الرجوع إلى القصة
ليلة الخميس
الفصل 10 200 دقائق تقريباً 31/07/2026

الفصل 10

عادت “شامة” إلى جناح “علي”، وكان لا يزالُ تحت تأثير الصدمة والضعف. دخلت بخطواتٍ ثابتة، وبملامحَ جادةٍ لم تترك مجالاً للدموع أو العواطفِ الرقيقة.

“الوحدةُ يا ابنَ الشداد ليست عيباً، لكنَّ الغفلةَ جريمة. في القصرِ الذي تعيشُ فيه، الصديقُ قد يكونُ سماً، والابتسامةُ قد تكونُ خنجراً. إذا أردتَ أن تحكم، فابدأ بحكمِ قلبك. لا تمدَّ يدك لأحد، ولا تقبل من أحدٍ ما لم يمرَّ على مَن تثقُ به ثقةَ الموت.”

اقتربت منه أكثر، وضعت يدها على كتفه بقوةٍ جعلتهُ يستقيمُ في جلستهِ دون إرادة:

“أريدك أن تنسى أنك ‘ابنٌ مكلوم’ يحتاجُ للمواساة. أنت الآن مشروعُ سلطان. السلطانُ لا يشفقُ على نفسه، ولا يسمحُ للآخرين بأن يشفقوا عليه، لأنَّ الشفقةَ هي أولُ مسمارٍ في نعشِ الهيبة. حين يراكَ الناسُ ضعيفاً، سيعاملونك كضحية، وحين يروك قوياً، سيحسبون لك ألفَ حساب.”

أمسكت بيده، وأجبرتهُ على النظرِ إلى المرآةِ التي كانت تعكسُ وجهه الشاحب:

“انظر إلى عينيك! أتريدُ أن يرى أعداؤك هذا الانكسار؟ امسح هذه النظرةَ فوراً. من اليوم، طعامك لا يأتي إلا من مطبخٍ أنتَ من يختاره، وكلمتك لا تخرجُ إلا بعد أن تزنها بميزانِ الحذر. إذا أردتَ أن تعيشَ في هذا القصر، فكنْ أنتَ الوحشَ الذي يخشاهُ الجميع، لا الفريسةَ التي يتسابقون على نهشها.”

تراجعت خطوةً للوراء، وتركت في عينيهِ بريقاً غريباً؛ مزيجاً من الخوفِ والاحتياجِ للقوة. قالت بلهجةٍ باردةٍ ونهائية:

غداً، ستبدأُ تدريباتك الحقيقية، لا كأميرٍ يلعبُ بالألعاب، بل كحاكمٍ يتجهزُ للميدان. هل فهمت؟”

أومأ “علي” برأسهِ بخضوع، وقد اختفت ملامحُ “الطفل” من وجهه، لتحلَّ محلها ملامحُ “الأمير” الذي بدأ يُدركُ أنَّ العالمَ خارجَ هذه الغرفةِ هو غابة، وأنَّ “شامة” هي الوحيدةُ التي ستعلمه كيف ينجو فيها. لقد نجحت في تحويلِ انكسارهِ إلى “حذرٍ قاتل”.

سكتت “شامة” للحظة، تركت كلماتها الأخيرة تتردد في أرجاء الغرفة الصامتة، ثم خطت خطوة أخرى نحوه، حتى باتت قريبةً منه لدرجة أنها تهمس في أذنه بنبرةٍ غليظة، خلت من أي مودة:

“اسمعني جيداً يا علي، واحفر كلماتي في ذاكرتك ولا تمحها أبداً: نحن، في هذا العرش، لا مكان لنا بين الضعفاء. قانونُ هذا البيت أبديٌّ لا يتغير، فالضعيفُ عندنا لا يُرثى له، بل يُداس.”

سحبت نفساً عميقاً وتابعت بقسوةٍ واضحة:

“أنتَ الآن في مفترقِ الطرق؛ إما أن تختارَ أن تكونَ ‘القوي’، ذلك الذي تهابهُ الرجالُ وتخضعُ له الأقدار، وإما أن تظلَّ ‘الضعيف’ الباكي الذي لا ينتظرُ منه التاريخُ إلا الذكرى. لا يوجدُ خيارٌ ثالث. الضعفُ عندنا عار، واللينُ خيانةٌ لدمِ أجدادك. القويُّ منا يفرضُ كلمتَه، والقويُّ هو من يضعُ قدمه على رقابِ أعدائه قبل أن يفكروا في لمسه.”

ثبتت نظراتها في عينيه بقوة، وأضافت:

“هل تظنُّ أنَّ الناسَ تحترمُ طيبتك؟ إنهم يغدرون بك حين يجدونك ليناً. هل تظنُّ أنهم سيعطفون عليك؟ إنهم يجهزون الخناجرَ لظهرك في اللحظة التي تظهرُ فيها انكسارك. بيننا، وبين كلِّ من يحيطُ بنا، لا مكانَ للضعفاء. الضعيفُ لا يصنعُ المجد، الضعيفُ لا يحمي حدوداً، والضعيفُ.. في عرفِ سلطتنا، لا يستحقُّ البقاء.”

هزت كتفيه بقسوةٍ خفيفة لتوقظ فيه كلَّ ذرةِ كبرياءٍ متبقية:

“اجعل هذه القاعدةَ دستورك: القويُّ فقط هو من يستحقُّ أن يتنفسَ هواءَ هذا القصر. فإذا لم تكن أنتَ ذلك القوي، فسيأتي يوماً من يزيحك ليموتَ مكانك. فهل قررتَ مَن ستكون؟”

خرجت “شامة” من الغرفةِ وتركت “علي” يحدقُ في الفراغ

مرت الأيامُ ثقيلةً كأنها دهر، لكنها كانت في قصر “الشداد” كأيامِ صقلِ السيوف. تحوّل “علي” إلى نسخةٍ أخرى؛ لم يعد الأميرَ الحزين، بل صار “تلميذَ الحرب”. بدأت تدريباته قاسيةً ومنهجية:

في الفجر: كان يتدربُ على الرمايةِ بالسهامِ وركوبِ الخيلِ في ساحةٍ مغلقةٍ بعيداً عن العيون، تحت إشرافِ امهر مدربي القصر في الضحى: كان يدرسُ خرائطَ الثغورِ وفنونَ الدفاعِ عن القصور، يتعلمُ كيف يكتشفُ السمومَ بالنظرِ والشم، وكيف يوزعُ ثقتهُ كجرعاتٍ محسوبةٍ لا تُمنحُ لأحدٍ كاملةً.

أما “شامة”، فقد كانت تعيشُ ازدواجيةً مذهلة؛ سيدةُ قصرٍ قويةٌ في النهار، وأمٌّ صانعةُ عقولٍ في الخفاء.

في جناحها الخاص، حيث كانت النوافذُ تطلُّ على حديقةٍ داخليةٍ محمية، كانت “شامة” تجلسُ على سجادةٍ من الحرير، يتوسطها “قيس السديد”، ابنها الصغير، الذي بدأ يخطو خطواته الأولى نحو العالم. كان “قيس” طفلاً ذكياً، ورثت عيناه ذكاء “شامة” وبريقها.

كانت “مريم”، التي صارت ابنة لشامة تجلسُ بالقرب منها، تراقبُ “شامة” وهي تعلمُ “قيس” أولى أبجدياتِ الحياة: الحساب.

رفعت “شامة” أصابعها ببطء، ونطقت بصوتٍ رخيمٍ وهادئ:

“واحد.. اثنان.. ثلاثة..”

كان “قيس” يحاول تقليدها، يفتحُ أصابعهُ الصغيرة بتركيزٍ شديد. كان “قيس” يحاول نطق الأرقام، فيتعثرُ لسانهُ الصغير، فتضحك “شامة” ضحكةً صافية، ثم تمسحُ على شعرهِ وتصححُ له:

“لا يا صغيري، انطقها بقوة. الحاكمُ لا يتردد في كلمته، ولا المبتدئُ في رقمه. قل: واحـد.”

أعاد “قيس” الكلمةَ بصوتٍ أوضح، فصفقت له “مريم” بحماس، بينما كانت “شامة” تشرحُ لـ “مريم” في الوقتِ نفسه:

“انظري يا مريم، العقلُ يبدأُ من هنا، من ترتيبِ الأشياء. من لا يستطيعُ عدَّ أصابعه، لا يستطيعُ عدَّ جنوده ولا مؤونةَ مملكته.

كانت “مريم” تجلسُ على سجادةِ الصوف، تضعُ دميتها القماشيةَ جانباً، وتراقبُ “شامة” بعينينِ واسعتينِ مليئتينِ بالانبهار. بالنسبةِ لمريم، “شامة” ليست مجردَ سيدةِ القصر، بل هي “معلمةٌ غامضة” تأتيها الحكمةُ من بين شفتيها.

أمامها، كان “قيس السديد” يحاولُ التوازن، متمسكاً بطرفِ ثوبِ “شامة”. كان لا يزالُ طفلاً صغيراً، لكنَّ نظراته كانت تتبعُ حركةَ أصابعِ أمه بتركيزٍ غريب.

رفعت “شامة” يدها، وقالت بصوتٍ خافتٍ كأنه لحنٌ موسيقي:

“واحد.. اثنان..”

أشارت “شامة” إلى “قيس”، فقلّدها الطفلُ بصوتٍ متقطع: “و.. واحد..”

ثم التفتت إلى “مريم” المراقبةِ بصمت، فابتسمت لها وقالت: “أرأيتِ يا مريم؟ قيس يتعلم كيف يرى الأرقام في الهواء. هل تستطيعين أن تعدي معي؟”

أومأت “مريم” برأسها بحماس، وفتحت كفيها الصغيرتين، وبدأت تعدُّ مع “شامة” بمرح: “واحد.. اثنان.. ثلاثة..”

كانت “شامة” تدمجُ “مريم” في تعليم “قيس”، وكأنها تدربُ طفلين على أنَّ العلمَ ليس درساً ثقيلاً، بل هو مفتاحُ القوة. كانت تعلمهما الحسابَ بأصابعهما، وترددُ معهما الكلماتِ ببطءٍ لتثبيتها في ذاكرتهما الغضة.

فجأة، تمايل “قيس” بقدميهِ الصغيرتين، ثم خطا خطوةً مرتجفةً نحو الأمام. شهقت “مريم” بطفولةٍ صافية وصفقت بحرارة، فضحكت “شامة” وأمسكت “قيس” قبل أن يسقط، وضمتهُ إلى صدرها.

قالت “شامة” لمريم وهي تربتُ على شعرها:

“انظري يا ابنتي، هكذا يبدأُ الطريق. اليومَ يخطو قيسُ خطواته الأولى، وأنتِ تتعلمين كيف تصبحين حكيمة. احفظي هذه الدروسَ جيداً، فالعلمُ هو السلاحُ الوحيد الذي لا يصدأُ ولا يسرقهُ اللصوصُ من القصور.”

أمسكت “مريم” يد “شامة” الصغيرة، ووضعتها على خدها، فتشعرت “شامة” بدفءٍ لم تشهدهُ منذ زمن.

في تلك اللحظة، لم تعد “شامة” “سيدةَ القصر” التي ترهبُ الجواري وتخططُ للمستقبل، بل أصبحت أماً ومعلمة، تحاولُ أن تبنيَ في هذا الركنِ الهادئِ وطناً صغيراً، لا يصله داءٌ ولا يعرفُ إلا براءةَ الأطفالِ وتوقهم للتعلم.

كان “قيس” ينظرُ إليهما ببراءتهِ المعهودة، محاولاً نطقَ “مريم” بشكلٍ غيرِ مفهوم، مما جعل الغرفةَ تضجُّ بضحكاتٍ لم تكن تعهدُ القصرَ في هذه الأيامِ الموحشة. لقد كانت لحظةً من السكينةِ في قلبِ العاصفة.

خفت حدة الرعب في عيني “كنزة”، لكنها لم تعد مرتاحة ومطمئنة البال في حياتها. الأيام التي تلت “حادثة السم” قضتها في عزلةٍ اختيارية، تظاهرت فيها بالانكسار والتقوى، لكن في خلواتها، كان عقلها يغلي بحثاً عن مخرجٍ من سجنِ الخوفِ الذي حبستها فيه “شامة”.

ذات ليلة، حين أطبق الصمتُ على أرجاء القصر، وبينما كان القمرُ يرسلُ خيوطه الباهتة عبر نافذتها، نادت “كنزة” خادمتها “لوبانة”. اقتربت “لوبانة” وانحنت في صمتٍ مريب، فرفعت “كنزة” رأسها ببطء، وعيناها تلمعان ببريقٍ مظلم. همست بصوتٍ يملؤه الوعيد:

“هاد القصر ولا ضيق عليا ، كيخنقني، مابقيتش قادة نصبر عيييت .

شامة ولات كتبان بيا بحال قباض لارواح كل مرة كنقول غتخرج ليا بشي موصيبة تاني

جراتها من يدها جهة النافدة كتوسوس ليها وكملات .:

سمعي، غتخرج من القصر فنصاص الليل مايشوفك حد..بين الخناشي دزبل بي كيخرجو من القصر من باب الخدم ..من تما ماشافك حد وردي بالك مع داك عبيبوش راه عينيه غير كيدورو كي الجن

شافت فيها لبانة بخوف وقالت

“وفين غنمشي فنصاص الليل والمرض كيتسارا. راه المصيبة فالداء!!

نخزاتها كنزة تسكت وقالت:

المرض كيكون غيير بالنهار اما فليل كلشي مخشي فخيمتو غا سيري .

لوبانة فق حيرة:

وفين غنمشي فهاد الوقت الاللة كنزة ؟

شافت كنزة يمين يسار ومشات لواحد الصندوق كتعثر فجلايل قفطانها ويديها ورجليها منقوشين بالحنة على حقها وطريقها حتى للفوق . جبدات صريرة ديال الذهب صغيرة كمشاتها للولانة فقدها وقالت بحرقة

” سيري عند ديك المقدمة مولات الحال .قولي ليها لاللة كنزة مرت السلطان بغاتك تعطيها حجاب يدير بينها وبين ناس القصر حجاب ووقار .. يتقبل فيها كلامي ويتعلا فيها مقامي وايجي حد قدامي،، ولي بغيتو يكون وللي طلبتو يهون..وماعمررر السلطان يردها فوجهي .. ااه وقولي ليها بغيت نسكت الحس لديك شامة لي مابقيتش قادرة كاع نوقف. قدامها ..غير كنشوفها كنبدا نترعد بوحدي ..بغيتها تشوفني وتوقرني ويتقطع حسها فاش تشوفني..وقولي ليها بغيت الهيييييبة الهيييبة ..بغيت نهييب على اهل القصر كلهم .يالاه دكي الارض وديري اش قلت ليك زيدي ..اجييي عنداااكي تنساااي ..لحجاب والقبول وما تجي حتى تجيبي معاك هادشي يالاه جري

ماعاوداتش لوبانة الهضرة وشدات المال لي تعطي لمولات الحال وزادت مع الباب متنكرة لا عين شافت لا قلب وجع حتى خرجات من القصر وركبات احدى العربات لي كانو خارجين معاها وغاديين فاتجاه النعت المعلوم .

ومع قرب الفجر وهي راجعة من بيت المقدمة مولات الحال وهازة فيدها الامانة تحت حيكها ، كانت الدنيا كتصفر والزناقي خاويين وماجات فين تقرب من باب الخدم من الجهة الخلفية حتى قطعو طريقها بعض اللصوص حاولو يسرقوها ، لاكن فاش مالقاو عندها والو عطاوها قتلة دالعصى وهربو وخلاوها كتجمع شراوطها من الارض وتقلب على بلغتها وضرباتها بجرية مخبية فالحايك ديالها ودخلات كما داخلين جميع الخدم والعبيد فداك الصباح ومشات نيشان لبيتها الصغير فرواق الخدم دخلات وسدات عليها وطاحت كتنفس حتى رتاحت ، عاد ناضت حيدات الحايك وخشات يدها فصدرها تجبد الامانة لاكن لقات غقر القبول!! والحجاب مكاينش!! بدات كتندب وتجدب وتفتف وتسوس حوايجها لاكن والو طار مع الريح وسط ديك القتلة دالعصا على الصباح

سدات الباب بـ”المرزّات” (المزلاج) ديالو، وطاحت فوق الفراش وهي كتشهق: “يا ربي السلامة، يا ربي تستر، كون غير بقيت فجناح كنزة هانية!”.

بدات كتفتش فالحايك، كتسيق الأرض، كاتقلب تحت المطارح، كاتقول: “يكون طاح فشي قنت؟ كون غير طاح ونلقاه!”. دوزت يديها فصدرها، لقات غير القبول (الخيط اللي كان معلق فيه الحجاب). هنا، وقفات “لوبانة” وسط الغرفة، بدات كتندب بحال شي جنازة: “مشا الحجاب! مشا الحجاب اللي غايرد لالة كنزة ملكة على القصر! ودبا شنو غنقول ليها؟ غتقول ليا راه اللصوص ضربوكِ باش يديو غير الحجاب؟ راه غتصلخني، غتولي هي الساحرة وأنا اللي غتطبق عليا الطقوس!”.

فجهة أخرى، كانت كنزة فجناحها، جالسة قدام المراية، لابسة أحسن ما عندها، وموجدة راسها لنهار جديد بدات كتشرق فيه الشمس باش تخرج تواجه “شامة” بهيبتها الجديدة، وهي كتمتم: “اليوم غندخل لعندها، غنحط يدي على خصري، ونشوف ديك الشوفة ديالها واش غتبدل..”. كانت كتخايل راسها داخلة كـ”سلطانة”، وشامة كتشوف فيها وكترمش عينيها بحال المغيبة، وهي غادية وتزيد تقرب منها بخطوة ثابتة.

لوبانة” ناضت بحال البرق كتسوس عليها الخلعة ومشات كطير . دخلات للمطبخ الصغير ديال الخدم، شدت زلافة، خلطت الحنة الحرة مع شوية د الرق (الدم ديال الغزال) باش تعطي داك اللون الدموي الغامق اللي كيخلع. شدت ورقة كتبات عليها “خربشات” عشوائية باش تبان طلاسم، ودارت فيها نقطة د الحنة، ورشاتها بماء الزهر اللي كان مخبي فواحد القريعة، حتى ولات الريحة نيت بحال ديال الحجاب الاصلي

مشات للحمام، غسلات وجهها، قادات شعرها، وتخشات فالحوايج ديال الخدم، وطلعات عند كنزة وهي هازة “الكنز” فديها.

دخلات لوبانة بابتسامة صفراء،

هاهيا الامانة الاللة كنزة ..من بدها ليدك

كنزة وقفات بحال اللي طاح الوحي ، خطفات الحجاب من يدها، بدات كتشوف فيه وعيونها كتبرق و كتشمو

“امممم.. ريحة الزهر والحنة .. واه هادشي هو اللي بغيت! لوبانة، أنقذتي حياتي! هاد الليلة غنتمشى فبهو القصر بحال إلا ملكة، وشامة غتولي تشوف فيا وتطيح فبلاصتها!”.

لوبانة بقات كتشوف فكنزة وهي كترمش: “أه لالة، راه الحجاب مجهد، غير حضي راسك لا يشوفوك الناس وتولي كترعبي فيهم بزايد!”.

ضارت شامة شادة الحجاب كتشوف فيه وعلقاتر فعنقها وخشاتو وسط حوايجها لداخل وقدات كدور وتشوف فراسها عاجبها الحال

“شفتي!! هانتي ..طاح عليا السرررررر… داااابا غنخرج ونتلاقا مع لاللاهم شامة نبرد فيها جنوني مزيااان على داكشي كاملو لي خرجات فيا.

هزات راسها ورمات شعرها لور ومشات حلات الباب هازة راسها وتوبها مجرجر وراها ولوبانة تابعاها ومهبطة راسها وكل مرة تشد حنكها ودور عينيها وتعض شنايفها

خرجت “كنزة” من جناحها بحال شي “طاووسة” نافت ريشها، حاطة يديها على خصرها، ودايرة داك الحجاب المزور بحال إلا معلقة “سيف بن ذي يزن” فعنقها. كل خطوة كديرها، كتخايل بلي الأرض كترعد تحت منها، وكتسنى غير اللحظة اللي غتلاقى فيها “شامة” باش تخرج فيها “العينين اللي ما كيرمشوش”.

فالممر، كان عبيبوش واقف كيدير جولة المراقبة ديالو، شافها جاية، وهاد المرة بانت ليه “كنزة” مختلفة؛ فيها واحد “التبوحيطة” زيادة، وعينيها كيبريو بواحد الطريقة غريبة. حبسها بابتسامة خبيثة وقال:

“صباح الخير يا لالة كنزة، تبارك الله، اليوم كيبان فيك واحد النور.. واش شي خبر جديد ولا غير الصباح اللي زوين؟”

كنزة، وهي كتشوف فيه بواحد “الخزرة” ديال السلاطين (اللي كانت مسلفاها من خيالها المريض)، هزات حجبانها وقالت بصوت مسموم:

“عبيبوش.. طريقك قدامك! وما تقاطعش طريق السيدة اللي غادية تشرف القصر اليوم!”

عبيبوش بقا مسمر فبلاصتو، كيشوف فيها وكيسول راسو:

رجع اللور، وخلاها دوز وهي كتمشى وتجرجر فقفطانها، ولوبانة وراها، عاضة على شنايفها وصلات كنزة للبهو الكبير، وكان الحظ (أو ربما سوء الحظ) أن شامة كانت تما، شافت شامة كنزة داخلة بحال “الجن الأحمر”، وبديك المشية وقفات كنزة قبالة شامة، وحطات يدها على صدرها فين كاين “الحجاب المزور”، وطلقات عينيها فيها. ساد صمت رهيب، كنزة كانت كتسنى شامة تطيح مغشية، أو على الأقل تبدا تترعد من الهيبة.

شامة شافت فيها، وطلعات ونزلات مزيان وهزات راسها للسما كتسنى تسمع من كنزة شي كلمة حيت باين بلي عندها مايتقال .لاكن كنزة بقات واقفة كتشوف فيها وشوية بشوية بدا الاستغراب كيضهر علاى ملامح شامة من شوفات كنزة المتكبرة عليها و قالت

بصوت هادئ، واثق، ومستفز):

“كنزة.. صباح الخير. ياك لاباس؟

قلبات كنزة عينيها. فالسما وقالت بميوعة

“صباح الورد والزهر فاش خرجت من جناحي ليوم

كملات كلامها كتقاد كمام يديها بتعالي

” ايوا شفتك ليوم مساليا ؟؟ ماعندك شغل تقضيه؟ ولا قضيتيي كاع الشغال وكرطتي القصر من البشار كاملو؟

عقدات شامة حجبانها وبقات ساكتة كتشوفيها وتشوف فحراكاتها الغريبة وقالت بسخرية.

“كرطتو ليك الاللة كنزة ! باش دوزي ونتي مرتاااحة ، ايوا كي جيتك ؟؟ عاجبك الحال؟ عندك شي طلب ااخر ؟

حلات كنزة عينيها فدهول وبدات كترمش وضارت شافت فلبانة بابتسامة ، لاكن لوبانة رجع وجهها زرق بالخلعة وخبات وجهها بينما كنزة هزات راسها بسعادة تفاخر وشافت فشامة وقالت

” لااالا ماعندي منقوول،،تبارك الله عليك راكي قايمة بالواجب!! ليوا هاكا نبغيك .

هزات راسها كتبسم وزادت. كتمختر وبدات كدندن ولوبانة تابعاها كتفتف.انا شامة بقات واقفة وعلامات الاستغراب على وجهها وهي متبعة ليها العين ، سمعات صوت عبيبوش وراها حتى هوا من صوتو باين مستغرب

“انا كنشك واش هاد لاللة كنزة طبيعية؟؟! مرة تبان ليا لفعة مقطرة !! مرة تجيني غيير هبيلة ولا مسحورة ! المهم ماشي هي هاديك

تنهدات شامة وعينها مزال تابعاها وقالت

– واش لي كيشد الورقة مقلوبة وماقاري حتى حرف وغاطس فالجهل حتى لودنيه غيكون عندو شي عقل؟؟ خليني منها اعبيبوش ، هادي مساليا راسها مابينها وبين البهيمة غير العلف . هه الله يستر

كملات كنزة طريقها لجناح السلطان بكامل قواه قواها العقلية وهي كلها ثيقة فالحجاب والقبول حتى وصلات عندو . لاكن قبل مادخل شداتها لبانة كتسول وترعد وقالت

“بلاش علينا من السلطان .. اش جابك ليه ياك بغيتي غير تكوني الكل فالكل،، اش جابك ليه على الصباح ماعرفتي كانتو كي دايرة

هزات كنزة مكتفها بيلبا مبالات وقالت

“مالي ماشي من حقي ندخل لجناحو ؟ غير شامة لي دخل؟ وانا لا؟!

عاودات جراتها لوبانة من يدها من جديد كتوسل واصفار وتخضار

“ها عار لبزيزيلة راه ولادك محتاجين ليك، يالاه نرجعو بحالنا وخلي عليك مولاي السلطان .. راه المقدمة قالت ليا بلي مفعول الحجاب كيجي ويقوى معه الوقت! ماشي من الدقة اللولة

نترات كنزة يدها بنفور وقالت

” لا .. ماشفتيش كيفاش قطع لعبيبوش الحس،،، كان غير كيشوفني ويبدا عليا بالطنز،، وفاش علقت هاد الخيييير هاهوا تسرط ليه اللسان فمرة ! اما شامة ماقدرااش كاااع تنفنف قدامي !! سيري سيري سيري نتي دبا شوفي دوك الخادمات اش كيديرو مع الدراري وردي ليهم البال اما انا عاااارفة شغلي وقادة بيه ..يالاه سيري (خزرات فيها) ققلت قلت ليك سيري فرقيني عليك ونتي لاسقة ليا فجلايلي سباحاتو لله

كمشات فمها وهزات قنانفها ورفعات راسها وشافت فالعبد بثقة وشارت ليه راسها باش دخل.وما ان فتح الباب حتى دخلات هازات راسها والتبسيمة حتى لودنيها وعينيها كيبرقو وتمات داخلة كتجرجر جلايلها

دخلات كنزة، هزات راسها حتى للسما، وكتجرجر قفطانها وراها كأنها “أطول شلّالة فالعالم”. السلطان كان جالس كيشوف فواحد الخرائط، رفع راسو، وشاف هاد “المنظر” اللي دخل عليه .كنزة كتفرنس وكما عاهدها هادا هوا حالها، اللي بغا يموت يموت وهيا عايشة فعالمها الخاص تقول ماكاين وباء وماكاين مشاكل ومكاين هم فالدنيا .مابينها وبين الهموم غير الخير والاحسان .

شاف فيها كيتسائل شكون هاد الطيف المعطر وريحتو كتخنق بريحة الزهر لي قتاحم خلوته.

لقى نضرة سريعة على ملابسها وزينتها المبالغ فيها ثم نطق بصوتٍ جهوريٍّ يملؤه الوقارُ والتهكم:

“أما بعدُ يا كنزة.. فما الذي جاء بكِ إلى خلوتي في ساعةٍ يشتغلُ فيها الرجالُ بتدبيرِ الملك، وتشتغلُ فيها الحرائرُ بتدبيرِ شؤونِ القصر؟ أأصابكِ مسٌ من خفةِ العقل، أم أنَّ رياحَ الصباحِ قد حملت إليكِ طيشاً لم نعهده؟”

تجمدت “كنزة” قليلاً، لكنها استجمعت شتات “هيبتها”، ووضعت يدها على صدرها بثقةٍ حمقاء، قائلةً بميوعة:

“انا جيت غيير نزورك ونشوف احوالك ! شفتك هاد الايام مشطون ومهموم وقلبي ضرررني عليك

ضيقَ السلطانُ عينيه، وأخذ يشمُّ الهواءَ بانزعاج، ثم قال بلهجةٍ ساخرةٍ بليغة:

“أهلاً بـ ‘الربيع’ الذي حلَّ في مكتبي قبل أوانه! يا كنزة، أخبريني.. أأنتِ زوجةُ السلطانِ إنَّ القصرَ ليعجُّ برائحةِ الزهرِ ، حتى كأنني أجلسُ في وسطِ سوقٍ للعطارين! أأنتِ زوجةُ سلطانٍ أم بضاعةٌ معروضةٌ للبيع؟

“كنزة” ضحكات ضحكة “المدلّعات”، وقربات من المكتب وهي كاتشوف فيه بعيون “سلطانية”

“مولاي السلطان،، هذا غيير عطر الورد والياسمين ،، ياك كيعجبك ؟؟!

السلطان (سند ظهره للوراء وضحك ضحكة قصيرة

تنهد تنهيدة طويلة، وهز راسو شاف فيها بطرف عينو وقال ببرود ساخر:

“الوردُ جميلٌ يا كنزة، ولكنَّ جماله في أوانه.. أما أن يقتحمَ الوردُ مكتبي في ساعةِ ضيقِ البلادِ والوباء، فهذا ليس إعجاباً.. هذا ‘استعجالٌ في غيرِ وقته’. أليس لكلِّ مقامٍ مقال؟”

كنزة، اللي ما فهمات والو من كلامو، تقربات من الطبلة بكل “أنوثة” مصطنعة. كانت كتحاول تبان بحال شي “عالمة” وهي أصلاً ما كتعرفش تفرق بين الألف وعصا جدها. هزات واحد الورقة من الخرائط الاستراتيجية، وشافت فيها بتركيز مبالغ فيه، ودارت فيها شوفة ديال اللي “فهمات كلشي”.

قالت وهي كتهز حجبانها بتباهي:

“تبارك الله يا مولاي، كرافتكم هادي.. (قصدها خرائطكم).. واضحة وباينة، وكيبان لي بلي هاد الخطوط اللي هنايا.. خاصهم غير شوية د الحكمة باش يرجعو طريق النصر!”

السلطان شاف فيها وشاف فـ “الخريطة المقلوبة”

نطق بصوت فيه نبرة تحذير:

“لاتقلبي الورقة فتقلبي معها احوال القصر! وعودي الى جناحك ..هيا فلست في مزاج للمزاح .

كنزة، وهي كتحاول تبان ذكية، قربات وجهها من السلطان وقالت بخفوت:

“علاش يا مولاي؟ راه أنا كنفهَم فـ ‘شؤونكم’، وبغيت نكون حداكم باش نعاونكم!

السلطان نزل القلم من يده، وشاف فيها بشوفة خلاتها تجمّد، وقال بلهجة جادة

“اجرى لعقلك شيء يا امرأة؟!

ضعي الورقةَ! فقد قلبتِ استراتيجيةَ الحربِ إلى سطرٍ من سطورِ العبث!”

كنزة، حطات الورقة وهي كترعد، وحاولات تدارك الموقف: “أنا.. أنا كنت غير.. غير كنشوف!”

السلطان رجع كيشوف فـ “الخرائط” (اللي كانت صحيحة):

“اذهبي! واحمِلي معكِ رائحةَ الزهرِ هذه، فلقد قلبتِ لي معدتي قبل أن تقلبي لي خرائطي. وإن عدتِ ثانيةً لتفتيشِ أوراقي، فلن أقلبَ الورقة، بل سأقلبُ لكِ نظامَ أيامكِ في هذا القصر!”

خرجت كنزة من عنده وهي كتجرجر “هيبتها” اللي تمزقات، ولوبانة اللي كانت كتسنى برا، لقات كنزة خارجة وجهها مغيّر، بدات كتمتم: “قلت ليك بلاش! ياك قلتها ليييك اويييلي وحدييي.

دازت فيها كنزة كتزفر وعينيها مغرغرين ومشات كتزرب وتردد

“الله لكيها ليكم كاملين من غير السلطان..بااش حسن مني شامة باش باااش باش؟؟؟

أغلقت “كنزة” الباب في وجه “لوبانة” بقوةٍ أحدثت دوياً في أرجاء الرواق، وقد استشاطت غضباً بعد أن تلاشت هيبتها أمام السلطان. ظلت “لوبانة” واقفة في الخارج، تترقبُ في وجل، وتتلفتُ يمنةً ويسرة خشية أن يراها أحدُ العبيدِ أو الخدم، فتارةً تَدّعي أنها تنتظرُ طلباً، وتارةً تتظاهرُ بالانشغالِ بتنظيفِ المكان، لكن “كنزة” كانت قد انطوت على غضبها ولم تفتح لها الباب.

مرت ساعةٌ من الزمان، ساد خلالها صمتٌ مريبٌ لم يعهدهُ جناحُ “كنزة”. ساورت “لوبانة” ريبةٌ قاتلة، فقررت كسرَ الصمتِ مستخدمةً مفتاحها الاحتياطي. ما إن دلفَت إلى الغرفةِ حتى استقبلتها رائحةٌ خانقةٌ تمزجُ بين أريجِ الزهرِ المبتذلِ وبرودةِ المكان.

على فراشها، كانت “كنزة” ملقاةً في وضعيةٍ غيرِ طبيعية؛ وجهها قد اكتسى حمرةً فاقعةً كالدم، وأنفاسها تتقطعُ في كحةٍ جافةٍ مكتومةٍ توحي بضيقٍ شديدٍ في الصدر. اقتربت “لوبانة” منها بذعر، وبدأت تهزُ كتفها وهي تناديها: “سيدتي.. كنزة.. استفيقي، ما بكِ؟”.

وفجأة، وفي لحظةٍ تحبسُ الأنفاس، أفلتت يدُ “كنزة” من بين يدي “لوبانة” وسقطت هامدةً على الفراش كأنها جذعُ شجرةٍ ميت، وتبع ذلك صمتٌ مطبقٌ لم يقطعهُ إلا صوتُ خفقانِ قلبِ “لوبانة” المتسارع.

تراجعت “لوبانة” إلى الوراء، وقد اتسعت عيناها ذهولاً، ووضعت يدها على فمها لتكتمَ صرخةً كادت تمزقُ حنجرتها. غادرت الغرفةَ مسرعةً، وهي تترنحُ كالمجنونة، لا تدري أأصابتها صدمةُ الموتِ أم رعبُ الوباء.

وما إن وصلت إلى الرواقِ حتى انطلقت صرخاتها تدوي في أرجاء القصر: “ماتت! ماتت! لقد فارقت كنزة الحياة! النجدة.. النجدة!”.

كانت تلك الصرخةُ بمثابةِ إعلانِ طوارئٍ صامتٍ في القصر. توقفَ الجميعُ عن حركتهم.

سادَ في القصرِ هولٌ لا يوصف؛ فصرخاتُ “لوبانة” مزقت سكونَ الممرات، وتحولت الأروقةُ إلى ساحةٍ من التخبطِ والهلع. لم تكن ثوانٍ حتى وصل “عبيبوش”، كان “عبيبوش” يركضُ بخطواته السريعة، وعيناهُ الجاحظتانِ تمسحانِ المكانَ بحثًا عن مصدرِ الضجيج. وما إن رأى “لوبانة” تخرجُ من الاورقة كالمجنونة وهي في حالةٍ يُرثى لها، حتى صرخَ فيها بصوتٍ أجشٍّ يملؤه الحزم:

“توقفي أيتها الخرقاء! ما هذا الصخبُ الذي أزعجَ سكونَ القصر؟ ماذا حلَّ بـ ‘كنزة’؟ تكلمي وإلا أقسمتُ أن أجعلكِ تندمين على كلِّ نفسٍ تتنفسينه!”

سقطت “لوبانة” على ركبتيها، وكانت ترتجفُ كعصفورٍ أصابتهُ ريحٌ عاتية، وأشارت بيدها نحو جناحِ “كنزة” وهي تلهث: “لقد.. لقد رحلت! كنزة فارقت الحياة يا عبيبوش، جسدها هامِدٌ كقطعةِ خشب!”

اتسعت عينا “عبيبوش” الصغيرتانِ من شدةِ الصدمة، وتسمرَ في مكانهِ للحظةٍ وكأنَّ الزمنَ قد توقف، قبل أن يستعيدَ وعيَه ويقررَ الانطلاقَ كالبرقِ نحو جناحِ “شامة”. كان يدركُ أنَّ وقوعَ مثلِ هذا الحدثِ في ظلِّ ظروفِ الوباء يعني أنَّ القصرَ على حافةِ الهاوية.

في غمرةِ هذا الاضطراب، كان الحاجبُ “حسن” يمرُّ في الرواقِ القريب، عينُه الصقريّةُ لا تخطئُ حركةً غيرَ معتادة. لاحظَ الخدمَ وهم يركضونَ في غيرِ وجهةٍ محددة، والحراسَ وقد تشتتَ انتباههم، فرفعَ يدهُ مستوقفاً أحدهم بصوتٍ حادٍّ كالسيف:

“ما هذا التخبط؟ هل استبيحَ حرمُ القصرِ في غفلةٍ منا؟ تحدثوا.. ما الخطب؟”

لم يكد ينهي كلامه حتى خرجت “لوبانة” من ركنِ الرواق، كأنها طيفٌ خرجَ من مقبرة؛ وجهها شاحبٌ وعيناها زائغتان. وما إن لمحتهُ حتى احتمت بهِ وهي تصرخُ بنبرةٍ تقطعُ القلوب:

“يا مولاي الحاجب! سيدةُ القصر.. كنزة.. وجدتها في غرفتها! لا تتحرك.. لا تتنفس.. وكأنَّ روحَها قد سُحبت من جسدها في لمحِ البصر!”

تغيرت ملامحُ “حسن” الصارمة، وبدا عليه الاضطرابُ للمرةِ الأولى منذ دهر. أدرك أنَّ أمراً عظيماً قد حدث، وأنَّ القصرَ بأسرهِ قد دخلَ نفقاً مظلماً لا يعرفُ أحدٌ أينَ آخره. وفي تلكَ اللحظة، كان “عبيبوش” قد وصلَ بالفعلِ إلى بابِ جناحِ “شامة”، وبدأ يطرقُ البابَ بعنفٍ وقلقٍ شديد، طالباً الدخولَ بضرورةٍ لا تحتملُ التأخير.

انفتحَ بابُ جناحِ “شامة” ببطءٍ حذر، لتظهرَ “شامة” بملامحَ يملؤها الاضطرابُ الذي لا تخطئه العين، فقد استشعرت أنَّ أمراً جللاً قد وقع قبل أن تنطقَ بكلمة. كان “عبيبوش” أمامها، جسدُه الضئيلُ يرتجفُ كأنما أصابتهُ ريحٌ صرصر، وبدا غيرَ قادرٍ على ترتيبِ أنفاسه.

لم تكد “شامة” تفتحَ فمها لتسأل، حتى أطلقَ “عبيبوش” نبرةً مخنوقة: “مولاتي.. كنزة! لقد وجدتُ جثةً هامدةً في جناحها، فارقت الحياةَ دون حراك!”

تجمدت الدماءُ في عروقِ “شامة”، وارتدت نظرةُ الثباتِ التي كانت تعلو وجهها قناعاً من ذهولٍ مطلق. لم تستطع تصديقَ . انطلقت “شامة” كالسهمِ نحو جناحِ “كنزة”، يتبعها “عبيبوش” الذي كان يولولُ بكلماتٍ غيرِ مفهومة، بينما كانت أصداءُ صرخاتِ “لوبانة” لا تزالُ تترددُ في الممرات.

في الطريق، التفتت “شامة” بحدةٍ نحو “عبيبوش” وسألت بصوتٍ يملؤه الارتياب: “من الذي جاءك بهذا الخبر؟ من رأى ذلك بعينيه؟”

أجابها “عبيبوش” وهو يلهث: “لوبانة يا مولاتي.. هي من وجدتها في غرفتها!”

وما إن وصلا إلى جناحِ “كنزة” حتى اقتحمته “شامة” بقوة. كان الجو داخل الغرفة ثقيلاً، تنبعثُ منه رائحةٌ ممزوجةٌ بالزهر . اقتربت “شامة” من الفراش، وهالتها حمرةُ وجهِ “كنزة” القانية التي تبدو كأنها شعلةٌ من نارٍ تحت جلدها. تراجعت “شامة” خطوةً للخلف، وعيناها مثبتتانِ على الجسدِ الملقى أمامها، بينما وقف “عبيبوش” خلفها يرتجفُ هلعاً.

وفجأة، وفي لحظةٍ حُبسَ فيها الأنفاس، ارتجفَ صدرُ “كنزة”، وانبعثت من حلقها “كحةٌ” مكتومةٌ ومؤلمةٌ مزقت صمتَ المكان.

لم تتمالك “شامة” نفسها، وضعت يدها على فمها وشهقت بشدة، وتراجعت مذعورةً بضعَ خطواتٍ إلى الوراء حتى اصطدمت بـ “عبيبوش”. تجمدت ملامحها، وتحولت نظرةُ الصدمةِ إلى يقينٍ مرعب، هتفت بصوتٍ خافتٍ يملؤه الرعبُ الحقيقي:

“الوباءُ.. لقد تغلغلَ الوباءُ إلى قلبِ القصر!”

اندفع الحاجب “حسن” نحو جناح السلطان بخطواتٍ مضطربة، لم تكن مشيته المعتادة التي تتسم بالوقار والهدوء، بل كان كطائرٍ ذُعر من عاصفة. وما إن طرق البابَ وسمح له بالدخول، حتى اقتحم المكان دون استئذان.

كان السلطان “الشداد” لا يزالُ منحنياً فوق خرائطه، يخطُّ بيدهِ قراراتٍ قد تغيرُ وجهَ الثغور. رفع رأسهُ ببطء، وحين وقعت عيناهُ على “حسن” وهو يقفُ بوضعيةٍ غير معهودة، تتصببُ العرقَ من جبينهِ وتلوحُ في عينيهِ إماراتُ الخوف، ضيقَ السلطانُ عينيهِ بصرامةٍ جمدت الدماءَ في العروق.

السلطان (بصوتٍ منخفضٍ يزلزل الأرجاء):

“يا حسن.. ما هذا الوجلُ الذي يطغى على وجهك؟

لم يستطع الحاجب “حسن” ضبطَ صوتهِ الذي خرجَ مشوباً برجفةٍ لا تخطئها أذنُ السلطان:

“يا مولاي.. الخبرُ يضربُ أرجاءَ القصرِ كالصاعقة! لقد.. لقد ماتت كنزة.”

في تلك اللحظة، حدث ما لم يجرؤ أحدٌ على تخيله. توقف الزمنُ في جناحِ السلطان. الصدمةُ التي ضربت وجهَ “الشداد” لم تكن مجردَ دهشةٍ، بل كانت زلزالاً أصابَ كيانَه. اتسعت عيناهُ بذهولٍ لم يعهدهُ فيه أحدٌ قط، فقدت ملامحُه الحادةَ وقارها، وارتخى قبضتُه عن القلمِ الذي كان يخطُّ به، حتى سقطَ على الورقِ وتركَ أثراً غامقاً.

ظلَّ السلطانُ مسمراً في مكانِه، يرمشُ بعينيهِ ببطءٍ كأنهُ يحاولُ استيعابَ حقيقةٍ تتجاوزُ قدرةَ العقلِ على التصديق. هو الذي واجهَ جيوشاً وأهوالاً، وقفَ الآن أمامَ هذهِ الكلمةِ عاجزاً عن النطق.

تحولَ إلى جبلٍ من نارٍ مكتومة. خرجَ بخطواتٍ واسعةٍ وثقيلة، وكأنَّ كلَّ خطوةٍ يخطوها تزلزلُ أركانَ القصر، والحاجبُ “حسن” يتبعهُ كظلٍّ ذليل، يعلمُ أنَّ هذهِ السكينةَ التي تسبقُ العاصفةَ هي أشدُّ من صراخِ الحروب.

وصلَ السلطانُ إلى جناحِ “كنزة”، لكنَّ “شامة” كانت لهُ بالمرصاد. وقفت عند البابِ كالحارسِ الأخير، وجهها شاحبٌ كمرمرِ القصر، وعيناها تنطقانِ برعبٍ لم تعرفهُ من قبل. خلفها، كان “عبيبوش” القزمُ يرتجفُ في صمتٍ مطبق.

لم يَسأل السلطان، بل ارتسمت على وجهه علاماتُ التساؤلِ بحدةٍ كأنها سياط: “ما هذا الذي أسمعُ؟

نظرت إليه “شامة”، وبدا أنَّ الكلماتِ عالقةٌ في حلقها كأنها شظايا زجاج. ترددت، ثم خفضت صوتها ليكونَ وهجاً من رعب: “ليست كما ظننا يا مولاي.. هي لم تمت، ولكن..”

سكتت، وصدرها يعلو ويهبطُ بقوة، ثم أضافت بصعوبةٍ تكادُ تمزقُ نياطَ قلبها: “إنها.. إنها مُصابةٌ بالوباء.”

وقعَ الخبرُ على مسامعِ السلطانِ كضربةِ سيفٍ غادرةٍ في ظهره. في تلكَ اللحظة، ظهرَ “انكسارُ السلطان” لأولِ مرة؛ ليس انكساراً لضعفٍ، بل انكسارَ المحاربِ الذي اكتشفَ أنَّ سيفه لا يقطعُ الهواء، ولا يصدُّ الأشباح. لقد كان عدوهُ اللدود الذي طالما تحدى الموتَ في ساحاتِ الوغى، قد تسللَ الآن إلى فراشِ زوجتِه، وسرقَ منهُ القدرةَ على الفعلِ أو الحماية.

تبدلت ملامحُ “الشداد”، احمرَّت عيناهُ وانعقدَ حاجبا الغضبِ في جبينهِ كأنما يحاولانِ طحنَ العدوِّ الخفيِّ بصرامته. صرخَ في داخلهِ سخطاً على هذا “الموتِ البارد” الذي لا يُبارزُ ولا يُنازل. لقد كان مستعداً لمواجهةِ جيوشِ الأرض، لكنَّ الوباءَ كان خصماً يفتقرُ للشرف، عدواً لا يُمكنُ إخضاعهُ بصهيلِ الخيولِ أو صليلِ السيوف.

هتفَ بصوتٍ متهدجٍ يفيضُ غضباً وعجزاً:

“الوباء؟ أفي عقرِ داري؟ أفي حصني الذي أذللتُ أمامهُ الملوك؟”

جمع قبضة يده بقوةٍ حتى ابيضت مفاصلُ أصابعه، وكأنهُ يقاتلُ عدواً لا يراه. كانت تلكَ اللحظةُ هي لحظةَ “السلطانِ العاري” أمامَ جبروتِ المرض؛ لحظةً أدركَ فيها أنَّ كلَّ عظمتهِ لا تساوي شيئاً أمامَ بكتيريا لا تُرى بالعينِ المجردة. نظرَ إلى بابِ الجناحِ الذي صارَ الآن حدوداً لا يُمكنُ تجاوزها، وشعرَ لأولِ مرةٍ بطعمِ الهزيمةِ المرّ، لا أمامَ إنسان، بل أمامَ قدرٍ لا يرحم.

أمر السلطانُ الجميعَ بالابتعاد عن الجناح، فانسحبوا في صمتٍ مطبقٍ تملؤه رهبةُ الموت. اتجه “الشداد” بخطىً ثقيلةٍ نحو الشرفةِ الكبرى التي تُطلُّ على الرياضِ الفسيح، حيثُ كانت نافوراتُ الماءِ تهمسُ بهدوءٍ يتناقضُ تماماً مع الصراخِ المكتومِ في صدره.

وضع يديهِ على الحاجزِ الخشبيِّ المُزخرف، وضغطَ عليهِ بكلِّ ما أوتيَ من قوةٍ حتى برزت عروقُ يديهِ وتصلبت مفاصلُ أصابعه. أغمضَ عينيهِ بقوة، وكأنَّ جحيماً مستعراً ينهشُ أحشاءه، نارٌ من العجزِ والحسرةِ لا تطفئها مياهُ الرياض.

التفتَ نحو الحاجب “حسن” الذي كان ينتظرُ في الظلِّ كتمثالٍ من حزن، وقال بصوتٍ متهدج، يمتزجُ فيه كبرياءُ الملوكِ بضعفِ المقهورِ أمامَ قضاءِ الله:

“يا حسن.. أرسل في طلبِ كبارِ الحكماءِ والأطباء. اطلبهم جميعاً، مَن في القصرِ ومَن في المدينة. أقسمتُ بربِّ هذا القصرِ أنَّ مَن يجدُ دواءً يطفئُ هذهِ النارَ في جسدها، فلهُ ما أرادَ من ذهبِ البلادِ وعزها. قُل لهم.. ألا يدخروا جهداً، ألا يبخلوا بحيلة، فليستخدموا كلَّ ما تعلموهُ في كتبِ الطبِّ القديمة.. كنزة يجبُ أن تعود.”

