفُ غضباً ومللاً، لغةً تقطر مرارةً:

“إلى متى يا أماه؟ إلى متى سنظل نتجرع هذا النكد في كل محفل؟ حتى في يوم العيد.. اليوم الذي فتحت فيه الدنيا ذراعيها لي، وجئتُ أحمل لكِ بشارتي وفرحتي، أجدُ أبوابكِ موصدةً في وجه الحياة، ولا أسمعُ في ركنكِ إلا العويل والنحيب؟”

مسح جبينه بعنف وكأنه يطرد غبار السنين التي عاشها في هذا الصراع، ثم تابع بصرامة أقرب إلى القسوة:

“أتحسبين أنني اخترتُ هذا القصر، أو أنني من رسمتُ موازين القوى بين جدرانه؟ لقد سئمتُ يا أماه.. سئمتُ أن أكون الرسولَ الذي يحملُ ذنوب غيره، وأن أُحاسبَ على سطوة أبي لمجرد أنني ابنه! والدي لم يكسركِ اليوم، بل أنتِ من تصرين على الانكسار وتأبين النهوض. تريدين مني أن أبكي معكِ؟ أن ألعنَ الدنيا وأعتزلَ الحياة وأنا في أول خطوة لي فيها؟ والله لن أفعل!”

التفت نحو الباب بخطوات عاصفة، وقبل أن يخرج، التفت إليها التفاتة أخيرة وقال بنبرة مليئة باليأس والنفور:

“إن كان والدي قد زهد في غرفتكِ، فبسبب هذا الظلام الذي تصرين على نشره حولكِ. اتهامكِ لي ظلمٌ لا أقبله، وإن اخترتِ أن تكملي عيدكِ في المأتم، فلكِ ذلك.. أما أنا، فقد عيل صبري، ومللتُ هذا السجن الذي تسمينه قفص كرامتك.”

خرج “علي” وضرب الباب خلفه بقوة هزت أركان الجناح، تاركاً إياها مع ابنتها وسط ذهول صمتها الذي تلا العاصفة. خرج إلى الممرات هائماً على وجهه، يغلي من الداخل، يشعر بنفور عارم من هذا الوضع كله، متسائلاً إن كان كُتب عليه أن يعيش عمره ممزقاً بين مجد أبيه الذي يناديه، وخراب أمه الذي يشدّه إلى القاع.

صمتٌ مريبٌ لثوانٍ بعد خروج “علي”، صمتٌ كان أشدَّ وقعاً من صراخه. “شريفة” لم تكن مصدومةً فقط، بل كانت في حالةٍ من الذهولِ العارم؛ لم تتخيل يوماً أن يجرؤَ “علي” على مواجهتها، وأن يختارَ الرحيلَ عنها بهذهِ القسوة.

فجأةً، انكسرَ حاجزُ الصمتِ بصرخةٍ هيستيريةٍ مزقت هدوءَ القصر. هبت “شريفة” واقفةً كاللبؤة الجريحة، وبدأت تصرخُ في الخدمِ والوصيفاتِ بأعلى صوتها، نبرةٌ لم يألفوها منها قط:

“اخرجوا! اخرجوا جميعاً! لا أريدُ أن أرى وجهاً في هذا المكان! خذوا هذهِ الطفلة.. أبعدوها عني.. لا أريدُ أن يرى أحدٌ انكساري!”

تراجعَ الخدمُ مذعورين، تتخاطفهم نظراتُ الخوفِ من حالتها، وأخذوا ابنتها الصغيرة التي كانت تبكي بحرقةٍ وتشدُّ ثوبَ أمها، بينما “شريفة” كانت تدفعهم نحو البابِ بكلِّ ما أوتيت من قوة، حتى أُغلق البابُ وتركها وحيدةً في عتمةِ الجناح.

في تلكَ اللحظة، تحولت “شريفة” إلى شبحٍ طليق. بدأت تجوبُ الغرفةَ ذهاباً وإياباً، شعرها مبعثر، ثوبها الذي كان يوماً رمزاً للأناقةِ أصبحَ يلتفُّ حولها كالكفن. بدأت تلطمُ وجهها بيديها، وصوتُ ارتطامِ يديها ببشرتها كان يترددُ في الغرفةِ كأنّه طبولُ الحرب.

توقفت فجأةً أمامَ المرآة، نظرت إلى انعكاسِ وجهها الشاحب، عيناها كانتا تشتعلانِ ببريقٍ أسودٍ مخيف. بدأت تتحدثُ إلى طيفها، وبدأت ترددُ كلماتٍ لم تكن سوى وعيدٍ لا رحمةَ فيه، كلماتٍ كانت تتصاعدُ من أعماقِ حقدٍ دفين:

“تظنون أنكم كسرتموني؟ تظنون أنَّ الشريفةَ قد ماتت؟.. واللهِ لأجعلنَّ هذا القصرَ ساحةً لندمكم! سأجعلُ ضحكاتهم تتحولُ إلى غُصة، أنتَ يا ‘الشداد’.. ستندمُ على كلِّ كلمةٍ قاسية، وأنتَ يا ‘علي’.. يا من تجرأتَ على التخلي عني، ستعرفُ أنَّ نارَ غضبي لا تبقي ولا تذر!”

راحت تضربُ بيديها على الطاولةِ بقوة، وكلما نطقت بكلمةِ “ندم”، كانت تزدادُ حدةً وتوحشاً:

سأجعلهم يذوقون من مرارةِ الخذلانِ ما أذقتموني، ولن يرحمني أحدٌ، لأنني لن أرحمَ أحداً بعدَ اليوم.. فليشهدِ القصرُ، وليشهدِ الجدران كانت أصواتها تتداخلُ مع صدى بكائها المكتوم، وكانت الحيطانُ وكأنها تشهدُ على ولادةِ “شرارةٍ” جديدةٍ ستُشعلُ القصرَ ناراً، لم تكن “شريفة” تبكي على ما فات، بل كانت ترسمُ ملامحَ ما سيأتي.. بدايةَ النهايةِ لكلِّ من تجرأ على الوقوفِ في طريقِ قلبها المكسور.

تغيرت ملامح شريفة بشكل مرعب؛ لم تعد تلك المرأة التي تبكي، بل تحولت إلى كتلة من الجمر المتقد. في قلب جناحها الموحش، الذي خيّم عليه صمتٌ جنائزي، وقفت أمام المرآة النحاسية الكبيرة. لم تعد ترى وجهها الشاحب، بل رأت انعكاساً لنارٍ تضطرم في أحشائها.

كانت تلطم وجهها بعنف، لا لتؤذي نفسها، بل لتوقظ شيئاً شيطانياً كان نائماً في أعماقها. كان كل صدى لارتطام يديها بخديها يتردد في أركان الغرفة كدقات طبول تعلن بدء “حرب”.

بدأت تمشي في الجناح بجنون، كأنها في قفص، تمزق بيدها أطراف ثوبها الحريري، وتهمس لنفسها بصوتٍ مبحوح يقطر سماً وزعافاً:

“يظنونني انكسرت.. يظنون أنني سأبقى أندب حظي كأي جاريةٍ فقدت سيدها؟ هيهات.. هيهات.”

توقفت فجأة، وشدت شعرها الطويل الذي تناثر على كتفيها، ثم التفتت نحو زوايا الغرفة المظلمة، وكأنها تخاطب أشباحاً لا يراها غيرها، وصرخت بوعيدٍ تقشعر له الأبدان:

“أقسمُ بمن أحلّ القسم، لأجعلنَّ هذا القصرَ الذي شهدَ طعنكم لي، يشهدُ على سقوطكم واحداً تلو الآخر! أنت يا ‘الشداد’، بصلابتك التي تظنها حكمة، سأجعلها قيداً يعنقك حتى تشهق طلباً للراحة. وأنت يا ‘علي’، يا من خذلتني في ساعة ضعفي، سأعلمك أنَّ ‘الكرامة’ التي استخففت بها، هي نفسها التي ستحرقُ مستقبلك!”

انحنت شريفة على الأرض، وجمعت حفنة من خيوط ثوبها الممزق، وبدأت تعقدها بقسوة في أصابعها، كأنها تعقدُ “عزيمةً” على الانتقام. كانت عيناها الجاحظتان تلمعان ببريق جنوني، وكلماتها تخرج متلاحقة، متقطعة، تحمل نبرة تقرير المصير:

“سأجعلهم يندمون.. ليس على إهمالي فحسب، بل على اللحظة التي قرروا فيها أنَّ الشريفة ضعيفة. سيشربون من الكأس الذي سقيتموني إياه، وسيكون المرُّ هو زادهم. يا جدران هذا القصر، اشهدي.. لقد ماتت شريفة المحبة، وولدت شريفة الثأر. لن يهدأ لي بال، ولن تغمض لي عين، حتى أرى عروشكم تتهاوى، وأرى ندمكم في أعينكم، حينها فقط.. سأبتسم.”

بعد أن أفرغت كل ما في صدرها من وعيدٍ وصرخات، ساد صمتٌ مطبقٌ في الجناح، صمتٌ أثقل من الجبال. نظرت “شريفة” حولها، فلم تجد أمامها سوى الفراغ، والجدران التي باتت تشعر أنها تضيقُ عليها كأنها جدرانُ قبرٍ مفتوح. لم يعد للثأرِ متسعٌ في روحها؛ فقد استنزف الغضبُ كلَّ قطرةِ حياةٍ في جسدها.

تقدمت بخطواتٍ متباطئة، كأنها في حلمٍ ثقيل، نحو صندوقها الخشبي القديم المخبأ خلف ستائر الجناح. فتحتهُ ببطء، وأخرجت منهُ “خنجراً” صغيراً بجرابٍ من جلدِ الغزال، كان ذكرى من أيامِ العزِّ والوفاء، حين كان “الشداد” يرى فيها شريكتهُ في كلِّ شيء.

أخرجت الخنجر، ولمعَ نصله البارد في ضوء القناديل الخافت. لم تكن يدها ترتجف، بل كانت تلمسهُ برفقٍ وكأنها تداعبُ حبيبًا مفقوداً. وقفت أمامَ المرآة للمرةِ الأخيرة، رأت انعكاسَ امرأةٍ لم تعد تعرفها؛ امرأةٌ أنهكها النبذُ ومزقها الخذلان.

قالت بصوتٍ هامس، خالٍ من أيِّ انفعال: “هذا القصرُ لا يتسعُ لقلبين.. قلبٍ يطلبُ المجد، وقلبٍ لا يطلبُ سوى أن يُحَب. وقد حان وقتُ الرحيل.”

صعدت إلى “الشرفة” المطلة على فناء القصر الخلفي، حيثُ الأشجارُ الباسقة والهدوءُ الذي يسبقُ العاصفة. كانت الريحُ تلاعبُ خصلاتِ شعرها المنسدل، والجوُّ مليئاً برائحةِ الليلِ والندى. نظرت إلى السماءِ للحظة، وكأنها تستودعُ اللهَ ابنتها الصغيرة، ثم أغمضت عينيها بقوة، مستحضرةً كلَّ لحظةِ ألمٍ، كلَّ تجاهلٍ، وكلَّ نظرةِ ازدراءٍ نالتها.

أمسكت الخنجر بيدين مرتجفتين، لكن عينيها كانتا متسمرتين بجمودِ الموتِ القادم. لم تعد تلطمُ وجهها، ولم تعد تصرخ؛ بل ساد هدوءٌ جنائزيٌّ مرعب في الجناح، هدوءٌ يسبقُ تهاوي الأرواح. وقفت في وسط الغرفة، ورفعت الخنجر عالياً، انعكس ضوء القنديل على نصله الصقيل، فبدا وكأنه لسانٌ من نارٍ ينتظرُ نطقَ الحكمِ الأخير.

أغمضت عينيها، واستحضرت في مخيلتها صورة “الشداد” وهو يزدري ضعفها، وصورة “علي” وهو يتركها غارقةً في قهره. همست بصوتٍ يملؤه الوداعُ الأبدي:

“بما أنني لم أعد أجدُ لي مكاناً في قلوبكم، فليكن جسدي هو الشاهدَ الأخير على ظلمكم.”

بلمحةِ بصرٍ، وبيدٍ لم تعهدها من قبل، غرست الخنجر في عنقها. لم تكن طعنةً مترددة، بل كانت ضربةً حاسمةً أطلقت صرخةً مكتومة، صرخةً امتزجت بخريرِ الدمِ الذي بدأ ينبثقُ من عنقها كالنهرِ القاني.

سقط الخنجرُ من يدها، وارتطمت بجسدها على الأرض الرخامية الباردة. بدأ الدمُ ينتشرُ حولها، يخطُّ بقعاً حمراء على القفطانِ المطرّزِ الذي كانت تفتخرُ به يوماً. كانت أنفاسها تتلاشى، وصوتُ “شهاقها” الأخير يترددُ في الغرفة، بينما كانت عيناها، بينما كانت عيناها، تذبلان ببطء وتفقدان بريقهما، حتى استقرَّ بهما المطافُ شاخصتين نحو سقفِ الجناح، في نظرةٍ خاويةٍ من كلِّ شيء، إلا من مرارةِ الرحيلِ القسري.

سكنت حركتها تماماً، وغرق الجناحُ في صمتٍ أبدي، لم يقطعه إلا صوتُ تساقط قطراتِ دمها على الأرض الرخامية، في مشهدٍ سيبقى وصمةً لا تمحى على جدران هذا القصر، ونهايةً مأساويةً لامرأةٍ قررت أن تُنهي حياتها بنفسها، لتُورثَ من بعدها ناراً لن تنطفئ.

ساد صمتٌ مطبقٌ في الرواق، صمتٌ لم يقطعه إلا وجيبُ قلبِ “السعدية”، الخويدمة التي لم تشأ أن تفوتها خبايا ما يحدثُ خلف أبوابِ جناحِ “شريفة”. كانت قد انسحبت في وقتٍ سابقٍ لتعودَ الآن، تقتفي أثرَ العاصفة التي استشعرتها قبل قليل.

وضعت “السعدية” أذنها بحذرٍ شديدٍ على خشبِ البابِ المذهب، تحبسُ أنفاسها، وتسترقُ السمعَ لأيِّ حركةٍ، لأيِّ صرخة، لأيِّ صدى. لكنَّ الغرفةَ كانت غارقةً في سكونٍ جنائزيٍّ مُريب، سكونٌ ثقيلٌ لا يُبشرُ بخير. تملكها رعبٌ خفي، فمدت يدها المرتجفة نحو مقبض الباب، وأدارته ببطءٍ شديد، ملمترٍ بعد ملمتر، حتى انفرجَ البابُ عن عتمةٍ مخنوقة.

ما إن خطت الخطوة الأولى داخلَ الجناح، حتى تجمدت عروقُها في جسدها. لم يكن المنظرُ مما تحتملهُ عينُ بشر. كانت “شريفة” ملقاةً على الأرضِ الرخاميةِ الباردة، وقد تحولَ القفطانُ الزاهي إلى بقعةٍ من قتادِ الدمِ القاني الذي كان يتدفقُ ببطءٍ من عنقها، ليرسمَ خريطةً من المأساةِ على الأرض.

انتفضت “السعدية”، واتسعت عيناها بذهولٍ بلغَ حدَّ الغيبوبة. شعرت بجسدها يرتجفُ كأوراقِ الشجرِ في مهبِّ الريح، وكأنَّ روحها قد فارقت جسدها لتعودَ إليهِ مفزوعة. اقتربت بخطواتٍ متعثرة، كلُّ خطوةٍ كانت تزيدُ من تهاوي قواها، حتى وصلت إليها. انحنت، حاولت لمسَ كتفها بلمسةٍ واهنة، لكنَّ البرودةَ التي سَرَت في جسد “شريفة” كانت كافيةً لتُخبرها أنَّ الحياةَ قد غادرت هذهِ الروحَ للأبد.

هنا، لم تعد “السعدية” تملكُ صبراً. شعرت بدوارٍ شديد، وكأنَّ جدرانَ القصرِ تدورُ من حولها بسرعةٍ جنونية. زلَّت قدماها، وتملكها إحساسٌ بأنَّ الأرضَ تنشقُ لتبتلعها. تراجعت إلى الوراء، يداها ترتعشانِ بشدة، وفمها مفتوحٌ على صرخةٍ حبيسةٍ لم تجد طريقاً للخروج.

باندفاعٍ هستيري، استجمعت بقايا قوتها، واستدارت نحو الباب. خرجت تجري في الرواق، أنفاسها متقطعةٌ كأنها تطعنُ صدرها، لا تلتفتُ يميناً ولا يساراً، وكأنَّ الموتَ يطاردها. وصلت إلى البابِ الخشبيِّ الثقيل، دفعتهُ وأغلقتهُ خلفها بقوةٍ متهورة، ثم سقطت على الأرضِ في الرواق، وقد غابت عن وعيها تماماً، تاركةً خلفها بابَ الجناحِ مغلقاً على سرٍّ سيهزُّ أركانَ القصرِ بكاملهِ بمجردِ أن يُكشف.

لم تستسلم “السعدية” للدوخة؛ فغريزة البقاء في القصر علمتها أن الصمت في مثل هذه اللحظات هو الموت بعينه. تراجعت خطواتٍ إلى الخلف، تمسح وجهها بيديها المرتجفتين، وتلجم صرختها بيدها. استجمعت شتات نفسها، وبدأت تعدو في الرواق كالمجنونة، خمارها مائل، وأنفاسها تقطع حبالها الصوتية.

لم تتوقف إلا أمام باب “الحاجب حسن”. دفعت الباب بقوة لتجده جالساً يراجع أوراقاً، فانتفض من مكانه مذعوراً. حاولت “السعدية” الكلام، لكن لسانها كان ملتصقاً بسقف حلقها من هول ما رأت؛ كانت تشير بيدها نحو الجناح، وتصدر أصواتاً غير مفهومة، وكأن شيطاناً قد خنق صوتها.

