
لم يترك آرثر يدها حين وصلا إلى آخر درجة.
إيزابيلا هي التي لاحظت ذلك أولاً.
كانت يده لا تزال مغلقة حول يدها، وأصابعه تحيط بأصابعها بثبات وكأن الظلام وحده سبب كافٍ ليبقيها قريبة منه.
أما هو، فكان يرفع المصباح بيده الأخرى، يراقب الممر أمامهما.
إيزابيلا لم تقل شيئاً.
ولم تسحب يدها.
سارا هكذا بضع خطوات أخرى.
ثم أضاء هاتفها فجأة داخل جيبها بوصول رسالة متأخرة، فانكسرت اللحظة.
نظر آرثر إلى أيديهما.
وكأنه انتبه الآن فقط.
تركها.
شعرت إيزابيلا ببرودة فورية في أصابعها.
وهذا أزعجها أكثر مما ينبغي.
أشار آرثر إلى باب عريض في نهاية الممر.
آرثر: «من هنا.»
دخلت خلفه.
كانت غرفة المعيشة أصغر من القاعة الرئيسية وأكثر دفئاً في تصميمها؛ جدران خشبية داكنة، أريكتان عميقتان، طاولة منخفضة، ومكتبة صغيرة تغطي أحد الجدران.
أما المدفأة الحجرية، فكانت تشغل منتصف الجدار المقابل تقريباً.
وضع آرثر المصباح فوق الطاولة.
آرثر: «سأشعل النار أولاً.»
إيزابيلا: «وأنا؟»
التفت إليها.
آرثر: «أنت ماذا؟»
إيزابيلا: «هل أجلس وأتفرج عليك تعمل؟»
آرثر: «يمكنك القيام بذلك بكفاءة كبيرة، على ما أظن.»
وضعت يديها على خصرها.
إيزابيلا: «أستطيع المساعدة.»
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «لكن؟»
آرثر: «لكنني لا أحتاج مساعدة في وضع ثلاثة أخشاب داخل مدفأة.»
إيزابيلا: «رجل مستقل جداً.»
آرثر: «أحاول.»
ركع أمام المدفأة.
راقبته إيزابيلا وهو يرفع الشبكة الحديدية، ويرتب قطع الخشب الجافة فوق بعضها.
لم تكن هذه أول مرة تراه يعمل بيديه.
لكن شيئاً في المشهد كان مختلفاً.
ربما لأنه لم يكن مرتدياً معطفه الرسمي.
ربما لأن الضوء الوحيد جاء من المصباح الموضوع خلفه.
أو لأن القصر كله، بلا كهرباء، بدا كأنه عاد مئة عام إلى الوراء.
ضغط آرثر قداحة طويلة.
اشتعلت الورقة أولاً.
ثم بدأت النار تلتهم الخشب ببطء.
ارتفع الضوء البرتقالي فوق وجهه.
تراجعت إيزابيلا خطوة وجلست عند طرف الأريكة.
إيزابيلا: «جميل.»
ظل آرثر ينظر إلى النار.
آرثر: «لا تعتادي عليها.»
إيزابيلا: «لماذا؟»
آرثر: «سأحاول تشغيل المولد.»
رفعت رأسها.
إيزابيلا: «الآن؟»
آرثر: «نعم.»
نظرت إلى النافذة.
لم يعد بالإمكان رؤية شيء خلفها.
الثلج والريح اندمجا في ستار أبيض كثيف.
إيزابيلا: «أين المولد؟»
آرثر: «في المبنى الخلفي.»
اتسعت عيناها.
إيزابيلا: «في الخارج؟»
آرثر: «الممر إليه مسقوف.»
نهض.
إيزابيلا: «لن تخرج في هذا الطقس.»
توقف.
ثم نظر إليها ببطء.
آرثر: «أنت قبل نصف ساعة كنت غاضبة لأنني أطلب منك البقاء في الداخل.»
إيزابيلا: «أنا أملك حق التناقض.»
آرثر: «واضح.»
التقط معطفه من فوق ظهر المقعد.
وقفت.
إيزابيلا: «أنا جادة.»
آرثر: «وأنا أيضاً.»
إيزابيلا: «يمكنه الانتظار.»
آرثر: «المولد يشغل أنظمة أساسية في المنزل، ومنها مضخات المياه وبعض أنظمة الحماية.»
إيزابيلا: «إذن خذ أحد العاملين.»
آرثر: «فعلت. السيد هاريس ينتظرني عند الممر الخلفي.»
توقفت.
شعرت ببعض الارتياح.
لكنه لاحظه.
آرثر: «لن أذهب وحدي.»
إيزابيلا: «جيد.»
ارتدى معطفه.
ثم تناول مصباحاً آخر من أحد الأدراج.
إيزابيلا: «كم ستتأخر؟»
رفع عينيه إليها.
للمرة الثانية في أقل من يوم، خرج منها السؤال بطريقة أكثر شخصية مما أرادت.
حاولت تداركه.
إيزابيلا: «حتى أعرف متى أبدأ بالذعر على الطعام داخل الثلاجات.»
اقترب منها خطوتين.
توقفت ابتسامته عند عينيه.
آرثر: «عشر دقائق.»
إيزابيلا: «إذا صارت إحدى عشرة؟»
آرثر: «ابدئي بكتابة وصيتي.»
حدقت فيه.
إيزابيلا: «ليس مضحكاً.»
اختفت المزحة من وجهه.
تغيرت نظرته.
اقترب خطوة إضافية.
آرثر: «إيزابيلا.»
لم تجبه.
آرثر: «لن يحدث شيء.»
قالها بهدوء شديد.
لم يكن يعدها بشيء لا يملكه.
فقط يطمئنها.
أومأت.
إيزابيلا: «عشر دقائق.»
آرثر: «عشر دقائق.»
ثم خرج.
———
في الدقيقة الأولى، جلست.
في الدقيقة الثالثة، وقفت.
في الدقيقة الخامسة، سارت إلى النافذة.
لم تر شيئاً.
في الدقيقة السابعة، عادت إلى المدفأة.
ألقت قطعة خشب جديدة فوق النار.
في الدقيقة التاسعة، أمسكت هاتفها.
لا إشارة.
الإنترنت انقطع مع الكهرباء.
في الدقيقة العاشرة، حدقت إلى الباب.
مرّت ثلاثون ثانية.
ثم دقيقة.
إيزابيلا: «كاذب.»
قالتها بصوت خافت.
في الدقيقة الثانية عشرة، سمعت صوت الباب الخارجي البعيد.
ثم خطوات.
بعد ثوانٍ دخل آرثر.
انخفض كتفاها فوراً.
ولم يعجبها أن جسدها سبق عقلها بهذه الطريقة.
كان شعره مبتلاً قليلاً من الثلج الذي دخل من أطراف الممر، وعلى جانب معطفه آثار ماء.
إيزابيلا: «قلت عشر دقائق.»
أغلق الباب خلفه.
آرثر: «كانت اثنتي عشرة.»
إيزابيلا: «لاحظت.»
بدأ يخلع قفازيه.
إيزابيلا: «المولد؟»
آرثر: «مفتاح التحويل علق بسبب انخفاض مفاجئ في التيار. سيعمل خلال دقيقة.»
وكأنه استجاب له، عاد ضوء خافت إلى المصابيح الجانبية.
ليس بالقوة المعتادة.
لكنه كان ضوءاً.
تنفست إيزابيلا براحة.
آرثر: «لن نشغل التدفئة المركزية بكامل طاقتها الليلة. سأحافظ على حمل المولد للأنظمة الأساسية.»
إيزابيلا: «إذن المدفأة ستبقى.»
آرثر: «نعم.»
خلع معطفه.
عندها رأت الدم.
كان خطاً صغيراً يمتد فوق جانب يده اليمنى.
تحركت نحوه فوراً.
إيزابيلا: «ماذا حدث ليدك؟»
نظر إليها.
ثم إلى يده.
كأنه لم ينتبه.
آرثر: «لا شيء.»
إيزابيلا: «هذه الجملة لا تعمل عندما يكون هناك دم واضح.»
أخذت يده قبل أن يعترض.
توقف.
حتى هي لم تفكر قبل أن تفعل.
كانت أصابعه باردة جداً.
تقريباً مثل الثلج.
أما الجرح فكان سطحياً، لكنه أطول مما بدا من بعيد.
إيزابيلا: «كيف حصل هذا؟»
آرثر: «بسبب قطعة معدن.»
إيزابيلا: «يجب تعقيمه.»
آرثر: «إيزابيلا، إنه خدش.»
رفعت رأسها.
إيزابيلا: «وأنا لا أريد الاستماع إلى رجل أصيب بعدوى لأن رجولته لم تسمح له باستخدام مطهر.»
حدق فيها.
آرثر: «رجولتي بخير، شكراً لقلقك.»
إيزابيلا: «إذن اجعلها تجلس.»
أشارت إلى الأريكة.
نظر إليها ثانية.
ثم جلس دون نقاش.
اتسعت عيناها.
إيزابيلا: «يا إلهي.»
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «أطعتني من أول مرة.»
آرثر: «لا تفسدي اللحظة.»
كادت تضحك.
أحضرت صندوق الإسعافات من الخزانة التي أشار إليها.
ثم جلست أمامه على الطاولة المنخفضة.
أخذت يده مجدداً.
هذه المرة، شعرت به يراقبها.
ولم يكن ينظر إلى الجرح.
فتحت قطعة قطن.
وضعت المطهر عليها.
إيزابيلا: «سيؤلم قليلاً.»
آرثر: «سأحاول أن أكون شجاعاً.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «إذا بكيت، لن أخبر أحداً.»
مررت القطن فوق الجرح.
لم يتحرك.
إيزابيلا: «حتى أنك لا تملك روحاً درامية.»
آرثر: «خيبت أملك.»
إيزابيلا: «قليلاً.»
ركزت على يده.
كانت كبيرة فعلاً.
أصابع طويلة.
خطوط دقيقة عند المفاصل.
وبعض الندوب الصغيرة التي لم تلاحظها من قبل.
قالت:
إيزابيلا: «لديك ندوب كثيرة.»
آرثر: «العمل في مواقع البناء يفعل ذلك.»
إيزابيلا: «ظننت أن المليارديرات يشيرون إلى الأشياء فقط، ثم يقوم بها الآخرون.»
آرثر: «هل هذا رأيك فيّ؟»
رفعت عينيها.
إيزابيلا: «كان.»
توقف شيء بينهما.
آرثر: «وكان؟»
إيزابيلا: «قبل أن أعرفك.»
خرجت الجملة ببساطة.
لكن يد آرثر تحركت قليلاً داخل يدها.
لا ليسحبها.
بل كأنه استجاب للكلمات دون قصد.
خفضت إيزابيلا نظرها.
وضعت الضماد.
إيزابيلا: «انتهينا.»
لكنها لم تترك يده.
ولا هو سحبها.
مرّت ثانية.
اثنتان.
ثلاث.
كانت كفها أسفل كفه.
وإبهامها ما يزال قريباً من معصمه.
شعرت بنبضه.
سريعاً قليلاً.
رفعت عينيها إليه.
كان ينظر إليها مباشرة.
هذه المرة لم يكن هناك شيء يحميهما من اللحظة.
لا مزاح.
لا موسيقى.
لا شخص ثالث.
لا عمل.
فقط صوت النار.
والعاصفة تضرب النوافذ.
ويده داخل يدها.
قال آرثر بهدوء:
آرثر: «أنت قلقة عليّ.»
أطلقت يده فوراً.
إيزابيلا: «كنت قلقة على السجاد. الدم صعب التنظيف.»
لم يبعد عينيه عنها.
آرثر: «بالطبع.»
إيزابيلا: «لا تبدأ.»
آرثر: «لم أقل شيئاً.»
إيزابيلا: «مرة اخرى تعابير وجهك تقول كل شئ.»
ابتسم.
إيزابيلا: «أصبحت أكره هذه الجملة.»
آرثر: «أنت من اخترعها.»
ابتعدت عن الطاولة وجلست في الطرف الآخر من الأريكة.
كان عليها أن تضع مسافة.
لم تعرف لماذا.
ربما لأنها بدأت تفهم أن المشكلة لم تعد في الأشياء التي يقولها.
بل في الأشياء التي لا يقولها.
بعد نصف ساعة، كان البرد قد بدأ يتسلل إلى الغرفة رغم المدفأة.
أضاف آرثر مزيداً من الحطب.
إيزابيلا رفعت قدميها فوق الأريكة وضمت ذراعيها حول نفسها.
لاحظ.
بالطبع لاحظ.
آرثر: «أنت تشعرين بالبرد.»
إيزابيلا: «أنا بخير.»
آرثر: «هذه جملتي.»
إيزابيلا: «سرقتها.»
نهض.
اختفى دقائق قليلة.
ثم عاد يحمل بطانيتين صوفيتين.
ألقى واحدة إليها.
التقطتها.
إيزابيلا: «شكراً.»
لفتها حول كتفيها.
جلس في الأريكة المقابلة.
فتح جهازه اللوحي.
لم يعمل الاتصال.
أغلقه.
إيزابيلا: «مصيبة.»
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «أنت بلا عمل.»
آرثر: «يمكنني العمل دون إنترنت.»
إيزابيلا: «أنت تحتاج تدخلاً طبياً.»
وضع الجهاز جانباً.
آرثر: «ماذا تقترحين أن نفعل؟»
إيزابيلا: «نتحدث.»
تغير وجهه كما لو أنها اقترحت عليه القفز من النافذة.
ضحكت.
إيزابيلا: «أحب الطريقة التي تخاف بها من هذه الكلمة.»
آرثر: «أنا لا أخاف الحديث.»
إيزابيلا: «أنت تمارسه كأنه ضريبة.»
مال إلى الخلف.
آرثر: «حسناً.»
فتح كفيه قليلاً.
«تحدثي.»
إيزابيلا: «هكذا لا يعمل الأمر.»
آرثر: «لماذا؟»
إيزابيلا: «لأنني لست مذيعة برنامج صباحي.»
آرثر: «أنت من اقترحتِ الحديث.»
إيزابيلا: «وأنت تجعلني أندم.»
صمتت. ثم نظرت إلى النار.
إيزابيلا: «ماذا كنت تفعل في عمري؟»
عقد حاجبيه.
آرثر: «في عمرك؟»
إيزابيلا: «نعم.»
آرثر: «كم تعتقدين أن عمري؟»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «هذا فخ.»
آرثر: «أريد سماع الإجابة.»
ضيقت عينيها وهي تتظاهر بدراسته.
إيزابيلا: «أربعون؟»
رفع حاجباً.
إيزابيلا: «واحد وأربعون؟»
آرثر: «ثمانية وثلاثون.»
فتحت فمها.
ثم أغلقتْه.
آرثر: «شكراً.»
إيزابيلا: «لم أقل شيئاً.»
آرثر: «تعبير وجهك قال كل شئ.»
حدقت فيه.
ثم انفجرت بالضحك.
إيزابيلا: «حسناً. استحققتها.»
ضحك معها.
قالت:
إيزابيلا: «إذن نحن متقاربان في العمر.»
آرثر: «تقريباً.»
إيزابيلا: «وهذا يجعل غرورك أقل تبريراً.»
آرثر: «كيف؟»
إيزابيلا: «كنت أظنك أكبر وأكثر حكمة.»
آرثر: «والآن؟»
تأملته.
كان السؤال خفيفاً.
لكنها أجابت بصدق أكثر مما توقع.
إيزابيلا: «الآن أظنك شخصاً حاول أن يصبح أكبر مما هو عليه قبل الوقت.»
اختفت ابتسامته.
عرفت فوراً أنها لمست شيئاً داخليا فيه.
إيزابيلا: «آسفة.»
آرثر: «لا.»
ظل ينظر إلى النار.
«أنت محقة.»
سحبت البطانية حول نفسها أكثر.
لم تضغط.
انتظرت فقط.
بعد وقت قال:
آرثر: «أبي كان رجلاً يؤمن أن الإنسان يصبح مسؤولاً بمجرد أن يستطيع الوقوف على قدميه.»
إيزابيلا: «يبدو لطيفاً.»
جاءت سخريتها ناعمة.
ظهرت ابتسامة صغيرة في فمه.
آرثر: «كان معقداً.»
إيزابيلا: «هذه الكلمة نستخدمها عادة عندما نحاول ألا نقول شيئاً أسوأ.»
نظر إليها.
آرثر: «ربما.»
هدأ صوته.
«كان ناجحاً. صارماً. يرى العاطفة نوعاً من الفوضى.»
إيزابيلا: «وأنت؟»
آرثر: «كنت أريد أن أرضيه.»
قالها بلا دراما.
وهذا جعلها أكثر حزناً.
إيزابيلا: «هل فعلت؟»
ابتسم دون فرح.
آرثر: «لا أعرف إن كان أحد فعل ذلك.»
مرّت الريح بقوة على النوافذ.
ارتج الزجاج قليلاً.
التفتت إيزابيلا نحوه.
ثم عادت إليه.
آرثر: «أما أمي…»
توقف.
كانت هذه أول مرة يذكرها.
انتظرت.
آرثر: «كانت النقيض.»
خفض عينيه.
«كانت تعزف البيانو.»
فهمت.
الجناح الشرقي.
النغمة.
الموسيقى.
كل شيء وصل إلى مكانه دفعة واحدة.
لم تقل شيئاً.
أكمل:
آرثر: «ليست محترفة. لم تكن تريد ذلك أصلاً. لكنها كانت تعزف كل مساء تقريباً.»
رفع عينيه إلى النار.
«البيت كان مختلفاً عندما تعزف.»
شعرت إيزابيلا بشيء ينقبض داخلها.
إيزابيلا: «غرفة الموسيقى.»
أومأ.
آرثر: «كانت غرفتها المفضلة.»
إيزابيلا: «لهذا أبقيت البيانو.»
لم يجب فوراً.
ثم قال:
آرثر: «لم أستطع التخلص منه.»
ساد الصمت.
كان هناك سؤال واضح.
ماذا حدث لها؟
لكن إيزابيلا لم تسأله.
وربما لهذا تابع هو من تلقاء نفسه.
آرثر: «ماتت وأنا في التاسعة عشرة.»
انخفض صوت إيزابيلا.
إيزابيلا: «أنا آسفة.»
أومأ مرة واحدة.
آرثر: «مرضت فترة قصيرة. ثم انتهى الأمر بسرعة.»
لم يذكر المرض.
ولم تطلب.
آرثر: «بعدها، لم يدخل أبي الغرفة مرة أخرى.»
إيزابيلا: «وأنت؟»
ضحك ضحكة صغيرة خالية من الفرح.
آرثر: «كنت أفعل الشيء نفسه.»
تذكرت الليلة الأولى.
الباب.
المفتاح.
نغمة فا.
قالت:
إيزابيلا: «حتى الآن.»
رفع عينيه إليها.
آرثر: «حتى الآن.»
إيزابيلا: «والنغمة؟»
عرف ما تقصد.
مرّت لحظة طويلة.
ثم قال:
آرثر: «كانت أول نغمة في مقطوعة قصيرة اعتادت عزفها عندما كنت صغيراً.»
شعرت بقشعريرة لا علاقة لها بالبرد.
إيزابيلا: «فا.»
