
لم ترَ إيزابيلا السماء منذ ما يقارب الساعة.
كان الضباب قد ابتلع الريف الإنجليزي ببطء، حتى لم يبق خلف زجاج السيارة سوى أشباح أشجار عارية تمتد أغصانها السوداء على جانبي الطريق، وحقول شاحبة تغطيها طبقة رقيقة من الصقيع.
مسحت بأطراف أصابعها الدائرة الصغيرة التي صنعها دفء أنفاسها فوق النافذة، وحدقت إلى الخارج دون أن ترى شيئاً يستحق النظر.
ثم عادت عيناها، للمرة التي لم تعد تحصيها، إلى الظرف الأسود الموضوع فوق المقعد إلى جوارها.
لم تكن في حاجة إلى فتحه.
كانت تحفظ محتواه تقريباً عن ظهر قلب.
عقد إقامة لمدة شهر.
تكليف خاص بتأليف مقطوعة موسيقية أصلية وعزفها في حفل الذكرى المئوية لقصر «بلاك وود».
إقامة كاملة داخل القصر طوال مدة العمل.
حرية فنية شبه مطلقة.
وأجر جعلها تعيد قراءة الرقم مرتين عندما وصلها العرض للمرة الأولى.
لكن المال لم يكن السبب الحقيقي في قبولها.
على الأقل، لم يكن السبب الوحيد.
أسندت رأسها إلى المقعد وأغمضت عينيها.
منذ أشهر، وكل شيء في حياتها يبدو صحيحاً فقط من الخارج.
الحفلات ممتلئة.
النقاد يكتبون عنها بحماس.
اسمها يظهر على الملصقات الكبيرة.
الناس يقفون بعد عزفها ويصفقون حتى تؤلمهم كفوفهم.
ومع ذلك، كانت تغادر المسارح في نهاية كل ليلة وهي تشعر بفراغ لا تعرف كيف تفسره.
كانت تعزف بإتقان.
وهذه تحديداً كانت المشكلة.
الإتقان أصبح سهلاً أكثر مما ينبغي.
كانت يداها تعرفان متى تتحركان، ومتى تهدآن، ومتى ترتجف النغمة، حتى قبل أن يقرر قلبها إن كان يريد أن يشعر بشيء.
في أحد العروض الأخيرة، وقفت خلف الستار قبل صعودها إلى المسرح، والكمان بين يديها، وفكرت فجأة:
ماذا لو لم أعد أحب الموسيقى كما كنت؟
كان السؤال مرعباً إلى درجة أنها دفنته فوراً.
لكن الأسئلة التي نخاف منها لا تموت لمجرد أننا نتجاهلها.
تختبئ فقط.
ثم تعود في أكثر اللحظات هدوءاً.
ولهذا، حين جاء عرض «بلاك وود»، قرأت إيزابيلا كلماته الغريبة بشيء من الفضول.
لم يطلب صاحب القصر مقطوعة احتفالية صاخبة.
ولم يرسل لها قائمة بمواصفات أو قيود.
كتب في رسالته الأولى جملة واحدة بقيت عالقة في ذهنها:
«لا أريد موسيقى تصف القصر. بل أريد موسيقى تعرفه.»
كرهت الجملة في البداية.
وجدتها متعالية بعض الشيء.
لكنها، بطريقة ما، جعلتها ترغب في إثبات أنها تستطيع فعل ذلك.
فتحت عينيها عندما خففت السيارة سرعتها فجأة.
رفعت رأسها نحو السائق.
إيزابيلا: «هل وصلنا؟»
نظر إليها الرجل من المرآة الأمامية.
السائق: «تقريباً يا آنسة. تبدأ أملاك بلاك وود من بعد المنعطف.»
اعتدلت في جلستها.
اختفى الطريق خلف صف كثيف من الأشجار، ثم ظهرت أمامهما بوابتان حديديتان عاليتان، تتشابك فوقهما زخارف سوداء على شكل أغصان ملتوية.
وفي الوسط، استقر حرفان كبيران من المعدن:
B.W.
توقفت السيارة.
تحركت البوابتان ببطء إلى الداخل دون أن ينزل أحد لفتحهما.
راقبتهما إيزابيلا وهما تنفرجان أمامها، وشعرت، رغم سخافة الفكرة، أنها لا تدخل أرضاً جديدة فقط.
بل تغادر شيئاً خلفها.
انطلقت السيارة فوق طريق طويل تحيط به أشجار الزان القديمة.
كلما تقدمت، ازداد المكان عزلة.
لا بيوت.
لا متاجر.
لا أعمدة إنارة.
حتى إشارة الهاتف على شاشتها اختفت تماماً.
رفعت حاجبيها وحدقت إلى الجهاز.
إيزابيلا: «رائع.»
ابتسم السائق.
السائق: «هناك شبكة داخل القصر، على ما أظن.»
إيزابيلا: «طمأنتني كثيراً.»
ضحك الرجل بخفوت.
ثم انحرف الطريق.
ورأته.
ظهر «بلاك وود» خلف الضباب كأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليكشف عن نفسه.
توقفت إيزابيلا عن التنفس لثوانٍ.
كان القصر أضخم مما تخيلته من الصور.
بناء حجري رمادي يمتد على مساحة واسعة، تتوزع فوقه أبراج صغيرة وأسقف حادة ونوافذ طويلة، يحيط بها حجر داكن بدا مبتلاً تحت رطوبة الشتاء.
لكن أكثر ما أدهشها لم يكن حجمه.
بل التناقض الغريب فيه.
كان قديماً، نعم، إلا أنه لم يبدُ متداعياً.
كل شيء فيه جرى ترميمه بدقة واضحة، من النوافذ إلى الشرفات الحجرية، حتى إن البناء بدا وكأنه يقف في منتصف المسافة بين قرنين؛ يحتفظ بعمره، لكنه يرفض أن يبدو ميتاً.
توقفت السيارة أمام الدرج الرئيسي.
وقبل أن تمتد يد السائق لفتح الباب لها، رأته.
كان يقف أعلى الدرج.
آرثر بلاك وود.
عرفته مباشرة رغم أنها لم ترَ له سوى بعض الصور الصحفية المتفرقة.
وكان أول ما فكرت فيه، على نحو غير لائق، أن الصور لم تنصفه.
كان أطول مما توقعت.
يرتدي معطفاً داكناً يصل إلى ركبتيه، وتحته سترة سوداء ذات ياقة مرتفعة. لم يكن يرتدي ربطة عنق، ولم يكن في مظهره شيء من ذلك البذخ الصاخب الذي تخيلته حين سمعت كلمة «ملياردير».
بدا، بدلاً من ذلك، كجزء من المكان نفسه.
بارداً.
منظماً.
وصعب القراءة.
نزلت إيزابيلا من السيارة، فلفح الهواء وجهها بقسوة.
رفعت يدها تثبت خصلة من شعرها حاولت الريح انتزاعها، ثم تقدمت نحو الدرج.
لم يتحرك آرثر لاستقبالها في منتصف الطريق.
انتظر حتى وصلت إليه.
عندها فقط مد يده.
آرثر: «الآنسة إيزابيلا مارتن.»
لم تكن نبرة سؤال.
صافحته.
كانت يده دافئة على عكس الهواء من حولهما، وقبضته ثابتة دون مبالغة.
إيزابيلا: «السيد آرثر بلاك وود.»
رفع طرف حاجبه.
آرثر: «آرثر يكفي.»
إيزابيلا: «في هذه الحالة، إيزابيلا تكفي أيضاً.»
ثبتت عيناه عليها لحظة أطول مما يتطلبه الترحيب.
لم يبتسم.
لكن شيئاً خافتاً مر في نظرته، كأنه لم يتوقع منها الرد بتلك السرعة.
آرثر: «أتمنى أن الرحلة لم تكن شاقة.»
نظرت إيزابيلا خلفها إلى الطريق الذي ابتلعه الضباب.
إيزابيلا: «لو أخبرتموني أن القصر يقع في نهاية العالم، لوفرت على نفسي متابعة الخريطة طوال الطريق.»
ظهرت ابتسامة صغيرة جداً عند زاوية فمه ثم اختفت.
آرثر: «لو كتبنا ذلك في العقد، ربما كنت سترفضين.»
إيزابيلا: «الأجر كان سيجعلني أفكر.»
هذه المرة رأتها بوضوح.
ابتسامة قصيرة.
لم تستمر أكثر من ثانية، لكنها غيرت وجهه تماماً.
ثم عاد كل شيء إلى مكانه.
اقتربت امرأة في أواخر الخمسينيات، بشعر فضي مرتب بعناية وثوب داكن بسيط.
آرثر: «هذه السيدة غراهام. تدير المنزل منذ سنوات، وإذا احتجت إلى أي شيء أثناء إقامتك فهي على الأرجح تعرف مكانه أكثر مني.»
السيدة غراهام: «سعيدة بوصولك يا آنسة إيزابيلا.»
إيزابيلا: «وأنا سعيدة بلقائك.»
أشارت السيدة غراهام إلى أحد العاملين ليحمل حقائبها.
امتدت يد الرجل نحو العلبة السوداء الطويلة الموضوعة داخل السيارة، فتحركت إيزابيلا فوراً وأمسكتها بنفسها.
إيزابيلا: «هذه معي.»
نظر آرثر إلى علبة الكمان ثم إليها.
آرثر: «لا تثقين بأحد ليحمله؟»
إيزابيلا: «أثق بالناس. لا أثق بالجاذبية الأرضية.»
لم يعلق.
لكنه ابتعد خطوة ليفسح لها الطريق.
دخلت إيزابيلا القصر.
وفي اللحظة التي عبرت فيها العتبة، نسيت البرد.
كانت الردهة الرئيسية مرتفعة على نحو يجعل صوت الخطوات يبدو أصغر مما هو عليه.
أرضية من الرخام الداكن.
سلم واسع ينقسم في منتصفه إلى جناحين.
مدفأة حجرية ضخمة.
ولوحات زيتية معلقة على الجدران، معظمها لمناظر طبيعية ووجوه لا تعرف أصحابها.
لكن ما جذبها أكثر كان السقف.
خشب قديم منحوت بعناية، تتقاطع فيه أشكال هندسية دقيقة.
وقفت تنظر إليه.
آرثر: «أُعيد بناء ذلك الجزء بالكامل.»
التفتت إليه.
كان يقف خلفها بمسافة.
إيزابيلا: «أعدتم بناءه؟ ظننته أصلياً.»
آرثر: «كان الأصل قد تضرر بسبب الرطوبة والحريق القديم. احتفظنا بما أمكن، وأعدنا صناعة الباقي باستخدام الصور والمخططات الموجودة في الأرشيف.»
لاحظت الطريقة التي قال بها «أعدنا».
ليس كما يقول مالك ثري دفع لشركة كي تنجز العمل.
بل كما يقول شخص كان موجوداً في كل تفصيلة.
إيزابيلا: «أشرفت عليه بنفسك؟»
آرثر: «على معظم أعمال الترميم.»
عرفت عنه ذلك من الملف الذي أرسله مكتبها، لكنها أرادت سماعه منه.
كان أحد أشهر المهندسين المعماريين في البلاد قبل أن يصبح اسمه مرتبطاً أكثر بالاستثمارات والمشاريع الكبرى. رجل بنى أبراجاً وفنادق ومراكز ثقافية في أكثر من مدينة، ثم اختفى تدريجياً من المشهد العام قبل سنوات وانتقل إلى بلاك وود.
أشارت إلى السقف.
إيزابيلا: «لا يبدو جديداً.»
آرثر: «هذه هي الفكرة.»
إيزابيلا: «معظم الناس عندما ينفقون ثروة على شيء جديد يريدون أن يعرف الجميع أنه جديد.»
آرثر: «معظم الناس لا يعرفون الفرق بين الترميم والاستعراض.»
نظرت إليه ثانية.
هذه المرة، لم تستطع منع ابتسامتها.
إيزابيلا: «أظن أن الشهر سيكون طويلاً.»
آرثر: «وصلتِ منذ ثلاث دقائق.»
إيزابيلا: «وهذا ما يقلقني.»
سمعت ضحكة خافتة من السيدة غراهام، لكنها اختفت فور أن التفت آرثر إليها.
أما هو، فاكتفى بنظرة ساكنة إلى إيزابيلا قبل أن يشير نحو السلم.
آرثر: «السيدة غراهام ستريك غرفتك. العشاء في الثامنة، إلا إن كنت تفضلين أن ترتاحي الليلة.»
إيزابيلا: «سأحضر.»
أومأ.
ثم ابتعد في الممر دون كلمة إضافية.
راقبته وهي تراه يختفي خلف أحد الأبواب الطويلة.
السيدة غراهام: «السيد آرثر ليس كثير الكلام.»
رفعت إيزابيلا عينيها إليها.
إيزابيلا: «لاحظت.»
ابتسمت المرأة.
السيدة غراهام: «لا تأخذي الأمر بصورة شخصية.»
إيزابيلا: «أنا موسيقية. اعتدت التعامل مع الصمت والسكون.»
قالتها بخفة.
لكن عينيها عادتا إلى الممر الذي اختفى فيه.
لسبب ما، لم تكن متأكدة أن صمت آرثر يشبه أي صمت عرفته من قبل.
————
كانت غرفتها في الطابق الثاني، في الجناح الغربي من القصر.
وحين فتحت السيدة غراهام الباب، توقفت إيزابيلا عند العتبة.
لم تكن غرفة.
كانت جناحاً كاملاً.
سرير واسع بأعمدة خشبية داكنة، أريكة طويلة قرب المدفأة، مكتب يطل على الحدائق الخلفية، وخزانة كتب صغيرة احتوت على عدد مفاجئ من الكتب الموسيقية.
أما قرب النافذة، فقد تركوا لها حاملاً للنوتات وكرسياً مناسباً للعزف.
تقدمت نحوهما.
إيزابيلا: «هذا لم يكن موجوداً في الصور التي أرسلتموها.»
السيدة غراهام: «السيد آرثر طلب وضعهما صباح اليوم.»
لم تعرف لماذا جعلتها المعلومة تلتفت نحو الباب.
إيزابيلا: «هو؟»
السيدة غراهام: «قال إن الفنان لا يجب أن يضيع يومه الأول وهو يبحث عن مكان يعمل فيه.»
مر شيء صغير ودافئ في صدرها، لكنها أخفته فوراً بالسؤال عن الحمام.
بعد دقائق، بقيت وحدها.
وضعت علبة الكمان على السرير.
ثم فتحتها.
كان الكمان أكثر الأشياء التي تعاملها إيزابيلا بعناية في حياتها.
خشب بني لامع، خطوط مألوفة حفظتها أصابعها قبل عينيها، ورائحة خافتة للراتنج والخشب كانت دائماً قادرة على تهدئتها.
مررت أصابعها فوقه دون أن ترفعه.
إيزابيلا: «حسناً… شهر واحد.»
سكتت.
«أنا وأنت وهذا المكان الكئيب.»
كأن الكمان يملك رأياً في الأمر.
ابتسمت لنفسها وأغلقت العلبة.
ثم اقتربت من النافذة.
كانت الحدائق خلف القصر تمتد حتى غابة بعيدة، وبينهما بحيرة ضيقة يظهر منها جزء صغير بين الأشجار.
المشهد جميل.
لكن جماله لم يكن مريحاً.
كان فيه شيء يجعلها تشعر أنها تراقب لوحة لا تريد أن تسمح لها بالدخول.
ضغطت كفيها على حافة النافذة.
«موسيقى تعرفه… تعرف القصر.»
ما معنى ذلك أصلاً؟
أخرجت هاتفها.
لا توجد إشارة.
فتحت شبكة الإنترنت الداخلية التي أعطتها السيدة غراهام كلمة المرور الخاصة بها، ثم أرسلت رسالة قصيرة إلى مديرة أعمالها تخبرها بأنها وصلت.
جاءها الرد بعد ثوانٍ:
«استمتعي بعزلتك. وحاولي ألا تقتلي الملياردير قبل الحفل.»
ضحكت إيزابيلا.
وكتبت:
«لا أعدك بشيء.»
ثم وضعت الهاتف جانباً.
———–
عند الثامنة تماماً، دخلت غرفة الطعام.
وتوقفت.
الطاولة طويلة بما يكفي لإطعام عشرين شخصاً.
لكن لم يكن فيها سوى مقعدين معدين للعشاء.
واحد عند رأس الطاولة.
والآخر إلى يمينه.
كان آرثر موجوداً بالفعل.
خلع معطفه وارتدى قميصاً داكناً بسيطاً بأكمام مطوية حتى ساعديه. كان أمامه جهاز لوحي وبعض الأوراق، يراجع شيئاً قبل أن يرفع رأسه إليها.
آرثر: «دقيقة واحدة قبل الموعد.»
إيزابيلا: «هل هذا مدح أم تحذير؟»
أغلق الجهاز.
آرثر: «ملاحظة.»
جلست.
إيزابيلا: «أشعر أنني سأُقيَّم طوال الشهر.»
آرثر: «أنت هنا لتؤدي عملاً.»
إيزابيلا: «إذن هو تحذير.»
مد يده إلى كأس الماء دون أن يجيب.
دخل أحد العاملين ووضع الطبق الأول.
ساد الصمت لبعض الوقت.
ولم يكن صمتاً مريحاً.
إيزابيلا لا تخشى السكون والهدوء عادة، لكنها كانت تكره ذلك النوع الذي يجعل كل حركة تبدو أعلى من اللازم.
وضعت الشوكة.
إيزابيلا: «هل تتناول العشاء هكذا كل ليلة؟»
نظر إليها.
آرثر: «كيف؟»
إيزابيلا: «كأنك في اجتماع مع الطعام.»
رمش مرة.
ثم مال إلى الخلف قليلاً.
آرثر: «عادة أتناوله في مكتبي.»
إيزابيلا: «هذا أسوأ.»
آرثر: «لماذا؟»
إيزابيلا: «لأن الطعام يستحق على الأقل أن تنظر إليه.»
ظهرت تلك الابتسامة الصغيرة مرة أخرى.
بدأت تفهم أنها لا تظهر بسهولة.
وهذا جعلها، على نحو غريب، تريد رؤيتها ثانية.
آرثر: «هل تنتقدين عاداتي في أول يوم؟»
إيزابيلا: «أنا أراقب البيئة التي سأستلهم منها تُحفتك الموسيقية.»
آرثر: «تُحفتي؟»
إيزابيلا: «أنت الذي دفعت مبلغاً غير منطقي مقابلها.»
آرثر: «إذن أتوقع شيئاً غير منطقي في المقابل.»
رفعت حاجبيها.
إيزابيلا: «ضغط جميل جداً، شكراً.»