زمجر الحاجب حسن، وهبَّ نحوها كالصقر، أمسكها من كتفيها بقسوة، واندفع بها حتى ألصق ظهرها بالحائط، فارتطم رأسها بقوة. حدق في عينيها بنظراتٍ كالخناجر، وصاح بصوتٍ خافتٍ مرعب:

“انطقي يا خائبة! ماذا دهاكِ؟ إن لم يخرج الكلام من فمكِ الآن، قطعتُ لسانكِ قبل أن تفتحي الباب!”

جمعت “السعدية” كل ما تبقى في جسدها من قوة، وبصوتٍ متقطع، يملؤه الارتجاف والذعر، همست:

“السلطانة.. شريفة.. يا حاج.. نحرت نفسها.. الدماء.. الدماء في كل مكان.. الغرفة بحر من الدم!”

تراجع الحاجب حسن خطواتٍ إلى الخلف، وكأن صاعقةً ضربت صدره. اتسعت عيناه حتى كاد بياضهما يطغى على كل شيء، وتيبست أطرافه للحظة. لكن، ولأنه “الحاجب”، فقد استعاد توازنه في لمح البصر؛ فالتفّ كالأفعى، وأطبق يده القوية على فمها ليكممه، وسحبها من خمارها بضراوة نحو جناحه الخاص.

دخل بها الجناح، ورماها على الأرض وكأنها خِرقة بالية. أغلق الباب خلفه بإحكام، ثم انحنى فوقها، وأمسك وجهها بين يديه، وضغط على فكيها حتى تألمت، وهمس في أذنها بوعيدٍ جعل الدماء تجمد في عروقها:

“اسمعيني جيداً.. إن سمعتُ صوتاً واحداً خارج هذا الجناح، أو رأيتُ حرفاً واحداً يتحرك على شفتيكِ لأحدٍ غيري، فواللهِ لأدفنكِ حيةً قبل أن يبردَ دمُ السلطانة! هذه الليلة، القصرُ لا يعرفُ شيئاً، والسلطانةُ في جناحهِ نائمة.. هل فهمتِ؟”

أومأت السعدية برأسها والدموع تنهمر من عينيها خوفاً ورعباً،

خرج الحاجب حسن من جناحه كأنه ريحٌ عاتية، تاركاً “السعدية” محبوسة في الداخل، ترتجف وتنتظر مصيرها. كانت خطواته فوق الرخام كوقع الطبول في ساحة حرب، يحاول أن يضبط أنفاسه التي أصبحت متسارعة.

وصل إلى جناح “شريفة”. وقف للحظة، تنهد بعمق، ثم دفع الباب بهدوءٍ مريب.

بمجرد أن خطى خطواته الأولى، اصطدمت عيناه بالمشهد. كانت “شريفة” مسجاة في بركةٍ من دمائها، والخنجر الغادر لا يزال يلمع قرب يدها الهامدة. توقفت أنفاس الحاجب، انقلب وجهه إلى اللون الشاحب، وبسرعةٍ غريزية وضع يده على فمه ليمنع صرخة ذعرٍ من الخروج، ودار بوجهه للجهة الأخرى لئلا يرى ذلك الجسد الذي كان يوماً يُهابُ ويُطاع.

لم يمنح نفسه فرصةً للحزن أو التفكير في فداحة المصاب؛ فالوقتُ هنا سيفٌ مسلط. في أجزاءٍ من الثانية، انسحب إلى الخلف كالسهم، أغلق الباب خلفه بإحكامٍ شديد وكأنه يغلقُ على سرٍّ سيحرقُ القصرَ إن فاح.

التفت ليلقى أمامه حارساً من حرس النخبة كان يقفُ غير بعيد. أشار له الحاجب بيده إشارةً حادة، وبنبرةٍ لا تقبل الجدل، بل تحملُ في طياتها وعيداً بالموتِ لمن خالف، قال بصوتٍ خافتٍ كفحيح الأفعى:

“قِف هنا.. لا تتحرك، ولا تسمح لأي كائنٍ كان، من أنسٍ أو جان، أن يقترب من هذا الباب أو يفتحه. أي صوتٍ أو حركةٍ تحاول الدخول، اقطع رأس صاحبها قبل أن يلمس العتبة. هذا الجناح.. لا وجود له الليلة في هذا القصر. هل سَمِعت؟”

أومأ الحارسُ برأسه بخوفٍ شديد، متخذاً وضعية الاستعداد والجمود، بينما مضى الحاجب حسن مسرعاً، وعقله يغلي بمكائدَ وتدابيرَ ليحمي عرش “الشداد” من هذه الكارثة التي ستزلزل أركان الدولة بمجرد انكشافها.

كانت أجواء الغداء في الرياض مفعمة بالسكينة؛ روائح المسك والعنبر تختلط بعبق طعام العيد، وضحكات الأطفال تتردد في أرجاء الفناء. كان السلطان يجلس في صدر المكان، يحيط به أبناؤه، و”كنزة” بجانبه ترقب المشهد بابتسامةٍ هادئة تخفي خلفها الكثير. كان “علي” لا يزال يحاول استجماع شتات نفسه بعد انكسار أمه، بينما كانت الصغيرة “مريم” تلهو ببراءةٍ عند قدمي أبيها.

في تلك اللحظة، ظهر غلامٌ من غلمان الحاجب عند مدخل الرياض، انحنى باحترامٍ شديد، واقترب من أذن السلطان هامساً بكلماتٍ قليلةٍ جعلت وجهه يتغير. لم يرتجف السلطان، ولم يظهر عليه أي اضطراب، لكن نظراته التي كانت دافئةً قبل لحظات، اكتست ببرودٍ مفاجئ.

مسح بيديه الحانيتين على رأس “مريم”، ثم مال نحو “علي” وربت على كتفه برفقٍ أبوي، وقال بصوتٍ هادئ لا يوحي بأي خطر: “أكملوا غداءكم، فثمة أمرٌ من أمور الرعية لا يحتمل التأجيل.”

نهض السلطان بوقارٍ، وسار بخطواتٍ واثقة نحو مخرج الرياض، حيث كان الحاجب “حسن” ينتظرُ في الرواق، وجهه شاحبٌ وعيناه زائغتان. بمجرد أن اقترب السلطان، حتى انحنى الحاجبُ انحناءةً عميقة، ثم اقترب من أذن السلطان حتى لامست شفاهه أذنه.

بهمسٍ لا يكاد يُسمع، وبصوتٍ مرتجفٍ تملؤه رهبةُ الموقف، بدأ الحاجبُ ينقلُ الخبر:

“يا مولاي.. أعيذك بالله من سوء الخبر. جناحُ السيدة شريفة.. لقد وجدتُها.. لقد نحرت نفسها بخنجرها. الغرفة الآن مغلقة، والحارسُ بأمرٍ مني لا يدخلها أحد، ولا يعلمُ بالخبرِ غيري وغيرُ خادمةٍ حبستها في جناحي.”

تجمدت ملامح السلطان في تلك اللحظة. لم يصرخ، ولم ينهَرْ، لكن عروق عنقه برزت من شدة الاحتقان. سكنت حركته تماماً كتمثالٍ من صخر، ونظر إلى الفراغ للحظة، بينما كانت أصوات ضحك العائلة في الرياض لا تزال تصل إلى مسامعه، مما جعل التناقض بين فرحة العيد وبشاعة ما سمعه يمزق كيانه.

همس السلطان بردٍّ فحيحٍ، باردٍ كخنجر:

“أغلق هذا الخبر بمفاتيح الجحيم يا حسن.. لا يخرجُ نَفَسٌ واحدٌ من ذاك الجناح. اصحبني إلى هناك، وبسرعة.”

التفت السلطان ليلقي نظرةً أخيرةً نحو الرياض، حيث كانت عائلته، ثم مضى خلف الحاجب في الرواق المظلم، تاركاً خلفه احتفالاً لا يعلمُ أنه قد تحول، في لحظة، إلى مأتمٍ سريٍّ سيغير وجه التاريخ في القصر.

دخل السلطان الجناح بخطواتٍ واثقة، رغم أن قلبه كان يرتجفُ كطائرٍ ذبيح. ما إن وقعت عيناه على جسد “شريفة” الملقى وسط بركة الدماء، حتى ساد صمتٌ خانق، وكأن الزمن قد توقف. نظر إلى الخنجر الذي كان سبباً في إنهاء حياتها، ثم تأمل ملامحها التي تجمدت على قناعٍ من الألم والخذلان.

استدار السلطان ببطءٍ نحو “الحاجب حسن”، وكانت عيناه تشعانِ ببريقٍ مرعب، وقال بصوتٍ منخفضٍ ومتحجر:

“أغلق هذا الباب.. ولا يدخلهُ كائنٌ من كان. خذ خادمتكِ تلك، وأخفِ أثرها في غياهب السجون حتى تنتهي مراسم العيد، فلا أريدُ أن يسمعَ أحدٌ في هذا القصرِ صوتاً غير صوتِ الاحتفال.”

سكتَ السلطانُ قليلاً، ثم أردفَ بمرارة:

“أما هي.. فستُغسلُ وتُكفنُ في سريةٍ تامة. لا عزاء، لا مأتم، ولا إعلان. ستُدفنُ تحت جنحِ الليلِ في مقبرةِ العائلةِ دونَ مراسيم. سنقولُ إنها أصيبت بوعكةٍ شديدةٍ ألزمتها الفراش، وسنمنعُ الزياراتِ بحجةِ ‘العدوى’ أو ‘الاحتياجِ للراحة التامة’. كلُّ من سألَ عنها، الجوابُ واحد: إنها في خلوةٍ مع نفسها.”

انحنى الحاجبُ حسن إجلالاً، وقال: “سمعاً وطاعة يا مولاي، ولكن ماذا عن الأبناء؟ ماذا عن ‘علي’؟ إن لاحظ غيابها أو إصراركَ على منعِ الزيارات؟”

أغمض السلطان عينيه للحظة، واستشعرَ وطأةَ قراره، ثم أجاب بصلابةٍ لا تعرفُ اللين:

“عليُّ سيعرفُ في الوقتِ المناسب، . اليوم، العيدُ لا يكتملُ إلا بسترِ هذا الفضيحة. أريدُ أن تُؤخذَ كلُّ أدلةِ هذا الانتحار.. الخنجر، الدماء، وآثارها.. وتُمحى تماماً. إن سُئلت، فهي في رحلةٍ للحجِ أو في ضيافةِ أهلها بعيداً.. دبر أمرك يا حسن، فكرامةُ هذا القصرِ أمانةٌ في عنقك.”

غادر السلطانُ الجناحَ بسرعة، وكأنه يهربُ من طيفِ “شريفة” الذي ظلَّ يلاحقهُ بجمودِ نظراتها. عاد إلى الرياض، ومشى بين أبنائه وعائلته، يحملُ على وجهه قناعاً من الهدوءِ والوقار، بينما كان في داخله يحترقُ بنيرانِ السرِّ الذي دفنهُ للتو.

وفي تلك الليلة، تحت جنح الظلام، وبينما كان القصرُ يغرقُ في صدى أهازيجِ العيد، كانت “شريفة” تُنقلُ في صمتٍ مريبٍ إلى مثواها الأخير، لتبدأ معها قصةُ سرٍّ سيظلُّ مطارداً لـ”الشداد” و”علي” طوالَ حياتهما، سرٌّ سيجعلُ من العيدِ الذي بدأ بفرحةٍ عارمة، ذكرى سنويةً لغصةٍ لن تندملَ أبداً.

أشرقت شمس العيد في يومها الثاني على باحات القصر، لكن الضباب لا يزال يلفّ أرجاءه. في ساحة القصر الرئيسية، كانت عربةٌ ملكيةٌ تقفُ بأهبة الاستعداد، وقد سُدلت ستائرها الحريرية بإحكام. خرجت “شريفة” -أو من كانت ترتدي ثيابها وتتخفى خلف وقارها المصطنع- ترافقها “السعدية” التي بدت شاحبةً، مرتعشةً، تحاولُ إخفاءَ رعشةِ يديها تحت عباءتها.

كان المشهدُ يبدو للناظرِ كرحلةِ وداعٍ عادية. في تلك اللحظة، كان “علي” واقفاً في الرواقِ العلوي، يراقبُ المشهدَ بقلبٍ يملؤه الندمُ والتردد. تذكرَ مشاجرةَ الأمس، تذكرَ قسوةَ كلماته التي رماها بها، فشعرَ بحاجةٍ ملحةٍ للنزولِ وطلبِ الصفح، ليقولَ لها إنَّ قسوتهُ لم تكن إلا قناعاً لقهره.

انطلق “علي” بسرعة، نزل الدرج بخطواتٍ متسارعة، وكان على وشكِ أن ينادي باسمها، لكنَّ يداً قويةً كأنها مخلبُ صقرٍ طبقت على كتفهِ بقوةٍ أوقفتهُ في مكانه. التفت “علي” ليجدَ “الشداد” يقفُ خلفه، ملامحهُ صلبةٌ كتمثال، وعيناهُ لا تحملانِ أيَّ أثرٍ للرحمة.

قال السلطان بصوتٍ جهوريٍّ يملؤه السلطانُ والحزم:

“إلى أين يا علي؟”

أجاب “علي” بصوتٍ مضطرب: “أمي.. يا أبي.. أريدُ أن أعتذرَ لها. لا أستطيعُ أن ترحلَ وهي تحملُ في قلبها غضبها مني!”

ضيقَ السلطانُ عينيهِ ونظرَ إلى العربةِ وهي تتحركُ ببطءٍ نحو البوابة، ثم قال ببرودٍ يثلجُ الصدور:

“إنها في رحلةِ استجمامٍ عند أهلها، وقد طلبت مني أن لا يودعها أحد. إنها تحتاجُ للهدوء، وتحتاجُ أن تبتعدَ عن هذا القصرِ وعن ضجيجه. عد إلى مهامك، فالسلطانُ لا يلاحقُ نساءه، والابنُ البارُّ يطيعُ رغبةَ أمهِ في الخلوة.”

تجمد “علي” في مكانه، حاولَ أن يرى من خلفِ الستائرِ أيَّ إشارةٍ أو نظرة، لكن العربةَ انطلقت مخلفةً وراءها سحابةً من غبار، وكأنها تمحو “شريفة” من ذاكرةِ القصرِ للأبد. شعرَ “علي” بغصةٍ في حلقه، راقبَ “علي” العربةَ وهي تختفي خلفَ بواباتِ القصرِ الضخمة، بينما كان السلطانُ يقفُ بجانبه، يراقبُ الرحيلَ بنظراتٍ فاترة، وكأنه يراقبُ إتمامَ مهمةٍ أمنيةٍ لا أكثر. عاد “علي” أدراجه والندم ينهش قلبه نهشاً، بينما كان “الشداد” يسيرُ نحو جناحهِ بخطواتٍ واثقة، مطمئناً أنَّ “الفصلَ الأخير” من روايةِ الأمسِ قد طُوي.. ولن يُفتحَ أبداً.

اتجه السلطان نحو جناح “شامة”، وخطواته تقرع الرخام بإيقاعٍ يوحي ببركانٍ خامدٍ تحت صدره. لم يكد يقطع الرواق المؤدي للجناح حتى أحسَّ بوقع أقدامٍ متسارعة خلفه؛ كان “الحاجب حسن” يلهث، وقد بدا عليه اضطرابٌ غير معهود، وكأن الأرضَ ضاقت به بما رحبت.

توقف السلطان والتفت، فاقترب الحاجب وانحنى بوجل، وهمس بصوتٍ متحشرج يقطر توتراً:

“مولاي، أعذر جرأتي.. ولكن السعدية، الخادمة قبل مغادرتها العربة روت ما شهدته عيناها قبل أن تلفظ السيدة شريفة أنفاسها.”

ضاقت عينا السلطان كأنما يُسدد سهاماً نحو الحاجب، وأشار له بالاستمرار، فتابع الحاجب بنبرةٍ متقطعة:

“يا مولاي، الخادمة أكدت أنَّ البلاء بدأ حين دخل ‘علي’ على السيدة شريفة، وكانت في حالة انهيارٍ تام . حدث بينهما ‘صدعٌ’ عظيم؛ كانت هي تلومهُ وتعتبرهُ امتداداً لقسوتك، وتتهمه بأنه يتشمت في انكسارها بينما هو يهلل لفرحة العيد. لم تكتفِ بذلك، بل صبت جام غضبها عليه، نعتته بكل ما يكسر قلب الابن.”

صمت الحاجب قليلاً ليلتقط أنفاسه، ثم أكمل:

“وعندما ردّ عليها الابنُ بحدةٍ، محاولاً الخروج من عباءةِ النكد الذي يحيط بها، انفجرت في وجهه بكل ما في قلبها من مرارة. وبمجرد أن خرج ‘علي’ من الجناح والباب يرتجفُ خلفه من قوة صدمته، أمرت ‘السعدية’ وكل الخدم بالخروج فوراً. طردت الجميع بصرخاتٍ هيستيرية، وأوصدت الأبواب على نفسها، وبقيت وحدها.. وحدها مع خنجرها ودموعها، حتى فعلت ما فعلت.”

تصلب جسد السلطان، وبرزت عروقُ صدغهِ وهو يسمعُ تفاصيلَ المشهدِ الذي كان يظنهُ طيَّ الكتمان. كان يظنُّ أن الأمرَ مجرد “ساعةِ ضعف”، فإذا بهِ نتاجُ صدامٍ كان هو شرارتَه الأولى.