أومأ.
لم تعرف لماذا أثّر فيها هذا التفصيل أكثر من قصة كاملة.
ربما لأن رجلاً مثل آرثر يستطيع أن يقول «ماتت أمي» بصوت ثابت.
لكن إصبعه ما زال، بعد تسعة عشر عاماً، يعرف أول مفتاح كانت تبدأ منه.
قالت بهدوء:
إيزابيلا: «كنت تحاول أن تتذكرها.»
آرثر: «كنت أتحقق إن كنت ما زلت أستطيع.»
إيزابيلا: «تستطيع ماذا؟»
تردد.
ثم نظر إليها.
آرثر: «أن أسمع شيئاً هناك دون أن أريد الخروج فوراً.»
كان هذا اعترافاً أكبر مما توقعته.
انخفضت كل دفاعاتها.
نهضت من الأريكة.
نظر إليها.
لم تقل شيئاً.
عبرت المسافة بينهما.
جلست إلى جواره.
ليس ملاصقة له.
لكن أقرب.
قريباً بما يكفي لأن تلامس حافة بطانيتها ساقه.
نظر إليها.
إيزابيلا: «لا أعرف ماذا أقول.»
آرثر: «هذه أول مرة.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «لا تفسد لحظتك الإنسانية.»
ظهر شيء دافئ في عينيه.
سكتت قليلاً.
ثم قالت:
إيزابيلا: «أحياناً لا نحتاج أن نتخلص من الشيء الذي يؤلمنا.»
بقي يسمعها.
«يمكن أن نتركه يتغير.»
آرثر: «كيف؟»
نظرت إلى النار.
إيزابيلا: «لا أعرف.»
ثم نظرت إليه.
«ربما نضع بجانبه ذكرى جديدة.»
توقف الزمن بينهما لحظة.
كانت تعرف ما تعنيه.
وربما هو عرف أيضاً.
غرفة الموسيقى لم تعد تحمل أمه فقط.
لقد حملت صوتها هي أيضاً.
الكمان.
تغير وجه آرثر.
ارتفع شيء في عينيه لم تستطع أن تسميه.
آرثر: «لهذا عزفت هناك؟»
إيزابيلا: «أنا لم أدخلها.»
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «لكن موسيقاي وصلت إليها.»
نظر إليها طويلاً.
آرثر: «وصلت.»
خرجت الكلمة أكثر انخفاضاً.
شعرت بها داخل صدرها.
——–
ضربت الريح النوافذ بقوة مفاجئة.
ارتجت إيزابيلا دون إرادة.
التفت آرثر فوراً.
آرثر: «أنت خائفة.»
إيزابيلا: «لست خائفة.»
دوى صوت قوي في الخارج.
غصن كبير على الأرجح.
أغمضت عينيها للحظة.
آرثر: «طبعاً.»
ثم فتحتهما.
إيزابيلا: «أنا فقط لا أحب الأصوات المفاجئة.»
آرثر: «هناك فرق؟»
إيزابيلا: «كبير.»
آرثر: «اشرحِيه.»
إيزابيلا: «لا.»
ضحك.
لكن بعد دقائق أصبح البرد أقوى.
كانت المدفأة تعمل جيداً، ومع ذلك، تسرب الهواء البارد من النوافذ القديمة.
فركت إيزابيلا يديها.
نظر إليها آرثر.
ثم إلى الأريكة المقابلة.
كانت بعيدة عن النار أكثر.
قال:
آرثر: «اقتربي.»
رمشت.
إيزابيلا: «أنا قريبة.»
آرثر: «أنت ترتجفين.»
إيزابيلا: «قليلاً.»
رفع طرف بطانيته.
آرثر: «هذه أثقل.»
نظرت إلى البطانية.
ثم إليه.
إيزابيلا: «آرثر بلاك وود يعرض مشاركة بطانيته؟»
آرثر: «سأسحب العرض خلال ثلاث ثوانٍ.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «حسناً.»
تحركت.
اقتربت منه.
أكثر.
وضع البطانية فوقها معه.
كانت كبيرة، لكنها لم تسمح بمسافة كثيرة.
تلامست ذراعهما.
ثم فخذاهما عند الحافة.
شعرت إيزابيلا بالحرارة التي تصدر من جسده قبل أن تستقر البطانية تماماً.
وتوقفت عن المزاح.
آرثر أيضاً سكت.
جلسا ينظران إلى النار.
لكنها كانت واعية بكل شيء.
بكتفه إلى جانبها.
بذراعه.
برائحة خفيفة من الخشب والمطر والصابون في ملابسه.
بأنفاسه الهادئة.
حاولت إقناع نفسها بأن الأمر عملي.
البرد فقط.
بطانية واحدة.
لا شيء آخر.
ثم تحرك آرثر قليلاً.
التصق كتفه بكتفها أكثر.
ارتعشت.
التفت إليها.
آرثر: «مازلت تشعرين بالبرد؟»
إيزابيلا: «نعم.»
كانت تكذب.
وعرفت من نظرته أنه لم يصدق تماماً.
لكنه لم يفضحها.
مرّت دقائق.
بدأت حرارة النار والبطانية تفعلان أثرهما.
ارتخت إيزابيلا قليلاً.
دوى صوت جديد في الخارج.
هذه المرة، لم تنتفض.
لكن يد آرثر تحركت فوق البطانية.
توقفت قرب يدها.
لم يمسكها.
فقط وضعها هناك.
قريبة.
إيزابيلا نظرت إليها.
ثم رفعت عينها إلى النار.
بعد لحظة، حركت إصبعها الصغير.
لمس إصبعه.
لا أكثر.
بقي ساكناً.
هي أيضاً.
ثم تحرك إصبعه.
التف حول إصبعها.
حركة صغيرة جداً.
لكن قلبها ضرب بقوة.
لم تكن مصافحة.
ولا مساعدة على النزول من حصان.
ولا تثبيتاً في الظلام.
هذه المرة…
اختارا اللمس.
ببطء، انزلقت يدها داخل يده.
أغلق أصابعه حولها.
تنفست إيزابيلا بعمق.
لم ينظر إليها.
ولا هي نظرت إليه.
وهذا جعل الأمر أكثر حميمية.
جلسا هكذا وقتاً لا تعرفه.
يد داخل يد.
والعاصفة حولهما.
قال آرثر بعد مدة:
آرثر: «يدك أصبحت دافئة.»
إيزابيلا: «أنت تمسكها منذ عشر دقائق.»
التفت إليها.
آرثر: «هل تريدين أن أتركها؟»
سألها.
ببساطة.
لكن السؤال لم يكن بسيطاً.
التقت عيناهما.
نظرت إيزابيلا إلى أيديهما.
ثم إليه.
إيزابيلا: «لا.»
خرجت الكلمة بصوت منخفض.
تغير شيء في وجهه.
شيء لم يعد خفياً.
شد أصابعه حولها قليلاً.
ثم رفع يدها.
لم تعرف ما سيفعل.
لكنه لم يقبلها.
مرر إبهامه فقط فوق ظهر كفها.
مرة واحدة.
ببطء.
إيزابيلا حبست أنفاسها.
قال:
آرثر: «أنت تجعلين أشياء كثيرة أصعب مما كانت عليه قبل أسبوعين.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «أنا؟»
آرثر: «نعم.»
إيزابيلا: «مثلاً؟»
كان عليها ألا تسأل.
عرفت ذلك فور أن خرج السؤال.
لكن الوقت فات.
حدق بها.
طويلاً.
آرثر: «الصمت.»
هبط قلبها قليلاً.
آرثر: «العمل.»
اقتربت أنفاسها.
آرثر: «البقاء بعيداً عن غرفتك عندما تعزفين في الليل.»
لم تتحرك.
توقفت النار للحظة عن إصدار صوتها، ثم انهار جزء من الخشب داخل المدفأة وارتفعت شرارة صغيرة.
إيزابيلا: «وما الذي يجبرك على البقاء بعيداً؟»
نظر إلى شفتيها.
لم تكن تتخيل.
هذه المرة رأته بوضوح.
انخفضت عيناه.
ثم عادت إلى عينيها.
شعرت بحرارة تصعد من عنقها إلى وجهها.
آرثر: «العقل، غالباً.»
إيزابيلا: «وهل ينجح؟»
جاءت ابتسامته بطيئة.
آرثر: «ليس دائماً.»
لم تعرف من تحرك أولاً.
ربما هي.
ربما هو.
لكن المسافة بينهما نقصت.
لم يبق بين وجهيهما إلا القليل.
كانت يدها ما تزال داخل يده.
وذراعه الأخرى استندت إلى ظهر الأريكة خلفها.
لم يلمسها بها.
لكنها أحاطت بها تقريباً.
شعرت بإيقاع أنفاسه يتغير.
وهذه المرة لم يكن قادراً على إخفائه.
همست:
إيزابيلا: «أنت لا تبدو هادئاً الآن.»
ظهرت في عينيه نظرة جعلت نبضها يقفز.
آرثر: «لا تفعلي هذا.»
صوت منخفض.
أجش قليلاً.
إيزابيلا: «أفعل ماذا؟»
آرثر: «تنظرين إلي بهذه الطريقة ثم تتظاهرين أنك لا تعرفين.»
كان يمكنها التراجع.
لم تفعل.
إيزابيلا: «وكيف أنظر إليك؟»
أغمض عينيه للحظة.
كأنها تختبر آخر خيط من صبره.
عندما فتحهما، لم يبق شيء تقريباً من بروده المعتاد.
آرثر: «كأنك تريدين مني أن أنسى كل سبب يجعل هذا فكرة سيئة.»
ارتعش شيء عميق داخلها.
إيزابيلا: «هل هي فكرة سيئة؟»
نظر إليها.
ثم إلى شفتيها مرة أخرى.
ارتفعت يده.
هذه المرة لم يتراجع.
مرر أطراف أصابعه برفق قرب صدغها.
أبعد خصلة من شعرها.
كان لمساً بسيطاً.
ومع ذلك شعرت به في كل جسدها.
استقرت أصابعه خلف أذنها.
ثم انزلقت ببطء على جانب وجهها.
توقفت عند فكها.
لم تكن يده باردة الآن.
كانت دافئة.
ثقيلة بما يكفي لتجعلها تميل نحوها دون وعي.
وحدث ذلك.
مالت بخدها قليلاً داخل كفه.
تغيرت أنفاسه.
آرثر: «إيزابيلا…»
اسمها هذه المرة لم يكن تحذيراً.
كان شيئاً آخر تماماً.
فتحت شفتيها لترد.
لكنه اقترب.
حتى أصبحت أنفاسه على وجهها.
حتى لم يعد عليها سوى أن تتحرك سنتيمترات قليلة كي تلتقي شفتاهما.
لم تغلق عينيها.
هو أيضاً لم يفعل.
كانت تريد أن ترى اللحظة كلها.
أصابعه بقيت على وجهها.
وإبهامه تحرك بخفة فوق وجنتها.
ثم توقف قرب زاوية فمها.
أغمضت عينيها هذه المرة رغماً عنها.
شعرت به أقرب.
أقرب جداً.
ثم…
لم يحدث شيء.
فتحَت عينيها.
كان قد توقف.
جبهته تكاد تلامس جبهتها.
أنفاسه غير منتظمة.
وعيناه مغلقتان.
همست:
إيزابيلا: «آرثر؟»
فتح عينيه.
كان في نظرته شيء يشبه الصراع.
ابتعد سنتيمتراً واحداً فقط.
لا أكثر.
آرثر: «لا.»
تجمدت.
سحب يده من وجهها.
شعرت بالبرد مكانها فوراً.
إيزابيلا: «لا؟»
لم تستطع منع الجرح الخفيف الذي دخل صوتها.
فهمه.
آرثر: «ليس لأنني لا أريد.»
توقفت.
تغيرت نظرتها.
قالها بصراحة جعلت كل شيء حولهما أكثر حرارة.
آرثر: «هذه تحديداً هي المشكلة.»
لم تستطع الكلام.
مرر يده فوق وجهه.
ثم وقف.
خرج من تحت البطانية.
إيزابيلا بقيت مكانها، تحدق فيه.
كان ظهره إليها.
وضع يديه على خصره.
أخذ نفساً بطيئاً.
إيزابيلا: «أنا لا أفهم.»
استدار.
كانت المسافة بينهما الآن أكبر.
لكنه بدا أقل سيطرة مما رأته في حياتها.
آرثر: «أنت هنا بعقد معي.»
إيزابيلا: «أعرف.»
آرثر: «في بيتي.»
إيزابيلا: «وأعرف هذا أيضاً.»
آرثر: «ونحن عالقان هنا بسبب عاصفة.»
بدأت تفهم.
لكنه أكمل.
آرثر: «وأنا لا أريد أن أكون الرجل الذي يستغل واحدة من هذه الأشياء كي يأخذ منك لحظة قد تستيقظين غداً وتقررين أنك لم تختاريها فعلاً.»
ظلّت تنظر إليه.
الغضب الذي بدأت تشعر به اختفى تدريجياً.
وحل محله شيء آخر.
شيء أعمق.
إيزابيلا: «وأنا لا أريدك أن تقرر عني.»
سكنت ملامحه.
إيزابيلا: «أنا هنا بعقد، نعم. لكن العقد لم يجعلني أمسك يدك.»
تقدم نصف خطوة.
توقفت هي عن التنفس.
إيزابيلا: «والعاصفة لم تجعلني أجلس بقربك.»
خطوة أخرى.
إيزابيلا: «وأنت لم تجبرني أن…»
توقفت.
آرثر: «أن ماذا؟»
كان قريباً مرة أخرى.
ليس كما كان قبل قليل.
لكن قريباً.
إيزابيلا رفعت وجهها.
إيزابيلا: «أن أرغب في أن تكمل.»
ساد صمت كامل.
لم يكن من الممكن أن تكون أكثر وضوحاً.
رأت أثر كلماتها فيه.
طريقة شد فكه.
الطريقة التي انخفض بها صدره وهو يزفر.
عيناه التي هبطتا مرة أخرى إلى فمها.
لكنه بقي مكانه.
آرثر: «لا تقولي أشياء كهذه عندما أحاول أن أكون رجلاً محترماً.»
للمرة الأولى منذ دقائق، ظهرت ابتسامة صغيرة على فمها.
إيزابيلا: «أنت الذي بدأت.»
ضحك بصوت منخفض.
لكنه بقي مشدوداً.
اقترب حتى وقف أمامها.
مد يده.
ترددت.
ثم أعطته يدها.
شدها لتقف.
أصبحت أمامه.
قريبة.
قريبة جداً.
لكن هذه المرة لم يحاول تقبيلها.
وضع يديه فوق كتفيها.
ثم رفع البطانية خلفها ولفها حولها جيداً.
إيزابيلا نظرت إليه غير مصدقة.
إيزابيلا: «حقاً؟»
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «بعد كل ذلك، ستلفني بالبطانية؟»
ظهر بريق من المزاح في عينيه.
آرثر: «كنت ترتجفين.»
إيزابيلا: «لم أعد أشعر بالبرد.»
نزلت عيناه عليها.
آرثر: «لاحظت.»
احمر وجهها.
ضربته بخفة على صدره من فوق البطانية.
أمسك معصمها قبل أن تسحب يدها.
توقفا.
كانت كفها فوق صدره الآن.
من خلال القميص، شعرت بدقات قلبه.
سريعة.
رفعت عينيها.
آرثر لم يقل شيئاً.
حرّك يدها قليلاً حتى استقرت تماماً فوق قلبه.
آرثر: «حتى لا تظني أنك الوحيدة التي تعاني هنا.»
انخفضت نظرتها إلى يدها.
ثم إلى وجهه.
إيزابيلا: «أنت جيد جداً في إخفائها.»
آرثر: «كنت.»
الكلمة أصابتها مباشرة.
قبل أن تعرف ماذا تفعل، اقتربت.
وضعت جبينها عند صدره.
توقف هو ثانية.
ثم أحاطها بذراعيه.
هذه المرة، لم يكن عناقاً عرضياً.
ولا خوفاً من سقوط.
ولا مساعدة.
كان عناقاً اختاره الاثنان.
ذراعاه أُغلقتا حولها بقوة هادئة.
إحدى يديه استقرت في منتصف ظهرها.
والأخرى ارتفعت إلى خلف رأسها، تمسكه برفق إلى صدره.
أغمضت إيزابيلا عينيها.
سمعت قلبه.
قوياً.
غير هادئ.
ابتسمت دون أن يراها.
إيزابيلا: «إذن أنت بشري مثلنا.»
شعرت بضحكته داخل صدره.
آرثر: «لا تخبري أحداً.»
لفت ذراعيها حول خصره.
شعرت بجسده يشدها إليه أكثر فوراً.
لحظة صغيرة.
لكنها لم تكن بريئة.
عرفت ذلك.
وعرف هو أيضا.
ارتفعت يده ببطء فوق ظهرها.
لا بطريقة تتجاوز الحدود.
فقط حركة مطمئنة، طويلة، تجعلها تشعر بكل المسافة التي تمر بها كفه.
دفنت وجهها أكثر قرب عنقه.
تغيرت أنفاسه.
توقفت يده.
قال بصوت أخفض:
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «ماذا؟»
آرثر: «أنت لا تساعدين.»
ابتسمت قرب صدره.
إيزابيلا: «لم أقل إنني أريد المساعدة.»
سمعت زفيره.
ثم أحست بذقنه يستقر فوق شعرها.
بقي هكذا لحظة.
بعدها شعرَت بشفتيه.
قبلة.
خفيفة جداً.
عند أعلى رأسها.
لم تكن القبلة التي كانت تريدها قبل دقائق.
ومع ذلك، جعلت قلبها يلين بطريقة أخطر.
رفع فمه عن شعرها.
ثم همس:
آرثر: «أنت مشكلة.»
رفعت رأسها قليلاً داخل ذراعيه.
إيزابيلا: «وأنت قلت إنك لا تحب كلمة مستحيل، لم تقل شيئاً عن المشاكل.»
نظر إليها.
كانت وجوههما قريبة مرة أخرى.
آرثر: «المشاكل يمكن حلها.»
إيزابيلا: «هل تريد حلي؟»
نظر إلى عينيها طويلاً.
ثم قال:
آرثر: «لا.»
اختفت المزحة من وجهها.
آرثر: «أظن أن هذه هي المشكلة أيضاً.»
————
بقيا قرب النار حتى ما بعد منتصف الليل.
لكن شيئاً تغير بعد ذلك العناق.
لم يعودا يتظاهران أن القرب بينهما محض صدفة.
حين جلسا من جديد، جلست إيزابيلا إلى جانبه.
وحين مد البطانية، لم تنتظر دعوة.
دخلت تحتها.
استقرت هذه المرة أقرب.
بعد وقت، مالت برأسها إلى كتفه.
لم يتحرك.
ثم بعد دقائق، رفع ذراعه ووضعها حولها.
طبيعي.
بسيط.
كأنه شيء فعلاه منذ زمن.
كانت أصابعه ترسم حركات صغيرة بلا قصد على أعلى ذراعها.
تارة تتوقف.
ثم تعود.
وكلما فعلت، شعرت إيزابيلا براحة غريبة.