كانت نبرةُ صوتهِ تنزفُ صبرا ، كأنَّ السمَّ الذي يتحدثُ عنه قد سرى في عروقهِ هو قبل أن يسريَ في جسدها. كان مدركاً -ببصيرتهِ الحادة- أنَّ هذا “الوحشَ الخفي” الذي بدأ بكنزة، لن يكتفيَ بجسدها، بل هو يزحفُ ببطءٍ نحو أركانِ القصرِ ليلتهمَ الجميع.

انحنى الحاجب “حسن” برأسهِ إجلالاً، ثم انصرفَ بخطواتٍ مسرعةٍ لتنفيذِ الأمر، تاركاً السلطانَ واقفاً هناك، جسدُه المتصلبُ أمامَ خشبِ الشرفةِ يوحي بقوةٍ ظاهرة، لكنَّ روحهُ كانت في تلكَ اللحظةِ منكسرةً تماماً؛ فهو يواجهُ عدواً لا يُبارزُ بالسيوف، ولا تُرهبهُ صرخاتُ السلطان، ولا تُثنيهِ وعودُ الملوك. لقد كانت لحظةً من أصدقِ لحظاتِ إنسانيتهِ العارية، حيثُ يقفُ “الشداد” بطلُ المعاركِ أمامَ “القدر” مهزوماً، لا يملكُ إلا أن ينتظرَ حكمَ الموتِ في صمتٍ خانق.

“شامة” التي كانت تقفُ في الظلِّ عند مدخلِ الشرفة، تراقبُ وتسمع بذهول. كان جسدُ السلطان يرتجفُ بهدوءٍ، ويدهُ لا تزالُ تعتصرُ الخشبَ وكأنها تحاولُ اقتلاعه. لم يكن حديثهُ عن “كنزة” نابعاً من واجبٍ سلطانيٍّ روتيني، بل كان صوتُه يحملُ نبرةً لم تألفها “شامة” طوال سنواتِ وجودها في القصر.

تجمدت “شامة” في مكانها، وعيناها مثبتتانِ على ظهرِ السلطانِ المنحني. لم تنبس ببنتِ شفة، واكتفت بالنظرِ إلى أصابعهِ التي كانت تنزفُ أثراً خفيفاً من ضغطهِ الشديد

ظلَّ السلطانُ ناظراً إلى الرياض، شاردَ الذهن، غارقاً في هواجسهِ التي جعلتهُ ينسى وجودَ أيِّ شخصٍ خلفه. بقيت “شامة” واقفةً في مكانها، لا تتحرك، وتفاصيلُ وجهها التي اعتادت أن تكونَ هادئةً وصارمة، بدأت تتغيرُ مع كلِّ كلمةٍ كان قد تفوّه بها قبل قليل، دون أن تُبديَ أيَّ ردةِ فعلٍ ظاهرة، سوى نظراتِ عينينِ كانتا تتابعانِ المشهدَ بعمقٍ صامتٍ لا يقرأهُ أحد.

بعد لحظاتٍ من الصمتِ القاتل، تراجعت “شامة” إلى الوراء بخطواتٍ وئيدة، واختفت في الممرِّ المظلمِ تماماً كما ظهرت، تاركةً السلطانَ غارقاً في صمته، غيرَ عالمٍ أنها كانت شاهدةً على تلكَ اللحظة.

سارت “شامة” في أروقة القصرِ كمن يمشي في حلمٍ مُزعج. كانت صدى كلماتِ السلطانِ تترددُ في أذنيها، تُنازعها في عقلها صورةُ الوباء الذي يزحفُ كالأفعى في أنحاء القصر. سارعت الخطى، غيرَ أنَّ فكرَها كان مشتتاً بين حرقةِ قلبِ السلطانِ التي لم تتوقعها، وبين نذرِ الموتِ الذي طرقَ أبوابَ الجناحِ المحصن.

وبينما هي غارقةٌ في سهوتها، استوقفها خادمٌ كان يقفُ بوقارٍ عند تقاطعِ الممرات، حنى رأسهُ بإجلالٍ وقال بصوتٍ خفيض:

“مولاتي، نعتذرُ عن مقاطعتك، ولكنَّ هناكَ رسولاً وصلَ للتوِّ من بغداد، ينتظركِ في ‘قاعةِ المخطوطات’.. وقد ألحَّ في طلبِ مقابلتكِ على عجل.”

ما إن نطقَ الخادمُ بكلمةِ “بغداد”، حتى تبددت غشاوةُ الصدمةِ من عيني “شامة” في لمحِ البصر. أطلقت شهقةً مكتومةً كأنما استيقظت من كابوسٍ على حقيقةٍ أخرى أكثرَ إلحاحاً. استقامت قامتها، وتغيرت ملامحُ وجهها من الانكسارِ إلى الحزمِ المطلق. لم تعد تلكَ التي كانت تفكرُ في مرضِ “كنزة” أو اضطرابِ السلطان، بل عادت “شامة” التي تحركُ خيوطَ القصرِ من خلفِ الستار.

استدارت دونَ كلمة، وانطلقت بخطواتٍ واسعةٍ وسريعةٍ نحو القاعة، وثوبها ينسدلُ خلفها بحدةٍ كأنها سيفٌ يُسلُّ من غمده. كانت تعلمُ جيداً ماذا يحملُ ذلكَ الرسول، وتعلمُ أنَّ وصوله في هذهِ اللحظةِ بالذات، وسطَ هذا الهلعِ والوباء، ليسَ محضَ صدفة، بل هو نبأٌ قد يغيرُ مجرى كلِّ شيء.

دخلت القاعةَ بقوة، وما إن انغلقَ البابُ خلفها حتى وقفت أمامَ الرسولِ الذي كان يبدو عليهِ أثرُ السفرِ الطويل، ونظراتُها الحادةُ تخترقُ الغرفةَ بحثاً عن الخبرِ الذي سيحددُ مصيرَ الجميع

ناولها الرسولُ لفافةً من الجلدِ المدبوغ، محكمةَ الإغلاقِ بخاتمٍ لا يخطئه من يعرفُ بختمِ “ابن سينا”. وبجانبها، وضعَ صرةً صغيرةً من القماشِ الخشن، ثقيلةَ الملمس، يفوحُ منها عبقٌ غريبٌ لم تعهده من قبل، رائحةٌ تجمعُ بين عطرِ الأرضِ المبللةِ ومرارةِ الأعشابِ الجبلية.

لم تزد “شامة” على إيماءةٍ شكرٍ صامتة، ثم انطلقت كالسهمِ نحو جناحها. اقتحمت المكانَ وهي لا تكادُ ترى ما حولها، حتى إنها لم تلتفت لـ “دادة رقية” التي كانت تجلسُ في زاويةِ الغرفةِ ترقبُ “قيس” و”مريم” في حيرةٍ وقلق. وقفت “دادة رقية” مذهولةً من حالةِ “شامة” التي بدت كمن فقدت صوابها، وحاولت استنطاقها: يا ابنتي،، ما الخبر؟ ما الذي يجري في أروقةِ القصر؟”.

لكن “شامة” لم تسمع شيئاً؛ كانت أصواتُ القصرِ قد خمدت في أذنيها، ولم يعد يعنيها إلا ما تحملهُ يداها. تهاوت ببطءٍ على صندوقٍ خشبيٍّ قديمٍ في ركنِ الغرفة، غاصت فيه من فرطِ الإرهاقِ والهلع، ووضعت اللفافةَ أمامها.

ارتجفت أصابعها وهي تفكُّ وثاقَ الجلد. بداخلها، وجدت زجاجةً صغيرةً مصقولة، سائلُها يلمعُ ببريقٍ مريبٍ تحت ضوءِ الشمس ، وكأنهُ قطرةٌ من أملٍ وسط ظلامِ الموت. ثم فتحت الكتابَ الصغير، الذي كانت صفحاته تنبضُ بعطرِ الورقِ القديم، ووقعت عيناها على خطِّ “ابن سينا” الشهير في أولِ صفحة:

“إلى ابنةِ القصرِ التي تحملُ همَّ شعبها..

لقد أفنيتُ اللياليَ في مخبري، أصارعُ الزمنَ وأستنطقُ الطبيعةَ سراً وسراً، حتى اهتديتُ إلى هذا المزيج. إنهُ حصادُ أبحاثي، أضعُه بين يديكِ اليوم. لم يمهلني الوقتُ لأجربَهُ بنفسي، فالترياقُ بين يديكِ هو أمانةُ العلمِ وتضحيةُ الحكيم. استودعتكِ اللهَ في أن يكونَ هذا الدواءُ سبباً في نجاةِ من تحبين. وإذا ما كتبَ اللهُ لهُ القبولَ والنجاح، فقد دوّنتُ لكِ في طياتِ هذا السفرِ أسرارَ المكوناتِ ونسبَ الأخلاط، لتصنعي منهُ وتصنعي.. فأنقذي البلاد.”

حبست “شامة” أنفاسها، وشعرت بدمعةٍ حارةٍ تنزلقُ على خدها. كانت الكلماتُ ثقيلةً كأنها وصيةٌ من رجلٍ يرى الموتَ يزحفُ نحو مدينته، ويثقُ بأنها وحدها القادرةُ على تحويلِ هذا الأملِ إلى حقيقة. نظرت إلى الزجاجةِ، ثم إلى “كنزة” التي لا تزالُ تصارعُ في الجناحِ المجاور، وأدركت في تلك اللحظة أنَّ القصرَ بأسرهِ الآن معلقٌ بين يديها، وأنَّ عليها أن تكونَ الحكيمةَ التي تختارُ بين الخوفِ والمغامرة.

ساد صمتٌ خانق في الغرفة، لم يقطعه إلا صوت لعب الأطفال مع “دادة رقية”. كانت “شامة” تحدق في الزجاجة، لكن عينيها كانتا تعكسان لهيباً داخلياً لا علاقة له بالطب أو الحكمة. تراقصت في ذهنها كلمات السلطان “الشداد” قبل قليل، تلك النبرة التي حملت في طياتها خوفاً وانكساراً لم تكن يوماً لتعتقد أنهما من نصيب “كنزة”.

خزّت الغيرةُ قلبَها كخنجرٍ مسموم. تذكرت كيف كان يندبُ حالها، وكيف أمرَ بجمعِ الحكماءِ لإنقاذها، ” تساءلت في سرها، “أهذهِ التي تملأُ القصرَ ضجيجاً وعبثاً، تستحقُ أن يرتجفَ لها قلبُ السلطان؟”.

تلك الأفكار الشيطانية بدأت تنهشُ عقلها؛ فكرت لبرهة: ماذا لو تأخرتُ قليلاً في تجربته؟ ماذا لو كان الترياقُ يحتاجُ إلى وقتٍ كي يُستحضر؟.

بحدةٍ مفاجئة، انتفضت “شامة” من فوق الصندوق. تحولت ملامحها من الانكسارِ إلى قناعٍ من الجليدِ الصقيل. حزمت أمرها، وجمعت شتاتَ روحها التي كادت تزيغُ عن مسارها. خبت الزجاجةَ والكتابَ في قاعِ الصندوقِ الخشبي، وأطبقت عليهِ بقوة، ثم أدارت المفتاحَ ووضعتهُ في خمارها، واثقةً أنَّ أحداً لن يصلَ إلى هذا السرِّ أبداً.

التفتت بطرفِ عينها نحو “دادة رقية”، التي كانت لا تزالُ منهمكةً مع الأطفال، غيرَ آبهةٍ بالمعركةِ التي دارت في خلدِ شامة . تنفست “شامة” بعمق، ومسحت عن وجهها آثارَ الهلع، لترتديَ قناعَ القوةِ والغموضِ من جديد.

نظرت إلى المرآةِ لحظةً، وابتسمت ابتسامةً باردة، ثم توجهت نحو الباب، مستعدةً لمواجهةِ القدرِ الذي هي من ستكتبُ فصوله الآن، لا ابن سينا ولا السلطان.

داخلَ جناحِ “كنزة”، كان المشهدُ أشبهَ بساحةِ معركةٍ صامتة. الغرفةُ غارقةٌ في دخانِ البخورِ النفاذ، والحكماءُ يحيطون بالفراشِ كالأشباح؛ يرتدون أثواباً سميكةً غطت وجوههم بالكامل، ولا تظهرُ منهم إلا عيونٌ قلقةٌ خلفَ أقنعةٍ بدائيةٍ حاولوا بها اتّقاءَ “الهواءِ القاتل”. كلُّ حركاتهم كانت مفعمةً باليأس، يجسّون النبضَ المرتجف، ويضعون ضماداتٍ مبللةً بأعشابٍ حارةٍ على جبينها، لكنَّ وجهها كان يزدادُ قتامةً، وصدرها يئنُّ بصفيرٍ يشي بأنَّ الرئةَ قد بدأت تذوبُ تحت وطأةِ الداء.

اندفعَ الحاجبُ “حسن” نحو الممر، ورغمَ سرعته، كان يحاولُ الحفاظَ على مسافةِ الوقارِ التي تفصلهُ عن السلطان. وجدَ “الشداد” واقفاً في صدرِ الرواق، ظهرهُ للجناح، وقامتهُ توحي بأنَّ الأرضَ بأسرهِا تستمدُّ ثباتها من وقفته. لم يلتفت السلطانُ حين اقتربَ الحاجب، لكنَّ حدةَ حضورهِ كانت كافيةً لتجعلَ الأنفاسَ تتسارع.

السلطان (بصوتٍ منخفضٍ، عميقٍ، يقطرُ صرامةً وهيبة):

“تحدث يا حسن. لا تبحثْ عن مبرراتٍ في عينيك انحنى الحاجبُ “حسن” برأسٍ مطأطأ، وصوتهُ يرتجفُ احتراماً لا خوفاً:

“مولاي، الحكماءُ يقرون بصعوبةِ الحال. الوباءُ أخذَ ينهشُ في جسدها، ويقولون إنَّ الوقتَ يضيق؛ يومانِ هما أقصى ما يُرجى.. والداءُ لا يرقبُ فينا عهداً ولا ذمة.”

كان “الشداد” واقفاً كطودٍ شامخ، لكنَّ عينيهِ كانت تعكسانِ نيراناً لا تخمد.

سادَ المكانَ صمتٌ ثقيلٌ يكادُ يقطعُ الأنفاس. وبحركةٍ خاطفة، ومن دونِ سابقِ إنذار، هوى بقبضتهِ على الحاجزِ الخشبيِّ المُزخرفِ للشرفة. لم تكن ضربةً عشوائية، بل كانت طاقةً هائلةً مُركزة، تلاشت معها متانةُ الخشبِ العتيق؛ تصدّعَ الحاجزُ في لحظةٍ واحدة، وتناثرت شظاياه الخشبيةُ نحو الأسفلِ كأنها بقايا عرشٍ مُحطم، بينما ظلت يدُ السلطانِ معلقةً في الهواءِ لثانيةٍ، تُصدرُ صوتاً خافتاً من حدةِ القوة.

السلطان (بصوتٍ يخرجُ كأنهُ صريرُ سيفٍ يُسحبُ من غمده):

“يومان؟ اللعنة على الوباء ، اللعنة ،، اللعنة على الجميع “

التفتَ نحو الحاجب “حسن” بنظرةٍ احترقت فيها شرارةٌ من الغضبِ المكبوت، كانت نظرةً لو وُجهت لجبلٍ لأذابته:

“لن يموت احد،، لن يحصد هاذا الوباء اللعين المزيد من الارواح”

على بُعدِ خطواتٍ منه، كانت “شامة” قد وصلت. توقفت في الظلِّ، متسمرةً في مكانها، تراقبُ مشهدَ تحطمِ الخشبِ تحت قبضته. لم يغب عنها كيف أنَّ ذلكَ السلطانَ المهيب، الذي يرتعدُ له الملوك، قد فَقَدَ توازنهُ الداخليَّ لأجلِ امرأة. كانت تسمعُ أنفاسهُ المتسارعة، وتلمسُ بصيرتها ذاك البركانَ الذي يغلي في أعماقه.

تسمّرت “شامة” وهي تستمعُ إلى الحوار، وفي كلِّ كلمةٍ كان يلفظها، كانت نارُ الغيرةِ في قلبها تشتعلُ لتأكلَ بقايا الرحمة. شعرت بضيقٍ في صدرها، وببرودةٍ تسري في أطرافها؛ كان حبهُ وخوفُه على “كنزة” يظهرانِ أمامها كإهانةٍ صريحةٍ لمكانتها.

قبضت على أطرافِ ثوبها بقوةٍ لدرجةِ أنها كادت تمزقه، وأغمضت عينيها لتكتمَ “تشفيها” الذي كان يكادُ يخرجُ كابتسامةٍ شيطانية. لقد كان غضبهُ عليها بمثابةِ حطب لكرِهها لـ “كنزة”، وفي تلكَ اللحظةِ من التوترِ العالي، أدركت أنَّ “الترياق” الذي في حوزتها ليس مجردَ دواء، بل هو أداةُ انتقام.

أرادت أن تصرخَ في وجهه: “أهذا هو الشداد؟ تكسرُ الخشبَ خوفاً على امرأة ؟ اهذا وحبك لي؟ لكنها ابتلعت غيظها، ورسمت على وجهها قناعاً من الجمودِ الأليم. كانت “شامة” في قمةِ دهائها؛ فقد كانت تتلذذُ برؤيةِ انكسارِ السلطان، وتتغذى على حيرته، وفي الوقتِ ذاته، كانت تقررُ بدقةٍ متى ستلقي بـ “طوق النجاة”لتجعلهُ مديناً لها بحياته، لاكن بعد وداع كنزة الى الابد

تراجعت خطوةً إلى الخلف، وعيناها لا تزالانِ مثبتتينِ على ظهرهِ القويِّ الذي كان يهتزُّ بعنفٍ داخلي، متمتمةً بصوتٍ خفيّ:

ستعرفُ يومها أنَّ الوباءَ أهونُ بكثيرٍ من غيرةِ امرأةٍ قررت أن تكونَ هي القدر.”

“الشداد” نحو ديوان القصر بخطواتٍ زلزلت أركانَ الممرات، كان يمشي كأنما يجرُّ خلفه أذيالَ عاصفةٍ لا تُبقي ولا تذر. الحاجبُ “حسن” كان يتبعهُ كظلٍّ صامت، يحني رأسهُ بوقارٍ، يدركُ أنَّ أيَّ حركةٍ غيرَ محسوبةٍ قد تثيرُ بركانَ السلطان.

وما إن دخلا الديوانَ، حتى اتجهَ السلطانُ نحو عرشهِ الصغيرِ الذي كان يترأسهُ في اجتماعاتِ الأزمات. لم يجلس، بل وقفَ أمام الخرائطِ الممتدة، يضربُ بيدهِ على الطاولةِ بقوةٍ جعلت الأقلامَ والمحابرَ تتراقص.

أينَ الرسلُ الذين وعدونا بخرائطِ الأوبئةِ والترياق؟ لقد طالَ الانتظارُ حتى صارَ كالخنجرِ في الظهر! ألا يدركون أنَّ كلَّ نبضٍ في هذا القصرِ الآنَ يرقبُ وصولَ مرسولِهم؟”

كان غضبهُ في تلكَ اللحظةِ قد بلغَ ذروته، فكلُّ دقيقةٍ تمرُّ دونَ حلٍّ هي اعتداءٌ مباشرٌ على هيبتهِ وسلطانه. وبينما كان الصمتُ المخيفُ يعمُّ أرجاءَ الديوان، دُقَّ البابُ بهدوء ، وخرَّ ساجداً عند مدخلِ الديوانِ قبلَ أن يجرؤَ على رفعِ رأسه.

عذراً للمقاطعة. لقد وصلَ رسولٌ من بغداد، يقفُ الآنَ عند البواباتِ الخارجية. يطلبُ الإذنَ بالانصرافِ أو البقاء، ويستفسرُ إنْ كانَ لمولاي أمرٌ خاصٌّ يحملهُ معه قبلَ أن يُغادر.”

تجمدَ “الشداد” في مكانه، وضاقت عيناهُ ببريقٍ ثاقبٍ كأنما لمعَ في ذهنهِ احتمالٌ لم يكن بالحسبان. التفتَ نحو الحاجب “حسن” بنظرةٍ أمرتهُ بالاستعداد، ثم زجرَ الخادمَ بصوتٍ جهوري:

“أدخلهُ فوراً! لا يغادرِ القصر، ولا يخطُ خطوةً خارجَ أسوارهِ حتى يمثلَ بين يدي! إن كانَ يحملُ خبراً أو رسالة، فليكن عاجلاً.. فاليومَ لا أقبلُ التأخير!”

في تلكَ اللحظة، تحولت حدقةُ عينِ السلطانِ إلى ثقبٍ أسودَ يبتلعُ كلَّ أملٍ أو يأس، وأدرك أنَّ بغدادَ قد تكونُ هي المفتاحَ الذي يكسرُ حصارَ الوباء، أو ربما هي الجحيمُ الذي ينتظرُ ليلتهمَ ما تبقى من هيبته.

دلفَ الرسولُ إلى الديوانِ بخطواتٍ موزونة، رغم ما بدا عليهِ من وعثاءِ السفر. انحنى أمامَ “الشداد” انحناءةً تليقُ بمقامِ السلطنة، لكنَّ عينيهِ لم تخطئا الغيومَ السوداءَ التي تلبدَّ بها وجهُ السلطان، ولا الاضطرابَ الذي كانَ يرتسمُ على ملامحِ الحاجب “حسن” الواقفِ كتمثالٍ من حديد.

لم ينتظر “الشداد” مقدمات، فجاء صوتهُ كأنهُ رعدٌ يسبقُ العاصفة:

“أينَ ردُّ ‘ابن سينا’؟ أينَ الترياقُ الذي يطفئُ هذهِ النار؟”

ارتبكَ الرسولُ للحظة، ورفعت عيناهُ عن الأرضِ في ذهولٍ غيرِ مصدق.

ابتلعَ ريقهُ بوقار، وقال بنبرةٍ خافتة:

“يا مولاي.. لقد أديتُ الأمانةَ التي حملتني إياها يدا الحكيم ‘ابن سينا’. لقد سلمتُ اللفافةَ والكتابَ بيدي ليدِ السيدة ‘شامة’ قبل قليل، فقد كانَ ذلكَ بناءً على وصيةٍ خاصةٍ من الحكيمِ نفسه.”

سادَ صمتٌ مطبقٌ في القاعة، كأنَّ الهواءَ قد انقطعَ عنها. اتسعت عينا السلطانِ قليلاً، لا شكاً، بل دهشةً من تدابيرِ القدر. استقامَ في وقفته، ونظرَ إلى فراغٍ أمامهُ لثوانٍ، ثم زفرَ نفساً طويلاً كانَ يحبسُه منذُ ساعات.

السلطان (بنبرةٍ بدت أخفَّ وطأةً، وقد خفت حدةُ غضبه):

“إذاً.. قد وصلت في ميقاتها. لقد سخرَ اللهُ لنا مخرجاً من حيثُ لا نحتسب.”

لم يدر بخلدِ السلطانِ للحظةٍ أنَّ “شامة” قد تُخفي هذا النورَ في صندوقها الخشبيّ. ظنَّ أنَّ الحكمةَ قد اختارت أوعى نسائهِ لتكونَ حارسةَ الأمل. التفتَ إلى “حسن” بنظرةٍ أمرة:

“يا حسن.. نادِ على ‘شامة’ في الحال! قل لها أن تحضرَ الأمانةَ وتأتي إلينا فوراً، ومعها كلُّ ما تحملهُ تلكَ اللفافة. إن كانَ في تلكَ الأسطرِ حياة، فاليومَ سنعيش، وإن كانَ غيرَ ذلك.. فليستعد القصرُ لمواجهةِ قدرهِ الأخير.”

أومأ “حسن” برأسهِ وانطلقَ كالسهم، بينما ظلَّ “الشداد” واقفاً في قلبِ الديوان، يواجهُ المصيرَ بشموخ، غيرَ مدركٍ أنَّ ‘شامة’ التي يثقُ بحكمتها، تجلسُ الآن في غرفتها، تحتضنُ مفتاحَ النجاةِ ومفتاحَ الانتقامِ في آنٍ واحد، وتزنُ كلماتِ السلطانِ بميزانِ غيرتها القاتل.

وصلَ الحاجبُ “حسن” إلى بابِ جناح “شامة”، وبدا صوتُ طرقهِ على البابِ قوياً ومستعجلاً، يحملُ نذرَ الضرورة. ما إن فُتحَ البابُ، حتى استقبلته “شامة” بنظرةٍ مترقبة، لكنَّ كلماتِ “حسن” جاءت كالصاعقة:

“السلطانُ يستدعيكِ يا مولاتي، في الحال. الديوانُ بانتظارك، ومعكِ ما أرسلهُ ابنُ سينا.. الأمرُ لا يحتملُ التأجيل، فكلُّ نبضٍ في القصرِ موقوفٌ على ما في يديكِ الآن.”

تراجعت “شامة” لثانية، ودهشةٌ لا تُوصف ارتسمت على ملامحها؛ كيف علموا بالرسالة؟ كيف وصلت الأخبارُ للديوان بهذه السرعة؟ لكنها سرعان ما استجمعت قواها. قالت بصوتٍ حاولَ أن يخفيَ ارتباكها:

“نعم.. سأحضرُه فوراً. كنتُ أنتظرُ استدعاءَ السلطان، فهو أمانةٌ في حوزتي.”

أغلقت البابَ خلفها، واندفعت نحو الصندوق. وما إن فتحتهُ حتى وقعت عيناها على الزجاجةِ والكتاب، فكست وجهها ملامحُ الغيظِ المكتوم. لعنت حظها في سرها، وألقت نظرةً حارقةً على الزجاجة؛ كانت ترغبُ في أن تظلَّ هي المتحكّمةَ في هذا السر، أن تكونَ هي “المنقذَة” في اللحظةِ التي تختارها، لا في اللحظةِ التي يفرضها عليهم القصر.

بخطواتٍ متسارعة، وبقبضةٍ توشكُ أن تحطمَ ما في يدها من شدةِ الغضب، خرجت من الجناح. دخلت الديوانَ وقد رسمت على وجهها قناعاً من العجلةِ المفتعلة، وكأنها كانت تسابقُ الريحَ لتصلَ إلى السلطان.

كان “الشداد” يقفُ بوقارٍ، وعيناهُ تشتعلانِ بترقبٍ نادر. ما إن رأى “شامة” تدخلُ وهي تحملُ الكتابَ والزجاجة، حتى تقدمَ نحوها خطوةً واحدة، وسألَ بنبرةٍ يملؤها مزيجٌ من الأملِ والخوف:

“يا شامة.. أهذا هو ردُّ الحكيم؟ هل بين يديكِ ما يوقفُ هذا الزحفَ القاتل، أم أننا نقفُ حقاً على حافةِ الهاوية؟”

بلعت “شامة” ريقها، وشعرت بأنَّ الجدرانَ تضيقُ عليها. أدركت في تلك اللحظة أنَّ الكذبَ لم يعد خياراً، وأنَّ حياةَ القصرِ -بما فيهم “كنزة”- أصبحت الآن معلقةً بكلمتها. تنفست بعمق، وقالت بنبرةٍ واثقةٍ رغم مرارةِ ما في قلبها:

“نعم يا مولاي.. هذا هو الترياقُ الذي صنعهُ ابنُ سينا بيده. أرسلَ معه هذا الكتابَ الذي يحوي أسرارَ المكونات، لكنَّ الحكيمَ كان صادقاً في قوله: هذا الترياقُ لم يُجرّب بعد. نحنُ اليومَ أمامَ معضلةِ الحياةِ أو الموت؛ إن صدقَ حدسُ الحكيم، سنخرجُ من هذه الأزمة، وإن خاب.. فاللهُ المستعان.”

التفتَ السلطانُ نحو القبلةِ لثانية، ثم عادَ ببصرهِ إليها، وقد استحالَ غضبهُ سكينةً مهيبة، فقال بنبرةٍ تفيضُ ورعاً وشهامة:

إن كانَ في هذا الدواءِ نجاة، فليكن البدأُ بها، لا استهتاراً بحياتها، حاشا لله، بل إيماناً بأنَّ اللهَ جعلَ لكلِّ داءٍ دواءً، وساقَ إلينا الحكيمَ في ساعتنا هذهِ لتكونَ سبباً في إحياءِ هذهِ الروح. إنَّ قلبي ليحدثني أنَّ القضاءَ والقدرَ قد تلاقيا هاهنا، وأنَّ في يمينكِ هذا بلسماً سيجبرُ كسرَنا، لا أنَّنا نختبرُ بهِ أجلاً محتوماً.”

تراجعت “شامة” خطواتٍ إلى الوراء، وقد شعرت بأنَّ كلماته قد وضعت على عنقها طوقاً من نار؛ فالسلطانُ لم يطلبْ منها إجراءً طبيًّا، بل أوكلَ إليها أمانةً شرعيةً وأخلاقيةً أمامَ مسمعِ القصرِ أجمع، مما جعلَ تراجعها أو خيانتها أمراً مستحيلاً.

داخلَ الجناحِ الذي خيَّمَ عليهِ صمتُ القبور، كانت “كنزة” مسجاةً فوقَ فراشِها كوردةٍ ذابلةٍ لفحتها سمومُ الوباء. وجهُها الذي كان يضجُّ بالحياةِ غدا شاحباً كشحوبِ القمرِ في ليلةِ خسوف، وعيناها اللتانِ كانت تلمعانِ كاللؤلؤِ قد غارتا في محجريهما. اصطفَّ الحكماءُ حولَ الفراشِ، يرتدون أثوابهم البيضاءَ التي بدت في عيونِ السلطان -الواقفِ عند البابِ كتمثالٍ صامدٍ من ألمٍ وقوة- أشبهَ بأكفانِ الأمل. كانت أيديهم المرتجفةُ تمسكُ بالزجاجةِ التي احتوت ترياقَ “ابن سينا”، قطراتٌ معدودةٌ تحملُ في جوفها مصيرَ قصرٍ بأكمله.

رفعَ كبيرُ الحكماءِ رأسَه، ونظرَ إلى السماءِ بقلبٍ خاشع، وانطلقت من حنجرتهِ ومن أفواههم جميعاً أصواتٌ متهدجةٌ بالدعاء، تملأُ المكانَ بوقارِ التضرع:

“اللهم يا مبرئَ الأرواحِ من الأسقام، ويا كاشفَ الضرِّ عن عبادك.. يا مَن لا يُعجزهُ داء، نضعُ هذهِ الأسبابَ بين يديك، فاجعلها ببركتكِ دواءً، وبفضلكَ شفاءً.. الله أكبر، الله أكبر، يا حيُّ يا قيوم، بيدك الشفاءُ وحدك.”

سادَ إجماعٌ من الخشوع؛ كبَّروا وسبَّحوا، وكانت أصواتهم المكتومةُ تترددُ في جنباتِ الغرفةِ كأنها رجاءٌ أخير. اقتربَ الحكيمُ الأكبرُ من “كنزة”، وبحذرِ من يمسكُ بجمرةٍ لا يريدُ أن يطفئها، رفعَ رأسها قليلاً لتستقرَّ على وسادتها.

ارتجفت يدهُ وهو يقربُ الجرعةَ الأولى من شفتيها الجافتينِ اللتينِ صبغتهما زرقةُ المرض. سكنت الأنفاسُ في القصرِ بأسره

تسربت القطراتُ ببطءٍ شديد.. قطرةٌ.. ثم أخرى.. امتزجت بمرارةِ الداء، بينما ظلت أعينُ الجميعِ معلقةً بملامحِ “كنزة”، يرقبون أيَّ إشارةٍ من الروحِ التي توشكُ على الأفول. كانت لحظةً تجمَّدَ فيها الزمن، لحظةً لا يفصلُ بين الحياةِ والموتِ فيها سوى قطرةِ دواءٍ وحسرةِ دعاء.

بعد أن جُرعت “كنزة” الترياق، أُغلق بابُ الجناحِ بإحكام، وانسحب الحكماءُ إلى الداخل؛ فهم وحدهم المخولون بالبقاءِ في تلكَ الغرفةِ الموبوءة، متلفعين بأثوابهم الواقيةِ التي تعزلهم عن عوادي الزمانِ والمكان. في الخارج، خلت الأروقةُ من أيِّ حركة، وسادَ صمتٌ جنائزيٌّ لا يكسرهُ إلا وقعُ أقدامِ الحراسِ المتباعد.

أما السلطانُ “الشداد”، فقد غادرَ المكانَ بوقارٍ يلفُّه الغموض، متوجهاً نحو الديوان. لم يكن انسحابُه ضعفاً، بل كانَ انحيازاً لهيبةِ العرشِ التي تأبى أن تُرى في لحظاتِ الانكسارِ أو الترقبِ البشري. جلسَ هناكَ، خلفَ طاولتهِ الخشبيةِ العتيقة، ويداهُ متشابكتانِ بعد أن جُرعت “كنزة” الترياق، أُغلق بابُ الجناحِ بإحكام، وانسحب الحكماءُ إلى الداخل؛ فهم وحدهم المخولون بالبقاءِ في تلكَ الغرفةِ الموبوءة، متلفعين بأثوابهم الواقيةِ التي تعزلهم عن عوادي الزمانِ والمكان. في الخارج، خلت الأروقةُ من أيِّ حركة، وسادَ صمتٌ جنائزيٌّ لا يكسرهُ إلا وقعُ أقدامِ الحراسِ المتباعد.

أما السلطانُ “الشداد”، فقد غادرَ المكانَ بوقارٍ يلفُّه الغموض، متوجهاً نحو الديوان. لم يكن انسحابُه ضعفاً، بل كانَ انحيازاً لهيبةِ العرشِ التي تأبى أن تُرى في لحظاتِ الانكسارِ أو الترقبِ البشري. جلسَ هناكَ، خلفَ طاولتهِ الخشبيةِ العتيقة، ويداهُ متشابكتانِ فوقَ صدره، وعيناهُ ترنوانِ إلى الخرائطِ المعلقة، وكأنَّ عقلهُ يصارعُ الوباءَ في ساحاتٍ أبعدَ من حدودِ القصر. الحاجبُ “حسن” كان يرابطُ عند بابِ الديوان، لا يفارقهُ، كحارسٍ للسرِّ والقرار.

مضت الساعاتُ كأنها دهور، ونصفُ النهارِ يمضي ثقيلاً تحتَ وطأةِ الانتظار. وفجأة، انكسرَ السكونُ بركضٍ متسارعٍ من جهةِ الأجنحةِ الملكية. كان أحدُ العبيدِ الموكلين بخدمةِ الجناحِ يندفعُ كالسهم، يلهثُ وقد علت وجهه آثارُ الدهشةِ التي لا تكادُ تُصدق.

ما إن وصلَ إلى بابِ الديوان، حتى استوقفهُ الحاجبُ “حسن” بيدهِ الممدودة، طالباً التريث، لكنَّ العبدَ لم يملك صبراً:

“يا حاجب.. يا مولاي! الخبر! الخبرُ السارُّ من داخلِ الحُجب!”

لم ينتظر “حسن” أن يدخلَ العبدُ على السلطان، بل التقطَ الخيطَ من عينيهِ المشتعلتينِ بالفرحِ والذهول. دفعَ “حسن” بابَ الديوانِ بقوةٍ غيرِ معهودةٍ في حضورِ “الشداد”، ودخلَ بخطواتٍ بدت متهدجةً لأولِ مرة، ووجهه يفيضُ بالبشرى:

“مولاي! يا سيدَ القصر.. لقد جاءت الأنباءُ من الداخل! الروحُ التي كانت على حافةِ العدمِ عادت لتستقرَّ في جسدها! الحكماءُ يقرون بأنَّ مفعولَ الترياقِ قد سَرى في عروقها، وأنَّ الوباءَ قد انكسرت شوكتهُ، وحرمكم السيدة “كنزة “قد فتحت عينيها على الحياةِ من جديد!”

توقفَ الزمنُ في الديوان. “الشداد” الذي كان كالجبلِ في ثباته، اهتزت ملامحهُ اهتزازةً خفيفة، تلك التي لا يراها إلا من يعرفُ عمقَ ما في قلبه. استقامَ في جلستهِ وقفةً أطولَ وأشمخ، وكأنَّ ثقلاً كان ينوءُ بهِ قد انزاحَ عن صدرهِ وعن سماءِ بلادهِ بأكملها.

السلطان (بصوتٍ عميق، يملؤه الهدوءُ والظفر):

“الحمدُ لله.. الحكيمُ لم يخذلنا، والقدرُ قد طوعناهُ بفضلِ الله. يا حسن، أبلغ الحكماءَ أنَّ لهم في خزائنِ السلطانِ ما يطيبُ لهم، وأعلن في القصرِ أنَّ الغمةَ قد انقشعت.. فاليومَ، عادَ الحياةُ إلى قلبِ القصر، وعادت الهيبةُ إلى كلِّ ركنٍ من أركانِ مملكتنا.”

استدارَ “الشداد” نحو نافذتهِ العالية، يطلُّ على مدينتهِ التي بدأت تستفيقُ من كابوسِ الموت، بينما كان “حسن” يخرجُ لتنفيذِ الأمر، وقلبُ “شامة” -التي كانت لا تزالُ حبيسةَ تلك الغرفةِ المليئةِ بالشفاء- يحترقُ في صمتٍ، مدركةً أنَّ “كنزة” قد عادت، وأنَّ اللعبةَ الآن قد تغيرت قواعدها تماماً.

انقشعت غيومُ الموتِ السوداء عن سماءِ المملكة، وبدأ نورُ الأملِ يتسللُ إلى القلوبِ التي كادت تُنهشُ من الرعب. وكأنَّ القصرَ قد خرجَ من نفقٍ مظلم، تحولت أروقتهُ التي كانت تعجُّ بأنفاسِ الوباء، إلى ساحةٍ لاستعادةِ الحياةِ ونظمِ العافية.

بينما كانت “كنزة” تستردُّ عافيتها ببطء، انكبَّ الحكماءُ في ديوانِ الطبِّ على المخطوطاتِ التي أرسلها “ابن سينا”. لم تعد الوصفةُ لغزاً، بل أصبحت دستوراً للنجاة. وبإشرافٍ مباشرٍ من “الشداد”، الذي حرصَ على أن تصلَ الأيادي الأمينةُ إلى كلِّ ركنٍ في أطرافِ البلاد، بدأت القوافلُ الطبيةُ تُجهّزُ على عجل.

حُمّلت الخيولُ بالترياقِ المستخرجِ من قلبِ تلكَ الوصفة، وانطلقت الرسلُ في كلِّ اتجاه، يحملونَ معهم النجاةَ للمدنِ والقرى البعيدة. وكأنَّ عدوى الشفاءِ أسرعُ انتشاراً من عدوى الوباء؛ ففي كلِّ إقليمٍ دخلهُ الدواءُ، كان الناسُ يستقبلونهُ كأنَّ السماءَ قد أمطرت رحمةً بعد جدب.

في القصر، تلاشت تلك الغيمة التي كانت تملأُ المكانَ توتراً وضيقاً. عادت الأصواتُ إلى الأروقة، وعادَ البخورُ الطيبُ ليطردَ رائحةَ الدواءِ النفاذة، وبدأ القصرُ يستعيدُ ضجيجهُ المعتاد.

لم يعد “الشداد” ذلك الرجلَ الذي يحبسُ أنفاسهُ خلفَ الجدران، بل عادَ لممارسةِ مهامهِ بوقارٍ أكبر، واثقاً بأنَّ مملكتهُ قد تجاوزت أعظمَ اختبارٍ واجهتهُ في عهده. أما “شامة”، فكانت تراقبُ هذا التحولَ من بعيد؛ تراقبُ كيفَ أنَّ الموتَ الذي كان قابَ قوسينِ أو أدنى، قد هُزمَ أمامَ قلمِ “ابن سينا”كانت تدركُ أنَّ هذهِ العودةَ للحياةِ ليست مجردَ شفاءٍ لـ “كنزة”، بل هي إيذانٌ ببدءِ مرحلةٍ جديدةٍ داخلَ القصر، مرحلةٌ ستكونُ فيها هي، بكلِّ ما تحملهُ في صدرها من مشاعرَ متناقضة، شاهدةً على أنَّ القدرَ قد يمنحُ الفرصَ للجميع، لكنَّ القوةَ الحقيقيةَ لمن يعرفُ كيفَ يمسكُ بزمامِ لعبتهِ في الوقتِ المناسب.

سادَ الهدوءُ أخيراً، وعادت المملكةُ لتتنفسَ الصعداء، بينما ظلَّ كتابُ الترياقِ رمزاً لانتصارِ الحكمةِ على العجز، وبدايةَ حقبةٍ جديدةٍ طُويت فيها صفحاتُ الوجعِ إلى الأبد.

خفتَ صخبُ القصرِ الذي أعقبَ انقشاعَ غمةِ الوباء، وحلَّ مكانهُ هدوءٌ وقورٌ يملؤه الامتنان. كان السلطانُ “الشداد” يدركُ في قرارةِ نفسه أنَّ الخلاصَ لم يأتِ من فراغ، بل من حكمةِ امرأةٍ أبت إلا أن تفتحَ باباً للنجاةِ حينما أوصدت الدنيا أبوابها.

في جناحها الهادئ، كانت “شامة” تجلسُ في عزلةٍ تامة. كانت ملامحها هادئةً كسطحِ بحيرةٍ راكدة، لكنَّ في أعماقها كانت هناكَ عواصفُ لا تهدأ. انتصارُ الترياقِ كان انتصارها، لكنَّ نجاةَ “كنزة” كانت هزيمةً لآمالها الدفينة. كانت تتجرعُ مرارةَ اعترافها بفضلِ نفسها أمامَ السلطان، بينما قلبها يشتعلُ غيرةً على “الشداد” الذي لم يرَ في تلكَ الأيامِ المظلمةِ إلا حياةَ زوجته.

خفتَ صخبُ القصرِ الذي أعقبَ انقشاعَ غمةِ الوباء، وحلَّ مكانهُ هدوءٌ وقورٌ يملؤه الامتنان. كان السلطانُ “الشداد” يدركُ في قرارةِ نفسه أنَّ الخلاصَ لم يأتِ من فراغ، بل من حكمةِ امرأةٍ أبت إلا أن تفتحَ باباً للنجاةِ حينما أوصدت الدنيا أبوابها.

في جناحها الهادئ، كانت “شامة” تجلسُ في عزلةٍ تامة. كانت ملامحها هادئةً كسطحِ بحيرةٍ راكدة، لكنَّ في أعماقها كانت هناكَ عواصفُ لا تهدأ. انتصارُ الترياقِ كان انتصارها، لكنَّ نجاةَ “كنزة” كانت هزيمةً لآمالها الدفينة. كانت تتجرعُ مرارةَ اعترافها بفضلِ نفسها أمامَ السلطان، بينما قلبها يشتعلُ غيرةً على “الشداد” الذي لم يرَ في تلكَ الأيامِ المظلمةِ إلا حياةَ زوجته.

طُرق البابُ طرقةً خفيفةً ومعتادة، ثم دلفَ السلطانُ بخطواتٍ رزينة. لم يكن يرتدي في تلكَ اللحظةِ ثوبَ الهيبةِ العسكرية، بل كانَ يحملُ في عينيهِ نظرةَ اعترافٍ وتقديرٍ إنسانيٍّ صادق.

السلطان (بصوتٍ منخفض، يملؤه التقدير):

“جئتُ إليكِ يا شامة، لا لأطمئنَّ على حالكِ فحسب، بل لأقرَّ بالحقِّ لأهله. لقد غابَ عني في غمرةِ الحزنِ والخوفِ أنَّ النورَ الذي أخرجنا من ذاك النفقِ المظلم، كان قد نبعَ من مشورتكِ الصائبة. لولا إشارتكِ بمراسلةِ ابن سينا، لظلت ديارنا اليومَ ترثي أطلالها.”

توقفت “شامة” عن التحديقِ في الفراغ، ورفعت عينيها إليهِ ببطء. لم تبدُ عليها علاماتُ الغبطةِ التي قد يتوقعها ملك، بل كان وجهها يحملُ قناعاً من الرزانةِ المجبولةِ بالوجع.

شامة (بنبرةٍ هادئةٍ وواثقة):

“ما فعلتُهُ يا مولاي لم يكن إلا واجباً يمليهِ عليَّ ولائي لهذا القصرِ وما فيه. لا أرجو جزاءً ولا شكوراً، يكفيني أنَّ المملكةَ تنفست الصعداء، وأنَّ الأمانةَ التي استودعناها قد آتت أُكُلَها.”

اقتربَ منها السلطان، ووقفَ بمسافةٍ تُحفظُ فيها الهيبةُ والمودة، وأضافَ بنبرةٍ تكادُ تلمسُ أوتارَ قلبها:

“إنَّ الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه. لقد كنتِ لي في تلكَ الأيامِ ركناً شديداً حينَ مالت بي السبل. لا يغفلُ السلطانُ عن مكرُمةٍ كهذه، وستظلُّ هذهِ المأثرةُ محفورةً في ذاكرتي، شاهداً على رجاحةِ عقلكِ الذي أُنقذت بهِ الأرواحُ حينَ خذلَنا كلُّ شيء.”

نظرت إليه “شامة” بعمق، وكأنها تبحثُ في عينيهِ عن شيءٍ أبعدَ من كلماتِ الشكر. كان الشكرُ يبردُ غيظها مؤقتاً، لكنه كان يذكّرها أيضاً أنها أنقذت حياةَ غريمتها بيدها. خفضت بصرها بوقار، وقد شعرت بأنَّ السلطانَ -دون أن يدري- قد وضعها في مكانةٍ لا يجرؤُ أحدٌ على منازعتها فيها، وهي مكانةُ “المرأةِ التي لا يستغني عنها”، حتى وإن كانت في أعماقها تذوي ألماً من حبٍّ لم يُنصفها.

خيمَ صمتٌ مهيبٌ على أركانِ الجناح، لم يقطعهُ إلا أنفاسُهما المتسارعة. كان السلطانُ “الشداد” يرى فيها في تلكَ اللحظةِ أكثرَ من مجردِ زوجةٍ أو مستشارة؛ كان يرى فيها ذلكَ الجبلَ الذي استندَ إليهِ حينَ كادت الأرضُ تميدُ به.

تقدمَ خطوةً أخرى، وفي عينيهِ بريقُ امتنانٍ . انحنى بهيبةٍ الملوك، وطبعَ قبلةً طويلةً وقورةً على جبينها، كانت بمثابةِ عهدٍ لا يُنقض. لم يتوقفْ عند هذا الحد، بل أخذَ يديها بين كفيهِ القويتينِ وقبلهما في حركةٍ تحملُ أسمى آياتِ التقديرِ والاعترافِ بالجميل، وكأنما يُقبّلُ اليدَ التي كُتبت على كفّها نجاةُ مملكته.

في لحظةِ ضعفٍ إنسانيٍّ جارف، استجمعَ “الشداد” وقارهُ وانحنى ليضمَّها إلى صدرهِ ضمةً قوية، ضمةً اختلطَ فيها وجدُ الرجلِ بهيبةِ السلطان. كان في صدرهِ -الذي طالما كان درعاً للجميع- نبضٌ متسارعٌ يشي بما لم تفصح عنه الكلمات.

أغمضت “شامة” عينيها، وشعرت بجسدها يرتجفُ بين ذراعيه. كانت في تلكَ اللحظةِ تعيشُ تناقضاً قاتلاً؛ فبينما كانت تسعى للانتقامِ والتميز، وجدت نفسها تذوبُ في هذا العناقِ الذي طالما تاقت إليه. كان العناقُ دافئاً، لكنَّ مرارةَ الواقعِ في قلبها كانت لا تزالُ عالقة السلطان (بصوتٍ متهدجٍ، يهمسُ بقربِ أذنها):

“لقد كنتِ لي حصناً في وقتِ الشدائد.. واليوم، لا أريدُ لأيِّ غيومٍ أن تعكرَ صفوِ ما بيننا. لقد أنقذتِ القصر، وأحييتِ الأمل، فكيفَ لا يكونُ لكِ المقامُ الأسمى في قلبي؟”

بينما كانت يداهُ تحيطانِ بخصرها، كان يشعرُ بمدى أهميتها لديه؛ فهي لم تكن يوماً بالنسبة له مجردَ زوجة، بل كانت “النظيرة” التي تدركُ صمتَه قبلَ كلامه، وتعرفُ كيفَ تُسكنُ اضطرابَ نفسه.