قال السلطان بصوتٍ غليظ، مخيف في هدوئه:

“أعلمتَ أحداً غيرك بهذا التفصيل؟”

أجاب الحاجب بضعة: “لا يا مولاي، الخادمة تحت حراسةٍ مشددة، وستغادر البلاد الى الابد وبلا عودة .

نظر السلطان إلى البابِ المؤدي لجناح “شامة”، ثم تراجع خطوةً عن طريقه، التفت إلى الحاجب وقال بصوتٍ مكتوم كأنه يخرجُ من قاعِ بئر:

لا أريدُ لأيِّ حرفٍ مما قلتَه أن يمسَّ مسامعَ ‘علي’. إن عرفَ أنَّ كلماته كانت هي الرصاصةَ الأخيرة في صدرها، فلن يغفرَ لنفسه، ولن يغفرَ لي.. ولا أريدُ أن أخسرَ ابني او يتحول الى وحش يتغدا على حقد نفسه وحقد ابيه ، جهّز مرافقي ‘علي’ ورجالَ الحرسِ الخاصين به. سنخرج معا للصيدِ في الغاباتِ اليوم “

دخل السلطان جناح “شامة”، فوجدها في مشهدٍ يمزقُ قناع الجبروت الذي ارتداه طوال النهار. كانت متكئةً على فراشها الوثير، تضمُّ صغيرها إلى صدرها، وعيناها تلمعان ببريقِ سعادةٍ بكرٍ لا تشوبه شائبة، وكأنها في عالمٍ معزولٍ عن مآسي القصر.

حين وقعت عيناها عليه، تهللت أساريرها وأرادت أن تبادر بالحديث، أن تبثه فرحتها بطفلها وبأجواء العيد، لكن السلطان، وبحركةٍ حازمةٍ من يده، أشار لـ”دادا رقية” بالخروج فوراً. انسحبت في صمت، تاركةً خلفها السلطان الذي اقترب بخطواتٍ ثقيلة، انحنى بهدوءٍ ليطبعَ قبلةً حانيةً على جبين الصغير الذي كان غارقاً في نومٍ عميق.

لم تمنحه “شامة” فرصةً ليستمر في صمته، فقد بدأت شفتها ترتجف بكلمات الفرح، لكنه قاطعها بصوتٍ كان وقعه أشدَّ من وقعِ السيوف، نبرةٍ لا تحملُ مودةً بل تحملُ “تكليفاً” ثقيلاً:

“اصمتي يا شامة.. لا تفتحي باباً للكلامِ الآن.”

تجمدت “شامة” في مكانها، واتسعت عيناها استغراباً. تابع السلطان وهو ينظرُ إلى طفلها، وصوته يملأ الزوايا بجديةٍ قاتمة:

“أنتِ أم.. وتعرفين جيداً ما يحتاجهُ الصغيرُ من أمه، وتعرفين أنَّ الأمومةَ ليست مجردَ حضنٍ ودفء، بل هي أمانةٌ ومسؤولية.”

تنفسَ بعمقٍ، ثم أردفَ وهو يضعُ يده على طرف الفراش، وكأنه يثقلُ عليها بمسؤوليةٍ لا تطيقها الجبال:

“أوصيكِ بـ’مريم’.. ابنتي التي فقدت اليوم سياجها، أريدكِ أن تكوني لها أماً، أن تربيها وتكبريها على يديّكِ، وأن تملئي الفراغَ الذي تركتهُ.. التي رحلت.”

شحب وجه “شامة” وهي تسمعُ حديثه عن “التي رحلت”، وكأن خبراً جللاً قد نزلَ بالدار. تابع السلطان بقسوةٍ واضحة، وكأنه يغرسُ في قلبها وصيةً أبديّة:

“أما علي.. فلا تنظرين إليهِ إلا بعينِ الشفقةِ والأمومةِ التي عهدتها منكِ في تلك الفترة التي احتضنتِه فيها كابنٍ لكِ. إنه يمرُّ بكسرٍ عظيم، وسيحتاجُ لروحكِ الصبورة. اجعليه يرى فيكِ الملاذ، وكوني لهُ السندَ الذي يحتاجهُ حين يعودُ من رحلته.. وإن سألكِ عن أمه، فلا تنطقي بكلمةٍ تُذكي ناره، بل كوني كالماءِ الذي يطفئُ الجمر.”

كانت كلمات السلطان كأنها أحجارٌ صماء رُصّت فوق صدر “شامة”، جعلت أنفاسها تضيق. لم تكد تستوعب حجم التكليف حتى انتفضت بداخلها رغبةٌ ملحة في الاستفسار؛ “شريفة”؟ أين هي؟ لماذا هذا الرحيل المفاجئ في عز أيام العيد؟ أين ذهبت دون وداع؟

فتحت “شامة” فمها، وتلعثمت كلماتها في محاولةٍ لسؤاله عن السبب الحقيقي، وعن تلك النبرة الغريبة التي يتحدث بها. لكن السلطان، وبحركةٍ حادةٍ كأنه يغلقُ باباً من حديد، رفع يده أمامها ليقطع كلامها قبل أن يولد.

تغيرت ملامحه إلى الجمود التام، وقال بصوتٍ منخفض، ثقيلٍ كأنه صخرةٌ تُلقى في قاع بئر:

“لا تسألي. ولا تفتحي هذا الباب لأي مخلوق. شريفة غادرت، ولن تعودَ إلى هذا القصرِ أبداً. هذا كل ما يجبُ أن تعرفيه، وهذا السرُّ أمانةٌ في عنقكِ، لن يعلمَ بهِ بشرٌ غيري وغيرك.”

نظرت إليه “شامة” بعينين تملؤهما الحيرة والرعب، فاقترب منها خطوةً أخرى حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها، وأردف بهدوءٍ مرعب:

“سأحكي لكِ الحقيقة كاملةً في الوقتِ الذي أراهُ مناسباً، حين أكونُ مستعداً للحديثِ وحين تكونُ الظروفُ مهيأةً لسماعِ ما لا تُطيقهُ الآذان. أما الآن..فكلامي واضح لك”

وضع يده على كتفها بقوة، وتابع بنبرةٍ آمرة:

“أريدُ ‘مريم’ في كنفك، لا أريدُها أن تشعرَ بنقصِ الأمومةِ ولا بلوعةِ الفقد. وفي وجودكِ، لا يجبُ أن يشعرَ ‘علي’ أنَّ مكاناً ما في هذا القصر قد خلا أو أنَّ حضناً قد غاب. كوني لهما الجدار الذي يتكئان عليه، وكوني للأولادِ الروحَ التي تملأ هذا الجناح بالسكينة.”

تراجع السلطان خطوةً إلى الوراء، كانت نظراته تخترقها وكأنه يرى في داخلها قدرتها على الصمود، ثم قال بنبرةٍ توديعية:

“سأرحلُ الآن في رحلةِ الصيد، وعند عودتي.. لا أريدُ أن أرى في عينيكِ أثراً لفضولٍ أو سؤال. اهتمي بالصغير، واهتمي بالأمانة. هذا القصرُ يعتمدُ على صمتكِ وقوتكِ في هذهِ المحنة.”

التفتَ وغادر الجناح، تاركاً “شامة” مشدوهةً، يديها ترتجفان وهي تضمُ طفلها، وقد أصبحت الآن محاصرةً بسرٍ لا تعرفُ كنهه، ومكلفةً بدورٍ لا تعرفُ كيف ستؤديه، بينما كان صوتُ قرعِ حوافرِ خيولِ السلطان وبداية رحلتهِ يبدأُ في الساحة، معلناً بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ غامضةٍ

بعد أن غادر السلطان وأطبق باب الجناح، ساد هدوءٌ ثقيلٌ لا يقطعه إلا أنفاس صغيرها المنتظمة. ظلت “شامة” متسمرةً في مكانها، وعقلها يدور في حلقةٍ مفرغة. كانت تشعر بوطأة المسؤولية التي ألقيت على كاهلها كأنها جبلٌ من حديد. لم تكن “شريفة” مجرد امرأةٍ في القصر، بل كانت شريكةً في الحياة، وذهابها المفاجئ بهذه الطريقة المريبة يطرحُ ألف سؤالٍ لم تجرؤ على طرحه.

نادت بصوتٍ خافتٍ ومضطرب: “دادا رقية..”

دخلت “رقية” بخطواتٍ وجلة، وعلامات الحيرة مرتسمة على وجهها، فقد أحست ببرودة الجو في الجناح. التفتت إليها “شامة”، وبنبرةٍ حاولت جاهدة أن تجعلها ثابتة، قالت:

“اسمعي جيداً يا رقية، وما سأقوله الآن هو عهدٌ غليظ، إن خرجت كلمةٌ واحدةٌ منه لأي خادمٍ أو حاشية، فالعقابُ سيكونُ الرأس.”

اقتربت رقية بخوفٍ، فأكملت “شامة” وهي تنظرُ في عينيها مباشرة:

“اذهبي الآن إلى جناحِ ‘مريم’. خذي كلَّ ملابسها، حاجياتها، وكل ما يخصها، وانقليها فوراً إلى هنا. ستنتقلُ مريم للعيشِ في جناحي منذ هذه اللحظة، وستكونُ تحت رعايتي المباشرة.”

شهقت “رقية” بدهشة، لكن “شامة” قاطعتها بحزمٍ وهي تتابع:

“لا تسألي عن ‘لماذا’.. قولي للخدم وللجميع إن هذا أمرُ السلطان، لا أريدُ سماعَ ثرثرةٍ في أروقة القصر. الأمرُ سيان بالنسبة لكِ، ‘شريفة’ لن تعود، والسرُّ يجبُ أن يُدفنَ في هذا الجناح. هل فهمتِ؟”

خرجت “رقية” لتنفيذ الأمر، وبعد دقائق، عادت وهي تدفعُ “مريم” أمامها. كانت الصغيرة تبدو تائهة، عيناها المحمرتان من البكاء تبحثان عن شيءٍ مفقود. توقفت مريم عند العتبة، ونظرت إلى “شامة” التي كانت تجلسُ بوقارٍ، تضمُ طفلها، وتخفي وراء ملامحها الهادئة عاصفةً من الألم.

اقتربت “شامة” من “مريم”، انحنت لمستواها، ومسحت على شعرها بلطفٍ جعل الصغيرة ترتجف. قالت “شامة” بصوتٍ دافئٍ رغم مرارة قلبها:

“من اليوم.. أنتِ في جناحي، وفي قلبي، وفي حمايتي. سأكون لكِ أماً وأختاً، ولن يمسكِ مكروهٌ طالما أنا هنا.”

نظرت مريم في عيني “شامة” بقلة حيلة، ثم ارتمت في أحضانها. في تلك اللحظة، شعرت “شامة” بثقل المهمة؛ فهي لا تربي طفلةً فحسب، بل تحاول حماية “ابنة” امرأةٍ أصبحت سرّاً محظوراً.

مرت الساعات ثقيلة، ومع حلول المساء، بدأت “شامة” تحس بعبء الدور الذي ستلعبه عند عودة “علي”. كيف ستواجهه؟ كيف ستنظرُ في عيني طفل على ابواب الشباب فقد أمه، بينما هي تعلم أنها لن تعود، وتُجبرُ على لعب دور “الأم البديلة” لتمويه الحقيقة؟ أمسكت “شامة” بكتف مريم، وقالت لها بنبرةٍ جازمة:

“مريم، أنتِ ابنة السلطان، وقوتكِ من قوته. اليوم تغيّر كل شيء في هذا القصر، وعلينا أن نكون أقوياء.. لا بدموعنا، بل بصمتنا. هل تعدينني أن تكوني قوية؟”

هزت مريم رأسها بضعف، بينما كانت “شامة” تنظر نحو النافذة، وتراقب ظلام الليل الذي بدأ يزحف على القصر، مدركةً أن هذه الليلة هي أول ليلةٍ في حياةٍ جديدة، حياةٍ بُنيت على أنقاضِ “شريفة”، ومحكومةٍ بصمتِ “الشداد”.

أصبح القصرُ منذ تلك اللحظة كبيتٍ من زجاجٍ مشروخ؛ الكلُّ يلمحُ الشقَّ، لكن لا أحدَ يجرؤ على لمسهِ أو الحديثِ عنه. “كنزة”، التي كانت تراقبُ القصرَ بعينِ الصقرِ ، ، استشعرت أنَّ التوازنَ قد اختلَّ. انتقالُ “مريم” إلى جناح “شامة” كان حدثاً لم يمرَّ مرورَ الكرامِ في نظرها.

في صباحِ اليوم التالي، وبينما كانت “شامة” تمارسُ دورها الجديد، محاطةً بـ”مريم” التي بدأت تظهر عليها علاماتُ الانكسارِ المكتوم، دخلت “كنزة” إلى الجناحِ دون استئذان. كان وقعُ خطواتها واثقاً، ونظراتها تفحصُ المكانَ بدقةٍ كأنها تبحثُ عن أثرٍ لـ”شريفة” في زوايا الغرفة.

توقفت “كنزة” أمام “شامة”، وبابتسامةٍ باردةٍ لا تصلُ إلى عينيها، قالت:

“هاااي هاي جناحك زاااد توسع بوجود مريم ! واش مكفاش هم ترابيك اللي عاد تزاد؟ حتى زدتي عليه مريم حتى هي ؟

أحست “شامة” بـ”كنزة” تحاولُ جسَّ نبضها، فأجابت بهدوءٍ مصطنع وهي تضمُّ مريم إلى جانبها:

“يا لالة كنزة، ما هذهِ إلا أوامرُ السلطان. مريم ابنةُ القصر، وواجبُ من يحبُّ السلطان أن يرعى من يحبهم هو.”

ضحكت “كنزة” ضحكةً قصيرةً خاليةً من المرح، ثم اقتربت من أذن “شامة” وهمست بنبرةٍ لا تخلو من السمِّ:

“ا لسلطان مكيفرقش ولادو غييير هاكاك ؟؟ شريفة شفتها ركبات وزادت ويعلم الله فين زادت؟ ، ومريم انتقلت لهنا والاسرار كترات حتى ولات كتخنق امم؟

تركت “كنزة” الجناحَ وهي تدركُ أنَّ هناك حقيقةً مدفونة، بينما بدأت “شامة” تعيشُ واقعاً مرعباً: هي في “مواجهةٍ باردة” مع “كنزة” التي تشك، وفي “حراسةٍ مستمرة” لمشاعرِ “مريم”، وفي “انتظارٍ قلق” لعودة “علي”.

أما الحياةُ في القصر، فقد تحولت إلى روتينٍ مريب؛ الخدمُ يتهامسون، والأروقةُ التي كانت تعجُّ بالحياةِ أصبحت باردةً كأنها ممراتُ مقبرة. “شامة” أصبحت تعيشُ خلف أبوابٍ مغلقة، تقضي يومها في تلقين “مريم” الصبر، وفي محاولةِ جعلِ جناحها مكاناً آمناً، لكنَّ كلَّ زاويةٍ في القصرِ كانت تذكرها بأنها “خازنةُ السر”.

كانت “شامة” تعلم أنَّ الاختبارَ الحقيقيَّ لم يبدأ بعد؛ الاختبارُ سيكونُ في لحظةِ عودةِ “علي” من الصيد، حين ينظرُ في عينيها باحثاً عن أمّه، وحين يرى “مريم” في حضنِ امرأةٍ أخرى. حينها، سيتوجبُ على “شامة” أن تكون ممثلةً بارعةً، أو أن تنهيَ ما بدأه “الشداد” من كذبٍ، حتى لا يكتشفَ الفتى أنَّ “السفر” الذي أخبره به والدهُ لم يكن إلا رحلةً بلا عودة

مرت الأيام كأنها دهر، وكان القصر يعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر. “شامة” أصبحت محور ارتكاز لا يُحسد عليه؛ فهي تحاول ملء الفراغ الذي تركته “شريفة” دون أن تبدو “مستبدلة” أو “انتهازية”. كانت تقضي ساعات طوال مع “مريم”، تُعلمها كيف تتماسك، وكيف تخفي حزنها خلف قناعِ كبرياءِ البيتِ الملكي.

في ليلةٍ مقمرة، وبينما كان القصر يغط في صمتٍ مريب، وصلت أخبارٌ من الحرسِ المتقدم: “السلطان وعلي في طريق العودة.”

شحب وجه “شامة” حين سمعت الخبر، وشعرت برعشة تسري في أطرافها. نظرت إلى “مريم” النائمة بجانبها، ثم نظرت إلى طفلها في مهده، وهمست لنفسها: “يا رب، امنحني القوة

في صباحِ اليومِ الموالي، دخل “علي” من بوابةِ القصر. كان وجهه شاحباً، وعيناه تعكسان تعباً لم يكن بسبب الصيد، بل بسبب التفكير الذي لم يهدأ. كان “الشداد” يتبعه بخطواتٍ واثقة، وجهه خالٍ من أي تعبير، كأنه يغلق على سره في صندوقٍ حديدي.

بمجرد أن دخل “علي” إلى الردهة الرئيسية، التفت باحثاً بعينيه عن “شريفة”. ساد صمتٌ أطبق على المكان؛ الخدمُ طأطأوا رؤوسهم، والحراسُ تجمدوا في أماكنهم. هنا، تقدمت “شامة” بخطواتٍ مدروسة، مرتديةً وقارها المعهود، تحملُ في وجهها مزيجاً من الأمومة المفتعلة والحزن الصادق.

اقترب “علي” منها، وسألها بصوتٍ مخنوق: “أين أمي يا شامة؟ أخبرني أبي أنها في رحلة.. أخبرني أنها بخير.”