قالت:
إيزابيلا: «هل تعرف ما المضحك؟»
آرثر: «أخشى أن أعرف.»
إيزابيلا: «حين وصلت، ظننت أنك تكرهني.»
نظر إليها من أعلى.
آرثر: «لم أكرهك.»
إيزابيلا: «لم تكن ودوداً.»
آرثر: «لم أكن أعرفك.»
إيزابيلا: «وهل أنت ودود الآن؟»
فكر.
آرثر: «مقارنة بالبداية؟»
إيزابيلا: «نعم.»
آرثر: «أنا معجزة اجتماعية.»
ضحكت.
أغلقت عينيها.
ثم قالت:
إيزابيلا: «وأنا؟»
آرثر: «أنت ماذا؟»
إيزابيلا: «ماذا ظننت بي؟»
طال صمته.
فتحت عيناً واحدة.
إيزابيلا: «هذا سيئ.»
آرثر: «ظننت أنك ستكونين متعبة.»
جلست مستقيمة.
إيزابيلا: «متعبة؟»
آرثر: «لا أنتِ شخصياً.»
إيزابيلا: «هناك بداية ممتازة للتراجع.»
آرثر: «ظننت أنك ستكونين واحدة من أولئك الفنانين الذين يدخلون مكاناً وهم مقتنعون أن الجميع يجب أن يدور حول مزاجهم.»
إيزابيلا: «مهين.»
آرثر: «أنت سألتِ.»
إيزابيلا: «أكمل. أريد أن أكرهك جيداً.»
ابتسم.
آرثر: «ثم نزلت من السيارة وأصررت على حمل الكمان بنفسك.»
إيزابيلا: «هذا ما غير رأيك؟»
آرثر: «لا.»
خفض عينيه إليها.
«كان أول شيء.»
إيزابيلا: «وما الثاني؟»
آرثر: «أخبرتني أن الأجر جعل القصر الذي في نهاية العالم مقبولة.»
ضحكت.
آرثر: «ولم تحاولي إقناعي أنك لا تهتمين بالمال.»
إيزابيلا: «أحب المال جداً.»
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «ممتاز. أساس متين لعلاقة إنسانية.»
كلمة علاقة مرت بينهما.
شعرا بها.
لكن لم يعلق أحد.
قال:
آرثر: «ثم عزفت.»
هدأت.
آرثر: «وهناك…»
توقف.
إيزابيلا: «ماذا؟»
نظر إلى النار.
آرثر: «أصبحت الأمور أقل بساطة.»
شعرت بحرارة تتجمع بداخلها مجدداً.
لم تسأله أكثر.
لأنها فهمت.
ولأنها، للمرة الأولى، لم تكن تحتاج أن يجبر نفسه على قول كل شيء.
————
بعد الواحدة بقليل، انخفضت العاصفة قليلاً.
كانت إيزابيلا قد بدأت تشعر بالنعاس.
حاولت إخفاء تثاؤب.
رآه.
آرثر: «اذهبي إلى النوم.»
إيزابيلا: «لا أريد الصعود.»
نظر إليها.
قالت بسرعة:
إيزابيلا: «الغرفة باردة.»
آرثر: «بالطبع.»
إيزابيلا: «وأصوات الريح أعلى هناك.»
ابتسم.
إيزابيلا: «ولا تنظر إلي هكذا.»
آرثر: «كيف؟»
إيزابيلا: «كأنك فزت.»
آرثر: «بماذا؟»
إيزابيلا: «بإثبات أنني أخاف من العاصفة.»
آرثر: «لا أخشى على سمعتي إذا تركتك تربحين هذه النقطة.»
تنهدت.
استقرت أكثر داخل البطانية.
آرثر: «يمكنك النوم هنا.»
إيزابيلا: «وأنت؟»
آرثر: «سأبقى قليلاً.»
رفعت رأسها.
إيزابيلا: «لماذا؟»
نظر إليها وكأن الإجابة واضحة.
آرثر: «لأنك لن تنامي وحدك هنا بعد أن اعترفتِ بشكل غير مباشر أنك لا تريدين الصعود.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «أنت لطيف الليلة بشكل مقلق.»
آرثر: «العاصفة.»
إيزابيلا: «إذن غداً ستعود مزعجاً؟»
آرثر: «بالتأكيد.»
ابتسمت.
مدت ساقيها فوق الأريكة.
بقي آرثر جالساً إلى جانبها.
وضعت رأسها فوق الوسادة.
ثم نظرت إليه.
إيزابيلا: «لن تجلس هكذا طوال الليل.»
آرثر: «نامي.»
إيزابيلا: «أنت متسلط.»
آرثر: «وأنت متعبة.»
إيزابيلا: «صحيح.»
أغمضت عينيها.
بعد ثوانٍ، فتحتها.
إيزابيلا: «آرثر؟»
آرثر: «نعم؟»
ترددت.
إيزابيلا: «شكراً على الليلة.»
تغيرت ملامحه.
آرثر: «وأنا أيضاً.»
إيزابيلا: «على ماذا؟»
ابتسم.
آرثر: «على الذكرى الجديدة.»
عرفت فوراً ما يقصد.
غرفة الموسيقى.
الكمان.
أمه.
شيء امتلأ في عينيها.
مد يده.
مرر أصابعه بهدوء فوق شعرها.
ثم أبعد خصلة صغيرة عن وجهها.
هذه المرة لم يكن هناك تردد.
ولا خوف.
فقط حنان.
مال نحوها.
توقفت أنفاسها للحظة.
لكنه طبع قبلة طويلة وهادئة على جبهتها.
ليست قبلة عابرة.
بقيت شفتاه هناك ثانية إضافية.
ثم اثنتين.
وحين ابتعد، ظلت عيناه قريبتين من عينيها.
همس:
آرثر: «نامي، إيزابيلا.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «ليلة سعيدة.»
آرثر: «ليلة سعيدة.»
أغلقت عينيها.
وبعد دقائق، انتظم تنفسها.
ظل آرثر مكانه.
راقب النار.
ثم نظر إليها.
كان بإمكانه العودة إلى غرفته.
كان ينبغي أن يعود.
لكنه بقي بجانبها.
بعد وقت، انزلقت البطانية قليلاً عن كتفها.
أعادها عليها.
تحركت إيزابيلا في نومها.
اقتربت منه بلا وعي.
استقر رأسها عند جانبه.
تجمد للحظة.
ثم استسلم.
أحاط كتفيها بذراعه برفق.
فتحت إيزابيلا عينيها للحظة صغيرة.
لم تكن مستيقظة تماماً.
همست:
إيزابيلا: «ما زلت هنا؟»
خفض نظره إليها.
آرثر: «نعم.»
أغلقت عينيها ثانية.
وقالت شيئاً جعله يظل ساكناً لدقائق بعدها.
إيزابيلا: «جيد.»
ثم نامت.
حين استيقظت في الصباح، كانت النار قد خفت.
والعاصفة انتهت تقريباً.
دخل ضوء أبيض باهت من النوافذ.
استغرقت إيزابيلا ثوانٍ لتفهم أين هي.
ثم شعرت بالحرارة.
لم تكن مستلقية وحدها فوق الأريكة.
كان خدها فوق صدر آرثر.
ذراعه تحيط بظهرها.
يدها فوق قميصه.
وإحدى ساقيها ملتفة جزئياً بالبطانية فوق ساقه.
تجمدت.
رفعت رأسها ببطء.
كان نائماً.
رأت وجهه من هذه المسافة لأول مرة دون أن يكون مدركاً لنظراتها.
هادئ.
بلا دفاع.
بلا تلك النظرة التي تسبق دائماً كلماته.
شعرت بشيء دافئ جداً داخلها.
ثم تذكرت ليلة البارحة.
يده.
وجهها داخل كفه.
أنفاسه فوق شفتيها.
«ليس لأنني لا أريد.»
احمر وجهها رغم أنها وحدها المستيقظة.
حاولت الابتعاد بهدوء.
تحركت ذراعه حولها.
اشتدت قليلاً.
توقفت.
فتح عينيه.
ظل كلاهما ساكناً.
ثانية.
اثنتان.
ثم نظر آرثر إلى الوضع الذي هما فيه.
وعاد إليها.
قال بصوت خشن من النوم:
آرثر: «صباح الخير.»
إيزابيلا: «صباح الخير.»
لم يتحرك أحد.
كان من المفترض أن تبتعد.
وكان من المفترض أن يرفع ذراعه.
لم يفعلا.
قال:
آرثر: «نمنا.»
إيزابيلا: «ملاحظة ممتازة.»
ظهرت ابتسامة بطيئة فوق فمه.
آرثر: «هل أنت بخير؟»
إيزابيلا: «نعم.»
ثم أضافت:
«أنت وسادة مقبولة.»
آرثر: «مقبولة فقط؟»
إيزابيلا: «لا تتكبر.»
هبطت عيناه إلى وجهها.
مرت لحظة.
تغيرت الأجواء.
كانت أقرب من الليلة السابقة.
ولا توجد عاصفة الآن كي يلومها أحد.
ولا ظلام.
ولا خوف.
فقط صباح واضح.
وهي في ذراعيه.
اقترب وجهه قليلاً.
شعرت إيزابيلا بأن قلبها يبدأ من جديد.
لكن قبل أن يحدث شيء…
طرق الباب.
ابتعدت إيزابيلا عنه بسرعة حتى كادت تسقط من الأريكة.
أمسك آرثر بذراعها.
آرثر: «احذري.»
جاء صوت السيدة غراهام:
السيدة غراهام: «السيد آرثر؟»
نظر آرثر إلى إيزابيلا.
كانت تحاول ترتيب شعرها بيد، والبطانية بالأخرى.
ضحك بصمت.
رمقته بنظرة تهديد.
إيزابيلا همست: «لا تجرؤ.»
فتح الباب قليلاً.
آرثر: «صباح الخير، السيدة غراهام.»
السيدة غراهام: «عاد التيار الخارجي. والمطبخ…»
توقفت.
وقع نظرها خلفه.
على إيزابيلا.
على البطانية.
على الأريكة.
ثم عادت عيناها إلى آرثر.
لم يتغير وجه المرأة.
وهذا كان أسوأ شيء ممكن.
السيدة غراهام: «الإفطار جاهز.»
آرثر: «شكراً.»
السيدة غراهام: «بالطبع.»
استدارت.
مشت خطوتين.
ثم قالت دون أن تلتفت:
السيدة غراهام: «سأحضر إبريق شاي إضافياً.»
أغلقت الباب.
ساد الصمت.
نظرت إيزابيلا إلى آرثر.
ثم إلى الباب.
ثم إليه مجدداً.
إيزابيلا: «هي تعتقد…»
آرثر: «نعم.»
إيزابيلا: «ولم تقل لها شيئاً.»
آرثر: «ماذا تريدينني أن أقول؟»
رفعت يديها.
إيزابيلا: «لا أعرف! إننا فقط…»
توقفت.
آرثر: «فقط ماذا؟»
نظرت إليه.
كانت ابتسامته خطيرة.
إيزابيلا: «أنت تستمتع بهذا.»
آرثر: «قليلاً.»
أخذت الوسادة ورمتها نحوه.
التقطها بسهولة.
ضحك.
ووسط ضوء الصباح الأول بعد العاصفة، وبينما كانت إيزابيلا تحاول إخفاء ارتباكها خلف الغضب المصطنع، أدركت شيئاً لم تعد تستطيع تجاهله.
لقد انتهى الجزء السهل.
لم يعد آرثر مجرد رجل يثير فضولها.
ولم تعد هي مجرد ضيفة اقتحمت هدوءه.
كان هناك شيء بينهما الآن.
شيء حي.
واضح.
وخطر بما يكفي لأن كليهما، رغم كل ما حدث في الليلة الماضية…
لم يسأل نفسه كيف يوقفه.
كان السؤال الذي بدأ يتشكل بصمت أكثر خطورة بكثير:
إلى أين سيصلان إذا لم يفعلا؟
لم يكن أصعب ما في صباح اليوم التالي للعاصفة أن إيزابيلا استيقظت بين ذراعي آرثر.
بل أن عليهما، بعد ذلك، أن يتصرفا كأن الإفطار نشاط طبيعي تماماً.
جلست إيزابيلا إلى الطاولة وهي تحاول أن تركز في فنجان الشاي أمامها.
على الجهة الأخرى، كان آرثر يقرأ تقريراً وصل إلى جهازه اللوحي بعد عودة الاتصال.
أو يتظاهر بأنه يقرأ.
لم تكن متأكدة.
أما السيدة غراهام، فقد كانت تتحرك بينهما بهدوء امرأة لم تر شيئاً، ولم تفهم شيئاً، ولا تنوي بالتأكيد أن تسأل شيئاً.
وهذا كان أسوأ بكثير من السؤال.
وضعت أمام إيزابيلا طبقاً صغيراً من الخبز المحمص.
السيدة غراهام: «هل نمتِ جيداً؟»
شهقت إيزابيلا بقطرة الشاي.
رفع آرثر رأسه فوراً.
السيدة غراهام بقي وجهها بريئاً تماماً.
إيزابيلا: «نعم.»
سعلت بخفة.
«جيداً جداً.»
آرثر أعاد عينيه إلى جهازه.
لكنها رأت زاوية فمه تتحرك.
تحت الطاولة، مدّت ساقها وركلته بخفة.
توقف.
رفع رأسه إليها ببطء.
كانت تنظر إليه بتحذير واضح.
آرثر: «هل هناك مشكلة؟»
إيزابيلا: «لا.»
آرثر: «متأكدة؟»
إيزابيلا: «تماماً.»
السيدة غراهام: «قهوة أخرى، سيد آرثر؟»
آرثر: «من فضلك.»
ابتعدت.
همست إيزابيلا:
إيزابيلا: «إذا ضحكت سأقتلك.»
أجاب بصوت منخفض، دون أن ينظر إليها:
آرثر: «أنت التي رميتني بوسادة هذا الصباح.»
إيزابيلا: «كنت تستحق أكثر.»
آرثر: «أشك في قدرتك على فعل أكثر.»
رفعت حاجباً.
نظر إليها أخيراً.
ثانية واحدة فقط.
لكن النظرة وحدها أعادتها إلى الليلة الماضية.
يده على وجهها.
صوته المنخفض.
قلبه تحت كفها.
والمسافة الصغيرة جداً التي بقيت بين شفتيهما قبل أن يتوقف.
أبعدت عينيها سريعاً.
لعنت وجهها حين شعرت بالحرارة تصعد إليه.
كانت هذه مشكلة جديدة.
آرثر يستطيع الآن أن يربكها دون أن يلمسها.
————
بعد الإفطار، خرج آرثر مع السيد هاريس لتفقد الأضرار التي خلفتها العاصفة.
أما إيزابيلا فعادت إلى غرفتها.
كان من المفترض أن تعمل.
جلست أمام أوراقها.
كتبت سطراً.
ثم توقفت.
لم يكن السبب انسداداً موسيقياً.
بل أن دماغها كان يعيد مشهداً واحداً مراراً.
«هل تريدين أن أتركها؟»
«لا.»
أغمضت عينيها.
إيزابيلا: «كفى.»
فتحتها.
عادت إلى النوتة.
كتبت ثلاث علامات.
ثم تذكرت:
«لا تقولي أشياء كهذه عندما أحاول أن أكون رجلاً محترماً.»
وضعت القلم بقوة.
إيزابيلا: «مستحيل.»
نهضت.
قررت أنها تحتاج إلى شيء عملي.
شيء لا علاقة له بآرثر.
ذهبت إلى المكتبة.
وجدت السيد هاريس هناك بعد نصف ساعة، يفحص جزءاً من السقف قرب النافذة.
كان رجلاً في أوائل الستينيات، قليل الكلام، يعمل مع آرثر منذ بداية ترميم بلاك وود تقريباً.
إيزابيلا: «هل حدث ضرر كبير؟»
السيد هاريس: «لا شيء خطير. بعض القرميد تحرك، وغصن كبير سقط قرب الجدار الشرقي.»
توقفت.
الجناح الشرقي.
نظرت نحو السقف.
إيزابيلا: «هل دخل الماء؟»
السيد هاريس: «قليلاً إلى الممر القديم.»
إيزابيلا: «وغرفة الموسيقى؟»
رفع الرجل عينيه إليها.
لم تجب ملامحه بشيء.
السيد هاريس: «السيد آرثر يتولى ذلك.»
بالطبع.
حتى العاملون في البيت تعلموا فلسفة الأبواب المغلقة.
ابتسمت.
إيزابيلا: «شكراً.»
أكملت سيرها بين الرفوف.
كانت تبحث عن كتاب عن تاريخ المنطقة عندما وجدت صندوقاً.
لم يكن مخفياً.
كان فوق رف منخفض في القسم الخلفي من المكتبة، وعليه بطاقة صغيرة:
BLACKWOOD — ARCHIVE B
انحنت.
فتحته.
صور.
رسائل.
نسخ من مخططات قديمة.
قصاصات صحف.
جلست على الأرض دون أن تنتبه.
بدأت تتصفح.
الصورة الأولى كانت للقصر سنة 1932.
الحدائق أكثر كثافة.
واجهة القصر أغمق.
وفي الزاوية، مجموعة أشخاص يقفون أمام الدرج.
بحثت بين الوجوه.
لم تعرف أحداً.
الصورة التالية حديثة نسبياً.
آرثر.
أصغر بسنوات.
يقف أمام جزء من القصر مغطى بالسقالات.
يرتدي خوذة بناء وسترة عاكسة، ووجهه مغطى بالغبار تقريباً.
ضحكت.
إيزابيلا: «لو رأيت هذه الصورة أول يوم، لتغيرت نظريتي بالكامل.»
سحبت صورة أخرى.
آرثر مجدداً.
إلى جانبه امرأة.
توقفت.
عرفتها دون أن يخبرها أحد.
الأم.
كانت جميلة بطريقة هادئة.
شعر داكن، ابتسامة دافئة، وإحدى يديها فوق كتف شاب لا يتجاوز السابعة عشرة.
آرثر.
لم يكن يشبه نفسه الحالية تماماً.
كان ألين. بلا ذلك الحذر الدائم في عينيه.
قلبت الصورة.
في الخلف، كتابة بخط يد:
«آرثر وكاثرين — صيف 2005.»
مرت أصابعها فوق الاسم.
كاثرين.
شعرت أنها تجاوزت حدّاً ما.
أرادت إعادة الصورة.
لكن شيئاً آخر لفت نظرها.
ورقة موسيقية.
نصفها فقط.
قديمة قليلاً.
مكتوبة بقلم رصاص.
أخرجتها.
كانت مجرد جملة قصيرة من ثماني موازير.
قرأتها بعينيها.
ثم توقفت.
النغمة الأولى:
فا.
تسارع قلبها.
المقطوعة.
التي ذكرها آرثر.
مقطوعة أمه.
لم تكن كاملة.
بحثت داخل الصندوق.
لم تجد البقية.
سمعت صوتاً خلفها.
آرثر: «ماذا تفعلين؟»
شهقت.
استدارت.
كان يقف في مدخل القسم الخلفي.
وجهه تغير فور أن رأى الورقة في يدها.
نهضت.
إيزابيلا: «كنت أبحث عن كتاب ووجدت الصندوق.»
لم يرد.
اقترب.