أما “شامة”، وفي لحظةِ الصفاء تلك، تلاشت كلُّ خططها للانتقامِ والتشفي. ذابت قسوتها، وتلاشت جدرانُ الغيرةِ التي شيدتها حولَ نفسها، ولم يبقَ سوى تلكَ المرأةِ التي تحبُّ السلطانَ حباً يلامسُ حدودَ الجنون. لقد كانت تدركُ -وهي تستنشقُ عبيرَ ثيابهِ المهيبة- أنها تحبهُ أكثرَ مما يُحبُّها، وأنَّ هذا الحبَّ هو سرُّ قوتها وضعفها في آنٍ واحد.

السلطان (وهو يبتعدُ قليلاً لينظرَ في عينيها، بنبرةٍ غلبت عليها العاطفة):

“لطالما ظننتُ أنَّ السلطةَ تمنحنا كلَّ شيء، لكنني أدركتُ الآن أنَّ كلَّ كنوزِ الأرضِ لا تساوي لحظةً واحدةً أجدُ فيها أماني بين يديك. لقد كنتِ لي النورَ في عتمةِ هذا الوباء، وستبقينَ لي الروحَ التي بها يستقيمُ ملكي.”

أطرقت “شامة” برأسها، وكانت دموعٌ حبيسةٌ تلمعُ في جفنيها، دموعُ حبٍّ خالصٍ لا تشوبه شائبةُ السياسة. أدركت في تلكَ اللحظةِ أنَّ معركتها مع “كنزة” كانت مجردَ فصلٍ صغيرٍ في قصةِ حبٍّ أزليٍّ بينها وبين “الشداد”، قصةٍ ستُكتبُ بحروفٍ من عزةٍ ووفاء.

لم تكن كلماتُها لتسعفها، لكنَّ ضمتها له، التي ازدادت تشبثاً وقوة، كانت أبلغَ من كلِّ خطاباتِ القصور. وفي تلكَ الغرفةِ المعزولة، لم يكن هناكَ سلطانٌ وحاجبة، بل كان هناكَ قلبانِ وجدا في بعضهما الملاذَ الأخير، بعيداً عن أشباحِ الموتِ وصراعاتِ الحياة.

انفرجت أبوابُ جناح “كنزة” عن هدوءٍ ملكيٍّ لم يشهد القصرُ له مثيلاً منذ زمن. تقدمَ “الشداد” بخطواتٍ واثقة، تتبعهُ “شامة” التي كانت ملامحها تحملُ خليطاً غامضاً من الهدوءِ الظاهريِّ والترقبِ الدفين.

ما إن تجاوزا العتبةَ حتى انحنى الخدمُ والوصيفاتُ في خشوعٍ تام، ورؤوسهم مائلةٌ نحو الأرضِ توقيراً للمقام. وفي صدرِ الغرفة، وسطَ فراشٍ من الحريرِ الفاخرِ المطرزِ بخيوطِ الذهب، استقرت “كنزة”.

لم تكن “كنزة” التي خرجت من أتونِ الوباء هي ذاتها التي دخلته؛ فقد بدا وكأنَّ المرضَ قد صقلَ جمالها، لا أنَّه أنهكها. كانت كأنها قطعةٌ من ضياء، ببشرةٍ تضجُّ ببياضٍ ناصعٍ كاللؤلؤ، وصفاءٍ عجيبٍ في وجهها الذي استردَّ براءتهُ الطفولية. بريقٌ سحريٌّ كان يرقصُ في عينيها الواسعتين، يشي بانتصارِ الروحِ على الموت، بينما كانت خصلاتُ شعرها الأسودِ الطويلِ تنسدلُ فوقَ كتفيها كأنها ليلٌ حالكٌ يغفو على صفحاتِ الثلج، يفوحُ منهُ أريجٌ زكيٌّ يملأُ أرجاءَ الجناح.

كانت ترتدي قميصاً من الحريرِ الخفيفِ الرقيق، ينسابُ على جسدها بنعومةٍ تزيدُ من إشراقها. وبمجردِ أن وقعت عيناها على “الشداد”، تفتحت ملامحها عن ابتسامةٍ عذبة، ابتسامةِ من رأى الموتَ وعادَ ليعانقَ الحياةَ من جديد. لم تكن مجردَ امرأةٍ جميلة، بل كانت لوحةً من الجمالِ النقيِّ الذي يحبسُ الأنفاس.

تسمرَ السلطانُ في مكانهِ للحظة، مأخوذاً بوهجِ جمالها الذي زادتهُ نجاةُ الموتِ بهاءً.بينما كانت “شامة” تقفُ خلفهُ بقليل، تشهدُ ذلكَ المشهدَ الذي يخلعُ القلوب؛ جمالٌ يفيضُ طهارةً ونوراً، جعلَ من “كنزة” في تلكَ اللحظةِ كأنها ملكةٌ خرجت لتوها من حكايا الأساطير. كانت “شامة” تراقبُ المشهدَ بعينينِ لا ترمشان، تسللت إلى أعماقها غصّةٌ باردة؛ فقد كان جمالُ “كنزة” في تلكَ اللحظةِ يتجاوزُ حدودَ الفتنة، ليصبحَ قوةً ساحقةً تسرقُ الألباب. كان النورُ المنبعثُ من ملامحها، وبياضُ جسدها الذي يفيضُ طهارةً، أشبهَ بمرآةٍ تعكسُ عجزَ أيِّ منافسةٍ أمامَ هذا الصفاء.

تنهدت “كنزة” بعمق، وكأنها تستنشقُ الحياةَ لأولِ مرةٍ بعدَ اختناق، ثم مددت يدها الرقيقةَ نحو “الشداد”، بحركةٍ عفويةٍ يملؤها الدلالُ والامتنان. لم تعد تلكَ المريضةَ التي ترتجفُ بينَ يدي الموت، بل عادت “كنزة” التي يعرفها السلطان؛ الرقيقةَ كالنسمة، والقويةَ في بساطتها.

في تلكَ الأثناء، وبينما كان السلطانُ يخطو نحوها بخطواتٍ يغلب عليها الوقار ، شعرت “شامة” بأنَّ الهواءَ في الجناحِ قد صارَ ضيقاً، لا بسببِ العطرِ الزكيِّ الذي يفوحُ من “كنزة”، بل بسببِ تلكَ الهالةِ من السكينةِ والجمالِ التي تحيطُ بها، والتي جعلت من وقوفها خلفَ السلطانِ شيئاً لا قيمةَ له في تلكَ اللحظة.

السلطان (بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالدهشة والارتياح):

“الحمدُ للهِ الذي أرجعَ لكِ ضياءك.. لقد كانَ الوباءُ ظلاماً، لكنَّ اللهَ أرادَ أن يُشرقَ وجهُكِ من بعده كالفجر.”

استقرت عينا “كنزة” البراقتينِ في عيني “الشداد”، وكأنما تستمدُّ منهما ما تبقى لها من قوةِ الحياة. ببطءٍ رقيقٍ لا يخلو من دلالٍ مفرط، مدت يديها اللتينِ استعادتا بعضاً من نضارتهما، وأمسكت بيدي السلطانِ بقوةٍ مباغتة، تشبثاً بالحياةِ وبالرجلِ الذي كان حصنَها الأخير.

انحنت قليلاً للأمام، ونبرةُ صوتها التي عادت إليها عذوبتها المعهودة تترددُ في جنباتِ الجناح:

“انا كنت عارفة متخليش الموت يديني ! وغداويني واخا يكون الدوا تحت سابع ارض”

أتبعتها بابتسامةٍ مفعمةٍ بالسعادةِ الطفولية التي غمرت وجهها، وجعلت بريقَ عينيها يفيضُ حباً. التفتت بعينيها المشرقتينِ إلى الحاضرين، توزّعُ عليهم نظراتِ الامتنانِ والسرور، ثم، وفي مشهدٍ أخرسَ أنفاسَ كلِّ من في الغرفة، انحنت برأسها نحو يدي السلطانِ اللتينِ بين كفيها، وقبلتهما بعمقٍ ووفاء، قبلةً حملت معانيَ الحبِّ المطلقِ والامتنانِ الذي لا يحدهُ حدّ. كانت حركتها عفويةً وصادقة، تفيضُ بمشاعرِ امرأةٍ رأت العالمَ يغيبُ عن ناظريها، ثم استردتهُ من بينِ يدي الرجلِ الذي تعشقه.

سادَ صمتٌ مهيبٌ في الجناح، سكونٌ يتخللهُ دفءُ تلكَ اللحظة. “شامة” التي كانت تراقبُ المشهدَ من موقعها، شعرت بوقعِ تلكَ القبلةِ على يدي السلطانِ كأنها نصلٌ يلامسُ قلبها؛ فقد كانت “كنزة” في تلكَ اللحظةِ تجسيداً للرقةِ التي لا تُقهر، والجمالِ الذي لا يملكُ السلطانُ -أو أيُّ رجلٍ- إلا أن ينحنيَ أمامَ سحره.

في تلك اللحظة التي تلاشت فيها حدود الزمان والمكان أمام مشهدِ الامتنانِ الخالص، تحولت أنظارُ الحاضرين -من خدمٍ وحكماء من النساء.

تلقائياً نحو “شامة”. كانت تقفُ في زاويةٍ من الجناح، منتصبةَ القامةِ كأنها صخرةٌ صماء، لكنَّ عينيها كانتا شاهدتينِ على صراعٍ داخليٍّ يكادُ يمزقُ كيانها. كانت تحبسُ أنفاسها، تبتلعُ غصاتِ الألمِ والغيرةِ في صمتٍ مريب، بينما كانت النارُ في صدرها تأكلُ بقيةَ صبرها.

لاحظ “الشداد” هذا التحولَ في الأنظار، وأدركَ بحدسهِ السلطانيِّ أنَّ اللحظةَ تتطلبُ عدلاً لا يغفلُ عن التضحيةِ التي قدمتها “شامة”. حررَ يديهِ برفقٍ من بينِ كفي “كنزة”، ثم التفتَ بجسدهِ نحو “شامة” بخطواتٍ رزينة، ويدهُ تُشيرُ إليها بعينِ التقديرِ والاعتراف.

السلطان (بصوتٍ جهوريٍّ ووقور يقطعُ صمتَ الجناح):

” عليك ان تشكري “شامة ” فهي ل ها الفضل بعد الله في عودته من هاوية الموت “

اتسعت عينا “كنزة” دهشةً، ونظرت نحو “شامة” بنظرةٍ مزجت بين الامتنانِ والذهول، بينما شعرت “شامة” بوقعِ كلماتِ السلطانِ كأنها مطرقةٌ تزيدُ من وطأةِ الصراعِ في نفسها. كانت تلكَ الشهادةُ أمامَ الجميعِ وساماً يلمعُ على صدرها، لكنَّ مرارتهُ كانت أشدَّ من أيِّ سمٍّ ذيقتْه؛ فالسلطانُ قد نسبَ حياةَ “كنزة” إليها، جاعلاً منها “المنقذة” التي لا تملكُ إلا أن تبتلعَ حرقةَ قلبها وتؤدي دورَ الحكيمةِ الرزينة.

تحركت “شامة” خطواتٍ قليلةً نحو الفراش، وبصوتٍ لا يرتجف، أجابت والابتسامةُ الباهتةُ ترتسمُ على شفتيها دونَ أن تصلَ إلى عينيها:

“ما فعلتُهُ يا مولاي، وما سأفعلهُ دائماً، هو ذودٌ عن أمانةِ القصرِ وأهله. لا شكرَ على واجبٍ أُمليَ عليَّ بضميري، فالحمدُ للهِ الذي أقرَّ أعيننا بعافيةِ ‘كنزة’.”

كانت كلماتُها تتسمُ بالرزانةِ التي لا تجدُ عيباً فيها، لكنَّ العارفينَ بـ “شامة” في ذلكَ الجناح، ومنهم السلطان، لمسوا في نبرتها تلكَ الصرخةَ المكتومةَ لامرأةٍ تُجبرُ على تضميدِ جرحها بيدها، وهي ترى غريمتها تحصدُ ما زرعته هي في حقولِ قلبِ السلطان.

اقتربت “شامة” من الفراش، وبصوتٍ مخمليٍّ يحملُ في طياته الكثيرَ من الهدوءِ المريب، التفتت نحو “كنزة” قائلة:

ألا تتساءلينَ أنتِ ومولايَ السلطان عن سرِّ هذا الداء؟ كيفَ تسللَ هذا السُمُّ إلى جناحكِ المحصن؟ وكيفَ نالَ منكِ وأنتِ البعيدةُ عن مخالطةِ العوامِ وعن منابعِ الوباء؟”

ما إن أتمت “شامة” جملتها حتى خيّم صمتٌ أشدّ وطأة من سكونِ الموت على أرجاء الجناح. في الزاوية، كانت الخادمة “لوبانة” واقفة، تجمدت الدماءُ في عروقها؛ شحبَ وجهها وانعقدَ لسانها، حتى مالت نحو الجدار وكأنَّ الأرضَ تميدُ بها من تحت قدميها، فقد كانت تعلمُ أكثرَ مما ينبغي، ونظرةُ “شامة” الثاقبة قد أصابت مقتلَ سرّها.

السلطانُ “الشداد”، الذي كان يقرأُ الوجوهَ كما يقرأُ خرائطَ المعارك، التفتَ إلى “شامة”. كانت نظرتُه إليها غريبة، مزيجاً من الرزينةِ التي تفرضُ الهيبة، والشكِّ الذي بدأ يتسربُ إلى قلبهِ من “ذكاء” هذهِ المرأةِ الحادّ. كان يعلمُ أنَّ “شامة” لا تنطقُ عبثاً، وأنَّ وراءَ سؤالها خيوطاً لا تُرى. لكنه لم يعقب؛ فقد أدرك في تلكَ اللحظةِ أنَّ شامة قد وضعت الإصبعَ على الجرحِ الصحيح.

عادَ ببصرهِ إلى “كنزة”. كان يراقبها بتركيزٍ خانق، فهو يعرفُ تقاسيمَ وجهها كما يعرفُ ظلالَ قصره؛ يعرفُ كيفَ ترتجفُ شفتها حينَ تضطرب، وكيفَ تزيغُ عيناها حينَ تخفي حقيقةً. كانت “كنزة” صفحةً بيضاء، لا تتقنُ فنَّ الكذب، وكلُّ ما في داخلها يرتسمُ على ملامحها في ثوانٍ.

خيمَ الصمتُ طويلاً، والسلطانُ ينتظرُ منها جواباً، تاركاً إياها تحتَ وطأةِ نظراته الثاقبة. كان الوقتُ يمرُّ ببطءٍ مرير، و”لوبانة” خلفهم تكادُ تفقدُ الوعيَ تماماً، وعينا “شامة” تلمعانِ بانتصارٍ صامت، وهي تترقبُ اللحظةَ التي ستسقطُ فيها “كنزة” في فخِّ حيرتها.

انكمشت “كنزة” في فراشها، وبدأ وجهها الطفوليُّ يتغير، حيثُ تلاحقت أنفاسها وبدا الاضطرابُ واضحاً على ملامحها المشرقة .

ارتبكت “كنزة” بشكلٍ جليّ، وراحت أصابعها تعبثُ بطرفِ ثوبها الحريري، بينما بدأت ملامحها تضطربُ تحتَ نظراتِ السلطان. حاولت أن تبتلعَ ريقها، وتلعثمت كلماتها وهي تنظرُ بوجلٍ إلى “شامة” التي كانت ما تزالُ تحتفظُ بابتسامتها الهادئة والمصطنعة.

كنزة (بصوتٍ متقطعٍ وخافت):

” أ اا انا ماعرفتش… واقيلا من الامات لي خرجات شامة من القصر مراض ..

شافت فالسلطان وراسها نازل ويديها كيلويو الحرير بارتباك

“هما لسقوه فيا”

سادَ صمتٌ جليديٌّ في الغرفة. “شامة” التي كانت تتوقعُ أن تنهارَ “كنزة” وتكشفَ سراً أو تخترعَ كذبةً سهلة، وجدت نفسها فجأةً في موضعِ الاتهام. لقد ضربت “كنزة” في مقتلِ مكرها؛ فالجميعُ يعلمُ أنَّ الجواريَ اللواتي أخرجتهنَّ “شامة” لم يكنَّ مريضاتٍ أصلاً، بل كانت مجردَ حيلةٍ منها للتخلصِ من بعضِ الوجوهِ التي كانت تزعجها في القصر.

رفع ال سيلطان حاجبه في هيئة كنزة وكانت نظرتُه قد تغيرت تماماً؛، بل صارت نظرةَ صقرٍ يراقبُ فريسةً تحاولُ المراوغة.

استقرَّ الهدوءُ في الجناح، لكنه لم يكن هدوءاً عادياً؛ بل كان صمتاً مشحوناً بالترقب. السلطانُ “الشداد” لم يندفع، ولم يعلُ صوته، بل ظلَّت ملامحهُ محايدة، يراقبُ المشهدَ كمن يزنُ الكلماتِ في ميزانٍ لا يخطئ. كان يدركُ أنَّ ما قالتهُ “كنزة” ليسَ دليلاً قاطعاً، بل هي مجردُ ظنونٍ وليدةِ ذعرِ مريضةٍ عادت للتوِّ من حافةِ القبر، ولا يرى في ذلكَ ما يستدعي مواجهةً مباشرةً أو اتهاماً صريحاً لـ “شامة”.

“شامة”، في تلكَ اللحظة، استجمعت كلَّ قوتها. لم يظهر على وجهها أيُّ ارتباك، بل على العكس؛ تحولت ملامحها إلى قناعٍ من الصلابةِ والذكاء. رمقت “كنزة” بنظرةٍ صقريةٍ حادة، نظرةٍ لا تحملُ غضباً، بل تحملُ تحذيراً صامتاً ووعيداً خفياً، كأنها تقول لها: «لقد لعبتِ أوراقكِ بذكاء، لكنَّ اللعبةَ لم تنتهِ بعد».

لم تُدافع “شامة” عن نفسها، ولم تحاول إطالةَ الحديث. وبكلِّ هدوءِ الواثق، انحنت انحناءةً ملكيةً رزينة للسلطان، ثم التفتت لتغادرَ الجناح. كانت خطواتها منتظمةً وواثقة، وقعُ أقدامها على الرخامِ يبدو كقرعِ طبولِ معركةٍ مؤجلة.

بينما كانت “شامة” تمرُّ بجانبِ الخادمة “لوبانة”، لم تلتفت إليها، لكنَّ نظرةً خاطفةً منها كانت كافيةً لتجعلَ الخادمةَ ترتجفُ رعباً وتصغرُ في مكانها. خرجت “شامة” من البابِ تاركةً خلفها جواً من التوترِ المكتوم.

بإشارةٍ واحدةٍ من يده، أمرَ “الشداد” الجميعَ بالانصراف. تحركَ الخدمُ والوصيفاتُ في صمتٍ مريب، وخرجوا يجرّون خلفهم ذيولَ الخوف، حتى إذا خلا الجناحُ ولم يبقَ فيه سوى أنفاسهما، أُغلق البابُ الثقيلُ بصوتٍ رنانٍ تردد صداه في الممراتِ الموحشة.

عادَ الجوُّ في الجناحِ ليصبحَ خانقاً، وكأنَّ الجدرانَ نفسها بدأت تضيقُ على “كنزة”. زادَ توترها، وتلاشت ابتسامتها السابقة، ليحلَّ محلها شحوبٌ مفاجئٌ وكأنَّ شبحَ المرضِ قد عادَ ليطبقَ على روحها.

تقدمَ “الشداد” بخطواتٍ متمهلة، وجلسَ على طرفِ الفراشِ مقابلها تماماً.

كانت ملامحهُ قد تحولت إلى قناعٍ فولاذي. ألقى بابتسامةٍ صقريةٍ باردة، ابتسامةٍ لا تصلُ إلى عينيه الحادتين اللتينِ كانتا تراقبانِ كلَّ حركةٍ في وجهها، وكلَّ ارتعاشةٍ في أطرافها.

رأى “الشداد” كيفَ جفَّ حلقُ “كنزة”، وكيفَ راحت تبلعُ ريقها بصعوبةٍ بالغة، في محاولةٍ يائسةٍ لفكِّ لجامِ لسانها المربوطِ بالخوف. الموتُ الذي ظنّت أنها نالت منه، عادَ ليخيمَ على ملامحها، ليسَ كداءٍ جسدي، بل كرهبةٍ من سلطانٍ يقرأُ خفايا النفوس.

مالَ “الشداد” قليلاً نحوها، واضعاً يديهِ فوقَ ركبتيه، وبصوتٍ منخفضٍ جداً، لكنه يحملُ ثقلَ القرارِ الأخير، همسَ قائلاً:

“الآن.. وقد خلونا إلى أنفسنا، والستائرُ مسبلةٌ دونَ عيونِ الخدمِ ووشوشةِ الحاشية.. سأسمعُ منكِ الحقيقة.

خيمَ الصمتُ على الجناحِ إلا من صوتِ أنفاسِ “كنزة” المتهدجة. لم تعد هي الملكةَ التي تتهادى في الحرير، بل صارت طفلةً مرعوبةً تبحثُ عن مأمن. تلبدت عيناها بالدموع، صارت ترتجفُ فوقَ الغطاءِ كأنها ورقةٌ في مهبِّ ريح.

تلاشت كلُّ أساليبِ البلاغةِ والتكلف، وانحدرت لغتها إلى جذورها الأولى، العتيقة التي كانت تنطقُ بها قبلَ أن يغمرها بَذخُ القصر. نظرت إلى السلطانِ بضعفٍ كسير، وصوتها يخرجُ كأنينٍ مكتوم:

“مولاي.. الشداد.. الا قلت ليك الحقيقة.. وعدني، الروح عزيزة عند الله …ياك ؟ والموت اللي شفتو فهاد الايام الزينة ما كرهتوش حتى لعدوي!”

انكبت عليهِ بجسدها، تحاولُ أن تمسكَ بطرفِ ثوبه، وعيناها معلقتانِ بوجهه، تفتشانِ عن ذرةِ رحمةٍ أو أمانٍ في عينيه الصقريتين. كان الخوفُ الذي يعتصرُ قلبها حقيقياً، وكان اعترافها الوشيكُ يبدو كأنها تسلمُ مفتاحَ سرٍّ سيحرقُ الأخضرَ واليابس.

السلطانُ لم يتحرك، ظلَّ ثابتاً في مكانه، يراقبُ انهيارها ببرودِ الجلادِ الذي ينتظرُ حبلَ المشنقة. كانت نظراته تضغطُ على أنفاسها، وكأنه يمنحها الأمانَ بشرطٍ واحد: أن تكونَ الحقيقةُ عاريةً من أيِّ زيف.

الشداد (بصوتٍ أجش، يقطعُ سكونَ الغرفة):

“تكلمي يا كنزة.. الروحُ التي استرددتها من فمِ الموت، لا تُحفظُ إلا بصدقِ اللسان. أنا أسمعكِ.. هيااا اخرجي ما في جعبتك “

بدأت “كنزة” تبلعُ ريقها بصعوبةٍ شديدة، وكأنَّ في حلقها جمرةً تحرقُ كلَّ كلمةٍ تحاولُ الخروج. كان جسدها يرتجفُ بضعفٍ شديد، وعيناها زائغتانِ في أرجاء الجناح، كأنها تخشى أن تكونَ الجدرانُ نفسها تسمعُ ما ستبوحُ به.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما بتثاقل، وبدأت تنطقُ بكلماتٍ متقطعة، وكأنَّ روحها تُنتزعُ مع كلِّ حرف. كان صوتها واهناً، مخنوقاً، يخرجُ من أعماقِ صدرها كأنه أنينُ المحتضر:

“مولاي.. الداء.. الداء ما جاش من برا.. ياك انا كنجلس مع لبنات ديما ياك؟ …احم..ياك انا كاع معارفة كيفاش داير هاد كعبو بالنحس !! ياك انا فاش مشييت عند البنات قبل ما تخرجهم شامة !! كانو كيكحو شي وحدينات! انا انا (بلعات ريقها) انا حسابني هما فيهم الرواح !

ظلَّ السلطان “الشداد” جالساً في مكانه، ثابتاً كتمثالٍ من صخر، لم تهتز له شعرة، لكنَّ عينيه اللتينِ كانتا ترقبانِ “كنزة” اتسعتا ببريقٍ مرعب. هدوؤه في تلك اللحظة كان أشدَّ وقعاً من صراخهِ لو انفجر.

بصوتٍ منخفضٍ، عميق، وهادئٍ بشكلٍ يثيرُ الرعب، قال لها:

أنا شخصياً مَن أصدرتُ أمراً صارماً، مُشدداً، بألا تُغادري جناحكِ هذا لأيِّ سببٍ كان.

تلاشت كلُّ علاماتِ الهذيانِ والضعف، وحلَّ محلها ذعرٌ حقيقي. بدأت ترتجفُ بعنف، ويدها تمسكت بفراشها حتى ابيضت مفاصلها.

“لالالالا راه بغيت نقول ليك هما لي جاو عندي !!! ياك انا جيت عندك لجناحك ؟؟ ها؟ ماقلتي لي والو !!

لم ينطق السلطانُ بكلمة. اكتفى بوضعِ يديهِ على ركبتيهِ بإحكام، مائلاً بجسدهِ قليلاً نحوها، واضعاً إياها تحتَ وطأةِ صمتٍ أثقلَ من صليلِ السيوف. كانت نظراتهُ “الصقرية” -تلك التي لا تخطئُ صيدها- غائرةً في عينيها، تخترقُ دفاعاتها الواهنة، وتجردها من كلِّ ذرةِ كذبٍ حاولت التسترَ بها.

لم يكن في عينيهِ غضبٌ صاخب، بل كان فيهما شيءٌ أخطر: “حُكمٌ مُسبق”. كان ينظرُ إليها كأنَّ روحهُ تُحللُ نبضاتِ قلبها المتسارع. في ذلك الصمتِ المطبق، شعرت “كنزة” أنَّ السلطانَ لا ينتظرُ منها جواباً، بل يقتلعُ الجوابَ من جوفِ صدرها رغماً عنها.

أحست “كنزة” بأنَّ هواءَ الغرفةِ قد صارَ مادةً صلبةً تضغطُ على رئتيها. بدأ دفاعها النفسي يتهاوى، وذابت مقاومتها أمام هذا الحضورِ الطاغي والانتظارِ الذي لا يرحم. لم تعد تقوى على اللفِّ أو الدوران؛ فقد كان صمتُ السلطانِ يهمسُ لها: “أنا أعرف، فإما أن تعترفي الآن، أو ستُطوى صفحتكِ للأبد”.

بدأت كتفاها تسترخيانِ بضعف، وانحنى رأسها نحو صدرها، ثم رفعت عينيها المليئتينِ بالانكسارِ إليه. لم تعد تفتف، بل انطلقَ لسانها بنبرةٍ خرجت من أعماقِ خوفها، صادقةً وموجعة:

تراجعت “كنزة” قليلاً في فراشها، ورفعت عينيها في السلطان، نظرة صدقٍ صافية لا تشوبها شائبة، نظرة “الشداد” نفسه يعرفها جيداً؛ تلك النظرة التي لا تستطيع “كنزة” أن تصنعها إذا كانت تكذب، فهي حين تكذب تزيغ عيناها وتضطرب يداها، أما الآن، فكانت عيناها ثابتتينِ بصدقِ المذعور.

هزت رأسها ببطءٍ شديد، وصوتها هذه المرة خرجَ منكسراً وخالياً من أي محاولة لتجميل الحقيقة:

“والله يا مولاي.. والله ما عارفة! منييين منين. منيييين هنننهنن جاني هاد البلا مكنمشي مكنجي مكندخل مكنخرج وجيت عندك داك النهار نيشان ورجعت بحالي كون كنت عارفة منين جا، كون راني قلتو ليك من نهار اللول، ما نخبي عليك والو، حيت حياتي بين يديك…. وو وانا انا ..!!

انحنى “الشداد” نحوها ببطءٍ مهيب، مخترقاً المسافةَ الفاصلةَ بينهما حتى صارَ أنفاسُه تلامسُ وجهها الشاحب. كانت “كنزة” تتحدثُ بصدقٍ مرير، والكلماتُ تخرجُ منها كأنها أنفاسُها الأخيرة؛ كانت تسرُدُ تفاصيلَ ذلها وخوفها، وجسدها يرتجفُ بعنفٍ تحتَ وطأةِ الحقيقةِ

مع كل كلمة، كان السلطان يقتربُ أكثر، وعيناهُ الصقريتانِ محبوسةٌ في عينيها اللتينِ اتسعتا رعباً، وكأنَّ روحها توشكُ على مفارقةِ جسدها من شدةِ الهلع. كانت تنظرُ إليهِ كمن ينظرُ إلى حتفهِ، لا تعرفُ أهو سيحميها أم سيقتصُّ منها، حتى كادت عيناها تبرزانِ من محجريهما من فرطِ الضغطِ النفسيِّ الذي مارسهُ عليها بحضورهِ الطاغي.

وعندما وصلت إلى آخرِ جملةٍ في اعترافها، انحبست أنفاسها تماماً، وتجمدت حركتها، وأحست بأنَّ الموتَ يقفُ على أبوابِ قلبها من شدةِ الخوف.

فجأة، وبحركةٍ لم تكن تتوقعها، كسرَ “الشداد” حدةَ التوترِ التي كانت تخنقُ الجناح. اقتربَ بوجهه تماماً، وفي لحظةٍ اتسمت ببرودٍ غامضٍ وعاطفةٍ متناقضة، طبعَ على شفتيها قُبلةً طويلاً. لم تكن قُبلةَ حنان، بل كانت قُبلةَ “تملكٍ وسيطرة”، قُبلةً أرادَ بها أن يختمَ على شفتيها ما نطقتا به، وأن يضعَ حداً لارتجافها.

كانت القبلةُ في تلك اللحظة أبعدَ ما تكون عن الرقة؛ كانت قُبلةً “سلطانية” بامتياز، تحمل في طياتها مزيجاً من التملك والاحتواء، والتهديد الصامت. لم يلمسْ فيها “الشداد” شفتيها بل “اختطفهما” اختطافاً، وكأنه يختمُ على سرها بختمٍ ملكي لا ينفكُّ أثره. كانت قبلةً باردةً كبرودةِ الحديد، وفي الوقتِ نفسه، مشحونةً بحدةٍ جعلت دماءها تتجمد في عروقها. أحست بضغطِ شفتيهِ، بحدّةِ ملامحهِ التي اقتربت لدرجةِ الالتصاق، وبثقلِ الحضورِ الذي جعلها تشعرُ أنها خاضعةٌ تماماً لإرادته، لا تملكُ حولاً ولا قوة.

تشنجَ جسدها لحظةَ تلامسِ شفتيهما، وأصابعها التي كانت تشدُّ الملاءةَ بقوة، ارتخت فجأة كأن الحياةَ هربت منها. لم تجرؤ على الرمشِ، ولا حتى على التنفس؛ تجمدت ملامحها وتوسعت حدقتا عينيها لدرجةٍ مرعبة، وكأنها ترى روحها تغادرُ جسدها.

تشنجَ جسدها لحظةَ تلامسِ شفتيهما، وأصابعها التي كانت تشدُّ الملاءةَ بقوة، ارتخت فجأة كأن الحياةَ هربت منها. لم تجرؤ على الرمشِ، ولا حتى على التنفس؛ تجمدت ملامحها وتوسعت حدقتا عينيها لدرجةٍ مرعبة، وكأنها ترى روحها تغادرُ جسدها.

كان عقلها في حالةِ ضياعٍ تام. في ثوانٍ، تداخلت مشاعرُ الخوفِ من الموت الذي كان يهددها، بمشاعرِ الصدمةِ من هذا القربِ المفاجئ. القبلةُ لم تشعرها بالأمان، بل زادت من “رعبها”؛ فقد شعرت أنها أصبحت الآن جزءاً من لغزهِ الكبير، وأنها، بصدقها، قد رمت بنفسها في “فمه” مباشرة.

بقيت عيناها مفتوحتينِ على اتساعهما، تشخصانِ في الفراغ، والدموعُ التي كانت تتحجرُ في عينيها توقفت في مكانها. لم تكن قادرةً على استيعابِ ما حدث، فكل ما كانت تراه هو نظرة “الشداد” التي كانت تلتهمُ كيانها امتلاكاً.

حين ابتعدَ عنها، بقيت “كنزة” كما هي، ساكنةً تماماً. تلاحقت أنفاسها المكتومة بعد أن فكّ عنها حصارَ شفتيه، وبدأت يدها ترتجفُ ببطءٍ لتلمسَ شفتها التي لا تزالُ تشعرُ ببرودةِ “ختمهِ” عليها. كانت في تلك اللحظة أشبه بدميةٍ خشبيةٍ أُعيدت إليها الحياةُ للتو

زادت حدةُ نظراته اشتعالاً. مسح على شفتيها بابهامه ويده تهبطُ ببطءٍ مرعب ومدروس نحو رباطِ قميصِها الحريري، في حركةٍ لم تكن استئذاناً بقدر ما كانت إعلاناً عن ملكيةٍ لا تقبلُ الجدال.

بدأ يزيحُ أثوابها ببطء، وكأنه يكشفُ عن خبايا قصرٍ استباحَ حرمته. في كل حركةٍ، كانت “كنزة” تنكمشُ أكثر، ليسَ دلالاً، بل رعباً خالصاً. كان جسدها يرتجفُ بعنفٍ تحتَ لمساته، وشعرت وكأنَّ الهواءَ في الغرفةِ قد صارَ ثقيلاً، خانقاً، يضغطُ على صدرها حتى تكادُ تخرجُ روحها.

كانت لمساتِ تملكٍ وجسدٍ يفرضُ سطوته. كانت “كنزة” تحت يديه كغصنٍ يابسٍ يكادُ ينكسر، جسدها ينتفضُ لا من الرغبة، بل من شدةِ الهيبةِ والهلعِ الذي ملأ عروقها.

كانت عيناهُ الآن تلمعانِ بوهجٍ آخر، وهجِ الرغبةِ الجامحةِ التي لا تعترفُ بضعفِ الطرفِ الآخر. “كنزة” التي كانت منذ لحظاتٍ تخشى الموت، وجدت نفسها محاصرةً في عالمٍ من المشاعرِ المتناقضة؛ الخوفُ ما يزالُ يسكنُ عينيها اللتينِ تتابعانِ كلَّ حركةٍ له، والجسدُ مستسلمٌ تماماً تحتَ ثقلِ حضورهِ المهيمن.

كانت أنفاسه ساخنةً تلامسُ عنقها، وصمتُه كان يغلفُ الغرفةَ وكأنَّ الزمنَ قد توقف. لم يكن هناكَ مكانٌ للكلمات

بيدين قويتين، أزاح أخر ما تبقى من حواجز الحرير، لتنكشف أمامه “كنزة” بضعفها وارتجافها الذي لم يزدد إلا حدة. حين وقعت عيناه على نهديها، صمت للحظة، نظرة لم تكن خالية من رغبة جامحة، تلاها تحركٌ منه ليزيح عنها كل ما تبقى، وكأنه يمحو أي أثر للمسافة بينهما.

كانت “كنزة” في تلك اللحظة تعيش صراعاً داخلياً مريراً؛ جسدها الذي أضناه المرض، وجد نفسه فجأة تحت رحمة قوةٍ لم تستطع مجاراتها. مع كل لمسة، كان صدرها يعلو ويهبط بجنون، وكأن قلبها يحاول الهروب من قفصه الصدري. كانت أنفاسها تخرج متقطعة، مخنوقة، تمتزج فيها شهقات الخوف بوهن الجسد المستسلم.

رفعت يديها لتبادل “الشداد” العناق، تلفُّ ذراعيها حول عنقه بقوةِ الغريق الذي وجدَ طوقاً للنجاة، ولو كان هذا الطوقُ هو جلادهُ نفسه.

تلاشت حدةُ ارتجافها تدريجياً، وحلَّ محلها نوعٌ من السكون المباغث

كانت جسداً مستسلماً يذوبُ في خضمِّ هيمنتهِ التي لا تُحد. كانت حركاته موزونةً بين القوةِ والاحتواء، تفرضُ حضورها على كلِّ ذرةٍ من كيانها. أحست بهِ يمتلكُ كلَّ شبرٍ فيها، وكأنهُ في هذهِ المعاشرةِ يُعيدُ تشكيلها من جديد، يمحو منها آثارَ ضعفها، ويختمُ عليها بلمساتهِ التي كانت تحملُ ثقلَ السلطةِ ونارَ الرغبة.

ارتفعت أنفاسها المكتومة، وتلاشت تنهداتها وسط صمتِ الغرفة. كانت تجربةً تتأرجحُ فيها بينَ فقدانِ الوعيِ بالواقعِ وبينَ الشعورِ بجبروتِ الرجلِ الذي يغمرها. في لحظاتِ الذروةِ تلك، كانت كنزةُ تشعرُ بكيانها يتلاشى، يتفتتُ ليُعادَ صياغتهُ من جديدٍ تحتَ وطأةِ هذا اللقاءِ الذي لم يكن فيهِ مجالٌ للرفضِ أو الاختيار.

أطبقَ “الشداد” قبضتهُ على خصلاتِ شعرها، مائلاً برأسهِ ليُحكمَ سيطرتهُ، بينما كانت هي تطلقُ صرخةً مكتومةً ضاعت في صدره. لم تكن هناكَ كلماتٌ، فقط لغةُ الجسدِ التي تحدثت بكلِّ شيءٍ عجزت عن قوله. وفي غمرةِ تلك المعاشرةِ التي تملكتها بالكامل، شعرت كنزةُ بأنَّ “الشداد” لم يكتفِ بجسدها، بل كان ينتزعُ منها آخرَ ذرةِ استقلاليةٍ كانت تملكها، ليجعلها -بكلِّ ما للكلمةِ من معنى- جزءاً لا يتجزأ من ممتلكاتهِ الخاصة، شاهداً حياً على سطوتهِ التي لا ترحم.

عندما سكنت الحركةُ أخيراً، خيّمَ صمتٌ ثقيلٌ ومقدسٌ على المكان، سكونٌ لا يقطعهُ إلا تلاحقُ الأنفاسِ التي بدأت تتباطأُ لتنتظمَ من جديد، تاركةً كنزة في حالةٍ من الذهولِ التام، محاطةً بذراعيِ السلطانِ

سادَ هدوءٌ مهيبٌ في الجناح، كأنَّ الزمان توقفَ بعدَ تلك العاصفةِ التي اجتاحت كيانهما. انحنى “الشداد” بهدوءٍ غير مسبوق، وطبعَ قُبلةً حانيةً وطويلةً على جبينها، كانت هذهِ القبلةُ بمثابةِ “ختمِ الرضا”

ثمَّ هبطَ برأسهِ ليقبلَ فخدها المُحمرّ، أثراً صغيراً لما دارَ بينهما، في حركةٍ جمعت بين التملكِ والتقديرِ الخاص.

نهضَ “الشداد” ببطءٍ ملكيّ، وبدأ يعيدُ ترتيبَ ملابسهِ بهدوءٍ تام، وكأنه يرتدي “هيبةَ السلطان” من جديد بعدما خلعها لدقائق. لم تكن حركاته توحي بالاستعجالِ أو الندم، بل بالرضا التام.

التفتَ نحوها، ونظراتهُ التي كانت قبلَ لحظاتٍ نيرانياً، أصبحت الآن تحملُ بريقاً مختلفاً؛ نظرةَ رجلٍ وجدَ في “كنزة” لذةً لا تُضاهى. كان يعلمُ في قرارةِ نفسه أنها ليست مجردَ زوجة، بل هي “ملاذهُ الموازي” في القصر، تلك التي تمنحهُ متعةً مميزةً لا يجدها إلا في بساطتها وانكسارها، وفي طاعتها التي لا تعرفُ الزيف. كانت كنزة في عينيهِ في تلك اللحظة “جوهرةً” من نوعٍ خاص، امرأةً تذوبُ بين يديهِ فتمنحهُ نشوةً لا تُشترى بالسياسةِ ولا بالمال.

وقفَ للحظةٍ يمعنُ النظرَ فيها؛ كانت ممددةً أمامه، أنفاسها مضطربة، وعيناها تلمعانِ بآثارِ ما حدث، ملامحها تعبرُ عن مزيجٍ من الإرهاقِ والسكينةِ التي ولدت من رحمِ الرعب.

نظرَ إليها نظرةً أخيرةً مليئةً بالاستحواذ، ثم استدارَ بوقارٍ نحو الباب، تاركاً إياها غارقةً في ذكرياتِ لمساته

لم تكد تمر دقائق على خروج “الشداد” حتى فُتح باب الجناح بعنفٍ غير معهود. دخلت “لوبانة” وهي تلهث، وجهها شاحب كالموت، وعيناها تدوران في المكان بذعرٍ لا يخطئه ناظر. كانت قد ركضت عبر أروقة القصر وكأنَّ خلفها مائة شيطان، وما إن تجاوزت عتبة الباب حتى تجمدت في مكانها.

رأت “كنزة” ممدة على فراشها، مغطاة بأغطية الحرير التي كانت تبدو مبعثرة بطريقة توحي بما جرى للتو. خصلات شعر “كنزة” كانت متناثرة على الوسائد، وعلى وجهها كانت ترتسم علاماتُ ذلك اللقاء؛ مسحةُ إرهاقٍ لافتة، احمرارٌ خفيف يغطي وجنتيها، ونظرةٌ تائهة لم تكن قد استوعبت تماماً عودة العالم الخارجي إليها.

تسمرت “لوبانة” عند طرف الفراش، وقالت بصوت مدعور

“شفتي شفتي فين طحنا دبا هاهما غيبقا يقلبو وينبشو حتى يوصلو لينا ..والله السلطان مايرحمنا عقلي فين قلتها ليك!! راه الموت وصلات حتى لقدامو وعندنا الزهر لقاو الدوا قبل مايفوت الفوت

شافت فيها كنزة بعبوس وقالت بغضب

“سكتيني ماتزيديش تكملي عليا حتى نتي،، واش حنا لي جبنا المرض للقصر ؟؟ يخخ تقول حنا دخلناه للقصر وطلينا بيه كولشي

صربات لوبانة فخادها بغيض وندم وقالت

“وشكوون؟؟؟ شكون جابو لهنا ماشي حنا؟ ياك قلت ليك راه المرض كيدوووور كيتسارا ونتي الله يهديك راسك قاااصح

رمات كنزة الغطا بنفور وجلسات بتعب شادة جنبها

“نفختي ليا راسي..سيري سيري حضري ليا حوايجي نوض نغسل ونبدل عليا ..ونتي وليتي كتفهمي كتر من لحكيم . المرض غير غيجي ويلسق غييير هاكاك مالو مالسق فدوك العساسة لي على برا. هادي ماتكون غييير ديك شامة سيفطاتو ليا كليتو مع شي واحد وبغات تصفيها ليا ..ودبا قالك حقا هي لي داواتني!! امممم(دورات راسه) ديرهم عليا انااا !! انا راني عااايقة بقوالبها وعارفاها كتحفر وتهبش باش دير مكانها عند السلطان .زعما عالمة !

تلاشى الوباءُ تدريجياً كما بدأ، وكأنَّ يداً خفية رفعت عن القصرِ غمةً كانت ستزهقُ الأرواح، ليعودَ النبضُ إلى الأروقةِ بعدما خيمَ عليها صمتُ الموتِ طويلاً. وبالرغم من أنَّ دوامةَ المشاكلِ والحروبِ في الخارج لا تهدأ، ولا يكادُ القصرُ يلملمُ جراحهُ من أزمةٍ حتى يدهمهُ خطرٌ آخر، إلا أنَّ الحياةَ استمرت وكأنَّ “النفسَ” في القصرِ لا ينقطعُ مهما ثقلت الأعباء.

مع استقرارِ الأحوالِ، فرضَ “الشداد” نظاماً جديداً يتجاوزُ فوضى الماضي؛ فقد بدأ التهيؤُ الجديُّ لولايةِ العهدِ، والأنظارُ كلها أصبحت معقودةً على “عالي” الذي بدأ يخطو خطواتهِ الأولى نحو إرثِ أبيه. وفي غمرةِ هذا الترتيبِ الجديد، كبرَ الأطفالُ؛ أبناءُ “كنزة” وأبناءُ “شامة” صاروا يتشاركونَ أروقةَ القصرِ ويلعبونَ تحتَ سقفٍ واحد، في صورةٍ توحي بأنَّ المياهَ قد عادت إلى مجاريها.

“شامة” لم تقف مكتوفةَ الأيدي، بل استعادت نشاطها المعهود؛ بدأت تستقدمُ خدمًا وجواريَ جُدداً، ذوي مواصفاتٍ دقيقةٍ لتملأَ بهم الفراغَ الذي تركهُ ضحايا الوباء، وتضفي على القصرِ دماءً جديدةً تخدمُ مصالحهُ وتجددُ شبابَ بلاطِه. القصرُ اليومَ ليسَ كما كان، فقد تداخلت فيهِ أرواحُ الراحلين بآمالِ القادمين، وتحولَ إلى خليةِ نحلٍ تعملُ على قدمٍ وساق، ليس فقط للبقاء، بل لترسيخِ سلطةٍ لا تهتز، حيثُ ينمو النفوذُ بصمتٍ تحتَ أقدامِ الأطفالِ الذين يتهيأونَ لغدٍ لا يعرفون حقيقةَ صراعاتهِ.

وهكذا، خلفَ جدرانِ القصرِ التي شهدت الموتَ والحياة، تحولَ الزمنُ إلى شاهدٍ على استقرارٍ وليدٍ، يخفي في طياته بذورَ صراعاتٍ جديدةٍ تنتظرُ لحظةَ نضجها.

كان في مرحلةِ النضجِ الملكيِّ الأسمى، تلك المرحلة التي يمتزجُ فيها عنفوانُ الشبابِ بحكمةِ التجارب. الشيبُ الذي بدأ يغزو لحيتهُ الكثيفة لم يكن علامةً على الضعف، بل كان خيوطاً فضيةً زادت من وقارِ وجههِ الصقري، وجعلت لنظراتهِ ثقلاً يرتعدُ له المخطئون.

جلست “شامة” بجانبه، وهي اليومَ امرأةٌ أخرى تماماً؛ سيدةُ القصرِ التي تفيضُ توازناً وهيبة. حركاتها محسوبة، ووقارها يفرضُ على الجالسينَ صمتاً مهيباً، وكأنها أصبحت “سلطانيةً” تجسدُ الحكمةَ في أبهى صورها، تختارُ كلماتها بعنايةٍ فائقة، لا تزيدُ ولا تنقصُ، وكأنَّ كلَّ جملةٍ هي قطعةٌ من حكمِ الدولة.

سادَ هدوءٌ مهيبٌ في “الديوان”، المكانُ الذي طالما شهدَ قراراتِ المصير. كان الجوُّ مشحوناً بجديةٍ بالغة، فالموضوعُ الذي يجمعهما الآن لا يخصُّ شؤون القصرِ العادية، بل يخصُّ “قيس السديد”

أشاحَ “الشداد” بنظرهِ نحو الخريطةِ المفرودةِ أمامه على الطاولةِ العاجية، ثم التفتَ إلى “شامة” بنظرةٍ عميقة، وقال بصوتٍ رخيمٍ وهادئ:

“قيس.. يا شامة، لم يعد ذلك الصبيَّ الذي كنا نتجاذبهُ بيننا في أروقةِ القصر. لقد اشتدَّ عوده، وصقلت روحهُ رياحُ الزمنِ التي عصفت بنا جميعاً. لقد حان الوقتُ لنرى أينَ استقرت بوصلتُه.”

توقفت “شامة” عن حركةِ مسبحتها، ورفعت عينيها نحوه بتمعن، وكأنها تستقرئ ما وراء كلماته. أومأت برأسها في هدوءٍ وثبات، وأجابت بنبرةٍ رصينة وموزونة:

“لقد رأيتُ فيه ما لم أرهُ في غيره، قيس لا يحملُ فقط اسمك، بل يحملُ في عروقهِ شيئاً من تلك الصلابةِ التي لا تلين. إن كنتَ قد فكرتَ في إسنادِ أمرٍ جللٍ إليه، فاعلمْ أنَّ قيسَ اليومَ لم يعد يبحثُ عن إرضائنا، بل يبحثُ عن تثبيتِ كيانهِ الخاص.”