تراجعت “شامة” قليلاً، وتذكرت وصية السلطان: “كوني كالماء الذي يطفئ الجمر”. أخذت نفساً عميقاً وقالت بنبرةٍ هادئة:

“يا علي، أمهاتنا في قلوبنا دائماً. السيدة شريفة اختارت طريقاً للراحة والبعد، وقد طلبت مني ألا أتركك أنت ومريم في غيابها. هي تراقبنا، وتتمنى أن تراك قوياً كالسلطان.”

تطلع “علي” في عينيها، محاولاً البحث عن ذرة كذب، لكن عيني “شامة” كانتا عميقتين كالبحر. في تلك اللحظة، ظهرت “مريم” من خلف “شامة”، ارتمت في أحضان أخيها “علي” وهي تبكي. ذرفت “شامة” دمعة حقيقية، لا على “شريفة” فحسب، بل على هذا الجيل الذي سيكبرُ معلقاً على انتضار ابدي

راقب “الشداد” المشهد من بعيد، اكتفى بهز رأسه إعجاباً بـ”شامة”. كان يعلم أنها نجحت في الاختبار الأول. لكنه لم يلاحظ “كنزة” التي كانت تقف في الشرفة العلوية، تراقب كل شيء، وتتمتم لنفسها:

“اممم يعلم الله شنو مخبيين وشنو طابخين ؟ لااالالالا هادشي جاني ماشي هوا هداك . هادي ميكونو غيير نفاوها من القصر مشية بلا رجعة وانا حااااسة واحساسي ميكدبنيش

دخل الجميع إلى القصر، وكأن الحياة عادت لمجراها، لكن “علي” لم يذهب إلى جناحه الخاص. وقف أمام باب جناح “شريفة” المغلق بإحكام، وضع يده على المقبض.. وهنا، حبست “شامة” أنفاسها، وارتجف قلبها.

وضع “علي” يده على مقبض الباب. كان الحديد بارداً كأنه قطعةٌ من جليد، وسرعان ما سرت رعشةٌ في ذراعه وهو يحاول تدويره. كانت الأنفاس في الرواق قد توقفت تماماً، حتى الخدمُ تراجعوا إلى الظلال، و”شامة” وقفت على بعد خطوات، يداها متشابكتان بقوة، تدعو الله في سرها ألا يُفتح هذا الباب.

فجأة، انبعث صوتُ “الشداد” من خلفه، صوتاً لا يشبهُ صوته المعتاد، بل كان أشبه بهديرِ الرعدِ في ليلةٍ خريفية:

“إلى أين يا علي؟”

تجمد “علي” في مكانه. سحب يده عن المقبض كمن لسعته نار. استدار ببطءٍ ليجد والده يقفُ خلفه، يداه خلف ظهره، وعيناه تلمعان ببريقٍ مرعب.

قال السلطان بنبرةٍ لا تحتملُ الجدال:

“لقد أُغلقَ هذا الجناحُ بأمري. السيدةُ شريفة طلبت خلوةً تامة، وأيُّ خرقٍ لهذه الخلوةِ هو إهانةٌ لكرامتها ، حتى وان لم تكن بداخل مخدعها”

رد “علي”، وصوته يتهدجُ من فرطِ القهر: “أمي.. يا أبي.. لماذا الخلوة؟ هل هي غاضبةٌ مني إلى هذا الحد؟ هل لهذا الحدِ أصبحَ وجودي في هذا القصرِ ثقيلاً عليها؟”

اقترب السلطانُ منه، وضع يده القوية على كتف ابنه، وضغط عليهِ بقوةٍ جعلت مفاصل “علي” تطقطق. همس في أذنه بنبرةٍ مسموعةٍ للجميع:

“أحياناً، يا بني، الحبُّ يجعلنا نرحلُ لنحمي من نحب. أمك ليست غاضبة، بل هي تحمي روحها من صراعاتِ هذا القصر. لا تكن أنانياً، ولا تزدْ حِملها حِملين. عد إلى جناك، واسترح.”

أُجبر “علي” على الانصياع. سارَ بخطواتٍ مثقلة، وعيناه لا تزالان معلقتين ببابِ الجناح. أما “شامة”، فقد كانت تراقبُ المشهد، وأدركت في تلك اللحظة أنَّ القصرَ لم يعد بيتاً، بل صار سجناً كبيراً، وأنها ليست مجرد زوجةٍ، بل أصبحت “السجانة” التي تديرُ أقفالَ الأسرار.

بعد رحيل “علي”، اقتربت “شامة” من السلطان، وخفضت بصرها. لم يقل لها شيئاً، لكنه نظر إليها نظرةً طويلة، نظرةً تحملُ الكثير من المعاني: “أنتِ الآن خطُّ الدفاعِ الأخير”.

في تلك الليلة، دخلت “شامة” إلى جناحها، وأغلقت البابَ جيداً. اقتربت من “مريم” التي كانت تبكي في صمتٍ على فراشها. جلست بجانبها، وضمّتها إليها. كانت تعلمُ أنها تلعبُ بالنار، وأنَّ “علي” مهما طالَ الزمن، سيعودُ للباب.. سيعودُ للحقيقة.

كانت الليلةُ طويلةً، كان “الحاجب حسن” يمرُّ أمام بابِ الجناحِ المغلقِ مرةً أخرى، يلقي نظرةً على الحارسِ الذي لا يزالُ يقفُ هناك، وكأنه تمثالٌ حجرِي، يحمي “خطيئةً” أبديةً لن تُمحى أبداً.

كان “علي” يقضي أيامه في نوباتٍ من الصمت المطبق، يراقبُ جدران القصر كأنها أسوارُ سجنٍ لا يخرج منه. كان تأنيب الضمير يأكله؛ فهو لا يعلمُ أن أمه قد فارقت الحياة، لكنه يحملُ في قلبه ثقل الكلمات القاسية التي رماها بها قبل رحيلها. كان يعتقدُ أنها سافرت “غاضبةً عليه”، وأنها قد لا تعودُ يوماً لتسامحه.

كان “الشداد” يراقب هذا الانكسار بقلبٍ يملؤه التوجس. كان يعلمُ يقيناً أنَّ إعلانَ موتِ “شريفة” الآن يعني قتل “علي” معها؛ فكلماتُ الخصامِ الأخيرة ستتحولُ إلى خنجرٍ يغرسُه الابنُ في صدرهِ كلما أغمضَ عينيه. لذا، كان الصمتُ هو الخيارُ الوحيد؛ ليس فقط لسترِ العار، بل لربحِ الوقت.. وقتٍ كافٍ ليوهمَ “علياً” بأنَّ أمه رحلت وهي راضية، ليمحو أثر “الكلمة الأخيرة” قبل أن ترسخ في ذاكرته كخطيئةٍ لا تُغتفر.

في ظهيرةِ يومٍ حار، بينما كان “علي” يجلسُ في شرفةِ القصر، اقترب منه “الحاجب حسن” بخطواتٍ هادئة

“مولاي علي.. مرسولٌ خاص وصلَ للتو من عند السيدة شريفة.”

انتفض “علي” من مكانه، وبدت على وجهه علاماتُ الذهولِ والترقب. انحنى الحاجبُ وأضاف

“لقد وصل رسول القصر ومعه رسالة لك من يده الى يدك كما اوصته السيدة شريفة”

نزل “علي” بسرعةٍ لم يعهدها في مشيتهِ منذ أيام. في فناءِ القصر، وقف رجلٌ يرتدي ثيابَ السفرِ المغبرة، انحنى أمام “علي” وقدم له الرسالة بيدين مرتعشتين. كان “علي” يراقبُ الرجلَ بعينين فاحصتين،امسك الرسالة بختم امه المقفل ،ثم فتح ووقع بصرهُ على خطِّ يدهِا. كانت الكلماتُ تنبضُ بـ “السلام”

“إلى ابني ونور عيني، علي..

**أكتبُ لك هذه الكلماتِ من منفايَ الاختياري، والدموعُ تغالبني لا حزناً عليك، بل شوقاً إليك. أريدك أن تعلمَ يا علي أنَّ الرحيلَ لم يكن هروباً منك، بل كان رحلةً نحو البحث عن السلامِ الذي افتقدتهُ روحي بين أروقةِ القصر.

لا تحملْ في قلبكَ ذرةً من لومٍ على خصامنا الأخير؛ فلقد أخذتُ معي كلَّ غضبٍ كان في صدري، ولم أتركْ لكَ سوى كلِّ حبٍّ وأمومةٍ سكنت فؤادي. لم تكن كلماتُك قسوةً، بل كانت مرآةً لقلبٍ رجل شهم يحملُ الكثيرَ من الحرقة.. وقد سامحتُك وسامحتُ نفسي منذ اللحظة التي غادرتُ فيها الباب.

أنا اليوم في مكانٍ يملؤه الهدوء، أستعيدُ فيهِ توازني لأعودَ إليك يوماً ما بقلبٍ صافٍ. فلا تفتشْ عني في زوايا الغدرِ أو القلق، ولا تفتحْ أبواباً لم يعد لها وجودٌ في طريقي. كُن قوياً يا علي، كُن سنداً لأبيك، وكُن حامياً لأختك مريم.. فهذا ما يجعلني أفتخرُ بك وأنا بعيدة.

سأعودُ عندما تلتئمُ الجراح، وحتى ذلك الحين، لا تترك الحزنَ يأكلُ روحك. لقد تركتُ لك دعواتي في كلِّ سجدة، وأمانتي في قلبك.. لا تذنبْ في حقِّ نفسك، فأنا راضيةٌ عنك رضا الأبد.

أحبُّك يا فلذةَ كبدي.. لا تنسَ أنني بانتظارِ لقاءٍ أجمل.

أمك، شريفة”

مع كلِّ حرفٍ قرأه، كان “علي” يشعرُ بجبلٍ يزاحُ عن صدره. تساقطت دموعهُ على الورق، لكنها لم تكن دموعَ قهرهِ المعتادة، بل دموعَ طمأنينةٍ غسلت غبارَ الذنب.

من بعيد، كان “الشداد” يراقبُ المشهدَ من خلفِ ستائرِ جناحه. كان يعلمُ أنَّ هذه الورقة ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل هي “دواء” صُنع بذكاء لإنقاذِ ابنه. لقد نجح في شراءِ صمتِ القدر، ونجح في استبدالِ ذكرى الخصامِ بذكرى الوئام.

أغلق “علي” الرسالة، وضمها إلى صدره وكأنها روحُ أمهِ التي عادت إليه.

لم يكن الشداد يخفي موتها من أجلِ السمعةِ فحسب، بل كان يمهدُ الطريقَ لـ “علي” ليعيشَ بسلام، حتى لو كان هذا السلامُ مبنياً على وهمٍ سينتهي يوماً ما.. لكن ربما، حين تنتهي هذه الكذبة، يكون “علي” قد صار أقوى من أن تقتله الحقيقة.

كانت الرسالة لا تزال بين يدي “علي” ترتجفُ خفيفة، وكأنَّ فيها نبضاً حياً. سكنت عيناهُ بعد طولِ اضطراب، وشعرَ لأول مرةٍ منذ العيد، أنَّ الجمرَ الذي كان يحرقُ أحشاءه قد انطفأ. نظرَ إلى “الحاجب حسن” الذي كان ينتظرُ إشارةً منه، ثم التفتَ إلى “المرسول” الواقفِ في الفناء.

قال “علي” بصوتٍ عادَ إليهِ هدوؤه:

“يا هذا.. لا ترحل قبل أن تأخذَ لها جوابي. إنها تحتاجُ أن تعرفَ أنَّ قلبي قد استراح.”

صعد “علي” إلى جناحه بخطواتٍ ثابتة، رغم أنها لا تزالُ تحملُ شيئاً من التعب. جلس إلى مكتبه، وأمسك بالقلم، كان يريدُ أن يسكبَ كلَّ ندمه على الورق. لم يكن يكتبُ لامرأةٍ غائبة فحسب، بل كان يكتبُ “للمستقبل” الذي وعدَ نفسه أن يكونَ فيهِ باراً بأمه.

“إلى أمي، نورِ أيامي وسكني..

وصلتني كلماتُكِ، فكانت كالمطرِ الذي أحيى أرضاً قاحلة. صدقيني يا أمي، لم يكن صمتي في الأيامِ الماضيةِ إلا سجناً، ولم يكن غضبي إلا سياطاً جلدتُ بها نفسي. الرسالة التي في يدي الآن هي أغلى ما ملكتُ منذ ولدت؛ فهي ليست مجرد ورق، بل هي صكُّ غفرانٍ حررني من قيدِ ذنبي.

**أعتذرُ عن كلِّ حرفٍ جرحكِ، وعن كلِّ لحظةِ ضعفٍ جعلتني أقفُ في وجهكِ عوضاً عن أن أكونَ درعك. اعلمي أنني سألتزمُ بوصيتكِ، سأكونُ السندَ لأبي، والقلبَ الحاني على أختي مريم، وسأحفظُ عهدكِ في قلبي حتى يعودَ اللقاء.

لا تطيلي الغياب، فالقصرُ من دونكِ باردٌ لا روحَ فيه، لكنني سأنتظرُ بقلبٍ صبور، وسأعملُ لأكونَ الابنَ الذي طالما تمنيتِ أن تريه. أرجوكِ، اعتني بنفسكِ كما اعتنيتِ بي، فكلُّ نبضةٍ في قلبي هي دعاءٌ لكِ بالخيرِ والعودة.

محبكِ الذي ينتظرُ طلتكِ.. علي”

طوى “علي” الرسالة، وختمها بشمعٍ أحمر، ثم نزلَ إلى الفناءِ وناوله للمرسولِ بيده، ووضع في كفهِ صرةً من الذهبِ وقال بوقار:

“أوصلها لها بسلام، ولا تُطل الطريق.”

وقف “علي” يراقبُ المرسولَ وهو يمتطي جوادهُ ويختفي خلف بواباتِ القصر. كان يشعرُ بخفةٍ غريبة. التفتَ ليجدَ “الشداد” يراقبهُ من بعيد، فابتسمَ “علي” لأبيه ابتسامةً صادقة، لأول مرةٍ منذ زمن.

أما “الشداد”، فقد ردَّ الابتسامة بوقارٍ ملكي، لكنَّ قلبهُ كان يعلمُ الحقيقة: تلك الرسالةُ لن تصلَ أبداً لأيِّ وجهةٍ في هذهِ الأرض، بل ستنتهي في نارِ موقدهِ الخاص، حيثُ تُحرقُ كلُّ الأسرار التي لا يجرؤ أحدٌ على مواجهتها. لقد منحَ ابنه “عزاءً”، وهذا -بالنسبة للسلطان- كان أقصى ما يمكنُ تقديمهُ من رحمةٍ في عالمٍ لا مكانَ فيه للضعف.

ساد في القصر هدوءٌ مريب، هدوءٌ يشبهُ سكونَ الغابةِ قبل العاصفة. بعد أن استراحَ قلبُ “علي” بفضلِ الرسالةِ الموهومة، تغيرت موازينُ القوةِ داخلَ الأروقة؛ أصبحَ “علي” أكثرَ هدوءاً، يتجنبُ التساؤل، ويكرسُ وقتهُ للتدريبِ ولرعايةِ “مريم”، وكأنه يوفي بعهدٍ قطعهُ لأمهِ الغائبة.

أما “شامة”، فقد أصبحت “قلبَ القصر”. نجحت بذكاءٍ فطري في أن تملأ الفراغ؛ كانت تجمعُ حولها “مريم” وطفلها، فتخلقُ في جناحها عالماً صغيراً دافئاً، يُنسي الصغيرةَ وحشةَ الفقد. كانت “شامة” تعاملُ “مريم” بحبٍّ حقيقي، ليس فقط تنفيذاً لأمرِ السلطان، بل لأنها وجدت في تلك الصغيرةِ روحاً مكسورة تشبهُ ما كان يمكن أن تؤول إليه الأمورُ لو دارت الدوائر.

أما علاقتها بـ”علي”، فقد اتخذت طابعاً من الاحترامِ والتقديرِ العميق. صار “علي” يراها “ملاذاً”؛ فكلما ضاقَ به القصر، وجد في جناحها رائحةَ الطمأنينة. كانت “شامة” تحرصُ دائماً على أن تذكرهُ بأن “أمه راضية”، وأن عليه أن يركزَ على مستقبلهِ كـ”سلطانٍ في طورِ التكوين”، مما جعل “علي” يتعلقُ بها كأختٍ كبرى حكيمة، لا كزوجةِ أبٍ تسعى لفرضِ سيطرتها.

في الجهةِ المقابلةِ من القصر، كانت “كنزة” تعيشُ واقعاً مغايراً تماماً. لقد أدركت أنَّ “شامة” قد كسبتِ الجولة، وأنَّ هدوءَ “علي” قد قطعَ الطريقَ على أيِّ محاولةٍ لإثارةِ الشكوك. لذا، قررت “كنزة” أن تنسحبَ من ساحةِ الأسرارِ إلى ساحةِ “الحياةِ الصاخبة”. انغمست في الولائم، وفي تربيةِ أبنائها بأسلوبٍ فيهِ الكثيرُ من الدلالِ المفرطِ والترفِ الظاهر، محاولةً أن تبني لهم نفوذاً خاصاً بعيداً عن صراعاتِ “الشداد”.

كانت “كنزة” تتنقلُ في القصرِ كأنها فراشةٌ جميلة، لكنها كانت تخفي خلفَ ضحكاتها ومجالسِ اللهوِ عيناً لا تنام. كانت تراقبُ “شامة” وهي ترعى الأطفال،وتتود اليها كأخت ، كانت تعلم ان شامة حتى لو كانت هادئة صامتة ، فهي نار موقدة تحت قناع الوقار،مما يجعلها حذرة وتتقي شرها.