آرثر: «ظننت أن الفنانين يحبون التحديات.»
إيزابيلا: «الفنانون يحبون أن يقولوا إنهم يحبون التحديات. ثم يقضون الليل يشتمون الشخص الذي أعطاهم واحداً.»
هذه المرة، ضحك.
ضحكة حقيقية قصيرة خرجت منه قبل أن يتمكن من إيقافها.
حدقت فيه إيزابيلا.
كان الأمر غريباً.
لم يتغير وجهه كثيراً، لكن البرودة التي أحاطت به منذ وصولها انفتحت للحظة.
كان أصغر حين يضحك.
وأكثر إنسانية.
توقف عندما لاحظ أنها تنظر إليه.
عادت ملامحه إلى الهدوء.
آرثر: «هل هناك شيء؟»
إيزابيلا: «كنت أتأكد فقط أنك تعرف كيف تفعل ذلك.»
آرثر: «أفعل ماذا؟»
إيزابيلا: «تضحك.»
لم يرد.
لكنه لم يبدُ منزعجاً أيضاً.
وصل الطبق التالي.
وبعد لحظات قال:
آرثر: «ماذا تحتاجين للعمل؟»
تحولت نبرته إلى الجدية مجدداً.
وضعت إيزابيلا الملعقة جانباً.
إيزابيلا: «في الحقيقة، لا أعرف بعد.»
آرثر: «كان مكتبك واضحاً بشأن المعدات.»
إيزابيلا: «لا أقصد المعدات.»
رفعت عينيها إليه.
إيزابيلا: «أنت طلبت مني مقطوعة تعرف القصر. إذا كنت تريد نتيجة مختلفة عن أي عمل يمكنني تأليفه في شقتي، فلا يكفي أن أنام هنا وأتجول بين الغرف.»
آرثر: «ماذا تقترحين؟»
إيزابيلا: «أريد أن أعرف المكان.»
لم يتغير تعبيره، لكنها شعرت أن شيئاً في الجملة جعله أكثر حذراً.
أكملت:
إيزابيلا: «تاريخه. ماذا كان. ماذا حدث له. لماذا رممته بهذه الطريقة. أي جزء منه يعني لك شيئاً. الأماكن التي أبقيتها كما كانت، والأشياء التي غيرتها. أريد أن أعرف لماذا اخترت هذا القصر بالذات للاحتفال بمرور مئة عام عليه.»
صمت آرثر.
كان الصمت هذه المرة مختلفاً.
لم يكن فارغاً.
كان دفاعياً.
آرثر: «ستجدين كل ما تحتاجينه في الأرشيف.»
إيزابيلا: «أنا لا أؤلف موسيقى لملف تاريخي.»
قست ملامحه قليلاً.
آرثر: «ولم أطلب منك تأليف سيرتي الذاتية.»
عرفت أنها اقتربت من شيء لا يريد طرحه او نقاشها فيه.
لكن تراجُعها الآن سيجعل الشهر كله سلسلة من المجاملات.
إيزابيلا: «وأنا لم أسألك عن سيرتك الذاتية.»
آرثر: «سألتِ ماذا يعني القصر لي.»
إيزابيلا: «لأنك أنت من رممه.»
آرثر: «والمعلومات المعمارية متاحة.»
إيزابيلا: «أنت مهندس معماري. تعرف أكثر مني أن المبنى ليس حجارة فقط.»
لم يجب.
حدقت فيه لحظات.
ثم أضافت بهدوء:
إيزابيلا: «إذا كنت تريد موسيقى صادقة، لا تعطيني نسخة منقحة من المكان.»
لم تعرف إن كانت تجاوزت حدودها.
لكنه لم يغضب كما توقعت.
بدلاً من ذلك، بقي ينظر إليها طويلاً، وكأنه يحاول تقرير شيء بشأنها.
ثم قال:
آرثر: «غداً.»
إيزابيلا: «ماذا غداً؟»
آرثر: «ابدئي بالجناح الرئيسي والحدائق الشمالية. سأريك بعض الأجزاء بنفسي.»
لم تستطع إخفاء دهشتها.
إيزابيلا: «اعتقدت أنك ستعطيني مفتاح الأرشيف وتطردني من العشاء.»
آرثر: «ما زال الخيار متاحاً.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «سأتصرف جيداً.»
آرثر: «أشك في ذلك.»
وللمرة الأولى منذ وصولها، شعرت أن الجملة لم تكن باردة.
——————
بعد العشاء، صعد آرثر إلى مكتبه.
أما إيزابيلا فلم تشعر بالنعاس.
كان جسدها متعباً من السفر، لكن عقلها يقظ أكثر مما ينبغي.
عادت إلى غرفتها.
حاولت القراءة.
فشلت.
فتحت حقيبتها.
ثم أغلقتها.
جلست أمام المكتب ووضعت أمامها ورقة النوتة البيضاء.
حملت قلماً.
كتبت مفتاح الصول.
انتظرت.
لا شيء.
طرقت بطرف القلم فوق الورقة.
كتبت ثلاث نغمات.
عزفتها في رأسها.
ثم شطبتها.
كتبت أربعاً أخرى.
أسوأ.
أسقطت القلم على الطاولة.
إيزابيلا: «ممتاز. أول ساعتين في القصر وعبقريتي الموسيقية ماتت تماماً.»
وقفت.
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة.
خرجت من الغرفة.
الممر أكثر ظلمة الآن.
المصابيح الجدارية موزعة بمسافات بعيدة، فتترك جيوباً من الظلال بين ضوء وآخر.
مشت ببطء.
لم تكن تعرف إلى أين تذهب.
ربما المكتبة.
ربما المدفأة في الردهة.
ربما تحتاج فقط إلى الحركة.
مرت بلوحة كبيرة لرجل يرتدي زياً قديماً، ثم توقفت أمام نافذة طويلة.
في الخارج، تحركت أغصان الأشجار بعنف بقوة الرياح.
كان القصر في الليل مختلفاً تماماً.
أقل فخامة.
أكثر صدقاً.
سمعت صوتاً.
توقفت.
صوت خافت.
كأن شيئاً معدنياً ارتطم بالأرض في مكان بعيد.
انتظرت.
لا شيء.
تابعت السير.
عند نهاية الممر، وصلت إلى مفترق لم تره في طريق غرفتها.
إلى اليسار، سلم صغير ينزل نحو الطابق الأرضي.
إلى اليمين، ممر طويل ينتهي ببابين مزدوجين.
فوقهما قطعة خشبية محفور فيها شكل غريب يشبه أغصان شجرة تلتف حول آلة موسيقية.
اقتربت.
وضعت يدها على المقبض.
لم يتحرك.
مغلق.
إيزابيلا: «طبعاً.»
«إنه الجناح الشرقي.»
تجمدت للحظة.
التفتت.
كان آرثر يقف على بعد خطوات منها.
لم تسمع قدومه.
كان قد خلع سترته، وبقي بقميص أبيض داكن تحت ضوء الممر، يحمل في يده ملفاً وبعض الأوراق.
إيزابيلا: «هل تتعمد المشي دون صوت؟»
آرثر: «هل تتعمدين فتح الأبواب المغلقة؟»
سحبت يدها من المقبض.
إيزابيلا: «كنت أتحقق إن كان مغلقاً.»
آرثر: «وتأكدتِ الان.»
نظرت إلى الباب ثانية.
إيزابيلا: «ماذا يوجد هناك؟»
آرثر: «غرف لم تُجهز بعد.»
إيزابيلا: «هذا جواب ممل.»
آرثر: «لم أكن أحاول إثارة إعجابك.»
سكتت لحظة.
ثم أشارت إلى الزخرفة فوق الباب.
إيزابيلا: «هل كانت هناك غرفة موسيقى؟»
اتبعت عيناه إشارتها.
آرثر: «نعم.»
تغيرت نبرته.
بسيط جداً، لكن إيزابيلا سمعته.
إيزابيلا: «كانت؟»
آرثر: «أصبحت شيئاً آخر منذ زمن.»
إيزابيلا: «وهي جزء من الترميم؟»
آرثر: «ليست ضمن الجولة غداً.»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «لم أسأل إن كانت ضمن الجولة.»
آرثر: «لكنك كنت ستفعلين.»
كادت تبتسم.
إيزابيلا: «بدأت تعرفني بسرعة.»
آرثر: «أنت لست غامضة كما تظنين.»
التقت عيناهما.
وللحظة قصيرة، لم تجد إيزابيلا رداً.
كان واقفاً بعيداً عنها بما يكفي كي لا يكون في الأمر أي شيء حميم، ومع ذلك جعلتها نظرته تشعر كأنه اقترب خطوة.
ربما بسبب هدوئه.
أو بسبب الممر الفارغ.
أو بسبب الوقت المتأخر.
أو لأنها، ببساطة، لم تستطع تحديد ما الذي يدور خلف عينيه.
كسرت النظر أولاً.
إيزابيلا: «كنت أبحث عن المكتبة.»
آرثر: «في الاتجاه المعاكس تماماً.»
إيزابيلا: «هذا القصر يحتاج إلى خرائط عند المصاعد.»
آرثر: «لا توجد مصاعد في هذا الجناح.»
نظرت إليه ببرود مصطنع.
إيزابيلا: «أنت تفهم المقصود.»
مر من جانبها.
آرثر: «تعالي.»
تبعته.
نزلا عبر السلم الصغير ثم عبرا ممراً قصيراً حتى وصل إلى باب خشبي فتحه.
امتدت أمامها مكتبة جميلة ذات سقف عال ورفوف تصل تقريباً إلى الأعلى، وفي وسطها طاولات قراءة ومقاعد جلدية ومدفأة صغيرة.
دخلت إيزابيلا ببطء.
إيزابيلا: «حسناً… قد أسامحك على عدم وجود إشارات.»
وضع ملفه فوق الطاولة.
آرثر: «هناك سلم متحرك للرفوف العليا. رجاءً لا تقتلي نفسك في أول ليلة.»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «كم أنت مضياف.»
اتجه نحو الباب.
ثم توقف.
آرثر: «إيزابيلا.»
نظرت إليه.
أشار بعينيه إلى دفتر النوتة الصغير الذي كانت لا تزال تحمله دون أن تنتبه.
آرثر: «بدأتِ العمل؟»
رفعت الدفتر.
إيزابيلا: «بدأت الفشل.»
آرثر: «بهذه السرعة؟»
إيزابيلا: «أنا فعالة.»
ظهرت ابتسامته الخاطفة.
لكنها اختفت حين سأل:
آرثر: «ما المشكلة؟»
كان سؤالاً بسيطاً.
إلا أنها لم تتوقعه منه.
نظرت إلى الأوراق الفارغة بين يديها.
إيزابيلا: «لا أسمع شيئاً بعد.»
آرثر: «أنت موسيقية.»
إيزابيلا: «ليس بهذه الطريقة.»
أغلقت الدفتر.
إيزابيلا: «الأماكن لها إيقاع. الناس أيضاً. أحياناً أدخل مكاناً وأعرف تقريباً أين تبدأ الموسيقى. هنا…»
نظرت حولها.
«هنا كل شيء ساكن أكثر مما ينبغي.»
بقي آرثر عند الباب.
إيزابيلا: «وكأن القصر يتعمد ألا يقول شيئاً.»
لم يجب فوراً.
ثم قال بصوت أخفض:
آرثر: «ربما لأنك وصلتِ وأنت تنتظرين منه أن يتكلم.»
رفعت عينيها إليه.
آرثر: «توقفي عن الاستماع إليه كعازفة.»
إيزابيلا: «وكيف أستمع إليه؟»
آرثر: «كشخص لا يعرف شيئاً.»
عقدت حاجبيها.
اقترب خطوة واحدة من الطاولة، ووضع كفه فوق ظهر أحد المقاعد.
آرثر: «الفنان حين يدخل مكاناً جديداً يبدأ فوراً في البحث عن معنى. عن قصة. عن شيء يستطيع تحويله إلى عمل.»
إيزابيلا: «وهذا سيئ؟»
آرثر: «أحياناً.»
تأملت ملامحه.
آرثر: «أحياناً نسمع فقط الشيء الذي جئنا ونحن مستعدون لسماعه.»
إيزابيلا: «ومن قال إنك تعرف شيئاً عن طريقة عمل الفنانين؟»
نظر إليها بثبات.
آرثر: «أنا أبني أشياء من أفكار لا يراها أحد غيري. لسنا مختلفين إلى هذه الدرجة.»
لم تجد جواباً سريعاً.
كانت هذه أول مرة منذ وصولها يتحدث فيها عن نفسه دون دفاع أو جملة مقتضبة.
استدار نحو الباب.
آرثر: «لا تحاولي تأليف المقطوعة الليلة.»
إيزابيلا: «أهذه أوامر صاحب العمل؟»
نظر إليها من فوق كتفه.
آرثر: «نصيحة شخص عاش هنا مدة أطول منك.»
إيزابيلا: «وإذا تجاهلتها؟»
آرثر: «ستكتبين موسيقى عن قصر رأيته ساعتين فقط.»
ثم أضاف:
«وأنا دفعت مبلغاً غير منطقي مقابل شيء أفضل من ذلك.»
فتحت فمها لترد، لكنه خرج قبل أن يمنحها الفرصة لذلك.
وقفت إيزابيلا وسط المكتبة وحدها.
حدقت إلى الباب المغلق.
ثم إلى دفترها.
وبعد ثوانٍ، ضحكت رغم نفسها.
إيزابيلا: «متعجرف.»
جلست أمام المدفأة.
فتحت الدفتر.
حدقت في الصفحة البيضاء.
ثم، للمرة الأولى منذ مدة طويلة، لم تحاول أن تكتب شيئاً.
اكتفت بالاستماع.
إلى خشخشة النار.
إلى الريح وهي تصطدم بزجاج النوافذ.
إلى طقطقة الخشب القديم في مكان ما فوق رأسها.
إلى ساعة بعيدة تعد الثواني بنظام لا يرحم.
شيئاً فشيئاً، بدأت الأصوات المنفصلة تتحول داخل ذهنها إلى شيء آخر.
ليس لحناً.
ليس بعد.
لكنه كان بداية إحساس.
رفعت رأسها.
في اللحظة نفسها، انقطع كل شيء تقريباً.
أو هكذا خُيّل إليها.
ثم جاء الصوت.
نغمة واحدة فقط.
واضحة.
عميقة.
بعيدة.
نغمة بيانو.
تجمدت إيزابيلا في مكانها.
انتظرت.
مرت ثانيتان.
ثلاث.
عشر.
لم تأتِ نغمة ثانية.
وقفت ببطء.
كانت متأكدة مما سمعته.
بيانو.
لكن الصوت لم يأت من المكتبة.
جاء من الجهة الأخرى للقصر.
من الجناح الشرقي.
رفعت إيزابيلا عينيها نحو الباب.
وتذكرت الزخرفة الخشبية فوق المدخل المغلق.
آلة موسيقية تحاصرها أغصان سوداء.
وتذكرت إجابة آرثر القصيرة:
«كانت هناك غرفة موسيقى.»
ترددت لحظة.
ثم نظرت إلى دفتر النوتة البيضاء فوق الطاولة.
قبل دقائق فقط، قالت له إن القصر يرفض أن يتكلم.
والآن…
يبدو أن بلاك وود قرر أن يجيبها.
ظلت إيزابيلا واقفة أمام باب المكتبة للحظات، تحدق في الممر المظلم كما لو كانت تنتظر أن تأتي النغمة ثانية.
لم تأتِ.
كان الصمت الذي أعقبها أكثر إزعاجاً من الصوت نفسه.
نغمة واحدة.
واضحة تماماً.
لم تكن صرير باب، ولا ارتطام قطعة أثاث، ولا واحدة من تلك الأصوات التي تصدرها البيوت القديمة حين تبرد جدرانها ليلاً.
لقد كانت نغمة بيانو.
تعرف إيزابيلا الفرق.
بل تستطيع، في معظم الأحيان، أن تعرف إن كان المفتاح قد ضُرب بعنف أو لُمس برفق.
والنغمة التي سمعتها لم تكن عشوائية.
كانت طويلة بما يكفي لتبدو مقصودة.
وضعت دفترها على الطاولة دون أن ترفع عينيها عن الباب.
كان المنطق يقول لها أن تعود إلى غرفتها.
أما الفضول، وهو صفة أوقعها في المتاعب أكثر من مرة في حياتها، فكان يقول شيئاً مختلفاً تماماً.
خرجت من المكتبة.
كان القصر ساكناً إلى درجة أنها استطاعت سماع وقع خطواتها فوق الأرضية الخشبية.
مرت بالممر الذي عبرته قبل قليل، ثم توقفت عند الدرج الصغير.
الجناح الشرقي يقع في الأعلى.
والباب مغلق.
عرفت ذلك.
اختبرته بنفسها.
صعدت الدرج ببطء.
درجة.
ثم أخرى.
عندما وصلت إلى المنعطف الأخير، انكمش صوت الريح خلف النوافذ، وأصبح المكان أكثر هدوءاً.
كان الممر أمامها فارغاً.
وفي نهايته…
الباب.
توقفت.
لم تكن تخاف بسهولة.
لكن ثمة فارقاً بين أن تكون شجاعة وبين أن تسير في منتصف الليل داخل قصر لا تعرفه باتجاه جناح مغلق بعد أن سمعت صوت البيانو يأتي منه.
سخرت من نفسها بصمت.
إيزابيلا: «أنت امرأة في الثلاثين من عمرك، ولست بطلة في رواية رعب رديئة.»
خطت إلى الأمام.
ثم توقفت مجدداً.
كان الباب مفتوحاً.
فتحة ضيقة فقط.
لكنها كانت متأكدة تماماً من أن آرثر أغلقه أمامها قبل أقل من ساعة.
بقيت مكانها.
شيء ما تحرك في الداخل.
ليس صوتاً هذه المرة.
ظل.
لم تستطع رؤية أكثر من خيط ضعيف من الضوء يمتد من الشق على أرضية الممر.
اقتربت خطوة.
ثم أخرى.
وقبل أن تصل، جاء الصوت ثانية.
النغمة نفسها.
عميقة.
وحيدة.
وبعدها…
صمت.
لم تلمس الباب.
وقفت بجواره، حابسة أنفاسها.
ثم سمعت صوت كرسي يتحرك بخفة.
تحرك الظل من الداخل.
استدارت إيزابيلا بسرعة، وتراجعت خطوتين.
ظهر آرثر عند الباب.
توقفت هي.
وتوقف هو.
كان قد خلع سترته وربطة معصمه الجلدية، ورفع أكمام قميصه حتى المرفقين. لم يبدُ متفاجئاً بوجودها بقدر ما بدا غير سعيد به.