عيناه ثابتتان على الورقة.
شعرت بقلق حقيقي.
إيزابيلا: «آرثر، لم أكن أفتش في أشياءك الشخصية. الصندوق هنا في المكتبة و—»
مد يده.
آرثر: «أعطني إياها.»
صوته لم يكن مرتفعاً.
لكنه كان مغلقاً.
ناولته الورقة فوراً.
أخذها.
نظر إليها.
شيء في وجهه انكمش.
إيزابيلا: «هي؟»
لم يجب.
إيزابيلا: «المقطوعة التي كانت تعزفها؟»
رفع عينيه.
آرثر: «أخبرتك عنها ليلة أمس. ولكن هذا لا يعني أن كل شيء أصبح متاحاً.»
تأذت. لكنها لم تغضب فوراً.
إيزابيلا: «لم أقل إنه أصبح متاحاً.»
آرثر: «كنتِ تحملينها.»
إيزابيلا: «لأنني وجدتها بين أوراق أرشيف مفتوح في مكتبة مفتوحة.»
ضغط فكه.
عرفت أنه يدرك أنها لم تتجاوز حدوده عمداً.
لكن رد فعله جاء قبل منطقه.
تراجعت خطوة.
إيزابيلا: «سأذهب.»
تحركت.
آرثر: «إيزابيلا.»
توقفت.
لم تلتفت.
مرّت ثوانٍ.
قال:
آرثر: «انتظري.»
استدارت.
كان لا يزال يحمل الورقة.
نظر إليها ثم زفر.
آرثر: «لم يكن يجب أن أتحدث معك بهذه الطريقة.»
إيزابيلا: «لا.»
سكتت.
«لم يكن يجب.»
أومأ.
اقترب منها.
آرثر: «أنا…»
توقف.
كأن كلمة الاعتذار هذه المرة أصعب.
إيزابيلا: «أعرف.»
نظر إليها.
إيزابيلا: «لكن لا تفعل هذا كل مرة.»
آرثر: «أفعل ماذا؟»
إيزابيلا: «تفتح الباب بنفسك، ثم تعاقبني لأنني وقفت عند العتبة.»
أصابته الجملة.
عرفت.
أضافت بهدوء:
إيزابيلا: «أنا لا أريد اقتحام أي جزء منك يا آرثر.»
ثبت عينيه فيها.
«لكنني أيضاً لا أريد أن أشعر أن عليّ كل مرة أن أعتذر إليك لأنك أنت الذي سمحت لي بالاقتراب.»
بقي صامتاً.
ثم نظر إلى الورقة.
آرثر: «لم أكن مستعداً لرؤيتها في يد شخص آخر.»
انخفض غضبها.
إيزابيلا: «هذا مفهوم.»
«وكان يمكنك أن تقول هذا فقط.»
رفع عينيه إليها.
آرثر: «أنا أتعلم.»
ظهرت ابتسامة صغيرة جداً على فمها.
إيزابيلا: «ببطء مؤلم.»
كادت الابتسامة تظهر عنده.
لكن الورقة أعادته إلى شيء آخر.
نظر إليها.
آرثر: «هل قرأتها؟»
إيزابيلا: «الموسيقى؟»
أومأ.
إيزابيلا: «نعم.»
أمسكها بهدوء أكبر الآن.
إيزابيلا: «لكنها ناقصة.»
آرثر: «هذا الجزء الوحيد الذي بقي.»
إيزابيلا: «ماذا حدث للباقي؟»
مرّ شيء في عينيه.
آرثر: «لا أعرف.»
توقفت.
عرفت أنه صادق.
ثم قال:
آرثر: «بعد وفاة أمي، أغلق أبي الغرفة. بعض أغراضها نُقلت. بعضها فُقد. بعضه…»
توقف.
إيزابيلا: «تخلص منه؟»
لم يُجب.
لم يكن يحتاج.
إيزابيلا: «وأنت احتفظت بهذا.»
آرثر: «وجدته بعد سنوات داخل مقعد البيانو.»
شعرت بقشعريرة.
إيزابيلا: «لهذا رممت الغرفة؟»
هز رأسه.
آرثر: «لم أرممها.»
توقفت.
إيزابيلا: «لكن قلت إن الجناح—»
آرثر: «رممت كل شيء حولها.»
فهمت.
الغرفة نفسها بقيت كما كانت.
آرثر: «لم أستطع أن أقرر ماذا أفعل بها.»
خفض صوته.
«ثماني سنوات وأنا أصلح هذا البيت حجراً حجراً.»
ابتسم بمرارة.
«وغرفة واحدة هزمتني.»
لم تعرف لماذا جعلتها الجملة تريد الاقتراب منه.
لم تفعل.
قالت:
إيزابيلا: «ربما لأنها ليست غرفة عادية.»
رفع عينيه إليها.
إيزابيلا: «قلت لي إن المباني ليست حجارة فقط.»
ظل ينظر إليها.
ثم طوى الورقة بعناية شديدة.
وأعادها إلى الصندوق.
وأغلقه.
اعتقدت أن الحديث انتهى.
لكن آرثر قال:
آرثر: «تعالي.»
إيزابيلا: «إلى أين؟»
نظر إليها.
آرثر: «أريد أن أريك شيئاً.»
عرفت إلى أين يتجه قبل أن يصعد الدرج.
الجناح الشرقي.
تبعته من دون كلام.
كان الممر في النهار يبدو أقل غموضاً.
لكن الباب في نهايته احتفظ بنفس ثقله.
أخرج آرثر المفتاح.
توقف قبل أن يضعه في القفل.
إيزابيلا وقفت خلفه.
لم يستدر.
آرثر: «لم يدخل أحد هذه الغرفة منذ مدة طويلة.»
إيزابيلا: «لا يجب أن تفتحها من أجلي.»
آرثر: «لا أفتحها من أجلك.»
التفت إليها.
«أفتحها لأنني أظن أنني تعبت من إبقائها مغلقة.»
لم تقل شيئاً.
أدار المفتاح.
صدر صوت خافت داخل القفل.
فتح الباب.
دخل ضوء الممر أولاً.
ثم دخل هو.
ثم إيزابيلا.
———-
كانت الغرفة أكبر مما توقعت.
وهادئة بطريقة مختلفة عن بقية القصر.
ليس الهدوء الذي صنعته العزلة.
بل الهدوء الذي تصنعه الأشياء التي لم يلمسها أحد طويلاً.
غطت الأقمشة البيضاء بعض الأثاث.
الستائر الثقيلة نصف مغلقة.
بيانو كبير يقف قرب النوافذ.
مقعده في مكانه.
وعلى الجدار المقابل، رف صغير ما زالت فوقه كتب موسيقية قديمة.
لم يكن الغبار كثيفاً.
فهمت أن آرثر يدخل أحياناً.
حتى إن لم يفعل شيئاً.
مشيت ببطء.
لم تلمس شيئاً.
آرثر بقي قرب الباب.
راقبها.
اقتربت من البيانو.
توقفت على مسافة.
إيزابيلا: «هل يمكنني؟»
عرف ما تسأل.
صمت طويلاً.
ثم أومأ.
اقتربت.
رفعت غطاء المفاتيح.
العاج القديم أغمق قليلاً من الأبيض.
مررت إصبعها فوق الخشب دون أن تضغط أي مفتاح.
إيزابيلا: «إنه جميل.»
آرثر: «كان لها.»
نظرت إليه.
اقترب ببطء.
وقف إلى جانبها.
إيزابيلا: «متى كانت آخر مرة سمعت فيها أحداً يعزف عليه؟»
نظر إلى البيانو.
آرثر: «ليلة قبل دخولها المستشفى.»
خفضت عينيها.
آرثر: «كنت في لندن.»
توقفت.
صوته تغير.
آرثر: «تشاجرنا عبر الهاتف.»
لم تكن تتوقع ذلك.
إيزابيلا لم تتحرك.
آرثر: «كنت أعمل على أول مشروع كبير لي. كانت تريدني أن أعود.»
تصلب فكه.
«قلت لها إنني سأعود نهاية الأسبوع.»
صمت.
إيزابيلا فهمت قبل أن يكمل.
آرثر: «لم تصل إلى نهاية الأسبوع.»
سقط الصمت.
إيزابيلا شعرت بألم نيابة عنه.
ليس فقط لأنه فقدها.
بل لأن آخر شيء بقي بينهما كان موعداً لم يأتِ.
قالت بهدوء:
إيزابيلا: «كم كان عمرك؟»
آرثر: «تسعة عشر.»
أغلقت عينيها لحظة.
صغير.
أصغر بكثير من الرجل الذي يقف أمامها الآن.
إيزابيلا: «آرثر…»
هز رأسه.
آرثر: «لا تقولي إن الأمر لم يكن ذنبي.»
توقفت.
آرثر: «الناس قالوا ذلك كثيراً.»
نظر إلى البيانو.
«لم يكن كلاماً مفيداً.»
فكرت.
ثم قالت:
إيزابيلا: «لن أقولها.»
رفع عينيه إليها.
إيزابيلا: «سأقول إنك كنت في التاسعة عشرة.»
صمت.
«وإنك لم تكن تعرف أن تلك المكالمة ستكون الأخيرة.»
تغير وجهه.
إيزابيلا: «وإنك لو كنت تعرف، لما بقيت في لندن.»
لم يتحرك.
إيزابيلا: «هذا كل شيء.»
أخفض عينيه.
شيء في ملامحه انكسر بهدوء.
ليس انهياراً.
ولا دموعاً.
فقط ذلك التعب الذي يظهر حين يحمل الإنسان جملة لسنوات طويلة ثم يسمع أحداً يعيد ترتيبها بطريقة مختلفة.
قال:
آرثر: «كانت ستكره ما أصبحت عليه بعد ذلك.»
إيزابيلا: «كيف تعرف؟»
رفع رأسه.
إيزابيلا: «ربما كانت ستغضب منك.»
اقتربت نصف خطوة.
«وربما كانت ستصرخ عليك.»
أضافت بابتسامة خفيفة:
«وأظن أنك تستحق الصراخ أحياناً.»
ظهرت ابتسامة قصيرة على وجهه.
إيزابيلا: «لكنها كانت ستراك أيضاً.»
توقفت.
«الشخص الذي بقي هنا ثماني سنوات يصلح البيت الذي أحبته.»
تغيرت نظرته.
إيزابيلا: «هذا لا يبدو لي رجلاً نسيها.»
بقي صامتاً هادئا.
ثم رفع يده.
فاجأها.
لم يلمسها فوراً.
وقف إصبعه قرب خدها لحظة.
كأنه يسأل دون كلام.
لم تتحرك.
مرر أصابعه برفق فوق جانب وجهها.
هذه المرة، لم تكن هناك عاصفة تبرر القرب.
ولا برد.
ولا ظلام.
النهار واضح.
والباب مفتوح.
ومع ذلك، تركت خدها يستقر داخل كفه كما فعلت الليلة الماضية.
نظر إليها.
طويلاً.
ببطء.
كل شيء أصبح أبطأ حين يفعل ذلك.
قال:
آرثر: «أنت تفعلين شيئاً خطيراً جداً.»
إيزابيلا: «ما هو؟»
آرثر: «تجعلينني أتكلم.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «مرعب.»
تحرك إبهامه فوق وجنتها.
ابتسامتها اختفت.
صوتها انخفض.
إيزابيلا: «آرثر…»
توقف تنفسه قليلاً.
هذه المرة، لم يتراجع.
اقترب.
لكن ببطء شديد.
ببطء سمح لها أن تختار.
بقيت مكانها.
رفعت ذقنها قليلاً.
اقترب أكثر.
أنفاسه لامست وجهها.
قلبها بدأ يضرب بعنف.
لكن قبل أن تصل المسافة بينهما إلى النهاية…
صدر صوت قوي من الممر.
طرق.
ثم صوت السيد هاريس:
السيد هاريس: «سيد آرثر؟»
أغلق آرثر عينيه.
إيزابيلا كادت تضحك من الإحباط.
ابتعد سنتيمترات قليلة.
آرثر همس: «سأقتله.»
اتسعت عيناها.
ثم ضحكت بصوت خافت.
إيزابيلا: «هذه أول مرة أراك فيها غير محترم تماماً.»
نظر إليها بنظرة جعلتها تضحك أكثر.
آرثر: «لا تفرحي.»
طرق الباب ثانية.
آرثر رفع صوته:
آرثر: «نعم؟»
دخل السيد هاريس نصف خطوة.
توقف حين رأى الاثنين.
لم يتغير وجهه.
إيزابيلا بدأت تظن أن العاملين في بلاك وود يتلقون تدريباً خاصاً على تجاهل المواقف المحرجة.
السيد هاريس: «آسف للمقاطعة. نحتاجك عند الجدار الشمالي. هناك شق نريد أن تراه قبل أن نغلق المنطقة.»
آرثر: «سآتي.»
السيد هاريس: «حسناً.»
اختفى.
نظر آرثر إلى الباب.
ثم إلى إيزابيلا.
إيزابيلا: «لا يمكنك قتله. تحتاجه في الترميم.»
آرثر: «للأسف.»
ابتسمت.
ثم شعرت بالتوتر يعود.
كانا ما يزالان قريبين.
لم تنته اللحظة حقاً.
نظر آرثر إلى شفتيها مرة أخرى.
إيزابيلا رأته.
قالت بصوت خافت:
إيزابيلا: «أظن أن الكون ضدك.»
رفع عينيه.
آرثر: «ضدي؟»
إيزابيلا: «أنت من يحاول أن يكون رجلاً محترماً.»
اقترب خطوة.
هذه المرة أصبح صوته أخفض.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «نعم؟»
آرثر: «لا تختبري صبري كثيراً.»
شعرت بحرارة في بطنها.
إيزابيلا: «وماذا سيحدث إذا فعلت؟»
نظرة آرثر تغيرت.
بطريقة جعلت السؤال الذي قالته للتو يبدو أقل ذكاء.
اقترب حتى أصبحت المسافة بينهما ضئيلة مرة أخرى.
خفض رأسه قليلاً.
لم يقبلها.
لكن فمه توقف قرب أذنها.
همس:
آرثر: «أنا أيضاً أريد أن أعرف.»
ثم ابتعد.
تركها مكانها.
وخرج.
ظلت إيزابيلا واقفة قرب البيانو لثوانٍ كاملة.
ثم وضعت كفها فوق وجهها.
إيزابيلا: «هذا الرجل سيقتلني.»
—————-
في المساء، كانت المقطوعة ترفض تركها.
ليس مقطوعتها.
مقطوعة كاثرين.
الجزء القصير الذي قرأته.
ثمانية موازير.
لم تحفظه بقصد.
لكن عقلها الموسيقي حفظه تلقائياً.
كانت جالسة في غرفتها حين وجدت نفسها تهمهم النغمات.
توقفت.
لا.
ليس من حقها.
نهضت.
مشت.
ثم عادت إلى الورق.
كتبت بداية المقطع من الذاكرة.
توقفت.
مزقت الصفحة فوراً.
وضعت يديها فوق وجهها.
لم تكن تريد تحويل ذكرى أمه إلى مادة موسيقية دون إذنه.
لكن شيئاً في ذلك اللحن كان ناقصاً بطريقة مزعجة.
كأنه سؤال توقف في منتصفه.
————-
في اليوم التالي، جاء آرثر إلى غرفة الموسيقى الغربية في الظهيرة.
وجدها تعزف.
جلس دون أن يقاطع.
أكملت المقطع.
ثم توقفت.
إيزابيلا: «منذ متى وأنت هناك؟»
آرثر: «دقيقة.»
إيزابيلا: «بدأت تتكرر.»
آرثر: «أنت تتركين الأبواب مفتوحة.»
إيزابيلا: «ربما عن قصد.»
خرجت الجملة.
توقفا.
ابتسم آرثر ببطء.
إيزابيلا: «لا تفسرها.»
آرثر: «متأخر.»
وضعت الكمان.
كان يحمل شيئاً في يده.
ورقة مطوية.
عرفتها فوراً.
توقفت.
آرثر اقترب.
وضعها فوق البيانو.
مقطوعة كاثرين.
إيزابيلا: «لماذا أحضرتها؟»
آرثر: «أريدك أن تعزفيها.»
حدقت فيه.
إيزابيلا: «آرثر…»
آرثر: «قلت إنك قرأتِها.»
إيزابيلا: «نعم، لكن—»
آرثر: «أريد أن أسمعها.»
لم تكن متأكدة أنه مستعد.
نظر إلى الورقة.
آرثر: «ربما إذا بقيت مجرد ورقة، ستظل دائماً ما أتذكره أنا فقط.»
ثم نظر إليها.
«وأنا لم أعد واثقاً أن ذاكرتي عادلة معها.»
شعرت إيزابيلا بقوة الطلب.
رفعت الكمان.
إيزابيلا: «إذا أردتني أن أتوقف، سأفعل.»
أومأ.
وضعت الآلة على كتفها.
قرأت أول نغمة.
فا.
تحرك القوس.
كانت المقطوعة بسيطة.
بسيطة إلى حد يجعلها جميلة.
لا استعراض.
لا انتقالات معقدة.
ثمانية موازير فقط.
لحن يشبه أغنية تهويدة لم تكتمل.
عزفته مرة.
ثم توقف.
لم تنظر إلى آرثر فوراً.
تركت آخر نغمة تموت وحدها.
حين رفعت عينيها، كان واقفاً عند النافذة.
ظهره إليها.
قال:
آرثر: «مرة أخرى.»
أعادت.
في المرة الثانية، جعلتها أبطأ قليلاً.
في الثالثة، سمعت شيئاً بين النغمات.
إجابة محتملة.
لم تعزفها.
لكن عقلها سمعها.
حين انتهت، بقي آرثر صامتاً.
وضعت الكمان.
آرثر: «هناك شيء ناقص.»
توقفت.
إيزابيلا: «نعم.»
استدار.
آرثر: «أنت سمعته أيضاً.»
إيزابيلا: «من أول مرة.»
اقترب.
آرثر: «ماذا؟»
ترددت.
إيزابيلا: «المقطوعة لا تنتهي.»
آرثر: «هذا واضح.»
هزت رأسها.
إيزابيلا: «لا أقصد أن الورقة ناقصة فقط.»
أشارت إلى النوتة.
«حتى الجملة نفسها تنتظر شيئاً.»
نظر إلى الورقة.
إيزابيلا: «كأنها سؤال.»
آرثر: «وهل تعرفين الجواب؟»
حدقت فيها.
إيزابيلا: «سمعت احتمالاً.»
نظر إليها بسرعة.
إيزابيلا: «لكنني لن أكتبه.»
آرثر: «لماذا؟»
إيزابيلا: «لأنه ليس لي.»
آرثر: «أنا أطلب منك ذلك.»
توقفت.
إيزابيلا: «أن أكمل مقطوعة أمك؟»
آرثر: «أن تسمعي ماذا كانت ستصبح لو لم تتوقف.»
خفضت الكمان.
إيزابيلا: «هذا ليس شيئاً بسيطاً.»
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «وقد أفسدها.»
آرثر: «إذن أفسديها.»
نظرت إليه.
آرثر: «أشياء كثيرة هنا ظلت محفوظة لأنها لم تُلمس.»
صمت.