كانت تربي أبناءها على أن القصرَ حقٌّ لهم، وأنَّ عليهم أن يكونوا “مراقبين” لكلِّ ما يدور. كانت ترسلهم للعبِ بالقربِ من جناحِ “شامة”، لا ليلعبوا، بل ليسمعوا ويخبروها بكلِّ شاردةٍ وواردة.

وهكذا، انقسم القصرُ إلى عالمين:

عالم “شامة”، حيثُ الهدوءُ المصطنعُ والأمومةُ المدافعةُ عن سرٍّ دفين، وحيثُ “مريم” و”علي” يحاولانِ ترميمَ شتاتِ أرواحهما.

وعالم “كنزة”، حيثُ الصخبُ، والترف، والتربصُ الخفيُّ خلفَ أقنعةِ الابتسامة.

بين هذين العالمين، كان “الشداد” يراقبُ من عليائه، مكتفياً بابتسامةٍ باردة؛ فهو يعرفُ أنَّ التوازنَ هشٌّ، وأنَّ “شامة” و”كنزة” هما قطبانِ سيشتعلان يوماً ما، وحينها فقط، سيحسمُ هو مصيرَ كلِّ شيء، بما فيه مصيرُ تلك الرسائلِ التي كانت في نظرهِ مجردَ “جرعاتِ تخديرٍ مؤقتة” لآلامِ الابن.

حلّ “داءُ الرّيح” كليلٍ أسودَ لا فجرَ له؛ ذاك الوباءُ الذي تسلل إلى مدنِ المملكة كشبحٍ لا يُرى، يخنقُ الأنفاسَ ويصبغُ الوجوهَ بشحوبِ الموت. أُغلقت أبوابُ القصرِ بإحكام، وتحولت ممراته الفسيحة إلى ثكناتٍ من البخورِ المُعقمِ والترقبِ القاتل.

.

في خلوةِ الديوان، كان الهدوءُ يخيمُ على المكان، والشداد يراقبُ في صمتٍ كيف يفتكُ “داءُ الرّيح” بأسوارِ المدينة. التفتَ إلى “شامة”، رفيقتهُ في التدبير، وقال بصوتٍ هادئٍ وعملي:

“يا شامة، الوباءُ يمنحنا مخرجاً لم نكن نتوقعه. ‘داءُ الرّيح’ هو الغطاءُ الذي سينهي قصة شريفة للأبد. سأعلنُ وفاتها به، وبذلك يغلقُ ملفُ رحيلها دون أسئلة.”

تجمدت “شامة” في مكانها، وعيناها اتسعتا بذهولٍ لم تستطع السيطرة عليه. همست بصوتٍ يملؤه الارتجاف:

“وفاتها؟.. أتقصدُ أنها..؟؟؟؟!!!

نظر إليها “الشداد” بنظرةٍ رجلٍ يضعُ ثقلهُ على كتفِ أقربِ الناس إليه. اقترب منها ببطء، وضع يده على كتفها كشريكٍ يصارحُ شريكته بحقيقةٍ لا مفر منها:

“شامة.. لا داعي للتمثيلِ أمامي. أنتِ تعلمين أنَّ القصرَ لا يتركُ أسرارهُ خارجَ أسواره. شريفة لم تكن في منفىً، ولن تكون. شريفة انتحرت ..وفارقت الحياة في ليلةِ العيد، هنا، تحت هذا السقف.”

في تلك اللحظة، شعرت “شامة” أنَّ الهواءَ سُحب من الغرفة. وقعت الكلماتُ عليها كالصاعقة؛ لم تكن مجرد معلومة، بل كانت إدراكاً متأخراً لحجمِ الجريمةِ التي كانت تعيشُ بجانبها دون أن تدري. تراجعت خطوةً إلى الوراء، يداها ترتجفان، ليس خوفاً منه، بل لهولِ ما اكتشفته.

نظر إليها السلطان بانتظارِ رد فعلها؛ كان يعلمُ أنها ذكية، وكان يحتاجها أن تعود لوعيها لتديرَ معه ما تبقى من المخطط. قال بهدوء:

“أعلمُ أنَّ الصدمةَ كبيرة، لكنني ما أخبرتُكِ إلا لأنكِ العقلُ الذي أديرُ بهِ هذا القصر. نحتاجُ لإنهاءِ هذا الوهمِ قبل أن يفتحَ عليٌّ باباً لا يُغلق. أنتِ الوحيدةُ القادرةُ على أن تكوني بجانبهِ في هذا ‘العزاء’ لتجعليهِ يتقبلُ موتها كقضاءٍ وقدر.”

تجمدت “شامة” مكانها بعد سماعِ اعترافِ السلطان. اقتربت منه، وعيناها تلمعان بدمعٍ حقيقي لم تستطع حبسه، ليس خوفاً هذه المرة، بل شفقةً صادقةً على “شريفة”.

“ماتت؟.. ماتت هنا؟” همست شامة، وصوتها يرجفُ بصدق. “يا إلهي، كيف طاوعك قلبك يا صقر ؟ كانت أمَّ ابنك.. كانت سيدة القصرِ التي شاركتك عُمراً.كيف صمدت في صمتك كا هذا الوقت؟

ارتفع صدرُ السلطان بحدة، ونظر إليها بنظراتٍ بردت فيها كلُّ مشاعرِ الودّ التي كانت تجمعهما. لم يبرر، ولم يدافع، بل استدار نحوها بوجهٍ صارمٍ كالحجر، وقال بصوتٍ يقطرُ استعلاءً:

“أتشفقين عليها؟ لا تضيعي دموعكِ في غيرِ موضعها يا شامة. لقد ارتكبتُ في حياتي خطايا كثيرة، لكنَّ أسوأَ اختيارٍ تلطخت به يداي.. كان هو زواجِي من شريفة.”

اتسعت عينا شامة ذهولاً، وتراجعت بضع خطوات، وكأنها تسمعُ شخصاً غريباً.

“أنت من كنت تقولُ عنها في رسائلكَ القديمة إنها سيدةُ القلب..وكنت تتغزل بها في رسائلك لي !

ضحك السلطان ضحكةً جافةً خاليةً من أيِّ دفء، وقال بأسف

“ذاك كان وهماً يا شامة! كان عمى بصرٍ وبصيرة. الإنسانُ أحياناً يندفعُ نحو قدره الأعمى قبل أن يستفيق. نعم، أحببتُ ذلك الوهم، كان البعد اجمل والقرب كشف الكثيير، ، اكتشفتُ أنها كانت أسوأَ اختيارٍ اتخذتهُ في حياتي.

صمت قليلاً، ثم أضاف ببرودٍ مرعب جعلَ شامة ترتجفُ في مكانها:

“لا تشفقي عليها، ولا تبكي على موتها. تلك المرأةُ ذهبت إلى حيثُ تستحق، وليذهب كلُّ ما ربطني بها إلى الجحيم. لا تذكري اسمها أمامي بشفقة، فكلُّ ما أريده الآن هو أن ينسى القصرُ أنها وُجدت يوماً.”

وقفت “شامة” مسمّرة في مكانها، تنظرُ إلى “الشداد” الذي كان يراه الجميعُ سلطاناً عظيماً، لكنها الآن تراهُ رجلاً يحملُ في صدرهِ فراغاً أسود. أدركت في تلك اللحظة أنَّ الحبَّ عنده كان مجردَ “نوبةِ جنون” مؤقتة، وأنَّه لا يترددُ في محوِ أيِّ شيءٍ يزعجه، مهما كان قريباً.

تجمدت “شامة” في مكانها، بينما كان “الشداد” يمشي في الغرفة بخطواتٍ واثقة، وكأنه يلقي حكماً قضائياً لا رجعة فيه. لم تكن صدمة “شامة” من موتها فحسب، بل من حجم البغض الذي يغلي في صدر السلطان تجاه امرأةٍ كانت يوماً ملكةً في هذا القصر.

“لماذا ؟؟ سألت شامة بصوتٍ متهدج، وهي تحاول استيعاب قسوة كلماته. “ألم تكن هي من شاركتك بداية الطريق؟”

ضحك الشداد ضحكةً تهكمية، وتوقف أمامها ليرشقها بنظراتٍ حادة:

“شامة، المرأة التي لا تعزُّ نفسها ولا تملكُ كبرياءً يحمي مكانتها، لا تستحقُ أن تكون في بيتِ السلطان. شريفة كانت باهتةً، مهزوزة، تفتقرُ للجوهرِ الذي تصمدُ به زوجةُ العرش. المرأةُ التي لا تحبُّ نفسها وتسمحُ للانكسارِ أن يهشمها، كيف لها أن تحمي هيبةَ الدولة أو تربي ولي عهدٍ يُهاب؟”

صمتَ قليلاً، ثم اقترب منها أكثر، وصوته يزدادُ حدةً وعنفاً في وصفِ مشاعره:

“لقد كانت وباءً استشرى في بيتي قبل أن يحلَّ ‘داءُ الرّيح’ في البلاد. حين اختارت الرحيلَ والانتحار، لم تترك لنا مجداً، بل تركت عاراً من الخذلان! أما شفقت عليها؟ كيف أشفقُ على أمٍّ لم تشفق على فلذةِ كبدها؟ لقد تركت ‘علياً’ ينهشهُ تأنيبُ الضمير، وعيشتهم في كآبةٍ وسوادٍ لا يليقُ ببيتِ وليِّ عهدٍ يفترضُ أن يكون امتداداً لهيبتي.”

نظر إليها باحتقار، وكأنه يقارن بين “شامة” وبين “شريفة” في ميزانِ القوة:

“شريفة لم تكن يوماً في المكانِ المناسب، ولا المقامِ المناسب. كانت ترغبُ في أن تكون سيدةَ القصر، لكنها كانت تفتقرُ للصلابةِ التي تجعلُ من زوجةِ السلطانِ ركناً أساسياً للعرش. كانت ‘اختياراً خاطئاً’ يُهبطُ من شأنِ هذا القصر، وما كان يُفترضُ بي أن أسمحَ لهذا الضعفِ أن يتربى في عروقِ وريثي. لقد كانت عائقاً أمام صعودي، وأنا لا أسمحُ للعوائقِ بالبقاء.”

تراجعت “شامة” إلى الوراء، وقد استقرَّ في قلبها إدراكٌ مرعب: السلطان لا يقتلُ الناسَ بدافعِ الانتقامِ فحسب، بل يقتلهم إذا لم يرقوا لـ “مقاييسه” في العظمة. بالنسبة له، “شريفة” كانت سقطةً في تاريخهِ الشخصي، وموتها لم يكن إلا عملية “تصحيحٍ” لما أفسده اختياره القديم.

قالت شامة بصوتٍ منخفض، وهي تنظرُ إلى الأرض خوفاً من أن يقرأ في عينيها ذرةَ اشمئزاز:

“الآن فهمتُ .. فهمتُ أنَّ الحبَّ في نظرك لا يساوي شيئاً أمام ‘المكان المناسب’. وأنك لا ترحمُ الضعفَ حتى لو كان في أقربِ الناسِ إليك.”

وقف “الشداد” أمام شامة، ملامحهُ منحوتةٌ من صلابةِ المسؤولية، لا من قسوةِ الطبع. نظرَ إليها وقال بصوتٍ يملؤه الأسى على ما يضيعُ من جُهد:

“أتعرفين يا شامة لماذا لا أشفقُ عليها؟ لأنني لا أملكُ ترفَ الشفقةِ على الضعفاء، فأنا أحملُ في عاتقي أرواحَ شعبٍ بأكمله. أنا مَنْ أقفُ في وجهِ الرياح، مَنْ أغامرُ بروحي في ساحاتِ الحرب، مَنْ أسهرُ الليالي لأبني حصوناً تمنعُ الغزاةَ من أن يدنسوا ديارنا، أو أن يُساقَ نساؤنا سبايا في أسواقِ النخاسة. أنا أبني مستقبلاً لولادي وأحفادي ليبقى العزُّ تاجاً فوق رؤوسهم، لا ذلاً في قصورِ الخدمِ والجواري.”

توقفت أنفاسُ شامة وهي تسمعُ حماسهُ المرهق، فتابع بمرارةٍ لا تُخفى:

“كان عليَّ أن أجدَ في زوجتي ‘عضداً’ يشدُّ أزري، و’حصناً’ يحفظُ هيبةَ البيتِ من الداخل، لا ‘خَراباً’ يهدمُ ما أبنيه! لقد كانت شريفةُ ‘خيانةً’ صامتةً لكلِّ مجهودي. حين انتحرت، لم تنتحرْ كزوجةٍ فقط، بل كانت تلك هي ذروةِ استهتارها؛ تركت بيتها ممزقاً، وتركت وليَّ عهدي غارقاً في تأنيبِ ضميره، مُضعِفةً بذلك صرحَ الدولةِ الذي أُشيدُه بدمي. إنَّ امرأةً لا تُدركُ حجمَ الأمانةِ التي تقعُ على عاتقِ السلطان، ولا تُقدّرُ قيمةَ الوطنِ الذي نعيشه، هي عدوٌ للعرشِ لا يقلُّ خطورةً عن غازٍ على الحدود.”

نظرَ إليها بعينين تلمعانِ ببريقِ الحزم:

“أنا لا أكرهها لأنها امرأة، بل أحتقرُ فيها ‘الضعفَ’ الذي يهددُ بقاءنا. بالنسبة لي، شريفة لم تكن يوماً في ‘المقام المناسب’، فزوجةُ السلطانِ يجبُ أن تكون صخرةً لا تهتز، وأماً قادرةً على غرسِ عزةِ النفسِ في قلبِ وريثي. موتها، يا شامة، كان خلاصاً للدولةِ من خللٍ كان سينخرُ عظامها من الداخل. فلتذهبْ هي وكلُّ من اختارَ ‘السقوط’ بدلاً من ‘القيادة’، إلى الجحيم.”

وقفت “شامة” وهي تشعر ببرودةٍ تسري في أوصالها، لم تكن الصدمةُ في قسوةِ “الشداد”، بل في إدراكهِ العميقِ لمسؤوليتهِ التي تلتهمُ كلَّ شيءٍ إنسانيٍّ في حياته. نظرت إليهِ بعينينِ تعتصران ألماً، وقالت بصوتٍ خافت:

“ألم تكن هي تحبك حقاً؟

ألم يكن ذنبها الوحيد أنها أحبتك لدرجةِ الفناء؟ أليس هذا الحبُّ في نظرك.. جزاءً يستحقُ الرحمة؟”

استدار “الشداد” نحوها، وفي عينيهِ بريقُ رجلٍ حملَ أثقالاً لا يراها أحدٌ غيره. اقترب منها، وضع يديهِ على كتفيها، وقال بصوتٍ هادئٍ كهدوءِ العواصف:

“أنتِ تظنين أنني طلبتُ منها موتها؟ أنا لم أطلبْ منها إلا أن تكونَ ‘سلطانة’. شريفة لم تكن تحبني، كانت تعبدُ ‘وهمي’ في خيالها، وكانت تضعني في مركزِ عالمها الصغير، متجاهلةً العالمَ الكبيرَ الذي يحيطُ بنا. هل تسمينَ هذا حباً؟ الحبُّ يا شامة هو أن تشدي أزري لا أن تكوني عالةً على قلبي. لقد تركت أبناءها، وتركت واجبها كأمٍ وكسلطانة، وحبست روحها في حجرتها تبكي على أطلالٍ لا توجد إلا في رأسها، بينما كنتُ أنا أقفُ في ساحاتِ الحرب، أطعمُ الجياع، وأبني الأسوارَ لأحمي البلاد!”

ثم أردف بنبرةٍ حازمة، وكأنه يلقي درساً في حقيقةِ السلطة:

“أنا لستُ إنساناً عادياً يا شامة، أنا ‘الشداد’. الناسُ ينامون مطمئنين في بيوتهم لأنهم يعرفون أنني موجود. إذا انشغلتُ أنا بالحبِّ كما انشغلت هي، فمن سيحمي هؤلاء الأطفال؟ من سيحمي النساء من السبي؟ الحبُّ ترفٌ لا يملكهُ من حملَ أمانةَ الدولة. شريفة لم تكن تفهمُ أنَّ زوجةَ السلطانِ يجبُ أن تكونَ أكثرَ صلابةً منه.”

نظرت “شامة” إلى وجههِ، فرأت فيهِ بؤساً يغلفهُ المجد. تابع السلطان بحدة:

“لقد أرادت مني أن أكونَ لها وحدها، بينما أنا ملكٌ لهذا الشعب. وحين أدركتُ أنني لن أكون لها كما تشتهي، فضّلت الموتَ على أن تكونَ شريكةً في مسيرتي. هذا ليس حباً..هذه أنانيةٌ قاتلة! أنا لا أقبلُ في هذا القصرِ شريكاً يضعني في مرتبةِ ‘المحبوب’ قبل مرتبةِ ‘الحامي’. أنتِ هنا اليوم لأنكِ تفهمين ما لم تفهمهُ هي: أنَّ المسؤوليةَ قبل العاطفة، وأنَّ بقاءَ الدولةِ يتطلبُ منا أن نكونَ أحياناً.. بلا قلوب.”

أحست “شامة” بمدى ثقلِ الكلمات. كانت تحبه، وكانت تخشى أن يكونَ مصيرها مشابهاً لمصيرِ شريفة إذا ما تجرأت يوماً على التميزِ بحبها. لكنها في تلك اللحظة، رأت “الشداد” ليس كجلادٍ لشريفة، بل كحارسٍ مهووسٍ بالبقاء، يرى في العاطفةِ “وباءً” لا يقلُّ خطورةً عن داءِ الرّيح.