نظرَ إليها “الشداد” بإعجابٍ لم يخفهِ، فهو يعلمُ أنَّ “شامة” تقرأُ ما في النفوسِ قبلَ أن تنطقَ الألسن. ثم مالَ نحوها قليلاً، وأردفَ بنبرةٍ واثقة:

“أريدُ أن أختبرَ معدنَهُ الحقيقي. أريدُ أن أرى كيفَ سيواجهُ العاصفةَ حينَ يجدُ نفسه وحيداً أمامَ قراراتٍ لا تقبلُ الخطأ. يا شامة، قيسٌ على وشكِ أن يخطوَ خطوتهُ الكبرى، فهل تعتقدينَ أنَّ قلبهُ لا يزالُ يحملُ من العاطفةِ ما يكفي ليعمي بصيرتهُ عن واجبِ السلطة؟”

وضعت “شامة” مسبحتها جانباً، وأسندت ظهرها إلى المقعد الملكي، ونظراتها تائهة في أفق الديوان، قبل أن تعيد تركيزها نحو “الشداد”. لم يكن هدوؤها سوى غطاءٍ لذكاءٍ حاد يحسبُ خطواته بدقة.

قالت بصوتٍ منخفضٍ ومدروس، يحملُ في طياته رزانةً تخفي وراءها قلقاً مكتوماً:

“إن كنتَ يا شداد تفكرُ في إرسالِ قيسٍ كما أرسلتَ علياً إلى انمارة ، فاعلم أنَّ الأمرَ يختلفُ تماماً. عليٌ كان له في ناصرٍ قدوةٌ، وفي الإمارةِ نظامٌ موروث. أما قيس… فإنهُ عودٌ صلبٌ بطبعهِ، لا يلينُ للقيودِ ولا يحتملُ الانزواءَ في أقاصي البلاد.”

سكتت لحظة، كأنها تزنُ كلماتها بميزانِ الجوهر، ثم أردفت بلمحةٍ ذكية:

“لماذا لا نبحثُ له عن إمارةٍ هنا في بلادنا؟ في الحدودِ أو في الثغورِ القريبةِ من العاصمة. أن يكونَ قريباً منا، فهذا يمنحهُ فرصةَ الممارسةِ تحتَ أعيننا، ويمنحنا نحنُ فرصةَ مراقبةِ طموحهِ . القربُ لا يعني ضعفاً، بل يعني إحكاماً.”

ثم مالت نحوه قليلاً، ونبرةُ صوتها تحملُ لمسةً من الفخرِ الممزوجِ بالثقل، وتابعت:

“أنت تعلمُ أنني لم أدخر جهداً في تعليمه. لقد نقلتُ إليهِ كلَّ ما ورثتُه من علمِ بغداد، كلَّ ما نهلتُه من علومِ الطب، وفنونِ الحرب، وعلومِ السلاطينِ التي درستها. لم أكتفِ بما ورثه، بل زدتهُ علماً على علم، وسهرتُ على أن تدخلَ هذهِ العلومُ إلى بلادنا لتُدرسَ وتُحفظ. لقد جعلتُ من عقلِ قيس خزانةً لكلِّ ذلك، أليسَ من الأحقِّ أن يبقى هذا العقلُ قريباً، ليُبنى عليهِ مستقبلُنا هنا، بدلَ أن نغامرَ به في جهةٍ نائية؟”

كانت كلماتها كأنها خيوطُ شبكةٍ ناعمةٍ تنسجها حول “الشداد”، تحاولُ من خلالها توجيه دفةِ القرارِ نحو ما تراهُ أصلحَ لابنها، ولتضمنَ أن يبقى تحتَ رقابتها، مدركةً أنَّ “قيس” لا يملكُ خضوعَ “علي”، وأنَّ إرسالهُ بعيداً قد يكونُ شرارةً لتمردٍ لا تريده أن يشتعلَ بعيداً عن سيطرتها.

ساد صمتٌ قصيرٌ في الديوان، لم يكن صمتاً للحيرة، بل كان صمتَ صاحبِ القرار الذي لا رجعة فيه. تنفس “الشداد” بعمق، ونظر إلى “شامة” بنظرةٍ تجمع بين التقدير والمضي في الأمر، وقال بصوتٍ حازمٍ لا يقبل التأويل:

“يا شامة، تعلمين أن مشورتكِ هي بوصلتي في كل ضيق، ولستُ أنا من يتخذ قراراً يخصُّ صلبي دون أن أستنير برأيك. لكن الأمرَ بخصوصِ ‘الشالة’ قد حُسم. هي ليست مجرد إمارة، بل هي جوهرةُ بلادنا التي ازدهرت وصارت مدينةً لا يُستهان بها، وباتت تتطلب حاكماً من صلبنا يمسكُ بزمامها.”

مالَ “الشداد” نحوها، وتابع بنبرةٍ تشرحُ وجهة نظره:

“سلمان تقدم به العمر، والضغوطُ على كاهلهِ لا تحتمل. قيسٌ هو الأنسبُ الآن، ووجودُ سلمان إلى جانبه وهو ما زال في الحياة هي فرصةٌ لا تُعوض؛ فسلمان سيكونُ السندَ لقيس، وسيكونُ خيرَ معلمٍ له. إنها فرصةُ العمر لقيس أن ينهلَ من خبرةِ سلمان قبل أن يواريه الثرى.”

شعرت “شامة” ببرودةٍ تسري في جسدها. لم تكن تخشى على قيس من المسؤولية، بل كانت تخشى من “أخوال” سيف الدين؛ تلك القبائلُ المحيطة بالشالة، التي كانت ترى في سيف الدين، ابن كنزة، امتداداً لها، وتمني النفسَ يوماً بأن يكون الحكمُ بيد من يجري في عروقه دمهم.

قالت “شامة” بصوتٍ حاول أن يظل هادئاً رغم توترها:

“يا شداد.. الشالة ليست مكاناً عادياً لقيس. أنت تعلم ما يضمره أهل تلك الديار، وتعلم أن القبائلَ هناك ترى في سيف الدين ابناً لها، وربما يتوقعون يوماً أن يتولى هو أمرهم. إرسالُ قيس إلى هناك قد يفتحُ باباً للفتنة لا نتمناه.”

لم يكد الصدى يغيب عن كلماتِ “شامة” حتى قاطعها “الشداد” بنظرةٍ ثاقبة، ونبرةٍ جعلت المكان يرتجف:

“أخبريني أنتِ يا شامة.. وأنتِ من تعرفين خبايا نفوس أبنائي أكثر من أي أحد.. هل ترين ‘سيف الدين’؟ هل في نظركِ الشالة مكانٌ يصلحُ أن توضع في قبضة سيف الدين؟ هل تثقين في أنَّ كلمتهُ ستكونُ هي العليا هناك، أم أنَّ القبائلَ هي التي ستُسيّره؟”

ارتبكت “شامة” للحظة. تذكرت ضعف سيف الدين وتذبذبه أمام طموحات أخواله. سكتت تماماً، تلاشت كلماتها، ووجدت نفسها عاجزةً عن الدفاعِ عن فكرةِ إرسال سيف الدين إلى هناك، فأدركت أن الشداد قد وضعها في زاويةٍ لا مفر منها.

خرجت “شامة” من الديوان وخطواتها تزن الأرض وزناً، وجهها كقناعٍ من صخرٍ صُقل بالصبر. في أعماقها، كان بركانٌ يغلي؛ كانت ترفضُ قرار “الشداد” بكل ذرةٍ في كيانها، ليس انتقاصاً من قدرِ “قيس”، بل إدراكاً منها أنَّ “الشالة” ليست مكاناً لفتىً في مقتبلِ العمر، مندفعٍ كقيس، يحتاجُ إلى صقلٍ أكبر قبل أن يُرمى في مهبِّ الرياح. كانت تقارنُ في سرها بين “علي” الذي نضجت حكمتهُ في انمارة ، وبين “قيس” الذي ما زال في عينيها ذلك الابنَ الذي يخطئُ ويصيب، والذي لا يزالُ يحتاجُ إلى عينِ أمّه لتقوّمَ اعوجاجَهُ.

بينما كانت تسيرُ في أروقةِ القصرِ المظللة، تجمدت حركتها حينَ لاحت لها “مريم”. كانت “مريم” كأنها قطعةٌ من ضياء، بملامحها الناعمةِ الهادئة، وعينيها اللتينِ تلمعانِ بذكاءٍ يفوقُ عمرها بسنوات. بمجرد أن وقعت عينا “مريم” على وجهِ أمها، التقطت ذبذباتِ الاضطرابِ المخبوءةِ خلفَ هدوئها المصطنع.

اقتربت “مريم” بخفةٍ، وقالت بصوتها الرقيق:

“أماه.. مالي أراكِ والهمُّ قد خطَّ على وجهكِ سطوراً لم أعتدها؟ ما الذي أثقلَ كاهلكِ في الديوان؟”

نظرت “شامة” إلى ابنتها، وتنفست بعمق، محاولةً استجماعَ رباطةِ جأشها. مسحت على رأسِ “مريم” وقالت بصوتٍ رزين، محصنٍ ضد الفضول:

“لا تشغلي بالكِ يا بنيتي، هي مجردُ ترهاتِ السياسةِ التي لا تنتهي، ومواضيعُ تخصُّ الدولةَ لا تليقُ بصفاءِ ذهنكِ.”

لم تقتنع “مريم”، لكنها لم تضغط، فاستدركت “شامة” بسؤالٍ كان يلحُّ على خاطرها كجمرة:

“بالمناسبة، يا مريم.. هل رأيتِ قيس في أرجاء القصر؟ أريدُ أن أتحدثَ معه في أمرٍ هام.”

أجابت “مريم” ببرودٍ هادئ لا يخلو من ذكاء:

“قيس؟ لقد رأيتهُ منذ قليل يا أمي. كان يمتطي جوادهُ الجامح، وانطلقَ بهِ خارجَ أبوابِ القصرِ كأنما يفرُّ من قيدٍ يطبقُ على أنفاسه.”

تجمدت الدماءُ في عروق “شامة”. غضبٌ مكتومٌ، مشوبٌ بمرارةِ “تجاوزها”، اعتصرَ قلبها. لم يكن غضبها لأن “قيس” خرج، بل لأنها شعرت بأنَّ الأرضيةَ تُسحبُ من تحت قدميها؛ السلطانُ يقررُ إرساله، و”قيس” يخرجُ دون أن يلقي بالاً لمكانتهِ أو لضرورةِ مشاورتهِ لها. كانت تقفُ في منتصفِ الرواق، تشعرُ بأنَّ حبالَ السيطرةِ التي أحكمت نسجها لسنواتٍ بدأت تتقطعُ أمام طيشِ ابنها وقرارِ زوجها، وهي الآن عالقةٌ في مكانها، لا هي قادرةٌ على استرجاع “قيس”، ولا هي قادرةٌ على تغييرِ ما قُدّر في الديوان.

انصرفت “مريم” بخطواتٍ خفيفة كالنسيم، تاركةً “شامة” غارقة في صمتها المريب. سارت مريم في أروقة القصر، تارةً تداعبُ بأصابعها النقوشَ الجبسية على الجدران، وتارةً تراقبُ الحركةَ الدؤوبةَ للخدم. قادتها قدماها نحو “القوس الأعظم”، ذلك الجزء من القصر الذي يمتدُّ بضخامةٍ شاهقة، حيثُ تلتقي فيهِ أرواحُ الماضي بجديدِ الحاضر.

وهناك، توقفت مريم.

دفعةً جديدة من الجواري، وجوهٌ غريبة لم تألفها أروقة القصر من قبل، ملامحهنَّ مطرقةٌ، وحركاتهنَّ تحكمها طقوسُ “الاستقبال” الصارمة. كانت تلك الطقوسُ تجري تحت القوس الأعظم، حيثُ تمتزجُ رائحةُ المسكِ بصرامةِ النظام، والجواري يتطهرن من التوابع والنحس قبل بلوغ القوس الاعضم.

وقفت مريم، وربعت يديها فوق صدرها، وبدأت تتأمل المشهد بعينيها اللتينِ تلمعانِ بذكاءٍ ثاقب. لم تكن نظراتها نظراتِ فتاةٍ ساذجةٍ تلهو، بل كانت نظراتِ “مراقبةٍ” تحللُ كلَّ حركة، وكأنها تقرأُ في هؤلاءِ الجواري مستقبلَ القصر، أو ربما تُقيمُ ما إذا كنَّ سيصبحنَ حليفاتٍ أم مجردَ أدوات.

ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ غامضة، ابتسامةُ فتاةٍ تدركُ أنها، رغم نعومتها، جزءٌ لا يتجزأ من هذا العالمِ المعقد. كانت تراقبُ كيفَ تتحركُ الجواري، كيفَ ينظرنَ يميناً وشمالاً، وكيفَ يحاولنَ استكشافَ هيبةِ القوسِ الأعظم. كان المشهدُ بالنسبةِ لها كلوحةٍ شطرنجية؛ قطعٌ جديدةٌ دخلت الرقعة، وهي، بذكائها الهادئ، بدأت بالفعل ترسمُ في عقلها كيفَ يمكنُ لهؤلاءِ أن يغيروا موازينَ اللعبةِ في الأيامِ القادمة.

بينما كانت تتفرج، كانت مريم تتساءل في سرها: “هل يا ترى ستُحضرُ أمي هؤلاءِ لخدمةِ القصرِ فقط؟ أم أنها تحضرُهنَّ ليكنَّ عيوناً في الأماكنِ التي لا تصلُ إليها؟”

بخطواتٍ وئيدة، واثقة، ومُتزنة، تجاوزت “مريم” الخدم الذين كانوا يتبخرون بمجامرهم النحاسية الثقيلة، مخلفةً وراءها سحابةً من بخور اللبان الذي ملأ أرجاء القوس الأعظم برائحةٍ قدسيةٍ خانقة. لم تلتفت خلفها، بل كان نظرها مُصوباً نحو ذلك الصفِّ الطويل من الجواري الجُدد اللواتي اصطففنَ كأنهنَّ تماثيل من مرمر، تنتظرنَ حكمَ القدر.

اقتربت مريم منهن، وارتفعت قامتها وهي تمشي بينهنَّ بتأملٍ فاحص. كانت الجواري واقفاتٍ في صفٍ واحدٍ متراص، رؤوسهنَّ مُنكسةٌ، وأبصارهنَّ مُثبتةٌ على بلاطِ الأرضِ المبرد، وأجسادهنَّ ترتجفُ خفيةً من رهبةِ المكان ومن المجهول الذي ينتظرهن خلف تلك الجدران العالية.

توقفت مريم أمام الجارية الأولى. كانت صبيةً ذات بشرةٍ كالحليب، لكنَّ القلق كان ينهشُ هدوءَ ملامحها. أطالت مريم النظر إليها، تتأملُ استدارةَ وجهها، ونعومةَ حاجبيها، وكأنها تقرأُ في خطوطِ وجهها مدى طاعتها. لم تتحدث، بل اكتفت بتلك النظرةِ الصامتة التي جعلت الجاريةَ تحبسُ أنفاسها وتزدادُ انحناءةً.

انتقلت مريم إلى الثانية، ثم الثالثة، تتنقلُ بينهن كالفراشةِ الهائمةِ في بستان، لكنَّ عينيها كانتا كعيني صقرٍ يراقبُ الفريسة. كانت تتوقفُ أمام كل واحدةٍ منهن، ترفعُ ذقنَ بعضهنَّ بلطفٍ شديد بأطرافِ أصابعها لترفعَ رؤوسهنَّ، لتكشفَ عن أعينٍ تفيضُ بالجمالِ وبالخوفِ الصادق.

كانت مريم تتأملُ ملامحهن بدقةٍ جراحية: هذهِ ذاتُ ملامحٍ حادةٍ تنمُّ عن ذكاء، وتلك ذاتُ عينينِ واسعتينِ توحيانِ بالبراءة، وأخرى تمتلكُ جمالاً هادئاً قد يكون سلاحاً فتاكاً إذا ما استُخدم في المكانِ الصحيح. كانت تتأملُ تفاصيلَ وجوههن، تقارنُ بينهن، وتصنفُهنَّ في عقلها ببرودٍ مذهل.

مرَّت مريم بينهنَّ في سكونٍ تام، لم يقطعه إلا وقعُ خطى حذائها الخفيف على الأرضِ الرخامية، وصوتُ أنفاسِ الجواري المكتومة. كانت كلما توقفت أمام جارية، تبادلها الجاريةُ نظرةً خاطفةً مليئةً بالخضوع، فتُقابلها مريم بابتسامةٍ هادئةٍ وغامضة، ابتسامةٍ جعلت الجواريَ يتساءلن: “أهذهِ ابنةُ السلطانِ الرقيقة؟ أم أنها القاضيةُ التي ستحددُ مصيرنا في هذا القصرِ الموحش؟”

استمرت مريم في جولتها التفتيشية، تتفحصُ الجمالَ الذي اختارته أمها بعناية، وهي تدركُ في قرارةِ نفسها أنَّ خلفَ تلك الملامحِ الجميلةِ والوجوهِ الناعمة، يكمنُ اختبارٌ أشدُّ قسوةً سيقلبُ حياةَ كل واحدةٍ منهن رأساً على عقب، وأنَّ مريم التي تقفُ أمامهنَّ الآن، ليست سوى البوابةِ الأولى لهذا المصير.

صمتَ المكان فجأة، وانقطعَ وقعُ خطواتِ مريمِ على الرخامِ حين تردّدَ في أرجاء “القوس الأعظم” صدى خطواتٍ أخرى، سريعة، متسارعة، وتنمُّ عن طبعٍ جامح. لم تكن هذه خطواتِ خادمة، بل كانت وطأةَ قدمينِ لا تعترفانِ بالبطءِ أو الحذر.

أطلت “سراء” من خلفِ إحدى الأعمدة، وكأنَّ نوراً صاخباً قد اقتحمَ ظلالَ المكان. كانت “سراء” آيةً في الجمالِ الذي يسرقُ الأنفاس، جمالاً لا يعرفُ التواضع؛ عيناها اللتانِ ورثتهما عن “كنزة” كانتا تشعانِ ببريقٍ حديديٍّ لا يلين، وبشرتها المصقولة كالعاجِ تزيدُ من حدةِ ملامحها التي تقطرُ دلالاً وغطرسة. وصلت وهي تلهثُ قليلاً، أنفاسها المترددةُ تزيدُ من جاذبيةِ وجهها الصارخ، وقد سحبت ثوبها المنسوجَ من الحريرِ الفاخرِ خلفها بزهوٍ وكبرياء، وكأنها ملكةٌ تطأُ أرضاً ليست لها، لتجدَ “مريم” واقفةً في منتصفِ الصفِّ كأنها الحارسةُ على هذا السر.

توقفت “سراء” فجأة، عقدت حاجبيها اللذينِ رُسما بدقةِ فنانٍ مغرور، ثم مسحت بنظرةٍ متعجرفةٍ الصفَّ الطويلَ من الجواري الجُدد. وبنبرةٍ فيها الكثيرُ من التحدي والتعالي، وجهت كلامها لمريم دون مقدمات:

“أهذا كلُّ شيء؟ أهؤلاءِ هنَّ الجواري اللواتي طلبت أمي؟ ظننتُ أنَّ الاختيارَ سيكونُ أكثرَ إبهاراً من هذا الجمعِ الشاحب!”

هنا، تجمدت “مريم” في مكانها. ارتفع حاجبها الأيسر ببطء، وتغيرت نظرةُ عينيها من الهدوءِ الفاحصِ إلى دهشةٍ باردةٍ ومتحفظة. لم تكن الصدمةُ في سؤالِ أختها، بل في “نسبةِ” الجواري. فهي كانت واثقةً كلَّ الثقةِ أنَّ “شامة” هي من انتقتهنَّ بذكائها المعهود، وهي من أدارت خيوطَ هذهِ الطقوسِ لتخدمَ مصالحَ جناحها الخاص.

نظرت مريم إلى سراء بنظرةٍ فاحصة، وكأنها تزنُ في ذهنها حقيقةَ كلامها، متأملةً ذلك الجمال الذي يغطي على نوايا أختها الحادة. هل يعقلُ أن “كنزة” دخلت على الخط؟ هل تجرأت أمُّ سراء على التدخلِ في شؤونٍ هي من اختصاصِ شامة؟

ردت مريم بصوتٍ هادئ، لكنَّ نبرتهُ كانت تحملُ برودةً قاطعة كحدِّ السيف:

“أمي؟ أتقصدينَ أمكِ أنتِ يا سراء؟ عجيبٌ أن تظني أنَّ هذهِ الوجوهَ المختارةَ بعنايةِ ‘شامة’ هي نتاجُ رغبةِ كنزة.. لعلَّ الخلطَ قد أصاب بصيرتكِ، فهذا الجمعُ لا يُشبهُ ذوقَ أمكِ في شيء.”

بقي الصمت سيد الموقف للحظات، قبل أن تبتسم سراء بابتسامةٍ تملؤها الثقة التي تصل إلى حد الاستفزاز، ورفعت رأسها بزهو وقالت:

“أجل، يا مريم. أمي كنزة هي من أمرت باستقدامهم، وهنَّ هنا بأمرها لخدمة سيف الدين. أظنُّ أنَّ الوقت قد حان ليكون لسيف الدين حاشيةٌ تليقُ بمكانته، بعيدا عن دوقكم انتم في الجواري القدامى ،فقد نفر منهم جميعا.

ضاقت عينا مريم، وظهرت عليهما نظرةُ حدةٍ غير مألوفة، فقد تجاوز الأمرُ كلَّ الحدودِ المتعارف عليها في القصر. قالت مريم بصوتٍ يرتجفُ غضباً مكتوماً:

“أمع من استشرتم؟ وكيفَ تجرأتم على إدخالِ غرباءَ إلى القصرِ دون علمِ السلطان أو إذنِ أمي؟ لا نعرفُ أصولهنَّ، ولا نواياهنَّ، والقصرُ ليسَ ساحةً مفتوحةً لأهوائكم

لم تكترث سراء لحدةِ مريم، بل مالت برأسها قليلاً كمن يسخرُ من قلقها، وأجابت ببرودٍ متعالٍ:

“أمي لا تنتظرُ إذناً من أحد، وأرادتهم، فجاؤوا. وما كان لها أن تستشيرَ أحداً في أمرٍ يخصُّ بيتها وابنها. هذا القصرُ يتسعُ للجميع،وعليكم ان تدركو أن عهدَ الانفرادِ بالقرارِ قد ولّى.”

لم تنتظر مريم رداً آخر، استدارت مريم بسرعةٍ فائقة، تاركةً سراء تقفُ خلفها بجمالها المتعجرفِ وسط الجواري اللواتي أصبنَ بالذعرِ من هذا النقاش.

انطلقت مريم كالسهمِ في الأروقةِ الرخامية، لم تتوقف لتعدّلَ وقارها أو لتلتفتَ لمن يراقبها. كانت تجري وقلبها ينبضُ بتسارع، فهي تحملُ خبراً قد يُشعلُ ناراً لا تنطفئ بين الحرمين. لم يكن هذا مجردَ إدخالِ جوارٍ، بل كان إعلانَ تحدٍّ صريحٍ من “كنزة” لـ “شامة”، وكان عليها أن تضعَ أمها في قلبِ الحقيقةِ قبل أن تستفحلَ الأمور.

بقيت “سراء” واقفةً لبرهة تحت القوس الأعظم، تتأمل الجواري واحدةً تلو الأخرى بنظراتٍ فاحصةٍ لا تخلو من الانتقاد، وكأنها تُقيّم بضاعةً لا بشرًا. كانت تزنُ جمالهنّ بميزانِ الاستحقاق؛ هذه تليقُ بمكانةِ سيف الدين، وتلك مكانها المطبخ أو زوايا القصرِ البعيدة. وبعد أن أفرغت غيظها في تفتيشهنّ بنظراتها المتعالية، استدارت بكبرياءٍ مفرط، تاركةً خلفها صمتاً مريباً، ومضت بخطواتٍ واثقةٍ نحو أجنحةِ القصرِ الداخلية.

في ممراتِ القصرِ الهادئة، وبينما كانت سراء تسيرُ بخيلاء، لاح لها طيفُ “سيف الدين” وهو يقبلُ من الجهةِ المقابلة.

توقف سيف الدين للحظة، وكان كأنه قطعةٌ من الفخامةِ الممزوجةِ بالتعالي. كان وسيمًا بشكلٍ يسرقُ الأنفاس؛ ملامحهُ دقيقة، بشرتهُ فاتحة، وعيناه… كانت عيوناً غائرةً بعض الشيء، تفيضُ ببريقٍ مُريب، ونضرة زائغة عميقة

كان يضعُ يدهُ على مقبضِ خنجرهِ المرصع ببرودٍ مصطنع، وكأنه يشمئزُّ من كلِّ ما حوله.

حتى في مشيته، كان سيف الدين يبعثُ برسالةِ “الترفع”؛ كان يمشي بتثاقلٍ متعمد، لا يلتفتُ لمن حوله، وإذا وقعت عينه على خادمٍ أو جارية، كان يقطبُ حاجبيهِ فوراً بملامحَ تنمُّ عن اشمئزازٍ دفين، وكأنَّ وجودهم في محيطهِ يلوثُ هواءه.

توقفت سراء أمام أخيها، وبدت على وجهها ملامحُ “المتآمرة” التي تزفُّ خبراً ساراً، بينما اكتفى سيف الدين بإلقاء نظرةٍ فاترةٍ عليها، “سيف الدين..” قالت سراء وهي تحاولُ كسر جليدِ بروده بابتسامةٍ واثقة، “لقد وصلت الهديةُ التي طلبتها أمي من أجلك، وهي تنتظرُ في القوسِ الأعظم. إنها دفعةٌ لا بأسَ بها، قد تليقُ بمزاجك… إن كنتَ لا تزالُ قادراً على الاهتمامِ بشيءٍ في هذا القصرِ المليءِ بالرعاع.”

لم يرد سيف الدين فوراً، بل زفر بضيق، وأشاحَ بنظرهِ بعيداً نحو إحدى النوافذ، ونظراته الباردة تجوبُ أرجاء المكان بشيءٍ من القرف، ثم قال بصوتٍ رخيمٍ متهدجٍ يقطرُ تكبراً:

“أخيراً.. لقد دخلت إلى هذا القصرِ الميت شيءٌ يكسرُ حدةَ المللِ والخنقة. كنتُ على وشكِ أن أطالبَ أمي بمغادرةِ هذه الجدرانِ الكئيبة، فما فائدةُ العيشِ في مكانٍ لا يطربُ فيه النظرُ ولا يجدُ فيهِ المزاجُ غايته؟”

لم ينتظر رداً منها، بل استدارَ وسارَ باتجاه “القوس الأعظم”، بخطواتٍ توحي بأنه ذاهبٌ ليتفقدَ الاحوال متجاهلاً تماماً الفوضى التي خلفها وراءه، ومكتفياً بكونه الابن الذي “يستحق” أن يُقدمَ له القصرُ قرباناً ليخففَ عنهُ ثقلَ يومه.

كان المشهدُ لوحةً إلهيةً تتنفسُ بالوقار. الشمسُ، في لحظاتها الأخيرة قبل الغروب، بدت كقرصٍ من تبرٍ ذائبٍ ينسكبُ على أسوار قرطبة العظيمة، يصبغُ حجارتها المزخرفة بألوان الشفق الأرجواني والذهبي، فيبدو كأنَّ الجدرانَ نفسها قد استحالَ حجرها نسيجاً من نور.

مع أول صرخةٍ للحق، تعالت أصواتُ المؤذنين من مآذن المدينة، تتسابقُ وتتداخلُ في سيمفونيةٍ إيمانيةٍ تهزُّ وجدانَ من يسمعها. كان الأذانُ يترددُ في الأرجاء، يطوي صخبَ النهار ويفرشُ الأرضَ بمهابةِ السكينة.

الأسوارُ المزخرفة، التي شهدت عظمةَ الدولة، بدت في هذا الضياءِ الخافت كأنها تتهجدُ مع الأذان؛ نقوشُها الدقيقةُ التي تروي حكاياتِ الملوكِ والمهندسين، بدت وكأنها ترتجفُ تحت وقعِ النداء، وتستقبلُ خيوطَ النورِ الأخيرة لتردَّ عليها بظلالٍ طويلةٍ تمدُّ أعناقها نحو النهر.

في تلك اللحظة، توقفت الطيورُ عن التحليق، وساد صمتٌ مهيبٌ إلا من صوتِ المؤذن الذي شقَّ عنانَ السماء، كأنه يعلنُ ختامَ يومٍ من المجدِ وبدايةَ ليلةٍ من السحرِ الأندلسي. المدينةُ كانت تغرقُ في دفءِ الغروب، وقرطبةُ بأسوارها الشامخةِ كأنها عروسٌ تتزينُ بعباءةِ الشفق، تستعدُّ لتعيشَ لحظةَ التجلي، حيثُ يمتزجُ ختامُ ضياءِ الشمسِ بقدسيةِ الأذان، في مشهدٍ يجعلُ القلبَ يقفُ إجلالاً لعظمةِ المكان وجمالِ الزمان.

تحت قبة السماء التي تلونت بلون الدم الممزوج بالبورسيلين الأرجواني، انكسرت سكينة الغابة العتيقة. لم يعد صوت الأذان في البعيد سوى صدىً يغرق في ضجيجٍ من نوعٍ آخر؛ صليلُ حوافرٍ تشقُّ الأرض، ونهيمُ جوادٍ عربيٍّ أصيلٍ يركضُ بجنونٍ كأنَّ الموتَ يطاردهُ على أعقابه.

في قلبِ هذا العجيج، برزَ “هو”.

خيالٌ بشريٌّ يصارعُ الريح، هيئتهُ توحي بأنَّ الزمنَ قد صقلَ عظامَهُ قبلَ أوانها. كان جسدهُ كتلةً من الغبارِ الممزوجِ بالعرق، غطّى وجههُ سديمٌ من الأتربةِ التي التصقت بدمائهِ السائلة، فصارَ وجههُ خريطةً مرعبةً للوجعِ والبسالة. لم يكن يمتطي الحصانَ فحسب، بل كان جزءاً من كيانه؛ يداه؟ لا، لم تكن تمسكُ اللجام. ذراعهُ اليسرى كانت متدليةً بجانبه، مخترقةً بنبلةٍ مكسورةٍ استقرت في كتفه، تاركةً خيوطاً من الدم القاني تنسابُ فوق ثوبه الممزق، ترسمُ آثارَ رحلةِ هروبٍ ليست ككلِ الرحلات.

بينما كان الحصانُ ينطلقُ كالسهمِ عبرَ ممراتِ الغابةِ الضيقة، كان الشابُ يضغطُ على جرحه بيدِهِ اليمنى، وجههُ الذي اتخذَ قناعاً من الحجرِ لا ينمُّ إلا عن عنادٍ أبديّ. لم تكن عيناهُ تدمعانِ من الألم، بل كانت تلمعانِ ببريقٍ وحشيٍّ غريب، بريقُ ذئبٍ جريحٍ لا يزالُ يرفضُ السقوط. كلما اهتزَّ الحصانُ تحتَ وطأةِ الركض، كانت النبلةُ في كتفهِ تتحرك، فتنتزعُ من صدرهِ أنيناً مكتوماً، لا يلبثُ أن يتحولَ إلى زمجرةٍ تحدٍّ للقدر.

كان الهواءُ الباردُ يلفحُ جراحه، والغبارُ المتطايرُ يغطي عينيه، لكنَّ نظراته كانت ثابتةً على الأفق. لم يكن يفرُّ من عدوٍ فحسب، بل كان يصارعُ وجعاً ينهشُ في لحمهِ وعظمه، وكأنَّ تلك المعركةَ التي خاضها وحيداً قد حُفرت تفاصيلها في تقاسيمِ وجههِ الغاضب.

وفجأة، وسطَ هذا المشهدِ السرياليِّ للدمِ والغبار، قفزَ الحصانُ فوقَ جذعِ شجرةٍ سقطت في الطريق، ليرتطمَ الفارسُ بالسرجِ بقوةٍ ضاعفت من نزيفِ جرحه. لم يصرخ، بل عضَّ على شفتهِ السفليةِ حتى سالَ الدمُ منها، ومالَ بجسدهِ للأمام، محتمياً برأسِ حصانهِ، مستمراً في ركضهِ نحو المجهول، تاركاً خلفهُ في سكونِ الغابةِ آثارَ دماءٍ تتساقطُ كأنها نبضاتُ قلبٍ يرفضُ التوقف.

وسط عتمة الغابة التي بدأت تبتلع ما تبقى من ضياء الشفق، توقف العالم للحظة.

وسط ضجيج أنفاس حصانه اللاهثة، التقطت أذناه -رغم الصخب الذي في رأسه- إيقاعاً مغايراً تماماً يمزقُ هدوء الغابة: صوت حوافرٍ تتسارع خلفه، إيقاعٌ منتظمٌ وقاسٍ لا يشبهُ عشوائيةَ فراره، بل يشبهُ “الصيد”.

في تلك اللحظة، تحول الشابُ من “طريدةٍ جريحة” إلى “مفترسٍ محاصر”. لم يتردد، ولم يلتفت للوراء بضعف. بلمحةِ عين، وبحركةٍ فطريةٍ تتحدى ألم كتفه الممزق، شدَّ لجام حصانه بقوةٍ جعلت الفرسَ يصهلُ صهلةً حادة، ثم انحرفَ بهِ في التفافةٍ دائريةٍ خاطفة، كأنه يغرزُ مخلبهُ في ترابِ الأرض ليغيرَ مسارهُ كعاصفة ضارت حول نفسها

بمجرد أن استدار، حدث شيءٌ مذهل: نسي الألم.

تلك النبلةُ المكسورةُ التي كانت تمزقُ لحمهُ في كلِ حركة، صارت الآن في نظرهِ مجرد “خيطٍ يعيقُ حركته”. أغمضَ عينيهِ للحظةٍ خاطفة، ليسَ استسلاماً، بل ليعزلَ صراخَ جسدهِ عن صوتهِ العقلي. حين فتح عينيه، كان الألمُ قد تحولَ إلى وقودٍ غاضب. استقامت قامتهُ فوق السرج، رغم ميلان جسدهِ الطبيعيِ بسبب الجرح، وتصلبت عضلاتُ وجههِ التي غطاها الدمُ والغبار.

لم يعد يرى الغابة، بل رأى “ميدانَ معركة”. يدهُ السليمة بدأت تتحسسُ ببطءٍ وثبات، وكأنها تبحثُ عن السلاحِ الذي لم يخذلهُ قط، بينما استقرَّت عيناهُ على نقطةِ الانعطافِ في الطريق، ينتظرُ ظهورَ من يطارده. لم يعد الهاربُ الذي يخشى الموت، بل صارَ “القرار” الذي ينتظرُ القدرَ ليواجهه. كان ينتظرُ تلك اللحظة التي يرى فيها ظلالَ أعدائه، ليثبتَ لهم أنَّ “الجرحَ” لم يكن سوى نذيرِ عاصفةٍ ستسحقُ من تجرأَ على ملاحقته.

انقشعت غيوم الغبار لتكشف عن ثلاثة فرسانٍ يخرجون من عتمة الأشجار، دروعهم تلمع تحت ضوء القمر الخافت. حين وقعت أعينهم عليه، توقفوا للحظة؛ فالمنظر أمامهم لم يكن منطقياً: شابٌ في مقتبل العمر، يغطي الدماء وجهه، يقفُ وحيداً في مواجهتهم، وقد تخلص من “ثقل” الألم ليحل محله “خفة” القاتل المحترف.

لم ينتظر اقترابهم. انطلق.

لم يركض حصانه نحوهم كفرسانِ العصورِ الوسطى، بل انحرفَ بانسيابيةٍ مرعبة، وكأنه يرقصُ حولهم. في جزءٍ من الثانية، أخرجَ خنجراً قصيراً من حزامه بيده السليمة، وفي نفس الوقت، استغلَّ زخمَ حركةِ حصانهِ ليميلَ بجسدهِ، متفادياً رمحَ الأول الذي مرَّ بسنتيمتراتٍ من صدره.

مرَّ بجانب الفارس الأول بسرعةِ البرق. بضربةٍ دقيقة، لم يطعن الشابُ بل “لمسَ” معصمَ الفارسِ بخنجرهِ بضغطٍ خفيفٍ ومُحكم، فقطعَ الأوتارَ ليقعَ السيفُ من يده. لم يتوقف، بل استخدمَ ركبةَ حصانهِ ليدفعَ الفارسَ الثاني عن سرجهِ بقوةٍ جعلت صدى ارتطامهِ بالأرضِ يترددُ في جنباتِ الغابة.

الفارسُ الثالثُ، الذي أدرك أن خصمهُ شابٌ جريح، حاول استغلالَ ضعفِ كتفهِ الأيسر. اندفعَ نحو تلك الجهة، لكن الشابَ توقعَ الحركة. انحنى فوقَ عنقِ حصانهِ، تاركاً النبلةَ المكسورة في كتفهِ تعملُ كـ “مرساة”؛ فبدلَ أن يصرخَ من الألم، استخدمَ هذا الألمَ الحاد كمنبهٍ لعقله، ليقومَ بحركةٍ بهلوانيةٍ مستحيلة: استدارَ بخصرهِ تماماً للخلف، بينما كان حصانهُ يواصلُ الجريَ للأمام، وأطلقَ خنجرهُ بمهارةِ صيادٍ لا يخطئ.

استقرَّ الخنجرُ في عنقِ الفارسِ الثالث، ليسقطَ جثةً هامدة قبل أن يصلَ إليه.

سادَ صمتٌ مفاجئ في الغابة، لا يقطعهُ إلا أنفاسُ حصانهِ المنهك. الشابُ لم يترجل، بل ظلَّ جالساً باستقامةٍ قاسية، يراقبُ جثثَ المهاجمين. كان التنفسُ صعباً بسبب النبلةِ التي لا تزالُ غارزةً في لحمه، لكنَّ عينيهِ لم تتغير؛ كانت باردتين، حادتين، وكأنَّ ما حدثَ للتو لم يكن معركةً لحياته، بل “تمرينًا صباحيًا” روتينياً.

مسحَ بيدهِ الملطخةِ بالدمِ الغبارَ عن عينيه، وأطلقَ تنهيدةً واحدةً مشوبةً بزمجرةِ غضبٍ مكتوم، ثم استدارَ بحصانهِ ليواصلَ الطريقَ لم يكد يبتعدُ خطواتٍ قليلة حتى استشعرَ في الهواء تغيراً طفيفاً، رائحةَ حديدٍ ونذيرَ خطرٍ يقترب. قبل أن يترجمَ عقلهُ الإشاراتِ، انطلقَ من خلفِ الأشجارِ فوجٌ جديد؛ هذه المرة لم يكونوا ثلاثة، بل صفاً من الرماحِ المتقاطعة التي أغلقت عليهِ كلَّ منفذٍ للهرب.

توقفَ حصانهُ، وأزبدَ من التعب، لكنَّ الشابَ لم يهتز. نظرَ إلى الفوجِ المتقدمِ نحوه بعينينِ لا تعرفانِ معنى التراجع، عيونٍ اتسعت حدقتاها لتستوعبَ أدقَّ تفاصيلِ حركةِ أعدائه.

لم يعد الأمرُ قتالاً من أجلِ النجاة، بل صارَ “إبادةً منظمة”. بمجرد أن اندفعَ أولُ مقاتل نحوه، انحنى الشابُ بمرونةٍ خيالية، متفادياً رمحاً كان سيمزقُ أحشاءه، ثم قبضَ بيدهِ السليمةِ على طرفِ الرمحِ نفسه، وسحبهُ بقوةٍ مباغتةٍ أطاحت بالجنديِّ من فوقِ حصانه. في الهواء، كان الشابُ قد التقطَ الرمحَ، واستخدمه كعصا قتاليةٍ تدورُ حول جسدهِ بسرعةٍ تفوقُ إدراكَ البصر، حامياً نفسهُ من ضرباتِ السيوفِ المتلاحقة.

كان يقاتلُ وكأنَّ جسدَهُ ليسَ جسدَ فتىً بل كتلةً من الغريزةِ والخبرةِ المتراكمة. حينَ حاولَ مقاتلان محاصرتهُ من الجانبين، دفعَ حصانهُ للاستدارةِ على قائمتيهِ الخلفيتين، مما خلقَ فجوةً وسطَ التشكيلة. استغلَّ هذه الفجوةَ ببراعة؛ قفزَ عن حصانهِ وهو في أوجِ حركته، وفي الهواء، كان الرمحُ قد غادرَ يدهُ ليخترقَ درعَ الجنديِّ الأول، ثم سحبَ سيفَ ذلك الجنديِّ من غمدهِ وهو يهبطُ على الأرضِ بخفةِ نمر. كان الدمُ يقطرُ من كتفهِ المصابِ بغزارة، يبللُ ثيابهُ ويجعلُ الأرضَ تحتَ قدميهِ زلقة، لكنَّ هذا لم يزدْه إلا شراسة. كان يتحركُ في دوائرَ ضيقة، يتلقى الضرباتِ على نصلِ سيفه، يعيدُ توجيهَ قوةِ أعدائهِ ضدهم، يقطعُ، يطعن، ويراوغ. لم يكن يقاتلُ بعشوائية، بل كان يختصرُ مسافاتِ الموت؛ ضربةٌ واحدةٌ لكلِ خصم، دقيقةٌ كإبرةٍ جراحية، قاتلةٌ كسمِّ الأفاعي.

في لحظةِ ذروة، وحينَ انقضَّ عليهِ قائدُ الفوج، استقبلهُ الشابُ بابتسامةٍ باردةٍ مرعبة. لم يدافع، بل هجم. اخترقَ دفاعاتِ القائد، وبحركةٍ خاطفةٍ أطاحَ بخوذته، ثم وضعَ نصلَ سيفهِ الملطخَ بالدماءِ على عنقهِ مباشرة. تجمدت بقيةُ الجنودِ في أماكنهم، غيرَ قادرينَ على استيعابِ كيفَ استطاعَ هذا الفتى المُدمى، الذي يئنُّ كتفهُ من نبلةٍ مكسورة، أن يسحقَ فوجاً كاملاً بمفردهِ في دقائق.

تنفسَ الشابُ بعمق، وكان صدره يعلو ويهبطُ كأنَّ فيهِ تنّيناً محبوساً. نظرَ إلى الجنودِ حوله نظرةً واحدةً جعلت قلوبهم ترتجفُ رعباً، ثم ألقى السيفَ أرضاً، واستدارَ نحو حصانهِ الذي كان ينتظرهُ بوفاء، وكأنه يقولُ لهم: “أنا لا أبحثُ عنكم، لكنَّ من يقفُ في طريقي لا يرى الشروقَ التالي.”

امتطى صهوتهُ مجدداً، وغادرَ ميدانَ المعركةِ وسطَ ذهولِ من بقيَ حياً، تاركاً خلفهُ قصةً ستُروى في الخفاء عن “ذلك الفارسِ الغامض” الذي يقاتلُ كشيطان، ويصمدُ كالجبل.

لم يمنحهُ القدرُ فرصةً لالتقاطِ أنفاسه، فصوتُ الحوافرِ خلفه لم يغب، بل زادَ ضجيجاً وتصميماً. كان أعداؤه هذه المرة يعرفون أنَّ “الشيطان” الذي يواجهونهُ جريح، فاندفعوا بكلِ ثقلهم، ينهشونُ ما تبقى من سكينةِ الغابة.

بدأ جسدُه يخذله؛ فبعدَ كلِّ ذلك المجهودِ الخارق، تضاعفَ الألمُ في كتفهِ ليصبحَ طعناتٍ متلاحقةً في أعصابه. الغشاوةُ بدأت تتسللُ إلى بصره، والدمُ الذي فقدَه جعلَ العالمَ من حوله يترنحُ كأنه في قاعِ بحرٍ مضطرب. كانت يداه، التي كانتا قبلَ لحظاتٍ كالحديد، ترتجفانِ الآن فوقَ اللجام.

وفجأة، بينما كان الحصانُ يشقُّ طريقهُ وسطَ كثافةِ الأشجارِ المتشابكة، برزَ شيءٌ من بينِ الأغصانِ المظلمة. نبلةٌ أخرى، أطلقها قناصٌ مجهولٌ كان يتربصُ بهِ في الأعالي، اخترقت الهواءَ لتستقرَّ هذه المرة في خشبِ الغصنِ أمامَ الحصانِ مباشرة، كأنها تحذيرٌ أخير من الموت.

توقفَ الحصانُ فجأةً، متجمداً في مكانه، صاهلاً بحدةٍ وهو يرفعُ قوائمهُ الأماميةَ للهواء، مما أدى إلى ارتدادِ جسدِ الفتى المنهكِ إلى الخلف. فقد توازنه، وتلاشت قدرتهُ على المقاومةِ الجسديةِ أمامَ شدةِ التوقف المفاجئ.

سقطَ الفتى من فوقِ صهوةِ جوادهِ، مرتطماً بالأرضِ الترابيةِ بقوةٍ ضاعفت من ألمِ جرحه.

تلاشت الغشاوة عن عينيه ببطء، وحلَّ مكانها بريقٌ لا يمكن وصفه إلا بأنه “يقين الموت”. لم تكن تلك سقطةَ هزيمة، بل كانت لحظةَ استجماعِ ما تبقى من غضبهِ الكامن.

ببطءٍ مرعب، وضع يده السليمة على الأرض، وبدأت عضلاتُ كتفه -رغم ألم النبلة- تتصلبُ كالفولاذ. دفع جسده للأعلى، وقفَ متماسكاً، يتجاهلُ سيلانَ دمائه الذي بات يبللُ صدره بالكامل. لم ينظر نحوهم، بل كان نظرهُ معلقاً بحصانهِ الذي كان ينتظرهُ بوفاءٍ صامت. بوقفةٍ نبيلة، امتطى صهوتهُ مجدداً، وفي تلك اللحظة، تغير كل شيء.

لم يعد الفتى الهارب. دار حولهم بدائرةٍ واسعةٍ خفية، ثم اختفى خلف جذعِ شجرةٍ ضخمةٍ عتيقة، جذعٍ يكفي لإخفاءِ فارسٍ وحصانهِ عن الأنظار. هناك، في العتمة، أغمضَ عينيه، استنشقَ الهواءَ بعمقٍ، واستجمعَ كلَّ ما تبقى في عروقهِ من طاقةٍ خام. صوته، حين خرج، لم يكن صوتَ فتىً ، بل كان هسيساً يقطرُ وعيداً، سمعهُ القريبون من الشجرة:

“أقسمتُ بالذي خلقَ الروحَ والجسد.. لن يرى أحدٌ منكم بزوغَ فجرِ الغد. كنتُ طريدتكم، والآن.. سأعلمكم كيف يكونُ الصيدُ الحقيقي.”

أطلقَ صرخةً مكتومةً من الألم حين قام بتعديلِ وضعيةِ النبلةِ في كتفهِ بيدهِ السليمةِ دفعةً واحدة، ضاغطاً على أسنانِ الألم، ليتحولَ ذلك الوجعُ إلى غضبٍ أعمى.

بصمتِ الأفاعي، خرجَ من خلفِ الشجرة. لم يظهر لهم كفارسٍ مواجه، بل كطيفٍ يظهرُ ويختفي.

الأول: ظهر له من خلفِ كثافةِ الأغصان، بضربةٍ واحدةٍ دقيقةٍ من خنجرهِ في الشريان، سقط الفارسُ قبل أن يدرك أن أحدهم اقترب.

الثاني: تعقبهُ بين الأشجار، وبحركةٍ مباغتة، جذبَ لجامَ حصانهِ بقوةٍ ورماه في حفرةٍ سحيقةٍ بين الصخور.

صار الفتى الآن هو الصياد، وهم الفريسة التي تذوقُ طعمَ الرعبِ في غابةٍ أصبحت ساحة لمطاردةٍ لا ترحم. كان يخرجُ من العدم، يضربُ، ثم يتوارى في الظلال. لم يكن يقاتلُ كإنسان، بل كظاهرةٍ طبيعيةٍ غاضبة. أعداؤه، الذين كانوا يظنون أنهم حاصروه، بدأوا يتساقطون واحداً تلو الآخر، وسط ذعرٍ أصاب الباقين، فصاروا يطلقون سهامهم في الهواءِ والظلام، يصرخون من الخوفِ الذي لم يعهدوه.

كان هو في مكانٍ ما خلفَ شجرةٍ أخرى، يراقبهم ببرودٍ، يمسحُ دماءَ وجههِ بيدهِ المرتجفة، وعيناه تلمعانِ بظلمةِ الليل، يترقبُ اللحظةَ التي يسقطُ فيها آخرُ واحدٍ منهم، ليثبتَ لهم أنَّ الغابةَ لا تبتلعُ إلا من كان طعامهُ سهلاً، وهو.. كان الجوعَ ذاته.