مرت لحظتان دون أن يتكلم أي منهما.
ثم انخفضت عيناه نحو قدميها الحافيتين.
فقط عندها أدركت إيزابيلا أنها خرجت من غرفتها دون أن ترتدي شيئاً في قدميها.
رفع نظره إليها.
آرثر: «هل أصبح التجول حافية في الممرات جزءاً من عملية التأليف؟»
رمشت.
إيزابيلا: «كما تعلم كنت في المكتبة.»
آرثر: «والمكتبة في الطابق السفلي.»
إيزابيلا: «أعرف.»
آرثر: «إذن ضللت الطريق مرة أخرى بطريقة مدهشة.»
نظرت إلى الباب خلفه.
إيزابيلا: «سمعت البيانو.»
تغير وجهه.
ليس كثيراً.
لكنها بدأت تلاحظ أنه كلما لامست شيئاً لا يريد الحديث عنه، لا يحتاج إلى العبوس أو رفع صوته.
يتوقف فقط عن منحها أي شيء.
وتصبح عيناه ساكنتين تماماً.
آرثر: «كان عليك العودة إلى غرفتك.»
إيزابيلا: «كنت أنت من يعزف؟»
نظر إليها.
آرثر: «هل بدا لك ذلك عزفاً؟»
كادت ترد، لكنها تراجعت.
كان في نبرته شيء منعها من المشاكسة هذه المرة.
إيزابيلا: «لا.»
خفضت صوتها.
«بدا كأن شخصاً يتأكد أن الآلة لا تزال تعمل.»
للحظة، خُيل إليها أنها قالت شيئاً أصابه في مكان لم تقصده.
ابتعد آرثر عن الباب وأغلقه خلفه.
هذه المرة أدخل مفتاحاً في القفل.
أداره.
ثم وضعه في جيبه.
إيزابيلا: «إذن هناك فعلاً بيانو.»
آرثر: «قلت لك إن هذه كانت غرفة موسيقى.»
إيزابيلا: «وقلت إنها أصبحت شيئاً آخر.»
آرثر: «وأصبحت.»
إيزابيلا: «ولكن البيانو بقي.»
تنفس ببطء.
آرثر: «إيزابيلا.»
كان اسمها في فمه أشبه بتحذير هادئ.
رفعت كفيها باستسلام.
إيزابيلا: «حسناً. لا أسئلة.»
نظر إليها كأنه لا يصدقها.
أضافت:
إيزابيلا: «الليلة.»
تحركت عضلة صغيرة في فكه.
ثم نظر مجدداً إلى قدميها.
آرثر: «عودي إلى غرفتك.»
إيزابيلا: «ها قد عدنا إلى الأوامر.»
آرثر: «الأرض باردة.»
توقفت.
لم تتوقع الجملة.
هبطت عيناها إلى قدميها ثم ارتفعتا إليه.
إيزابيلا: «هل هذه طريقتك في إظهار القلق؟»
آرثر: «هذه طريقتي في تجنب وجود موسيقية مصابة بالحمى قبل الحفل.»
إيزابيلا: «آه. للحظة كدت أشعر بأن الأمر شخصي.»
فتح فمه، لكنه لم يقل شيئاً.
ثم مر بجانبها.
آرثر: «تصبحين على خير.»
التفتت إليه وهو يبتعد.
إيزابيلا: «آرثر.»
توقف، لكنه لم يستدر.
إيزابيلا: «النغمة كانت فا.»
استدار ببطء.
ابتسمت.
إيزابيلا: «إذا كنت ستوقظني في منتصف الليل، على الأقل غيّر المفتاح في المرة القادمة.»
حدق بها ثانيتين.
ثم قال:
آرثر: «عودي إلى غرفتك، إيزابيلا.»
ومضى.
لكنها رأت الابتسامة.
رأتها بوضوح هذه المرة قبل أن يدير وجهه.
—————-
في الثامنة إلا خمس دقائق من صباح اليوم التالي، كانت إيزابيلا تجلس وحدها إلى طاولة الإفطار.
أمامها إبريق شاي، طبق فاكهة، خبز محمص، وكرسي آرثر الفارغ.
نظرت إلى الساعة الكبيرة على الحائط.
ثم إلى الباب.
ثم أخذت رشفة من الشاي.
الثامنة تماماً.
لا آرثر.
الثامنة ودقيقتان.
ما زال الكرسي فارغاً.
في الثامنة وخمس دقائق، دخلت السيدة غراهام تحمل وعاء صغيراً من المربى.
إيزابيلا: «هل مات صاحب المنزل؟»
كادت المرأة أن تُسقط الملعقة من يدها.
السيدة غراهام: «آنسة إيزابيلا!»
إيزابيلا: «إنه متأخر.»
نظرت إليها السيدة غراهام.
ثم إلى الساعة.
السيدة غراهام: «السيد آرثر موجود في مكتبه منذ السادسة.»
إيزابيلا: «أخبرني أن الإفطار في الثامنة.»
السيدة غراهام: «هو قال إن الإفطار يُقدم في الثامنة.»
فكرت إيزابيلا في الفرق.
ثم ضيقت عينيها.
إيزابيلا: «هذا الرجل يستمتع بالتفاصيل المزعجة.»
حاولت السيدة غراهام إخفاء ابتسامتها.
السيدة غراهام: «يرسل اعتذاره. حدث أمر متعلق بأحد مشاريعه.»
إيزابيلا: «هل أرسل اعتذاراً فعلاً؟»
ترددت المرأة.
السيدة غراهام: «قال: أخبري الآنسة إيزابيلا أنني سأراها في التاسعة.»
ابتسمت إيزابيلا.
إيزابيلا: «إذن أنتِ من أضافت الاعتذار.»
لم تقل السيدة غراهام شيئاً.
إيزابيلا: «أحبك بالفعل.»
هزت المرأة رأسها وغادرت وهي تتمتم بشيء عن الشباب.
—————
في التاسعة ودقيقة واحدة، ظهر آرثر عند مدخل الردهة.
كانت إيزابيلا واقفة بجوار النافذة، ترتدي معطفاً بلون العاج وقفازات جلدية، وقد رفعت شعرها في عقدة بسيطة.
نظر إلى الساعة في معصمه.
آرثر: «متأخرة دقيقة.»
إيزابيلا: «وأنت تأخرت عن الإفطار ساعة كاملة.»
آرثر: «لم نحدد موعداً للإفطار.»
إيزابيلا: «وهكذا بدأت الحرب.»
مر بجانبها.
آرثر: «إذا كانت هذه حرباً، فستكون طويلة.»
لحقت به.
إيزابيلا: «أنا هنا شهراً كاملاً. لدي وقت.»
توقف عند الباب الرئيسي ونظر إليها.
هذه المرة لم تكن الابتسامة مجرد ومضة.
كانت واضحة.
صغيرة، لكنها واضحة.
إيزابيلا لم تقل شيئاً.
لكنها شعرت بانتصار سخيف لا يليق بامرأة ناضجة.
فتح لها الباب.
آرثر: «بعدك.»
خرجت.
لفحها الهواء البارد فوراً.
كانت السماء أكثر صفاء من اليوم السابق، والضباب انحسر بعيداً فوق الأشجار، كاشفاً مساحات لم ترها من السيارة.
امتدت الحديقة أمام القصر في خطوط هندسية دقيقة، لكنها لم تكن مشذبة إلى حد الاصطناع. ترك آرثر بعض الأشجار القديمة كما هي، حتى إن جذورها اخترقت أجزاء من الممر الحجري.
كانت هناك نافورة متوقفة عن العمل في المنتصف، وبجانبها تمثال لامرأة تحمل غصن شجرة.
مشت إيزابيلا إلى جواره.
إيزابيلا: «لماذا لم تصلح النافورة؟»
آرثر: «لأنها ليست مكسورة.»
اقتربت.
كان الحوض فارغاً.
إيزابيلا: «لا ماء فيها.»
آرثر: «هذا لا يعني أنها مكسورة.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «بدأت أفهم أن إجاباتك ستكون مشكلة.»
اقترب منها وأشار إلى قاعدة التمثال.
هناك، بالكاد يمكن رؤيتها، كانت حروف محفورة في الحجر.
1919.
آرثر: «النافورة كانت تعمل بنظام قديم يسحب الماء من خزان طبيعي تحت الأرض. أثناء الترميم اكتشفنا أن تشغيلها بنظام حديث سيحتاج إلى تفكيك نصف القاعدة.»
إيزابيلا: «فتركتها كما هي.»
آرثر: «أفضل شيئاً صامتاً وأصيلاً على شيء يعمل بعد أن أفقده تاريخه.»
ثبتت عينيها عليه.
لم يكن يتحدث عن النافورة فقط.
أو ربما هي بدأت تبحث عن المعاني حيث لا توجد.
قال لها في الليلة الماضية ألا تفعل ذلك.
تابع السير.
تبعته.
أمضيا الساعتين التاليتين يتجولان في الحدائق والأجزاء الخارجية من القصر.
بدأ الأمر كجولة عملية.
ثم، من دون أن تنتبه إيزابيلا متى حدث ذلك، تحول إلى شيء آخر.
كان آرثر مختلفاً حين يتحدث عن العمارة.
لم يكن الرجل المختصر الكلمات الذي عرفته على مائدة العشاء.
كانت يداه تتحركان وهو يشرح.
تتغير نبرته.
ويتوقف أحياناً في منتصف الجملة ليشير إلى تفصيلة صغيرة لا يلاحظها أي شخص طبيعي.
زاوية نافذة.
حجر مختلف اللون.
قوس تمت استعادته من صورة قديمة.
وكلما نسي نفسه داخل الحديث، لاحظت إيزابيلا شيئاً غريباً.
كان أكثر دفئاً.
إيزابيلا: «أنت تحبه.»
توقف.
كانا يقفان أمام الجهة الشمالية للقصر.
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «بلاك وود.»
صمت.
إيزابيلا: «عندما تتحدث عنه، لا تتحدث كمالك عقار.»
آرثر: «أنا مهندس.»
إيزابيلا: «ليس هذا ما أعنيه.»
حدق في المبنى.
آرثر: «بعض الأشياء تأخذ من وقتك ما يكفي لتصبح جزءاً منك، حتى إن لم ترغب بذلك.»
كانت جملة جميلة.
لكنها حملت شيئاً ثقيلاً أيضاً.
إيزابيلا: «وكم أخذ منك؟»
آرثر: «ثماني سنوات.»
فتحت عينيها بدهشة.
إيزابيلا: «ثماني سنوات؟»
أومأ.
إيزابيلا: «ظننت أعمال الترميم بدأت قبل أربع.»
آرثر: «العمل الفعلي نعم. السنوات الأربع التي سبقتها قضيتها في شراء الأراضي المحيطة، الحصول على التصاريح، جمع المخططات، والجدال مع أشخاص يحبون قول كلمة مستحيل.»
إيزابيلا: «ومن الواضح أنك لا تحب تلك الكلمة.»
آرثر: «لا أحب الأشخاص الذين يستخدمونها قبل أن يحاولوا.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «بدأت أفهمك.»
التفت إليها.
آرثر: «لا أنصحك بذلك.»
كانت نبرته خفيفة.
لكن الجملة لم تكن خفيفة تماماً.
التقت نظراتهما.
وظلتا كذلك لحظة أطول مما كان ضرورياً.
ثم تحركت إيزابيلا.
إيزابيلا: «أين البحيرة؟»
آرثر: «خلف الأشجار. سنصل إليها لاحقاً.»
إيزابيلا: «ولماذا ليس الآن؟»
آرثر: «لأنك ترتدين حذاء لا يصلح للمسار.»
خفضت عينيها إلى حذائها.
إيزابيلا: «إنه ممتاز.»
نظر إليه.
ثم إليها.
آرثر: «إنه جميل.»
رفعت حاجباً.
آرثر: «وهذا ليس الشيء نفسه.»
شعرت بسخونة صغيرة غير متوقعة تسري في وجهها.
كان أول تعليق شخصي منه عن شيء يخصها.
وربما لم يقصد شيئاً.
وهذا أزعجها أكثر.
إيزابيلا: «كنت تستطيع أن تقول إنه غير عملي فقط.»
آرثر: «قلت.»
ثم تابع السير.
بقيت مكانها نصف ثانية.
إيزابيلا: «متعجرف.»
جاء صوته من أمامها:
آرثر: «سمعتك.»
ابتسمت رغماً عنها.
—————–
عند الظهر، عاد آرثر إلى عمله.
وعادت إيزابيلا إلى غرفتها.
جلست أمام الورق.
هذه المرة كتبت ست نغمات.
توقفت.
أعادت قراءتها.
ثم أخذت الكمان.
عزفتها مرة.
عبست.
مرة ثانية.
هزت رأسها.
كانت جميلة.
وهذا تحديداً ما لم يعجبها.
جميلة فقط.
مرتبة.
مناسبة لقصر إنجليزي قديم.
يمكن لأي ملحن محترف أن يكتبها بعد رؤية صورة قصر بلاك وود على الإنترنت.
وضعت القوس.
مزقت الورقة.
بدأت من جديد.
بعد ساعة، كان على الأرض أربع أوراق مشطوبة.
بعد ساعتين، أصبحت تسعاً.
في الثالثة والنصف، ألقت القلم بعصبية.
إيزابيلا: «أنا أكرهك.»
لم تعرف إن كانت تتحدث إلى القصر، أو الورق، أو نفسها.
طرق الباب.
حدقت نحوه.
إيزابيلا: «إذا كان أحدكم يحمل فكرة موسيقية، ادخل فوراً.»
فتح الباب.
كان آرثر.
أغمضت عينيها للحظة.
إيزابيلا: «طبعاً.»
استند بكتفه إلى إطار الباب.
كانت هذه أكثر وضعية غير رسمية رأته بها حتى الآن.
آرثر: «أتمنى ألا أكون الفكرة الموسيقية.»
إيزابيلا: «في حالتي الحالية، يمكنني تحويلك إلى جنازة موسيقية.»
نظر إلى الأوراق الممزقة على الأرض.
آرثر: «يبدو أن الأمور تسير جيداً.»
نظرت إليه ببرود.
إيزابيلا: «جئت لتسخر؟»
آرثر: «جئت لأخبرك أنني سأغادر ساعتين إلى موقع العمل.»
ترددت.
إيزابيلا: «هل تحتاج إلى إذني؟»
آرثر: «لا.»
إيزابيلا: «إذن هذه أول مرة تخبرني بشيء دون أن أطلب.»
بقي صامتاً لحظة.
ثم قال:
آرثر: «السيدة غراهام أخبرتني أنك لم تتناولي الغداء.»
فتحت فمها.
ثم أغلقته.
آرثر: «المطبخ سيبقى مفتوحاً لك، لكن حاولي أن تأكلي شيئاً قبل أن تحولي الإحباط الفني إلى إغماء درامي.»
إيزابيلا: «أنا لا يُغمى عليّ لا تقلق.»
آرثر: «جيد.»
استقام.
إيزابيلا: «آرثر.»
توقف.
رفعت إحدى الأوراق المشطوبة.
إيزابيلا: «هل تريد أن تسمع ما لدي؟»
نظر إليها.
كانت قد قالتها قبل أن تفكر.
وللحظة تمنت لو تستطيع سحب السؤال.
لكنه دخل الغرفة.
أغلق الباب نصف إغلاق فقط، ثم وقف قرب المدفأة.
آرثر: «اعزفي.»
حدقت به.
إيزابيلا: «هكذا فقط؟»
آرثر: «أنت سألتِ إن كنت أريد أن أسمع.»
إيزابيلا: «عادة يقول الناس: يسعدني ذلك.»
آرثر: «يسعدني ذلك.»
إيزابيلا: «الآن تبدو كأنك تكرهني.»
آرثر: «هل ستعزفين أم سنناقش لغتي الاجتماعية؟»
هزت رأسها.
رفعت الكمان.
ثبتته أسفل ذقنها.
ثم أغمضت عينيها.
عزفت المقطع الذي عملت عليه طوال الصباح.
لم يكن طويلاً.
دقيقة تقريباً.
بدأ بنغمة هادئة، ثم صعد في حركة متزنة، قبل أن يعود إلى جملة موسيقية بطيئة تنتهي دون حسم.
حين توقفت، بقي القوس معلقاً.
انتظرت.
لم يقل شيئاً.
فتحت عينيها.
كان ينظر إليها.
إيزابيلا: «حسناً؟»
آرثر: «هل تريدين رأياً صادقاً؟»
أنزلت الكمان قليلاً.
إيزابيلا: «لماذا أشعر أنني سأندم؟»
آرثر: «جميل.»
انتظرت.
لم يضف شيئاً.
إيزابيلا: «هذا كل شيء؟»
آرثر: «هذا كل شيء.»
ضيقت عينيها.
إيزابيلا: «أنت دفعت مبلغاً غير منطقي لموسيقية ثم قلت لها إن عمل ساعتين جميل؟»
آرثر: «ألم تقولي لي أمس إن كلمة جميل ليست كافية؟»
فاجأها أنه تذكر.
إيزابيلا: «إذن ماذا ينقصه؟»
نظر إلى الورقة.
ثم إليها.
آرثر: «أنت.»
اختفت السخرية من وجهها.
آرثر: «هذا المقطع يمكن أن يعزفه أي شخص. ويمكن أن يكون لأي مكان. جميل، صحيح، ومنظم، ولا يحمل خطأ واحداً تقريباً.»
توقف.
«ولهذا لا أشعر بشيء.»
شعرت إيزابيلا كأن أحدهم ضغط إصبعه فوق جرح لا تراه.
أبعدت عينيها.
آرثر لاحظ.
آرثر: «قلتِ إنك تريدين الصدق.»
إيزابيلا: «طلبت رأياً، لا عملية تشريح.»
آرثر: «هل أخطأت؟»
نظرت إليه بسرعة.
هذا ما أغضبها.
أنه لم يخطئ.
إيزابيلا: «لا.»
خرجت الكلمة بصعوبة.
وضعت الكمان فوق السرير.
آرثر: «إذن لماذا أنت غاضبة مني؟»
إيزابيلا: «لأنك التقطت المشكلة بعد دقيقة.»
آرثر: «وأنت تعرفينها منذ متى؟»
صمتت.
اقترب خطوة، دون أن يغزو مساحتها.
آرثر: «إيزابيلا.»
كرهت الطريقة التي أصبح اسمها أكثر هدوءاً حين لا يكون يسخر منها.
إيزابيلا: «منذ فترة.»
لم تنظر إليه.
إيزابيلا: «أصبحت أعزف جيداً جداً.»