قالت “شامة” بصوتٍ مرتعش، وهي تدركُ حقيقةَ موقعها:

“فهمتُ الآن.. شريفة لم تكن ضحيةً لقلبك، بل ضحيةً لعجزها عن فهمِ أنَّ من يتزوجُ سلطاناً، يتزوجُ دولةً لا تنام. سأكونُ لكَ السندَ الذي تحتاجه، وسأضعُ واجباتي قبل عاطفتي.. ليس خوفاً منك، بل لأنني أدركتُ الآن أنَّ حياتنا، بل وأرواحنا، هي وقودٌ لهذا العرش.”

أومأ “الشداد” برأسه، بينما ظلت “شامة” تحمل في قلبها غصةً، وهي تعلمُ أنَّ ثمنَ حبها له، هو أن تعيشَ في هذا القصرِ بقلبٍ يقتاتُ على الواجبِ لا على المودة.

لمست يداه وجهها بحنانٍ نادر، ثم قال بصوتٍ يمزجُ بين الحقيقةِ القاسيةِ والاعترافِ المر:

“يا شامة، أنتِ تعلمين أننا نحبُّ بعضنا.. هذه حقيقةٌ لا أنكرها ولا تكرينها، لكنَّ الواجبَ سيفٌ مسلطٌ على رقابنا. نحنُ نضحي بقلوبنا كلَّ يومٍ لنحمي هذه البلاد. تضحيتنا ليست في أن نحب، بل في أن نضعَ قلوبنا جانباً حين يتطلبُ العرشُ منا ذلك.”

تنفس بعمق، ثم أضاف بحدةٍ جعلت ملامحهُ تتحول إلى صلابةٍ لا تلين:

“لهذا، يجبُ أن تدركي أنَّ ‘علياً’ لا يجبُ أن يعرفَ الحقيقة، مهما كلفنا الأمر. إنَّ معرفتهُ بالحقيقةِ لن تكسرَ قلبهُ فقط، بل ستقضي عليه. أنا أعرفُ ‘علياً’، وأعرفُ أنَّ طباعه قد تتغيرُ إذا مسته الحقيقة.. وإذا تمادت طباعهُ وتجرأ على التشكيك أو التمرد، فسيفُ ‘الشداد’ لن يرحمه، حتى لو كان فلذةَ كبدي.”

شحب وجه “شامة”، لكن السلطان تابع بلا تردد، وكأنه يمنحها سلطةً مطلقةً في القضاء على أي خطر:

“أنتِ اليوم لستِ مجردَ زوجة، أنتِ حارسةُ العرش. أيُّ شخصٍ في هذا القصر، مهما علا شأنهُ أو دنا، يحاولُ نبشَ هذا السر أو تهديدَ استقرارِ هذه الأسرة، فلكِ الحقُّ المطلقُ في قطعِ رأسه. لا أريدُ تهاوناً، ولا أريدُ رحمةً. إذا رأيتِ في عينِ أيِّ خادمٍ أو حاشيةٍ فضولاً يهددُ سلامةَ ‘علي’ العقليةِ أو استقرارَ الحكم، فاجعلي العقابَ درساً لكلِّ من تسولُ له نفسهُ العبثَ بما بنيناه.”

شعرَت “شامة” بمدى الثقةِ التي وضعها في يديها؛ لقد جعلها شريكتهُ في “سيفه” كما هي شريكتهُ في “سرّه”.

لن يمسَّ استقرارَ هذا القصرِ أحد، وسأجعلُ من ‘داءِ الرّيح’ ستراً يدفنُ كلَّ ما قد يفسدُ مستقبلَ وليِّ عهدنا.”

نظرَ إليها “الشداد” بتقدير، فقد أدرك أنَّ “شامة” قد عبرت أخيراً تلك المسافةَ الفاصلة بين “المرأةِ التي تحبُّ السلطان” و”السلطانةِ التي تحمي الدولة”. لقد أصبحت الآن جزءاً من السلطنة في ادارة البلاد ، مدركةً أنَّ الحبَّ الصادق بينهما هو في الحقيقةِ “تضحيةٌ مشتركة” لأجلِ بقاءٍ أعظم، وأنَّ الحقيقةَ -في نظرِ السلطان- هي عدوٌّ لا يقلُّ خطورةً عن جيوشِ الأعداء.

ساد في الديوانِ صمتٌ ثقيل، لم يقطعهُ إلا صوتُ الريحِ التي بدأت تعصفُ خارج النوافذ، كأنها نذيرُ شؤمٍ يطرقُ أبوابَ القصر. بقي “الشداد” واقفاً، يراقبُ الأفقَ المظلم، ثم التفتَ إلى “شامة” التي كانت لا تزالُ تستوعبُ أبعادَ الميثاقِ الذي عقداه للتو.

قال “الشداد” بصوتٍ منخفضٍ، لكنه كان يحملُ ثقلَ القرارِ الأخير:

“استعدّي يا شامة. حانت الساعة لنطوي هذه الصفحة.

استقامت قامتها كأنها خُلقت لهذه اللحظة. شعرت بقلبها ينبضُ بقوة، استعداداً للمهمةِ التي كُلفَت بها. نظرت إلى السلطان، وكانت نظرتها قد تغيرت؛ لم يعد فيها ذلك الضعف، بل صارت نظرةً صلبة، حازمة، ومستعدةً لقطعِ رأسِ أيِّ حقيقةٍ قد تقتحمُ حياة “علي”.

أجابت بصوتٍ ثابت، تخلو منه أيُّ غصة:

“أنا مستعدةٌ . سأكونُ ‘شامة’ التي يعرفها علي، الأمَّ الحانية التي تشاركهُ ألمَ الفقد، والسلطانة التي تضمنُ أن يظلَّ القصرُ هادئاً، وأن يظلَّ ‘علي’ محمياً من هذا الوباء.. ومن كلِّ ما قد يفسدُ صفو حياته.”

تراجعت “شامة” قليلاً لتأخذَ موقعها بجانبِ العرش، بينما أعطى “الشداد” إشارتهُ للحاجبِ بالدخول. كانت “شامة” تعلمُ أنَّ اللحظةَ القادمةَ هي لحظةُ “الولادةِ الجديدة” لكليهما؛ فهي ستدفنُ إنسانيتها في أعماقها لتبرزَ كصمامِ أمانِ هذا العرش.

لم تعد تشعرُ بالشفقةِ التي راودتها قبل قليل، فقد أقنعها “الشداد” بأنَّ الحقيقةَ قد تكونُ قاتلة، وأنَّ “الرحمة” في هذا العالمِ قد تكونُ هي “الخيانة” بعينها. وقفت بجانبه، ملامحها هادئةٌ كسطحِ بحيرةٍ عميقة، تنتظرُ دخولَ “علي”، وهي تعلمُ أنَّ كلماتها القادمة ستكونُ أولَ طوبةٍ في سورِ الوهمِ الذي سيحمي ابن السلطان، وسيحمي استقرارَ الدولة، ولو كان ثمنُ ذلك بقاءَ “شريفة” مدفونةً في ذاكرةِ التاريخِ كغريبةٍ ماتت بـ “داءِ الرّيح”.

خطواتُ “علي” في الممرِّ كانت مترددةً، كأنَّ قلبهُ يستشعرُ نذيرَ الخطرِ قبل أن تصلَ قدماه. الحاجبُ الذي كان يمشي أمامهُ كان يسيرُ بخطىً صامتة، وكأنه يقتادُ ذبيحةً إلى المذبحِ لا وليَّ عهدٍ إلى ديوانِ أبيه.

حين وصلا إلى بابِ الديوانِ العظيم، توقف الحاجب، التفتَ إلى “علي” بنظرةٍ لم يقرأ فيها إلا الفراغ، ثم دفعَ البابَ الخشبيَّ الثقيلَ الذي أحدثَ صريراً حاداً اخترقَ سكونَ القصر. دخلَ “علي” بخطواتٍ ثقيلة، وما إن تجاوزَ العتبةَ حتى أغلقَ الحاجبُ البابَ خلفهُ بقوة، ليعزلَ الديوانَ عن العالم، ويحبسَ “علي” مع قدرهِ الذي لم يتوقعه.

كان “الشداد” يقفُ في صدرِ القاعة، ظهرهُ للباب، وبجانبهِ “شامة” التي كانت ملامحها الاسى والصبر .

التفتَ “الشداد” ببطء، وكانت عيناهُ باردتين، لا تشيانِ بما يضمر. لم يردَّ مباشرةً، نظرت “شامة” إلى “علي” وفي عيونها دموع الاسى على ما سيسمعه علي الان

اقتربت خطوةً نحوه، ووضعت يدها على صدرها في حركةٍ توحي بالأسى الذي لا يُحتمل.

“يا علي..” نطقت “شامة” بصوتٍ رخيمٍ متهدج، وكأن الكلماتِ تخرجُ من بينِ أنقاضِ قلبها. “كان من المفترضِ أن تأتينا منها بشارة، لكنَّ ‘داءَ الرّيح’ الذي يغزو البلادَ لا يفرقُ بين أميرٍ وحقير، ولا بين قريبٍ وبعيد.”

تصلبَ جسدُ “علي”. اتسعت عيناهُ وهو ينظرُ بين أبيهِ وشامة، وكأنَّ عقلهُ يرفضُ استيعابَ ما يُلقى عليه.

“ماذا تقولين؟.. ‘داء الرّيح’؟ لا.. لا يمكن..”

تقدم “الشداد” نحوه، ووضع يدهُ على كتف ابنهِ بحنوٍّ مفتعل ومحسوب، ونظر إليه بعينين تفيضان بـ “أبوةٍ”

قال بصوتٍ رخيم يملؤه الهدوء:

“أعلمُ أنَّ وقعَ الخبرِ على قلبك كوقعِ الجبال، لكن يا علي، أمك رحلت بسلام. لم تتألم، لم تشعر بالذل، ولم تكن وحيدةً في لحظاتها الأخيرة، فقد أسلمت روحها لبارئها في أمان. هل تظنُّ أنني كنت سأرضى أن يُهانَ جسدها أو يُنبشَ قبرها؟ لقد أمرتُ بمراسمِ عزاءٍ ملكيةٍ تليقُ بمقامها، وسنرفعُ لها نصبَ تذكارٍ في القصر، لتكونَ روحها حاضرةً بيننا، تحرسك وتحرسُ مسيرتك.”

اقتربت “شامة” منه، ووضعت يدها على كفّ “علي”، وقالت بصوتٍ يملؤه التلطف:

“يا علي، والدك لا يريدُ لك إلا السكينة. الحزنُ لا يغيرُ ما قُدّر، ولكنَّ بقاءك قوياً هو ما كانت تتمناهُ أمك. هي الآن في مكانٍ لا يطالهُ وباءٌ ولا يمسّه ألم. فلتكن ذكراها وقوداً لقوتك، لا سبباً لانكسارك. نحنُ هنا بجانبك، ولن نترككَ تحملُ هذا الحزنَ وحدك.”

كأحسَّ “علي” بثقلٍ في صدره، لكنَّ كلماتِ أبيهِ كانت كالمخدر؛ لقد أقنعهُ بأنَّ الحقيقةَ مستحيلةُ الوصول، وأنَّ استعادةَ الماضي محضُ خيال. شعرَ أنَّ والدهُ ليس مجردَ سلطانٍ يقررُ مصائر، بل هو “الأبُ الحامي” الذي يبعدُ عنه بشاعةَ الواقع.

نظر “علي” إلى أبيهِ بضعف، وسأل بخفوت:

“هل أنتَ متأكدٌ يا أبي؟ هل أنت متأكدٌ أنها لم تتألم؟”

أجابه “الشداد” بابتسامةٍ حزينةٍ ومطمئنة:

رحلت مطمئنةً ومطمئنةً عليك. ارفع رأسك، فأنت ابنُ الشداد، والشدادُ لا يحني ظهرهُ للقدر. اذهب الآن، خذ وقتك في الصلاةِ عليها في قصرك، ونحنُ سنكفلُ كلَّ شيء.”

خرج “علي” من الديوان بخطواتٍ مهزوزة، كانت روحهُ توشك أن تنهار تحت وطأة الفقد. لم يكد يبتعدُ عن الأبوابِ حتى تبعتهُ “شامة”. لم تكن خطواتها توحي بالمواساةِ الرقيقة، بل كانت خطواتِ امرأةٍ تعرفُ كيف تصنعُ الملوك.

أمسكت بيدهِ بحزم، وأوقفتهُ في ممرِّ القصرِ الخالي، ونظرت في عينيهِ المليئتين بالدمع، وقالت بنبرةٍ قويةٍ، حازمة، خلت من أيِّ رقةٍ زائدة:

“توقف يا علي. ارفع رأسك.”

تسمر “علي” في مكانه، متفاجئاً من نبرتها. تابعت “شامة” وهي تنظرُ في عمقِ عينيه:

“أتحسبُ أنَّ الانكسارَ سيُعيدها؟ أم تظنُّ أنَّ البكاءَ هو ما ينتظرهُ منك شعبُ هذه المملكة؟ والدك ليس رجلاً عادياً، وأنت لست مجردَ ابنٍ مكلوم. أنت وليُّ عهدِ مملكةٍ ينهشُها الوباء، وأيُّ وهنٍ تظهرهُ الآن، هو ثغرةٌ سيستغلها الأعداءُ ليتجرأوا على حدودنا.”

لم تترك له مجالاً للرد، بل زادت قبضتها على يده:

“شريفة.. والدتك، رحلت. وهذا قضاءٌ لا رادّ له. لكنَّ والدك، السلطان، لا يزالُ هنا، واقفاً كالجبل رغم كل ما يحملهُ من ثقل. هل تظنُّ أنه لم يحزن؟ هل تظنُّ أنَّ قلبهُ من حجر؟ هو يضحي بدموعهِ يومياً لأجلك، لأجلِ أن تبقى أنت قوياً، لتكونَ يوماً ما هو.”

توقف “علي” مذهولاً، التفت إليها وعيناه محمرتان، صوته يخرج مبحوحاً: “أرجوكِ يا شامة.. لا أستطيع! هي أمي.. كيف لي أن أتجمد هكذا؟”

لم تلتفت “شامة” إليه، بل ثبتت بصرها على الخدم الذين كانوا يراقبون من بعيد، وبابتسامةٍ فاترة، هادئة، رسمتها على شفتيها لتخدع الأعين الفضولية، قالت له بلهجةٍ لا تقبل الجدل:

“أنت الآن لست ابناً، أنت (السلطان القادم). العينُ التي تراقبك الآن يا علي، قد تكون عينَ خائنٍ يتربص بضعفك، أو عينَ عدوٍّ ينتظر أن يرى انكسارك ليتجرأ على هيبةِ هذا القصر. الضعفُ أمام الحاشيةِ ليس حزناً، بل هو استباحةٌ للعرش.”

شدت على ذراعه أكثر، وأجبرته على استقامة قامته، حتى بدت هيبة “الشداد” تتجسد في وقفة ابنه. أضافت بصرامةٍ تذيبُ في طياتها أيَّ رحمة:

“هل تريد أن يرى الناسُ وليَّ عهدِهم ينهار؟ هل تريد أن يهمسوا في الزوايا بأنَّ ‘الشداد’ أنجبَ ولداً يذوبُ كالشمع؟ الدموعُ التي تسيلُ أمام الحاشية هي دماءٌ تُسفك من هيبة الدولة. ادفن حزنك في صدرك، واجعل منه حجراً تقتات عليه قوتك. إذا أردت أن تبكي.. فابكِ في غرفتك، وحيداً، وخلف أبوابٍ موصدة. أما هنا.. فأنتَ الدرع.”

سحب “علي” نفساً عميقاً، متجرعاً مرارة كبريائه. أحسَّ بكلماتها تقطعُ أوصالَ ضعفهِ لتستبدلهُ بقسوةٍ فرضتها عليه الضرورة. مسحت “شامة” بلمسةٍ سريعة، بدت للناظرين حانيةً، لكنها كانت في الحقيقة “أمراً” بالتصدي، وقالت بصوتٍ مسموعٍ لمن حولهم:

“لقد كان يوماً عصيباً على أميرنا، لكنه، كما عهدناه، يواجهُ أقدارَ الله بقلبِ مؤمنٍ وبصلابةِ الرجال.”

انحنى الخدمُ احتراماً، بينما سار “علي” بجانبها، وقد تحول حزنه إلى جمودٍ مخيف. نظرت إليه “شامة” بطرف عينها، ورأت فيه ما أرادت: ملكاً ناشئاً يدفنُ إنسانيته تحت أقدامِ “المسؤولية”.

ما إن دلفا إلى جناحِ “علي” وأغلق الحراسُ الأبوابَ الثقيلة، حتى تبخرت تلك الصلابةُ القسريةُ التي رسمتها “شامة” على وجهه في الردهة. سقط “علي” على أقربِ مقعد، وغطى وجهه بيديها، لينفجرَ في بكاءٍ مرير، بكاءِ طفلٍ فقدَ ملاذهُ الآمن.

لم تعد “شامة” تلك السلطانةَ الصارمة، بل انكسرَ بداخلها ذلك الجدارُ الفولاذيُّ الذي بنتهُ أمام الناس. اقتربت منه، وجثت على ركبتيها أمامه، وضمت رأسه إلى صدرها، لتختلطَ دموعها بدموعه. لم تكن تبكي “شامة” لأنها ضعيفة، بل كانت تبكي لأنها تدركُ ثمنَ “الدور” الذي يلعبهُ كلاهما.

همست “شامة” بصوتٍ مبحوح، ويدها تمسحُ على شعره بحنانٍ صادق:

“ابكِ يا علي.. ابكِ كلَّ ما في قلبك. ليس عيباً أن يرحمَ اللهُ قلباً خلقهُ للحزن، لكنَّ العيبَ هو أن نتركَ حزننا يكسرُ عظامَ كرامتنا.”