انتصف الليل فوق قصر الحمراء، وحل السكون المطبق في أروقته المزخرفة، إلا من وقع خطوات الحاجب حسن الرتيبة. كان يؤدي طقسه الليلي المعتاد، متفقداً أجنحة الأمراء قبل أن يرفع تقريره النهائي إلى السلطان.

وصل إلى “جناح الأمير قيس”، وتوقف أمام الباب الخشبي الثقيل، المرصع بالصدف والنحاس. كالعادة، وجد عبدين قابعين أمام المدخل، لكن ملامحهما كانت توحي بالقلق هذه المرة.

دون أن ينبس ببنت شفة، دفع حسن الباب برفق؛ ليتأكد من راحة الأمير. لكنه تجمد في مكانه.

الجناح الفاخر كان خاوياً تماماً. السرير المخملي لم يُمس، والمصابيح مطفأة، والنوافذ المشربية العالية مفتوحة على مصراعيها، تسمح لضوء القمر البارد بالدخول وصبغ المكان بلون الفضة الحزين. لا أثر لقيس، لا سلاح، ولا أي دليل على خروجه المنظم.

التفت حسن إلى العبيد بسرعة، وعيناه تملأهما الرهبة، وبصوتٍ منخفضٍ يقطرُ حزماً وقلقاً، سأل:

“أين الأمير؟ ولِمَ البابُ مفتوحٌ والجناحُ خاوٍ؟”

ارتبك العبد الأكبر، ومال برأسه للأمام، محاولاً إخفاء فزعه، وأجاب بصوتٍ متقطع:

“سيدي الحاجب.. لم يَعُد الأمير قيس بعد. آخرُ من رآهُ كانَ عندَ الغروب. لقد غابَ عنِ الأنظار، ومكانُهُ فارغ.”ساد صمتٌ ثقيلٌ ومفاجئ. الحاجب حسن، الذي شهد صعود وهبوط سلالات، أدرك أنَّ هذا الاختفاء ليس عادياً، بل هو نذيرُ عاصفةٍ ستخترقُ أسوار القصر وتُشعلُ الفتنة بين أركانه. وقف متأملاً الفراغ، بينما بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه من المصير المجهول الذي ينتظر الأمير، بخطواتٍ سريعةٍ وقويةٍ انطلق الحاجبُ حسن في أروقةِ القصرِ المظلمة. كان عقلهُ يعملُ بسرعةٍ لا تقلُّ عن سرعةِ مشيه، يزنُ تبعاتِ هذا الخبرِ على استقرارِ القصرِ وهدوءِ السلطان.

لم يجد بُداً من التوجهِ مباشرةً إلى جناح “لالة شامة”؛ فهي الوحيدةُ التي قد تملكُ خيطاً يوصله بمكانِ الأمير، أو على الأقل، هي الشخصُ الذي لا يمكنُ إخفاءُ هذه الورطةِ عنه.

وصل إلى الجناحِ وطرق الباب طرقاتٍ محسوبةً توحي بالاستعجال.

وقف في الردهةِ الخارجيةِ الفاصلة، وأشارَ لخادمها الخاص الذي كان يقفُ بحراسةٍ متأهبةٍ عند الباب.

أومأ الخادمُ للحاجبِ بالانتظار، ثم دخلَ بسرعةٍ وخفوت. لم تمضِ لحظاتٌ حتى خرجت “لالة شامة”، وقد ألقَت عليها خماراً خفيفاً يسترُ هيبتها، وبدت ملامحُها متوجسةً من هذا الطارقِ غيرِ المعتادِ في هذه الساعة.

وقفت شامة خلفَ بابِ جناحها، ونظرت إلى الحاجبِ حسن الذي كان يقفُ بوقارٍ، لكنَّ القلقَ كان ينهشُ عينيه.

“الحاجب حسن؟” قالت شامة بصوتٍ خافتٍ يحملُ دهشةً لا تخلو من قلق، “ما الذي يأتي بك في وقتٍ كهذا؟ هل هناك خطبٌ أصابَ السلطان؟”

أحنى الحاجبُ رأسهُ باحترام، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ مشحونٍ بالورطة:

“أعتذرُ يا مولاتي على إزعاجكِ في هذه الساعة. الأمرُ لا يتعلقُ بالسلطان، بل بالأمير قيس. كنتُ أبحثُ عنه لأرفعَ التقريرَ الليلي، وجناحهُ خاوٍ والعبيدُ لا يدرون أين هو.”

لم تتمالك شامة نفسها؛ تراجعت خطوةً إلى الوراء واتسعت عيناها فزعاً، وهمست بصوتٍ يكادُ لا يُسمع:

“أقيس؟ أليسَ في جناحه؟ ألم يَعُد بعد؟”

أجابها الحاجبُ بمرارةٍ وهو يمسحُ وجههُ بيده:

“لا أثرَ له. والليلُ قد انتصف، والسلطانُ ينتظرُ إخبارهِ باستقرارِ الأمراء. أنا في ورطةٍ يا مولاتي، ولا جوابَ عندي أقدمه لسيادةِ السلطان. خشيتُ أن يكونَ عندكِ أو أنكِ تعلمينَ سراً لم يصلني.”

نظرت إليه شامة ووجها شاحب، فقد أدركت الآن أنَّ غياب قيس في ليلةٍ كهذه، ومع معرفةِ طباعه، ليس مجردَ نزهةٍ طائشة، بل هو أمرٌ يضعُ القصرَ كلهُ على فوهةِ بركان.

خرجت شامة من جناحها، وقد غطت جسدها بسلهامٍ حريريٍّ سابغٍ يسترُ ما خلفه من اضطراب، لكنَّ ملامحَ وجهها كانت تفضحُ غضباً مكتوماً. كانت تمشي بخطواتٍ سريعةٍ ومضطربة بجانب الحاجب حسن، وصوتُ تمتماتها باللعناتِ واللومِ يملأُ الممرَّ الخافت، فهي لا تكادُ تصدقُ طيشَ الأميرِ الذي وضعهم جميعاً في هذا المأزق.

توقفت فجأةً والتفتت إلى الحاجب، وعيناها تلمعانِ بحدةٍ وذكاء، وهمست بصوتٍ آمرٍ يقطرُ حزماً:

“أنا سأتوجهُ الآن إلى السلطان. سأشغلُ وقتهُ بحديثٍ لا ينتهي، وأفتحُ معه مواضيعَ ستجعلُ ذهنهُ مشغولاً عن انتظارِ تقريرك. سأبقي عينيهِ بعيدتين عن جناحِ قيس، وأذنيهِ مشغولتينِ بكلامي.”

ثم أردفت وهي تشيرُ لهُ بوضوح، وكأنها تضعُ خريطةَ النجاةِ من هذه الورطة:

“أما أنت، فلا تضعْ ثانيةً واحدة. قُم بالواجبِ الذي تعرفه، أرسلْ رجالكَ الموثوقينَ في كلِّ شبرٍ من المدينةِ وخارجها. ابحثْ عنه في أقبيةِ القصر، وفي أزقةِ المدينة، وحتى في باطنِ الأرضِ إن لزمَ الأمر. أريدهُ أمامك.. أريدهُ أن يعودَ إلى جناحهِ سالماً قبلَ أن يسطعَ نورُ الصباحِ ويكشفَ السلطانُ حقيقةَ اختفائه.”

لم تنتظر منه رداً، بل استدارت ومضت بخطىً واثقة نحو جناح السلطان، تاركةً الحاجب حسن خلفها وهو يدركُ حجمَ المهمة التي أوكلت إليه، وبدأت ملامحُ الجديةِ الصارمةِ ترتسمُ على وجهه، فهو يعلمُ أنَّ هذه الليلةَ لن تنتهي إلا بمواجهةِ القدر، أو بجلبِ الأميرِ من تحتِ سابعِ أرض.

تنفست شامة بعمق، مسحت بلمسةٍ سريعة أثر الغضب عن وجهها، ورسمت على شفتيها ابتسامةً عذبةً توحي بالدلال والسكينة. دفعت أبواب جناح السلطان بهدوء، ودخلت بخطواتٍ واثقة، وكأنها لا تحملُ في قلبها ما يزلزلُ أركان القصر.

كان السلطان جالساً، يرتدي جبته الخفيفة، ويبدو عليه الإرهاقُ بعد يومٍ طويلٍ من تدبيرِ شؤون الرعية. اقتربت منه شامة، وانحنت في تحيةٍ رقيقة، ثم جلست قربه، وبدأت تُلقي على مسامعهِ كلماتٍ منتقاة بعناية، تشبهُ أنغامَ العودِ الهادئة في ليلةٍ مقمرة.

“مولاي.. أراكَ اليومَ أثقلتَ كاهلكَ بهمومِ الدولة، والليلُ يطلبُ منا أن ننسى كلَّ شيء. ألم تكن تحدثني عن رغبتكَ في الاستماعِ إلى حكايا زمنِ الجمال؟ دعني اليومَ أُنسيكَ تعبَ النهار، وأطوي لكَ الزمنَ بعيداً عن صخبِ القصور.”

بدأت تُحدثه عن تفاصيل دقيقة، عن ذكرياتٍ مشتركة، وعن أدبِ العصورِ الخوالي، مستخدمةً نبرةً هادئةً وواثقة. كانت تقلبُ المواضيعَ ببراعةٍ، تارةً تمازحه، وتارةً تسترسلُ في وصفِ جمالِ الطبيعةِ في أندلس، وكلما لمحَت في عينيهِ رغبةً في التساؤلِ عن شيءٍ آخر، كانت تبادرُ بفتحِ بابٍ جديدٍ من الحديث.

كانت عيناها تراقبانِ البابَ في كلِ مرةٍ يرتفعُ فيها صوتٌ في الممر، لكنَّ ملامحَ وجهها ظلت جامدةً كقناعٍ من الرخام، لا يكسرُ صمتهُ إلا ابتسامتُها التي لا تفارقُ ثغرها، حتى خُيّل للسلطان أنَّ العالمَ خارجَ هذا الجناحِ قد توقف، وأنَّ ليلةَ شامة هي الملاذُ الأخيرُ من كلِّ ضيق.

أشعلت له بخوراً طيباً، وطلبت من الجواري تقديمَ ما يطيبُ له، وهي مستمرةٌ في حديثها، تُحكمُ قبضتَها على انتباهه، وتغلقُ كلَّ منافذِ الشكِ في عقله، بينما كان قلبها يدعو بأن ينجحَ الحاجبُ حسن في مهمتهِ المستحيلة، قبل أن ينتبهَ السلطانُ لغيابِ الأمير.

تسلل ضوء الفجر الخجول ليشقَّ عتمةَ الغابة، كاشفاً عن مشهدٍ تقشعر له الأبدان. كان الحاجبُ حسن يتقدمُ فرقتَه، ملامحهُ التي أنهكها السهر والذعر تعكسُ صراعاً داخلياً مريراً.

توقفت خيولهم فجأة، فقد بدأت الجثثُ تظهرُ بين الأشجار، جنودٌ ملقون في أوضاعٍ تشهدُ على ضراوةِ معركةٍ لم تكن متكافئة. نزل الحاجب عن حصانه، وتفقدَ أحدَ القتلى، ليتجمدَ الدمُ في عروقه حين رأى خنجراً مغروساً في صدره. انتزعَ الخنجرَ بقوة، وبمجرد أن وقعت عيناهُ على المقبضِ المزينِ بشعارِ العائلةِ الحاكمة، أدرك الحقيقةَ المرة: إنه خنجرُ الأمير قيس.

انطلق الحاجبُ كالمجنونِ وسطَ الغابة، صارخاً برجالهِ أن يضاعفوا البحث. لم يعد الأمرُ مجردَ بحثٍ عن مفقود، بل كان سباقاً مع الموت. وفجأة، قطعَ الصمتَ صهيلٌ حادٌ ومضطرب، قادمٌ من جهةِ كثافةٍ شجريةٍ قريبة. كان حصانُ الأميرِ يصهلُ بجنون، يضربُ الأرضَ بحوافرهِ ويرفعُ قوائمهُ في الهواءِ احتجاجاً وذعراً.

اتجهوا نحو الصوتِ كالسهام، وهناك، وسطَ الأعشابِ الملطخةِ بالدم، وجدوه.

لم يكن قيس ميتاً، بل كان يصارعُ الوجعَ بكلِ ذرةٍ في كيانه. كان نصفُ واعٍ، يحاولُ النهوضَ رغمَ إصابتهِ البليغة، يئنُّ بصوتٍ مكتومٍ يعبرُ عن عزةِ نفسٍ ترفضُ الانكسار. كانت عيناهُ تحاولانِ التركيزَ وسطَ غشاوةِ الألم، وكأنه يرفضُ الاستسلامَ حتى في أقصى درجاتِ ضعفه.

“الأمير!” صرخ الحاجبُ وهو يلقي بنفسهِ بجانبه. لم يضعوا وقتاً في الكلام، فالحركةُ كانت سريعةً ومحسوبة. بمهارةِ رجالِ السلطان، رفعوا جسدَ الأميرِ المنهكِ بحذرٍ شديد، ووضعوهُ على نقالةٍ ارتجاليةٍ جهزوها بسرعة، بينما كان قيس يتمسكُ بوعيه، يصارعُ الوجعَ ويقاومُ الإغماء، عازماً على العودة.

أدرك الحاجب حسن بحكمته أن دخول الأمير بهذه الحالة إلى القصر هو انتحارٌ سياسي، فالسلطان لو رأى ابنه بهذه الهيئة سيثورُ ثورةً لا تبقي ولا تذر، وقد يفتحُ باباً من الفتنِ لا يُغلق. أصدر أوامرهُ بسرعةٍ فائقة، وحوّل مسارهم نحو “بيتِ المواريث”، وهو قصرٌ صغيرٌ منعزلٌ يقعُ في أقصى أطرافِ حدائقِ القصر الملكي، مُخصصٌ للراحةِ بعيداً عن صخبِ البلاط.

بمجرد وصولهم، حملوه إلى الداخل ووضعوه برفقٍ على فراشٍ وثير. نُزعت عنه أثوابه الممزقة

بمجرد أن أزاحَ الحاجبُ حسن أسمالَ الثوبِ الممزق والمُتشرب بدماءٍ جفت وأخرى طازجة، انحسرت الستارةُ عن صدرِ الأمير قيس، فبدت للناظرين لوحةٌ تجمع بين روعةِ البناءِ وقسوةِ الجرح.

صدرٌ عريضٌ تتقاطعُ فيه عضلاتٌ صلبة، صُقلت بالتدريبِ المتواصلِ على المبارزة، لا تعكسُ ضعفاً ولا وهنَ الجسد، بل هي كتلةٌ من القوةِ التي أبَت أن تنهزمَ حتى أمامَ الموت. كانت بشرتهُ تميلُ للسمرةِ الفاتحة، التي تُبرزُ عروقاً بارزةً بدأت تتشنجُ من شدةِ الألم، كخريطةٍ مرسومةٍ بالوجعِ فوقَ جبلٍ من العزم.

رغمَ أنَّ النبلةَ كانت مغروسةً في الجانبِ الأيسر، إلا أنَّ الحاجب لا يرى جرحاً عادياً، بل يرى تضاداً صارخاً؛ فالأثرُ الذي تركته النبلةُ المكسورة، بكسورها الخشنةِ ونهايتها المدببة، كان ينهشُ صدارةً ملكيةً مهيبة. كان الصدرُ يعلو ويهبطُ بإيقاعٍ متلاحقٍ وثقيل، وفي كلِ حركةٍ، كانت العضلاتُ تتقبضُ حولَ النبلةِ وكأنها تحاولُ طردَ الغازي، في مشهدٍ يجسدُ شراسةَ “سلالةٍ ملكية” لا تنكسرُ حتى وهي على وشكِ الزوال.

كانت نذوبٌ قديمةٌ خفيفةٌ تتناثرُ على صدره، شهاداتٌ صامتةٌ على معارك سابقةٍ خاضها الفتى ببطولة، مما يدل فوراً بأنه ليس مجردَ أميرٍ مترفٍ يعيشُ في كنفِ القصر، بل هو محاربٌ حقيقيٌ صُقل في نارِ الميادين. كان منظرُ صدره وهو ينبضُ بالحياةِ وسطَ هذا الدمارِ يشي بهيبةٍ طاغية؛ إذ رغمَ شحوبِ وجههِ الذي غطاهُ غبارُ الغابة، كان جسدهُ يصرخُ بالقوةِ الكامنة، كأنَّ كلَّ عضلةٍ فيه تقسمُ أنَّ هذا الجرحَ ليسَ سوى فصلٍ في روايةٍ لن تنتهيَ هنا.

بينما كان الحكيمُ يفككُ بقايا النبلةِ بحذرٍ جراحي، كان الحاجبُ ينظرُ إلى تلك الهيئةِ المهيبةِ بذهول؛ فبرغمِ النزيفِ والإنهاك، ظلَّ صدرُ الأميرِ محتفظاً بتلكَ الهيبةِ التي تميزُ ملوكِ الحروب، تلك التي تجعلُ من يراهُ يدركُ فوراً أنه أمامَ رجلٍ خُلق للعرش، وأنه حتى في أشدِّ حالاتِ انكساره، لا يزالُ يحملُ شموخَ السلاطين في عروقه.

خرجت “لالة شامة” من جناح السلطان بخطىً متعثرة، سلهامها الحريري يتطاير خلفها كظلٍّ يرافق قلقها، بينما كانت أنفاسها تتقطعُ من فرط التوتر. لم تعد تلك المرأة الهادئة التي كانت تداعبُ خيال السلطان بكلماتها؛ فقد استبدلَ السكينةَ ذعرٌ حقيقي، وعيناها اللتان كانتا تبتسمانِ قبل قليل، باتتا تجولانِ في أرجاء الردهة كالباحثتين عن طوق نجاة.

في منتصفِ الرواقِ المظلم، استوقفت عبيبوش رئيسَ الخدم، الذي رغم تقدمِ سنه وقصر قامته، كان لا يزال يحتفظُ بوقفتهِ المنتصبةِ وحيويتهِ التي لا تعرفُ الخمول. كان يقفُ كحارسٍ للظلال، وجهه مجعدٌ يحملُ أسرارَ القصرِ التي لا تُروى.

اقتربت منه شامة، وقد غلبت عليها لهفتها، وسألت بصوتٍ خافتٍ لا يكادُ يسمعهُ إلا هو:

يا عبيب “يا عبيب، ألم يَعُد الحاجب حسن بعد؟ ألم يظهر لهما أثر؟”

رفع عبيب رأسهُ، وعيناه الذكيتانِ تعكسانِ إرهاقاً شديداً؛ فقد قضي ليلتَهُ كاملةً يراقبُ الأبوابَ والأنفاس، لا يغمضُ له جفن. انحنى باحترامٍ وقال بصوتٍ أجشّ:

“مولاتي، لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت. بقيتُ أراقبُ البواباتِ والممراتِ طوالَ الليل، لم يمرَّ من هنا أحد، ولم يعد الحاجبُ ولا الأمير. الغموضُ يلفُّ القصرَ من كلِ جانب.”

في تلك اللحظة، شعرت شامةُ بالأرضِ تميدُ تحتَ قدميها. انهارَ تماسكها، ويدها التي كانت تمسكُ طرفَ سلهامها ارتجفت بعنف. لم يكن غياباً عادياً، بل كان اختفاءً نذيرَ شؤمٍ لا يُحتمل. أخذت تتساءلُ في سرها بمرارة: “ما الذي حدثَ في ليلةٍ كهذه؟ هل أخطأ الأميرُ في تقديرِ الأمور؟ أم أنَّ شيئاً مروعاً قد أطبقَ عليه؟

تزايدَ خوفها أضعافاً؛ فهي تعلمُ أنَّ السلطانَ حينَ يخرجُ إلى الديوانِ بعد لحظاتٍ ويطلبُ أبناءه، ستكونُ الكارثةُ قد وقعت لا محالة. نظرت إلى عبيب بنظراتٍ تائهة، وكأنها تلومهُ على بقائهِ هنا، بينما كانت اللعناتُ تترددُ في قلبها على حظها العاثر الذي جعلها تقفُ الآن على حافةِ الهاوية، تنتظرُ رعودَ السلطانِ التي ستضربُ القصرَ بمجردِ أن يكتشفَ الفراغ.

في الوقت الذي كانت فيه أشعة الشمس الأولى تلامس أطراف القصر، كان “سيف الدين” يقفُ داخل غرفته في “بيت المواريث

في جناحه الخاص، كان سيف الدين يقفُ أمام المرآة الكبيرة، يراقبُ انعكاس صورته بتمعنٍ وغرور. لم يكن كباقي الرجال؛ حركاته كانت تتسمُ ببطءٍ متعمدٍ يشي بالثقة المطلقة، وكأن الزمنَ نفسه يسيرُ وفقاً لإيقاعه الخاص.

كان الخدمُ يتحركون من حوله في صمتٍ مطبق، يخشون ارتكابَ أي خطأٍ قد يستفزُ مزاجه المتقلب. تناول سيف الدين قميصه الحريري المطرّز بخيوط الذهب، وارتداه بوقارٍ لا يملكه إلا الملوك، ثم أشار بيده -دون أن ينظر إليهم- لخدمه كي يضبطوا طيات سلهامه الثقيل الذي كان ينسدل على كتفيه العريضتين بهيبةٍ طاغية.

وقف سيف الدين شامخاً، صدره الممتلئ وقوامه المتناسق يوحيانِ بقوةٍ بدنيةٍ فطرية، لا تحتاج إلى استعراضٍ لتُفرضَ وجودها. سحب حزامه المرصع بالأحجار الكريمة، وربطه بإحكامٍ حول خصره النحيل، بينما كانت عيناه الحادتانِ ترصدان كل تفصيل في غرفته، بحثاً عن أي نقصٍ قد يخدشُ كمالَ طلّته.

أخذ سيف الدين نفساً عميقاً، مشبعاً برائحة العود والبخور التي تملأ أركان الجناح. لم يكن يشعرُ بأي ثقلٍ سوى ثقلِ طموحهِ وكبريائه الذي يدفعهُ دائماً ليكون الأبرز في حضرةِ السلطان. لم يلتفت إلى الخدمِ وهو يخرج، بل اكتفى بمسحةٍ أخيرة على شعره، ثم عدّل خنجره الملكي في مكانه المعتاد، وخرج من جناحه بخطواتٍ واسعة وموزونة، مفعمةٍ بالتعالي الذي اعتاد عليه الجميع، متوجهاً ببرودٍ نحو الديوان، لا يبالي بما يدورُ في أرجاء القصر من فوضى، فهو سيف الدين، الذي يرى في نفسه دائماً الوريثَ الذي يستحقُ القوةَ والهيبة.

فتحت أبوابُ الديوانِ الكبرى، فدخلَ السلطانُ كالإعصارِ الهادئ، بعباءتهِ المرصعةِ بالذهب التي تجرُ وراءها هيبةَ القرون، ونظراته الحادةُ تمسحُ وجوهَ القادةِ والوزراءِ كالسياف. خلفه، كانت “لالة شامة” تمشي بخطواتٍ واهنة، وجهها المصبوغُ بصفرةِ الموتِ يكشفُ عن معركةٍ خاسرةٍ ضد القلق، فكانت تبتلعُ ريقها بصعوبة، منتظرةً لحظةَ انكشافِ غيابِ “قيس” التي ستشعلُ حرائقَ لا تنطفئ.

كان سيف الدين واقفاً في مكانهِ المعتاد، يملأُ المكانَ بتعاليهِ المعهود، صدره المفتولُ يبرزُ من تحتِ ثيابهِ الفاخرة، يبتسمُ ببرودٍ لمن حوله، واثقاً من كونهِ النجمَ الوحيدَ في هذه الساحة.

وفجأة، خيمَ صمتٌ غريبٌ على الديوان، وانقطعت الأنفاس.

من البابِ الخلفيِّ، دخلَ “قيس السديد”، لا كمن كان يصارعُ الموتَ قبلَ ساعات، بل كالجبلِ الذي لا يزحزحهُ ريح. لم يكن يرتدي أثواباً مجرجرةً أو قفاطينَ تعيقُ الحركة، بل كان يرتدي لباسَ فروسيةٍ استثنائياً؛ سترةً ضيقةً من الجلدِ الفاخرِ المطرزِ بخيوطِ الفضة، تتجسمُ فوقَ جسدهِ الرياضيِّ كأنها درعٌ ثانٍ، وسروالاً مزموماً ببراعةٍ عند الخصر، يبرزُ قوةَ ساقيهِ الجاهزتينِ للانطلاق.

مشى بخطواتٍ واثقةٍ وئيدة، لم تترك أي أثرٍ للألمِ أو التعب، حتى وصلَ ووقفَ في ثباتٍ صلبٍ بجانبِ أخيهِ سيف الدين. في تلك اللحظة، اتجهت كلُّ العيونِ إليه كان “قيس” يمتلكُ جمالاً يفتنُ الألباب، جمالاً حاداً كحدِّ السيف. بشرتهُ المائلةُ للسمرةِ الفاتحةِ كانت تتوهجُ تحتَ أضواءِ القاعة، أما عينهُ.. تلك العينانِ الفيروزيتانِ الغامقتان، فقد كانت تبدوانِ كبحرٍ هائجٍ حبسَ أسرارَ الليلِ في أعماقه، نظراتٌ نافذةٌ تضفي على وجههِ هيبةً تفوقُ هيبةَ الملوك. كان الأنفُ مستقيماً كحافةِ خنجر، والشفاهُ المرسومةُ بصرامةٍ تزيدُ من غموضِ ملامحهِ التي كانت تُسحرُ الرائي وتُربكهُ في آنٍ واحد.

حتى سيف الدين، ببريقهِ المتكبر، بدا وكأنه يبهتُ أمامَ وهجِ “قيس”. كان “قيس السديد” يقفُ هناك، بملابسهِ العمليةِ الفخمة، بملامحهِ التي تجمعُ بين رقةِ الجمالِ الفتانِ وقسوةِ المحارب، جاعلاً الجميعَ ينسون تماماً التساؤلَ عن مكانِ قضائهِ لليلته.

أما “لالة شامة”، فقد تجمدت أنفاسها، وعادت الروحُ لجسدها ببطء، وهي تنظرُ إلى هذا “الجبل” الذي وقفَ فجأة، محولاً كارثتَها الموشكةَ إلى لغزٍ جديدٍ يُضافُ إلى قائمةِ أسرارِ الأميرِ الصغير.

في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان الديوانُ يضجُّ بصمتٍ مهيبٍ بعد دخول قيس المفاجئ، اقترب الحاجبُ حسن ببطءٍ من “لالة شامة”.

لم تكن حركاته توحي بأيِّ اضطراب، بل كانت مفعمةً بالانضباطِ العسكريِّ الصارم. توقفَ بجانبها مباشرةً، انحنى برأسهِ بانخفاضٍ مدروسٍ احتراماً لهيبةِ الموقف، وضمَّ يديهِ أمامَ صدرهِ بهدوءٍ مطبق، وكأنَّ ليلةَ الدماءِ والجراح، وسباقَ الموتِ في الغابة، وتلك النبلةَ المكسورة، لم تكن سوى أوهامٍ تبددت مع طلوعِ الشمس.

كان وقوفه صامتاً تماماً، وعيناهُ لا تغادرانِ أرضيةَ الديوانِ الرخامية، لكنَّ جانباً من قلبهِ كان يراقبُ قيس، الذي وقفَ بجانبِ سيف الدين كأنه تمثالٌ منحوتٌ من صخرٍ صلب، لا أثرَ لآلامه، ولا تلميحَ لما كابدهُ في “بيت المواريث”.

نظرت إليه شامة من طرفِ عينها، وقد استعادت توازنها بعد رؤيةِ قيس، فلاحظت ذاك الهدوءَ المريب في تقاسيمِ وجهه. لقد كان الحاجبُ بارعاً في لعبِ دوره؛ فبوضعيتهِ تلك، كان يرسلُ لها رسالةً واضحةً دونَ أن ينطقَ بحرف: “الأمرُ تحتَ السيطرة، والقصرُ لا يعلمُ شيئاً.”

تنفسَ الحاجبُ الصعداءَ في داخله، لكنه ظلَّ ثابتاً في مكانه، شاهداً على هذا العرضِ البارع الذي يقدمهُ الأميرُ قيس، مستعداً لأيِّ إشارةٍ قد تطلبُ منه التدخل، بينما كانت عيناهُ تلمحانِ نظراتِ السلطانِ وهو يلتفتُ نحو أبنائه بنضرات صقرية وجل تركيزه كان على وجه قيس الصخري اللذي كان ينضر امامه في استقامة عسكرية دون حركة ، كأنه ثمثال من حديد

اتجهت الأنظارُ جميعاً نحو السلطان، الذي كان جالساً على عرشهِ الضخم، وعيناهُ الصقريتانِ تراقبانِ أبناءه؛ سيف الدين بنظراته المتعالية، وقيس الذي وقف بجانبهِ بملابسه الميدانية

اعتدل السلطان في جلسته، وأمسك بيدهِ عصا القيادة المرصعة بالياقوت، ثم ضرب بها الأرض ضربةً واحدةً أحدثت صدىً هزَّ أركان القاعة، وقال بصوتٍ جهوريٍّ يملأُ القلوبَ رهبة:

“يقولون إنَّ القصورَ تُبنى بالحجارة، لكنَّ العروشَ لا تحميها إلا سواعدُ الرجال. واليوم، لم أجمعكم لأسمعَ تقاريرَ الوزارةِ ولا أخبارَ التجارة..”

سكتَ السلطانُ لحظة، ثم أدارَ نظرهُ ببطءٍ نحو سيف الدين وقيس، ليتابع بنبرةٍ باردةٍ كالنصل:

“لقد بلغتني أخبارُ الفتنةِ تطلُّ برأسها في أطرافِ المملكة، والعرشُ لا يرثه من يرتدي الحريرَ ويجلسُ في الظل، بل يرثهُ من يثبتُ للديوانِ وللشعبِ أنه قادرٌ على صونِ الدمِ والحدود. لذا.. أعلنُ افتتاحَ ’موسمِ الاختيار‘! اليوم، هنا وفي هذه القاعة، سيثبتُ كلُّ أميرٍ جدارتهُ بمكانتهِ وبما سيُؤتمنُ عليه من ولايات.”

هنا، التفتَ السلطانُ مباشرةً إلى قيس، وتلاشت ملامحُ الغضبِ من وجهه ليحلَّ محلها تساؤلٌ حادٌّ كالسيف:

“أرى ’قيس السديد‘ قد حضرَ بزيِّ الفرسان، وكأنه كان ينتظرُ هذه اللحظةَ قبلَ الجميع.. هل أنت مستعدٌ يا قيس لكي تُرينا ما خفيَ عن العيونِ في ليلتِك التي قضيتَها بعيداً عن أعينِ حراسك؟”

شعر سيف الدين بالغيرةِ تنهشُ صدره، فالتفتَ إلى قيس بنظرةٍ احتقاريةٍ ممزوجةٍ بالشك، بينما كانت “لالة شامة” في الخلف، تحبسُ أنفاسها، وتكادُ تنهارُ من شدةِ التوتر؛

ابتسم قيس ابتسامةً باهتةً وغامضة، وزادَ من استقامتهِ، وأجابَ السلطان بصوتٍ رخيمٍ واثقٍ لا يرتجف:

“يا مولاي، الفارسُ لا يحتاجُ لاستئذانٍ ليكونَ في موقعهِ حينَ تستنفرُ الدولة. وإن كانَ الاختبارُ يتطلبُ دماً وعزماً، فأنا هنا.. وسيفي وصدري فداءٌ لما تختارهُ لي.”

تجمدَ الدمُ في عروقِ الحاجب حسن. كانت كلماتُ السلطان كوقعِ الصواعقِ على أذنيه؛ لقد ظنَّ أنَّ خديعةَ “بيت المواريث” قد انطلت على الجميع، وأنَّ عودةَ قيس في لحظةِ استيقاظِ السلطان كانت كافيةً لسترِ الغياب. لكنَّ السلطانَ لم يكن مغفلاً، بل كان يراقبُ الشطرنجَ من علٍ، ويعلمُ بتحركاتِ قطعِهِ قبل أن تتحرك.

انزوت ملامحُ الحاجب حسن في ظلالِ العباءاتِ المحيطةِ به، وحاولَ جاهداً أن يبقيَ يديهِ المضمومتينِ أمام صدره ثابتتينِ كتمثالٍ صخري، لكنَّ نبضاتِ قلبهِ كانت تعزفُ لحناً من الهلع. لقد كان هو الوحيد في تلك القاعةِ الفسيحة، بجانبِ الحكيمِ الذي عالجَ الأمير، من يدركُ الحقيقةَ المرة: أنَّ خلفَ سترةِ الجلدِ الفاخرةِ التي يرتديها قيس، لا يوجدُ جسدٌ جاهزٌ للنزال، بل جرحٌ يئنُّ تحتَ نصلِ النبلةِ التي كادت تودي بحياته.

انطلقَ النداءُ في أرجاء الديوان، فاهتزت جدرانه معلنةً بدءَ “موسم الاختيار”. لم يضيع سيف الدين ثانيةً واحدة؛ فقد كانت هذه فرصتَهُ التي ينتظرُها ليمحو ذكرياتِ تفوقِ قيس في أعينِ السلطان.

تغير جو الديوان في لحظة. بمجرد أن نطق السلطان باسم “قيس”، أصبحت الأنظار تتنقل كسهام مسمومة بين الأخوين. سيف الدين، الذي كان يرتدي رداء كبريائه كدروعٍ صلبة، لم يتراجع، بل استدار ببطء نحو أخيه. كانت ابتسامته هذه المرة لا تحملُ إلا التحدي؛ فهو يرى في هذا النزال فرصةً ليس فقط للانتصار، بل لكسرِ هيبةِ قيس التي أصبحت تؤرقه.

تحرك قيس نحو وسط الساحة بخطواتٍ موزونة. لم يظهر عليه أي وهن، لكنّ داخله كان صراعاً مريرين بين نداء العقل الذي يحذره من انفجار الجرح، وبين كبرياء الأمير الذي يرفض الانحناء.

سحب سيف الدين سيفه الدمشقي الذي لمع تحت اشعة الشمس الصباحية

، تبعه قيس بحركةٍ أكثر سرعة وهدوءاً. وقف الاثنان وجهاً لوجه؛ سيف الدين ببنيته العريضة وملامحه الحادة، وقيس بعينيه الفيروزيتين الغامقتين اللتين كانتا تلمعان ببريقٍ لا يفسره إلا من واجه الموت.

قال سيف الدين بصوتٍ منخفض، لا يسمعه إلا أخوه:

“أرى أنك تحاول أن تبدو كالجبل يا قيس، لكن حتى الجبال تهزها الرياح.

لم يجب قيس بكلمة. اكتفى بتضييق عينيه، ورفع سيفه في وضعية القتال.

وقف الحاجب حسن كالصنم، روحه معلقةٌ بكل حركةٍ يقوم بها قيس، يراقبُ بدقةٍ متناهية ما إذا كان الجرحُ سيغدرُ بالأمير.

سيف الدين، الذي لم يكن يعلم أن أخاه يصارع الموت خلف قميصه الجلدي، كان يرى في ثبات قيس استخفافاً مستفزاً. لم يكن يشك للحظة أن هذا “الجبل” الذي يقف أمامه يغالب نزيفاً داخلياً، بل كان يظن أن قيس يتلاعب به، يراوغه ببرود أعصابٍ لا يُطاق، مما أشعل في نفسه نار الغيرة المتقدة.

تراجع سيف الدين خطوة، ثم اندفع مجدداً بهجومٍ أعنف، مصحوباً بصرخة تحدٍّ هزت أرجاء الديوان. كانت ضرباته تتسارع، سيفه يقطع الهواء بحركاتٍ دائرية قوية، يحاول أن يختبرَ صلابة دفاع أخيه. كان يظن أن قيس “يتعالى” عليه بوقفتهِ تلك، ولم يدرك أن كل تفادٍ يقوم به قيس هو معجزةٌ من الصبر.

قال سيف الدين بصوتٍ يقطر غضباً:

“أرني قوتك يا قيس! كفانا مراوغةً كالنساء.. أين تلك الشراسة التي عرفناها عنك في الغابات؟ أم أن القصورَ أضعفت قلبك؟”

لم يجب قيس. كانت عيناه الفيروزيتانِ ترصدان حركة سيف الدين بدقةٍ متناهية، رغم أن الغشاوة بدأت تتسلل إلى بصره من شدة الألم. كان قيس يتجنب الالتحام الجسدي العنيف (التلاحم بالأكتاف) الذي قد يفتح جرحه، ويكتفي بصد السيوف بقوة ساعديه فقط، معتمداً على مرونة خصره التي بدأت تخونه.

في لحظةٍ خاطفة، وجه سيف الدين ضربةً رأسية قوية نحو كتف قيس، ضربةً لو أصابته لفتحت الجرح فوراً. تحرك قيس بلياقةٍ مذهلة، وانحنى بجسده ليتفادى الضربة، لكن حركته كانت أبطأ بجزءٍ من الثانية من المعتاد. مرّ سيفُ سيف الدين قرب صدر قيس، وكاد أن يمزق الجلد الجلدي لسترة قيس.

توقف سيف الدين للحظة، لاهثاً، وعيناه تلمعان بحقدٍ غامض. لم يلحظ سيف الدين أن قيس قد شحب لونه فجأة ولم يلحظ تلك الرعشة الخفيفة في يد أخيه التي حاول إخفاءها بسرعة خلف قبضة سيفه.

تنهد سيف الدين بحدة، ووجه نظرةً سريعةً نحو السلطان ليلمح رد فعله، ثم عاد ليوجه سيفه نحو قيس قائلاً بسخرية لاذعة:

“تبدو شاحباً يا أخي.. هل أرهقتك وقفتك في الديوان؟ أم أنك تخشى أن تلمس سيوفنا بعضها البعض؟”

بينما كان الحاجب حسن يراقب المشهد بقلبٍ يوشك على التوقف، كان يرى قيس يضغط بيده الأخرى على حزامه، محاولاً تثبيت ضماداته التي بدأت تشعرها تحت ثيابه.. كان النزال في ذروته، وسيف الدين لا يزال يرى في أخيه “نداً لا يُكسر”، غير مدركٍ أنه يقاتل رجلاً يلفظ أنفاسه مع كل صدٍّ لضربة.

تزايدت حدة النزال، وأصبح صوت ارتطام السيوف يتردد في القاعة كصواعقَ متتالية. سيف الدين، المحرك بغريزةِ التفوق، بدأ يستخدم كل حيله القتالية. اندفع نحو قيس بضربةٍ جانبيةٍ قوية، متبعاً إياها بحركةٍ مفاجئةٍ بقدمه لعرقلة أخيه، ظناً منه أن قيس سينهار كأي خصمٍ عادي.

لكن، وبحركةٍ انسيابيةٍ تكادُ تكون فوق بشرية، قفز قيس إلى الخلف متفادياً العرقلة، لكن هذا الجهد المفاجئ كان كافياً لتمزيق غرزةٍ من جرحه الخفي. شعر قيس بحرارةٍ رطبةٍ تسري تحت سترته الجلدية؛ لقد بدأ الجرحُ بالنزيف.

اتسعت عيناه الفيروزيتان، ليس خوفاً، بل تركيزاً حدّياً. علم أن لديه بضع لحظات فقط قبل أن يفقد الوعي أو تظهر بقعة الدم. قرر إنهاء الأمر بضربةٍ واحدة.

تراجع سيف الدين للخلف بضع خطوات ليجمع قواه لضربةٍ قاضية، ثم انقضَّ كالصقر. في تلك اللحظة، لم يراوغ قيس، بل تقدم إلى الأمام! اخترق دفاعات أخيه بجرأةٍ جنونية، ووصل إلى “منطقة النقطة العمياء” في وقفة سيف الدين.

بلمحة بصر، التف قيس حول أخيه، ووضع نصل سيفه ببرودٍ تام على عنق سيف الدين، بينما كان سيف سيف الدين لا يزال معلقاً في الهواء بانتظار إكمال حركته.

ساد سكونٌ مطبقٌ على الديوان. أنفاس سيف الدين كانت تتسارع، وجهه تحول إلى قناعٍ من الصدمة والذهول. لم يتخيل يوماً أن يُهزم بهذه السرعة، وببهذه الطريقةِ التي لم تترك له مجالاً حتى للدفاع عن نفسه.

همس قيس في أذن أخيه بصوتٍ يملؤه التعب المكتوم، لكنه ظل قوياً كالفولاذ:

“القتال ليس بالعضلات يا سيف الدين.. بل بمعرفةِ اللحظة التي تستسلم فيها قبل أن تُهزم.”

سحب قيس سيفه ببطء، وابتعد خطوتين، ليقف بجانب والده السلطان. في تلك اللحظة، تمايل جسد قيس لمحةً صغيرة، لكنه سرعان ما استعاد توازنه، واضعاً يده بقوة على جانبه تحت سترة الفروسية، بينما الحاجب حسن يغلق عينيه للحظة إيماناً بأن المعجزة قد حدثت.

السلطان، الذي كان يراقب المشهد بملامحَ جامدة كالحجر، نهض ببطء عن عرشه، وابتسم ابتسامةً خفيفةً لم تُفهم دلالتها. نظر إلى سيف الدين المصدوم، ثم إلى قيس الذي بدا وكأنه صخرةٌ لا تتزحزح رغم الألم الخفي، وقال بصوتٍ هزَّ القاعة:

“أثبتَّ اليوم أنك ‘السديد’ يا قيس.. انتصارٌ لا بضربةِ سيف، بل بضربةِ عقل. أما أنت يا سيف الدين انتهى النزال، انتصر قيس بذكائه وقوته الفطرية، لكن الثمن كان باهظاً؛ فمع كل خطوة يبتعد بها عن الساحة، كان الألمُ في صدره يشتد، والحاجبُ حسن كان يتجهُ نحوه بخطواتٍ غير مرئية، مستعداً لالتقاطِ الأمير قبل أن يسقط أمام عيون القصر.

السلطان بخطواتٍ رزينة وثقيلة، صدى خطواته على الرخام كان يقرعُ مسامع الجميع كإعلانٍ عن حكمٍ نهائي. توقف أمام “لالة شامة” نظر إليها السلطانُ بعينينِ لا ترحمان، رأسُه مرفوعٌ بشموخٍ يملؤه اليقين، وصوته الرخيمُ انطلق في مسامعها

بحدةٍ لم تترك مجالاً للجدال:

“أكنتِ تنتظرينَ دليلاً آخر يا شامة؟ أم أنكِ لا تزالينَ ترينَ في سيف الدينِ الوريثَ الذي يملأُ العينَ والمكان؟”

سكتَ قليلاً، ثم أردف بنبرةٍ تهكمية باردة:

“أظنُّ أنَّ النزالَ قد أزالَ الغشاوةَ عن القلوبِ قبل العيون. انظري إليهم.. أحدهما يقاتلُ ليُرضي غروره، والآخرُ يقاتلُ ليكتم سره.

، حتى وإن كان لا يملكُ من القوةِ الظاهرةِ ما يملكهُ غيره.”

التفتَ السلطانُ بنظرةٍ سريعةٍ نحو قيس، الذي كان يقفُ صامتاً، شاحبَ الوجهِ لكنه ثابتٌ كالجبل، ثم عاد ليُثبتَ نظره في عيني شامة المكسورتين، وقال بصوتٍ منخفضٍ ومسموعٍ لمن حولهما:

“شالة لا تحتاجُ لمن يتباهى بسيفهِ أمامَ البلاط، بل لمن يعرفُ كيف يواجهُ الموتَ بابتسامةٍ باردة. فهل وضحت الصورةُ الآن؟ أم أنَّ لديكِ كلاماً آخرَ ترغبينَ في إضافتهِ قبلَ أن نعتمدَ القرار؟”

تجمدت “لالة شامة” في مكانها. لم تكن تجدُ في قاموسها حرفاً واحداً لتردَّ به. لقد كانت النتيجةُ أمامَ عينيها؛ هزيمةُ سيف الدين أمامَ “قيس” لم تكن مجردَ هزيمةٍ في نزال، بل كانت سحقاً لكلِّ طموحاتها التي حاولت بناءها لابنها. نظرت إلى قيس، ثم خفضت بصرها نحو الأرض، وأطبقت شفتيها بقوة، مدركةً أنَّ الديوانَ قد أصدر حكمه بالفعل، وأن أيَّ كلمةٍ إضافيةٍ منها لن تزيدها إلا سقوطاً أمامَ هيبةِ السلطان.

انحنت شامة انحناءةً خفيفةً ومضطربة، بينما كان الحاجب حسن -الذي كان يقفُ غير بعيد- يراقبُ المشهدَ بقلبٍ يرجف، يرى بوضوحٍ كيف أنَّ السلطانَ قد اتخذ قراره، وأنَّ “قيس” هو المتوجهُ نحو شالة، برغمِ الجرحِ الذي يحملهُ في صدره، والذي كان يتسربُ منهُ ببطءٍ ما يهددُ بإنهاءِ كل شيء.

خيم سكونٌ ثقيلٌ على الديوان، سكونٌ لا يقطعه إلا صوتُ أنفاسِ قيس المتلاحقة التي كان يحاول جاهداً كتمانها، بينما بدأ الدم يبلل قميصه الجلدي الداخلي، مُحرقاً جلده كالنار.

استدار السلطانُ بجسدهِ الضخم نحو القادة والوزراء. كان نظراته توحي بأن التاريخ يُكتب في هذه اللحظة. رفع يده، فارتجفت القلوبُ في صدورها، ثم أعلن صوتهُ القويَّ الذي ملأ القاعة:

“بناءً على ما شهدناه، ومنذ هذه اللحظة، أُعلنُ قيس السديد أميراً على ’شالة‘! فلتكن هي حصنك، ولتكن أنتَ درعها الذي لا يُخترق. إنها ولايةٌ تليقُ بمقامِ من يضعُ مصلحةَ الدولةِ فوق كلِ اعتبار.”

عندما سُمعَ اسمُ قيس، سادَ صمتُ الدهشةِ ثم تبعتهُ همساتُ الإجلال. أما “لالة شامة”، فقد تجمدت في مكانها أما قيس، فقد استقبلَ الخبرَ بوجهٍ لا ملامحَ فيه، عينانِ فيروزيتانِ جامدتانِ كالصخر، لم تبتسما، ولم تظهر عليهما نشوةُ الانتصار. كان كلُّ ما يشغلُ باله هو الجرحُ الذي بدأ يُنهكُ قواه، والحاجبُ حسن الذي كان يراقبهُ من بعيد، مدركاً أنَّ قيس لم يربح النزالَ فحسب، بل ربحَ ولايةً سيبدأُ في حكمها سارَ قيس بخطواتٍ ثابتةٍ نحو والدهِ ليقبلَ يده، ثم التفتَ إلى الحاشيةِ برأسٍ مرفوع، متجاهلاً نظراتِ الغيظِ في عيني سيف الدين، مستعداً للمغادرةِ نحو شالة.. وبدأ رحلةً جديدةً تماماً.

بمجرد أن انفضَّ الديوان وتفرق الحضور، وبدأ صدى خطواتهم يتلاشى في الأروقة الفسيحة، لم يعد قيس قادراً على تزييف القوة. سار نحو جناحه بخطواتٍ بدت ثابتة في نظرِ المارة، لكنها كانت في حقيقتها تسيرُ على حافةِ الهاوية.

مع أول خطوةٍ تجاوز فيها أبواب الديوان الرئيسية، شعر قيس بأنَّ العالمَ يدورُ حوله. كانت الدماءُ قد تغلغلت في ثيابهِ الجلدية لتلتصق بجلده كأنها حديدٌ ساخن. وعندما وصل إلى زاويةٍ مظلمةٍ تؤدي إلى جناحه، لم يعد جسده يطيقُ المقاومة؛ فقدت ساقاهُ قدرتهما على الحمل، ليهوي على ركبتيه فوق الرخام البارد.

أطلقَ قيس زفيراً مكتوماً من الألم، وغرست أصابعهُ في سترتهِ الجلدية، محاولاً الضغطَ بكل ما أوتي من قوةٍ على جرحه الغائر الذي انفجرت غرزاته أثناء النزال. كانت ملامحه الفاتنة تتلوى تحت وطأة الوجع، وعيناه الفيروزيتانِ بدأتا تفقدانِ بريقهما وتغوصانِ في ضبابيةٍ مرعبة.