آرثر: «هذه مشكلة غريبة.»
ابتسمت بمرارة.
إيزابيلا: «قلت الشيء نفسه.»
سكتت.
ثم جلست على حافة المقعد قرب النافذة.
«أعرف كيف أجعل الجمهور يصمت. أعرف أين أبطئ، وأين أضغط على النغمة، ومتى أترك ثانية من الصمت قبل أن أبدأ الجملة التالية. أعرف كيف أجعل الناس يشعرون بأنني أشعر.»
رفعت عينيها إليه.
«لكنني في بعض الليالي… لا أشعر بشيء.»
لم يسخر.
لم يواسيها أيضاً.
وهذا، بطريقة غريبة، جعل الحديث أسهل.
إيزابيلا: «ثم أسمع التصفيق، وأفكر أنهم أحبوا شيئاً لم أكن فيه فعلاً.»
ظل آرثر صامتاً.
قالت:
إيزابيلا: «الآن يمكنك أن تخبرني أن الأجر يجب أن يكفي لإصلاح أزمتي الوجودية.»
آرثر: «كنت سأطلب استرداده.»
ضحكت رغماً عنها.
رفع طرف فمه.
ثم عاد إلى الجدية.
آرثر: «ربما لهذا السبب قبلت العرض.»
توقفت ضحكتها.
إيزابيلا: «ربما.»
آرثر: «وليس لأن الرقم كان غير منطقي؟»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «لا تجعلني أندم على صدقي.»
للحظة، شعرت أن الغرفة هدأت بطريقة مختلفة.
لم يكن هناك توتر رومانسي واضح.
لا لمس.
لا قرب غير ضروري.
لكن شيئاً تغير.
شيء صغير.
لقد عرف عنها الآن شيئاً حقيقياً.
ولسبب لم تستطع تفسيره، شعرت بأن ذلك أكثر حميمية من أي مجاملة كان يمكن أن يقولها عن مظهرها.
نظر آرثر إلى ساعته.
آرثر: «كلي شيئاً.»
تنهدت.
إيزابيلا: «أفسدت اللحظة.»
آرثر: «أي لحظة؟»
إيزابيلا: «بالضبط.»
غادر.
وقبل أن يغلق الباب، قال:
آرثر: «لا تعزفي شيئاً جميلاً.»
نظرت إليه.
آرثر: «اعزفي شيئاً صادقاً.»
ثم خرج.
——————
لم تعزف ذلك المساء.
تناولت الغداء المتأخر.
قرأت.
مشت وحدها في الحديقة.
وفي العشاء، لم يتحدثا عن الموسيقى.
بل اختلفا عشر دقائق كاملة حول ما إذا كانت المباني الحديثة تفتقر إلى الروح أم أن الناس يحنون فقط إلى الأشياء القديمة لأنهم لا يضطرون إلى العيش فيها دون تدفئة مركزية.
قال آرثر إن الرومانسية تجعل الناس يكذبون بشأن الماضي.
قالت إيزابيلا إن المعماريين يجعلون الزجاج يبدو كعقيدة دينية.
قال إن رأيها متحيز.
قالت إن مبانيه تحمل زجاجاً أكثر من اللازم.
سألها كم مبنى له زارته.
قالت: اثنين.
قال إن رأيها غير مؤهل.
قالت إن موسيقاه المفضلة، إن كانت لديه موسيقى مفضلة أصلاً، على الأرجح شيء ممل.
نظر إليها طويلاً.
ثم قال:
آرثر: «باخ.»
هزت رأسها كما لو أثبت وجهة نظرها.
إيزابيلا: «طبعاً.»
آرثر: «ما المشكلة في باخ؟»
إيزابيلا: «لا شيء. المشكلة في أنك قلت باخ.»
آرثر: «هذا الحديث أصبح غبياً.»
إيزابيلا: «لأنك تخسر.»
ضحك.
وفوجئت هي كم أصبحت تنتظر تلك الضحكة.
————
مر اليوم الثاني.
ثم الثالث.
وبدأت إيزابيلا تفهم إيقاع قصربلاك وود ببطء.
السيدة غراهام توقظ البيت قبل الجميع.
المطبخ يبدأ الحياة في السادسة.
آرثر يبدأ العمل قبل ذلك أحياناً.
يتناول القهوة سوداء.
لا يضع السكر في شيء.
يقرأ الأخبار من جهازه أثناء الإفطار إن كان وحده، لكنه لا يفتحه حين تجلس إيزابيلا معه.
اكتشفت هذه المعلومة في اليوم الثالث.
ولم تقل له إنها لاحظتها.
هو أيضاً بدأ يعرف بعض الأشياء.
عرف أنها لا تأكل في الصباح إذا كانت متوترة.
عرف أنها تشرب الشاي خفيفاً وتضع فيه شريحة ليمون ولا تحب الحليب.
عرف أنها عندما تَعلقُ موسيقياً تضرب القوس مرتين على ساقها دون أن تنتبه.
وفي صباح اليوم الرابع، جلست إلى المائدة، فوجدت الشاي أمامها بالطريقة نفسها التي تحبه.
نظرت إلى السيدة غراهام.
أشارت المرأة بعينيها إلى آرثر.
كان يقرأ رسالة على هاتفه.
رفعت إيزابيلا الكوب.
إيزابيلا: «شكراً.»
لم يرفع رأسه.
آرثر: «على ماذا؟»
إيزابيلا: «لا شيء.»
لكنها ابتسمت داخل الكوب.
كان الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو الموسيقى.
كلما حاولت الكتابة، خرجت منها مقاطع جيدة.
باردة.
مصقولة.
ميتة.
وفي الليلة الرابعة، بعد أن قضت ثلاث ساعات وهي تمزق الأوراق، فقدت صبرها.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
وقفت.
دفعت الأوراق بعيداً.
ثم حملت الكمان.
لم تفتح النوتة.
لم تخطط.
لم تختر مقطوعة.
ذهبت إلى النافذة وفتحتها قليلاً.
دخل الهواء الشتوي دفعة واحدة، فارتجفت.
لكنها لم تغلقها.
أرادت أن تشعر بشيء.
أي شيء.
أغمضت عينيها.
وضعت الكمان على كتفها.
وسكتت.
في البداية، لم يأت شيء.
ثم تذكرت المسرح الأخير.
التصفيق.
ابتسامتها الآلية.
الفندق الفارغ بعده.
تذكرت السؤال الذي لم تستطع التخلص منه منذ أشهر.
ماذا لو لم أعد أحب الموسيقى كما كنت؟
تحرك القوس.
خرجت أول نغمة مترددة.
ثم ثانية.
لم تكن جميلة.
كان فيها شيء مكسور.
تركتها.
لم تصلحها.
تابعت.
بدأ اللحن ببطء.
نغمات منخفضة، متباعدة، كأن كل واحدة منها تخاف الاقتراب من الأخرى.
ثم تغير.
تسلل الحنين إليه دون أن تقصده.
ليس حنيناً لشخص.
بل لنفسها القديمة.
للفتاة التي كانت تعزف لساعات حتى تؤلمها أصابعها، ولا تعرف شيئاً عن النقاد والعقود والجمهور.
اشتد القوس بين أصابعها.
انفتحت الموسيقى.
خرج منها غضب.
ثم حزن.
ثم شيء أكثر رقة.
لم تعد تعرف ماذا تعزف.
وهذا كان أجمل شيء حدث لها منذ شهور.
بدأ جسدها يتحرك مع النغمات.
مال رأسها.
انخفض كتفها.
أطلقت لنفسها الحرية كاملة.
لم تكن تؤلف.
لم تكن تتدرب.
لم تكن تؤدي.
كانت تتكلم فقط.
بلغة لا تحتاج أن تكون منطقية.
وفي منتصف جملة طويلة، انزلقت دمعة واحدة من عينها.
لم تنتبه لها.
——————
في الجناح المقابل، رفع آرثر رأسه عن شاشة حاسوبه.
بقي ساكناً.
وصل إليه الصوت خافتاً في البداية.
ثم حملته ممرات بلاك وود إليه بوضوح أكبر.
الكمان.
ترك القلم من يده.
حاول العودة إلى الملف أمامه.
لم يستطع.
جاءت جملة موسيقية جديدة.
كانت موجعة.
ليس لأنها حزينة.
بل لأنها لم تحاول إخفاء حزنها.
أغلق الحاسوب.
ظل جالساً لحظات.
ثم نهض.
خرج من مكتبه.
لم يفكر كثيراً في الأمر.
على الأقل هذا ما أقنع به نفسه.
تبع الموسيقى عبر الممر.
كلما اقترب، أصبح صوتها أكثر وضوحاً.
توقف أمام باب غرفة إيزابيلا.
كان مفتوحاً قليلاً.
ورآها.
لم تلاحظ وجوده.
كانت تقف قرب النافذة، والهواء يحرك أطراف ثوبها وشعرها الذي تركته منسدلاً على كتفيها.
عيناها مغلقتان.
ووجهها مختلف.
لا ابتسامة ساخرة.
لا تحدٍّ.
لا فضول.
لا شيء من المرأة التي اقتحمت هدوء بيته قبل أربعة أيام.
فقط صدق عارٍ ومؤلم.
ظل واقفاً في الظل.
ولسبب لم يفهمه، شعر أنه لو تحرك سيكسر شيئاً لا يحق له كسره.
انتهى اللحن فجأة.
هبط القوس.
بقيت إيزابيلا ساكنة.
تتنفس بعمق.
فتحت عينيها.
ومسحت الدمعة من خدها قبل أن تنتبه أنها كانت هناك.
ثم نظرت إلى الباب.
تجمدت.
كان آرثر واقفاً.
لم تعرف منذ متى.
هبطت يدها ببطء.
إيزابيلا: «منذ متى وأنت هناك؟»
آرثر: «بضع دقائق.»
شعرت بالحرج.
ذلك النوع النادر من الحرج الذي يأتي حين يراك أحد في لحظة لا تريد لأحد أن يراك فيها.
إيزابيلا: «كان يمكنك أن تطرق.»
آرثر: «كان الباب مفتوحاً.»
إيزابيلا: «هذا لا يعني أن تقف وتتجسس.»
آرثر: «لم أكن أتجسس.»
رفعت حاجباً.
آرثر: «كنت أستمع.»
إيزابيلا: «الفرق دقيق جداً.»
لم يبتسم.
اقترب حتى وقف عند العتبة، لكنه لم يدخل.
كانت عيناه مختلفة.
أقل قسوة.
إيزابيلا: «إذا جئت لتخبرني أنني سأوقظ المنزل، سأغلق النافذة.»
آرثر: «لم آتِ لهذا.»
صمت.
ثم قال:
آرثر: «هذا أفضل.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «أفضل من ماذا؟»
آرثر: «كل ما عزفته لي حتى الآن.»
كان صوته هادئاً.
لم تشعر أنه يجاملها.
وهذا جعل كلماته تصل أعمق.
إيزابيلا: «لم تكن مقطوعة.»
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «لم أعرف حتى ماذا كنت أعزف.»
آرثر: «أعرف.»
ضحكت بخفة رغم توترها.
إيزابيلا: «هل ستستمر في قول أعرف؟»
ظهرت ابتسامة خافتة.
آرثر: «إذا استمررتِ في قول أشياء أعرفها.»
نظرت إلى الكمان.
إيزابيلا: «كان فوضوياً.»
آرثر: «نعم.»
رفعت رأسها بسرعة.
إيزابيلا: «كان يمكنك الاعتراض قليلاً.»
آرثر: «لماذا؟»
دخل خطوة واحدة إلى الغرفة.
ثم توقف.
آرثر: «قلت لك ألا تعزفي شيئاً جميلاً.»
إيزابيلا: «وكان هذا قبيحاً؟»
هز رأسه.
آرثر: «كان حقيقياً.»
سقطت الكلمات بينهما بهدوء.
نظرت إليه.
وللمرة الأولى، لم تجد ما تقوله.
اقترب من النافذة.
مد يده وأغلقها.
إيزابيلا: «كنت أحتاج الهواء.»
آرثر: «وأنت ترتجفين الان.»
فقط حين قالها، أدركت أنها بالفعل ترتجف.
لم يكن واضحاً إن كان السبب البرد فقط.
عاد خطوة إلى الخلف.
عيناه وقعتا على وجهها.
ثم توقفتا عند أثر الرطوبة قرب عينها.
لم يسأل لماذا بكت.
شكرته بصمت على ذلك.
إيزابيلا: «هل تكره الموسيقى؟»
فاجأه السؤال.
آرثر: «لماذا تظنين ذلك؟»
إيزابيلا: «لأنك تعيش في قصر فيه غرفة موسيقى مغلقة.»
لم يجب.
إيزابيلا: «ولأنك تختار باخ عندما أسألك عن موسيقاك المفضلة وكأنك تجيب في امتحان.»
زفر بخفة.
إيزابيلا: «ولأنك لم تعزف ليلة أمس. ضغطت مفتاحاً واحداً فقط.»
اختفت الابتسامة من وجهه.
إيزابيلا: «أنا لا أسأل عن الجناح الشرقي.»
نظرت إليه مباشرة.
«أسأل عنك.»
كان السؤال بسيطاً.
لكن الصمت الذي تلاه لم يكن كذلك.
اقترب آرثر من الطاولة الصغيرة.
مرر أصابعه فوق ورقة نوتة فارغة، ثم تركها.
آرثر: «لا أكره الموسيقى.»
إيزابيلا: «إذن؟»
ظل صامتاً.
ثم رفع عينيه إليها.
آرثر: «هناك أشياء نحبها، ثم يحدث شيء يجعلنا نفضل أن نعيش من دونها.»
خفتت ملامحها.
هذه المرة لم تضغط عليه.
إيزابيلا: «هذا يبدو مرهقاً.»
ظهرت في عينيه دهشة بسيطة.
ربما توقع سؤالاً آخر.
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «أن تقضي حياتك تتجنب الأشياء التي تستطيع إيذاءك.»
نظر إليها طويلاً.
إيزابيلا نفسها لم تعرف من أين أتت الجملة.
ربما من الطريقة التي يغلق بها الأبواب.
ربما من طريقة حديثه عن القصر.
ربما من شيء رأته في عينيه حين خرج من غرفة الموسيقى.
تغير الهواء بينهما.
لم يقترب أحد.
لكن المسافة بينهما شعرت فجأة بأنها بدأت تقل.
قال آرثر:
آرثر: «وأنتِ؟»
إيزابيلا: «أنا ماذا؟»
آرثر: «ماذا تفعلين عندما يؤذيك شيء تحبينه؟»
توقفت.
كان بإمكانها الرد بمزحة.
وهذا ما تفعله عادة.
لكنها لم تفعل.
نظرت إلى الكمان بين يديها.
إيزابيلا: «على ما يبدو… أذهب لأعيش شهراً في قصر مع رجل لا يعرف كيف يتحدث مثل البشر.»
ساد الصمت ثانية.
ثم ضحك آرثر.
ضحكة منخفضة، حقيقية، خرجت من صدره لا من المجاملة.
ضحكت هي أيضاً.
وانكسر شيء ثقيل كان يملأ الغرفة.
أشار إلى الكمان.
آرثر: «اعزفيها غداً مرة أخرى.»
إيزابيلا: «قلت لك إنني لا أعرف ماذا عزفت.»
آرثر: «إذن اعزفي شيئاً آخر لا تعرفينه.»
هزت رأسها مبتسمة.
إيزابيلا: «أنت غريب جداً في التشجيع.»
آرثر: «لكنك تفهمينني.»
إيزابيلا: «لا تتفائل.»
تحرك نحو الباب.
تبعته بعينيها.
قبل أن يخرج، توقف.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «نعم؟»
استدار إليها.
كانت عيناه أكثر هدوءاً مما رأتهما منذ وصولها.
آرثر: «الليلة…»
توقف كأنه يبحث عن كلمة لا يستخدمها كثيراً.
«شكراً.»
اختفت ابتسامتها الساخرة.
إيزابيلا: «على ماذا؟»
نظر حوله.
إلى الغرفة.
إلى الممر خلفه.
إلى شيء أبعد منهما ربما.
ثم قال:
آرثر: «منذ سنوات، لم سمع هذا القصر يصدر أصواتاً مثل الأن.»
خفض صوته.
«أبواباً. ريحاً. خشباً قديماً. ساعات.»
عاد بنظره إليها.
«الليلة كانت أول مرة أشعر أنه يتنفس.»
لم تستطع الرد.
ظل ينظر إليها لحظة.
ثم غادر.
بقيت إيزابيلا واقفة، والكمان لا يزال في يدها.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن تتحرك.
وضعت الآلة برفق داخل علبتها.
أغلقتها.
ثم جلست عند حافة السرير.
كان قلبها هادئاً.
لكن ليس تماماً.
لم يكن ما قاله اعترافاً.
ولم يكن غزلاً.
وربما لهذا تحديداً أصابها بهذه القوة.
رفعت عينيها إلى الباب الذي خرج منه.
الرجل الذي التقت به قبل أربعة أيام فقط بدأ يتشقق ببطء أمامها.
شقوق صغيرة جداً.
تكاد لا تُرى.
لكن خلفها…
كان هناك شيء.
شيء دافئ.
وشيء موجع.
وشيء جعل فضولها تجاه بلاك وود يتراجع للمرة الأولى أمام فضول أخطر بكثير.
فضولها تجاه آرثر نفسه.
—————–
في الجناح الشرقي، بعد منتصف الليل بوقت طويل، فتح آرثر الباب المقفل.
دخل وحده.
كانت الغرفة مظلمة.
لم يشعل المصباح الرئيسي.
اكتفى بإضاءة صغيرة قرب الجدار.
ظهر البيانو الكبير تحت الغطاء الأبيض.
اقترب منه.
رفع الغطاء ببطء.
جلس.
بقيت يداه فوق ركبتيه.
لم يلمس المفاتيح.
في مكان ما عبر القصر، كان يستطيع أن يتذكر لحن الكمان الذي عزفته إيزابيلا.
الفوضوي.
الحزين.
الصادق.
رفع يده أخيراً.
وضع إصبعه فوق مفتاح واحد.
نفس المفتاح الذي ضغطه الليلة الماضية.
فا.
لكنه لم يعزفه.
ظل إصبعه فوقه لثوانٍ.
ثم سحب يده.
أغلق غطاء البيانو.
وغادر الغرفة.
هذه المرة، من دون أن يصدر منها أي صوت.
——————–
استيقظت إيزابيلا في صباح اليوم التالي قبل أن يرن المنبه.
فتحت عينيها ببطء، وبقيت مستلقية للحظات تحدق في السقف الخشبي فوقها، تحاول أن تفهم لماذا شعرت منذ اللحظة الأولى أن شيئاً ما تغيّر.