رفع “علي” رأسه، وكانت عيناه غارقتين في دموعٍ لا تتوقف:

“أنا لا أصدق.. كيف رحلت هكذا؟ كيف تركتني في هذا العالمِ الموحش؟ كنت أظنُّ أنني سأراها، كنتُ أنتظرُ عودتها لأحكي لها كلَّ ما يثقلُ كاهلي.. لماذا يا شامة؟ لماذا يسرقُ الموتُ أطهرَ الناسِ ويتركنا في هذا السواد؟”

شدت “شامة” على يده، وقالت بصدقٍ يملؤه الوجع:

“لأننا نعيشُ في زمنٍ يقتاتُ فيه الموتُ على الأرواحِ الطيبة، يا بني. صدقني، لم تكن أمك تودُّ الرحيل، ولم تكن تودُّ تركك. كان رحيلها قدراً، والقدرُ فوق إرادةِ البشر.”

ظلت “شامة” تواسيه، تمسحُ دموعه، وتسمعهُ يفرغُ غضبهُ وحزنهُ في أحضانها. في تلك اللحظة، لم تكن هي الزوجةَ الثانية، ولا السلطانةَ الحارسة، بل كانت “الأم” التي استلمت الأمانة، رغم أنها هي التي ساهمت في دفنِ الحقيقةِ مع “الشداد”. شعرت “شامة” بمرارةٍ لا توصف؛ فهي تواسيه على “موتٍ طبيعي” كذبت هي نفسها بوجوده، وتواسيه على فقدانِ أمٍّ تدركُ هي تماماً كيف انتهت حياتها في زوايا القصر.

سكت “علي” أخيراً بعد نوبةِ بكاءٍ طويلة، ونظر إلى “شامة” بضعف:

“هل ستظلين بجانبي؟ هل ستكونين أنتِ كلَّ ما تبقى لي؟”

مسحت “شامة” دموعها بسرعة، واستجمعت قواها، وقالت بصوتٍ واثقٍ ومطمئن:

“سأكونُ لكَ السند، وسأكونُ الذاكرةَ التي لن تنسى أمك. سأحميكَ حتى من حزنك، يا علي، فنمْ الآن.. غداً يومٌ طويل، وعليك أن تكونَ قوياً، لأنَّ القصرَ لا ينتظرُ أحداً، والعرشُ لا يرحمُ من لا يستعد.”

انتشر خبرُ وفاة “شريفة” في أرجاء القصر كالنارِ في الهشيم، ممتزجاً بذعرٍ مكتوم من “داءِ الرّيح” الذي كان يقتربُ من الأسوار. لكنَّ “شامة” لم تكن امرأةً تتركُ الأزماتِ تمرُّ دون أن تعيدَ صياغتها لصالحها.

في صباحِ اليوم التالي، وبينما كان القصرُ يغرقُ في ضبابِ البخورِ المُعقم، وقفت “شامة” أمام “الشداد” في الديوان، وعيناها تعكسان قلقاً مصطنعاً على سلامةِ العائلةِ الملكية. قالت بنبرةٍ حازمة ومقنعة:

“يا صقر ، الوباءُ يطوقنا، وعددُ الخدمِ والجواري في الأجنحةِ أصبحَ خطراً يهددُ حياتنا جميعاً. كثرةُ الأنفاسِ في هذا القصرِ هي أسرعُ طريقٍ لنقلِ العدوى. لقد لاحظتُ أنَّ الأجنحةَ تضجُّ بعددٍ لا حاجةَ لنا به، وهؤلاءِ النسوةُ يتنقلنَ بين الغرفِ دون رقابةٍ صارمة.”

نظر إليها “الشداد” بتركيز، فهي دائماً ما تأتي بحلولٍ تبدو ظاهرياً كأنها لمصلحةِ الدولة. سألها ببرود: “وما تقترحين؟”

أجابت “شامة” دون تردد، وصوتها يملؤه حرصٌ كاذب:

“يجبُ أن يُفرضَ حظرٌ تام. سأبدأ بتسريحِ الجزءِ الأكبرِ من الجواري والخدمِ غيرِ الضروريين خارجَ أسوارِ القصر، بحجةِ ‘الحجرِ الصحي’. لن يبقَ هنا إلا من هم موضعُ ثقةٍ مطلقة، ومن يحتاجهم القصرُ في أعمالٍ ضيقة. بذلك نُقللُ فرصَ انتقالِ الوباء، وفي الوقتِ ذاته، نطهّرُ ممراتِ القصرِ من العيونِ المتطفلةِ التي لا تجيدُ إلا الهمسَ والثرثرة.”

أومأ السلطانُ بالموافقة، فهو يرى في تحركاتها “إدارةً حكيمة” للفوضى. وبمجردِ حصولها على موافقة السلطان ، تحولت “شامة” إلى “آمرةِ نهيٍ” في القصر.

في غضونِ ساعات، بدأت “شامة” في تنفيذِ مخططها. أجنحةٌ كاملة أُفرغت، وجوارٍ كُنَّ يزعجنها ويراقبنَ تحركاتها أُمرنَ بالمغادرةِ فوراً، تحت وابلٍ من التحذيراتِ المرعبةِ من “داءِ الرّيح”. كانت تختارُ ببراعةٍ من ترحل ومن تبقى، محولةً القصرَ إلى مكانٍ هادئٍ، مُحكم، لا يسمعُ فيه إلا وقعَ أقدامِ من تختارهم هي.

أصبحت “شامة” الآن هي الوحيدةُ التي تملكُ مفاتيحَ القصرِ فعلياً. لم يعد هناك جوارٍ يوشوشنَ في الزوايا، ولم يعد هناك عيونٌ غريبةٌ تراقبُ غرفتها أو غرف “علي”. أصبحت تشعرُ لأول مرة أنها ليست مجردَ زوجةٍ في قصرٍ مزدحم، بل هي “سيدةُ المكان” المطلقة، في وقتٍ انشغل فيه الجميعُ بالخوفِ على أرواحهم، انشغلت هي بتثبيتِ أركانِ سلطتها، مستغلةً “الوباء” كستارٍ حديديٍّ لا يُخترق.

كانت “العريفة الكبيرة” تقفُ في وسط الردهة، تتابعُ خروجَ الجواري بنظراتٍ يملؤها الشك. كانت تعلمُ جيداً أنَّ هذا ليس “حجراً صحياً”، بل هو “تطهيرٌ” متعمدٌ للقصر. وبينما كانت تهمُّ بالاعتراض على أحدِ القرارات، ظهرت “شامة” من خلفِ أعمدةِ الرخام، محاطةً بهالةٍ من الهيبةِ والبرود.

وقفت “شامة” أمامها، ونظرت إليها بنظرةِ فاحصٍ يبحثُ عن ثغرة. ثم قالت بصوتٍ مسموعٍ سمعهُ كلُّ من في المكان:

“يا عريفة، لاحظتُ عليكِ منذ أيامٍ سُعالاً متقطعاً وشحوباً في الوجه. الوباءُ لا يرحم، وأنا بصفتي المسؤولةَ عن أمنِ هذا القصر، لا يمكنني أن أسمحَ لخطرٍ كهذا أن يتهددَ حياة السلطانِ أو وليِّ عهده.”

اتسعت عينا العريفة بذهول: “أنا؟ أنا لستُ مريضةً يا سيدة شامة! هذا مجردُ بردٍ عابر، أنا أخدمُ هذا القصر منذ..”

قاطعتها “شامة” بابتسامةٍ باردة: “هذا ما يقولهُ كلُّ المصابين في بدايتهم. لا تجادلي في قرارٍ يمسُّ سلامةَ العرش. ستخرجين الآن، وستعزلين نفسكِ في ضواحي المدينة حتى تتأكدي من خلوكِ من الداء.”

لم تكن هناك فرصةٌ للنقاش، فقد كان الحراسُ ينتظرون إشارةً منها. أُخرجت العريفةُ من القصرِ وهي تجرُّ خيبتها، لتدخل “شامة” بذلك في مرحلةِ “السيطرة الكاملة”. وما إن خلت الردهة، حتى أومأت “شامة” لظلّها الذي لا يفارقها، “عبيبوش”، خادمها المخلص الذي لا يرحم.

اقترب “عبيبوش”، ذلك الرجلُ الذي يرى في القسوةِ فناً، وفي الخيانةِ ذكاءً. قالت له “شامة” وهي تنظرُ إلى أرجاء القصرِ التي أصبحت فارغةً إلا من خدمها الموثوقين:

“منذ اليوم، أنتَ ‘كبيرُ الخدم’. أنتَ الآمرُ والناهي في كلِّ ما تبقى من الجواري والخدمِ في هذا القصر. لا حركاتٍ مريبة، لا همس، ولا عيونٍ تتلصص. مَن أشكُّ فيه، أو يثيرُ ريبتك، يُخرجُ من القصرِ في جنحِ الليل، لا أريدُ أن أسمعَ له أثراً.”

انحنى “عبيبوش” بابتسامةٍ شيطانية، وبريقٍ غريبٍ في عينيه:

“سمعاً وطاعةً يا سيدتي. سأجعلُ القصرَ صامتاً كالقبر، ولن يجرؤَ أحدٌ على التنفسِ دون إذنك. الجواري اللاتي بقينَ سيعرفنَ جيداً أنَّ حياتهنَّ مرتبطةٌ بمدى ولائهنَّ لكِ، لا لغيرك.”

في تلك اللحظة، شعرت “شامة” أنَّ القصرَ أصبح أخيراً “ملكها”. لقد تخلصت من كلِّ أثرٍ كان في يوم ما عكس تيارها ، وأحكمت قبضتها على المداخلِ والمخارج.

بينما كانت “شامة” تعبرُ الممرَّ الرخاميَّ البارد بخطواتٍ واثقة، لا تشبهُ خطواتها بالأمس، اعترض طريقها الحاجبُ “حسن”. توقف الرجلُ الوقور، وركعَ بانحناءةٍ عميقةٍ بانت فيها دلالاتُ الاحترامِ المطلق، ليس فقط لمكانتها كزوجةِ السلطان، بل لإعجابهِ بـ “الفولاذ” الذي تحول إليه كيانها.

رفع رأسهُ والابتسامةُ ترتسمُ على وجهه، وقال بنبرةٍ خافتةٍ مشوبةٍ بالتقدير:

“يا مولاتي، لا يسعني إلا أن أقفَ مذهولاً أمام حزمك. لقد رأيتُ القصرَ اليوم يفرغُ من ساكنيهِ كأنما انحسرت عنه الأمواج، سواءٌ من كان منهم مريضاً أو من كان بصحةٍ جيدة. لقد قمتِ بما لم يجرؤ أحدٌ على فعلهِ.

توقفت “شامة”، وبادلتهُ نظرةً هادئةً تملؤها الثقة. لم تكن تحتاجُ إلى التبرير، فهي تدركُ أنَّ الحاجبَ “حسن” هو الرجلُ الذي يقرأُ ما بين السطور، وأنَّ تقديره لها ليس خوفاً، بل اعترافاً بالقوة.

قالت “شامة” بنبرةٍ ثابتةٍ وواثقة، وكأنها تضعُ حداً لكلِّ تساؤل:

“يا حسن، القصرُ لا يصحُّ أن يكونَ متحفاً للذكرياتِ السيئةِ أو مأوىً للأشباح. كان لا بدَّ من هذه الغربلة.. فالبناءُ الجديدُ لا يستقيمُ إلا بتنظيفِ الأساساتِ من الحطام. هؤلاءِ كانوا جزءاً من ماضٍ لا يمتُّ للحاضرِ بصلة، ولا يخدمُ أمنَ العرشِ في شيء.”

نظرت إلى الممراتِ الخاويةِ التي بدأت تترددُ فيها أصداءُ خطواتهم، ثم أضافت بنبرةٍ ذاتِ مغزى:

“أنا لا أبحثُ عن أعدادٍ تملأُ المكان، بل أبحثُ عن ‘نظامٍ’ يحمي هيبةَ السلطان. ومن لا يستطيعُ أن يكونَ جزءاً من هذا النظام، فوجوده في القصرِ كعدمهِ، بل هو أخطرُ من العدم.”

انحنى الحاجبُ “حسن” مرةً أخرى، وقد تيقنَ أنَّ “شامة” ليست مجردَ زوجةِ سلطانٍ عابرة، بل هي الحاكمةُ التي ستعيدُ ترتيبَ البيتِ من جذوره. غادرَ وهو يشعرُ أنَّ القصرَ تحت إشرافها قد أصبحَ “أكثرَ أماناً”، بينما استمرت هي في طريقها، مدركةً أنَّ “حسن” هو الحليفُ الذي يحترمُ القوة، وما دامت هي تملكُ زمامَ الأمور، فسيظلُّ هو العينَ التي تحرسُ ولا تسأل.

دخلت “شامة” إلى مخدعها، والهدوء يلف المكان، لكن عقلها كان يغلي كمرجل. تناولت ريشةً وورقاً، وخطت رسالةً سريةً لـ “ابن سينا”، العالم الذي لا ترفض له طلبات السلطان. لم تكتبها كزوجة، بل كحاكمةٍ تستغيثُ بالعلمِ لإنقاذِ ما يمكن إنقاذه، تطلبُ منه حلاً جذرياً لـ “داء الرّيح” قبل أن يبتلعَ كلَّ شيء.

بعد أن ختمت الرسالة، توجهت نحو جناحِ السلطان. وجدتهُ هناك، غارقاً في صمته، يقفُ في الشرفةِ المطلةِ على المدينة، وعيناهُ ترقبُ أنواراً باهتةً تتراقصُ في الأفق، كأنها أنفاسٌ أخيرةٌ تحاولُ الصمود.

اقتربت “شامة” بخطواتٍ خفيفة، وجلست بجانبهِ على المقعدِ الخشبيِّ المنحوت، وقطعت صمتهُ بهدوء:

“أراكَ شاردَ الذهن يا صقر ، كأنكَ تحملُ همومَ هذه المدينةِ كلها على كتفيك. فبماذا يفكرُ الشدادُ في هذه الساعةِ المتأخرة؟”

لم يلتفت “الشداد”، بل ظلَّ بصرهُ معلقاً بالأفقِ المظلم، وقال بصوتٍ ثقيل:

“أفكرُ في المستقبلِ يا شامة.. أفكرُ في أولادي. الوباءُ يلتهمُ الوقت، والأيامُ تمضي، و’علي’.. عليٌّ ما زال غضاً، يفتقرُ للخبرةِ التي تصنعُ الرجالَ في أوقاتِ المحن. ينمو في عالمٍ يمزقهُ الداءُ والشك، وهذا ليس في صالحه.”

حاولت “شامة” طمأنتهُ بابتسامةٍ هادئة:

عليٌّ لا يزالُ صغيراً، والوقتُ ما زال أمامه ليتعلم.. لا تحمل عليه أكثر مما يحتملُ سنه.”

التفت إليها “الشداد” فجأة، وعيناهُ تلمعان بحدةٍ لم تعهدها، وبنبرةٍ فيها شيءٌ من القسوةِ الأبوية:

“الصغرُ عذرٌ للضعفاء ، لا لأبناءِ العروش! حين كنتُ في سنه، لم يكن والدي يرى فيّ طفلاً. في الخامسةَ عشرةَ من عمري، أرسلني والدي “لانمارة” لأقودَ الحصون وأديرَ المعارك. في ذلك الوقت، كانت المسؤوليةُ تسبقُ العمر.”

توقف قليلاً، ثم أردف بمرارة:

“أنا لا أؤمنُ بمنطقِ ‘هذا صغيرٌ وهذا كبير’. التاريخُ لا يسألُ عن السن، بل يسألُ عن القوةِ والقدرةِ على الحماية. إذا استمرَّ هذا الداءُ في حصدِ الأرواحِ وسرقةِ الوقت، فمتى سيتعلمُ عليٌّ فنَّ الحكم؟ متى سيعرفُ أنَّ العرشَ ليس هبةً، بل هو سيفٌ يُحمل؟ أخافُ أن يدركهُ الزمنُ وهو ما زال يرتدي ثوبَ الطفولة، بينما يتطلبُ هذا الزمانُ وحوشاً لا أمراء.”

أدركت “شامة” أنَّ السلطانَ لا يبحثُ عن مواساة، بل يبحثُ عن “امتداد” لصلابته. وبينما كان هو يرى في ابنه “ضعفاً” يحتاجُ لتقويم، كانت هي تخفي في جيبها رسالةَ ابن سينا، مدركةً أنَّ “الحلَّ” الذي سيعيدُ الاستقرارَ للقصرِ وللبلاد، هو المفتاحُ الوحيدُ الذي سيسمحُ لـ “علي” بأن يتنفسَ ويتربى كولي عهدٍ لا كضحيةٍ للظروف.

قالت “شامة” وهي تمسحُ على يدهِ بوقار:

“أفهمُ مخاوفك، وسأكونُ أنا السندَ الذي يدفعهُ نحو تلك القوةِ التي تبتغيها. لكن دعنا لا ننسَ أنَّ القائدَ الذي يُصنعُ بالقسوةِ وحدها، قد ينكسر. سأجعلُ عليّاً يرى فيك المثال، وسأحرصُ على أن يدركَ أنَّ هذا الداءَ ليس إلا اختباراً لقوته، لا عائقاً أمام صعوده.”

في تلك اللحظة، لم تعد الغرفةُ مكاناً للهمومِ العابرة، بل أصبحت مساحةً لاتخاذِ القراراتِ المصيرية. أخرجت “شامة” من طياتِ ثوبها الرسالةَ التي خطتها بخطٍ أنيق، وضعتها ببطء بين يدي “الشداد”، وقالت بنبرةٍ تجمعُ بين التحدي والأمل:

“أنا لا أكتفي بالتفكيرِ في المستقبلِ يا صقر ، بل أعملُ على صناعته. بينما كنتَ أنتَ غارقاً في همومِ الزمنِ الذي يسرقُ من ‘علي’، كنتُ أنا أبحثُ عن المخرج.”