«لا أعرف إن كان ذلك احتراماً أم خوفاً.»
فهمت.
غرفة الموسيقى.
البيانو.
الورقة.
هو نفسه.
قالت:
إيزابيلا: «حسناً.»
جلست.
أمسكت القلم.
كتبت نغمة.
ثم توقفت.
آرثر لم يقترب.
ترك لها المسافة.
كتبت ثانية.
ثم ثالثة.
حملت الكمان.
عزفت الثمانية الأصلية.
ثم أضافت نغماتها.
خرج الجواب خافتاً.
لم يكن سعيداً.
ولا حزيناً.
كان دافئاً.
كأن السؤال لم يعد ينتظر العودة إلى الماضي.
بل يسمح لنفسه بالاستمرار.
حين انتهت، كان آرثر ينظر إليها بطريقة لم ترها من قبل.
لم يقل «جميل».
لم يقل شيئاً.
اقترب.
وقف أمامها.
خفضت الكمان.
قال:
آرثر: «مرة أخرى.»
إيزابيلا: «أنت متأكد؟»
آرثر: «نعم.»
عزفت.
لكن في منتصف الجملة الجديدة، أخطأت.
توقفت.
إيزابيلا: «آسفة.»
آرثر: «لا.»
اقترب أكثر.
آرثر: «لا تعتذري.»
أعاد بصره إلى الورقة.
ثم قال:
«أحب الخطأ.»
ضحكت.
إيزابيلا: «أنت أسوأ ناقد في التاريخ.»
آرثر: «كان فيه شيء حقيقي.»
نظرت إليه.
هذه العبارة.
نفس الشيء الذي قاله لها في أول ليلة عزفت فيها دون تخطيط.
ابتسمت.
إيزابيلا: «أنت تتعلم الموسيقى.»
آرثر: «وأنت تتعلمين الفوضى.»
إيزابيلا: «تأثير سيئ.»
آرثر: «متبادل.»
————
بعد الظهر، نزلا إلى الأرشيف السفلي للبحث عن أي أوراق أخرى تخص كاثرين.
كان القسم القديم من المكتبة في القبو.
سلالم ضيقة.
جدران حجرية.
ورائحة ورق وخشب ورطوبة خفيفة.
حملت إيزابيلا مصباحاً صغيراً.
آرثر أمامها.
إيزابيلا: «إذا وجدت هيكلاً عظمياً هنا، سأغادر.»
آرثر: «سأطلب من السائق تجهيز السيارة.»
إيزابيلا: «أنت غير مطمئن أبداً.»
آرثر: «لماذا سأكذب؟»
وصلوا إلى غرفة أرشيف طويلة.
رفوف عالية.
صناديق مرقمة.
سلم خشبي متحرك.
وقفت إيزابيلا في المنتصف.
إيزابيلا: «جنة.»
آرثر: «غبار.»
إيزابيلا: «كل شخص يرى ما يشبهه.»
نظر إليها.
إيزابيلا ابتسمت.
بدأا البحث.
بعد نصف ساعة، كانا قد وجدا كتباً مدرسية قديمة، خطابات، فواتير، صوراً، وحتى دفتر وصفات.
لكن لا موسيقى.
إيزابيلا صعدت السلم للوصول إلى صندوق علوي.
آرثر: «انزلي.»
إيزابيلا: «لماذا؟»
آرثر: «السلم قديم.»
إيزابيلا: «وأنا خفيفة.»
آرثر: «هذه ليست معادلة هندسية مطمئنة.»
إيزابيلا: «اقترب إذا كنت خائفاً.»
آرثر: «أنا لست خائفاً.»
إيزابيلا: «تعابير وجهك تُظهر أنك خائف من وقوعي على السلم.»
سمعت زفيره.
وصلت إلى الصندوق.
إيزابيلا: «وجدته.»
سحبته.
كان أثقل مما توقعت.
اختل توازنها قليلاً.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «أنا بخير.»
انزلقت قدمها.
لم تسقط.
لأن آرثر كان تحتها فوراً.
أمسك خصرها بكلتا يديه.
استقرت قدمها على درجة أقل.
لكن جسدها انحنى نحوه.
توقفت.
كان وجهه قريباً.
قريباً جداً.
قال بصرامة:
آرثر: «انزلي.»
إيزابيلا: «يمكنني—»
آرثر: «الآن.»
هذه المرة أطاعته.
نزلت درجة.
ثم أخرى.
يداه لم تتركا خصرها.
حين وصلت إلى الأرض، بقيت بين ذراعيه.
الصندوق نسيته فوق السلم.
آرثر: «قلت لك إن السلم قديم.»
إيزابيلا: «لم أسقط.»
آرثر: «لأنني أمسكت بك.»
إيزابيلا: «إذن النظام عمل.»
نظر إليها غير مصدق.
إيزابيلا ابتسمت.
لكن ابتسامتها اختفت ببطء.
لأن يديه بقيتا حول خصرها.
ولأنها شعرت بإبهاميه عند جانبيها.
ولأنه لم يتراجع.
الحركة الصغيرة التي قام بها صدره حين أخذ نفساً وصلت إليها.
رفعت عينيها.
كانت تلك النظرة هناك.
مرة أخرى.
لكن أقوى.
ربما لأنهما قضيا يومين كاملين وهما يقتربان ثم يتوقفان.
ربما لأن كليهما تعب من المسافة.
قال آرثر:
آرثر: «أنت تستمتعين بهذا.»
إيزابيلا: «بماذا؟»
آرثر: «بدفعي إلى حدود صبري.»
قالت ببراءة مصطنعة:
إيزابيلا: «أنا فقط أحاول الوصول إلى صندوق.»
شد يديه حول خصرها قليلاً.
فقدت ابتسامتها.
آرثر: «إيزابيلا.»
صوته وحده جعل أنفاسها تتغير.
رفعت يديها.
وضعت كفيها فوق صدره.
لا لتبعده.
وهو شعر بذلك.
نظرت إلى فمه.
هذه المرة لم تحاول إخفاء ذلك.
عيناه هبطتا إلى شفتيها في اللحظة نفسها.
قالت بصوت خافت:
إيزابيلا: «أظن أنك تعطي عقلك فرصاً كثيرة.»
آرثر: «وأنت تعطينه أسباباً قليلة.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «مسكين.»
اقترب.
آرثر: «لا تشفقي عليّ.»
انخفض صوته أكثر.
إيزابيلا: «لم أفعل.»
لم يبق بينهما إلا مسافة نفس.
رفعت إحدى يديها من صدره.
أصابعها وصلت إلى ياقة قميصه.
أمسكتها بخفة.
لم تسحبه.
لكنها لم تترك أي مجال للشك.
تغيرت نظرة آرثر تماماً.
إحدى يديه ارتفعت من خصرها إلى ظهرها.
جذبها نحوه نصف خطوة.
تلامس جسداهما بالكامل تقريباً.
شهقت بهدوء.
أغمض عينيه للحظة.
آرثر: «لا تفعلي ذلك.»
إيزابيلا: «ماذا؟»
آرثر: «تبدين بريئة بعد أن تفعلي شيئاً كهذا.»
ضحكت بخفوت.
إيزابيلا: «أنا بريئة.»
فتح عينيه.
آرثر: «أنت كارثة.»
اقترب فمه.
مر قرب خدها.
لم يقبل شفتيها.
لكن شفتيه لامستا المنطقة القريبة من صدغها.
قبلة خفيفة.
ثم أخرى على جانب جبينها.
توقفت أنفاسها.
يده على ظهرها شدتها إليه.
فمه انخفض قرب أذنها.
همس:
آرثر: «أخبريني أن أتركك.»
ارتجف شيء داخلها.
إيزابيلا: «لماذا؟»
آرثر: «لأنني بحاجة أن أسمعها منك.»
ابتعد قليلاً لينظر إليها.
هذه المرة، كان واضحاً أنه يعطيها الاختيار.
كامل الاختيار.
إيزابيلا نظرت إليه.
ثم رفعت يدها.
لمست جانب وجهه.
أصابعها مرت فوق لحيته الخفيفة عند الفك.
قالت:
إيزابيلا: «لا أريدك أن تتركني.»
تغيرت أنفاسه.
تغير كل شيء.
يده ارتفعت إلى خلف عنقها.
اقترب.
إيزابيلا أغمضت عينيها.
لكن قبل أن تصل شفتيه إليها…
صدر صوت فرقعة عالية من فوقهما.
فتحا عينيهما.
تحرك الرف.
آرثر دفعها خلفه فوراً.
سقط صندوق صغير من الرف العلوي وانفجر محتواه فوق الأرض.
أوراق.
كتب.
وغبار.
وقفا ساكنين.
ثم نظرت إيزابيلا إلى آرثر.
ثم إلى الصندوق.
ثم إليه.
ضحكت.
ضحكة خرجت منها رغماً عنها.
حدق بها.
إيزابيلا: «الكون يكرهك فعلاً.»
مرر يده فوق وجهه.
آرثر: «بدأت أقتنع.»
ضحكت أكثر.
آرثر حاول أن يبقى غاضباً.
فشل.
ضحك هو أيضاً.
ثم توقفا.
ظل التوتر بينهما.
لكن الخطر الصغير كسره بما يكفي ليعيدهما إلى الأرض.
أشار إلى السلم.
آرثر: «لن تصعدي عليه مرة أخرى.»
إيزابيلا: «تسلط.»
آرثر: «قرار نهائي.»
إيزابيلا: «سأعترض رسمياً.»
آرثر: «مرفوض.»
ابتسمت.
ثم نظرت إلى الأوراق التي سقطت.
توقفت.
إيزابيلا: «آرثر.»
انحنت.
رفعت دفتراً صغيراً.
كان غلافه أخضر باهتاً.
فتحته.
في الصفحة الأولى:
«Katherine Blackwood — 2004»
تجمد آرثر.
أخذ الدفتر منها بحذر.
فتحه.
صفحة.
ثم أخرى.
نوتات.
كثيرة.
إيزابيلا حبست أنفاسها.
آرثر جلس على الأرض.
لم يهتم بالغبار.
بدأ يقلب.
المقطوعة الناقصة كانت هناك.
كاملة.
كلها.
نظر إليها.
لم يقل شيئاً.
لكن عينيه امتلأتا بشيء لم تستطع تجاهله.
جلست أمامه.
إيزابيلا: «وجدناها.»
أومأ.
مرر أصابعه فوق الصفحة.
آرثر: «نعم.»
ابتسمت.
«وجدناها.»
—————-
عزفتها له مساءً.
في غرفة أمه.
للمرة الأولى منذ موتها، امتلأت الغرفة بالمقطوعة كاملة.
آرثر وقف قرب البيانو.
إيزابيلا قرب النافذة.
عزفت دون أن تنظر إليه.
من البداية.
فا.
ثم الجملة التي عرفها.
ثم الأجزاء التي لم يسمعها منذ أكثر من نصف عمره.
كل شيء كان هناك.
وفي النهاية…
اكتشفت أنها لم تكن حزينة.
المقطوعة انتهت بنغمة دافئة.
مفتوحة.
تكاد تبتسم.
حين انتهت، بقي القوس فوق الوتر.
لم تتحرك.
سمعت آرثر يأخذ نفساً.
رفعته ببطء.
كان ينظر إلى البيانو.
إيزابيلا لم تقل شيئاً.
اقترب منها.
توقف أمامها.
ثم فعل شيئاً لم تتوقعه.
أخذ الكمان من يدها بحذر.
وضعه فوق المقعد.
ثم عاد.
فتح ذراعيه.
لم يقل كلمة.
إيزابيلا دخلت إليهما.
عانقته.
بقوة.
كان هذا العناق مختلفاً عن ليلة العاصفة.
لا خوف.
لا برد.
لا رغبة فقط.
كان فيه امتنان.
حزن.
وارتياح.
آرثر دفن وجهه في شعرها.
أغلق ذراعيه حولها.
قال عند أذنها:
آرثر: «شكراً.»
إيزابيلا: «أنت الذي وجد الدفتر.»
آرثر: «لست أقصد الدفتر.»
عرفت.
أغلقت عينيها.
بقيت بين ذراعيه.
بعد لحظات، رفع رأسه.
رفع وجهها بيده.
توقفت.
كانت عيناه مختلفتين.
لا دفاع.
لا هروب.
لا عقل يحاول أن ينقذه.
مرر إبهامه فوق خدها.
وقال:
آرثر: «هذه المرة…»
توقفت أنفاسها.
«إذا طلبت مني أن أتوقف، سأتوقف.»
قلبها بدأ يضرب بعنف.
إيزابيلا لم تبتسم.
لم تمزح.
رفعت يدها إلى وجهه.
قالت بهدوء شديد:
إيزابيلا: «لن أطلب.»
ثم سكت كل شيء.
لم تتحرك ملامح آرثر للحظة.
كأن الكلمات التي انتظرها طويلاً وصلت إليه أخيراً، لكنه لم يثق بها فوراً.
ظلت يده على جانب وجهها.
وظلت يد إيزابيلا فوق فكه.
خلفهما، بقي البيانو مفتوحاً.
والنغمة الأخيرة من مقطوعة كاثرين، رغم أنها انتهت منذ ثوانٍ، بدت وكأنها ما تزال معلقة في هواء الغرفة.
لم يكن هناك عاصفة هذه المرة.
ولا ظلام.
ولا باب يُطرق.
ولا صندوق يسقط من رف.
فقط هما.
والمسافة التي تعبت من النجاة بينهما.
اقترب آرثر ببطء.
ببطء جعل إيزابيلا تشعر بكل سنتيمتر يختفي.
ظل ينظر إليها حتى اللحظة الأخيرة.
كأنه يمنحها فرصة أخرى.
فرصة للتراجع.
لم تفعل.
بل رفعت وجهها نحوه.
وكانت تلك الحركة الصغيرة كافية.
لامست شفتاه شفتيها.
برفق أولاً.
قبلة قصيرة، مترددة، لا تشبه الرجل الذي اعتاد اتخاذ قراراته بلا تردد.
توقفت إيزابيلا عن التنفس.
لم يكن لأنها لم تتوقعها.
بل لأنها توقعتها كثيراً حتى بدا وقوعها أكثر تأثيراً من خيالها.
ابتعد آرثر مسافة ضئيلة.
لم يترك وجهها.
بقيت جبهته قريبة من جبهتها، وأنفاسه تختلط بأنفاسها.
فتح عينيه.
بحث في عينيها.
آرثر: «إيزابيلا؟»
لم تجبه بالكلام.
رفعت أصابعها إلى خلف عنقه.
وجذبته إليها.
كانت القبلة الثانية مختلفة تماماً.
اختفى التردد.
اقترب آرثر منها بقوة أسرع مما توقعت، وأحاط خصرها بذراع واحدة، بينما ثبتت يده الأخرى خلف عنقها برفق شديد يناقض الشغف الذي اشتعل في قبلته.
شهقت إيزابيلا داخل أنفاسه.
فتراجع نصف لحظة.
لكنه شعر بأصابعها تشد على ياقة قميصه.
فعاد إليها.
أعمق.
أبطأ.
وكأنه هذه المرة لا يريد الوصول إلى شيء بقدر ما يريد أن يحفظ اللحظة نفسها.
انحنت إيزابيلا نحوه بلا وعي.
كانت تشعر بحرارة جسده من خلال ملابسهما.
بأصابعه فوق خصرها.
بنبضه.
بأنفاسه التي لم تعد هادئة أبداً.
والأخطر من كل ذلك…
أنها لم تكن تريد منه أن يستعيد هدوءه.
رفع آرثر وجهه قليلاً.
انتقلت قبلاته من شفتيها إلى جانب فمها.
ثم إلى وجنتها.
توقفت قرب صدغها.
أغمضت إيزابيلا عينيها وهي تتنفس بصعوبة.
همس قرب جلدها:
آرثر: «كنت أعرف أن هذه فكرة سيئة.»
ابتسمت رغم ارتباك أنفاسها.
إيزابيلا: «متأخر قليلاً.»
شعرت بابتسامته قرب خدها.
آرثر: «كثيراً.»
رفع رأسه.
نظر إليها.
كان هناك شيء جديد تماماً في عينيه.
لم تعد نظرة الرجل الذي يقاوم.
بل نظرة الرجل الذي توقف عن الادعاء بأنه لا يريد.
مرر إبهامه ببطء على شفتها السفلى.
توقفت ابتسامتها.
تابعت حركة إصبعه بعينيها.
ثم رفعت نظرها إليه.
إيزابيلا: «لا تنظر إلي هكذا.»
آرثر: «كيف؟»
صوته أصبح أخفض.
إيزابيلا: «أنت تعرف.»
اقترب قليلاً.
آرثر: «أنت تستخدمين جملتي.»
إيزابيلا: «لأنها مفيدة.»
آرثر: «لن أتوقف.»
شعرت بقلبها يقفز.
إيزابيلا: «عن ماذا؟»
عرفت أنها لا يجب أن تسأل.
لكنه لم ينقذها.
آرثر: «عن النظر إليك.»
صمت.
ثم أضاف:
«وعن التفكير في تقبيلك مرة أخرى.»
هبطت عيناه إلى فمها.
لم تستطع إيزابيلا منع ابتسامتها.
إيزابيلا: «إذن لديك مشكلة.»
آرثر: «كبيرة.»
إيزابيلا: «وهل لديك حل؟»
شد ذراعه حول خصرها.
آرثر: «نعم.»
وقبّلها مجدداً.
هذه المرة ضحكت إيزابيلا في منتصف القبلة.
ابتعد آرثر قليلاً.
آرثر: «لماذا تضحكين؟»
حاولت أن تأخذ نفساً.
إيزابيلا: «لا أعرف.»
آرثر: «هذا مطمئن.»
إيزابيلا: «ربما لأننا احتجنا عاصفة، وسلماً مكسوراً، وصندوقاً يسقط فوق رؤوسنا، وامرأة ماتت منذ تسعة عشر عاماً تقريباً حتى تفعلها.»
تغيرت نظرته للحظة عند ذكر أمه.
لكن لم يدخل فيها الألم المعتاد.
بل شيء أهدأ.
نظر إلى البيانو.
ثم إليها.
آرثر: «ربما كانت ستجد الأمر مسلياً.»
إيزابيلا: «أمك؟»
أومأ براسه.
آرثر: «كانت تقول إنني أفكر قبل أي خطوة حتى أموت نصف متردد.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «أحبها أكثر كلما عرفت عنها شيئاً.»
نظر إليها بنعومة.
آرثر: «كانت ستحبك.»
توقفت ابتسامتها.
لم يتراجع عن الجملة.
ولم يحاول تحويلها إلى مزاح.
إيزابيلا: «لا تقل أشياء كهذه وأنت تمسك بي بهذه الطريقة.»
رفع حاجباً.
آرثر: «لماذا؟»
إيزابيلا: «لأنها تجعلني…»
سكتت.
آرثر: «تجعلك ماذا؟»
وضعت كفها فوق فمه.
إيزابيلا: «لا.»
ضحك خلف أصابعها.
أبعد يدها عن فمه.
لكنه لم يتركها.
قبّل أطراف أصابعها واحدة واحدة.
توقفت أنفاسها من جديد.
إيزابيلا: «أنت تتعلم بسرعة.»