ثم تذكرت.
الكمان.
آرثر واقفاً عند باب غرفتها.
ذلك الحديث القصير الذي بدأ بالموسيقى وانتهى بشيء لم تستطع أن تجد له اسماً.
وجملته الأخيرة.
«الليلة كانت أول مرة أشعر أنه يتنفس.»
أغمضت عينيها ثانية.
لم يكن ينبغي لجملة كهذه أن تبقى معها حتى الصباح.
لكنها بقيت.
تقلبت على الجانب الآخر، ثم مدت يدها نحو الوسادة وضغطت وجهها فيها للحظة.
إيزابيلا: «هذا سخيف.»
قالتها بصوت خافت إلى نفسها.
فتحت عينيها ونظرت إلى الساعة.
السابعة واثنتا عشرة دقيقة.
ثم نهضت.
————
كان آرثر في غرفة الإفطار حين دخلت.
وللمرة الأولى، كان هو الذي وصل قبلها وبقي.
رفع رأسه من الصحيفة الإلكترونية أمامه.
آرثر: «صباح الخير.»
توقفت إيزابيلا نصف خطوة.
كانت جملة عادية تماماً.
لكن بعد الليلة الماضية بدت مختلفة.
إيزابيلا: «صباح الخير.»
جلست.
كان أمامها إبريق الشاي نفسه.
وشريحة الليمون.
لاحظت ذلك ولم تقل شيئاً.
آرثر أيضاً لم يعلق.
بدأت تصب لنفسها.
أخذ هو رشفة من قهوته.
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
إيزابيلا: «هل ندمت؟»
توقفت يده في منتصف الطريق إلى فنجانه.
آرثر: «على ماذا؟»
إيزابيلا: «على أنك قلت أكثر من خمس جمل شخصية في ليلة واحدة.»
نظر إليها.
إيزابيلا: «خشيت أن تستيقظ اليوم وتغلق نصف القصر تعويضاً.»
لم يتحرك وجهه في البداية.
ثم ظهرت تلك الابتسامة الخفيفة التي أصبحت تعرفها.
آرثر: «فكرت في الأمر.»
إيزابيلا: «كنت أعرف.»
آرثر: «لكنني قررت أن الأمر يتطلب جهداً إدارياً لا أملكه هذا الصباح.»
ابتسمت وهي ترفع كوبها.
إيزابيلا: «نجوت إذاً.»
نظر إليها لحظة قبل أن يعود إلى قهوته.
لم تشعر بالتوتر الذي توقعته.
وهذا كان مفاجئاً.
لم يتصرف كأنه نادم على الحديث.
ولم يتصرف أيضاً كأن شيئاً استثنائياً حدث.
كان هناك فقط نوع جديد من الراحة بينهما.
دقيق.
هش.
لكنه موجود.
دخلت السيدة غراهام ووضعت سلة خبز صغيرة بينهما.
آرثر: «هل لديك خطط هذا الصباح؟»
نظرت إليه إيزابيلا.
إيزابيلا: «أحاول عادة الانتظار حتى تنتهي الوجبة قبل أن أخطط لفشلي الفني التالي.»
آرثر: «اتركي الموسيقى اليوم.»
رفعت حاجبيها.
إيزابيلا: «من أنت؟ وكيف دخلت إلى قصر آرثر بلاك وود؟»
لم يبتسم هذه المرة.
أشار إلى النافذة.
آرثر: «الطقس جيد. سنخرج.»
إيزابيلا: «سنخرج؟»
آرثر: «أليست هذه كلمة واضحة؟»
إيزابيلا: «واضحة. لكنني أحاول فهم الجزء الذي يتضمنك أنت.»
رفع عينيه إليها.
إيزابيلا: «منذ وصلت، تبدو لي من النوع الذي يعتبر المشي إلى نهاية الممر نشاطاً اجتماعياً كافياً للأسبوع.»
ضحكت السيدة غراهام بصوت منخفض وهي تبتعد.
رمقها آرثر بنظرة، ثم عاد إلى إيزابيلا.
آرثر: «الأراضي المحيطة بالقصر جزء من تاريخه. إذا كنت تريدين فهم بلاك وود، فعليك أن تريها.»
إيزابيلا: «هذه دعوة مهنية إذاً.»
آرثر: «هل كنت تتوقعين شيئاً آخر؟»
كان السؤال عادياً.
لكن شيئاً خفيفاً استقر بينهما.
نظرت إليه ثانية، ثم إلى فنجانها.
إيزابيلا: «لا.»
رفعت الكوب إلى شفتيها.
«مجرد تأكد.»
لم يرد.
لكن حين قامت بعد دقائق لتغادر الغرفة، شعرت بعينيه تتبعانها للحظة أطول مما ينبغي.
بعد ساعة، كانت تقف أمام الإسطبلات.
وضعت يديها على خصرها ونظرت إلى آرثر.
إيزابيلا: «أنت لم تقل إننا سنركب الخيل.»
كان واقفاً بجوار فرس رمادية جميلة، يثبت حزام السرج بنفسه.
آرثر: «لو قلت، هل كنت سترفضين؟»
إيزابيلا: «لا.»
آرثر: «إذن لا مشكلة.»
إيزابيلا: «المشكلة أنني ارتديت المعطف الخطأ.»
رفع نظره إليها.
كان معطفها البني طويلاً قليلاً، لكنه عملي بما يكفي.
آرثر: «هذا المعطف؟»
إيزابيلا: «نعم.»
نظر إليه ثانية.
آرثر: «ما خطؤه؟»
إيزابيلا: «لا أعرف بعد. لكنني متأكدة أنني سأجد شيئاً ألومه عليه إذا سقطت.»
ظهر أثر ابتسامة في عينيه.
آرثر: «هل تعرفين الركوب؟»
تقدمت نحو الفرس.
إيزابيلا: «قليلاً.»
آرثر: «قليلاً كلمة خطيرة.»
مدت يدها إلى عنق الفرس، وتركت الحيوان يشم أصابعها قبل أن تمرر يدها برفق فوق شعره.
إيزابيلا: «تعلمت في طفولتي. ثم عدت إليه في بعض الإجازات. لن أفوز بسباق، لكنني لن أسقط عند أول منعطف أيضاً.»
راقب الطريقة التي تعاملت بها مع الفرس.
آرثر: «ميرا.»
إيزابيلا: «ماذا؟»
آرثر: «اسمها ميرا.»
ابتسمت وهي تكرر الاسم بصوت هادئ.
إيزابيلا: «ميرا.»
حركت الفرس أذنيها.
إيزابيلا: «على الأقل واحدة من سكان بلاك وود قدمت نفسها بلطف.»
آرثر: «هي أيضاً تعض إذا أزعجتها.»
نظرت إلى الفرس.
إيزابيلا: «بدأت أحبها أكثر.»
وصل العامل بفرس سوداء أخرى.
أخذ آرثر لجامها.
إيزابيلا: «وهذا؟»
آرثر: «أوريون.»
نظرت إلى الفرس الأسود ثم إليه.
إيزابيلا: «بالطبع.»
آرثر: «ماذا يعني ذلك؟»
إيزابيلا: «رجل يعيش في قصر اسمه بلاك وود، يرتدي الأسود نصف الوقت، ويختار حصاناً أسود اسمه أوريون.»
رفع حاجباً.
إيزابيلا: «هناك التزام كامل بالصورة.»
اقترب من ميرا.
آرثر: «ضعي قدمك هنا.»
إيزابيلا: «يمكنني الركوب وحدي.»
آرثر: «لم أقل إنك لا تستطيعين.»
ثبت السرج بيد، ومد الأخرى إليها.
ترددت للحظة.
ثم وضعت كفها في كفه.
كانت يده دافئة.
نفس الدفء الذي لاحظته يوم وصولها.
لكنها لاحظته الآن أكثر.
ربما لأن هذه المرة لم تكن مصافحة رسمية.
ثبتت قدمها، واستندت إلى يده، ودفعت بجسدها إلى أعلى.
ساعدها بحركة سريعة، واستقرت فوق السرج.
كان الأمر كله لا يتجاوز ثوانٍ.
ومع ذلك، حين أفلت يدها، بقي إحساس أصابعه حول كفها جزءاً من الثانية أكثر مما ينبغي.
رفعت عينيها إليه.
كان ينظر إلى حزام السرج، لا إليها.
إيزابيلا: «شكراً.»
آرثر: «لا تشكريني بعد. ما زال أمامنا الطريق.»
امتطى أوريون بخفة جعلتها تحدق به.
إيزابيلا: «قليلاً؟»
نظر إليها.
إيزابيلا: «هل تعلمت الركوب قليلاً أيضاً؟»
آرثر: «منذ كنت في الخامسة.»
إيزابيلا: «ممتاز. أحب الأشخاص المتواضعين.»
تحرك حصانه إلى الأمام.
آرثر: «وأنا أحب الأشخاص الذين يعرفون متى يتوقفون عن الكلام.»
تبعته.
إيزابيلا: «لا أظن أن صداقتنا ستنجح.»
سمعت ضحكته دون أن يلتفت.
———
غادرا حدود الحدائق المنظمة، ودخلا مساراً يمتد بين الأشجار.
كان الصباح بارداً، لكنه صافٍ.
تسللت أشعة الشمس من بين الأغصان العارية على هيئة خطوط فضية، وكان الصقيع لا يزال عالقاً فوق أطراف الأعشاب.
في البداية، سار آرثر أمامها.
ثم، بعد دقائق، خفف سرعة أوريون حتى أصبح بمحاذاتها.
لم يتحدثا كثيراً.
وللمرة الأولى، لم تشعر إيزابيلا بحاجة إلى ملء الصمت.
كان لصوت حوافر الخيل فوق الأرض الرطبة إيقاع خاص.
تنفس ميرا المنتظم.
صرير الأغصان.
طيور صغيرة تتحرك فوقهما.
نظرت إلى آرثر.
كان مختلفاً هنا أيضاً.
في القصر، يبدو دائماً كأنه يسيطر على المكان.
كل شيء مرتب حوله.
كل باب يعرف إلى أين يؤدي.
كل موعد محدد.
هنا لم يكن هناك مكتب، ولا أوراق، ولا هاتف على الطاولة.
ترك معطفه مفتوحاً.
وشعره، الذي يبدو دائماً مرتباً بعناية، تحرك قليلاً مع الريح.
كان أكثر بساطة.
وأقل حراسة.
التفت فجأة.
ضبطها تنظر.
لم تنزل عينيها فوراً.
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «لا شيء.»
آرثر: «كنت تنظرين.»
إيزابيلا: «وما المشكلة؟ أنت أيضاً تنظر إليّ عندما أتحدث.»
آرثر: «لم تكوني تتحدثين.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «كنت أفكر.»
آرثر: «هذا أخطر.»
إيزابيلا: «غالباً.»
سارا بضعة أمتار.
ثم سأل:
آرثر: «بماذا كنت تفكرين؟»
نظرت إلى الطريق أمامها.
إيزابيلا: «أنك تبدو مختلفاً خارج القصر.»
لم يجب.
إيزابيلا: «أقل…»
بحثت عن الكلمة.
آرثر: «أقل ماذا؟»
إيزابيلا: «انزعاجاً من العالم.»
ضحك بخفة.
آرثر: «ربما لأن العالم لا يصل إلى هنا كثيراً.»
إيزابيلا: «أنت تتحدث عنه كأنه مرض.»
آرثر: «أحياناً يتصرف كذلك.»
إيزابيلا: «ليس العالم كله سيئاً.»
آرثر: «لم أقل ذلك.»
إيزابيلا: «لكن يبدو أنك بنيت حياتك كأنك مقتنع به.»
أصبحت ملامحه أكثر هدوءاً.
ليس انغلاقاً كاملاً هذه المرة.
لكنه حذر.
آرثر: «أنت تطرحِين أسئلة كثيرة.»
إيزابيلا: «هذه ليست إجابة.»
آرثر: «لم أدّعِ أنها كذلك.»
زفرت.
إيزابيلا: «مستحيل.»
آرثر: «ها أنت تستخدمين الكلمة التي أكرهها.»
التفتت إليه بدهشة.
تذكرمرة أخرى.
الأشياء الصغيرة التي تقولها لا تمر عليه كما تظن.
ابتسمت رغماً عنها.
إيزابيلا: «إذن لنجرب سؤالاً أسهل.»
آرثر: «أشك في وجوده.»
إيزابيلا: «لماذا الهندسة المعمارية؟»
هذه المرة لم يغلق وجهه.
بقي ينظر إلى الطريق.
آرثر: «لأنني كنت أحب الرسم.»
إيزابيلا: «الرسم؟»
أومأ.
آرثر: «كنت أرسم مباني معظم الوقت. غرفاً. شوارع. بيوتاً لم تكن موجودة.»
إيزابيلا: «كم كان عمرك؟»
آرثر: «ست سنوات تقريباً.»
إيزابيلا: «هذا لطيف بشكل مفاجئ.»
نظر إليها.
إيزابيلا: «كنت أتوقع أنك خرجت من رحم أمك تحمل مخططاً هندسياً.»
آرثر: «كنت طفلاً طبيعياً.»
إيزابيلا: «لا دليل حتى الآن.»
ابتسم. ثم قال:
آرثر: «أحببت فكرة أن شيئاً يبدأ كخط فوق ورقة، ثم يصبح مكاناً يمكن لشخص ما أن يعيش داخله.»
نظرت إليه.
كانت الجملة مختلفة عن الصورة الباردة التي رسمتها له في الأيام الأولى.
إيزابيلا: «هذا أجمل سبب سمعته منذ وصلت.»
آرثر: «اعتبريه حادثاً.»
إيزابيلا: «متأخر. سأحتفظ به ضدك.»
تابعا السير.
بعد لحظات، سألها:
آرثر: «وأنت؟»
إيزابيلا: «أنا ماذا؟»
آرثر: «الكمان.»
خفضت عينيها إلى يديها فوق اللجام.
إيزابيلا: «كان اختيار أمي.»
آرثر: «أجبرتك؟»
إيزابيلا: «في البداية.»
ابتسمت وهي تتذكر.
«كنت في السادسة. أردت البيانو لأن صديقتي في المدرسة كانت تتعلمه، وأردت كل شيء كانت تملكه تقريباً في ذلك العمر.»
آرثر: «منطقي.»
إيزابيلا: «أمي أخذتني إلى مدرسة الموسيقى. وعندما رأتني أتعلق ببيانو العرض وتطلب مني المعلمة الانتظار دوري، قررت أن تعطيني آلة يمكنني حملها معي أينما ذهبت.»
آرثر: «فعاقبتك بالكمان.»
ضحكت.
إيزابيلا: «هذا تقريباً ما قلته لها أول شهر.»
أبطأت ميرا قليلاً عند بقعة موحلة.
تركتها إيزابيلا تختار طريقها.
إيزابيلا: «كرهت صوته في البداية. كنت سيئة جداً. الجيران اشتكوا مرتين.»
آرثر: «أجد صعوبة في تخيلك سيئة في شيء يتعلق بالموسيقى.»
نظرت إليه. الجملة خرجت منه ببساطة.
لكنها حملت شيئاً جعلها تصمت لحظة.
إيزابيلا: «كُنت كارثة.»
آرثر: «مؤسف أنني لم أسمع ذلك.»
إيزابيلا: «هناك تسجيل.»
التفت إليها.
إيزابيلا: «لن تسمعه أبداً.»
آرثر: «الآن أصبح الأمر هدفاً.»
إيزابيلا: «أفضّل إلغاء العقد.»
آرثر: «الأجر غير قابل للاسترداد.»
إيزابيلا: «سأعيده.»
آرثر: «كاذبة.»
ضحكت بصوت عالٍ.
نظر إليها آرثر لثانية.
ولم تعرف لماذا تغيرت نظرته عندها.
كأنه لم يكن ينظر فقط إلى امرأة تضحك.
بل إلى شيء يحب سماعه.
اختفت الفكرة من عقلها قبل أن تسمح لها بالتشكل.
———-
بعد نحو أربعين دقيقة، انفتحت الأشجار فجأة.
توقفت إيزابيلا.
كانت البحيرة أمامهما.
أكبر بكثير مما بدت من نافذة غرفتها.
امتد سطحها الرمادي الهادئ بين الأشجار، يعكس السماء الشتوية، وفي الطرف الآخر ظهر بناء حجري صغير نصف مختبئ بين أغصان اللبلاب.
إيزابيلا: «هذا المكان جميل.»
نزل آرثر عن حصانه.
آرثر: «أنت قلت شيئاً جيداً عن بلاك وود أخيراً.»
إيزابيلا: «قلت أشياء جيدة من قبل.»
آرثر: «قلت إن السقف جيد.»
إيزابيلا: «كان ذلك مدحاً عظيماً.»
ترجلت من فوق ميرا.
حين لامست قدماها الأرض، انزلقت قليلاً فوق الطين.
لم تسقط. لكن يد آرثر كانت عند مرفقها فوراً.
ثابتة.
سريعة.
إيزابيلا: «أنا بخير.»
لم يرفع يده مباشرة.
نظر إلى الأرض تحتها، ثم إلى وجهها.
آرثر: «أعرف.»
ومع ذلك، ظل ممسكاً بمرفقها لحظة أخرى.
ثم تركها.
كان لمساً بسيطاً.
لا شيء فيه رومانسي بوضوح.
لكنه جعل إيزابيلا تشعر بوعي مفاجئ بالمسافة بينهما.
ابتعدت خطوة وكأنها تريد رؤية البحيرة من زاوية أفضل.
ربط آرثر الحصانين إلى سياج خشبي قريب.
ثم أشار نحو البناء الحجري في الطرف الآخر.
آرثر: «سنمشي من هنا.»
إيزابيلا: «ما ذاك؟»
آرثر: «بيت صيفي قديم.»
نظرت إلى الجو البارد.
إيزابيلا: «مناسب جداً.»
آرثر: «كان كذلك قبل مئة عام.»
إيزابيلا: «وهل رممته أيضاً؟»
آرثر: «جزئياً.»
سارا بمحاذاة البحيرة.
كانت الأرض أكثر ليونة هنا، وبدأت إيزابيلا تفهم ما قصده بحذائها في اليوم السابق.
انغرست قدمها قليلاً في الطين.
نظرت إليه.
آرثر لم يقل شيئاً.
لكنها رأت ابتسامته.
إيزابيلا: «لا تقلها.»
آرثر: «لم أقل شيئاً.»
إيزابيلا: «وجهك يقول كل شئ.»
آرثر: «وجهي بريء.»
إيزابيلا: «وجهك مستفز.»