نظر “الشداد” إلى الرسالةِ في يده، ثم التفت إليها بذهولٍ ممزوجٍ بالاحترام، فقد كانت الرسالةُ موجهةً إلى “ابن سينا”، تحملُ طلباً حازماً لبحثِ حلٍّ جذريٍّ للداءِ الذي يُعطلُ نموَّ الدولةِ ومستقبلَ وليِّ العهد.

سألها بفضولٍ ملكي: “ابن سينا؟ أتظنين أنَّ الحكمةَ والطبَّ وحدهما سيوقفان هذا الطوفان؟”

ردت “شامة” وهي تقتربُ منه، لتجلسَ بجانبهِ في الشرفة، عيناها تشعانِ إصراراً:

“أنا لا أؤمنُ بالمعجزاتِ يا صقر ، بل أؤمنُ بـ ‘المعرفة’. إذا كان الداءُ هو الذي يُعطلُ ابناً عن أن يكونَ سلطاناً، فالحلُّ هو أن نحاربَ الداءَ بالعلم. هذه الرسالة ليست استغاثة، بل هي أمرٌ لـ ‘ابن سينا’ بأن يكرسَ كلَّ وقتهِ وعلمه، وكلَّ خزانةِ المعارفِ التي يملكها، ليجدَ ترياقاً لهذا الداء. نحنُ لا ننتظرُ القدرَ، بل نسوقه.”

تأمل “الشداد” الرسالةَ طويلاً، ثم نظرَ إلى “شامة” نظرةً كانت أشبهَ بالاعترافِ الكاملِ بمكانتها.

تابع “الشداد” بنبرةٍ أخفَّ حدةً، وقد بدأ التوترُ يتلاشى من ملامحه:

“لقد فكرتِ فيما لم أجرؤْ أنا على التفكيرِ فيه. كنتُ أرى المرضَ قدراً، وأنتِ ترينه ‘عدواً’ يمكن هزيمته. إذا كان هذا العالمُ سيجدُ حلاً، فليكن بأمرٍ منكِ ومني.”

أمسك “الشداد” بختمهِ السلطاني، ووضعهُ بجانبِ توقيعهِ على الرسالة، قائلاً:

“سأرسلُ هذه الرسالةَ مع أسرعِ فرساني. وإذا كان ‘ابن سينا’ قادراً على منحنا الوقت، فسنعيدُ ترتيبَ حياةِ ‘علي’ كما يجب. سيتعلمُ السياسةَ والحربَ حتى في زمنِ الوباء، وسأكونُ أنا معلمه.”

ابتسمت “شامة” ابتسامةً فيها الكثير من الثقة والهدوء، فقد رأت في عيني السلطان تساؤلاً خفياً عن سبب ثقتها المطلقة في هذا العالم، وهو الذي لم يعتد أن يضع إيمانه إلا في سيفه أو في دهاة رجاله.

قالت وهي تضع يدها على كتف السلطان، كأنها تبدد شكوكه:

“أعلمُ ما يدور في خلدك يا سلطاني . أنتَ تسمعُ باسم ‘ابن سينا’ كما يسمعُ الناسُ عن الأساطير، اسمٌ يترددُ في الحواضرِ العلمية، لكنك لا تعرفُ الرجلَ كما أعرفهُ أنا.”

استدارت نحوه، وتابعت بنبرةٍ فيها لمسةٌ من التحدي الممزوج بالإعجاب:

“هذا الرجلُ لا يرى في المرضِ غضباً سماوياً، بل يراهُ لغزاً ينتظرُ من يفكُّ شفرته. لقد تابعتُ مسيرته، وقرأتُ في أبحاثه ما يجعلُ العقلَ يقفُ إجلالاً. هو لا يتوقفُ عند حدودِ المألوف؛ فإذا واجهه داءٌ لا يعرفه، لا يكتفي بالدعاء، بل يحبسُ نفسه في مختبره، يحللُ، ويجربُ، ويراقبُ حتى يستنطقَ أعماقَ العلة.”

ثم أردفت بصوتٍ واثقٍ لا يقبلُ التأويل:

“إن لم يكن لديهِ حلٌّ جاهزٌ اليوم، فهو بالتأكيدِ يملكُ القواعدَ التي ستوصله إليه. هو لا يملُّ من البحث، ولا يخشى الفشل، وهذا بالضبط ما نحتاجه. أنا لا أراهنُ على الحظ، بل أراهنُ على عقلهِ الذي لا ينام. أنا أثقُ به كما أثقُ بحدسك في المعارك، فكلاهما يرى ما لا يراهُ الآخرون.”

نظر “الشداد” إلى الرسالةِ في يدها، ثم إلى عينيها الواثقتين، وشعرَ لأول مرةٍ أنَّ هناك قوةً جديدةً بدأت تتشكلُ في قصرِه؛ قوةُ العلمِ التي تديرها “شامة” بذكاء.

“إيمانكِ به يجعلني أطمئن، يا شامة.” قال السلطان بنبرةٍ غلفتها الجدية. “إذا كان هذا الرجلُ يمتلكُ نصفَ ما تصفينه، فليكن هو شريكنا في هذه الحرب.فالحياة اللاي نطلبها للبلادِ أمانةٌ في أعناقنا، وسأضعُ كلَّ ما في خزائنِ الدولةِ تحت تصرفِ ابن سينا، ليشتري لنا بهذا الذهبِ زمناً وعافية.”

شعرت “شامة” بأنها نجحت في تحويلِ دفةِ الخوفِ إلى مسارِ “الفعل”. لقد ربطت مصيرَ العرشِ بالحل العلمي، وربطت “ابن سينا” بخزائنِ السلطان، مما جعلَ عودتهُ بالحلِّ مسألةَ حياةٍ أو موت، ليس لها فقط، بل للدولةِ بأكملها.

بينما كانت “شامة” مشغولةً بـ “تطهير” القصر وإرسال الرسائل لـ “ابن سينا”، كانت “كنزة” تقبعُ في جناحها، محاطةً بهدوءٍ لا يخلو من التوتر. هي لم تكن تبكي على “شريفة” كما يفعل الآخرون، بل كانت تحللُ التغيرات التي طرأت على “شامة” وخبر وفاة شريفة المفاجأ!

كانت “كنزة” تدركُ أنَّ “شامة” استغلت الوباءَ لتصبحَ هي الحاكمةَ الفعليةَ خلف الأبواب. ومع خروجِ “العريفة الكبيرة” ودخول “عبيبوش” كآمرٍ ناهٍ، شعرت “كنزة” بأنَّ الخناقَ بدأ يضيقُ حولها.

في تلك اللحظة، كانت “كنزة” جالسةً مع إحدى خادماتها المخلصات اللاتي نجون من “عملية التطهير” التي قامت بها “شامة”. كانت تهمسُ لها بصوتٍ خافت:

“لاللاهم شامة دوزات الغربال على القصر من ساسو لقافو،، فين ما كانت شب خويدم دشريفة كدور هنا ولا شي من خدم لاللة اليازية ..كلشي دحاتو مع الباب خلات غير لي كتعرف هيا ! ودابا كتمختر غادية جايا تقول هي السلطانة اللي كاينة ومكاينش من غيرها!!

ضربات فخدها وكملات

“اويييلي وحدي انا بغييت غير نفهم!! واش هادي من الانس ولا الجن ؟؟ هادي ميمكنش تكون من الانس انا شهمااااتنب بنت لحرام بغيت ليها ضربة!!

شافت كنزة حتى عيات ومابقا ليها منين دوز هي تعرفُ أنَّ “شامة” الآن قد تخلصت من كلِّ منافس، وأنَّ الدورَ القادم قد يكونُ دورها هي، أو دور أبنائها إذا ما وقفوا في طريقِ طموح “شامة”.

فكرات حتى عيات وفين ما شافت كيبانو ليها البيبان مسدودين فوجهها ، وكملات وجملات حيات ليها عبيبوش فوجهها مباشرة حتى مابقا ليها فين دور ولا تلفت.

لاكن فجأة لقات طريق منين دوز وبان ليها علي قبالتها

كانت “كنزة” تدركُ أنَّ “علياً” مكسورٌ الآن، وهذا هو الوقتُ المثاليُّ لـ “احتواءِ” الولد. بدأت ترسلُ له الأطعمةَ التي يفضلها، وتُوصلُ له رسائلَ مبطنةً بـ “العطفِ المفرط”، ليس حباً فيه، بل لتجعلَهُ يرى فيها “الأمَّ البديلة” التي تعوضه عن دفءِ “شريفة”، وبذلك تخلقُ لنفسها درعاً بشرياً أمام “شامة”.

جس النبض: كانت تتجنبُ الصدام المباشر مع “شامة”. بل على العكس، كانت تظهرُ لها الودَّ والانصياع، وتتظاهرُ بأنها خائفةٌ من الوباء، لتجعل “شامة” تظنُّ أنها لا تشكلُ أيَّ خطر، بينما هي في الواقع تحفرُ خندقاً دفاعياً حول نفسها.

كانت “كنزة” تجلسُ في شرفتها، تراقبُ “شامة” وهي تسيرُ في البهوِ مع “عبيبوش”. ابتسمت ابتسامةً خبيثةً وقالت في نفسها:

واااخا لاللاهم شامة ، تبوردي مع راسك نتي لي جات معاك نتي وداك الكرداسة لي تابعك .

دخلت “شامة” إلى جناح “علي” دون استئذان، تماماً كما تفعلُ صاحبةُ البيت. كان “علي” يجلسُ على مائدته، يلتهمُ طعاماً شهياً بدا غريباً عن طعامِ القصرِ المعتاد في هذه الظروف.

سألتهُ بابتسامةٍ هادئة: “كيف حالك يا علي؟ أراك بدأت تستعيدُ شهيتك.”

مسح “علي” فمه، وقال ببراءةٍ ممزوجةٍ بالحزن: “كنزة أرسلت لي هذا الطعام يا شامة. قالت إنها علمتُ بضعفي فأرادت أن تواسيني.”

تجمدت ابتسامةُ “شامة” في مكانها. لم تكن ضحكتها التي جمعتها قبل قليل إلا غطاءً لبركانٍ يغلي في صدرها. فهمت اللعبة فوراً: “كنزة” تحاولُ اختراقَ “علي” عبر عواطفه، وتلعبُ على وترِ الحزنِ لتُأخد مكانا في قلبه

نادت “شامة” الخدم بصوتٍ حاد: “اخرجوا جميعاً.. واتركوا الطعام.”

بمجرد خروجهم، اقتربت “شامة” من المائدة، وحملت الصينيةَ بكلتا يديها، وأشارت لـ “عبيبوش” الذي كان ينتظرُ عند الباب. تحركت بخطواتٍ واثقةٍ نحو جناح “كنزة”، واقتحمتهُ دون أن تطرقَ باباً.

وجدت “كنزة” جالسةً تتصنعُ السكينة. وضعت “شامة” اناء الطعام بقوةٍ على المائدةِ أمامها، وقالت بصوتٍ تقطرُ منهُ حدةُ السكاكين:

“أنتِ يا كنزة.. هل أنتِ من أرسلتِ هذا الطعام لعلي؟ لا تكذبي، فقد رأيتُه بأم عيني.”

ارتبكت “كنزة” للحظة، لكنها استجمعت قناعها المعتاد، وابتسمت بوقارٍ مصطنع: “شامة؟ مالك دخلتي عليا بحال العجاجة ؟؟ اه انا رسلتو ليه ! ماشي من حقي نشفق على ولد ضرتي مسكينة لي ماتت

غمزاتها وكملات

ماتت تقول الموت كانت كطوف بيها وكتسارا فجنابها بحال داء الريح ! امم؟ وانا بغيت ندير غيير لخير فين لعيب فهادشي؟

لم تجبها “شامة”، بل نظرت إلى “عبيبوش” وأشارت إليه بطرفِ عينها. تقدم “عبيبوش” بسرعةٍ شيطانية، وأخرج قارورةً صغيرةً من جيبه، سكبَ قطراتٍ منها فوق الطعام. في لحظات، تصاعد دخانٌ خفيفٌ وتغيرَ لونُ الطعامِ إلى سوادٍ قاتمٍ نافر.

ساد صمتٌ خانق. نظرت “شامة” إلى “كنزة” التي شحبَ وجهها، وقالت بنبرةٍ مرعبةٍ في هدوئها:

“الخير؟ أتسمينَ هذا خيراً؟ لقد أكلَ عليٌّ منه قبل قليل.. وهو الآن يصارعُ الموتَ في فراشه. لقد كشفتِ عن وجهكِ الحقيقي يا كنزة، وعن نواياكِ التي تتجاوزُ التوددَ إلى التصفية.”

انتفضت “كنزة” محاولةً الدفاع عن نفسها:

“هااا؟ ا ويلي؟؟ شنو هادشي؟؟ اش هدا؟؟ سحور ؟؟ سم؟؟

قاطعتها “شامة” وهي تقتربُ منها حتى تلاقت أعينهما:

“السلطانُ لا يحتاجُ إلى ساحرٍ ليحكمَ، بل يحتاجُ إلى عقلٍ يقرأُ الخيانة. الطعامُ مسموم، وعليٌّ يتألم، والشهودُ موجودون. الآن.. ستأتين معي إلى السلطان، ولتستعدي لتفسري له لماذا يحملُ قصرُ الخلافةِ في مطبخكِ سموماً لا تُستخدمُ إلا في الحروب.”

نظرت “كنزة” إلى “عبيبوش” الذي كان يبتسمُ لها ببرودٍ مرعب، وأدركت أنها وقعت في الفخ الذي نصبتهُ لنفسها، وأنَّ “شامة” لم تعد خصماً فولاديا فحسب، بل أصبحت قاضياً وجلاداً في آنٍ واحد.

سقطت “كنزة” أرضاً، وتلاشت كلُّ ملامحِ القوةِ من وجهها، ليتجلى ذعرُ امرأةٍ رأت نهايتها تقترب. ارتمت عند قدمي “شامة”، تمسكُ ثوبها بقوةٍ كمن يغرق، وصرخاتُها المكتومةُ تمزقُ سكونَ الجناح.

سارعت إلى درجٍ جانبيّ، أخرجت منه مصحفاً شريفاً، وضمتهُ إلى صدرها بكلتا يديها المرتجفتين، وبدأت تحلفُ باكية، والدموعُ تسيلُ على وجهها لتفسدَ زينتها:

واحق سيدنا جبريل !! واحق مولاي علي الشريف ما درت ليه شي حاجة ماقصت داك النعمة غير بلخير !! ماتمشيش عند اسلطااان انا مزاوكة فيك !! غيعقلني من رجلي !! غيقطعني طراف طراف طراف وانا مادرت والو واحق سيدنا ايوب مادرت شي حااجاااا”

كانت تلطمُ وجهها بحرقة، وصوتُ بكائها الهستيري يعلو، بينما وقف “عبيبوش” خلف “شامة” كتمثالٍ صخريّ، يراقبُ المشهد ببرودٍ يثيرُ القشعريرة.

لم تتحرك “شامة” لتواسيها، ولم تظهر على وجهها ذرةُ شفقة. ظلت واقفةً كالصنم، تنظرُ إلى “كنزة” بنظراتٍ مخيفة، تلك النظرات التي لا تحملُ غضباً، بل تحملُ حكماً مبرماً. ثم انحنت قليلاً حتى أصبح وجهها ملاصقاً لوجه “كنزة” المنهار، وقالت بصوتٍ خافت، حادٍ كشفرةِ نصل:

“اتمنى ان تكوني قد فهمتي الدرس جيدا يا كنزة ، ابعدي عن طريقي، ابعدي عن ولدي، ولا تحاولي حتى التفكيرَ في نسجِ خيوطكِ حولي. ففي المرةِ القادمة، لن يكونَ السمُّ في طبقِ الطعام.. ستكونين أنتِ الطبق، والحنازة القادمة ستكون جنازتك “

استقامت “شامة” بظهرٍ ممشوق، ونفضت ثوبها من يد “كنزة” بنفرةٍ ملكيةٍ صارمة. أشارت لـ “عبيبوش” بالانسحاب، وخرجت من الجناحِ بخطواتٍ رزينة، تاركةً “كنزة” خلفها في حالةٍ من الذهولِ التام، ملقاةً على الأرض، متمسكةً بالمصحف، وشعرها مشعث، وعيناها زائغتان من هولِ الخلعةِ وللصدمة لي عمرها عاشت بحالها

لقد زرعت “شامة” في قلبها رعباً أبدياً، وجعلتها تدركُ أنَّ محاولةَ الاقترابِ من “علي” أو تحدي سلطتها، ليس مجردَ منافسةٍ بين ضرات، بل هو انتحارٌ محقق.

تعليق Qisatok

هاد الفصل جمع بين فرحة كانت كتبان مستحيلة، وسرّ دُفن خلف أبواب القصر، وامرأة ولات كتدير الحساب لكل خطوة. 👑🕯️
وفالنهاية، شامة ما احتاجتش تعاقب كنزة فعلًا… خلاتها غير تشوف المصير اللي يقدر يستناها إلا قربات من علي مرة أخرى.
واش شامة كتستعمل هاد القوة باش تحمي علي والقصر، ولا بدات كتتحول للحاكمة اللي حتى هي كانت كتخاف منها؟ وكنزة من بعد هاد الإهانة، غادي تتراجع… ولا غادي تحضر ضربة أخطر؟ ♟️👀

شاركنا رأيك في هذا الفصل 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.