في تلك الأثناء، كان الحاجب حسن لا يغيبُ عن ناظريه. كان يراقبُ الأمورَ من مسافةٍ آمنة، قلبهُ كان يقرعُ كطبولِ الحربِ مع كل خطوةٍ متعثرةٍ خطاها الأمير. وما إن رأى قيس يختفي خلف الزاوية، حتى ركض بكل سرعته، يلتفتُ يميناً ويساراً ليتأكد من خلو الممر من الحرسِ أو الخدمِ الفضوليين.

عندما وصل إلى الزاوية، وجد الأميرَ جاثياً على ركبتيه، ملامحه شاحبةً كالموت، ويده ملطخةً بدماءٍ بدأت تسيلُ على ثيابهِ الفاخرة.

شهق الحاجبُ مذعوراً، واندفع نحوهُ كالسهم، جثا بجانبهِ ووضع ذراعيهِ القويتينِ تحت إبطي قيس ليسنده. همس بصوتٍ مرتجفٍ وخائف:

“تماسك، أرجوك!”

لم يقوَّ قيس على الكلام، اكتفى بهز رأسهِ بضعف، بينما كان يرتجفُ بعنف. حاول الحاجب حسن رفعهُ ببطءٍ وحذر، مستخدماً كل عضلاته ليخفف الثقل عن جرحه. بدأ يسير به خطواتٍ وئيدةً نحو الجناح، وكلما خطوا خطوة، كان الحاجبُ يتلفتُ حوله بهلع، خائفاً أن تقعَ عينٌ على الأميرِ في هذا الوضعِ المتهالك.

دخلَ به إلى الجناحِ وأغلقَ البابَ خلفهما بقوة، ثم أسندهُ إلى أقربِ مقعدٍ خشبيٍّ منقوش. سارع الحاجبُ لإحضار الماءِ وبعضِ الضماداتِ النظيفة، وكان يرى في عيني قيس نظرةً توحي بأنه يرى نهايتهِ قريبة، لكنه في الوقت ذاته، كان يعلمُ أنَّ هذه المعركةَ لم تكن الأولى، ولن تكونَ الأخيرة.

دخل سيف الدين جناح والدته “كنزة” بخطوات ثقيلة، كان وجهه يتصبب عرقاً ونظراته تنبئ عن بركانٍ من الغضب المكتوم. وجدها جالسةً بكل هدوء، وقد ارتدت أفخم قفطانٍ مطرزٍ بالخيوط الذهبية، تشربُ شايها بنعناعٍ طريّ وتضحكُ مع إحدى وصيفاتها على أمرٍ تافه، وكأنها لا تعلمُ بأنَّ عرشَ ابنها قد تعرض اليوم لزلزالٍ هزَّ كيانه.

بمجرد أن رأت وجهه، وضعت كنزة كأسها جانباً، ورفعت حاجبيها بدهشةٍ مصطنعة، بينما ظلَّت ابتسامتها الباردة مرسومةً على محياها.

وقف سيف الدين أمامها، قبضتاه مشدودتان لدرجة أن عروق يديه برزت، وصرخ بصوتٍ متهدجٍ يملؤه الحنق:

“أين هي برودتكِ الآن يا أمي؟ ألا تعلمينَ أنَّ السلطانَ قد ألقى بي اليومَ في الهاوية؟ وجعل من قيس لميرا على شالة “

لم تتحرك كنزة، بل أخذت خصلة من شعرها ووضعتها خلف أذنها بهدوء مستفز، ثم قالت بصوتٍ هادئ كأنه الماء البارد الذي يُسكب على النار:

“خليييه خليه يمشي ينقص علينا من الزحام اش بغيتي هنية عليييك “

ازداد سيف الدين جنوناً، فراح يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يشير بيده نحو باب الجناح:

“تستهزئينَ بي؟ السلطان يقللُ من قدري! دائماً ما يقارنني به، دائماً ما يضعني في كفةٍ وهو في كفة، واليوم.. اليوم أهداه شالة على طبقٍ من ذهب، كأنه يريدُ أن يقولَ لي علانيةً إنني لا أصلحُ للمهماتِ الكبرى! كيف اخترعهُ هو؟ كيف رأى فيهِ أهلاً للحكمِ وأنا موجود؟”

تنهدت كنزة، وقامت ببطء من مكانها، اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه بلمسةٍ توحي بالسيطرة، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريقٍ خطير:

“تركن…تركن وقطع الحس اش بغيتي بشي شالة ولا لقرينة الكحلة؟! هنية علينا غيسيفطو هوا ونتا تبقا هناااا..حداه فهاد القصر وترد هيبتو وماينسا حتى واحد بلي راك ولد السلطان . دار ربي الخير ماسيفطناش لداك الكحط والنحط ، خليه يمشي هوا ومو نتهناو راه هادا هوا العيد عندي يانا ، نهار تخرج شامة من القصر مشية بلا رجعة .

اقتربت أكثر من وجهه، وأضافت بصوتٍ خافتٍ لا يخلو من السم:

خصك تفرح حيت خوات الطريق غتبقا نتا وانا والسلطان هنا ، اما الحاشية كلها غتنسا واش كان عند السلطان شي وارث سميتو قيس . تركن وديها فاللي يليق بيك مااالك عزيز علييك حاجة الزحام والهم .يخ

نظر إليها سيف الدين باستغراب، كانت كلماتها تثيرُ في نفسه خليطاً من الارتيابِ

“لاكنه قلل من شأني ..لقد سقط سيفي امام القادة وامام السلطان”

ربتت على كتفه بهدوء وقالت

هاداك راه جن بحالو بحال مو ، اما نتا راك سييييد المير ولد السلطان ماعندك مادير لا بنزال ولا بغيرو، هاهوا ربحك اش ربح؟؟ لهلا والجلا ! ايوا حمد لله (تبسمت ) راني جبت ليك شيييي زيين!! شي زين تحيير فيه العين..تبررع ليا ما تهز هم وخلي لي بغا يمشي يمشي راه ربي ميسرها ليك ونتا بهاد العناد باغي تعكسها ،،، لوباااانااااا…وجدو لوليدي شي حمام مع البنات الجداد يكون دااابزو الكلام .. يليق بولد السلطااان ههه

تصلبت ملامح سيف الدين، وبدا وكأنَّ كلمات والدته لم تداوِ غليله، بل زادت من شعلة الحقد المشتعلة في جوفه. نفض يده عن كتفها بحركة عصبية، ووقف قبالتها بعينين تقدحان شرراً، ونبرة صوته المرة لم تعد تخفي ضعفاً، بل تحولت إلى اعترافٍ مؤلم:

“أهذا ما ترينه يا أمي؟ ‘زينة’ وحمامٌ وجواري؟ أنتِ تتحدثين عن عرشٍ وعن أرضٍ كان يجبُ أن تكون تحت قدمي! شالة ليست مجرد ثغرٍ بعيد.. إنها أرضُ أهلكِ وجذوري التي كنتُ أحلمُ بأن أفتخرَ بها أمامَ القادة. خوالي.. أهلي.. هؤلاء سندي، سيصبحون اليوم تحتَ إمرةِ قيس! أتريدينني أن أضحك وأتركَ ‘الجن’ يصولُ ويجولُ في ديارِ أخوالي؟”

ضربت كنزة يد على يد ورتبت سبنيتها على راسها وقالت بنفاد الصبر

“شكون عقل عليييهم اشمن خوال!! شي مات شي باقي حي يعلم الله فين داتهم الايام..غير التراب والكديات وقلة شي وقلة ومايدار.. تخلي ارض الحكام ديال بصح لي تحت رجلك هنا وهاد العز وهاد الخير وهاد الملك وتمشي لشالة ضرب بالحجر ؟؟ ماتقوليا لا خالي لا جدي..وانا والله مانمشي معاك سمعتي؟؟ والله منحط رجلي تما

رفع سيف الدين حاجبه في دهشة وقال

“الم تشتاقي لأهلك؟ واخوتك؟

مصات كنزة ريقها بملل وقلبات عينيها فالارجاء بنفس عميق وردت

“خوتك قالك! اااشمن خووت ؟؟ غيبقاو يتنساو نجي نطل عليهم؟؟ راه كولشي تزوج وكلشي خوا الدار وكل واحد فين صد . وانا من هنا مانتحرك..ونتا غتبقا هناااا هادي هي ارضك وحبابك وباك ومك وخوتك . ماتعاودش تزيد معايا الهضرة ولا غنسخط عليك يالاه..واسير تسخن عضامك راه البنات كيتسناو ووقرني عليك فهاد الصباح ماتبقاش تحك نحاسي.

سيف الدين، الذي كان يشتعل من الداخل، لم يعد قادراً على تحمل برود والدته ولا استخفافها بجذوره التي يراها مصدر قوته الوحيد. تراجع خطوة إلى الوراء، لكن هذه المرة لم تكن تراجعاً ضعف، بل تراجع من يقرر العصيان.

نظر إليها بحدة، وصوته خرج هذه المرة خشناً وعميقاً، مليئاً بالتحدي الذي لم تعهده منه من قبل:

“كتسخطي عليّ؟ أهذا أقصى ما تملكين يا أمي؟ السخط أهون عليّ من أن أظل هنا، أرى عرشي يُسرق مني وأرض أخوالي تُدنس بأقدام ‘قيس’!”

اقترب من وجهها أكثر، متجاهلاً نظراتها الحادة، وتابع بنبرةٍ لا تقبل الجدال:

“أنتِ تتحدثين عن القصر، وعن الخير، وعن العزّ.. لكنكِ نسيتِ أنَّ الكراسي في هذا القصرِ رمالٌ متحركة. خوالي ليسوا مجرد ترابٍ وكديات كما تسمينهم، إنهم ‘السيوف’ التي إذا استندتُ عليها، لن يسقط لي ظهري أبداً. قيس هناك، سيفتحُ لهم ذراعيه، وسيدغدغُ عواطفهم، وسيجعلهم درعاً له. إذا تركته يستوطنُ هناك ويأخذ مكانتي في قلوبهم، فقد حكمتِ على ابنك بالضياع هنا.”

رمى بيده في الهواء بحركةٍ عنيفة، معلناً تمرده:

“لن أطيعكِ هذه المرة. لن أظل هنا لأرقصَ في حماماتكِ بينما يُحكمُ ‘قيس’ قبضته على حلفائي. سأذهبُ إليه.. ليس لأبارك له، بل لأذكرهُ في عقرِ داره أنَّ شالة ليست له، وأنَّ خلفها رجلاً لن يهدأ له بال حتى يستردَّ ما سُلِب منه. خوالي قد ينسون، ولكنهم لا ينسون أبداً من هو ‘ابنُ كنزة’ الحقيقي.”

التفتَ سيف الدين بحدة، متجاهلاً نداءات والدته المذعورة، واتجه نحو باب الجناح بكلماتٍ أخيرةٍ هزت أركان الغرفة:

“ابقي أنتِ في عزّكِ هنا، وانتظري ما سيجود به القدر. أما أنا، فذاهبٌ لأحفظَ مكاني الذي أرادوا طمسَه. وإذا كان قيس يريدُ شالة، فليعلم أنها ستكونُ كفنه، لأنني سأجعلُ الأرضَ تحت قدميه جحيماً لا يطاق.”

خرج سيف الدين من الجناح تاركاً خلفه “كنزة” في حالةٍ من الصدمة، لأول مرة في حياتها تفقد السيطرة على ابنها.

دخلت “لالة شامة” جناح قيس بخطواتٍ متسارعة، كان قلبها يضطربُ من هولِ ما رأتهُ في الديوان، ومن خوفها على مصيرِ ابنها الذي باتَ منفياً إلى “شالة” لم تنتظر إذن الدخول، فدفعت الأبوابَ بجسدٍ يرتجف، لتجدَ الغرفةَ تغصُّ بالحركة؛ الحكيمُ ينحني فوقَ جسدِ قيس، الحاجبُ حسن يمسكُ بقطعةِ قماشٍ نظيفةٍ غارقةٍ في الخلِّ المعقم، والخدمُ يتنقلون بصمتٍ مريب.

توقفت شامة في منتصف الغرفة، وتلاشت كلُّ الكلماتِ من حلقها. كان قيس ممدداً على فراشهِ بصدورٍ عارٍ تماماً، حيث كشفَ الحكيمُ عن جسدِهِ المنهك. لم تكن الصدمةُ في الجرحِ فحسب، بل في شدتهِ؛ كان الجرحُ غائراً في صدرهِ وكتفه، والدماءُ القانيةُ تغطي بياضَ جلده، والحكيمُ يغرسُ إبرتَهُ ليلمَّ الجراحَ التي انفتحت بفعلِ النزالِ العنيف.

تجمدت شامة، وشعرت وكأنَّ خنجراً طعنَ قلبها هي، لا ابنها. لم تلتفت لمن حولها، بل اندفعت نحو الفراش كالمجنونة، سقطت على ركبتيها بجانب قيس، ويدها المرتجفة حاولت لمسَ وجهه الذي كان شاحباً كالمرمر.

“قيس.. يا كبدي! يا ضياء عيني!” صرخت بصوتٍ مكتومٍ مليءٍ بالحرقة، بينما كانت دموعها تنهمرُ كالسيل على وجهها. نظرت إلى الحكيم بعينينِ تقدحانِ غضباً ورعباً:

“ما هذا؟! أهذا جرحُ معركةٍ أم جرحُ غدرٍ؟ من فعلَ به هذا؟ كنتُ أظنُّ أنه متعبٌ من ضغطِ الديوان، ولم أعلم أنه يصارعُ الموتَ تحتَ ثيابهِ التي كادت تقتله!”

كان قيس يئنُّ تحتَ تأثيرِ “الترياق” الذي كان الحكيمُ يسقيهِ إياه ببطء، وعيناه مغلقتانِ بنصفِ إغماءة. اقتربت شامة من رأسهِ، وضمت وجهه إلى صدرها، غيرَ مباليةٍ بالدماءِ التي لوثت قفطانها الفاخر. كانت تمسحُ على شعرهِ المبتلِّ بعرقِ الألم، وتهمسُ له بلهفةِ الأمِّ التي رأت الدنيا تنهارُ أمامها:

“قيس، بنيَّ.. قُل لي، من فعلَ هذا؟ أهو سيفُ أخيك؟ هل غدرَ بكَ في الخفاء؟ واللهِ لو كانَ الأمرُ كذلك لأشعلنَّ القصرَ بمن فيه!”

التفتت نحو الحاجب حسن، الذي وقفَ منكسرَ الرأس، وقالت بصوتٍ يملؤه الوعيدُ والانهيار في آنٍ واحد:

“تكلم يا حسن! أنتَ من كنتَ ترافقه.. أينَ كانَ حراسه؟ أين كانت عيونُ القصرِ عنه؟ كيفَ تركتموهُ يقفُ أمامَ السلطانِ بجسدٍ ممزقٍ كهذا؟”

لم تجد شامة جواباً، فغمرت ابنها بتقبيلاتٍ حارةٍ على جبينهِ الشاحب، وهي تشعرُ ببرودةِ جسدهِ التي تسري إلى جسدها. كان مشهداً لا يُحتمل؛ الأميرُ الذي أعلنَ السلطانُ أميراً على شالة، يرقدُ الآن بين يدي أمِّه كغصنٍ ذابل، والسرُّ الذي حاولَ قيس حمايتهُ بكلِّ قوتهِ قد انكشفَ الآن، ليقلبَ الموازينَ في قلبِ “لالة شامة” ويحولَ خوفها إلى حقدٍ لا يهدأ.

سارع الحاجب حسن لتهدئة روع “لالة شامة” المنهارة، محاولاً بشتى الطرق إخفاء الحقيقة المرة التي يعلمها هو وقيس فقط. اقترب منها خطوة، وانحنى باحترام، وصوته يرتجفُ وهو يختار كلماته بعناية:

“يا مولاتي، لا تجزعي.. الأمر ليس كما تظنين. لم يكن هناك غدرٌ ولا مكيدة. الأمير قيس كان يتدربُ ليلة أمس في الخفاء، ، وفي لحظةٍ من الحماس المفرط، أخطأ في تقديرِ حركته فأصابهُ سيفُ التدريب. الجرحُ سطحيٌّ يا مولاتي، والحكيمُ هنا يتولى أمره، وسيكون بخير.”

رفعت شامة رأسها ببطء، وتوقفت دموعها للحظة، وحلَّ مكانها بريقٌ حادٌ من الغضب. نظرت إلى الحاجب حسن نظرةً ثاقبة، وقالت بصوتٍ منخفضٍ لكنه مشبعٌ بالتهديد:

“خطأٌ في التدريبات؟ أهذا ما تريدني أن أصدقه يا حسن؟ قيس، سيفُ الأندلس الذي لا يُقهر، يُخطئ في تدريبٍ ليصيبَ نفسه بهذا الجرح الغائر؟”

وقفت شامة على قدميها، واقتربت منه حتى لامس طرف قفطانها حذاءه:

“أين كان في الليل إذن؟ كيف اختفى عن الأنظار، وكيف ظهر في الصباح كالثور الهائج أمام السلطان، بينما جسده يتمزق من الداخل؟ لا تضحك عليَّ بكلامك هذا يا حسن.. هل نسيتَ من أكون؟ أنا ‘شامة’، الجدارُ الذي يسندُ هذا القصر، ولا شيء يخفى عني!”

أطرق الحاجب حسن رأسه، ولم يجد ما يقوله. كانت كلماتها سهاماً تخترق أعذاره الواهية، فأدرك أنَّ الكذبَ على شامة كاللعب بالنار. صمت طويلاً، واكتفى بتحريك رأسه ببطء، وكأنه يقرُّ بهزيمتهِ أمام فراستها.

وفي غمرةِ هذا الصمت المتوتر، فُتح باب الجناح بقوةٍ وعنف، وارتطم بالحائط مُحدثاً صوتاً دوّى في أرجاء الغرفة.

دخل سيف الدين بخطواتٍ غاضبة، ملامحه مكفهرة، وعيناه تبحثان عن قيس ليفرغ فيه جام غضبه بعد شجاره مع والدته. كان يظن أن أخاه يجلسُ منتشياً بانتصاره وولاية شالة، لكنه توقف فجأة وكأن صاعقةً ضربته.

تسمر سيف الدين في مكانه، و اتسعت عيناه في صدمةٍ خالصة. المشهد الذي رآه جعله يفقد النطق: قيس،”فهد البراري” الذي كان يواجهه قبل قليل، ممددٌ على الفراش، جسده العاري يقطر دماً، الحكيم يضمد جراحاً غائرة في صدره، ولالة شامة تقفُ بجانبه، ويديها ملطختانِ بالدماء، والحاجب حسن يقف منكسراً.

ساد صمتٌ مرعب في الجناح، صمتٌ لم يكسره سوى أنفاس سيف الدين المتسارعة، وهو يحاول استيعاب ما تراه عيناه: هل كان قيس يقاتله في الديوان، وينتزع منه شالة، وهو يحملُ هذا الجرح القاتل؟

نظر سيف الدين إلى الجرح، ثم إلى وجه قيس الشاحب، ثم التفت نحو شامة التي بادلته نظرةً مليئةً بالعداء والتحفز، وكأنها لبوءةٌ تحمي شبلها الجريح.

تجمد سيف الدين في مكانه للحظات، وبينما كان يهمّ بالهجوم بكلماته اللاذعة، استدارت عيناه لتقعا على “لالة شامة”. تغيرت ملامح وجهه فوراً؛ فالاحترام لـ”شامة” كان متجذراً فيه، حتى في قمة غضبه. حنى رأسه قليلاً بوقار، وأخفض صوته الذي كان يضجّ بالصراخ قبل لحظات، وسأل بنبرةٍ امتزج فيها الاستغراب بالاستنكار:

“يا مولاتي.. ماذا يجري هنا؟

أشار بيده نحو قيس الممدد، ثم نظر إلى الحكيم والحاجب حسن نظرةَ استجوابٍ حادة، متابعاً بنبرةٍ فيها لمسةٌ من الشك:

“هل هو مريض؟ أم أنَّ هناك ما أجهلهُ في قصةِ هذا النزال الذي خاضه؟”

قبل أن يكمل الحاجب حسن أو الحكيم أي حرف، انتفضت “لالة شامة” من مكانها. وقفت بكاملِ هيبتها، ونظرت إلى سيف الدين نظرةً جعلته يشعر بصغرِ حجمه.

تقدمت نحوه بضع خطوات، وكان صوتها يقطع هدوء الجناح كالنصل، يحملُ في طياته الكثير من الغضب والتحذير:

“أنت.. يا سيف الدين!”

توقفت أمامه مباشرة، وعيناها تشعانِ ببريقٍ مخيف، ثم تابعت بحدة:

“ما الذي أتى بكَ إلى جناحه ؟ وكيف تتجرأُ على اقتحامه بهذه الطريقة؟ دخلتَ عليّ كالمدافع! أهذا مقامُ الأميرِ في قصرِ أبيه؟

أشارت بيدها نحو الباب، وتابعت بنبرةٍ لا تقبلُ النقاش:

“اخرج من هنا فوراً. وإياك أن أسمعَ أنَّ أحداً في القصرِ قد عرفَ بوضعه.. وإلا، فليكن بيني وبينك ما لا تحمده عقباه

تراجع سيف الدين خطوةً إلى الوراء، مذهولاً من ردة فعلها القاسية، ساد في الجناح صمتٌ جنائزي، لم يقطعه إلا صوتُ تنفسِ قيس المتقطع وأنين الحكيم وهو يضغط على الجرح. التفت سيف الدين إلى الغرفة، فنظر إلى الحاجب حسن، فوجده منكس الرأس، كأنما يحملُ فوق كتفيه أوزارَ العالم، ونظر إلى الحكيم فوجده غارقاً في عمله، لا يجرؤ على رفع عينيه حتى.

الجميع في الغرفة كانوا وكأنهم تماثيلُ من صمت، انحنى سيف الدين برأسه إلى الأسفل، حتى ان الكلمات التي كان ينوي قولها تلاشت أمام ثقل المشهد. أدار ظهره ببطء، وكانت خطواته على الرخام تبدو ثقيلةً كأنها صوتُ ناقوسٍ

وقف سيف الدين في الممر المظلم، بعيداً عن أعين الخدم والحراس، يلهثُ بصمتٍ وكأنَّ صدره لا يتسعُ للهواء. كانت صورُ النزال تتراءى أمام عينيه بوضوحٍ مرعب؛ كلُّ حركة، كلُّ صدّة، كلُّ نظرةٍ باردةٍ من قيس. بدأ الشريطُ يعيدُ نفسه في ذهنه، ولكن هذه المرة بمرارةٍ لا تطاق. استرجعَ تلك اللحظة التي دفع فيها قيس بجسده ليصدَّ ضربته، وتذكر كيف انحنى قيس بمرونةٍ خادعة. “لقد كان يصارعُ الموت، لا أنا!”، فكر سيف الدين، وشعر برعشةٍ تسري في أوصاله.

لقد شعر بالصغر، ليس كأميرٍ أمام سلطانه، بل كـ “مبارزٍ” أمام أسطورة. كلُّ قوته، كلُّ تدريباته، كلُّ غطرسته التي كان يتفاخر بها، انهارت تحت وطأةِ تلك الحقيقة: قيس هزمه وهو في أشدِّ لحظات ضعفه.

حدث نفسه بنبرةٍ تهكميةٍ لاذعة:

“يا لي من أبله.. كنت أظنُّ أنني واجهتُ نداً، فإذا بي واجهتُ شبحاً. لو كان قيس صحيح الجسد.. لو لم يكن هذا الجرح ينهشُ أحشاءه.. لكان النزالُ قد انتهى قبل أن يبدأ. كان سيسقطني بلمحةِ بصر، وكان سيفه سيستقرُ في قلبي لا على عنقي فقط.”

تضاعفت مرارة الهزيمة في حلقه. لم تكن هزيمةً عسكرية، بل كانت هزيمةً نفسيةً ساحقة. لقد اكتشف أنَّ “سيف الدين” القوي، المتباهي بعضلاته ومهارته، ليس سوى طفلٍ يلعبُ بسيوفٍ خشبيةٍ أمام محاربٍ حقيقيٍّ يقاتلُ حتى وهو يحتضر.

أحسَّ سيف الدين أنَّ كلَّ القادة الذين رأوه يهزمُ أمام قيس، لا بد وأنهم أدركوا في قرارة أنفسهم أنَّ قيس كان “يتساهل” معه. هذا التفكير جعل دماءه تغلي حنقاً وخجلاً. لقد أصبح “سيف الدين” في نظرهِ هو “الضعيف” الذي يحتاجُ لخصمٍ مضروبٍ ليتمكن من مجاراته لثوانٍ معدودة.

رفع يده وضرب الحائط بقبضته بقوةٍ غاشمة، ليس لتفريغ الغضب، بل لتفريغ الإحساس بالضآلة.

“أنا لا أساوي شيئاً أمامك يا قيس.. أنتَ لستَ مجرد أخ، أنت لعنةٌ تطاردُ كبريائي.”

أدرك أنَّ قيس لا يهزمه بالسيف فقط، بل بقوته التي لا يحدها جرحٌ ولا نزيف.

كان سيف الدين يتنفسُ بصعوبة، وكأنَّ صدره لا يعودُ ملكاً له. الحقيقةُ التي رآها في الجناح كانت أشبه بصاعقةٍ أسقطت كلَّ أصنامِ غروره. كان يقفُ في الرواق، مذهولاً، يحدقُ في فراغ الجدار، وعقلهُ يرفضُ استيعابَ ما شاهده.

“كيف؟.. كيف استقامَ لهُ ذلك؟” همس بها لنفسه وهو يمسكُ رأسه بيدين ترتجفان.

لقد كان سيف الدين يظنُّ نفسه “الرقم الصعب” في ميادينِ القتال. لقد خاضَ الحروبَ إلى جانب والدهِ السلطان، وذاقَ طعمَ النصرِ في معاركَ حقيقية، وكان يظنُّ أنَّ مهارته في المبارزة لا يدانيها أحد. كان يعلمُ أن قيس “قوي”، لكنه لم يتخيل يوماً أن هذا القيس هو “معدنٌ آخر” من البشر.

الأمرُ الذي زادَ من جنونهِ هو الخديعةُ الكبرى: قيس لم يهزمهُ وهو في كاملِ قواه، بل هزمهُ وهو يحملُ في صدره جرحاً كان من المفترض أن يقتلَ رجلاً عادياً! والأدهى، أنَّ قيس لم يمنحهُ حتى “شرفَ” معرفةِ أنه يبارزُ خصماً مصاباً. لقد قاتلهُ ببرودِ أعصاب، وبحركاتٍ مدروسة، وكأنه كان يمارسُ طقساً يومياً روتينياً، متجاهلاً النزيفَ الذي ينهشُ أحشاءه.

لم يكن قيس يبارزه كعدوٍّ يقاتلُ من أجلِ النصر، بل كان يبارزه كأنه يبارزُ “طفلاً” يحاولُ أن يثبتَ لنفسه شيئاً. هذا الإدراك كان أقسى من الهزيمةِ نفسها؛ أن يكتشف سيف الدين أنه كان في نظرِ أخيهِ مجردَ “عقبةٍ” يجبُ تجاوزها، وأن قيس كان يراوغُ ضرباته وهو يتألمُ من طعنةٍ غائرة، ومع ذلك لم يصرخ، ولم يترنح، ولم يبدُ عليه أيُّ ضعف!

عقلهُ كان يصرخُ رافضاً: “لا يوجد إنسانٌ هكذا! لا يمكن أن يكون هناك بشرٌ بهذا الجبروت!”

كان سيف الدين يعتبرُ نفسه “مبارزاً بارعاً”، لكنه اليوم اكتشف أنه كان “أعمى”. أعمى لأنه لم يعرف أخاه قط. بينما اكتشف أن قوة قيس تكمن في “صمته” وفي قدرتهِ العجيبة على إخفاء ألمه حتى عن أقرب الناس إليه.

شعرَ سيف الدين لأول مرة في حياته بالدوار؛ ليس من صدمةِ المبارزة، بل من صدمةِ اكتشافِ “هوية” أخيه. لقد كان يبارزُ وحشاً، وقف سيف الدين هناك، بملابسِ قتالهِ التي فقدت هيبتها، أدرك أنَّ “سيف الدين” الذي كان يعرفه قد مات في ذلك الجناح، وأنَّ ما يقفُ الآن هو رجلٌ مهزومٌ من الداخل، يواجهُ حقيقةً مرعبة: أنه ليس حتى في نفسِ كفةِ أخيه.

لم تكد كنزة تصل إلى الرواق حتى رأت ابنها “سيف الدين” في حالةٍ لم ترها عليه قط؛ كان مستنداً بجسدهِ المنهكِ على الحائط، عيناه شاخصتانِ في الفراغ كأنه يرى أشباحاً، ووجهه الذي كان يملؤه الغضبُ قبل قليل تحول إلى قناعٍ من الشحوب والذهول.

توقفت كنزة، وقد تملّكها الذعرُ من أن تكون المعركةُ بين الأخوين قد بدأت بالفعل، أو أن شيئاً كارثياً قد حدث خلف تلك الأبواب. اندفعت نحوه بخطواتٍ متعثرة، وأمسكت بذراعهِ بقوة وهي تلهث:

“شنو وقع؟ مالك نوضتوها؟ نوضتيها نتا وياه؟؟!!!

لم يجبها سيف الدين. كان صوته عالقاً في حنجرته، وعقله لا يزال يكرر مشاهد قيس وهو يضم جراحه. حين سألته للمرة الثالثة بإلحاح:

“مالك سرطتي لسانك نطققق

هنا، انفجر سيف الدين. لم يعد قادراً على تحمل إلحاحها، ولا على سماع صوتها

التفت نحوها فجأة، وعيناه تلمعان بغضبٍ لم تره فيه من قبل، غضبٍ ممزوجٍ بمرارةِ الهزيمة التي لم يستطع حتى البوح بها. صرخ في وجهها:

“كفى! اتركي ذراعي! لا تسأليني عن شيء! لا شيء يهم الآن، لا القصر، لا أنتِ، سحقااا لكم جميعا

نفض يدها عن ذراعه بحركةٍ عنيفة، واستدار مولياً ظهره، ثم انطلق يمشي بسرعةٍ جنونية في الممر، تاركاً إياها واقفةً في مكانها، مذهولةً من نبرة التمرد والقسوة في صوته.

لم تتردد كنزة لحظة؛ فقد أحست أن الأرضَ التي تقف عليها بدأت تتزلزل. بدأت تتبعهُ بخطواتٍ سريعة، وهي تنادي بصوتٍ مشحونٍ بالخوف والتحذير:

وقف!! قلت ليك وقف اجي قولي شنو وقع

لكن سيف الدين لم يلتفت. كان يمشي كمن يهربُ من ظله، ومن صدمةٍ أدركت أعماقه أنها ستغير كل شيء. أما كنزة، فقد كانت تركضُ خلفه في أروقةِ القصرِ المظلمة، لا تدري أن ابنها قد رأى للتو حقيقةً ستجعلهُ لا يرى العالمَ من حوله كما كان يراه دائماً.

عادت “لالة شامة” إلى داخل الجناح، بخطواتٍ بطيئة هذه المرة، وقفت أمام الحاجب حسن الذي كان لا يزال منحنياً يجمع الضمادات الملوثة بالدماء. نظرت إليه، وكانت عيناها هذه المرة لا تطلبان جواباً، بل تفرضان الحقيقة.

“تكلم يا حسن..” قالت بصوتٍ خافتٍ هزّ كيان الحاجب، “أعرفُ أنك تخبئ شيئاً أكبر من مجرد ‘خطأ في التدريب’. لا تضطرني لانتزاع الحقيقة منك.”

ارتبك الحاجب، نظر إلى قيس الممدد الذي كان يتنفس بصعوبة، ثم خفض صوته حتى كاد لا يُسمع:

“يا مولاتي.. الحقيقة هي أنني لا أعرف ما حدث بالضبط. وجدنا جنوداً في الغابة، كانوا ميتين.. ملقين كأنهم جيفٌ في العراء، ورأيتُ خنجر الأمير قيس.. خنجره الشخصي.. مغروساً في صدر أحدهم. وعندما تعمقنا في البحث، وجدناه هو.. طريحاً تحت شجرةٍ عتيقة، وقد اخترقته نبلة يا مولاتي”

شعرت شامة وكأنَّ سكيناً يُغرس في قلبها. “نبلة”؟

تلاشت كل كلمات الغضب واللوم التي كانت تود إخراجها. تحول صمتُ الغرفة إلى حالةٍ من الذهول المطبق.

لم تنطق شامة بكلمة. لم تلمْهُ على تهوره، ولم تسأل عن هوية المعتدين. جلست على طرف الفراش بصمتٍ جنائزي، ووضعت يدها بجانب يده الملطخة بالدماء، لكنها لم تلمسها،

كانت نضرات قيس تتنقلُ بين جدرانِ وبين وجهِ أمِّه الجالسِ أمامه وكأنه يبحث عن حكمها عليه.

كان يخطفُ النظرَ نحوها، نظراتٍ سريعة ومضطربة، في كل مرة كان يحاولُ فيها تثبيت بصره على عينيها، كان يصطدمُ ببريقٍ حادٍّ لا يلين، نظرةٍ ثاقبةٍ تجعل قلبه يخفقُ بتوترٍ لا علاقة له بجراحه.

كانت شامة تجلسُ بجمودٍ يشبهُ تماثيلَ الصخور، لا ترمش، لا تتحرك، فقط تراقب. عيناها كانتا كالسيفِ المسلطِ فوق عنقه، نظرةٌ تحملُ ثقلاً لا يستطيعُ تحملهُ وهو في هذه الحالة من الوهن.

في كل مرةٍ يرفعُ فيها قيس رأسه المتعب ليختلسَ النظرَ إليها، يجدها ثابتةً في مكانها، عيناها مثبتتانِ في عينيه بحدةٍ تقشعرُ لها الأبدان. ذاك الارتباكُ الذي كان يغزوه لم يكن من الألم، بل من هيبةِ أمِّه التي كانت تعريهِ من كلِّ قوته. كان يشعرُ وكأنَّ نظراتها تخترقُ جلده، تصلُ إلى أعماقه، وتكشفُ لهُ مدى تهورهِ وخطورة ما أقدم عليه.

سرعان ما كان ينهزمُ أمام هذا الشموخ، فيشيحُ بوجهه بعيداً بسرعة، يغمضُ عينيه ويضغطهما بقوة، محاولاً السيطرة على أنفاسه المضطربة. كان التوترُ يملأ الغرفة، صمتٌ يصرخُ بألفِ معنى. لم تكن شامة بحاجةٍ لتنطق، كان يكفي أن تنظرَ إليه بتلك النظرةِ القاسيةِ والجامدةِ في آنٍ واحد، ليعرف قيس أنه في حضرةِ “قاضٍ” لا يرحم، وأنَّ ارتباكه أمامها هو أشدُّ عليه من النبلةِ المسمومةِ التي أصابته.

كلما عاد ليخطفَ نظرةً أخرى، وجدها لا تزالُ هناك، بنفسِ النظرة، بنفسِ الحدة، بنفسِ الصمتِ الذي يحيطُ به كالسجن. شعر قيس بأنه محاصر، ليس من جراحه، بل من هذا التواصل البصري الذي يجعله يشعرُ بالصغرِ والارتباكِ الذي لم يعهدهُ في ساحاتِ الوغى.

خرجت “لالة شامة” من جناح قيس بخطواتٍ واسعة ومضطربة، كانت أنفاسها محبوسة في صدرها، وغضبها المكتوم يغلي كبركانٍ على وشك الانفجار. كل خلية في جسدها كانت تصرخ من الألم ومن الخوف على ابنها، لكنها كانت تبتلع كل ذلك خلف قناعٍ من الصلابة والجمود. لم تكن تريد أن تظهر بأي ضعفٍ لأي أحد في القصر.

بينما كانت تعبر أحد الممرات الجانبية المظلمة، حيث يختلط ضوء المشاعل بظلال الأعمدة الضخمة، توقفت فجأة. في زاويةٍ منزوية، كان “سيف الدين” يقفُ مستنداً بكتفه إلى الحائط، يداه متشابكتان أمام صدره، ونظراته تائهة، وكأنه كان ينتظر خروجها.

ما إن وقعت عيناه عليها، حتى استقام في وقفته، لكنه لم يجرؤ على التقدم نحوها. بدا في تلك اللحظة مهزوماً ومنكسراً، نظراته التي كانت قبل قليل مليئةً بالحقد، أصبحت الآن تحملُ خليطاً غريباً من الذهول والترقب.

ساد صمتٌ خانق في الممر. سيف الدين يراقبها، ينتظرُ منها كلمة، أو نظرة، أو حتى نهراً، لكن شامة توقفت أمامه بضع خطوات. لم تكن تبدو كأمٍّ تستعد لمواجهة ، بل كملكةٍ تفرض هيبتها في أرضٍ معادية.

تطلعت إليه بنظرةٍ فاحصةٍ ثاقبة، نظرةٍ لا تُبقي ولا تذر، وكأنها تقرأ كل الأفكار السوداء التي دارت في رأسه خلال الساعات الماضية. صمتت طويلاً، لدرجة أن صوت أنفاسهما أصبح هو الشيء الوحيد المسموع في الممر.

كان الغضب في قلبها كالجمر المشتعل، لكنها قمعته بصبرٍ حديدي.

“ماذا تريد؟”

سألت بصوتٍ منخفضٍ وهادئ، هدوءٍ أخطر من الصراخ. كان صوتها يحمل نبرةً حادةً جداً، وكأنها تقول له: “أنا أعرف أنك رأيت.. وأنا أعرف ما يدور في رأسك”.

سيف الدين، الذي كان يظن أن لديه ما يقوله، تجمد لسانه في فمه تحت وطأة نظراتها. تراجع خطوةً للوراء، وكأنه اصطدم بجدارٍ غير مرئي، وبدا وكأنه فقد القدرة على مواجهة الحقيقة

“قولي لي يا مولاتي .. بصدق، بعيداً عن ألاعيب القصر.. هل ترين في هذا عدلاً؟”

أشار بيده نحو الممر الذي يؤدي إلى جناح قيس، وصوته يرتجف من القهر:

“أرض شالة.. أراضي أخوال ، دماءُ أجدادي، حصني وسندي.. كل هذا كان لي! كنتُ أرى نفسي هناك، أحكمُ ثغورَنا وأفتخرُ بجذوري أمام الجميع. كيف يختارُ السلطانُ قيس؟ أنا الأكبر! أنا الأحق! قيس جاء بعدي، وقيس غريبٌ عن تلك الديار، أهلها ولا يعرفونه. أن يأخذ مكاني هناك، هو ليس مجرد اختيار، بل هو إعلانٌ بأني لا أساوي شيئاً في عين السلطان.”

اقترب منها خطوةً أخرى، وعيناه تدمعان من شدة الإحساس بالظلم:

“هل ترينه عدلاً أن يُعطى ميراثي لمن لم يسعَ إليه؟ هل ترينه عدلاً أن أظل هنا، أرى خصمي -حتى لو كان أخي- يتربعُ على عرشِ أهلي؟ قولي لي هل أصبحتِ ترضين بأن يُداسَ حقّي وأنا أنظرُ ببرود؟”

كانت “لالة شامة” تستمع إليه وهي تحافظ على برودها الظاهري، لكن في أعماقها، كانت تدرك أن هذا الكلام هو “الوقود” الذي سيشعل فتنةً لا تبقي ولا تذر. نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بنبرةٍ حادة كالمشرط:

قل لي، ما الذي كان ينقصك في ذلك النزال؟ ألم تكن الأكبر؟ ألم تكن الأسبق للميادين؟ ألم تكن أنت من خاض الحروب مع السلطان؟ ماذا كان ينقصك لتنتصر؟ لقد كان اختباراً عادلاً، وضعه السلطان بنفسه، والكل رأى النتيجة.. لقد خذلت نفسك قبل أن تخذلني، ووقفت أمامهم جميعاً مهزوماً!”

نظرت إليه بازدراءٍ خفيّ، وأكملت بنبرةٍ حازمة:

“لا تظن أنني كنتُ أتمنى فشلك، ولا تظن أن قلبي يميل لقيس على حسابك. بالنسبة لي، أنتما أبناء هذه الدار، ولا فرق بينكما عندي في الحقوق. لكن العدل الذي تنشده، هو ما حدث في ذلك الميدان. لقد تبارزتما، وانتصر من كان الأجدر، فكيف تطلب مني أن أغير الحقائق؟ فلماذا هذا الحقد؟ ولماذا تلومني على نتيجة أنت من صنعها بضعفك؟”

أمسكت بكتفيه بقوةٍ وهزتهما، وكأنها تحاول أن تصحح استقامتهما:

“اسمعني جيداً، هذا الغلُّ الذي يملأ صدرك لن يبني لك مجداً. إن أردت الرضا، وإن أردت أن تعوض ما ضاع، فليس بالبكاء على الأطلال ولا بالغيرة من أخيك. اجتهد، طور نفسك، كن أقوى في الميدان، وأثبت للسلطان أنك تستحق ما فاتك. أما هذا الإحساس بالظلم فهو وهمٌ تعيشه لتغطي به على هزيمتك!”

تركت كتفيه بقسوة، وابتعدت عنه بضع خطوات، ثم أردفت بلهجةٍ باردة:

“شالة ليست نهاية العالم يا سيف الدين، بل هي بداية طريقك إن أردت، أو مقبرة طموحك إن بقيت على هذا الحال. القويُّ لا يحتاجُ لعدلِ الآخرين، القويُّ يفرضُ وجوده. فكن قوياً، أو ابقَ هنا لتشاهدَ أخاك يبني مجده بينما تكتفي أنت بالفرجة واللوم.”

أدارت ظهرها له، تاركةً كلماتها ترنُّ في أذنيه كالسياط، وانصرفت بخطواتٍ واثقة، تاركةً سيف الدين في صراعهِ الداخلي بين رغبته في الانتقام، وبين صدمتهِ التي جعلته يدركُ لأول مرة أنه لم يكن يواجه قيس في الميدان فحسب، بل كان يواجه نفسه.

دخلت “لالة كنزة” جناح “الأمات والجواري” بخطواتٍ بطيئة، لا يُسمعُ لها صوت. لم تكن تلتفت لأيِّ واحدةٍ منهن، ولم تكن حتى ترمقهنَّ بنظرةٍ مباشرة، بل كانت تمشي وكأنها في عالمٍ آخر، في حين انحنت كلُّ الرؤوسِ أمامها في صمتٍ مطبق، ولم يجرؤ أحدٌ على التنفسِ في حضرةِ سموها.

سارت في الممرِ الطويل، حيث كانت الجواري الجديداتُ مصطفاتٍ في انتظارِ “الاختيار”. مرت كنزة من أمامهنَّ ببرودٍ جليدي، عيناها تتحركانِ ببطءٍ شديد، تلاحظُ أدقَّ التفاصيل: نعومةَ البشرة، تناسقَ القامة، والهدوءَ في الملامح.

توقفت فجأة عند تلك الجارية التي استوقفت بصرها. لم تنطق بكلمة، ولم تشِر إليها حتى بسبابتها، بل اكتفت بأن أومأت برأسها حركةً خفيفةً جداً نحو “رئيسة الجناح” التي كانت تتبعها بمسافةٍ محترمة، ومنكسة الرأس طوال الوقت.

أكملت كنزة مشيها دون أن تتوقف، وتابعت طريقها نحو مخرج الجناح، تاركةً خلفها الأوامرَ الضمنية التي تفهمها رئيسة الجناح جيداً دون الحاجة للحديث. همست كنزة بصوتٍ لا يكاد يُسمع، وبنبرةٍ هادئةٍ جداً ولكنها حازمة:

“جهزو هادي ، وزفوها لجناح سيد المير سيف الدين قبل ماتغرب الشمس”

كانت كلماتها موجزة، باردة، ولا تقبل الجدل. لم تتطرق لمسألة الحرمات أو العقاقير أو القوانين؛ فذلك أمرٌ لا يناقشُ مع الجواري، بل يُنفذُ عبر “التعليماتِ السرية” التي تمليها كنزة على المسؤولة عن المشروبات والأدوية داخل الجناح، والتي تعرفُ جيداً كيف تُطبق قوانين القصر وتمنع الحمل دون أن تفتح فمها بكلمةٍ واحدة لأيِّ جارية.

خرجت كنزة من الجناح، وقد استعادت هيبتها المعهودة. لم تنظر خلفها، ولم تبالِ برد فعلِ الجارية أو رعبها. بالنسبة لكنزة، كانت الجارية مجرد أداةٍ في لعبتها، أداة لا تستحق حتى عناء الكلام. تركت الجناح خلفها وهي لا تزال تفكر في “سيف الدين”، مدركةً أنَّ ما تحتاجه الآن هو إيصالُ “هذه الهدية” إلى جناحه، ليغرق في غفلتهِ بعيداً عن غضبه اللذي قد يؤدي به إلى التهلكة.

داخل جناحِ الجواري، كان العملُ يجري بصمتٍ مطبق. الجاريةُ المختارة، التي لم يتجاوز عمرها الثامنة عشرة، كانت تجلسُ على كرسيٍّ خشبي، بينما تتسابقُ أيادي الخادمات في تزيينها. لم تكن هناك كلمات، فقط حركاتٌ دقيقة؛ تغسيلٌ بماءِ الورد، تبخيرٌ بالعودِ المعتق، وتكحيلٌ للعيون التي كانت تفيضُ رعباً مكتوماً. كانت الفتاةُ كمن يُعدُّ لطقسٍ مجهول، لا تجرؤ على السؤالِ عن مصيرها، ففي هذا القصرِ، السؤالُ قد يكون بداية النهاية.

في جناحِ سيف الدين، كان الوضعُ نقيضاً تماماً. الغرفةُ غارقةٌ في صمتٍ ثقيل، لا يقطعهُ إلا صوتُ تنفسه المتقطع. كان سيف الدين يجلسُ على كرسيهِ العاجي، يحدقُ في فراغِ الجدار، ملامحهُ محفورةٌ بالمرارة. قبضتُه تضغطُ على ذراعِ الكرسي بقوةٍ جعلت عروق يدهِ تبرزُ كأنها ستنفجر، وما زال صدى الكلماتِ حول “هزيمته” و”ضعفه” يرنُّ في أذنيه.

فجأة، طُرقت الأبوابُ بهدوءٍ لا يكسرُ حِدة الجو، ودخل اثنان من الخدم، يتبعهما ظلالٌ خفيفة. توقفت الجاريةُ في وسطِ الجناح، حانيةً رأسها، جسدها يرتجفُ تحت ثقلِ الحريرِ الذي أُلبسته، خافضةً عينيها للأرضِ وكأنها لا ترى سوى زخارفِ السجاد تحت قدميها.

انحنى الخادمان، وقال أحدهما بصوتٍ خافتٍ ومحترم:

“يا مولاي.. والدتكم، الأميرة كنزة، أرسلت هذه لخدمتكم.”

رفع سيف الدين بصره ببطء، نظرةٌ حادة، جافة، خالية من أيِّ دفء. مسح الفتاة بعينيه من قمةِ رأسها إلى أخمص قدميها في نظرةٍ فاحصةٍ باردة، كأنه يرى فيها شيئاً لا يعنيه. لم يرى فيها جمالاً، بل رأى فيها “تدخلاً” آخر من والدته في حياته، محاولةً رخيصةً لتهدئةِ بركانٍ لا يُطفئه إلا دمُ الحقيقة.

ساد صمتٌ طويل، كان الضيقُ يملأُ صدر سيف الدين حتى كاد يختنق. لم تكن الفتاةُ بالنسبة له سوى ذكرى مؤلمةٌ أخرى بأنه لا يزال “الأمير الذي يحتاجُ لترفيه” ليطمسَ فشله.

زفر سيف الدين زفرةً قوية، ولوّح بيدهِ في الهواءِ بحركةٍ طاردة، وقال بصوتٍ أجشّ ومكتوم:

“ردوها.. لا أريدها. اخرجوا من هنا فوراً، ولا تعودوا إليَّ بشيء.”

تراجع الخادمان مذعورين، وسحبا الجارية من يدها، التي لم تنطق بحرف، بل زادَ رعبها وارتجافها. خرجوا جميعاً مسرعين، وأغلقوا البابَ خلفهم، ليعود الجناحُ إلى غرفتهِ الموحشة.

قام سيف الدين من مجلسه، وكأنَّ جدران الغرفةِ بدأت تضيقُ عليه. اتجه بخطواتٍ واسعةٍ نحو الشرفةِ الكبيرةِ التي تطلُّ على المدينة. دفع البابَ الزجاجيَّ بقوة، فلفحتهُ نسماتُ الليلِ الباردة.