آرثر: «هذا تفسير شخصي.»
وصلوا إلى البيت الصغير.
كان مبنياً من الحجر الرمادي، بواجهة مفتوحة تطل على الماء ومقعد طويل في الداخل.
دخلت إيزابيلا.
إيزابيلا: «هنا أفضل.»
جلس آرثر عند طرف المقعد.
أخرج من حقيبة صغيرة كان يحملها قارورة ماء.
مدها إليها.
أخذتها.
إيزابيلا: «شكراً.»
جلست على الطرف الآخر.
بقيت بينهما مسافة مريحة.
لبعض الوقت، لم يتحدثا.
كانت البحيرة أمامهما ساكنة تماماً.
في مكان بعيد، عَبرَ طائر فوق سطح الماء ثم اختفى بين الأشجار.
قالت إيزابيلا:
إيزابيلا: «أظن أنني بدأت أفهم لماذا بقيت هنا.»
التفت إليها.
آرثر: «قلتِ إنكِ بدأت تفهمينني أمس أيضاً.»
إيزابيلا: «لا تتعلق بالأمر. أنا أراجع استنتاجاتي باستمرار.»
ابتسم.
إيزابيلا: «لكنني جادة.»
نظرت إلى الماء.
«لو كنت أملك مكاناً كهذا، قد أختفي أنا أيضاً لفترة.»
آرثر: «لفترة.»
التقطت اختلاف الكلمة.
إيزابيلا: «وأنت؟»
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «لم تختفِ لفترة.»
صمت.
إيزابيلا: «كم سنة وأنت تعيش هنا؟»
آرثر: «خمس تقريباً.»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «خمس سنوات؟»
أومأ.
إيزابيلا: «وكنت تعيش في لندن قبل ذلك؟»
آرثر: «بين لندن ونيويورك في الغالب.»
إيزابيلا: «ثم تركت كل ذلك؟»
آرثر: «لم أترك عملي.»
إيزابيلا: «لم أقل العمل.»
التقت عيناهما.
كانت تعرف أنها عادت لتقترب من الحدود.
لكنه لم يمنعها هذه المرة.
قال بعد لحظة:
آرثر: «كنت متعباً.»
إيزابيلا: «من العمل؟»
هز رأسه.
آرثر: «من الضوضاء.»
إيزابيلا: «تقول هذه الكلمة كثيراً.»
آرثر: «لأن الناس يصنعون الكثير منها.»
إيزابيلا: «لا أقصد الأصوات.»
لم يرد.
إيزابيلا: «أنت تتحدث عن الناس كما لو أن كل علاقة معهم تحتاج إلى ثمن.»
تحركت عيناه عنها نحو البحيرة.
عرفت أنها أصابت شيئاً فيه.
لم تكن تريد أن تضغط عليه.
لكنها أيضاً لم تعد ترغب في قبول هذه الجدران بينهما بمجرد أن يرفعها.
قالت بهدوء:
إيزابيلا: «لا يجب أن تجيب.»
ظل صامتاً.
مرت ثوانٍ.
ثم قال:
آرثر: «عندما تصل إلى مكان معين في الحياة، يصبح من الصعب أن تعرف من يريدك ومن يريد ما يستطيع الوصول إليه من خلالك.»
لم تتوقع الإجابة.
نظرت إليه.
لم يكن يتحدث بمرارة واضحة.
بل بهدوء رجل كرر الفكرة في رأسه مرات كثيرة حتى فقدت حدتها.
آرثر: «تتغير طريقة كلام الناس. طريقة دعوتهم لك. طريقة تذكرهم لوجودك.»
إيزابيلا: «والحل كان أن تختفي؟»
آرثر: «الحل كان أن أتوقف عن منح الجميع حق الدخول.»
إيزابيلا: «هذا ليس الشيء نفسه.»
آرثر: «بالنسبة إلي كان كافياً.»
صمتت. ثم قالت:
إيزابيلا: «حتى الآن؟»
التفت إليها.
السؤال خرج أكثر هدوءاً مما قصدت.
ظل ينظر إليها طويلاً.
إيزابيلا لم تحاول الابتسام.
لم تمزح. فقط انتظرت.
آرثر: «لا أعرف.»
كان أول اعتراف واضح بعدم اليقين تسمعه منه.
وبطريقة غريبة، أثّر فيها أكثر من كل إجاباته الحاسمة.
إيزابيلا: «هذه إجابة جيدة.»
رفع حاجبه.
آرثر: «لم أقل شيئاً تقريباً.»
إيزابيلا: «بالضبط. أنت تتحسن.»
ابتسم.
تغير الجو بينهما مرة أخرى.
لكن ليس إلى الخفة الكاملة.
بقيت بعض الجدية.
بعض القرب.
وبعض الأسئلة التي لم يقلها أحد.
بعد لحظات قال:
آرثر: «وأنتِ؟»
إيزابيلا: «أنا ماذا؟»
آرثر: «تسألينني لماذا أعيش هنا. لكنك أيضاً قبلتِ أن تعيشي شهراً كاملاً في مكان معزول مع رجل لم تعرفي عنه إلا اسمه وحسابه المصرفي.»
ضحكت.
إيزابيلا: «ليس الحساب المصرفي كله، للأسف.»
آرثر: «إيزابيلا.»
عرفت من نبرته أنه يريد إجابة حقيقية.
خفضت عينيها.
إيزابيلا: «كنت أحتاج أن أختفي قليلاً أيضاً.»
آرثر لم يقاطعها.
إيزابيلا: «ليس من الناس بالضرورة.»
ترددت.
«من النسخة التي أصبحتها بينهم.»
بقي ساكناً.
إيزابيلا: «عندما بدأت الموسيقى، كنت أعزف لأنني أحبها. ثم بدأت المسابقات. وبعدها الحفلات. ثم المقالات، المقابلات، العقود…»
حركت أصابعها فوق زجاجة الماء.
«وفي مرحلة ما، أصبح هناك دائماً شخص يريد شيئاً مني. أداءً أفضل. صورة أفضل. برنامجاً أكثر جرأة. اسماً أكبر على الملصق.»
آرثر: «وهذا لا يشبه ما قلته أنا كثيراً؟»
رفعت عينيها إليه.
إيزابيلا: «ربما نحن متشابهان أكثر مما يريحني.»
آرثر: «قلت لك ذلك من قبل.»
إيزابيلا: «قلت إننا لسنا مختلفين كثيراً لأننا نبني أشياء من أفكار.»
آرثر: «ما زلت أرى أنني كنت محقاً.»
إيزابيلا: «لا تتعود على سماع هذه الجملة مني.»
ابتسم.
ثم قال:
آرثر: «هل فكرتِ في التوقف؟»
فوجئت بالسؤال.
إيزابيلا: «عن الموسيقى؟»
أومأ.
نظرت إلى البحيرة.
إيزابيلا: «نعم.»
خرجت الكلمة بهدوء.
لم تقلها بهذه الصراحة لأحد من قبل.
شعرت بها ثقيلة بعدما أصبحت في الهواء.
آرثر لم يتحرك.
إيزابيلا: «مرة واحدة فقط.»
توقفت.
«أو ربما أكثر من مرة، لكن واحدة منها كانت جدية.»
آرثر: «متى؟»
إيزابيلا: «قبل ثلاثة أشهر.»
أدار جسده قليلاً نحوها.
إيزابيلا: «كنت في فيينا. حفل كبير. كل شيء سار كما يجب. وقوف، تصفيق، مراجعات ممتازة في اليوم التالي.»
ابتسمت بلا فرح.
«عدت إلى الفندق، وضعت الكمان في علبته، ونظرت إليه حوالي عشر دقائق.»
آرثر: «وماذا فكرتِ؟»
إيزابيلا: «أنني إذا لم أفتحه في اليوم التالي، ربما لن أفتحه أبداً.»
بقي صامتا. وهي لم تقل شيئاً آخر.
ثم سأل:
آرثر: «لكنّك فتحته.»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «نعم.»
آرثر: «لماذا؟»
هذه المرة، ابتسمت.
ابتسامة صغيرة حقيقية.
إيزابيلا: «لأنني جبانة أكثر من أن أترك الشيء الوحيد الذي أعرف كيف أكون نفسي داخله.»
راقبها.
ثم قال:
آرثر: «لا يبدو هذا جبناً.»
إيزابيلا: «ماذا يبدو؟»
آرثر: «أنك لم تكرهي الموسيقى.»
انتظرت.
آرثر: «كنت تكرهين ما حدث بينك وبينها.»
سكنت ملامحها.
الجملة أصابتها في مكان أعمق مما توقعت.
نظرت إليه.
لم تعرف ماذا تقول.
لأول مرة منذ وصولها، لم يكن آرثر فقط الشخص الذي تقرأه.
كان يقرأها أيضاً. وبشكل مخيف قليلاً.
قالت بعد وقت:
إيزابيلا: «أكره عندما تكون محقاً.»
آرثر: «تقولينها كثيراً.»
إيزابيلا: «لأنك تستمتع بها كثيراً.»
رفع كتفه قليلاً.
آرثر: «من حقي.»
دفعت كتفه بخفة بطرف يدها.
الحركة خرجت منها دون تفكير.
وتوقفت فوراً.
هو أيضاً توقف.
كان مجرد لمس عابر فوق معطفه.
لكنها شعرت به أكثر مما ينبغي.
سحبت يدها.
إيزابيلا: «لا تتكبر.»
نظر إلى الموضع الذي لمسته فيه، ثم إليها.
شيء دافئ مر في عينيه.
آرثر: «سأحاول.»
أبعدت نظرها إلى البحيرة.
ولم تستطع منع الابتسامة.
——————-
في طريق العودة، تركا الخيل تمشي ببطء.
كانت إيزابيلا أكثر هدوءاً.
لم يكن الحديث الذي دار بينهما ثقيلاً بالمعنى السيئ.
بل ترك فيها إحساساً غريباً بالراحة.
كما لو أنها وضعت شيئاً كانت تحمله طويلاً على الأرض لدقائق.
مروا بين الأشجار.
ثم انحرفت ميرا فجأة قليلاً حين تحرك أرنب بين الأعشاب.
شدت إيزابيلا اللجام سريعاً.
إيزابيلا: «مهلاً… ميرا.»
استقرت الفرس.
لكن الحركة دفعتها إلى الأمام فوق السرج.
كان آرثر قد اقترب بالفعل.
آرثر: «اتركي يدك مرتخية.»
إيزابيلا: «أنا مسيطرة.»
آرثر: «أعرف. لكنك شددت اللجام أكثر من اللازم.»
خفضت يدها قليلاً.
اقترب أوريون حتى أصبح بمحاذاتها.
مد آرثر يده.
أخذ اللجام من فوق أصابعها للحظة ليعدل وضع يدها.
آرثر: «هكذا.»
كانت أصابعه فوق أصابعها.
دافئة.
ثابتة.
قريبة.
رفعت عينيها.
هو أيضاً رفع عينيه.
توقف الاثنان.
لم يتحرك أحد.
كانت يده ما تزال فوق يدها.
كل شيء حولهما بدا فجأة أبعد.
الأشجار.
الحوافر.
الريح.
حتى صوت تنفس الخيل.
شعرت إيزابيلا لأول مرة بوعي واضح أنه ليس مجرد رجل مثير للفضول.
كان رجلاً جذاباً.
بشكل مزعج.
وقريباً جداً.
تحرك إبهامه دون قصد فوق جانب إصبعها.
أو ربما قصد.
لم تعرف.
اتسعت اللحظة أكثر مما ينبغي.
ثم أبعد آرثر يده.
آرثر: «هكذا أفضل.»
خرج صوته أكثر انخفاضاً.
إيزابيلا: «نعم.»
قالتها بسرعة أكبر مما أرادت.
سارا.
لم يتحدثا قرابة دقيقة.
ثم قالت، دون أن تنظر إليه:
إيزابيلا: «كنت مسيطرة.»
سمعت ضحكته.
آرثر: «بالطبع.»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «لا تكن مستفزاً.»
آرثر: «أنا؟»
إيزابيلا: «نعم، أنت.»
عاد شيء من الخفة بينهما.
لكن اللحظة السابقة لم تختفِ.
بقيت هناك.
تحت الكلام.
حين وصلا إلى الإسطبلات، ترجل آرثر أولاً.
جاء إلى جانب ميرا.
رفع يده إليها.
نظرت إيزابيلا إلى كفه.
ثم إلى وجهه.
كان يمكنها النزول وحدها.
وقد فعلت ذلك آلاف المرات.
لكنه لم يسحب يده.
أعطاها فقط الخيار.
وضعت كفها في كفه.
ساعدها على النزول.
هذه المرة، حين وصلت قدماها إلى الأرض، وجدت نفسها أقرب إليه مما توقعت.
قريبة إلى درجة أنها اضطرت إلى رفع رأسها قليلاً لتنظر إليه.
يده ما تزال حول يدها.
يده الأخرى استقرت، للحظة قصيرة، عند جانب خصرها لتثبتها.
لم يتحرك أحد.
أنفاسهما لم تكن متسارعة.
لا شيء درامياً.
وهذا جعل اللحظة أكثر خطورة.
لأنها كانت هادئة.
طبيعية.
قريبة أكثر مما ينبغي.
شعرت إيزابيلا بدفء يده حتى من خلال طبقات ملابسها.
نظر آرثر إلى وجهها.
هبّت نسمة وحركت خصلة من شعرها، فألصقتها بخدها.
تحركت عينه إليها.
رفع يده قليلاً.
توقفت إيزابيلا عن التنفس دون أن تعرف لماذا.
لكنه لم يلمس وجهها.
أمسك فقط ورقة صغيرة جافة كانت عالقة في شعرها.
سحبها.
رفعها أمامها.
آرثر: «الغابة قررت الاحتفاظ بجزء منك.»
نظرت إلى الورقة.
ثم إليه.
إيزابيلا: «وهل سمحت لها؟»
ثبتت عيناه في عينيها.
آرثر: «لا.»
جاءت الكلمة هادئة جداً.
أهدأ من أن تكون مزاحاً.
اختفت ابتسامتها بالتدريج.
كانت يده ما تزال قريبة من شعرها.
ثم أنزلها.
وتراجع خطوة.
آرثر: «سأراك على العشاء.»
ابتعد.
بقيت إيزابيلا واقفة بجوار ميرا، تراقبه وهو يغادر الإسطبلات.
رفعت الفرس رأسها نحوها.
التفتت إليها إيزابيلا.
إيزابيلا: «لا تنظري إلي هكذا.»
حركت ميرا أذنيها.
إيزابيلا: «لم يحدث شيء.»
دفعتها الفرس بأنفها بخفة عند كتفها.
ضحكت إيزابيلا.
إيزابيلا: «أنت أيضاً مستفزة.»
———–
في المساء، جلست إيزابيلا وحدها في غرفتها.
كان دفتر النوتة مفتوحاً أمامها.
لكنها لم تكن تفكر في الورقة العالقة في شعرها.
ولا في يده عند خصرها.
ولا في الطريقة التي قال بها «لا».
هكذا حاولت إقناع نفسها على الأقل.
حملت القلم.
وضعت أول نغمة.
ثم ثانية.
هذه المرة، لم تبدأ المقطوعة بالحزن.
كان هناك شيء مختلف.
إيقاع خفيف في البداية.
متردد.
كخطوتين تمشيان جنباً إلى جنب دون أن تعرفا بعد إلى أين تتجهان.
أعادت العزف.
ثم أضافت جملة ثانية.
دخلت فيها النغمة التي سمعتها في الجناح الشرقي.
فا.
لكنها لم تكن وحيدة هذه المرة.
أحاطت بها نغمات أخرى.
رفعت إيزابيلا رأسها فجأة.
نظرت إلى الورقة.
ثم إلى باب غرفتها.
ابتسمت.
إيزابيلا: «حسناً…»
عادت إلى الكتابة.
«الآن بدأنا نتكلم.»
————-
في الجهة الأخرى من القصر، كان آرثر في مكتبه.
أمامه مخططات مشروع جديد.
قرأ السطر نفسه ثلاث مرات.
ثم وضع القلم.
أدار كرسيه نحو النافذة.
لا شيء في الخارج سوى الظلام وانعكاس ضوء مكتبه على الزجاج.
رفع يده.
كانت الورقة الجافة الصغيرة لا تزال بين أصابعه.
لم يعرف لماذا لم يلقها.
حدق فيها.
شيء سخيف.
ورقة بنية صغيرة سقطت من شجرة.
لا معنى لها.
ولا يجب أن يكون لها أي معنى.
فتح درج المكتب.
كان على وشك أن يرميها داخله.
توقف.
ثم وضعها فوق الطاولة بدلاً من ذلك.
أعاد فتح الملف أمامه.
وبعد أقل من دقيقة، سمع صوت الكمان من الجناح الآخر.
لكن هذه المرة، لم يكن اللحن حزيناً.
رفع آرثر رأسه.
استمع.
دخلت في وجهه ابتسامة صغيرة من دون أن ينتبه.
وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكداً إن كان بلاك وود هو الذي بدأ يتغير…
أم أنه هو.
———————
لم تستطع إيزابيلا أن تحدد اللحظة التي أصبح فيها وجود آرثر جزءاً من إيقاع يومها.
لم يحدث الأمر بقرار.
ولم يكن هناك صباح استيقظت فيه وقالت لنفسها إن الرجل الغامض الذي استقبلها ببرود عند بوابة بلاك وود أصبح مهماً بطريقة ما.
كانت المسألة أكثر خبثاً من ذلك. تسللت إليها عبر تفاصيل صغيرة.
فنجان القهوة السوداء الذي تجده أمامه كل صباح.
صوت خطواته في الممر قبل أن يظهر.
طريقته في رفع عينه عن شاشة حاسوبه عندما تدخل غرفة الطعام، حتى إن عاد إليها بعد ثانية.
الجملة الساخرة التي تعرف أنه سيقولها إذا تأخرت.
النظرة التي يلقيها على أوراقها المبعثرة كلما دخل غرفتها بإذن أو بدونه.
وصمته.
حتى صمته أصبح له أشكال تعرفها.
الصمت الذي يعني أنه يعمل.
الصمت الذي يعني أنه غاضب.
الصمت الذي يخفي ابتسامة.
والصمت الذي يخبرها بوضوح أنها اقتربت من منطقة لا يريد أحداً فيها.
كان هذا الأخير أكثر ما يثير فضولها.
—————-
في اليوم السادس، حملت إيزابيلا أوراقها ونزلت إلى المكتبة في الثامنة صباحاً.
لم تجد آرثر في غرفة الإفطار.
لم تسأل عنه.