آرثر: «في ماذا؟»
إيزابيلا: «كيف تكون خطيراً.»
شد أصابعه حول يدها.
آرثر: «كنتِ تقولين إنني بارد قبل أسبوعين.»
إيزابيلا: «كنت مخطئة.»
اقترب من أذنها.
آرثر: «قوليها مرة أخرى.»
ضحكت.
إيزابيلا: «احلم.»
————
جلسا بعد ذلك على المقعد قرب البيانو.
إيزابيلا إلى جانبه.
قريبة بما يكفي لتلامس ركبتاهما.
لم يكن هناك سبب لهذه المسافة الصغيرة.
كان يمكنها الجلوس في الطرف الآخر.
كان يمكنه الابتعاد.
لكن بعد كل ما حدث، بدا التصنع أكثر إحراجاً من القرب نفسه.
قالت إيزابيلا:
إيزابيلا: «ماذا سيحدث الآن؟»
نظر إليها.
آرثر: «سؤال كبير.»
إيزابيلا: «أنا جادة.»
سكت قليلاً.
آرثر: «لا أعرف.»
رفعت حاجبيها.
إيزابيلا: «هذا ثاني اعتراف لك بعدم المعرفة خلال أسبوعين.»
آرثر: «أنت تفسدين سمعتي.»
ابتسمت.
ثم عادت إلى الجدية.
إيزابيلا: «أنا هنا لأسابيع فقط.»
تغير وجهه.
ها هي الحقيقة التي حاول كلاهما تجاهلها.
العقد.
الحفل.
النهاية المحددة مسبقاً.
قال آرثر:
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «ولا أريد…»
ترددت.
آرثر: «ماذا؟»
نظرت إلى يديها.
إيزابيلا: «لا أريد أن نحول هذا إلى شيء نندم عليه لأننا كنا معزولين هنا.»
سكت.
ثم أخذ يدها.
ربط أصابعه بأصابعها.
آرثر: «هل ما حدث قبل قليل بدا لك نتيجة العزلة؟»
رفعت عينيها.
إيزابيلا: «لا.»
آرثر: «ولي أيضاً نفس الشئ.»
أراح ظهره على المقعد.
آرثر: «لكنني لن أطلب منك قراراً الآن.»
إيزابيلا: «قراراً عن ماذا؟»
نظر إليها.
آرثر: «عن أي شيء.»
قالها بجدية جعلتها تصمت.
آرثر: «لا أريد أن نتظاهر أن شيئاً لم يحدث.»
شد يده حول يدها.
«ولا أريد أن أضع اسماً عليه فقط لأن الصمت يخيفنا.»
نظرت إليه.
هذا هو النوع من الكلام الذي لم تتوقعه منه في أول يوم.
رجل كان لا يعرف كيف يشرح مكالمة هاتفية، أصبح الآن يتعامل مع أكثر شيء يخيفه بوضوح أكبر منها.
إيزابيلا: «هذا منطقي بشكل مزعج.»
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «غرورك عاد.»
آرثر: «لم يذهب.»
ابتسمت.
ثم قالت:
إيزابيلا: «لكن هناك قاعدة.»
آرثر: «ما هي؟»
إيزابيلا: «ممنوع أن تقبلني ثم تقرر في اليوم التالي أن تصبح الجدار الشمالي للقصر.»
ظهر فهم مباشر في عينيه.
إيزابيلا: «إذا خفت، تكلم.»
أضافت:
«إذا ندمت، تكلم.»
توقفت لحظة.
«إذا أردت أن تبطئ، تكلم. لكن لا تختفِ داخل نفسك ثم تجعلني أحاول معرفة ما فعلتُه.»
أومأ ببطء.
آرثر: «اتفقنا.»
إيزابيلا: «وأنا أيضاً.»
آرثر: «أيضاً ماذا؟»
إيزابيلا: «إذا خفت، لن أهرب.»
مرت في عينيه لمعة غريبة.
الرحيل.
حتى قبل أن يحدث، كان يخيفه.
لم تعرف لماذا شعرت بذلك.
قال:
آرثر: «اتفقنا.»
———–
لم يخبرا أحداً بشيء.
ولم يكن هناك شيء رسمي ليخبراه أصلاً.
لكن بلاك وود عرف.
أو هكذا شعرت إيزابيلا.
في اليوم التالي، حين دخلت غرفة الإفطار، كان آرثر واقفاً قرب النافذة يتحدث في الهاتف.
رفع عينيه فور دخولها.
توقفت خطواتها لحظة.
لم يكن في نظرته ما يمكن أن يلاحظه أي شخص آخر.
لكنها لاحظت.
أنه نظر إلى شفتيها.
ثم عينيها.
ثم عاد إلى مكالمته.
كأن لا شيء حدث.
كرهت مدى تأثير ذلك عليها.
جلست.
صبّت الشاي.
بعد دقيقة، أنهى المكالمة.
جلس أمامها.
قال:
آرثر: «صباح الخير.»
إيزابيلا: «صباح الخير.»
صمت.
ثم مد يده إلى الخبز.
كانت السيدة غراهام ترتب الأطباق قربهما.
إيزابيلا رفعت كوبها.
آرثر تناول الخبز.
كل شيء طبيعي.
تحت الطاولة، لامست قدمه قدمها.
ظنتها صدفة.
تحركت قليلاً.
تبعها.
رفعت عينيها إليه.
كان يضع الزبدة على الخبز ببرود تام.
ضيقت عينيها.
حركت قدمها إلى الجهة الأخرى.
تبعها مرة أخرى.
كادت تضحك.
همست:
إيزابيلا: «طفولي.»
آرثر: «ماذا؟»
قالها بصوت عادي.
رفعت السيدة غراهام رأسها.
إيزابيلا: «قلت إن الجو جميل.»
نظرت السيدة غراهام إلى النافذة.
كانت السماء رمادية.
السيدة غراهام: «بالطبع.»
ابتعدت.
نظر آرثر إلى إيزابيلا.
كانت ابتسامته واضحة الآن.
ركلته تحت الطاولة.
آرثر: «آه.»
السيدة غراهام التفتت.
آرثر: «لا شيء.»
خفضت إيزابيلا رأسها داخل كوبها كي لا تضحك.
—————–
كانت الأيام التالية أجمل وأكثر إرباكاً مما توقعت.
لم يتحولا فجأة إلى عاشقين في رواية رخيصة يتبادلان القبل في كل ممر.
بل حدث شيء أكثر خطورة.
بدآ يتصرفان كأنهما يعرفان بعضهما منذ وقت أطول.
صار آرثر يأتي إلى غرفة الموسيقى حاملاً قهوته، يجلس ويعمل بينما تؤلف.
أحياناً لا يتحدثان ساعة كاملة.
ثم تنهض إيزابيلا لتأخذ شيئاً، فتمر قربه، فيمد يده ويمسك أصابعها ثانية واحدة فقط قبل أن يتركها.
في الممر، إذا لم يكن هناك أحد، قد تمر يده عند أسفل ظهرها وهو يفسح لها الطريق.
حركة بسيطة.
لكنها تجعلها تنسى أين كانت ذاهبة.
وفي إحدى المرات، كانت تكتب فوق البيانو حين وقف خلفها ليقرأ النوتة.
اقترب أكثر من اللازم.
عرفت أنه يفعلها عن قصد.
إيزابيلا: «أستطيع الشعور بأنفاسك.»
آرثر: «وأنا أستطيع رؤية الخطأ في السطر الثالث.»
نظرت إلى الورقة.
إيزابيلا: «لا يوجد خطأ.»
آرثر: «إذن ربما كنت أبحث عن سبب للبقاء.»
التفتت ببطء.
كان خلفها مباشرة.
إيزابيلا: «أنت أصبحت وقحاً.»
آرثر: «تأثيرك.»
قرب فمه من صدغها.
قبلة صغيرة.
ثم ابتعد وكأن شيئاً لم يحدث.
وقفت إيزابيلا تحمل القلم في الهواء.
إيزابيلا: «آرثر.»
كان قد وصل إلى الباب.
استدار.
إيزابيلا: «أنت فعلت ذلك فقط لتربكني.»
آرثر: «هل نجح؟»
رمقته بنظراتها.
ثم ابتسم وغادر.
نظرت إلى النوتة.
لم تعد تعرف أين كانت.
إيزابيلا: «أكرهه.»
ثم ابتسمت.
«كاذبة.»
————-
أما القبل…
فكانت أقل عدداً مما توقعت.
وهذا جعلها أسوأ.
كل واحدة تأتي بعد انتظار.
مرة قرب النافذة حين انتهت من عزف مقطع أعجبه، اقترب وقبّلها بهدوء.
مرة في المكتبة حين اختلفا على كتاب، فقالت له إنه متعجرف، فوضع الكتاب جانباً وسألها إن كانت ما تزال تظن ذلك قبل أن يسكت جوابها بقبلة.
ومرة عند منتصف الليل، حين كانت ستعود إلى غرفتها.
وقفا عند بابها.
قالت:
إيزابيلا: «ليلة سعيدة.»
آرثر: «ليلة سعيدة.»
لم يتحرك.
هي أيضاً لم تتحرك.
إيزابيلا: «من المفترض أن تذهب.»
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «إذن؟»
اقترب.
كانت القبلة تلك الليلة أبطأ.
أكثر حميمية.
يده عند خصرها.
ويدها فوق صدره.
لم يكن فيها استعجال.
فقط ذلك النوع من القبل الذي يجعل الانفصال بعدها أصعب من البداية.
حين ابتعد، بقيت عيناها مغلقتين لحظة.
سمعته يهمس:
آرثر: «هذا أصبح خطيراً.»
فتحت عينيها.
إيزابيلا: «تقولها وكأنك ستتوقف.»
نظر إليها.
آرثر: «لن أكذب عليك.»
ثم قبّل جبهتها وغادر.
وظلت واقفة عند الباب مبتسمة كحمقاء لدقيقة كاملة.
لكن أجمل شيء لم يكن القبل.
كان ما حدث بينهما في المسافات الصغيرة.
آرثر بدأ يتكلم أكثر.
ليس كثيراً.
لكنه صار يخبرها مثلاً أن اجتماعاً أزعجه.
أن مشروعاً فشل.
أن أباه لم يعش ليرى اكتمال ترميم بلاك وود.
أن لديه أختاً أكبر تعيش في كندا، وأن العلاقة بينهما جيدة لكنها بعيدة.
وهي حكت له عن أمها.
عن أول مسابقة خسرتها.
عن خوفها المرضي في طفولتها من الوقوف وحدها على المسرح.
عن الرجل الذي دربها سنوات وكان قاسياً لدرجة جعلتها تبكي في الحمام ثم تعود لتكمل التدريب.
قال آرثر ذات مرة:
آرثر: «هل أحببتِ أحداً؟»
توقفت عن الكتابة.
كان السؤال بسيطاً.
لكن نبرته لم تكن.
إيزابيلا: «من قبل؟»
آرثر: «نعم.»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «هل هذه غيرة؟»
آرثر: «فضول.»
إيزابيلا: «كاذب.»
لم ينكر.
ابتسمت.
ثم قالت:
إيزابيلا: «مرتين.»
اختفت ابتسامته قليلاً.
إيزابيلا ضحكت.
إيزابيلا: «وجهك.»
آرثر: «ماذا به؟»
إيزابيلا: «كارثة.»
آرثر: «أكملي.»
إيزابيلا: «الأولى كانت وأنا صغيرة. لا تُحتَسب.»
آرثر: «والثانية؟»
تغيرت ملامحها.
إيزابيلا: «تُحسبْ.»
لم يسأل مباشرة.
انتظر.
قالت:
إيزابيلا: «كنا معاً ثلاث سنوات.»
آرثر: «ماذا حدث؟»
إيزابيلا: «أراد حياة لا تناسبني.»
آرثر: «مثل؟»
إيزابيلا: «أراد الاستقرار. بيتاً. مدينة واحدة. جدولاً يعرفه.»
ابتسمت بحزن بسيط.
«وأنا كنت أتنقل بين المطارات أكثر مما أنام في سريري.»
آرثر: «لم يكن يحب عملك؟»
إيزابيلا: «كان يحب فكرة أنني ناجحة.»
نظرت إليه.
«لم يحب ما يتطلبه النجاح مني.»
فهم.
قال:
آرثر: «ومن أنهى العلاقة؟»
إيزابيلا: «أنا.»
لم يتغير وجهه.
لكن كتفيه استرخيا قليلاً.
ضحكت.
إيزابيلا: «أنت فعلاً تغار.»
آرثر: «لا.»
إيزابيلا: «آرثر.»
آرثر: «أنا أجمع معلومات.»
إيزابيلا: «مهندس معماري جداً.»
رفع عينيه.
آرثر: «هل ما زلت تحبينه؟»
اختفت المزحة.
حدقت فيه.
ثم قالت:
إيزابيلا: «لا.»
هدأ شيء داخله بوضوح.
إيزابيلا لاحظت.
اقتربت منه.
إيزابيلا: «وأنت؟»
آرثر: «أنا ماذا؟»
إيزابيلا: «كم مرة؟»
صمت.
إيزابيلا: «لا تقل لي لم تحب أبداً.»
آرثر: «لن أقول.»
جلست مقابله.
آرثر: «مرة.»
إيزابيلا: «وماذا حدث؟»
لم يجب فوراً.
آرثر: «كانت تريد مني أشياء لم أستطع إعطاءها لها.»
إيزابيلا: «مثل ماذا؟»
نظر إليها.
آرثر: «الثقة.»
سكتت.
لم يكن جواباً يفتح فضولها فقط.
بل يفسر أجزاء كثيرة منه.
آرثر: «كانت محقة في النهاية.»
إيزابيلا: «في ماذا؟»
آرثر: «أنني كنت أطلب منها البقاء خلف أبواب لا أفتحها.»
انخفضت نظرتها.
عرف كلاهما أن الحديث لم يعد عن امرأة من الماضي فقط.
مدت يدها.
وضعتها فوق يده.
إيزابيلا: «أنت تفتح بعضها الآن.»
قلب كفه.
ربط أصابعه بأصابعها.
آرثر: «معك.»
لم تعرف لماذا جعلتها الكلمة تخاف قليلاً.
وربما لأنه لاحظ، أضاف:
آرثر: «ولا أقول ذلك لأضع عليك مسؤولية.»
رفع يدها وقبّلها.
«إنها مسؤوليتي أنا أن أبقيها مفتوحة.»
شعرت بشيء دافئ جداً داخلها.
إيزابيلا: «هذا جواب جيد.»
آرثر: «اكتبيه.لأنه لن يتكرر.»
———————-
مر اليوم التاسع عشر.
بقي على الحفل أحد عشر يوماً.
وكلما اقتربت الليلة، ازداد ضغط العمل.
وصلت فرقة الأوركسترا الصغيرة التي سترافق جزءاً من المقطوعة.
بدأت التدريبات.
امتلأت القاعة بالعمال.
عادت الهواتف والاجتماعات والأشغال.
وحاولت الحياة أن تدخل إلى المساحة الصغيرة التي بناها الاثنان بينهما.
في صباح اليوم العشرين، كانت إيزابيلا على المسرح تتحدث إلى مهندس الصوت.
آرثر في الجهة الأخرى من القاعة، يراجع مخطط تثبيت إحدى القطع الزخرفية المؤقتة.
رفعت إيزابيلا عينها نحوه.
كان يناقش أحد العمال.
شعر بها.
التفت.
التقت عيناهما عبر القاعة المزدحمة.
ابتسمت.
لم يستطع أن يبتسم مثلها أمام الجميع.
لكنه رفع حاجباً.
صارت تعرف أن هذه طريقته في إرسال تحية سرية.
رفعت هي حاجبها رداً عليه.
هز رأسه وكأنه يقول إنها سخيفة.
عادت إلى حديثها.
بعد دقائق، اقترب منها شاب من فريق الأوركسترا.
كان عازف تشيلو يدعى دانيال.
تعرفه من حفلات سابقة.
دانيال: «إيزابيلا!»
استدارت.
ابتسمت بصدق.
إيزابيلا: «دانيال؟ لم أكن أعرف أنك ضمن الفرقة.»
عانقها عناق أصدقاء سريعاً.
دانيال: «استُبدلَ العازف الأصلي قبل يومين.»
إيزابيلا: «أخيراً شخص طبيعي في هذا المكان.»
ضحك.
على الجهة الأخرى من القاعة، توقف آرثر عن الحديث.
لم يعرف لماذا.
أو عرف ولم يعجبه الأمر.
نظر إلى الرجل الذي عانقها.
ثم إلى إيزابيلا التي كانت تضحك.
السيد هاريس: «السيد آرثر؟»
أعاد نظره إلى المخطط.
آرثر: «نعم.»
السيد هاريس: «قلت إن الارتفاع…»
آرثر: «متران وأربعون.»
أكمل الحديث.
لكنه نظر إليهما مرة أخرى بعد أقل من دقيقة.
—————–
لاحظت إيزابيلا في العشاء. أن آرثر هادئاً أكثر من المعتاد.
قالت:
إيزابيلا: «ماذا بك؟»
آرثر: «لا شيء.»
إيزابيلا: «كاذب.»
آرثر: «أنا متعب.»
أكلت لقمة. ثم قالت:
إيزابيلا: «دانيال ظريف، أليس كذلك؟»
توقفت شوكته.
نظرت إلى طبقها حتى لا تضحك.
آرثر: «لا أعرفه.»
إيزابيلا: «يمكنك التعرف عليه.»
آرثر: «لماذا؟»
رفعت كتفيها.
إيزابيلا: «ربما يعجبك.»
آرثر: «أشك.»
عضت داخل خدها.
آرثر: «ما المضحك؟»
رفعت رأسها.
إيزابيلا: «لا شيء.»
ضيّق عينيه.
فشلت.
ضحكت.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «أنت تغار!»
آرثر: «لا.»
إيزابيلا: «مرة أخرى؟»
آرثر: «لا أعرف الرجل.»
إيزابيلا: «وهذا منعك من كرهه؟»
آرثر: «لم أقل إنني أكرهه.»
إيزابيلا: «ولكن تعابير وجهك تقول عكس ذلك.»
صمت. ثم قال:
آرثر: «عانقك.»
انفجرت ضاحكة.
حدق بها.
إيزابيلا: «يا إلهي.»
آرثر: «أنا سعيد أنك مستمتعة.»
مدت يدها فوق الطاولة.
إيزابيلا: «دانيال متزوج.»
توقف عن الحركة وهو ينظر لها.
إيزابيلا: «وعنده طفلتان.»
اختفت الصرامة من وجهه قليلاً.
إيزابيلا: «وأنا عزفت معه سنوات.»
نظر إلى يدها.
ثم أمسكها.
آرثر: «كان بإمكانك قول هذا منذ البداية.»
إيزابيلا: «وأحرم نفسي من هذا؟ مستحيييل.»
آرثر: «قاسية.»
إيزابيلا: «قليلاً.»
ثم مالت إلى الأمام.
إيزابيلا: «لكن الأمر لطيف.»
رفع حاجباً.
آرثر: «أي جزء؟»
إيزابيلا: «أنك تغار.»
آرثر: «قلت لك—»
إيزابيلا: «اسكت.»
ضحك رغماً عنه.