وقف عند حافةِ الشرفة، يداه متمسكتانِ بالدرابزينِ المعدني، وعيناه تائهتانِ في أضواءِ المدينةِ البعيدةِ التي كانت تغفو تحت جناحِ الظلام. كان يرى المدينةَ، تنهد سيف الدين بعمق، وتأمل في الأفق، حيث كان الظلامُ يبتلعُ كل شيء، تماماً كما ابتلعَ طموحهُ الذي كان يظنُّ أنه سيحكمُ به شالة.

ومع انقشاعِ خيوطِ النهارِ الطويل، انحسرتِ الجلبةُ في ممراتِ القصرِ بعد أداءِ صلاةِ العِشاء، وبدأ سكونُ الليلِ الحالكِ ينزلُ كستارٍ ثقيلٍ فوق الرؤوس، حاملاً معه هدوءاً غسلَ بعضاً من عناءِ ذلك النزيفِ المرير. قيس، بفضلِ بنيتهِ الصلبةِ وعزيمتهِ التي لا تلين، استرجعَ جزءاً كبيراً من قوتهِ في هذا النهار؛ فالترياقُ بدأ يفعلُ فعله، ونبضُ الحياةِ عاد ليتدفقَ في عروقِ المحاربِ الشاب، مُمكِّناً إياه من الوقوفِ على قدميهِ بثباتٍ كأن شيئاً لم يكن.

في تلك الأثناء، انفتحَ بابُ الجناحِ بهدوءٍ مهيب، ودخلت “لالة شامة”. كانت تمشي وهي رافعةٌ رأسها بصرامةٍ طاغية، عيناها الحادتان لا تزيلانهما عن المكان، نظراتٌ تروي كلَّ الغضبِ والصبرِ اللذين كتمتهما طوال الساعات الماضية. دخلت لتجدهُ واقفاً في وسطِ الغرفة، متأهباً، شامخاً رُغم الجراح.

فارع القامة، ذا جُرمٍ معرّشٍ وعريضِ المنكبين، جسدهُ مبنيٌّ من لحمٍ صلد وعظمٍ قويٍّ لا يعرف الوهن، وليس بالهزيلِ أو النحيف. كان يرتدي سترةً من الحريرِ الداكن، لكن أزرارها تُركت مفتوحةً بالكامل من الأعلى لإراحةِ صدرهِ المجروح، ولم يغلق منها سوى زرّينِ صغيرين من الأسفل لتظل نبلة النزيف تتنفسُ دون ضغط، كاشفاً عن صدرٍ عريضٍ يحملُ آثار القتال وجراحِ الفرسان. تحتها، ينسدلُ سروالٌ من الكتانِ الطويلِ والواسعِ الذي يمنحهُ حرية الحركة والراحة. كان شعره الفاحمُ ناصعاً، لامعاً، منسدلاً بعناية، وتفوحُ من جسدهِ وثيابهِ رائحةُ بخورٍ زكيةٍ وعطورٍ ملكيةٍ نقية تنعشُ هدوءَ الجناحِ وتخفي أثر العقاقير والدم. أما عيناه، فكانتا موقدينِ من الذكاء والحدة، غير أن بريقهما تراجع فورَ دخول والدته.

بمجرد أن وقعت عيناه على “شامة”، تبدلت ملامحه فوراً، وقرأ في عينيها الحقيقتينِ المُرّتين: عتابُ الأمِّ الشرسة، وقضاءُ القاضي الذي جاء ليحاسب. لم ينطق بحرف، بل استقام في وقفته، وشدَّ جسده رُغم ألمِ صدره، ثم حنى رأسه وغضَّ بصره نحو الأرض ترفُّعاً واحتراماً لمقامها

تقدمت لالة شامة نحوه بخطواتٍ ثابتة، ولأن قيس كان يفوقها طولاً بكثير بضخامتهِ المعهودة، اضطرت إلى أن ترفع عينيها إلى الأعلى لتحدق في وجهه. صعدت بنظراتها من أسفل قدميه إلى تقاطيع وجهه الحادة تتفحصُ ثباته وتكابر جرحه خلف تلك السترة المفتوحة ببرودٍ يسبق العاصفة.

لم تطل وقوفاً، بل تحولت بخيلاءٍ وصرامة نحو كرسيٍّ عاجيٍّ منقوشٍ في زاوية الغرفة. جلست بهدوءٍ ملكي، ووضعت رجلاً فوق رجل، وشبكت أصابعها، ثم وجهت نظراتها الثاقبة مباشرةً إلى وجهه المنكس، وقالت جملةً واحدةً حاسمة اقتطعت صمت الجناح:

“أنا اسمعك.”

خيم الصمتُ على الجناح، ولم يعد يُسمع سوى طنينِ خافتٍ لشعلةِ المصباحِ النحاسي. رفع قيس رأسه قليلاً، وكانت نظراته تائهة في الفراغ، يجمعُ شتاتَ ما حدث في تلك الليلة المشؤومة. استند بظهرهِ إلى العمودِ الخشبيّ القريبِ من السرير، وبدأ يتحدثُ بصوتٍ منخفضٍ، خشنٍ، كأنه يخرجُ من باطنِ الأرض.

“لم تكن مجرد نزهة، يا أمي.. ولم تكن مواجهةً عابرة.”

توقف قليلاً، وأغمض عينيه وكأنه يسترجعُ صرخاتِ الغابة. تنفس بعمقٍ ألمَهُ في صدره، ثم تابع:

“كنتُ أتعقبُ خيطاً.. خيطاً دقيقاً بدأ يظهرُ لي منذ أسابيع. حركاتٌ مريبةٌ في مخازنِ الحبوب، وتحركاتٌ ليليةٌ لقوافلَ لا تتبعُ ديوانَ السلطان. ظننتُ في البدايةِ أنها مجردَ سرقةٍ عادية، أو تجارةٍ غيرِ مشروعة.. حتى وجدتُ نفسي في تلك الليلةِ أتبعُ فارساً ملثماً يخرجُ من بابِ القصرِ الخلفي.”

انتقلت نظراتُ لالة شامة من وجهه إلى يديهِ اللتين كانتا ترتجفانِ طفيفاً. لم تلمس شيئاً، لم تقاطعه، كانت كالتمثالِ الصخري، لكنَّ حدقيتيها كانتا تتسعانِ مع كلِ كلمةٍ يلفظها.

“دخلتُ الغابة.. كان الظلامُ دامساً، والريحُ تصفرُ كأنها تنذرُ بالخطر. وجدتُهم في تلك الخلوة، كانوا يجتمعون.. لم يكونوا مرتزقةً كما ظننتُ في البداية.”

سكت قيس، ومرر يده على صدره، وكأنه يتحسسُ مكانَ الجرحِ الذي لم يندمل بعد، قبل أن يهمس بجملةٍ جعلت الجو في الغرفة يزدادُ برودةً:

“كانوا يتبادلون رسائلَ مختومةً بخاتمٍ أعرفه جيداً.. خاتمٌ لا يملكه إلا من يتنفسُ هواءَ هذا القصرِ يومياً.”

رفعت شامة حاجبيها، وبريقُ عينيها تحول إلى شرارٍ مكتوم. “خاتمٌ من القصر؟” لم تنطق بها، لكن نظراتها كانت تصرخُ بالسؤال.

تابع قيس، وصوته يزدادُ حدة:

“حين شعرو بوجودي، انقضّوا عليّ.. لم يقاتلوا كفرسان، بل كذئابٍ مسعورة. كان همهم الأول ليس قتلي فوراً، بل إخفاءَ ما كانوا يتبادلونَه. سقطوا واحداً تلو الآخر تحت نصلِ خنجري، ولكن.. في اللحظةِ التي ظننتُ أنني حسمتُ الأمر، شعرتُ بوخزةٍ في صدري. لم تكن طعنةً من الأمام، كانت نبلةً مسمومةً أُطلقت من الظلام.”

أخذ قيس نفساً طويلاً، ثم نظر إلى والدتهِ مباشرةً، بنظرةٍ لا ترحم:

“لم أسقط في تلك اللحظة، يا أمي. قاتلتُ حتى غرقت الأرضُ بدمائهم وبدمائي. لكن السمَّ بدأ يسري.. بدأ العالمُ يضيقُ أمامي، فجررتُ نفسي إلى تحت تلك الشجرة لأموتَ بكرامةٍ بعيداً عن أيديهم.

أمال قيس رأسه قليلاً، وظلت عيناه مثبتتينِ في عينيها، وكأنه يلقي بحملِ السرِّ الثقيلِ على كتفيها:

“أنتِ تسألينني لماذا أصبتُ بهذا العناء؟ لأنني اكتشفتُ أن القصرَ الذي نعيشُ فيه، ليس بيتاً آمناً.. بل هو حقلُ ألغام، وأنَّ من يريدُ رأسي، ليس غريباً من خارجِ الأسوار، بل هو شخصٌ ينامُ ويستيقظُ تحت سقفنا.”

ساد صمتٌ مطبقٌ مرة أخرى، أثقل من الجبال. لالة شامة، التي كانت جالسةً بوقار، شعرت بأن الأرضَ بدأت تميلُ بها. الحقيقةُ التي كانت تخشاها قد نطقت، ولم يعد هناك مجالٌ للعودةِ إلى الوراء.

ظلت “لالة شامة” صامتةً لفترةٍ بدت كأنها دهرٌ كامل، كانت تعيدُ ترتيبَ الأحداث في ذهنها ببرودٍ تحسدُ عليه. لم ترفع صوتها، ولم تظهر أي علامةٍ على الذعر، بل إنَّ قبضتها المشبوكة على ركبتيها زادت ثباتاً.

بعد دقائق من الصمت الذي كان يقطرُ توتراً، مالت قليلاً نحو قيس، وصوتها الذي كان يملأُ الغرفةَ هيبةً انخفض ليصبح همساً حاداً كحدِّ النصل:

“خاتمٌ من القصر..”

أعادت الجملة ببطء، وكأنها تتذوقُ طعمَ الخيانةِ في فمها. “إذاً، نحن لا نحاربُ أعداءً في الغابة، بل نحاربُ أفاعي تقتاتُ على ولائنا.”

نظرت إلى قيس الذي كان يراقبها بتركيز، باحثاً عن أي ردة فعلٍ تشي بهويةِ صاحبِ ذلك الخاتم في نظرها. تابعت شامة وهي تنهضُ من مجلسها، وتحيطُ المكانَ بخطواتٍ بطيئةٍ ومتزنة:

“أنتَ يا قيس، لستَ مجردَ ابنٍ لامرأةٍ لا تعرفُ كيف تحمي أبناءها. لقد طعنوا شرفَ هذه الدار بمحاولتهم اغتيالك، وهذا يعني أنَّ الحربَ قد أُعلنت. لكن، ما يثيرُ جنوني ليس محاولتهم قتلك، بل سذاجتهم في ظنهم أنهم يستطيعون اللعبَ مع ‘شامة’ في ملعبها الخاص.”

توقفت أمام النافذة، وأشاحت بوجهها عنه، لتنظر إلى ظلامِ القصرِ الممتد في الخارج، ثم أضافت بنبرةٍ لا ترحم:

“لا تقل لي الاسم الآن. احتفظ به. الجرحُ الذي في صدرك، والدمُ الذي نزفتهُ في الغابة، سيكون هو ثمنَ صمتي القادم. سأجعلهم يظنون أنك لا تزالُ تتخبطُ في غيبوبتك، سأجعلهم يعتقدون أنَّ نبلتهم قد أصابت هدفها.. وفي الوقت الذي يظنون فيه أنهم انتصروا، سأجعلهم يكتشفون أنهم كانوا يمشون فوق قبرٍ حفروه بأيديهم

التفتت إليه، وكانت عيناها تلمعان ببريقٍ مرعب، ليس بريقَ خوف، بل بريقَ امرأةٍ قررت أن تديرَ المعركةَ بنفسها:

“أنتَ الآن مصاب، وهذه إصابةٌ ستكون سلاحنا الأكبر. لا تخرج، لا تظهر لأحد، ولا تترك أحداً يرى في عينيك أنك تعرفُ الحقيقة. تظاهر بالضعف، تظاهر بالإنهاك.. ودعهم يظنون أنكَ مجردُ ‘خسارةٍ’ في حساباتهم الصغيرة. أما أنا..”

صمتت للحظة، ثم تابعت بلهجةٍ باردة:

“أما أنا، فسأبدأ بـ ‘جرد الخواتم’. سأعرفُ من الذي يفتقدُ خاتمه، أو من الذي يرتجفُ حين يرى الحراسَ يزدادون حول جناحك. نحنُ في القصرِ يا قيس، والقصورُ لها آذانٌ لا تنام، وأنا اليوم.. أصبحتُ أملكُ كلَّ الآذان.”

اقتربت منه، ووضعت يدها على كتفهِ السليم، في لمسةٍ نادرةٍ كانت تحملُ الكثير من القوةِ والتحذير:

“لا تمت يا قيس، ولا تضعف. نحنُ لم نصل إلى هذا المقامِ لكي يهزمنا خائنٌ يرتعدُ في الظلام. الخائنُ لا يحتاجُ لسيفٍ ليموت، يحتاجُ فقط أن يشعرَ بأنَّ ‘شامة’ قد وضعت عينها عليه.”

استوعب قيس كلام والدته، لكن القلق لم يفارقه، فقد كان يعلم أنَّ والده السلطان ليس بالرجل الذي يُخدع بسهولة، وأنَّ الصمتَ قد يكون سلاحاً ذو حدين. رفع عينيه نحوها، وكان ألمُ جرحِ صدره لا يزال يلسعه، فقال بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالحذر:

“ولكن يا أمي.. بقائي هنا طريحَ الفراش، متظاهراً بالضعف، سيثيرُ ريبةَ السلطان.

اقتربت منه شامة، وكانت نظراتها توحي بأنها قد حسبت كلَّ خطوةٍ بدقةٍ متناهية. وضعت يدها على طرفِ السرير، وانحنت قليلاً لتهمسَ في أذنِ ابنها بنبرةٍ لا تحملُ الشك، بل اليقين:

“السلطانُ يعلمُ أنك عدتَ مصاباً، هو يظنُ أنَّ جراحك مجردُ نتيجةِ تداخلٍ مع قطاعِ طرقٍ أو خطأٍ في التقدير، تماماً كما أرادوا له أن يظن. لكنه لم يسأل عن التفاصيلِ بعد، لأنه ينتظرُ أن يراكَ قادراً على الكلام.”

استقامت في وقفتها، وأكملت وعيناها تلمعان بحدة:

“اسمعني جيداً يا قيس، أنتَ لن تكسرَ صمتك، وأنا لن أنطقَ بحرفٍ واحدٍ حتى يطلبَ هو ذلك. حين يأتيكَ السلطانُ ليطالبك بالاستجواب، وحين يفتحُ أبوابَ هذا الجناحِ ليسمعَ منك الحقيقة، حينها فقط سنقررُ كيف نضع بهذهِ ‘الحقيقة’ امامه . كلُّ كلمةٍ في وقتها الصحيح تساوي حياةً أو موتاً، ونحنُ لا نملكُ رفاهيةَ الخطأ.”

نظرت إليه نظرةً آمرة، وأضافت:

“سيبقى هذا الجناحُ صمتاً مطبقاً، وكأنَّ الموتَ يحومُ حول فراشك. هو سيأتي ليسألك، وحين يأتي.. كن أنتَ ذلك الابنَ المطيعَ الذي ينتظرُ إشارةَ أبيه. دع الشكوكَ تنهشه، دع الغموضَ يحيطُ بنا، ففي هذا الغموضِ سنصطادُ من وضعَ الخاتمَ في تلك الليلة. لا تستعجل الريحَ يا قيس، فالإعصارُ لا يُصنعُ في يومٍ واحد.”

سكن قيس، وأدرك أنَّ والدته قد رسمت الخطةَ بالفعل. لقد جعلت من صمتهما “سجناً” سيتحول إلى “محرقة” لكل من تجرأ على الاقترابِ من حياته.

خَطَت “لالة شامة” خارجةً من جناحِ قيس، وكان ثقلُ الصمتِ في الممرِّ يضاهي ثقلَ الأفكارِ التي تنهشُ رأسها. لم تكن تمشي، بل كانت تتهادى بوقارٍ ملكيٍّ يخفي خلفه عاصفةً من الريب، وعيناها اللتانِ اعتادتا على سبرِ أغوارِ القصر، أصبحتا الآن لا تريانِ أحداً، بل تقرآنِ النوايا المظلمةَ خلفَ الوجوه.

في تلك اللحظة، كان ذهنها يغلي، ترتبُ خيوطَ اللعبةِ التي أصبحت هي وقيسُ ضحاياها، أو ربما لاعبيها الوحيدين:

أولاً: “لغزُ الخاتمِ المجهول”

كان طيفُ ذلك الخاتمِ يترددُ في مخيلتها ككابوسٍ لا ينجلي. من يملكُ سلطةَ الختمِ في هذا القصرِ ويجرؤُ على استخدامهِ في الظلام؟ كان السؤالُ يمزقُ هدوءها. أدركت أنَّ وراء تلك النبلةِ المسمومةِ عقلاً مدبراً، كياناً خفياً يتحركُ في أروقةِ القصرِ كالأفعى، يمتلكُ النفوذ، ويمتلكُ الجرأة، ويمتلكُ أيضاً خناجرَ لا تظهرُ إلا عندَ الحلقوم. كانت تدركُ أنَّ الخطرَ لا يكمنُ في الغابة، بل في تلك الوجوهِ التي تتنفسُ هواءَ القصرِ يومياً، والذين يلبسون أقنعةَ الولاء.

ثانياً: “دوامةُ الشكِ المطلق”

توقفت لحظةً عند زاويةِ الممر، ورمقت “الحاجبَ حسن” الذي كان يقفُ بعيداً، وهو يمسحُ جبينهُ بحركةٍ بدت لها فجأةً “مريبة”. هل كان إنقاذهُ لقيس صدفةً بطولية، أم أنه “حارسٌ” كُلِّفَ بمراقبةِ خروجِ الروحِ من جسدِ ابنها؟ فكرت في كلِّ الخدم، في طباخي القصر، في الحراسِ الذين يُقسمون بالولاء. لم يعد هناك “آمن” في هذا المكان. أصبحت ترى في كلِّ انحناءةِ رأسٍ مؤامرةً، وفي كلِّ ابتسامةٍ خنجراً مخبأً. لقد أصبحت وحيدةً في ساحةِ المعركة، لا تثقُ حتى في الجدرانِ التي قد تسمعُ أنفاسها.

ثالثاً: “استراتيجيةُ الصمتِ القاتل”

تنفست بعمقٍ حاد، وعادت لتشابك أصابعها بصرامةٍ تملؤها العزيمة. أدركت أنَّ أسرعَ طريقٍ نحو الحقيقة هو أن تتركَ الأعداءَ يظنونَ أنهم انتصروا. عليها أن تحمي قيسَ من عيونِ الجواسيس، وأن تترقبَ اللحظةَ التي سيسألُ فيها السلطانُ عن الحقيقة. حينها، لن تُقدم إجابةً، بل ستُقدم “رأساً” يتدحرجُ على الرخام.

مشت شامة بخطواتٍ ثابتة، رنينُ خلخالها الذهبيِّ كان يضربُ الرخامَ كأنه دقاتُ ساعةٍ تقتربُ من النهاية. لم تكن تشعرُ بالخوف، بل كانت تشعرُ بـ “الوحشِ” الذي أيقظوهُ في داخلها. كانت تفكرُ في أنَّ صاحبَ ذلك الخاتم، مَن كان، قد حكمَ على نفسه بفناءٍ لا يمحوهُ اعتذارٌ ولا يغفرهُ قدر.

استدارت نحو الجناحِ الملكيِّ حيثُ يجلسُ السلطان، ونظرت إليهِ من بعيدٍ بنظرةٍ مُحملةٍ بالوعيد، قائلةً في سرها: “فليهنأِ الخائنُ بغفلتهِ خلفَ ستارهِ، فغداً، سأجعلُ القصرَ بأسرهِ يرتجفُ حين تكتشفُ يدايَ صاحبَ ذلك الخاتم، أياً كان مقامهُ أو نسبه.”

توقفتْ للحظةٍ في الممرِّ المظلم، وأغمضت عينيها، لتستحضرَ صورةَ ابنها قيس، الممددِ كالغصنِ المكسور. ثم، وبدون سابقِ إنذار، تسللت إلى ذهنها صورة “علي”.. علي الذي رأت فيهِ دائماً الابنَ المطيع، الوديع. لكنَّ الشيطانَ الذي نالَ من قيس، هل يمكن أن يكون قد ألقى ببذورهِ في قلبِ أخيه؟

متاهةُ الشكِ في علي”

تألمت روحها وهي تحاولُ دفعَ هذه الفكرةِ بعيداً. علي؟ هل من الممكن أن تكون الغيرةُ، أو ربما “وساوسُ” خبيثةٍ من أناسٍ لا يُرون، قد أعمت بصيرته؟ فكرت في كلِّ لحظةٍ صمتٍ فيها علي، في نظراته التي قد تكونُ توارت خلفها حيرةٌ أو ضعف. هل استغلَّ من يريدون دمار هذه العائلةِ طيبةَ علي ليكونَ هو الخنجرَ الذي يغدرُ بأخيه؟ لم تعد تدري؛ فالخوفُ على قيس جعلها ترى في الجميعِ وجوهاً غريبة، حتى “علي” الذي كان بالأمسِ قطعةً من روحها.

متاهة سيف الدين”

توقفت عند ذكرى “سيف الدين”. في لحظاتِ صمتها، بدأت تفكك “صدمته” التي رأتها بأمِّ عينيها. تذكرت اللحظة التي دخل فيها جناح قيس فجأة، كيف تجمدت ملامحه، وكيف ارتجف جسده وهو يرى أخاه طريح الفراش. هل كان ذلك ذهولاً صادقاً؟ أم كانت “صدمةَ الخيبة” لأنَّ الضربة لم تصب هدفها النهائي؟

حللت “شامة” الأمر ببرودٍ تقشعر له الأبدان: سيف الدين، الذي طالما كان في صراعٍ أبديٍّ مع قيس منذ طفولتهما، يملكُ كلَّ الدوافع. الغيرةُ التي لا تموت، الرغبةُ في إثباتِ الذات، واليوم.. صدمةُ خسارةِ “الشعلة” التي كانت يظنها له، فإذا بها تذهبُ لقيس. “سيف..” همست لنفسها، “هل وصلت بكَ القسوةُ إلى هذا الحد؟ هل أعمى الصراعُ بصيرتك حتى صرتَ تتمنى زوالَ أخيك؟”

لم تكتفِ بسيف الدين أو علي. التفتت بذهنها نحو “الوزراء والمستشارين”. كلُّ من يملكُ سلطةً، كلُّ من يضعُ خاتمَ الديوانِ في إصبعه، صارَ عدواً محتملاً. الوزيرُ الذي يبتسمُ في وجه السلطان؟ المستشارُ الذي يهمسُ في أذنه؟ القادةُ

أحد.. لا أحد نقيٌ في هذا القصر،” فكرت وهي تعقدُ قبضتها. “الكلُّ يملكُ المصلحة، والكلُّ يملكُ القدرة. سيف الدين، علي، الوزراء، الحاجب.. الكلُّ تحت مجهري.”

في ركنٍ قصيٍّ من أروقةِ القصر، حيث لا تصلُ أعينُ الحراس ولا آذانُ المستشارين، كانت “شامة” تقفُ في الظل، وبجانبها ظلٌّ آخر.. “عبيب”. كان وجهاً مألوفاً في القصرِ كالجدار، لا يلاحظه أحد، لكنه كان يرى كل شيء. لم يكن يطمعُ في جاهٍ، بل كان ولاؤه لشامة يقترب من حدِّ التقديس، وهو الوحيد الذي يجرؤ على قول الحق الذي لا يُقال.

همست شامة، وصوتها يخرجُ كفحيحِ أفعى: “يا عبيب، القصرُ كله قد تعفن. لم أعد أثقُ بدمي، ولا بخدمي، ولا بجدرانِ هذا البيت. الكلُّ يبتسمُ في وجهي، والكلُّ يخبئُ خنجراً، حتى أبنائي صاروا بالنسبة لي لغزاً لا يُفك.”

أطرق عبيب برأسه، ثم رفع عينيه اللتين تبصران ما لا يبصره الآخرون، وقال بهدوءٍ لا يقطعه إلا خشخشةُ ثيابه: “مولاتي.. الظلامُ الذي يحيطُ بنا هو الذي سيكشفُ لنا الضوء. أخبريني، من الذي بدأت الشكوكُ تحوم حوله؟”

أحست شامة لأول مرةٍ منذ أيامٍ ببريقِ أملٍ في عينيه. قالت وهي تضعُ يدها على كتفهِ، “أريدُ الحقيقة، يا عبيب. أريدُ أن تتبعَ أثرَ ‘الخاتم’. سيف الدين، علي، الوزراء، القادة.. لا أحدَ فوقَ شكوكك. تتبع خيوطهم، راقب أنفاسهم، وأريد أن أعرفَ من الذي كان يملكُ الجرأةَ ليلةَ الاغتيال. إذا كان الشيطانُ نفسه قد شارك في هذه الجريمة، أريدك أن تأتيني باسمه.”

انحنى عبيب انحناءةً عميقة، وقال بصوتٍ واثقٍ ومريب: “سأجعلُ القصرَ يتحدثُ يا مولاتي. سأدخلُ دهاليزَ لا يجرؤُ أحدٌ على دخولها، وسأسمعُ ما لا يريدون أن يسمعوه. لن يبقى في القصرِ سرٌّ، وسأضعُ الحقيقةَ بين يديك، حتى لو كانت مدفونةً تحت سابع أرض.”

تراجعت شامة للوراء، وابتسمت ابتسامةً مريرة، فقد أدركت أنها الآن ليست وحيدة في معركتها. “اذهب يا عبيب، ولا تترك أثراً. إذا اكتشف أحدٌ حركتك، فليكن هو آخرُ شيءٍ يفعلهُ في حياته.”

دخل السلطانُ الجناحَ فجأة، لكنه لم يجد “ضحيةً” ممددة، بل وجد قيس واقفاً قرب النافذة، يشدُّ رباطَ كتفهِ بيدهِ القوية، ملامحهُ صلبةٌ كصخرِ الأطلس، لا أثرَ للشحوبِ أو الوهنِ الذي توقعهُ الجميع. التفتَ قيسُ ببطء، وحركتهُ كانت مدروسةً وممتلئةً بالثقة، وكأن جراحهُ لم تكن سوى خدشٍ بسيطٍ في مسيرةِ محارب.

توقف السلطانُ قليلاً، مبهوراً بهيبة ابنه الذي لا ينكسر. اقترب منه، وعيناه تبحثان عن الحقيقة في وجه قيس الصارم: “قيس.. الجراحُ التي أصابتك ليست جراحَ قطاعِ طرقٍ عابرين. أخبرني الحقيقة.. أهي مؤامرةٌ نبتت في ظلالِ قصري؟”

لم يرمش قيس، ولم يتلعثم. نظرَ في عيني والده بنظرةٍ عميقةٍ ومطمئنة، وقال بصوتٍ رخيمٍ ثابت: “مولاي، الغابةُ مليئةٌ بالذئابِ والجبناء، والملثمون الذين واجهتهم لم يكونوا سوى قطاعِ طرقٍ أرادوا سلبَ ما ليس لهم. لا أدلةَ لي، ولا اسمَ أحملهُ لهم.. انتهى الأمر.”

تنهد السلطانُ بحزم، فهمَ أنَّ قيس اختار “الصمتَ الاستراتيجي”. وضع يدهُ على كتف ابنه بقوة، وقال بصوتٍ آمر: “إذن فليكن.. قطاعُ طرق. لكنَّ عارَ هذا الجرحِ لا يغسلهُ إلا الميدان. جهز نفسك، الرحيلُ وشيك، الشعلةُ تنتظرُ من يحميها، وأريدك أن تكونَ في مستوى الظن، لا أريدُ تراجعاً ولا ضعفاً.”

لم يتردد قيس، بل بادر والدهُ بذكاء المحارب الذي يقرأُ خفايا الأمور:

“مولاي.. هذه المهمةُ حساسةٌ، وربما كان سيفُ الدين هو الأنسبُ لقيادتها، فهو يطمحُ لها منذ أمد، وربما كان وجودهُ في الميدانِ كفيلاً بإتمامِ ما يصبو إليه.”

توقف السلطان، ونظر إلى قيس نظرةً ثاقبة، نظرةَ من يرى ما وراء الكلمات. لم يغضب من اقتراح قيس، بل ابتسم ابتسامةً باهتةً لا تحملُ طيبة، بل تحملُ حكمةَ من يرى الخيوطَ كلها.

أجاب السلطانُ بصوتٍ منخفضٍ ومسيطر

أنا أعلمُ تماماً من أرسلُ، ومن أستبعد.

أخذ نفساً عميقاً ثم تابع بنبرةٍ لا تقبل الجدل: “الاختيارُ وقعَ عليك، ليس فقط لما تملكهُ من قوة، بل لأنني أريدُ اختبارَ ثباتك أمامَ ما هو آت. جهز نفسك، الرحيلُ وشيك

لم يجب قيس. لم يجادل ولم يظهر أي احتجاج. وبكل ثبات، خفض رأسه في انحناءةٍ عميقةٍ ومحترمة، تجسيداً للطاعة المطلقة التي يفرضها مقام السلطان. كان صمتهُ في تلك اللحظة أبلغ من أي جواب، فقد كان انحناءةَ محاربٍ يعرفُ متى يطيع، ويعرفُ تماماً متى سيستلُّ سيفه.

ظلَّ السلطانُ يراقبُ انحناءة ابنه للحظات، وكأنه يختبرُ معدنه، ثم استدار بخطواتٍ رزينة وخرج من الجناح.

بمجرد أن تلاشى صدى خطواته في الممرات الرخامية، دخلت “شامة” بخطواتٍ واثقة، وعيناها تمسحانِ المكان لتتأكدا من خلوّه. أغلقت البابَ خلفها بإحكام، واقتربت من قيس الذي كان لا يزال واقفاً، ملامحهُ جامدة كتمثال.

نظرت إليهِ بحدةٍ وقالت: “رأيتُ السلطانَ يخرجُ من عندكَ وعلاماتُ الحيرةِ على وجهه. أخبرني.. ماذا قلتَ له؟ هل كشفتَ لهُ شيئاً؟

نظر إليها قيس، وظهرت على وجهه ابتسامةٌ باهتة: “لم أقلْ لهُ شيئاً، يا أمي. أخبرتهُ أنهم مجردُ قطاعِ طرقٍ لا أكثر. لم أردْ أن أفتحَ باباً للفتنةِ قبلَ أن أعرفَ من الذي يمسكُ بالمفاتيح.”

ارتسمت على وجهِ شامة ابتسامةُ رضا، وكأنها كانت تنتظرُ منه هذا الوعي. اقتربت أكثر، وانخفض صوتها ليصبحَ همساً مرعباً: “أحسنت.. هذا هو القرارُ الصائب. أما أنا، فقد قضيتُ ليلتي ونهاري أجمعُ خيوطَ اللعبةِ التي حاولو حياكتها حولك. لا تشغل بالك بالبحث عنهم، لقد وصلتُ إلى أطرافِ الخيط، وعرفتُ من أينَ تخرجُ النوايا السوداء.”

تراجع قيس قليلاً، ونظر إلى أمه بذهولٍ ممزوجٍ بالإعجاب، فتابعت هي بنبرةٍ قاطعة:

ارحل وأنتَ تحملُ ‘الشعلة’، واترك الباقي لي. القصرُ كلهُ سيتغير، ولن ينجو أحدٌ من الحساب. سأتكفلُ بكلِّ صغيرةٍ وكبيرة تصلبت ملامح قيس، وارتفع صوته بحدة لم تعهدها شامة منه من قبل، وكأن الجرح الذي في كتفه قد انتقل إلى كبريائه: “لا يا أمي.. لن أرحلَ وأنا أجهلُ من الذي طعنني! من حقي أن أعرف، ومن حقي أن أواجهَ خصمي. لم أعد ذلك الصغيرَ الذي تختارينَ لهُ الطريقَ وتخبئينَ عنه الحقائق.”

استشاطت شامة غضباً، لكنها لم تظهر سوى برودٍ جليديٍّ مرعب. اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، حتى صارت تواجهه وجهاً لوجه، وقالت بصوتٍ منخفضٍ يزلزل الأركان: “لقد ربيتكَ على الطاعةِ يا قيس، ونسيتَ أنني أنا من علمتك أنَّ السيفَ لا يُستلُّ إلا في أوانه. حين أتحدث، أنت تسمع.. وحين آمر، أنت تطيع. لستَ هنا لتجادلني في حقكَ بالمعرفة، بل لتنفذَ ما يُصلحُ حالَ هذا القصر.”

تراجع قيس للخلف، ونظراته تشتعل بالتمرد، لكن شامة قاطعته قبل أن ينبس ببنت شفة، ملوحةً بسبابتها في وجهه بحزمٍ لا يقبل التأويل: “هذا الزمنُ الذي نعيشهُ لا يعترفُ بالعاطفة، بل يعترفُ بمن يملكُ الحقيقةَ وحده. كلُّ ما تراهُ اليوم.. كلُّ هذه الشكوك والحروب، ستلقي بها خلفَ ظهرك. ستذهبُ للشعلةِ لتصفّي ذهنك، لتكونَ الرجلَ الذي ينتظرهُ السلطان. أما القصر؟ أما الخونة؟ أما من غدرَ بك؟ فدعهُ لي..

ساد صمتٌ خانق، كانت أنفاسُ قيس تتسارع، والصراعُ في عينيه بين الرغبة في التمرد وبين الاعتراف بسلطة أمه المطلقة كان جلياً. نظر إلى عينيها، فرأى فيهما شيئاً لم يره من قبل؛ رأى “الوحش” الذي أعدته هي ليحمي ظهره.

أغمض قيس عينيه بقوة، ثم أطرق رأسه، ليس خضوعاً هذه المرة، بل تسليماً للأمر الواقع الذي تفرضه هي بذكائها المسموم.

قالت شامة بنبرةٍ أكثر هدوءاً، وكأنها تنهي الحديث: “اذهب، جهز أغراضك، ولا تشغل بالاً إلا بما هو أمامك..يكفي انك تعلم صاحب الخاتم . . واعلم انه ليس هوا ،بل فخ للتفرقة بيننا .هيا .. فليس هناك وقت للشرح والطريق تنتضر خوافر خيلك لطيها

خرجت من الجناح تاركةً قيس في دوامةٍ من الغضبِ المكتوم، وهو يعلمُ في قرارة نفسه أن أمه قد بدأت “حربها الخاصة”، وأنها لن تتوقف حتى تحرق كل من تجرأ على ابنها.

بمجرد أن خرجت “شامة” وتركت خلفها ثقل الصمت، بقي “قيس” مسماراً في مكانه. ظلت كلماتُ أمه تتردد في رأسه كقرعِ الطبول: “يكفي أنك تعلمُ صاحبَ الخاتم.. واعلم أنه ليس هو، بل فخٌ للتفرقة بيننا.”

تجمعت قطعُ اللغزِ في ذهنهِ فجأةً، كأنما أزاحت شامةُ غشاوةً كانت تمنعهُ من الرؤية. استرجع صورةَ ذلك الملثم في الغابة، وتذكر بوضوحٍ ذلك الخاتم الذي لمعَ تحت ضوءِ القمر الخافت، الخاتمُ الذي حملَ شعاراً يخصُّ أحداً من داخلِ العائلة.. أو ربما شعاراً يخصُّ جهةً أرادتنا أن نظنَّ أنها من داخلِ العائلة.

أدرك “قيس” الآن عمقَ الفخ. لم يكن الاغتيالُ مجردَ محاولةٍ لإنهاء حياته، بل كان محاولةً لإنهاءِ “الرابط” الذي يجمعُ الإخوة. لو سقطَ قيس، لثار سيفُ الدين أو علي، ولو تشككوا في بعضهم البعض، لتمزقَ القصرُ من الداخل، ولفتحت أبوابُ السورِ لعدوٍّ يترقبُ في الخارج.

وقف “قيس” أمام مرآته، لم يعد يرى فيها جراحاً، بل رأى “مقاتلاً” قد وُلد من رحمِ الموت. مسح على كتفهِ، ونظر إلى الخاتم الذي كان يرتديه في إصبعه، ثم تنهد ببرودٍ لا يعكسُ الغليانَ الذي في قلبه.

همس لنفسه بنبرةٍ تكادُ تكونُ عديمةَ الإحساس: “لقد أرادوا أن نقتلَ بعضنا بظنوننا.. أرادوا أن يروا دمَ الأخِ على يدِ أخيهِ ليضحكوا هم في الظلام. الخاتمُ ليسَ دليلاً، بل هو ‘رسالة’.. وقد وصلت.”

كانت حركةُ القصرِ محمومة، خيولٌ تُسرج، وحرسٌ يتأهبون، وقيسُ يتهيأُ للرحيلِ نحو المجهول. في جناحِ قيس، كانت “شامة” تتحركُ كالشبح، لا تتركُ تفصيلاً للصدفة. تشرفُ على خياطةِ درعهِ بنفسها، وتراجعُ مؤونةَ الطريق، وتتأكدُ من أنَّ كلَّ شيءٍ مرتبٌ بإتقانٍ يثيرُ الرهبة.

لم تكن تبكي، بل كانت عيناها تقطران صرامةً تخفي خلفها قلباً يشتعلُ وجداً. كانت تدركُ أنَّ كلَّ ثوبٍ تضعهُ في حقيبته، وكلَّ سيفٍ تشحذهُ له، قد يكونُ الحاجزَ الأخيرَ بينه وبين الموت.

اقتربت منه، وفي يدها “تعويذةٌ” من نوعٍ آخر؛ ليست تمائمَ، بل هي نصائحُ من نار. عدلت ياقةَ قميصه، ورفعت رأسها لتنظرَ في عينيه بعمق:

“خيلك جاهزة، وقيسك جاهز.. لكنَّ الحذرَ هو زادك الأول. لا تأكل من يدِ غريب، ولا تثق في رفيقِ دربٍ لم تختبرهُ في الميدان. القصرُ هنا سأحرقهُ لأجلك، فلا تترك أحداً يطفئُ شعلةَ حياتك هناك.”

توقف قيس عن الحركة، ونظر إلى أمه؛ رأى في عينيها رغبةً جامحةً في أن ترافقه، أن تترك القصرَ وكلَّ ما فيه، لتكونَ حارسةً له في طريقهِ الموحش. لكنها كانت أعقلَ من أن تفعل.

همس قيس بتقدير: “كنتُ أظنُّ أنني سأرحلُ وحيداً، لكني أراكِ في كلِّ تفصيلٍ أضعُ يدي عليه.”

لم تجب، بل وضعت يده في يدها، وضغطت عليها بقوة: “أنا هنا، أراقبُ ظلكَ الذي يبتعد، وسأكونُ السيفَ الذي يضربُ من خلفِ الجدران. لا تلتفت خلفك، فالخلفُ في ذمتي أنا.”

بينما كان قيس يهمُّ بالخروج، توقفت شامة للحظة، وأخذت نفساً عميقاً لتكبحَ جماحَ قلبها الذي أراد أن يصرخ: “لا تذهب!”. استدارت نحو النافذة، تراقبُ خروجهُ إلى ساحةِ القصر. كانت تعلمُ أن كلَّ خطوةٍ يخطوها بعيداً عن سورِ القصر، تزيدُ من شعورها بأنها تفقدُ حمايتها المباشرة له

في ساحة القصر الكبرى، كانت الخيول تصهل، والهواء مشحون بتوترٍ لا يُخفى على أحد. وقف السلطان في الشرفة العالية، يراقب المشهد بوقارٍ ملكي، بينما وقف “قيس” في الأسفل، مرتدياً رداء الرحيل، يبدو كالسيف المسلول.

تقدم قيس نحو والده، انحنى له انحناءةً طويلةً ومليئة بالاحترام، وضع يدهُ على قلبه ثم على جبينه. نظر إليه السلطان نظرةً أخيرة، ليست نظرة أبٍ مشفق، بل نظرة ملكٍ يودعُ بطلَ معاركه. وضع السلطان يده على كتف قيس ضغط عليها بقوة، وكأنه يختبر صموده، وهمس له بنبرةٍ لا يسمعها غيره: “الخاتمُ الذي في أصبعك لا يحددُ من أنت.. أفعالك هي التي ستحددُ مصيرك.

لم يرمش قيس، بل أومأ برأسه بقوة، معلناً قبوله للتحدي.

داخل الجناح المستور، حيث الهدوء يلفُّ المكان رغم دقاتِ القلوب المتسارعة. كانت “مريم” و”سراء”و “لاللة كنزة ” يقفن في وسط الغرفة، من ورائهم الخدم والحشم الذين انحنوا جميعاً في صمتٍ موقر، رؤوسهم مطأطأة للأرض. في جانبٍ من الغرفة، كانت “لالة شامة” تقفُ كالجبلِ الراسخ، تراقبُ المشهد بعينين لا تُخطئان، صامدةً رغم العاصفة التي تعتملُ في جوفها.

اقترب قيس بخطواتٍ هادئة، وتوقف أمام “سراء”. كانت ملامحها تشي بقلقٍ عميق، لكنها كانت تحاولُ الحفاظ على ثباتها. أمسك يديها، وقال بصوتٍ حنونٍ لا يقطعهُ إلا حفيف ثيابه: “سراء، كوني عينَ القصرِ التي لا تغفل. لا أستودعكِ مالاً أو جاهاً، بل أستودعكِ بيتنا وأمنا.” أومأت سراء برأسها، وعيناها تلمعان بدموعٍ محبوسة، وقبلت يده في وداعٍ صامتٍ ينبضُ بالوفاء.

ثم التفت إلى “مريم”. كانت مريم واقفةً كغصنٍ يوشكُ أن ينكسر. بمجرد أن اقترب منها قيس، ارتمت بين ذراعيه، وانفجرت في بكاءٍ مكتوم، متشبثةً بردائهِ بقوةٍ كأنها تخشى أن يتبخرَ أمام عينيها. كانت متعلقةً به حدَّ التماهي، وهو كان يرى فيها طفولتهُ وذكرياته كلها

مسح قيس على رأسها، وقال بصوتٍ يملؤه الأسى: “مريم.. يا رفيقتي ، الفراقُ ضريبةُ الرجال، لكنَّ القلبَ لا يغادرُ أبداً.

اشتدَّ بكاءُ مريم، ونشيجها صار يمزقُ هدوءَ الجناح. لم تقوَ على النظر إليه، بل ظلت متمسكةً بكتفهِ، حتى اقتربت “شامة” ببطء، ووضعت يدها على كتف مريم بحزمٍ رقيق، وقالت بصوتٍ منخفضٍ ومسيطر: “مريم.. الأميرُ لا يرحلُ بدموعنا، بل بذكُرانا القوية. ارفعي رأسكِ.”

ابتعد قيس عن مريم برفق، ومسح دموعها بإبهامه لآخر مرة. نظر إلى “كنزة” والخدم الذين كانوا يراقبون المشهد بتأثر، وقف قيس أمام “كنزة”. كانت واقفة بوقارها المعهود، ملامحها تعكس حزناً نبيلاً. لم تكن كنزة يوماً طرفاً في صراعات السلطة، وضعت كنزة يدها على كتفه، وقالت بنبرةٍ دافئة يملؤها الصدق: “يا قيس.. شفتكم كبرتوا قدام عيني، طريقك صعيبة، ومسؤوليتك كبيرة.. الله يحفظك وينورك طريقك..راك غادي لارض اهلي وحبابي ، بلغ ليهم سلامي ، “سير، الله يفتح لك بيبان الخير.

ابتسم قيس ،ثم أومأ برأسه لها ،ثم ألقى نظرةً أخيرةً على “شامة”. لم يقل شيئاً، كان الصمتُ بينهما أقوى من كلِّ الكلمات، وكأنه يقول: “أمانتكِ في قلبي، وأمانتِي في قلبكِ.”

استدار قيس وخرج من الجناح، تاركاً خلفه صدى بكاء مريم الذي كان يتردد في أرجاء الجدران، بينما بقيت شامة ثابتةً، تُعدُّ أنفاسها في صمت

اصطفَّ الجميعُ في باحةِ القصر، صفوفٌ من الوزراءِ والقادةِ والحجاب، الكلُّ منحني الرأسِ في طاعةٍ صامتة. كان المشهدُ مهيباً، يليقُ بخروجِ أميرٍ في مهمةٍ يراها القصرُ شعلةً

تقدمَ قيس، بملابسهِ الحربية، بخطواتٍ واثقةٍ جعلت كلَّ من في الباحةِ يحبسُ أنفاسه. وقف أمامَ السلطان، انحنى انحناءةً كاملةً، ثم استقامَ ونظرَ نحو أخيه “سيف الدين” الذي كان يقفُ في الصفِ الأول، ملامحهُ جامدة، يدهُ مقبوضةٌ بقوةٍ

اقترب قيس من سيف الدين، وبادل أخاه العناق الرسمي أمام أنظار القادة والوزراء. وفي تلك اللحظة، خفض قيس صوته، وهمس في أذن أخيه بنبرة صادقة تخلو من أي تحدٍ:

“أعلم أن في قلبك غصة.. وأعلم أنك تظن أنني سعيت لهذا المقام. لكن، ورب الكعبة، ما كان هذا يوماً طموحي، ولا طرقت باباً لأجله. الأقدار هي التي ساقتني إلى هذا الطريق، ولو كان الأمر بيدي، لكانت هذه المهمة من نصيبك.”

ابتعد قيس قليلاً عن أخيه، ونظر إليه بنظرة أخوية صافية، ثم تابع بصوتٍ خافت: “لا تحمل في قلبك ضغينةً على شيءٍ لم أبتغهِ يوماً.”

سيف الدين، الذي كان يتوقع ضربة أو استفزازاً، تجمدت ملامحه للحظة. تلاشت حدة عينيه قليلاً أمام صدق أخيه، لكن “الغيرة” و”الطموح” في داخله كانا أعمق من أن ينمحيا بكلمات. هز سيف الدين رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان مثبتتين

“رافقتك السلامة يا أخي”

تحولت ساحة القصر الكبرى، في تلك الصبيحة، إلى لوحةٍ عباسيةٍ مهيبة، حيث تلاقت هيبةُ الدولة مع رهبةِ الوداع. لم يكن خروجُ قيس مجرد رحلة، بل كان إعلاناً لمولدِ “والٍ” جديد.

اصطفت كتائبُ الجيش في الساحةِ كأنها جدارٌ من حديد، بريقُ دروعهم يزاحمُ خيوطَ الشمسِ الأولى، وصليلُ السيوفِ في أغمادها يُسمعُ كأنهُ دقاتُ قلبِ الدولة. في صدرِ الساحة، نُصبت منصةٌ مرتفعة، وقف عليها السلطانُ ببهاءِ الخلافة، وعلى يمينهِ “لواءُ الإمارة”، تلك الرايةُ الموشاة بخيوطِ الذهب التي لا تُمنحُ إلا لمن استحقَّ شرفَ السيادة.

حين ظهر “قيس” من أروقةِ القصر، ساد صمتٌ مطبق. . تقدم بخطواتٍ موزونة، وعيناه لا تحيدانِ عن وجهِ أبيه. عند المنصة، انحنى قيس انحناءةَ طاعةٍ أثارت إعجابَ القادةِ الواقفين، ثم ارتقى الدرجاتِ بثبات.

سلمهُ السلطانُ “العهدَ” المكتوبَ في رقٍّ فاخر، وأمسك بيدهِ قبضةَ السيفِ المقلدِ له، وهمس له بصوتٍ جهوريٍّ سمعهُ القادةُ المحيطون: “هذا السيفُ يُحملُ للحق، ولا يُغمدُ إلا في وجهِ من أرادَ بالدولةِ شراً. خُذ اللواءَ، وكن ظلاً للعدلِ في إمارتك.”

هنا، انفجرت الطبولُ النحاسيةُ بقرعٍ متواصل، إيذاناً ببدءِ “النوبة”. التفت قيس نحو القادة، رفع لواءَ الإمارة عالياً، وصاح بصوتٍ ترددت أصداؤه في جنباتِ القصر: “أيها الجند، لستُ خارجاً لأكونَ أميراً على رقابكم، بل لأكونَ سيفاً في يدي الحق، وحصناً لكلِّ مظلوم. ومن كان يطمحُ لمجدِ الامويين فليجعلْ من طاعتهِ للهِ أولاً، وللعهدِ ثانياً!”