وهذا ما أقنعت نفسها به، رغم أنها نظرت إلى كرسيه الفارغ مرتين قبل أن تضع قطعة الخبز جانباً.
عملت ساعة كاملة.
ثم ساعة ثانية.
في العاشرة والنصف، سمعت باب المكتبة يفتح.
لم ترفع رأسها فوراً.
قالت وهي تكتب:
إيزابيلا: «إذا كنت السيدة غراهام، فأنا أعدك أنني أكلت.»
آرثر: «مؤسف.»
توقفت يدها.
رفعت رأسها.
كان يقف عند الباب.
يرتدي معطفاً داكناً، وقطرات ماء صغيرة تلمع فوق كتفيه.
إيزابيلا: «أين كنت؟»
خرج السؤال أسرع مما أرادت.
لاحظ.
وهي أيضاً لاحظت.
استدركت:
إيزابيلا: «أقصد… لأنك لم تحضر الإفطار.»
رفع حاجباً.
آرثر: «كنت في موقع العمل.»
إيزابيلا: «منذ الصباح؟»
آرثر: «منذ السادسة.»
نظرت إلى الساعة.
إيزابيلا: «أنت شخص مزعج.»
اقترب.
آرثر: «لماذا هذه المرة؟»
إيزابيلا: «لأنك تجعل الاستيقاظ في السابعة يبدو كسلاً.»
خلع معطفه ووضعه فوق ظهر أحد المقاعد.
آرثر: «يمكنك الاستيقاظ في السادسة.»
إيزابيلا: «يمكنني أيضاً رمي نفسي في البحيرة. لا يعني هذا أنه قرار جيد.»
ابتسم.
ثم وقعت عيناه على الأوراق أمامها.
آرثر: «كيف تسير الأمور؟»
نظرت إلى النوتة.
إيزابيلا: «أفضل.»
اقترب من الطاولة.
كانت قد كتبت جزءاً جديداً في الليلة الماضية، ثم عدلت عليه طوال الصباح.
آرثر: «هل أسمع؟»
لم تجبه فوراً.
رفعت عينيها إليه.
إيزابيلا: «أنت طلبت.»
آرثر: «نعم.»
إيزابيلا: «بدون أن أضطرك.»
آرثر: «يبدو أنك تحتاجين إلى توثيق اللحظة.»
إيزابيلا: «كنت أفكر فعلاً في كتابتها في التقويم.»
جلس مقابلها.
إيزابيلا نظرت إليه ثانيتين.
ثم أغلقت دفترها.
آرثر: «لن تعزفي؟»
إيزابيلا: «لا.»
آرثر: «لماذا؟»
إيزابيلا: «لأنك الآن تريد سماعها.»
آرثر: «وهذا سيئ؟»
إيزابيلا: «قليلاً.»
انعقد حاجباه.
إيزابيلا: «كنت مرتاحة أكثر عندما كنت تكره كل ما أعزفه.»
آرثر: «لم أكره كل ما تعزفينه.»
إيزابيلا: «شكراً. هذا دعم عاطفي ساحق.»
مد يده إلى الدفتر.
وضعت كفها فوقه قبل أن يصل إليه.
توقفت يده.
كانت أصابعها فوق الغلاف.
وأصابعه على الطرف الآخر.
نظرت إلى يده.
ثم إليه.
إيزابيلا: «ممنوع.»
آرثر: «أنا صاحب العمل.»
إيزابيلا: «وأنا الفنانة.»
آرثر: «المغرورة.»
إيزابيلا: «التي دفعت لها مبلغاً غير منطقي.»
أطلق زفيراً يشبه الضحكة.
ثم سحب يده.
آرثر: «حسناً.»
رفعت الدفتر وضمته إلى صدرها.
إيزابيلا: «ستسمعها عندما تصبح جاهزة.»
آرثر: «منذ متى وأنت تحبين أن تكون الأشياء جاهزة؟»
توقفت.
عرفت أنه يعيد عليها كلامها.
كل حديثهما تقريباً أصبح هكذا.
أشياء صغيرة تُقال مرة، ثم تعود بعد أيام في مكان آخر.
قالت:
إيزابيلا: «أتذكر كل شيء، أليس كذلك؟»
نظر إليها.
آرثر: «الأشياء المهمة.»
ساد الصمت.
قصير.
لكن الكلمة بقيت أطول مما يجب.
الأشياء المهمة.
لم تسأله إن كان يقصد كلامها فقط.
خشيت أن تعرف.
أو ربما خشيت ألا يكون يقصد أكثر من ذلك.
فتحت الدفتر مجدداً.
إيزابيلا: «لدي سؤال.»
آرثر: «هذا ليس خبراً.»
إيزابيلا: «عن الحفل.»
تغيرت نبرته إلى العمل.
آرثر: «تفضلي.»
إيزابيلا: «كم شخصاً سيحضر؟»
آرثر: «حوالي مئتين.»
رفعت رأسها.
إيزابيلا: «مئتان؟»
آرثر: «تقريباً.»
إيزابيلا: «قلت حفلاً خاصاً.»
آرثر: «هو خاص.»
نظرت إليه وكأنه فقد عقله.
إيزابيلا: «مئتا شخص عندك مناسبة حميمة؟»
آرثر: «كان يمكن أن يكون خمسمئة.»
إيزابيلا: «هذا لا يساعد.»
نظر إلى قلقها باهتمام.
آرثر: «هل العدد يزعجك؟»
إيزابيلا: «لا.»
ثم ترددت.
«ليس بهذه الطريقة.»
آرثر: «بأي طريقة؟»
أغلقت القلم.
إيزابيلا: «العزف أمام مئتي شخص لا يخيفني. عزفت أمام أكثر.»
آرثر: «إذن؟»
نظرت حولها إلى المكتبة.
«هذه المقطوعة مختلفة.»
بقي ينتظر.
إيزابيلا: «عادة عندما أصعد المسرح، أعرف ما سأعزفه. أعرف العمل. أعرف تاريخه. أعرف كيف يتنفس.»
خفضت صوتها.
«أما هذه… فهي لي.»
آرثر: «أليس هذا أفضل؟»
ابتسمت بمرارة.
إيزابيلا: «ليس دائماً.»
اقترب بجسده قليلاً فوق الطاولة.
آرثر: «لأنهم سيحكمون عليك؟»
هزت رأسها.
إيزابيلا: «لأنني هذه المرة لن أملك شخصاً آخر أختبئ وراءه.»
فهم.
رأت ذلك في عينيه.
آرثر: «موزارت لن يتحمل اللوم.»
إيزابيلا: «بالضبط.»
ابتسمت.
ثم أضافت:
«إذا أحبوها، ستكون لي. وإذا كرهوها، ستكون لي أيضاً.»
ظل ينظر إليها.
ثم قال:
آرثر: «إذن اجعليها لك بما يكفي كي لا يهم.»
رفعت عينيها.
لم تكن الجملة مزخرفة.
لم يحاول تشجيعها بطريقة كبيرة.
ومع ذلك، استقرت داخلها مباشرة.
إيزابيلا: «أنت تتحسن في التشجيع.»
آرثر: «لا تعتادي.»
في الأيام التالية، حدث أمر لم يخطط له أي منهما.
بدأ آرثر يدخل في عملية تأليف المقطوعة.
ليس باعتباره موسيقياً.
لم يكن واحداً.
ولم يدّع ذلك.
بل باعتباره الشخص الوحيد في بلاك وود الذي تجرأت إيزابيلا على تشغيل المقاطع غير المكتملة أمامه.
كان يستمع بطريقة مختلفة.
لا يقول «جميل».
ولا «رائع».
ولا يسأل لماذا غيرت السرعة أو المقام.
كان يقول أشياء من نوع:
«هنا شعرت أنك عدت إلى ما كنت تفعلينه من قبل.»
أو:
«هذا الجزء يبدو كأنك تحاولين إقناع شخص ما.»
أو، في إحدى المرات:
«أحب البداية. أكره النهاية.»
أوقفت إيزابيلا العزف.
إيزابيلا: «تكرهها؟»
كان جالساً على الأريكة قرب النافذة، يقرأ ملفاً.
آرثر: «نعم.»
إيزابيلا: «هل لديك سبب موسيقي محترم؟»
آرثر: «لا.»
إيزابيلا: «ممتاز. رأي خبير.»
عاد إلى ملفه.
آرثر: «قلتِ إنك لا تريدين رأياً موسيقياً.»
حدقت فيه.
إيزابيلا: «ولماذا تكرهها؟»
رفع عينيه.
آرثر: «لأنها تنتهي بسهولة.»
عبست.
آرثر: «كل شيء يتوتر لدقيقتين، ثم فجأة تحلينه وكأنك خفتِ من ترك المستمع في مكان غير مريح.»
سكتت.
نظر إليها.
آرثر: «هل أخطأت؟»
نظرت إلى النوتة.
ثم أخذت قلمها وشطبت آخر أربعة أسطر.
آرثر: «سأعتبر هذا اعترافاً.»
إيزابيلا: «سأعتبره سبباً لطردك من الغرفة.»
لكنه بقي.
وبقيت هي تعزف.
كانا يختلفان كثيراً.
حول الموسيقى.
حول العَمارة.
حول الأفلام.
حول الكتب.
حول الإفطار.
حول ما إذا كان المطر جميلاً أم مجرد ماء يفسد الأحذية.
حتى حول ترتيب الأثاث في المكتبة.
وكانت إيزابيلا تكتشف شيئاً جديداً كلما اختلفا.
آرثر لا يرفع صوته بسهولة.
كلما انزعج، أصبح أكثر هدوءاً.
وهذا، في رأيها، أكثر استفزازاً من الصراخ.
وهو اكتشف أنها حين تعرف أنها مخطئة تبدأ في الحديث أسرع.
وحين تكون غاضبة حقاً لا تمزح إطلاقاً.
في اليوم التاسع، عرف كلاهما هذا الأخير.
بدأ الخلاف بأمر تافه.
كانت إيزابيلا تعمل في قاعة الموسيقى الصغيرة الموجودة في الجناح الغربي، وهي القاعة التي سمح لها آرثر باستخدامها بدلاً من غرفتها.
وضعت أوراقها في كل مكان.
فوق البيانو.
فوق المقعد.
حتى على الأرض.
دخل آرثر في الرابعة تقريباً.
كان يتحدث في الهاتف.
ألقى عليها نظرة سريعة، ثم واصل حديثه قرب النافذة.
لم تهتم.
واصلت كتابة مقطعها.
سمعت كلمات متفرقة.
ميزانية.
موعد.
باريس.
توقفت يدها لحظة.
رفعت عينيها.
ظهر الاسم مرة أخرى.
«باريس».
لكن آرثر خفض صوته وتحرك بعيداً.
أعادت نظرها إلى الورق.
ليس من شأنها.
بعد دقائق، أنهى المكالمة.
آرثر: «سأكون في لندن غداً.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «طوال اليوم؟»
آرثر: «على الأرجح.»
إيزابيلا: «حسناً.»
أخذ إحدى الأوراق من فوق المقعد ليجلس.
انتفضت.
إيزابيلا: «لا.»
توقف.
إيزابيلا: «لا تحركها.»
آرثر: «كانت على المقعد.»
إيزابيلا: «أعرف أين كانت.»
أعادها.
آرثر: «لن ألمس شيئاً.»
جلست.
حاولت العودة إلى العمل.
لم تستطع.
قالت بعد قليل:
إيزابيلا: «باريس؟»
رفع نظره.
آرثر: «ماذا عنها؟»
إيزابيلا: «سمعتك تذكرها.»
تغير شيء بسيط في وجهه.
إيزابيلا لاحظته.
آرثر: «اجتماع عمل.»
إيزابيلا: «غداً؟»
آرثر: «لا. لندن غداً.»
سكتت.
ثم قالت:
إيزابيلا: «أقصد باريس.»
آرثر: «ماذا تريدين أن تعرفي؟»
هذه النبرة.
الباردة.
الرسمية.
ظهرت فجأة كأن الأيام الماضية لم تكن موجودة.
إيزابيلا: «لا شيء.»
آرثر: «إذن؟»
وضعت القلم.
إيزابيلا: «كنت أسأل فقط.»
آرثر: «وهذا كل شيء.»
لم تحب الطريقة التي أنهى بها الحديث.
قالت:
إيزابيلا: «حسناً.»
لكن نبرتها قالت العكس.
عرف.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «ماذا؟»
آرثر: «قولي ما تريدين قوله.»
رفعت عينيها إليه.
إيزابيلا: «أنت الذي لا تريد قول شيء.»
آرثر: «إنه اتصال عمل.»
إيزابيلا: «لم أسألك عن تفاصيل حساباتك البنكية.»
آرثر: «إذن لا أفهم المشكلة.»
إيزابيلا: «لا توجد مشكلة.»
نهضت.
بدأت تجمع الأوراق.
آرثر: «أنت غاضبة.»
إيزابيلا: «وأنت عبقري ملاحظ.»
آرثر: «قلتِ إنك لا تحبين عندما أصمت، والآن عندما أجيبك لا يعجبك الجواب أيضاً.»
توقفت يدها.
إيزابيلا: «لم أقل يوماً إنني لا أحب عندما تصمت.»
نظر إليها.
إيزابيلا: «قلت إنك تستخدم الصمت لتمنع الناس من الاقتراب.»
آرثر: «وها أنت تفسرينه بالطريقة التي تناسبك.»
شعرت بشيء يشتعل في صدرها.
إيزابيلا: «أنا لا أفسر شيئاً.»
آرثر: «تفعلين ذلك منذ وصلت.»
صمتت.
كان يمكنه أن يتوقف.
لكنه لم يفعل.
آرثر: «تنظرين إلى كل باب مغلق وكأن وراءه قصة تخصك. إلى كل كلمة لا أشرحها كأنني أخفي عنك شيئاً يجب أن تعرفيه.»
اختفى كل أثر للمزاح من وجهها.
إيزابيلا: «أنا لم أقل إن من حقي معرفة شيء.»
آرثر: «لكن تصرفك يقول ذلك.»
تأذّت.
ولأنها تأذت، غضبت أكثر.
إيزابيلا: «تعرف ماذا؟ أنت محق.»
جمعت أوراقها بسرعة.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «أنا هنا لأكتب موسيقى. نسيت ذلك قليلاً.»
تقدم خطوة.
آرثر: «لم أقل هذا.»
إيزابيلا: «لكن ربما كان يجب أن تقوله منذ البداية.»
أغلقت حقيبتها.
آرثر: «أنت تبالغين.»
ضحكت دون مرح.
إيزابيلا: «طبعاً.»
رفع يده إلى جبينه للحظة، وكأنه بدأ يندم على الحوار.
لكنها كانت قد تجاوزت النقطة التي يمكن أن تتراجع فيها بسهولة.
إيزابيلا: «لا تقلق. لن أسألك أين تذهب، ولا من تتصل به، ولا لماذا لديك جناح كامل مقفل، ولا لماذا تتصرف يوماً وكأنني أقرب شخص إليك في هذا القصر ثم في اليوم التالي تذكرني أنني ضيفة تتدخل فيما لا يعنيها.»
ساد الصمت.
هذه المرة عرف كلاهما أن شيئاً مختلفاً قيل.
شيء لم يكن عن باريس.
ولا عن الهاتف.
ثبت آرثر نظره فيها.
آرثر: «هل هذا ما تظنينه؟»
إيزابيلا: «لا أعرف ماذا أظن معك.»
جاء الرد أسرع من تفكيرها.
رأت أثره على وجهه.
ثانية واحدة فقط.
ثم عاد الجدار.
آرثر: «ربما من الأفضل ألا تحاولي.»
تجمدت.
كانت الجملة هادئة.
وهذا جعلها أقسى.
التقطت حقيبتها.
إيزابيلا: «ربما.»
وغادرت.
———–
لم تأتِ إلى العشاء.
سأل آرثر السيدة غراهام مرة واحدة فقط.
آرثر: «هل أكلت؟»
السيدة غراهام: «طلبت حساءً إلى غرفتها.»
أومأ.
لم يقل شيئاً.
جلس إلى الطاولة وحده.
كان ذلك شيئاً فعله لسنوات.
آلاف المرات ربما.
لكن في تلك الليلة، بدت الطاولة أطول.
رفع كأس الماء.
وضعه.
نظر إلى المقعد الذي اعتادت أن تجلس فيه.
فارغ.
لا صوت يقول له إن الطعام يستحق أن ينظر إليه.
لا تعليق على عاداته.
لا سؤال غير مرحب به.
لا ضحكة.
كره أنه لاحظ ذلك.
وكره أكثر أنه افتقدها.
أما إيزابيلا، فقد كانت غاضبة من نفسها بقدر غضبها منه.
جلست قرب المدفأة في غرفتها، وطبق الحساء على الطاولة لم تمسه إلا مرتين.
لماذا يهمها إن ذهب إلى باريس؟
لماذا يهمها أصلاً ماذا قال في مكالمة عمل؟
هي هنا بعقد.
بقي لها أسابيع قليلة.
ستنتهي المقطوعة.
سيقام الحفل.
ستغادر.
هذه هي الخطة.
كانت واضحة منذ البداية.
فتحت دفترها.
حاولت الكتابة.
كتبت نغمتين.
شطبتها.
وقفت.
مشت نحو النافذة.
كان المطر قد بدأ.
ضرب الزجاج بخفة.
تذكرت وجه آرثر حين قالت:
«لا أعرف ماذا أظن معك.»
ثم كلمته:
«ربما من الأفضل ألا تحاولي.»
ضغطت شفتيها.
إيزابيلا: «رائع.»
عادت إلى الكمان.
فتحت العلبة.
ثم أغلقتها.
لم تستطع العزف.
ولأول مرة منذ أيام، لم يكن سبب ذلك أنها لا تشعر بشيء.
كان السبب أنها تشعر بأكثر مما تريد.
————-
في الصباح التالي، غادر آرثر إلى لندن قبل أن تستيقظ.
عرفت من السيدة غراهام.
حاولت ألا تسأل متى سيعود.
فشلت.
إيزابيلا: «هل سيعود الليلة؟»
قالتها بينما تقلب الشاي.
رفعت السيدة غراهام عينيها إليها.
السيدة غراهام: «من المفترض.»
إيزابيلا: «لم أكن أسأل لسبب خاص.»
ابتسمت المرأة.
إيزابيلا: «أنا فقط… أريد أن أعرف إن كان العشاء سيكون في موعده.»
السيدة غراهام: «بالطبع.»
إيزابيلا: «ولا تبتسمي هكذا.»
السيدة غراهام: «لم أقل شيئاً.»
إيزابيلا: «هذا أسوأ.»
قضت إيزابيلا يومها كله تعمل.