—————-
لاحقاً، وقفا في الممر خارج غرفة الطعام.
كانت إيزابيلا ستتجه إلى غرفتها.
أمسك آرثر يدها.
استدارت.
جذبها نحوه.
إيزابيلا: «ماذا؟»
آرثر: «تعالي.»
قادها إلى جزء مظلم قليلاً من الممر بعيداً عن الأبواب.
إيزابيلا: «هذا يبدو مريباً.»
آرثر: «جيد.»
قبل أن تسأله، وضع يده عند خصرها وقبّلها.
مباشرة.
بلا مقدمات.
ضحكت إيزابيلا في البداية.
ثم اختفى ضحكها.
القبلة لم تكن غاضبة.
لكن كان فيها شيء تملكي صغير ومكشوف جعل حرارة تجري في جسدها.
وضعت يديها حول عنقه.
اقتربت منه.
حين ابتعد، بقيت عيناه قريبتين منها.
إيزابيلا: «هذه بسبب دانيال؟»
آرثر: «لا.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «كاذب.»
قبّلها مرة أخرى وكانت أقصر.
ثم همس:
آرثر: «هذه لأنك أزعجتني طوال العشاء.»
إيزابيلا: «والأولى؟»
نظر إليها.
آرثر: «لأنني أردت.»
شعرت بابتسامة تتسلل إلى وجهها.
إيزابيلا: «جواب مقبول.»
أحاطها بذراعيه ومالت إلى صدره.
قال بعد لحظة:
آرثر: «أنا لا أحب الغيرة.»
إيزابيلا: «ولا أنا.»
آرثر: «ولا أريد أن أصبح رجلاً يعتقد أن من حقه أن يسألك مع من تتكلمين أو من يعانقك.»
رفعت رأسها إليه.
آرثر: «إذا فعلت يوماً، قولي لي إنني أتصرف كأحمق.»
إيزابيلا: «سأقولها بكل سرور.»
ابتسم.
إيزابيلا: «لكن يمكنك أن تغار قليلاً.»
آرثر: «لماذا؟»
اقتربت من أذنه.
همست:
إيزابيلا: «لأنني أحببت نظرتك.»
تجمد.
ابتعدت خطوة وهي تبتسم.
آرثر: «إيزابيلا.»
استدارت ومشت.
إيزابيلا: «ليلة سعيدة.»
آرثر: «عودي.»
ضحكت.
إيزابيلا: «لا.»
لحق بها خطوتين.
تسارعت في المشي.
إيزابيلا: «آرثر!»
كان يضحك.
وللمرة الأولى منذ أن عرفته، رأته يركض في ممرات بلاك وود مثل رجل نسي تماماً أنه صاحب القصر.
وصل إليها قبل الدرج.
أمسكها من خصرها من الخلف.
صرخت ضاحكة.
إيزابيلا: «اتركني!»
آرثر: «اعتذري.»
إيزابيلا: «أبداً.»
لفها نحوه.
كانت تضحك بشدة حتى لم تستطع المقاومة.
أوقفها بين ذراعيه ونظر إليها.
تلاشى ضحكهما ببطء.
بقيت ابتسامتها.
يده عند خصرها ويدها فوق كتفه.
قال:
آرثر: «أحب ضحكتك.»
توقفت.
كان يمكنه قولها بطريقة عابرة.
لكنه لم يفعل.
قالها كما لو أنه اكتشف حقيقة.
إيزابيلا: «وأنا أحب أنك السبب فيها أحياناً.»
هدأت ملامحه.
اقترب.
قبّل جبهتها.
ثم أنفها.
ضحكت من جديد.
إيزابيلا: «ماذا تفعل؟»
آرثر: «أجرب.»
إيزابيلا: «فاشل.»
قبّل خدها.
إيزابيلا: «أفضل.»
ثم نظر إلى شفتيها.
إيزابيلا: «آه… الآن فهمت.»
ابتسم.
وقبّلها.
——————
في تلك الليلة، دخلت إيزابيلا غرفتها وهي تعرف أن شيئاً خطيراً زلزل كيانها.
ولم يكن القبلة.
ولا الغيرة.
ولا العناق.
كان أبسط من ذلك.
كانت سعيدة.
سعيدة بطريقة لم تكن مرتبطة بحفل.
ولا نقد.
ولا نجاح.
ولا جمهور.
سعيدة لأنها قضت المساء مع رجل جعلها تضحك في ممر مظلم.
وضعت يدها فوق صدرها.
ثم جلست على حافة السرير.
بقي أحد عشر يوماً.
فقط.
لأول مرة منذ وصولها، لم يعجبها الرقم.
على الجانب الآخر من القصر، وقف آرثر أمام نافذة مكتبه.
كان هاتفه في يده.
رسالة جديدة ظهرت فوق الشاشة.
من المحامي المكلف بملف باريس.
«نحتاج موافقتك النهائية على مستندات نقل الملكية قبل نهاية الأسبوع لضمان إتمام الإجراءات بعد الحفل.»
قرأها مرة.
ثم مرة ثانية.
اختفت الابتسامة من وجهه.
رفع عينيه نحو الجناح الغربي.
حيث غرفة إيزابيلا.
بقي ساكناً.
ثم أغلق الهاتف دون أن يرد.
وعلى مكتبه…
تحت ملف مشروع باريس…
كانت هناك نسخة من عقد بيع بلاك وود.
لم تعد قديمة, ولم تكن ملغاة بعد.
————————
استيقظ آرثر في السادسة صباحاً، رغم أنه لم ينم إلا بعد الثانية.
لم يكن الأرق جديداً عليه.
الجديد هو السبب.
بقي مستلقياً لثوانٍ ينظر إلى السقف، ثم مد يده إلى الهاتف الموضوع فوق الطاولة المجاورة.
كانت الرسالة ما تزال هناك.
«نحتاج موافقتك النهائية على مستندات نقل الملكية قبل نهاية الأسبوع لضمان إتمام الإجراءات بعد الحفل.»
قرأها مرة أخرى.
ثم أطفأ الشاشة.
لم يكن القرار معقداً قبل ثلاثة أسابيع.
كان واضحاً.
يقام حفل الذكرى المئوية.
ينتهي التزامه الأخير تجاه القصر.
تنتقل الملكية إلى الشركة الجديدة.
ثم يغادر إلى باريس. ليس هروباً، كما أخبر نفسه مراراً.
بل خطوة عملية.
مشروع معماري ضخم ينتظره هناك منذ أكثر من عام، ومقر جديد للشركة، وفرصة للعودة إلى حياة يعرف كيف يديرها.
بلاك وود، في المقابل، أخذ منه ثماني سنوات.
ثماني سنوات من الترميم.
من الذكريات.
من محاولة إصلاح شيء لم يكن متأكداً أبداً إن كان يريد الاحتفاظ به بعد أن يصلحه.
كان البيع منطقياً.
بل ربما كان أكثر القرارات عقلانية التي اتخذها منذ سنوات.
المشكلة أن العقلانية لم تعد هي الشيء الوحيد الموجود في القصر.
جلس على طرف السرير.
ومن الجناح الغربي، بعيداً عبر الممرات، وصل إليه صوت كمان خافت.
رفع رأسه.
إيزابيلا.
في السادسة والربع صباحاً.
ابتسم رغم نفسه.
ثم قال للغرفة الفارغة:
آرثر: «مجنونة.»
ومع ذلك، لم يعد إلى النوم.
————-
كانت إيزابيلا تعزف وهي ترتدي ثوباً منزلياً طويلاً، وشعرها مرفوع فوق رأسها.
سمعت طرقاً خفيفاً على الباب.
إيزابيلا: «ادخل.»
فتح آرثر.
توقفت.
نظرت إليه.
ثم إلى الساعة.
إيزابيلا: «هل متّ؟»
عقد حاجبيه.
آرثر: «صباح الخير لك أيضاً.»
إيزابيلا: «الساعة السادسة والنصف، وأنت تقف عند بابي من دون بدلة أو هاتف في يدك. هذا ليس طبيعياً.»
نظر إلى نفسه.
كان يرتدي بنطالاً داكناً وسترة صوفية خفيفة.
آرثر: «أعتقد أنني أبدو حياً.»
إيزابيلا: «جسدياً.»
دخل وهو يحمل كوبين.
رفعت حاجبيها.
إيزابيلا: «ما هذا؟»
مد أحدهما إليها.
آرثر: «شاي.»
أخذته.
فتحت الغطاء.
ليمون بالطريقة التي تحبها.
نظرت إليه.
إيزابيلا: «أحضرت لي الشاي؟»
آرثر: «يبدو أنك بحاجة إليه.»
إيزابيلا: «هل ارتكبت جريمة؟»
جلس على الأريكة.
آرثر: «سأعيده للمطبخ.»
ضمّت الكوب إلى صدرها.
إيزابيلا: «المسه وسأقطع يدك.»
رفع حاجباً.
إيزابيلا: «شكراً.»
نظر إلى الكمان.
آرثر: «لماذا تعزفين الآن؟»
إيزابيلا: «استيقظت وفي رأسي الجملة الأخيرة.»
آرثر: «وأزعجك احتمال أن تنسيها حتى الثامنة؟»
إيزابيلا: «أنت مهندس. لا تتظاهر أنك لم تستيقظ يوماً بسبب فكرة.»
فكر.
آرثر: «حجة مقبولة.»
إيزابيلا: «طبعاً.»
وضعت الكوب جانباً.
عادت إلى الكمان.
آرثر: «ألن تعزفي؟»
نظرت إليه.
إيزابيلا: «أنت جئت لتسمع؟»
آرثر: «ربما.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «اجلس جيداً إذاً.»
استند إلى الأريكة.
رفعت هي الكمان.
كانت المقطوعة قد تغيّرت.
لم تعد ذلك العمل البارد الذي كتبته في الأيام الأولى.
بدأت الآن بنغمة منفردة هادئة، ثم لحقتها ثانية من بعيد، وبعدها دخلت بقية الجملة ببطء، كأن صوتين يتعرف أحدهما إلى الآخر.
آرثر عرفها.
لم يكن يعرف أسماء النغمات.
لكن عرف القصة.
الجناح البارد.
الأيام الأولى.
العاصفة.
وحتى الشيء الذي حدث بينهما ولم يسمّه أحد بعد.
حين انتهت، بقي صامتاً.
إيزابيلا خفضت الكمان.
إيزابيلا: «أكره عندما تفعل ذلك.»
آرثر: «ماذا؟»
إيزابيلا: «تسكت بعد العزف.»
آرثر: «ظننت أنك تفهمين أنواع صمتي الآن.»
إيزابيلا: «هذا واحد جديد.»
نهض.
اقترب منها.
إيزابيلا: «حسناً؟»
وقف أمامها.
آرثر: «أصبحت أعرف أين أنا فيها.»
توقفت.
إيزابيلا لم تتوقع الإجابة.
إيزابيلا: «أين؟»
رفع يده.
أشار إلى النوتة فوق الحامل.
آرثر: «هناك.»
كانت الصفحة تحمل الجزء الذي كتبته بعد جولة البحيرة.
إيقاعاً متردداً، ثم أكثر دفئاً.
ابتسمت.
إيزابيلا: «مغرور.»
آرثر: «هل أنا مخطئ؟»
لم تجب.
اقترب منها أكثر.
مد يده وأخذ الكمان منها بحذر.
إيزابيلا: «ماذا تفعل؟»
وضعه داخل علبته المفتوحة.
ثم أغلقها.
عاد إليها.
إيزابيلا: «آرثر؟»
آرثر: «الساعة السادسة والنصف.»
إيزابيلا: «أعرف.»
آرثر: «والقصر كله نائم.»
بدأت تفهم.
تغيرت عيناها.
إيزابيلا: «وماذا يعني ذلك؟»
أحاط خصرها بيديه.
آرثر: «يعني أنني لا أضطر حالياً إلى التظاهر بأنني جئت من أجل الموسيقى.»
ابتسمت ببطء.
إيزابيلا: «وأنت جئت من أجل ماذا؟»
نظر إلى فمها.
آرثر: «أنت تعرفين.»
إيزابيلا: «أحب سماعك تقول الأشياء.»
زفر.
آرثر: «أعرف.»
إيزابيلا: «إذن؟»
اقترب حتى لامس طرف أنفه أنفها.
آرثر: «جئت لأنني استيقظت وسمعتك تعزفين.»
قبلة خفيفة عند زاوية فمها.
«وأردت أن أراك.»
توقفت ابتسامتها.
لم تكن تتوقع صراحته.
همست:
إيزابيلا: «هذه كانت سهلة.»
آرثر: «لا تبالغي.»
ثم قبّلها.
كانت قبلة الصباح مختلفة.
لا استعجال فيها.
ولا التوتر العنيف الذي سبق الأولى.
كان فيها شيء أكثر خطورة.
ألفة.
يداه عرفتا مكانهما عند خصرها دون تردد.
ويداها ارتفعتا حول عنقه كأنهما فعلتا ذلك عشرات المرات.
مالت إليه.
قبّلها ببطء.
ثم ابتعد قليلاً.
عادت هي إليه.
ضحك قرب شفتيها.
آرثر: «ومن الآن الذي لا يريد التوقف؟»
إيزابيلا: «لا تتكلم.»
آرثر: «أوامر؟»
إيزابيلا: «نعم.»
نفذ.
لو سألها أحد بعد ساعة ماذا حدث في تلك الدقائق، لما استطاعت أن تروي شيئاً مثيراً.
لم يحدث شيء كبير.
لم تتجاوز قُبلاتهما ما اعتاداه.
لكنه بقي بعدها قرب النافذة يشرب قهوته وهي تكمل الكتابة.
وكل بضع دقائق يرفع عينيه إليها.
فتلتقطه.
فيعود إلى كوبه.
وعند السابعة والربع، حين اضطر للمغادرة، مر خلفها وترك قبلة سريعة فوق كتفها.
توقفت يدها فوق الورق.
التفتت.
كان قد وصل إلى الباب.
إيزابيلا: «هذا غش.»
آرثر: «كيف؟»
إيزابيلا: «تفعل شيئاً ثم تغادر.»
آرثر: «لدي اجتماع.»
إيزابيلا: «ألغِه.»
ابتسم.
آرثر: «إغراء حقيقي.»
إيزابيلا: «ولا تفعل؟»
وقف.
نظر إليها.
للحظة، شعرت أنها لم تعد تمزح تماماً.
هو أيضاً شعر بذلك.
آرثر: «لو استطعت، لبقيت.»
كانت جملة بسيطة.
لكنها حملتها معها بقية الصباح.
—————-
كلما اقترب الحفل، تحول قصر بلاك وود إلى خلية نحل.
وصل الموسيقيون تباعاً.
تغيرت إضاءة القاعة الكبرى.
تغطت بعض الجدران بأقمشة واقية.
وامتلأت الممرات بأشخاص يحملون صناديق وأجهزة وأسلاكاً.
لم يعجب آرثر الفوضى.
لكن إيزابيلا استمتعت بمراقبته وهو يحاول السيطرة عليها.
في اليوم الثالث والعشرين، وجدته في القاعة الرئيسية يقف وسط أربعة أشخاص يتحدثون إليه في وقت واحد.
اقتربت.
توقفت عند عمود قريب.
واستمعت.
المشرف على الإضاءة يريد رفع إحدى الوحدات.
منسقة الحفل تريد تغيير ترتيب المقاعد.
مهندس الصوت يشكو من صدى عند الطرف الغربي.
والسيدة غراهام تسأله عن قائمة العشاء.
آرثر كان يجيب الجميع.
واحداً واحداً.
من دون أن يرفع صوته.
إيزابيلا انتظرت حتى انتهوا.
ثم اقتربت.
إيزابيلا: «تبدو سعيداً.»
نظر إليها.
آرثر: «غادري.»
ضحكت.
إيزابيلا: «لم أقل شيئاً.»
آرثر: «كما تقولين عادة ملامح وجهك قالت كل شئ.»
مدت له كوب القهوة الذي تحمله.
آرثر: «هذا لك.»
إيزابيلا: «كان لي.»
أخذه وشرب منه.
ثم نظر إليها.
آرثر: «سكر.»
إيزابيلا: «نعم.»
آرثر: «أكره السكر.»
إيزابيلا: «إذن أعده.»
مد يده بالكوب.
مدت يدها.
قبل أن تأخذه، سحبه وشرب مرة أخرى.
ابتسمت.
إيزابيلا: «عرفت.»
آرثر: «ما زال سيئاً.»
إيزابيلا: «لكنني صنعته.»
نظر إليها.
إيزابيلا شعرت بالمعنى حالما خرج من فمها.
آرثر أيضاً.
اقترب قليلاً وقال بصوت لا يسمعه غيرها:
آرثر: «وهذه هي المشكلة.»
احمر وجهها.
أخذت منه الكوب بسرعة.
إيزابيلا: «ارجع إلى عمالك.»
آرثر: «كنت أعمل قبل أن تأتي لتفسدي تركيزي.»
إيزابيلا: «أنا بريئة.»
آرثر: «لا أحد في هذا القصر يصدق ذلك بعد الآن.»
التفت للذهاب.
ومشيت خلفه.
إيزابيلا: «ماذا تقصد ببعد الآن؟»
لكنه لم يجب.
——————–
كانت البروفة الرئيسية في اليوم التالي.
لأول مرة، ستعزف إيزابيلا المقطوعة كاملة مع المجموعة المصاحبة.
وقفت في منتصف المسرح.
آرثر بعيد قرب المقاعد الخلفية.
لم يجلس في الصف الأول.
قال لها في الصباح إن وجوده قريباً منها قد يشتتها.
ردت بأن غروره أصبح مرضاً.
لكنه، للأسف، كان محقاً.
مجرد معرفتها أنه موجود غيّرت طريقة تنفسها.
بدأت.
دخل الكمان منفرداً.
ثم البيانو.
ثم التشيلو.
المقطوعة اتسعت داخل القاعة.
وفي الجزء الذي يمثل العاصفة، دخلت الآلات بقوة أكبر.
أغمضت إيزابيلا عينيها.
لم ترَ بلاك وود.
لم ترَ المقاعد.
رأت آرثر.
واقفاً عند باب غرفتها أول ليلة.
يده داخل يدها فوق الأريكة.
وجهه حين سمع مقطوعة أمه.
ضحكته في الممر.
فتحت عينيها.
كان ينظر إليها.
عرفت من مكانها البعيد أنه فهم.
وحين انتهت الحركة الأولى، لم تستطع منع ابتسامتها.
رفع هو رأسه قليلاً.
تحية سرية بينهما.
دانيال، الجالس خلفها بالتشيلو، همس:
دانيال: «أعتقد أنني بدأت أفهم لماذا تبدو هذه المقطوعة مختلفة.»
التفتت إليه.
إيزابيلا: «ماذا تقصد؟»
ابتسم.
دانيال: «لا شيء.»
إيزابيلا: «دانيااال.»
دانيال: «اعزفي فقط.»
نظرت إلى آرثر مرة أخرى.
كان يتحدث الآن مع المشرف الفني.
ابتسمت لنفسها.
—————-
بعد ساعة، أخذ الفريق استراحة.
بقيت إيزابيلا فوق المسرح تراجع ملاحظة في النوتة.