تعالت أصواتُ التكبيرِ والتهليل من أفواه الجنود، وهزت خيولهم أجسادهم حماسةً، بينما كانت السيوفُ تشرعُ في الهواءِ في تحيةٍ عسكريةٍ مذهلة.

من شرفةٍ علوية، كانت “شامة” تراقبُ كلَّ تفصيل. رأت كيف انحنى سيف الدين -رغم غيضه- إجلالاً للواءِ الذي يحمله أخوه، لم ترتجف شامة، بل زادت صرامة، فقد أدركت أنَّ هذه الهيبةَ التي صنعها قيس اليوم، هي درعهُ الأكبر، وهي أيضاً الشرارةُ التي ستشعلُ الغيرةَ في قلوبِ الخونة.

أطلق قيس صرخةً حادة، وقفز على صهوةِ جوادهِ الأصيل، الذي كان يصهلُ بحماسٍ كأنه يدركُ عظمةَ اللحظة. انطلق الموكبُ ببطءٍ مهيب نحو بوابةِ القصرِ العظيمة، حيثُ اصطفت الرعيةُ لتوديعِ أميرهم.

بينما كانت الحوافرُ تقرعُ الأرض، لم يلتفت قيس إلى الخلف، رغم أنه كان يعلمُ أنَّ عيوناً كثيرةً تراقبه؛ بعضها يرجو لهُ السلامة، وأكثرها يتربصُ بهِ زلةً أو سقوطاً. خرج من القصرِ بطلاً

ما إن توارت سنابك خيل “قيس” عن الأنظار خلف البوابة الكبرى، حتى تجمدت ملامح “شامة” في مكانها. ظلت عيناها شاخصتين نحو الأفق، وكأن روحها قد رحلت معهم. في تلك اللحظة، خانتها إرادتها الصلبة، ففرت دمعةٌ وحيدة، حارة وثقيلة، لتشق طريقها على خدها الشاحب. مسحتها بسرعة البرق بحركةٍ عنيفة من كفها، وكأنها تمسح ضعفاً لا يليق بمقامها، ثم استدارت بخطواتٍ متسارعة، تكادُ تكونُ هرباً من أعينِ الحاشية التي لا تزالُ تراقبها.

لم تتوقف حتى دخلت جناحها الخاص، وبمجرد أن أغلقت الباب خلفها ، انهارت كل السدود. سقطت “شامة” على أقرب مقعد، فارتجف جسدها بعنف، وانفجر صدرها بنحيبٍ مكتوم لم يخرج منه إلا صوتُ تمزقِ قلبِ أمٍ رأت ابنها يبتعدُ نحو المجهول. لم يكن بكاءً عادياً، بل كان تفريغاً لسنواتٍ من الكتمان، لسنواتٍ من الحذر والخوف.

بدأت أنفاسها تتسارع بشكلٍ مقلق، وشعرت برأسها يدور، حتى خارت قواها تماماً وانزلقت على الأرض في حالةِ إغماءٍ ناتجة عن شدةِ الوجدِ والتوتر.

في الخارج، كان صوت ارتطام جسدها بالأرض قد وصل إلى مسامع الحراس والخدم. هرع الجميع نحو باب الجناح، تعلو وجوههم علاماتُ الذعر. “لالة شامة؟”، “مولاتي هل أنتِ بخير؟”، اختلطت أصواتهم وتداخلت نداءاتهم، وكانوا على وشك كسر الباب لولا أن صرخ فيهم صوتٌ جهوريٌّ أوقفهم جميعاً.

كان “عبيب” هو من تقدم، ملامحهُ تحملُ الآن قلقاً لا يخطئه ناظر. وقف أمام الباب، ونظر إلى الخدم بصرامةٍ مرعبة: “تراجعوا! لا أحد يقترب، ولا أحد يجرؤ على النظر إلى ما خلف هذا الباب. من يتحرك سأقطعُ لسانه!”

فتح عبيب الباب ببطء، ودخل وحده، موصداً إياه خلفه. وجد “شامة” ملقاةً على الأرض، في مشهدٍ لم يعتد أن يراها عليه يوماً. هرع إليها، وجلس بجانبها على ركبتيه، ورفع رأسها برفقٍ شديد بين يديه. كان وجهها شاحباً كالمرمر، وأنفاسها متقطعة.

أمسك “عبيب” بكأسٍ من الماء كان موضوعاً بجانبه، وقربهُ من شفتيها المرتجفتين، وبدأ يمسحُ على جبينها بقطعة قماشٍ مبللة، محاولاً استعادة وعيها، وهو يهمسُ لها بصوتٍ خافت، مليءٍ بالاحترام والولاء:

“يا مولاتي.. تنفسي. قيس لم يرحل ليذبحكِ، بل رحل ليفتح لنا طريقاً. القوة التي زرعتهاِ فيه هي التي ستحميه، فلا تتركيها تخذلهُ الآن فيكِ. أنتِ العمود الذي يقومُ عليه هذا القصر، وإذا سقط العمود.. سقط الجميع.”

ظلت عيناه تلاحقها، يرقبُ عودةَ الروحِ إلى جسدها، وهو يعلمُ أن هذه اللحظة من الانهيار هي “الضريبة” الوحيدة التي تدفعها “شامة” ثمناً لكونها إنسانة، قبل أن تعود لتلبس قناع “الوحش” الذي يحمي ابنها.

جلس السلطان بجانبها، يراقبُ انكسارها الذي لم يسبق له مثيل. كانت “شامة” غارقة في وجدها، تهزُّ رأسها نفياً، وصوتها المتهدج يهمس بكلماتٍ لم تعهد أن تنطق بها: “لا أستطيع.. والله لا أستطيع. ما كان هذا الأمرُ في الحسبان، ولا كانت قوتي تكفي لتحملِ غيابه. أنت تتحدث عن ‘رجل’، وأنا لا أرى إلا طفلي الذي انتظرتهُ العمرَ كله.”

انحنى برقةٍ بالغة، وقبّل يدها ثم جبينها في إشارةٍ تُظهرُ تقديره لها لا كملكةٍ فحسب، بل كإنسانةٍ أعطتهُ الكثير. حاول أن يجلس معها، أن يمتصَّ غضبَ هذه العاصفة بكلماتِ المواساة، لكنه أدرك بحكمته أنَّ “شامة” ليست بحاجةٍ إلى خطابات، بل بحاجةٍ إلى “زمنٍ” تستعيد فيه شتاتها.

كان صمتُ الغرفة ثقيلاً، مليئاً بصوتِ أنفاسها المتقطعة التي لم تهدأ. لم تكن الكلماتُ تجدي نفعاً، فكلُّ كلمةٍ تزيدُ من شعورها بالخسارة. ظلَّ السلطانُ بجانبها، يمسحُ على رأسها بحنوٍّ أبويٍّ نادر، مدركاً أنَّ هذا الجرحَ لا يندملُ بمرورِ الساعات، وأن “شامة” التي يعرفها، والتي لا تنكسرُ أمام الأعداء، قد سُحقت تحت وطأةِ “حنين الأم”.

دخلت “كنزة” إلى جناحها الخاص، وبمجرد أن أغلقت الباب خلفها، رمت بوشاحها جانباً وتلاشت كل ملامح “زوجة الأب” الرزينة. جلست على أريكتها، وبدأت تضربُ على فخذيها بقوة، ونبرة صوتها تحملُ مزيجاً من الرعب واليقين الذي خاب:

كنت حاسبة لالة شامة غترافقو، قلت ‘تهنيت’، غيمشي هو وتتبعو هي، ونبقى أنا والسيد سيف الدين نتحكموا في هاد القصر كي بغينا.”

وقفت تمشي ذهاباً وإياباً في الجناح، حركاتُ يديها مضطربة، وعيناها تدوران في المكان كأنها تبحث عن مخرج. ضربت فخذها بحدّة مرة أخرى، وقالت بصوتٍ مسموع والشرارة في عينيها:

“ساعا بقات! بقات هي.. بقات ‘الحية’ اللي عينيها ما كينعسوش. قيس مشا، ولكن هي بقات لينا هنا!

توقفت فجأة أمام المرآة، ونظرت إلى وجهها الذي بدأ يظهر عليه أثر القلق. حاولت أن تستعيد هدوءها، عدلت شعرها وقالت لنفسها بصوتٍ مخنوق:

“هاهيا دبا مغتلقا لاشغل لا مشغالة من غييرنا ..حتى قيس لي منوض فيها الحريقة وملاهية معاه هاهوا مشا وخلاها لينا ارااااا سيدي بابا ما تبورد علينا كيف بغات(ندبات حنكها) اويييلي وحدييي مالقيت ليها جهد ياربي مالقيت ليها جهد غتقتلني بالفقصة غتشرررفني وطرطق فيا الشيب قبل الوقت!!

كانت “سراء” تدخلُ جناح “كنزة” بخطواتٍ ثقيلة، ملامحها شاحبة من شدة الحزن، وعيناها محمرّتان من كثرة البكاء على رحيل أخيها. لم تكن تشعرُ بشيء سوى أن القصرَ فقدَ روحهُ برحيلِ قيس، وكانت تبحثُ عن أيِّ صدرٍ حنونٍ يشاركها هذا الوجع، ظانةً أن امها قد تكونُ هي الملاذ.

لكن بمجرد أن دفعت البابَ ودخلت، تجمدت في مكانها.

كانت “كنزة” تقفُ في وسط الغرفة، وجهها محتقن، عيناها تقدحانِ شراً، وهي لا تزالُ في ثورةِ غضبها من بقاء “شامة”.

بمجرد أن رأت كنزة “سراء”، لم تهتم حتى بتبديل قناعها. صرخت فيها بصوتٍ أجشّ:

“خرجي من هنا! ما عنديش الوقت لدموعك ولبكاكِ! هاد القصر ولا كلو جنازة بلا سبة، سيري لحقي على شامة تنوح معاك، أنا ما عندي خاطر لهادشي!”

جحظت عينا سراء من الخوف، وتجمدت دقاتُ قلبها.

لم تجد سراء أي ردٍّ، كان الرعبُ قد عقد لسانها. وفي لحظةِ ضعفٍ إنساني، استدارت سراء وبدأت تجري خارج الجناح

مرت الأيامُ ثقيلةً كأنها دهور. خلت ممراتُ القصرِ من ضجيجِ خيولِ قيس، وأصبحَ الصمتُ في أروقتهِ لا يقطعهُ إلا وقعُ أقدامِ الحرسِ الرتيب. “شامة”، التي كانت رمزاً للصلابة، أصبحت طيفاً شاحباً داخل جناحها.

لم تكن “شامة” مريضةً بالمعنى المعتاد، بل كان “الوهن” قد تسلل إلى عظامها. أصابها إرهاقٌ لم تنجح معه وصفات الأطباء ولا طمأنةُ السلطان. كانت تمضي ساعاتِ يومها جالسةً عند نافذتها، تحدقُ في الأفق حيث غاب موكبُ ابنها، وجهها صار كلوحةٍ من ورقٍ أصفر، ويديها اللتين كانتا تديرانِ شؤون القصر بحزم، باتتا ترتجفانِ من أقلِّ مجهود.

تلك الفترة كانت “شامة” فيها في صراعٍ مع نفسها. كانت ترفضُ الطعام، وتتجنبُ حديثَ الجواري، وتلوذُ بصمتٍ مطبق. جسدها الذي أرهقهُ السهرُ والقلقُ لسنوات، قرر أخيراً أن يثور، فأصابتها حمى متقطعة كانت تأخذها إلى هذيانٍ خفيف، تنادي فيه اسم “قيس” كما كانت تفعل حين كان طفلاً.

كان السلطان يزورها كل مساء، يجلسُ بقربها، يمسكُ يدها الباردة ويقرأ لها من رسائلِ قيس التي بدأت تصلُ تباعاً من إمارته. كانت الرسائلُ تخففُ عنها قليلاً، لكنها لم تشفِ الجرح. كانت “شامة” تستمعُ لصوته وهو يقرأ عن اخبار قيس وانجازات علي وكذلك مواساته لها في الرسائل ، فتدمعُ عيناها بصمت، ليس حزناً، بل فخراً ممزوجاً بوجعِ الفراق.

ببطءٍ شديد، وبوتيرةٍ تكادُ لا تُرى، بدأت شامة تستعيدُ أنفاسها. لم يكن التعافي قراراً بقدر ما كان “ضرورة”. لاحظت يوماً نظرة مريم المليئة بالخوف عليها، وأدركت أن انهيارها يعني انهيارَ كل من تحب.

في أحد الأيام، طلبت شامة مرآتها لأول مرة منذ اشهر نظرت إلى وجهها الذي أثقلته التجاعيد والذبول، لمست شيباً جديداً غزا شعرها، ثم أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً. حين فتحتهما، كانت تلك “الشرارة” المعهودة قد بدأت تعود لعيونها.

نادت “عبيب” الذي كان يقف خلف الباب كظلها، وبصوتٍ لا يزال ضعيفاً ولكن بنبرةٍ آمرة، قالت:

“يا عبيب.. انتهى زمنُ المرض والتعب”

عادت شامة، لكنها لم تعد “شامة” القديمة. كانت أكثر قسوة، وأشد حذراً، وعقلها الآن لا يفكرُ إلا في كيفية تأمينِ الطريقِ لقيس، وكيف تجعلُ القصرَ حصناً لا يخترقهُ حاقد.

طيلة الشهور اللي دازت، استغلت كنزة غياب شامة القسري عن المشهد. ولات هي اللي كتعطي الأوامر في الجناح المستور، هي اللي كتقرر شكون يدخل وشكون يخرج، حتى اللباس ديالها ولا أكثر تكلفاً، وكأنها كانت كتقول لكلشي: “ها أنا الآن السيدة المطاعة”. استمتعت كنزة بذاك المقام اللي كان كيجيها من الخدم والحاشية بعيدا عن مجالس الديوان والمشورة ، وبدات كتحس براسها أنها هي اللي “حاكمة” فعلياً.

ولكن، فاش خرجت “شامة” لأول مرة للممر الكبير بعد تعافيها، كان المشهد كالصاعقة.

شامة كانت طالعة في الدرج ببطء، بملابسها المعهودة اللي كتجمع بين الوقار والهيبة، وعينيها اللي كانت فيهم ديك “الشرارة” اللي كتهز الجبال. الخدم اللي كانوا محنيين رؤوسهم لكنزة، بمجرد ما شافوا شامة، تراجعوا للخلف تلقائياً، والهمس اللي كان كيدور بيناتهم تبدل لصمتٍ مهيب.

كنزة كانت واقفة في نهاية الممر، لابسة أحسن ما عندها، وباغية تستعرض السيطرة ديالها. ولكن بمجرد ما تلاقت عينيها مع عيني شامة، اللي كانت نافخة بها نفسها تفشات. شامة ما قالت والو، ما صرختش، وما وجهات ليها حتى كلمة، اكتفت بنظرة طويلة، باردة، وعميقة.. نظرة ديال وحدة كتقول ليها: “كنتِ كتلعبي، دابا سالا وقت اللعب.”

كنزة حست بـ “الضيم” كيطلع ليها لقلبها. حسات بلي كلشي داكشي اللي بقات كتقاد فيه الشهور اللي فاتوا تبخر في ثانية. ملامحها اللي كانت مزيرة بالغطرسة، ولات دابا مذعورة، وبداو يديها كيرجفوا تحت الحرير اللي لابساه.

شامة دازت بجنبها بلا ما تدور فيها، وكأنها كتدوز بجنب “مزهرية” في الممر. في ديك اللحظة، كنزة فهمات بلي هي عمرها ما كانت “سيدة القصر”، كانت غير “مؤقتة”.

دخلت كنزة لجناحها، ورمات راسها فوق الأريكة وبدات كتشكي لراسها بصوت مخنوق: “يا ربي، علاش خرجت؟ علاش ما بقاتش في فراشها؟ دابا كلشي غيرجع كيف كان، وأنا غنرجع الشوار الزايد الناقص لا قيمة لي ولا هيبة!”

تكمشات على راسها. ما كانش البكا ديالها بكا ديال شي مرا فقدات شي حاجة غالية، كان بكا ديال طفلة محكورة، ممزوج بغيظ مجهد. رمات المجوهرات ديالها اللي كانت لابساهم باش تحس براسها “سيدة”، وبدات كتضرب فالمخاد بيديها بحال يلا كتنتقم من الدنيا اللي خلاتها غي “ظل” فواحد القصر ما كيشوف غير “شامة”.

“علاش هي؟! علاش ديما هي؟!” غوتات كنزة بصوت مبحوح، ودموعها كيسيلو على وجها بلا قياس. “علاش كاع الناس كيحنيو ليها راسهم؟ علاش السلطان ما كيشوف غير هي؟ حتى الخدم، غير كتبان، كينساوني

كانت كتخيل راسها بلاصة شامة: غادية فالممرات، والناس كيهمسو بسميتها بالاحترام، والسلطان كيشوف فيها هو الأول باش ياخد رأيها، والقصر كلو كيترعد لهيبة حضورها. كانت عايشة هاد “الحلم” بحال يلا حقيقة، ومن بعد كتفيق على الواقع المر؛ مسحات دمعتها بطرف ثوبها الغالي، وشافت فراسها فالمرايا. ما شافت راسمها مرا كتحكم، شافت مرا تالفة.

علاش هي اللي عندها كلشي وأنا ما عندي والو؟”

الغيرة كانت كتاكل ليها قلبها بحال النار اللي كتاكل العافية. هي ما كتكرهش شامة حيت عمرها ضلماتها ولا وصلاتها بالاذى ، هي كارهاها حيت هي “شامة”. كارها فيها ديك الهيبة اللي ما عمرها قدرت تقلدها، وديك القوة اللي ما عمرها ملكاتها، وديك النظرة اللي كتخليها تحس براسها صغيرة بزاف، سالا البكا، ولكن الغيظ بقى كيسري فدمها. وقفات كنزة، مسحات وجها، ومشات شافت من الشرفة فالممر الخاوي. كانت عارفة بلي شامة غترجع تحط القصر فـ “الطريق” اللي بغات، وأنها غترجع هي “السيدة”، وهي غتبقى، كنزة، ديك المزهرية اللي مزينة القصر والسلام ، كتشوف فواحد العالم ما كينتميش ليها، وكترضع سم ديال غيرتها فالسكات، هي ماقدراتش تهز المسؤولية لي هازة شامة وما عندها لا الخاطر ولا الرغبة ولا قوة لمواجهة المصائب .لاكن باغا الجانب الابيض من السلطة بعيدا على ثقل المسؤولية وهادشي لي عمرو مغيكون ولا تقدر عليه . وخا حتى واحد مكيقدر يغلط فحقها او يقلل من احترامها لاكن فنفس الوقت مكيخافوش منها ومكتشوفش فعينيهم الرهبة والارتباك كما كتشوفها فاش كيقابلو شامة ، واللي هي براسها معارفاش شو كيوقع ليها حتى كتبدا تلون وتلف ليها المشية فاش كتقابل هي وياها.

هي عارفة ان السلطان عمرو خصر ليها خاطر وحاميها من القريب قبل البعيد.لاكن بمجرد ما كتفكر ان مقام شامة من مقام السلطان كيجن جنونها وكطفج وكتجلس تشوا فالركنة وماقادراش تهبطها من مكانها وطلع هي بلاصتها

كان القصرُ في حالة استنفار؛ الطبولُ تُقرع، والوزراءُ والقادةُ يتوافدون إلى قاعة الديوان. السلطان، بعباءتهِ الرسمية التي تزنُ هيبةً، كان يهمُّ بمغادرة جناحه الخاص متوجهاً للمجلس. وقف أمام مرآته الكبيرة، يُعدلُ عمامته، حين سمع طرقةً خفيفةً ومألوفة على الباب.

دخلت “شامة”. كانت خطواتها بطيئة، وملامحها تجمع بين إصرارٍ لا يلين وخوفٍ دفين يمزقُ أحشاءها. بمجرد أن رآها في انعكاس المرآة، استدار السلطانُ بابتسامةٍ دافئة: “شامة؟ أنتِ هنا؟ ظننتُ أنكِ لا تزالين في فترةِ نقاهتكِ.”

وقفت أمامه وقالت بصوتٍ حازمٍ لا يلين: “يا مولاي، إن القصرَ لم يعد آمناً، والمؤامرةُ التي ظننتَ أنها كانت مجردَ هجومٍ عابر، كانت خطة. مدروسة بامتياز

. إنَّ قائدَ الجيشِ ومن معه من بطانةِ السوء، قد نصبَ لابنك فخاً مزدوجاً في الغابة؛ لقد استدرجهُ لغايتين في آنٍ واحد: الأولى هي التخلصُ منه قتلاً بدمٍ بارد، والثانية -في حال نجا قيس- أن يراهُ مجتمعاً مع الخونة، ويجدَ خاتمَ أخيه ‘علي’ في ساحة ، المؤامرة. أرادوا أن يقتلوه، فإن نجا، جعلوا من قلبهِ مقبرةً للثقةِ في أخيهِ، ليقتتلَ الإخوةُ وتضيعَ الحقيقةُ في أروقةِ الفتنة.”

صمتت شامة لثانية، ثم تابعت بنبرةٍ حادة: “لقد كانوا ينتظرونهُ هناك؛ ليعتقدَ أن أخاه ‘علي’ هو من يحيكُ المكائدَ في السر، بينما الحقيقةُ أن القائدَ هو من كان يديرُ خيوطَ الدمِ والشكِ معاً. أرادوا أن يقتلوا قيس، فإن فلتَ من الموت، قتلوه بالشكِ والظنون.”

تغيرت ملامح السلطان “شداد”، وبان عليه هول الصدمة، فتابعت شامة: “إنهم لا يغدرون بالأفراد يا مولاي، بل يغدرون بـ ‘كيانِ الدولة’؛ فقد جعلوا من خيانةِ القائدِ تهمةً تُلصقُ بـ ‘علي’، ليجعلوا يدكَ -أنت- هي التي تقتلُ أبناءك، بينما يقفونَ هم في الظل، يراقبونَ دمارَ بيتكَ بابتسامةٍ باردة.”

نظر السلطان “شداد” إلى “شامة” بعينين تشتعلان غضباً، لكنه سأل بحذر: “كلامكِ خطير يا شامة، فهل تملكين ما يثبتُ كلامك هذا؟

وقفت “شامة” أمام السلطان “شداد”، وكانت ملامحها توحي بأنها تحملُ في يديها نهاياتِ الخونة

“يا مولاي، ابني قيس يصارعُ صمتاً قاتلاً. إنه يظنُّ أنَّ أخاه ‘علياً’ هو من حاول اغتياله، وهو صامتٌ الآن حمايةً لحياةِ أخيه من غضبك! لقد نجح القائدُ في زرعِ وهمِ الخيانة في قلبِ قيس، فباتَ ابني يرى في اخيه عدوا، الحقيقة هي أنَّ القائدَ هو من زور خاتم وزرعه للفتنة

، وهو من أخرجَ فرسانهُ لتمثيلِ دورِ ‘القتلة’ بينما كان يتناقشُ مع أعوانه ليرى قيسُ الوجوه ويسمعُ الأسماء.”

أخرجت “شامة” من تحت ثوبها قطعة قماشٍ صغيرة، وفتحتها ليرى السلطانُ شيئاً صغيراً بداخلها: “هذا هو الدليل.

هاذه رسائل القائدِ مختومة بخاتمهِ الشخصي، فيها أوامرُ صريحةٌ لفرسانهِ بملاحقةِ قيس، وفيها أيضاً ‘الخطة البديلة’ التي تفصلُ كيف سيلصقون التهمةَ بعلي إذا فشلَ الاغتيال. هذه الرسائل ليست مجردَ كلام، بل هي اعترافٌ مكتوبٌ بخطِ يدهِ وتوقيعِ ختمه.”

نظرت في عيني السلطان بقوة وقالت: “عليٌّ بريء، وقيسٌ مخدوع، والقائدُ هو من يحيكُ هذه الشبكة ليجعلَ يدكَ هي التي تذبحُ أولادكَ. أما قيس، فصمتهُ ما هو إلا دليلٌ إضافي على حبهِ لأخيه، وليس دليلاً على خيانةِ علي.”

لم تكتفِ “شامة” بالرسائل، بل أخرجت من كيسٍ حريريٍ خاتماً فضياً، ثم قالت:

“وهذا الدليلُ الذي لا يُدحض يا مولاي. إنه خاتمٌ يشبهُ تماماً خاتمَ ‘علي’، لكنه مزور! لقد تتبعتُ الأثرَ حتى وصلتُ إلى الصانعِ الذي نُقشَ فيه.وتوصلت الى الرجلَ الذي طلبَ منه نقشَ هذا الخاتم بصفاتٍ خاصة، هو أحدُ أتباعِ القائدِ المقربين، وقد دفعَ له ثمناً باهظاً ليُتقنَ التزوير.”

اقتربت “شامة” من السلطان، وخفضت صوتها بنبرةٍ مليئة بالوعيد: “لم يكن هدفهم مجرد خاتم، بل كان ‘مفتاحَ الفتنة’ الذي سيفتحُ أبوابَ الدمِ بين إخوتك. لقد لعبوا على عقلِ قيس، وأوهموه أن أخاه علي هو من يتآمر عليه

تابعت وهي تنظر في عينيه بصرامة: “لم يعد الأمرُ يحتملُ التأجيل، فالخيوطُ باتت في يدك. الصانعُ يعرفُ وجوههم، والرسائلُ تفضحُ نواياهم، والخاتمُ المزورُ يصرخُ بخيانتهم. لا تحتاجُ إلا أن تستدعيهم واحداً تلو الآخر، وأن تستنطقهم بلسانِ سلطانٍ غاضب؛ فهم أجبنُ من أن يصمدوا أمامَ حقيقةِ أنَّ لعبتهم قد انكشفت.”

نظر “شداد” إلى “شامة” بتمعن، وسأل بصوتٍ متهدج:

أخبريني يا شامة، القائدُ يملكُ المكانة، ويملكُ القوة، فلماذا كل هذا العناء؟ ما هدفهُ العظيم من تفتيتِ عائلتي وإشعالِ الفتنة بين أبنائي؟”

ابتسمت “شامة” ابتسامةً خاليةً من الرحمة، وقالت بلهجةٍ واثقة:

“هدفهُ يا مولاي هو ‘السلطة المطلقة’ التي لا تملكُ أنتَ وحدك مفاتيحها. هو يرى أنَّ وجودَ أبنائك الثلاثة (قيس، علي، وسيف الدين) هو حصنٌ يمنعُ طموحه؛ فما دام هؤلاء الأبناء أحياءً، يظلُّ العرشُ في مأمنٍ من أطماعه.

1. إضعافُ الشرعية: إذا تقاتلَ أبناؤك، انشغلتَ أنت بفضِّ النزاعاتِ عن مراقبةِ الجيوشِ والخزائن، فيصبحُ القصرُ جسداً بلا رأس.

2. الاستفرادُ بالجيش: حين يقتلُ الأخُ أخاه، تنهارُ هيبةُ العائلةِ الحاكمة في عيونِ الجند. عندئذٍ، لا يعودُ الجيشُ يدينُ بالولاء لـ ‘شداد’، بل لقائدِ الجيشِ الذي سيظهرُ كمنقذٍ من الفوضى التي هو نفسه مَنْ أشعلها.

3. السيطرةُ على الأطراف: لقد أرادوا التخلصَ من ‘علي’ في أنمارة، لأنَّ تلك الولايةَ هي مفتاحُ القوةِ العسكرية؛ فإذا سقطَ علي، سقطَ الحصنُ الأخيرُ الذي يمنعُ القائدَ من إعلانِ تمردهِ علانية.

4. صناعةُ الفراغ: هدفهم هو أن يجدوا أنفسهم يوماً ما، وقد أصبحتَ أنتَ يا مولاي شيخاً مسناً، لا يحيطُ بكَ سوى أبناءٍ موتى أو أعداء، فيضطرُّ القصرُ -مرغماً- أن يسلمَ مقاليدَ الحكمِ لمن يمسكُ بزمامِ القوة على الأرض.. وهو هو، القائدُ وجنوده!”

صمتت شامة قليلاً ثم أضافت: “إنه لا يريدُ قتلكَ اليوم، هو يريدُ أن يحوّلَ أبناءكَ إلى رماد، لتكون أنتَ الملكَ المكسور، وحينها لن يضطرَّ لاغتيالك، بل سيحكمُ من خلالكَ، أو ربما سيكتفي بوضعِ تاجكَ على رأسهِ حين يرى أنَّ لا وريثَ بقي ليطالبَ به.”

اقتربت “شامة” من طاولة السلطان، وفردت عليها الرسائل والخرائط التي استولت عليها، ثم أشارت بإصبعها إلى نقاطٍ محددة، وقالت بصوتٍ واثق:

“يا مولاي، لا تقرأ هذه الرسائل ككلماتٍ عادية، بل اقرأها كما أقرؤها أنا.. بين السطور. انظر إلى هذه الخرائط التي رسمها القائد لجيشه؛ إنها لا توضح مساراتِ الدفاعِ عن حدودنا، بل توضح كيف يسيطرُ على ‘طرق الإمداد’ و’مخازن السلاح’ التي يسيطر عليها أبناؤك. هو لم يخطط لاغتيال قيس فحسب، بل خطط لتفريغِ كل ولاية من أميرها، ليتركك في قصرك محاطاً بالخوف لا بالبنين.”

تابعت وهي تضغط بإصبعها على خريطة “أنمارة”: “تأمل هذا التوزيع.. إنهم يضعون حاميةً عسكريةً خاصةً بهم حول أنمارة، ليس لحماية علي، بل لعزلهِ عنك. الرسائلُ تتحدثُ عن ‘إعادة ترتيب البيت الداخلي’ في حال غياب ‘الأمير المتمرد’، وهم يقصدون علياً. إنهم يرسمون خرائطَ لعصرٍ لا مكانَ فيه لأبناءِ شداد.”

التفتت إليه وعيناها تلمعان بحدة: “القائدُ لا يريدُ أن يقتل أبناءك ليخلفك، هو يريد أن يقتل ‘سلطتك’ أولاً، ليصبح هو السلطان الفعلي الذي يتحكم في تحركاتك. كل سهمٍ أطلقوه، وكل خاتمٍ زوروه، كان خطوةً في خريطةٍ أكبر؛ خريطةِ الانفرادِ بالحكم. لقد قرأتُ نواياهم من طريقةِ رسمِ هذه التحصينات.. إنهم لا يبنون جيشاً للدولة، بل يبنون جداراً يعزلك عن أطرافِ إمبراطوريتك.”

تراجع السلطان “شداد” خطوةً للوراء، وهو يرى الخيوط التي كانت مخفيةً تتجمع أمام عينيه كشبكة عنكبوتٍ مميتة، وقال بصوتٍ مكتومٍ من الغضب: “إذن.. لم تكن مجرد مكيدة، بل كانت إعلاناً صامتاً للحرب

نظرت “شامة” إلى “شداد” نظرةً عميقة، وقالت بنبرةٍ تملؤها المرارة والتحذير:

“يا مولاي، لا تستهن بهذا الخصم. هذا الدهاء في التخطيط، وهذه الدقة في توزيع القوات، وهذه الرؤية في رسم الخرائط.. لا يملكها إلا رجلٌ نَشأ على القيادة، ورجلٌ ينهلُ من نفس مدرسة حكمك، بل إنه يتبعُ في تسييره للأمور نفس الطريقة التي تتبعها أنت في إدارتك للدولة.”

صمتت “شامة” قليلاً لتدع الكلمات تستقر في ذهن السلطان، ثم أضافت: “إنه ‘مرآةٌ مشوهة’ لك يا شداد. لقد درس تحركاتك، وفهم عقليتك، وتعلم كيف تفكر لتتمكن من خداعك. إنه لا يواجهك بجيشٍ غريب، بل يواجهك بأسلوبك وبمنطقك. لهذا السبب بالتحديد كان توزيعه للقوات يبدو لك ‘منطقياً’ و’عسكرياً سليماً’ في البداية.. لأنك، وبكل بساطة، كنتَ أنت من سيوزعهم بنفس الطريقة لو كنت مكانه.”

أكملت بقسوةٍ واثقة: “هذا هو سر قوته.. إنه يعلم أنك لن تشك في ‘المنطق العسكري’ الذي يتبعه، لأنه منطقك الخاص. لقد استغل إعجابك بعبقرية القيادة، ليصنع لنفسه ‘عرشاً’ موازياً داخل جيشك، مستخدماً كل الدروس التي تعلمها تحت لوائك.”

تغير وجه السلطان “شداد”، فجأةً أدرك أن القائد لا يحاول سرقة مملكته فحسب، بل يحاول “سرقة هويته القيادية”، صمت السلطان طويلاً، ثم قال بصوتٍ يملؤه الوعيد: “إذن، لقد تعلم مني كيف يغزو.. والآن، سأعلمه كيف يُسحقُ من يرفعُ سيفه على معلمه.”

ساد صمتٌ ثقيلٌ في الجناح، لم يقطعه إلا صوتُ تنفسِ السلطان “شداد” المتسارع. نظرَ إلى “شامة” ليس كعشيقةٍ أو زوجة، بل ككائنٍ خارقٍ للعادة. كانت عيناهُ تجولانِ في تفاصيلِ وجهها، محاولاً استيعابَ كيفَ استطاعت هذه المرأة أن تفكك أعقدَ مؤامرةٍ عسكريةٍ مرت فيق تاريخه!

شعر “شداد” برعشةٍ خفيفةٍ تسري في جسده. أدرك أن ذكاء “شامة” ليس مجرد حكمة، بل هو “بصيرةٌ نافذة” قادرةٌ على رؤية ما لا تراه عيونه، وقادرةٌ على قراءةِ خريطةِ الدولةِ كأنها تقرأُ كفَّ يدها.

تراجعَ خطوةً إلى الوراء، وقد خالجهُ خوفٌ غريزي، خوفٌ من تلك القوةِ الهادئة التي تقفُ أمامه. فكرَ في نفسه: «إن كانَ القائدُ قد تمكنَ من نسخِ أسلوبي في التخطيط، فإن شامة.. شامة قد تجاوزتني بمراحل.»

حاولَ إخفاءَ ارتباكهِ خلفَ قناعِ الهيبة، لكن صوتهُ خرجَ مشوباً بالرهبةِ وهو يقول: “أحياناً يا شامة.. أخافُ من هذا العقلِ الذي تحملينه. لقد كشفتِ المستورَ ببراعةٍ تجعلني أتساءلُ: هل هناكَ شيءٌ في هذا القصرِ لا تعرفينه؟”

لم ترتجف “شامة” ولم تخفض بصرها، بل ظلت ثابتةً كالطود، ابتسامتها كانت هادئةً وواثقةً بشكلٍ يبعثُ على القلق، وقالت بصوتٍ خافت: “لا أخافُ منك يا مولاي، لأنني معك لا ضدك. ولكن تذكر دائماً أنَّ العينَ التي ترى بوضوح، قد تُخيفُ من اعتادَ العيشَ في الظلال. أنا فقط أقرأُ الواقعَ الذي تغفلهُ السياسة، وما الخوفُ إلا دليلٌ على أنني صرتُ أرى أكثر مما يجب.”

شعر “شداد” أن الأرضَ بدأت تميدُ تحت قدميه؛ لقد أدرك في تلك اللحظة أنَّه أمام “قوة” لا يمكنهُ احتواؤها، وأن شامة ليست مجرد ملكة، بل هي “السلطة الحقيقية” التي تقفُ خلفَ العرش.

جلس السلطان “شداد” على كرسيه ببطء، ونظراته معلقة بوجه “شامة” التي كانت لا تزال تقف أمامه كتمثالٍ من صمود. كان يعلمُ منذ البداية أنها ليست امرأة عادية، وأن ذكاءها هو الذي أسر قلبه، لكن ما رآه اليوم ، تجاوز كل تصوراته. لقد كانت “شامة” في الأيام العادية مرآةً لدماغ الاندلس، أما حين تعلق الأمر بقيس، فقد تحولت إلى “عاصفة” اقتلعت جذور المؤامرة التي كانت تُحاك في الظلام.

هز السلطان رأسه ببطء، وقال بصوتٍ امتزجت فيه الدهشة بالاحترام:

“كنتُ أظن أنني أعرفُ حدودَ ذكائكِ، ظننتكِ بارعةً في دهاليز القصر، لكن أن تصلي إلى أبعدِ نقطةٍ في تفكيرِ القائدِ العسكري، وأن تستخرجي الخونةَ من باطنِ الأرض من أجلِ ولدك.. هذا ما لم يكن في الحسبان.”

أردف بنبرةٍ خافتة، وكأنه يحدثُ نفسه: “الخوفُ من غضبِ الملوكِ شيء، والرهبةُ من دهاءِ ‘أمٍّ’ تدافعُ عن فلذةِ كبدها شيءٌ آخر تماماً. لقد أثبتِّ لي أنَّ القوةَ ليست دائماً في السيف، بل في العينِ التي لا يغيبُ عنها خيطٌ من خيوطِ الغدر.”

وقفت “شامة” في الشرفة العليا، كانت الريح تلاعب أطراف خمارها، لكن عينيها كانتا مسمرتين على ساحة “المشور” بالأسفل. لم تكن الساحة كما عهدتها؛ فقد خيم عليها صمتٌ جنائزي، رغم الحشود التي ملأت المكان.

في الصدر، جلس السلطان على كرسيه العالي، وقوراً كجبلٍ لا يتزحزح. وعلى يمين ويسار منصته، اصطفَّ شيوخ الدولة، وقضاة المذاهب، وكبار الأئمة، وجوههم توحي بالرهبة والوقار، ليكونوا شهوداً على ميزان الحق.

رأت “شامة” الحاجبَ يتقدم بخطواتٍ موزونة، وبيده لفائف الأدلة التي جمعتها له بدقة، تلك اللفائف التي كانت يوماً ما تحمل خطر الموت . بدأ الحاجب يقرأ التهم واحدةً تلو الأخرى، يقرأها بصوتٍ جهوريٍ صدح في أرجاء المكان، ليسمعه القاصي والداني. مع كل تهمةٍ تُتلى، كانت الوجوه في الأسفل تتغير، والتململ يتسرب إلى صفوف الخونة الذين أُوقفوا مقيدي الأيدي أمام المنصة.

ساد وجومٌ خانق. لم يكن السلطان يحكم بهواه؛ كان يقرأ حكم الله وقانون الدولة في كل اسمٍ يذكر. ثم بدأت اللحظة الحاسمة: تنفيذ القصاص.

امام عيون سيف الدين ومسامعه ، ومن خلال الأدلة التي تلاها الحاجب بالتفصيل الممل، بدأت خيوط المؤامرة تتشابك وتنفك في آن واحد. استمع إلى حكايات الدسائس التي حيكت ضد “علي” و”قيس”؛ عرف أخيراً لماذا ذبل وجه قيس، وكيف سُقي المرض في عروقه، وكيف أُحكمت الفخاخ للإطاحة بعلي. بات حقيقةً موثقة بالأوراق والأسماء.

مع كل دليلٍ يُعرض، كانت الغشاوة تتساقط عن عيني سيف الدين. تلك المؤامرة لم تكن مجرد مكيدة للقصر، بل كانت “مذبحة” مجهزة لمستقبلهم جميعاً. ارتجف قلبه حين أدرك أن العرش الذي يتخيله ساحة لهوٍ وتفاخر، هو في الحقيقة حقل ألغام.

أدرك سيف الدين في تلك اللحظة حقيقةً تقشعر لها الأبدان.

ألقى نظرة خاطفة على القصر الشامخ، وأدرك أن بقاءهم كإخوة ليس مجرد رابطة دم، بل هو “درعهم الوحيد”. إذا تفككوا، فسيصبح كل واحد منهم هدفاً سهلاً ومكشوفاً، تُقطع أطرافهم واحداً تلو الآخر في الظلام، كما قُطعت رؤوس هؤلاء الخونة في الضياء.

رأت “شامة” بوضوحٍ، ومن مكانها المرتفع، كيف كان يُؤخذ كل واحدٍ منهم إلى الساحة، يرتجفُ تحت وطأة الأدلة الدامغة التي لا مفر منها. لم يكن هناك إعدامٌ في الخفاء، بل كان حقاً يُستردُّ أمام الملأ، ليُدرك الجميع أن عين السلطان رأت ما لم يره أحد، وأن عدله لا يحيد.

تنفست شامة الصعداء، وشعرت بثقلِ تلك الشهور يزيح عن صدرها. لم يعد هناك مكانٌ للشك أو للخوف، فقط مشهدٌ أخير يطوي صفحة سوداء من التاريخ، ويضع نهاية تليق بمرارة تلك الأيام.

بعدما انفضَّ الجمع، وساد صمتٌ ثقيل في ساحة المشور، تحول المكان من ساحة قصاص إلى ساحة عظة. كان “سيف الدين” ما يزال يقف بجمود، يلملم شتات نفسه، بينما انسحب الحاجب بخطواتٍ واثقة، عارفاً وجهته التالية.

صعد الحاجب الدرجَ الملتوي نحو الشرفة العالية. لم تكن “شامة” بحاجةٍ لسؤال؛ فقد قرأت في عينيه انتهاء الفصل الأخير من تلك الساحة الدامية

. حين اقترب منها، انحنى الحاجب بإجلالٍ عميق، اعترافاً منه بأن العقل الذي فكّك هذه الخيوط كان هو المحرك الحقيقي خلف الستار.

لم تنبس “شامة” ببنت شفة، بل أخرجت من طيات ردائها رسالتين ملفوفتين بعناية، كُتبت كل واحدة منهما بمداد الحذر والتحذير.

مدت يدها بهما، وقالت بصوتٍ خافتٍ كفحيح الريح:

“هذه لعلي في ‘أنمارة’، وهذه لقيس في ‘شالة’.

إنَّ ما رأوه من قصاص اليوم ليس إلا البداية؛ فما دام العرشُ هدفاً، فالمؤامرات ستظلُّ تتنفس في زوايا القصور مثل أفاعٍ لا تنام.”

أضافت وهي تنظر إلى الأفق، حيث تبدأ خيوط الغسق في طمس معالم القصر:

وحدتهم هي السلاح الوحيد الذي لا تكسره مكائد الغرباء. أعطِ هذه الرسائل للمرسل، واحرص على أن تصل قبل أن تصلهم أخبار القصاص مشوهةً على ألسنة الوشاة.”

أخذ الحاجب الرسالتين، وشعر بثقل الأمانة في كفه. كانت “شامة” تدرك يقيناً أنَّ الحرب لم تنتهِ بقطع الرؤوس، بل إنَّ ساحة الصراع قد اتسعت الآن لتشمل أبناء السلطان في أماكنهم، بعيداً عن عين الأب. وبينما كان الحاجب يبتعد، بقيت “شامة” تراقب، وقد أدركت أنها بهذا الفعل قد حصنت بنائها بالمعرفة، تاركةً لهم خيار البقاء.. متفرقين فيسقطوا، أو متجمعين فيبقى الأثر.

“انتهى صخبُ السيوف في ساحة المشور، وتفرقت الحشود، لكن صدى الخيانة ظلّ يتردد في أرجاء القصر كأنفاسٍ خفية. لقد أدركوا – سيف الدين، وعلي، وقيس – أنَّ ما جرى لم يكن سوى فصلٍ واحدٍ من سيمفونيةٍ لا تعرف الصمت. فالحكمُ ليس عرشاً يُجلس عليه، بل هو رهانٌ مستمرٌ مع القدر، ومواجهةٌ أزلية مع المجهول.

لقد ظنوا أنَّ قطع الرؤوس يطوي صفحات الدسائس، لكنهم أدركوا أنَّ السلطةَ كائنٌ حيٌّ يتغذى على اليقظة؛ فما إن يغفو حذرٌ حتى تستيقظَ في الظلال مؤامرةٌ جديدة. لقد تعلموا الدرس الأقسى: أنَّ العرشَ يطلبُ صاحبه بدمٍ وحذر، وأنَّ كل نهايةٍ لحدثٍ ما هي إلا إرهاصٌ لبدايةِ صراعٍ أكثر تعقيداً.

الحياةُ في القصر تشبه ‘جوف المقصورة’؛ معتمةٌ، غامضة، ومليئة بالأسرار التي لا تنكشف إلا ليدفع أصحابها ثمن معرفتها. وما شامة إلا عينٌ رأت ما وراء الستار، لتدرك أنَّ الأمانَ في القصر وهمٌ جميل، وأنَّ الخطر الحقيقي ليس فيمن يُعلن عدواته، بل في الغفلة التي تجعل الإخوة غرباء أمام أطماع الغرباء.

اليوم، غابت شمسٌ عن قصرٍ وتدحرجت رؤوس، لكنَّ عجلةَ الأيام لن تتوقف؛ فخلف كل جدارٍ هناك خنجرٌ يُسن، وأمام كل عرشٍ هناك روحٌ تتوق للحكم. إنها الدائرة التي لا تنتهي، حيث تُسدل الستائرُ على حكايةٍ لتُفتحَ أخرى، وحيث يظلُّ الحاكمُ دائماً في انتظار عدوٍّ لا يعرف وجهه، في صراعٍ لا يُحسم، لأنَّ السلطةَ، مثل الزمن، لا توقفها الدماء، بل يغيرها تعاقبُ الأنفاس.”

“لم تكن الدولةُ في عهد السلطان مجرد رقعةٍ من الأرض، بل كانت انعكاساً لروحين تماهتا حتى صارتا واحداً. إن ما جرى في المشور من قصاصٍ لم يكن إعلاناً لنهاية مؤامرة، بل كان تتويجاً لمسيرةٍ طويلةٍ سارها السلطان وشامة معاً، خطوةً بخطوة، وسط حقول الألغام التي زرعها الغادرون.

لقد صنعا هذا العرشَ من صبرهما ومن دقةِ نظراتهما؛ فالسلطان لم يكن ليثبت في وجه العواصف لولا وجود شامة في ‘جوف المقصورة’، تلك المرأة التي لم تكن مجرد زوجةٍ أو سلطانة، بل كانت هي اليد الخفية التي تُصلح ما يفسده الزمن، والقلب الذي يضخُّ الحكمة في عروقِ القصر. تغلغلت شامة في كل زاوية، في كل قرار، وفي كل هيبةٍ كان يبديها السلطان، حتى صار الحُكم صنيعتهما المشتركة؛ هو بوقاره وحزمه، وهي ببصيرتها التي لا يغيب عنها شيء.

لقد تيقنا معاً أن السلطة ليست في التاج، بل في هذا الرباط المقدس الذي لا ينفصم بينهما. فالسلطان، الذي لا يقوى على العيش دون شامة، قد وجد فيها بوصلته، ووجدَت فيه هي ملاذها وقوتها. لقد حكما بقلبٍ واحدٍ وعينٍ واحدة، وعلّما الجميع أن القوة الحقيقية هي تلك التي تُبنى في الخفاء، بعيداً عن أضواء العرش، في تلك الألفة العميقة التي جعلتهما أعظم من أي حاكمٍ عرفه التاريخ.

أثبتا أنَّ العالم قد يهتز، وأن المؤامرات قد تشتد، لكن ما دام هذا ‘التحالف’ بينهما قائماً، فسيظل القصرُ حصناً لا يغلب، وستظلُّ فلسفتهما في الحياة والحكم قائمةً على مبدأ واحد: أنَّ العرشَ الذي يجمعهما هو أعظم إرثٍ يمكن أن يتركاه لمن بعدهما. لقد صنعا الطريق، ومهّدا المسار، والأحداثُ قد تمضي، لكنهما سيظلان دائماً هما القلب النابض الذي لا يغيب عن نبضِ هذا القصر.”

تعليق Qisatok

العرش نجا… ولكن الثمن كان جراحًا، وشكوكًا، وثقة كادت تضيع بين الإخوة. 👑⚔️

قيس واجه الموت ووقف من جديد، وسيف الدين اكتشف أن غيرته كانت غادي تعميه عن الخطر الحقيقي، أما شامة فحوّلت خوف الأم على ولدها إلى حرب كشفت بها مؤامرة كانت باغية تهدم الأسرة والمملكة من الداخل.

من بين هاد الشخصيات، شكون حسّيتو أنه تبدل أكثر خلال الرحلة؟ وواش وحدة الإخوة غادي تكون فعلًا أقوى من المؤامرات اللي ممكن تستناهم من بعد؟

بما أنها النهاية، خليو لينا آخر انطباع عندكم على ليلة الخميس، وكلمة زوينة للكاتبة Ghazal Trust على قصة جمعت الحب، السلطة، الأمومة، الخيانة وصراعات القصور حتى آخر سطر. 🕯️✨

شاركنا رأيك في هذه القصة 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.