أو تحاول.
ذهبت إلى المكتبة.
إلى الحديقة.
حتى إلى الغرفة الزجاجية الصغيرة في الجناح الجنوبي التي اكتشفتها قبل يومين.
كل شيء بدا طبيعياً.
ومع ذلك، كان هناك فراغ خفيف في المكان.
أصبح بلاك وود هادئاً أكثر من اللازم.
عند الظهيرة، كتبت مقطعاً جديداً.
كانت فيه خشونة لم تكن موجودة من قبل.
نغمتان تتقاربان.
ثم تنفصلان.
تحاول إحداهما العودة.
فتمنعها الأخرى.
أعادت عزفه.
ثم أوقفته بعصبية.
إيزابيلا: «مثير للشفقة.»
لكنها لم تمزق الورقة.
————
حل المساء.
لم يعد آرثر.
تناولت العشاء وحدها.
الساعة الثامنة والنصف.
التاسعة.
العاشرة.
كانت تقرأ في المكتبة حين سمعت سيارة في الخارج.
رفعت رأسها فوراً.
ثم أغضبها أنها رفعت رأسها فوراً.
أغلقت الكتاب.
بقيت مكانها.
سمعت الباب الرئيسي.
صوتاً بعيداً للسيدة غراهام.
خطوات.
لم يتحرك أحد نحو المكتبة.
بعد خمس دقائق، نهضت.
قالت لنفسها إنها ستعود إلى غرفتها.
وحين خرجت، وجدته في الممر.
توقفا.
كان يبدو مرهقاً.
ربطة عنقه مرتخية.
معطفه على ذراعه.
وتحت عينيه ظل خفيف لم تلاحظه من قبل.
قال:
آرثر: «مساء الخير.»
إيزابيلا: «مساء الخير.»
تحركت لتتجاوزه.
آرثر: «إيزابيلا.»
توقفت.
لم تستدر فوراً.
آرثر: «هل يمكن أن نتحدث؟»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «الآن؟»
آرثر: «إذا لم تكوني متعبة.»
كان من السهل أن تقول لا.
وربما كان يجب.
لكنها لم تفعل.
إيزابيلا: «حسناً.»
دخلا غرفة الجلوس الصغيرة قرب المكتبة.
أشعل آرثر مصباحاً جانبياً فقط.
كانت النار في المدفأة منخفضة.
لم يجلس مباشرة.
وضع معطفه فوق المقعد.
ثم وقف أمامها.
إيزابيلا أيضاً بقيت واقفة.
كانت تنتظر.
قال:
آرثر: «كنت قاسياً بالأمس.»
لم تتوقع اعتذاراً بهذه السرعة.
ولا بهذه طريقة المباشرة.
لكنها لم تساعده.
إيزابيلا: «كنت.»
أومأ.
آرثر: «وأنت كنت فضولية.»
حدقت فيه.
آرثر: «لكن هذا لا يبرر طريقتي.»
كادت تبتسم.
لكن لم تفعل.
إيزابيلا: «تقدّم.»
آرثر: «في ماذا؟»
إيزابيلا: «الاعتذار.»
زفر بخفة.
آرثر: «أنا أعتذر.»
إيزابيلا: «أفضل.»
ساد صمت قليل.
هذه المرة لم يكن بارداً.
قال:
آرثر: «باريس مرتبطة بمشروع قديم.»
رفعت يدها قليلاً.
إيزابيلا: «لا يجب أن تشرح لي.»
آرثر: «أعرف.»
توقف.
«لكني أريد أن أفعل.»
اختفت دفاعيتها قليلاً.
آرثر: «لدينا مشروع هناك تأخر كثيراً. الاجتماع كان بخصوصه.»
لم يذكر أكثر.
ولم تطلب.
إيزابيلا: «حسناً.»
اقترب من المدفأة.
آرثر: «المشكلة ليست في أنك سألتِ.»
ثم أضاف بعد لحظة:
«المشكلة أنني تعودت على اعتبار السؤال محاولة للدخول إلى مكان لا أريد أحداً فيه.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «وأنا لست مسؤولة عما فعله الأشخاص قبلي.»
أدار وجهه إليها.
إيزابيلا: «إذا كنت ستتعامل معي كل مرة كأنني شخص آخر، فلن أعرف كيف أتكلم معك.»
ابتلع رده.
كانت محقة.
عرفت من صمته.
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «لا. أظن أنك بدأت تعرف.»
رفع حاجبه.
ظهرت ابتسامة خفيفة جداً.
إيزابيلا: «لا تبتسم. ما زلت غاضبة.»
آرثر: «واضح.»
إيزابيلا: «جيد.»
أصبح السُكون أهدأ.
اقتربت من المدفأة وجلست أخيراً.
بقي هو واقفاً لحظات ثم جلس في المقعد المقابل.
قالت بعد وقت:
إيزابيلا: «وأنا أيضاً بالغت.»
نظر إليها.
إيزابيلا: «ليس لأنني سألت.»
ترددت.
«لكن لأنني…»
توقفت.
آرثر: «لأنك؟»
نظرت إلى النار.
إيزابيلا: «لا أعرف.»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
آرثر: «إجابة جيدة.»
ألقت عليه نظرة حادة.
إيزابيلا: «لا تستخدم كلامي ضدي.»
آرثر: «مستحيل.»
إيزابيلا: «آرثر.»
ضحك.
وانتهى الجزء الأصعب من الخلاف هناك.
ليس لأنهما حلا كل شيء.
بل لأنهما اختارا ألا يتركا الجدار يرتفع مجدداً أكثر.
بعد دقائق، جاءت السيدة غراهام بصينية طعام صغيرة.
آرثر: «لم أطلب شيئاً.»
السيدة غراهام: «أعرف.»
وضعت أمامه حساءً وخبزاً.
ثم نظرت إلى إيزابيلا.
السيدة غراهام: «تأكدي أنه يأكل.»
غادرت.
نظر آرثر إلى الباب.
ثم إلى إيزابيلا.
إيزابيلا: «أحبها.»
آرثر: «بدأت ألاحظ.»
إيزابيلا: «كُل.»
آرثر: «لا أشعر بالجوع.»
إيزابيلا: «كنت أنت من يحاضرني عن الإغماء الدرامي.»
نظر إليها.
إيزابيلا: «الكون عادل.»
رفع الملعقة.
إيزابيلا: «أحسنت.»
آرثر: «لا تتحدثي معي كطفل.»
إيزابيلا: «كُل أولاً ثم ناقش مكانتك.»
لم يستطع منع ضحكته.
راقبته وهي تشعر بشيء دافئ يستقر في صدرها.
كان الخلاف قد كشف لها أمراً لم تكن تريد معرفته.
لم يعد الأمر مجرد فضول.
لم تعد تستمتع بوجوده فقط.
لقد أزعجها غيابه.
وهذا أخطر.
في اليوم التالي، لم يعودا إلى الحديث عن الشجار.
لكنه بقي بينهما بطريقة مختلفة.
كأنه كسر شيئاً كان يجب أن ينكسر.
ذلك الحذر الزائد.
بدأت إيزابيلا تدخل مكتبه أحياناً وهي تحمل النوتة، تجلس على الأريكة وتعمل بينما يقرأ هو.
لا يتحدثان بالضرورة.
لكن وجود الآخر أصبح طبيعياً.
وفي إحدى الأمسيات، استيقظ آرثر من غفوة قصيرة فوق كرسيه ليجد بطانية خفيفة فوق ساقيه.
نظر نحو الأريكة.
كانت إيزابيلا نائمة هناك، ودفترها مفتوح فوق صدرها.
ظل ينظر إليها لوقت أطول مما يحق له.
خصل شعرها مبعثرة حول وجهها.
شفتيها منفرجتان قليلاً.
يدها ما تزال تمسك القلم.
كان يمكنه إيقاظها.
لم يفعل.
اقترب بهدوء.
أخذ الدفتر من فوق صدرها حتى لا يسقط.
ثم سحب البطانية الأخرى من ظهر الأريكة ووضعها عليها.
توقفت يده لحظة عند كتفها.
لم يلمسها.
لكنه أراد.
وهذه كانت المشكلة.
سحب يده.
وابتعد.
جلس إلى مكتبه.
لكن عينيه عادت إليها أكثر من مرة.
————
بعد يومين، حدث العكس.
كانت إيزابيلا تعمل في المكتبة حتى ساعة متأخرة.
دخلت مكتب آرثر لتسأله عن كتاب وجدته في الأرشيف.
لم يجب عندما طرقت.
فتحت الباب قليلاً.
كان نائماً فوق مكتبه.
رأسه مستند إلى ذراعه.
القلم لا يزال بين أصابعه.
توقفت عند الباب.
لم تره هكذا من قبل.
بلا سيطرة.
بلا انتباه.
بلا تلك الصلابة التي يحملها حتى وهو جالس.
دخلت بخطوات هادئة.
رأت فنجان قهوة بارد إلى جانبه.
وملفات كثيرة مفتوحة.
وضعت الكتاب فوق الرف.
ثم التقطت معطفه من ظهر المقعد.
اقتربت.
فردته فوق كتفيه بحذر.
تحرك قليلاً.
تجمدت.
لكنه لم يستيقظ.
نظرت إليه.
من هذه المسافة، بدا التعب واضحاً في وجهه.
مدت يدها دون تفكير.
كادت تزيح خصلة شعر سقطت فوق جبينه.
توقفت قبل أن تلمسه.
ظل إصبعها معلقاً في الهواء لحظة.
ثم سحبته.
همست لنفسها:
إيزابيلا: «لا.»
استدارت لتخرج.
جاء صوته خلفها، خشناً من النوم:
آرثر: «تهربين؟»
توقفت.
التفتت ببطء.
كان قد فتح عينيه.
إيزابيلا: «كنت نائماً.»
آرثر: «لاحظت.»
نظر إلى المعطف فوق كتفيه.
ثم إليها.
آرثر: «هذا منك؟»
إيزابيلا: «لا. شبح بلاك وود حنون جداً.»
رفع رأسه.
كان لا يزال نصف نائم.
وهذا جعله أقل حراسة من المعتاد.
آرثر: «شكراً.»
إيزابيلا: «لا تعتد.»
ابتسم.
كانت تستدير حين قال:
آرثر: «إيزابيلا.»
نظرت إليه.
آرثر: «تصبحين على خير.»
إيزابيلا: «وأنت أيضاً.»
خرجت.
لم ترَ أنه بقي ينظر إلى الباب بعد أن أغلقته.
————-
مر الأسبوع الثاني أسرع من الأول.
المقطوعة بدأت تأخذ شكلاً.
والحفل بدأ يتحول من فكرة بعيدة إلى شيء حقيقي.
وصل فريق الإضاءة.
عمال الزينة.
مهندسو الصوت.
امتلأت القاعة الكبرى بالصناديق والأسلاك.
أصبح قصر بلاك وود أكثر صخباً.
وكان آرثر يكره ذلك.
عرفت إيزابيلا من الطريقة التي يشد بها فكه كلما سمع صوت مثقاب.
قالت له مرة:
إيزابيلا: «القصر يتنفس، أتذكر؟»
نظر إليها بينما كان عاملان يحملان صندوقاً ضخماً.
آرثر: «حالياً القصر يعاني نوبة ربو.»
ضحكت.
———–
في مساء اليوم الرابع عشر، تغيّر الطقس.
لاحظت إيزابيلا ذلك أثناء التدريب.
كانت تقف في القاعة الكبرى حين ضربت الريح النوافذ العالية دفعة واحدة.
اهتز الزجاج.
رفع بعض العمال رؤوسهم.
نظرت إيزابيلا نحو الخارج.
كانت السماء قد تحولت إلى لون رمادي داكن ثقيل.
دخل آرثر من الباب الجانبي، يتحدث مع أحد المشرفين.
اقتربت منه.
إيزابيلا: «يبدو أن المطر سيزداد.»
رفع نظره إلى النوافذ.
آرثر: «ليس مطراً.»
إيزابيلا: «ماذا؟»
آرثر: «ثلج.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «بهذه السرعة؟»
آرثر: «توقعوا عاصفة منذ الصباح.»
عقدت حاجبيها.
إيزابيلا: «ولم تقل لي؟»
نظر إليها.
آرثر: «كنت سأفعل.»
إيزابيلا: «متى؟ بعد أن نجد أنفسنا مدفونين تحت مترين من الثلج؟»
آرثر: «مبالغة جميلة.»
إيزابيلا: «تعلمت من أفضل شخص في التقليل من المعلومات.»
ظهر في عينيه اعتذار خفيف.
ثم قال:
آرثر: «ستبدأ خلال ساعات. لا يفترض أن تكون خطيرة، لكننا سننهي العمل مبكراً.»
إيزابيلا: «والعمال؟»
آرثر: «سيغادرون الآن.»
نظرت إلى النوافذ.
هبّت الريح مرة أخرى.
أقوى.
لسبب لم تعرفه، شعرت بارتعاش خفيف في بطنها.
ليس خوفاً تماماً.
شيء آخر.
العاصفة ستغلق القصر.
ستعيده إلى حالته الأولى.
بعيداً عن العالم.
لكن هذه المرة لن تكون وحدها فيه مع رجل غريب.
وهذه الفكرة نفسها كانت مريحة ومقلقة معاً.
بعد ساعة، غادرت آخر سيارة.
أُغلقت البوابات.
عاد الصمت إلى بلاك وود.
لكن الخارج لم يكن ساكنا.
بدأ الثلج.
في البداية خفيفاً.
ثم كثف بسرعة.
وقفت إيزابيلا أمام نافذة الردهة تراقبه وهو يغطي السلالم والحديقة.
جاء آرثر من خلفها.
كان يحمل جهازاً لوحياً ويقرأ آخر تحديث للطقس.
إيزابيلا: «جميل.»
وقف بجوارها.
آرثر: «قلتِ إن المطر جميل أيضاً.»
إيزابيلا: «الثلج أجمل.»
آرثر: «حتى تنقطع الكهرباء.»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «هل يمكن أن تنقطع؟»
آرثر: «لدينا مولد احتياطي.»
إيزابيلا: «هذا ليس جواباً مطمئناً.»
آرثر: «كنت أحاول.»
إيزابيلا: «تحتاج تدريباً.»
نظر إلى الخارج.
تراكم الثلج على الأشجار.
قال:
آرثر: «ستبقين في الداخل الليلة.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «هل يبدو لك أنني كنت أخطط للخروج؟»
آرثر: «أنت خرجت حافية في أول ليلة.»
إيزابيلا: «لن تتوقف عن استخدام ذلك ضدي، أليس كذلك؟»
آرثر: «لا.»
ابتسمت.
استدار ليغادر.
فقالت:
إيزابيلا: «آرثر.»
توقف.
إيزابيلا: «هل العاصفة فعلاً غير خطيرة؟»
كانت هذه المرة جادة.
عاد إليها.
لاحظ القلق الذي حاولت إخفاءه.
آرثر: «بلاك وود مرّ بأسوأ من هذا.»
إيزابيلا: «لم أسأل عن القصر.»
صمت.
فهم ما تقصد.
قال بهدوء:
آرثر: «نحن بأمان.»
لم تعرف لماذا كان وقع الجملة مختلفاً حين قال «نحن».
أومأت.
إيزابيلا: «حسناً.»
ابتعد.
وبعد خطوات، سمعها تقول:
إيزابيلا: «آرثر.»
التفت للمرة الثانية.
ابتسمت قليلاً.
إيزابيلا: «إذا انقطعت الكهرباء، سأحمّلك المسؤولية شخصياً.»
هز رأسه.
آرثر: «بالطبع.»
في التاسعة، اشتدت العاصفة.
في العاشرة، اختفت الحديقة تماماً خلف الستار الأبيض.
وفي العاشرة وثلاث عشرة دقيقة، انطفأت الأنوار.
مرة واحدة.
بلا إنذار.
وغرق قصربلاك وود في الظلام.
كانت إيزابيلا في غرفتها.
توقفت.
ثم قالت:
إيزابيلا: «آرثر.»
كأن اسمه هو الشخص المسؤول فعلاً عن شبكة الكهرباء في إنجلترا.
انتظرت أن يعمل المولد.
ثانية.
ثانيتان.
خمس.
لا شيء.
ظهر ضوء هاتفها.
فتحت الباب.
الممر مظلم.
إيزابيلا: «رائع.»
تحركت نحو الدرج.
كان الهواء أبرد مما كان قبل ساعة.
سمعت صوتاً من الأسفل.
آرثر.
يتحدث مع أحد العاملين الباقين.
ثم رأته يظهر عند أسفل السلم حاملاً مصباحاً يدوياً.
رفع الضوء.
وقع عليها.
آرثر: «ابقَي مكانك.»
إيزابيلا: «لماذا؟»
آرثر: «لأنني لا أريد أن تسقطي.»
إيزابيلا: «أعرف كيف أنزل سلماً.»
آرثر: «في الظلام؟»
إيزابيلا: «هاتفي فيه ضوء.»
صعد إليها.
إيزابيلا: «المولد؟»
آرثر: «لم يبدأ تلقائياً.»
إيزابيلا: «هل هذا سيئ؟»
آرثر: «ليس بالضرورة.»
تغير صوت الريح خارج النوافذ.
ضرب شيء ما الزجاج بعيداً.
التفتت إيزابيلا نحوه.
آرثر لاحظ.
آرثر: «غصن فقط.»
إيزابيلا: «أنا لا أخاف.»
آرثر: «لم أقل إنك تخافين.»
إيزابيلا: «تعبير وجهك قال هذا.»
ظهرت ابتسامة خفيفة رغم الموقف.
آرثر: «تعالي.»
إيزابيلا: «إلى أين؟»
آرثر: «غرفة المعيشة الشرقية. المدفأة فيها تعمل بالحطب.»
توقفت.
إيزابيلا: «الشرقية؟»
نظر إليها.
إيزابيلا: «ليست الجناح الشرقي.»
آرثر: «لا.»
إيزابيلا: «فقط أتأكد.»
مد يده.
ليس لأنها تحتاجها.
ربما لأن السلم مظلم.
وربما لأسباب أخرى لم يقلها أحد.
نظرت إلى كفه المفتوحة.
ثم وضعت يدها فيها.
أغلق أصابعه حولها.
بثبات.
ونزلا معاً.
خارج القصر، دوّت الريح كأن شيئاً هائلاً يحاول اقتلاع بلاك وود من الأرض.
أما في الداخل، فلم تكن إيزابيلا تسمع بوضوح سوى وقع خطوتيهما…
وإحساس يد آرثر حول يدها، الذي لم يتركها حتى بعد أن وصلا إلى آخر درجة.
يتبع
التعليقات 0