كان العمال يعملون في الأعلى على تثبيت ستارة جانبية وإطار زخرفي خفيف سيحمل النباتات والإضاءة.
صعد دانيال إلى جانبها.
دانيال: «غداء؟»
إيزابيلا: «بعد عشر دقائق.»
دانيال: «قلتِ هذا قبل نصف ساعة.»
إيزابيلا: «أصبحت تشبه آرثر.»
دانيال: «مقلق.»
ضحكت.
في الطرف الآخر من القاعة، كان آرثر يفحص أحد المخططات مع السيد هاريس.
ثم سمع صوتاً معدنياً.
خفيفاً في البداية.
رفع رأسه.
واحدة من نقاط التثبيت في الإطار العلوي تحركت.
قال شيئاً للسيد هاريس.
الرجل نظر إلى الأعلى.
وفي اللحظة التالية، جاء صوت حاد.
انفك جزء من الحامل.
لم يسقط الإطار كله.
لكن أحد القضبان المعدنية الطويلة انزلق من موضعه.
كان مساره نحو طرف المسرح.
نحو إيزابيلا.
لم يكن لديها وقت لتفهم.
سمعت اسمها فقط.
آرثر: «إيزابيلا!»
التفتت.
ورأته يركض.
ثم اصطدم بها جسده.
ذراع حول خصرها.
دفعة قوية.
ثم سقطت على جانب المسرح بعيداً.
وفي اللحظة نفسها، سقط القضيب خلفهما بصوت عنيف.
لكن آرثر لم ينجُ بالكامل.
طرف المعدن ارتطم بكتفه قبل أن يسقط.
سمعت صوتاً مكتوماً يخرج منه.
إيزابيلا: «آرثر!»
جلس نصف جاثٍ.
يده على كتفه.
انتشر الصمت في القاعة لثانية.
ثم تحرك الجميع.
إيزابيلا لم تسمع أحداً.
زحفت نحوه.
إيزابيلا: «انظر إلي.»
رفع رأسه.
كان وجهه شاحباً قليلاً.
إيزابيلا: «هل أصاب رأسك؟»
آرثر: «لا.»
إيزابيلا: «أين؟»
آرثر: «الكتف.»
حاول الوقوف.
وضعت يدها فوق صدره.
إيزابيلا: «لا تتحرك.»
آرثر: «أنا بخير.»
تحولت نظرتها إلى غضب خالص.
إيزابيلا: «إذا قلت هذه الجملة مرة أخرى سأضرب كتفك الأخرى.»
حتى وسط الألم، خرجت من فمه ضحكة قصيرة.
وصل السيد هاريس.
السيد هاريس: «اتصلت بالطبيب.»
آرثر: «لا حاجة—»
إيزابيلا: «هناك حاجة.»
نظر إليها.
كانت ترتجف وقد لاحظ ذلك.
مد يده السليمة نحوها.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «لا.»
أمسكت وجهه بكلتا يديها.
نسيت العمال.
نسيت دانيال.
نسيت القاعة كلها.
إيزابيلا: «لا تقل لي إنك بخير وأنت لا تعرف.»
نظر إليها.
لم ير الغضب فقط.
رأى الخوف الحقيقي.
وشيء داخله هدأ.
آرثر: «حسناً.»
قالها بلطف.
«لن أقول شئ.»
————-
لم يكن الكتف مكسوراً.
ذلك أول شيء قاله الطبيب.
كدمة قوية.
شد عضلي.
وجرح سطحي عند أعلى الذراع.
عليه أن يريح الكتف، يضع الثلج، ويتجنب حمل أي شيء ثقيل بضعة أيام.
وقف آرثر في غرفته بعد أن غادر الطبيب، وقميصه مفتوح عند الأزرار العليا لأن الضماد يمتد نحو الكتف.
كانت إيزابيلا واقفة قرب النافذة.
لم تتكلم منذ عشر دقائق.
آرثر: «أنت غاضبة.»
لم تنظر إليه.
إيزابيلا: «لا.»
آرثر: «كاذبة.»
استدارت.
إيزابيلا: «أنا غاضبة.»
آرثر: «مني؟»
إيزابيلا: «نعم.»
بدت الإجابة غير منطقية حتى لها.
لكنها لم تهتم.
آرثر: «لماذا؟»
اقتربت.
إيزابيلا: «لأنك رميت نفسك أمام قطعة حديد.»
نظر إليها غير مصدق.
آرثر: «كانت ستسقط عليك.»
إيزابيلا: «وكان يمكنك أن تصرخ أو تسحبني أو—»
آرثر: «لم يكن هناك وقت.»
إيزابيلا: «إذن قررت أن يكون جسدك هو الحل؟»
آرثر: «كان حلاً ناجحاً.»
أشارت إلى كتفه.
إيزابيلا: «هذا ناجح؟»
آرثر: «أنت لم تصابي.»
توقفت.
قالها ببساطة.
كأن هذا وحده أنهى النقاش.
أخفضت صوتها.
إيزابيلا: «وأنت؟»
نظر إليها.
إيزابيلا: «ماذا عنك؟»
سكت.
اقتربت أكثر.
لم تعد غاضبة فقط.
بدأ صوتها يهتز.
إيزابيلا: «رأيت ذلك الشيء يسقط عليك.»
آرثر: «أنا هنا.»
إيزابيلا: «أعرف.»
«لكن لثانية…»
انقطع صوتها.
لم تستطع إكمال الجملة.
تحرك آرثر نحوها.
أمسك يدها بيده السليمة.
إيزابيلا: «لا.»
مسحت بسرعة تحت عينها.
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «أنا لا أبكي.»
آرثر: «طبعاً.»
نظرت إليه بحدة.
لكن دمعة ثانية خانتها.
اختفى أي أثر للمزاح من وجهه.
جذبها إليه بحذر.
إيزابيلا قاومت نصف ثانية.
ليس لأنها لا تريد.
بل لأنها كانت ما تزال غاضبة.
ثم استسلمت.
وضعت وجهها عند صدره بعيداً عن الكتف المصاب.
لف ذراعه السليمة حول ظهرها.
وقال:
آرثر: «كان سيصيبك.»
إيزابيلا: «أعرف.»
آرثر: «لم أفكر.»
إيزابيلا: «وهذا بالضبط ما يخيفني.»
شدها إليه.
إيزابيلا: «لا أريد أن أكون السبب في أن تؤذي نفسك.»
أبعدها قليلاً لينظر إليها.
آرثر: «أنت لست السبب.»
إيزابيلا: «آرثر—»
آرثر: «اسمعيني.»
رفع يدها إلى فمه.
قبّلها.
آرثر: «لم أفعلها لأصبح بطلاً.»
ابتسامة حزينة مرت في وجهه.
«أنا لا أملك غريزة بطولية إلى هذه الدرجة.»
إيزابيلا: «واضح.»
آرثر: «رأيت شيئاً يسقط نحوك.»
توقف.
«وجسدي تحرك قبل أن أفكر.»
تغير شيء في وجهها.
قال بصوت أكثر هدوءاً:
«وهذا يخيفني أنا أيضاً.»
نظرت إليه.
كانت جملة أكبر من الحادث.
إيزابيلا: «لماذا؟»
خفض عينيه إلى يدها.
ثم رفعهما.
آرثر: «لأنني لا أتذكر آخر مرة أصبح فيها شخص آخر أهم من قراري.»
لم تستطع التنفس بشكل طبيعي للحظة.
لم يقل أحبك.
لكن ما قاله وصل إلى المكان نفسه تقريباً.
رفعت يدها.
لمست وجهه.
إيزابيلا: «أنت غبي.»
ابتسم.
آرثر: «هذا رد قاسٍ.»
إيزابيلا: «كبير أيضاً.»
ثم قبّلته.
كانت هي التي بدأت.
بلا مزاح وبلا تردد.
قبلة قصيرة أولاً.
ثم ثانية.
حين حاول آرثر رفع ذراعه المصابة، تألم.
ابتعدت فوراً.
إيزابيلا: «لا.»
آرثر: «أنا بخير.»
إيزابيلا: «لا تستخدمها.»
آرثر: «هذا سيعقد بعض الأمور.»
فهمت نبرته.
احمر وجهها.
إيزابيلا: «أنت مصاب منذ ساعة وبدأت تتصرف بوقاحة.»
آرثر: «كنت وقحاً قبل الإصابة.»
إيزابيلا: «صحيح.»
اقتربت منه.
وضعت يديها حول عنقه بحذر من الجانب السليم.
آرثر استقرت يده عند خصرها.
قالت:
إيزابيلا: «دعني أنا أفعل كل شيء إذاً.»
توقفت عيناه.
ارتفعت زاوية فمه ببطء.
فهمت كيف بدت الجملة.
إيزابيلا: «لا.»
آرثر: «لم أقل شيئاً.»
إيزابيلا: «فكرت.»
آرثر: «كثيراً.»
ضربته بخفة على صدره.
ضحك ثم همس:
آرثر: «تعالي هنا.»
قربها.
قبّلها ببطء.
هذه المرة لم تكن القبلة ناراً فقط.
كان فيها خوف لم يهدأ بعد.
وارتياح.
وامتنان لأن الآخر موجود.
مررت إيزابيلا أصابعها داخل شعره.
اقترب أكثر.
ثم توقفت هي.
وضعت جبهتها على جبهته.
قالت:
إيزابيلا: «إذا فعلت شيئاً متهوراً كهذا مرة أخرى، سأرحل بنفسي.»
تصلب قليلاً عند كلمة «أرحل».
لاحظت أثر الكلمة عليه وتراجعت نصف خطوة.
إيزابيلا: «ماذا؟»
آرثر: «لا شيء.»
نظرت إليه.
القاعدة.
إذا خفت، تكلم.
ذكّرته بها نظرتها وحدها.
زفر.
آرثر: «لا أحب سماعك تقولين إنك سترحلين.»
هدأت.
إيزابيلا: «كنت أمزح.»
آرثر: «أعرف.»
سكت.
«لكنني لا أحبها.»
تغيرت عيناها.
إيزابيلا: «آرثر…»
قطعها:
آرثر: «ولا أطلب منك وعداً.»
قالها بسرعة كأنه يريد إصلاح شيء قبل أن يفسد.
«أعرف متى ينتهي عقدك. وأعرف أن حياتك ليست هنا.»
خفض صوته.
«فقط… لم أعد أحب التفكير في ذلك.»
شعرت بضيق جميل ومؤلم في صدرها.
إيزابيلا: «ولا أنا.»
رفع رأسه.
كانت أول مرة تقولها.
بوضوح.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ثم جذبها إليه من جديد.
————————
بقيت معه حتى المساء.
ساعدته على تغيير الكمادة.
أجبرته على تناول الدواء.
ووضعَت الثلج فوق كتفه بنفسها.
كان جالساً على الأريكة في غرفته، وهي بجواره.
إيزابيلا: «عشرون دقيقة.»
آرثر: «خمس عشرة كافية.»
إيزابيلا: «قال الطبيب عشرين.»
آرثر: «قال خمس عشرة إلى عشرين.»
إيزابيلا: «وأنا اخترت عشرين.»
آرثر: «طاغية.»
إيزابيلا: «مُصاب صعب.»
نظر إليها.
آرثر: «ابقَي.»
توقفت.
لم تكن متجهة إلى مكان.
قالت:
إيزابيلا: «أنا هنا.»
آرثر: «أعرف.»
تغيرت نبرته.
«أعني الليلة.»
صمتت.
لم يكن في طلبه إيحاء. ولا ضغط.
كان يبدو، على نحو نادر، محتاجاً.
وهذا مسّ شيئاً فيها.
إيزابيلا: «هل يؤلمك؟»
آرثر: «قليلاً.»
إيزابيلا: «وتريدني أن أبقى بسبب كتفك؟»
نظر إليها طويلاً.
آرثر: «لا.»
كان صادقاً جداً.
ابتسمت.
إيزابيلا: «حسناً.»
—————-
لم تنم في سريره.
ولم يطلب منها ذلك.
جلسا حتى وقت متأخر على الأريكة.
تحدثا عن كل شيء تقريباً.
ثم حين أصبح التعب ثقيلاً، استندت إيزابيلا إلى جانبه السليم.
نامت نصف ساعة دون قصد.
واستيقظت حين شعرت بشفتيه فوق شعرها.
فتحت عينيها.
إيزابيلا: «كم الساعة؟»
آرثر: «بعد منتصف الليل.»
جلست.
إيزابيلا: «يجب أن أذهب.»
لم يمنعها وهذا، بطريقة ما، جعلها تريد البقاء أكثر.
وقفت وهو أيضاً.
وصل معها إلى الباب.
قالت:
إيزابيلا: «لا تحاول العمل بعد أن أخرج.»
آرثر: «لن أفعل.»
إيزابيلا: «كاذب.»
آرثر: «قليلاً.»
وضعت إصبعها فوق صدره.
إيزابيلا: «آرثر.»
رفع يده باستسلام.
آرثر: «حسناً.»
نظرت إليه ثم إلى كتفه ثم عادت إليه.
إيزابيلا: «ليلة سعيدة.»
آرثر: «إيزابيلا.»
إيزابيلا: «ماذا؟»
تردد.
لثانية شعرت أنه سيقول شيئاً كبيراً.
كبيراً جداً.
لكن شيئاً أوقفه.
بدلاً من ذلك، قربها بيده السليمة.
قبّلها على الجبهة.
آرثر: «ليلة سعيدة.»
خرجت.
وهو بقي عند الباب حتى اختفت.
————–
في صباح اليوم التالي، كان الألم أقل.
والمشاكل أكثر.
وجد آرثر ثلاثة اتصالات فائتة من محاميه.
ورسالة من الشركة المشترية.
وموعداً نهائياً للتوقيع الإلكتروني في السادسة مساءً.
جلس أمام مكتبه.
فتح العقد.
الصفحة الأولى:
BLACKWOOD ESTATE — TRANSFER AGREEMENT
تحتها اسم المشتري.
موعد التسليم:
بعد يومين من الحفل.
ظل ينظر إلى الكلمات.
قبل شهر، لم تكن تعني له سوى نهاية مشروع.
الآن…
دخلت إيزابيلا مكتبه من دون أن تطرق.
آرثر أغلق الشاشة فوراً.
توقفت.
رأت الحركة.
آرثر: «صباح الخير.»
كانت تحمل صينية صغيرة.
إيزابيلا: «جئت بالقهوة والطعام، لأنني لا أثق بك عندما تكون مصاباً.»
وضع الهاتف فوق الورق.
ابتسم.
إيزابيلا اقتربت ووضعت الصينية.
إيزابيلا: «كيف حال كتفك؟»
آرثر: «أفضل.»
مدت يدها نحوه.
إيزابيلا: «دعني أرى.»
آرثر: «صباح الخير أولاً.»
نظرت إليه ثم مالت وقبّلته.
إيزابيلا: «صباح الخير.»
ابتسم.
آرثر: «أفضل.»
جلست على حافة مكتبه.
استقرت يدها على ركبته.
قالت:
إيزابيلا: «عندي خبر.»
آرثر: «جيد؟»
إيزابيلا: «أظن أنني أنهيت الحركة الأخيرة.»
رفع حاجبيه.
آرثر: «حقاً؟»
أومأت بحماس لم تستطع إخفاءه.
إيزابيلا: «ليست نهائية مئة بالمئة، لكن… أظن أنني وجدتها.»
لم يرها بهذه السعادة منذ وصلت.
أنار وجهها بالكامل.
وبلا تفكير، نهض.
آرثر: «اعزفيها لي.»
أمسكت كتفه فوراً.
إيزابيلا: «ببطء، رامبو.»
آرثر: «أنا بخير.»
إيزابيلا: «إن قلتها مرة أخرى—»
آرثر: «أعرف. ستضربين كتفي الأخرى.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «تتعلم.»
أمسك يدها وخرج معها.
وبقي العقد مفتوحاً تحت هاتفه.
————
بعد ساعة، كانت إيزابيلا تعزف النهاية الجديدة.
آرثر جلس وحده في القاعة الصغيرة.
كانت الحركة الأخيرة مختلفة عما توقعه.
لم تكن نهاية كبيرة.
لم تنتهِ بانفجار أوركسترالي أو ارتفاع حاد.
بل بدأت كل الآلات تتراجع تدريجياً.
واحدة بعد الأخرى.
حتى بقي الكمان وحده.
ثم عاد البيانو.
نغمة واحدة.
فا.
توقف قلبه تقريباً.
مقطوعة أمه.
لكن إيزابيلا لم تكررها.
استعارت منها النغمة فقط.
ثم أخذتها إلى مكان آخر.
الكمان أجابها.
النغمتان تحركتا معاً.
وفي النهاية…
لم تنتهيا على قرار كامل.
تركتا آخر جملة معلقة قليلاً.
لا ناقصة.
بل مفتوحة.
كأن الموسيقى تقول:
القصة مستمرة.
حين توقفت، كانت إيزابيلا تنظر إليه.
إيزابيلا: «حسناً؟»
لم يستطع الرد مباشرة.
اقترب منها.
أخذ الكمان من يدها.
وضعه جانباً.
ثم احتضنها.
دفنت وجهها عند عنقه.
آرثر: «لا تغيري النهاية.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «أعجبتك؟»
آرثر: «نعم.»
إيزابيلا: «لماذا؟»
أبعدها قليلاً.
نظر إليها.
آرثر: «لأنها لا تتظاهر أن كل شيء انتهى لمجرد أن المقطوعة انتهت.»
نظرت إليه.
لم تكن تعرف إن كان يتحدث عن الموسيقى.
وربما لم يكن هو يعرف أيضاً.
قبّلها.
لكن وسط القبلة، اهتز هاتفه في جيبه.
تجاهله.
اهتز ثانية.
إيزابيلا ابتعدت قليلاً.
إيزابيلا: «ربما مهم.»
آرثر: «ليس الآن.»
ابتسمت.
إيزابيلا: «أصبحت أولوية فوق هاتفك؟»
نظر إليها.
آرثر: «منذ فترة.»
توقفت ابتسامتها.
مرّت يدها فوق وجهه.
آرثر أمسكها وقبّل راحة كفها.
لكن الهاتف اهتز للمرة الثالثة.
ضحكت.
إيزابيلا: «اذهب.»
تنهد.
أخرجه.
رأى الاسم.
المحامي.
تغير وجهه للحظة.
إيزابيلا لاحظت هذا.
إيزابيلا: «كل شيء بخير؟»
رفع عينيه.
كانت فرصة.
أن يقول الحقيقة.
أن يخبرها أن القصر سيُباع.
أن هناك عقداً ينتظر توقيعه.
أن باريس ليست مجرد مشروع.
أن حياته، قبل وصولها، كانت مخططة بعد الحفل بطريقة لا تحتوي بلاك وود…
ولا تحتويها هي.
فتح فمه.
توقف.
آرثر: «مسألة عمل.»
لم يكن كذباً.
لكنه لم يكن الحقيقة كاملة.
وشعر بثقل ذلك فوراً.
إيزابيلا أومأت.
إيزابيلا: «حسناً.»
قبّل جبهتها.
آرثر: «سأعود.»
خرج.
بقيت وحدها.
لم تشك فيه.
ليس بعد.
يتبع
التعليقات 0