
في مكتبه، أغلق آرثر الباب ورد على الاتصال. جاءه صوت المحامي عبر الهاتف:
* «آرثر، نحن بحاجة إلى القرار اليوم. المشتري لن يمدد للمرة الثالثة.»
نظر آرثر إلى العقد أمامه وقال بهدوء:
* «أعرف.»
* «هل تغير شيء؟» سأله المحامي.
سكت آرثر للحظة، ونظر من النافذة. من هناك، كان يستطيع رؤية جزء من الجناح الغربي؛ غرفة إيزابيلا.
نادى المحامي: «آرثر؟»
فأجابه بحسم:
* «جمّد الإجراء.»
صمت الطرف الآخر بذهول قبل أن يقول: «ماذا؟»
* لمدة «أربعاً وعشرين ساعة.»
* «أنت تعرف أنهم قد ينسحبون.»
* «أعرف.»
* «قبل شهر كنت تريد إغلاق الملف بأسرع ما يمكن!»
أغلق آرثر عينيه متمتماً: «قبل شهر كان كل شيء مختلفاً.»
* «هل هذا يتعلق بشيء مالي؟»
فتح عينيه وأجاب: «لا.»
* «إذن بماذا؟»
نظر مرة أخرى نحو الجناح الغربي، ثم قال: «أحتاج فقط يوماً.»
وأنهى المكالمة.
جلس في مكانه مفكراً؛ كان عليه أن يخبر إيزابيلا. ليس لأنها تملك حق اتخاذ القرار، بل لأنها أصبحت جزءاً من الحقيقة التي يحاول هو نفسه فهمها. لكنه لم يكن يريد أن يقول: “قد أحتفظ بالقصر لأنني التقيت بك”، فهذا سيكون عبئاً عليها. ولم يكن يريد أن يقول: “قد أبيعه وأرحل”، لأنه رأى الخوف في عينيها حين اعتقدت أنه قد يتأذى.
لأول مرة، شعر آرثر أن الصراحة ليست صعبة لأنه يخاف من كشف نفسه فقط، بل لأنه يخاف أن تؤلم الحقيقة شخصاً آخر.
—
في المساء، لم يأتِ آرثر إلى العشاء. انتظرته إيزابيلا عشر دقائق، ثم عشرين. أرسلت له رسالة: «هل كتفك يؤلمك؟». لم يجب فوراً، وبعد دقائق جاء الرد: «لا، عالق في مكالمة. ابدئي من دوني.»
حدقت في الشاشة، وشعرت بخيبة صغيرة بلا سبب منطقي. بدأت تأكل، وبعد نصف ساعة خرجت من غرفة الطعام. كانت تنوي الذهاب إلى المكتبة، لكنها تذكرت دفتر النوتة الذي تركته في غرفة الموسيقى.
اتجهت إلى هناك، جمعت أوراقها من فوق البيانو، ولاحظت غياب قلمها الأسود. تذكرت أنها تركته في مكتب آرثر صباحاً. ذهبت إليه وطرقَت الباب. لا جواب. طرقت ثانية. دفعَت الباب قليلاً ونادت: «آرثر؟»
لم يكن هناك أحد. دخلت وبحثت فوق المكتب، فوجدت قلمها قرب الصينية. ابتسمت ومدت يدها لأخذه، لكن عينيها سقطت على ورقة نصف مخفية تحت ملف أسود. رأت كلمتين فقط: «BLACKWOOD ESTATE»، ثم كلمة أخرى: «TRANSFER».
توقفت يدها وتجمدت في مكانها. ظهر سطر واضح أسفل العنوان: “Proposed completion: Two days following the Centennial Gala” (الموعد المقترح للإنجاز: بعد يومين من الحفل المئوي).
الحفل بعد يومين.. بيع!
شعرت بشيء بارد ينساب في صدرها. تذكرت مكالمته في باريس، وكيف تغير وجهه حين اهتز هاتفه وقال: “مسألة عمل”.
عاد صوت الباب خلفها. التفتت لتجد آرثر واقفاً عند المدخل. نظر إليها، ثم إلى المكتب، ثم إلى الورقة الظاهرة. تغير وجهه، ومرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن ترفع إيزابيلا عينيها إليه. لم تكن غاضبة، بل مصدومة.
* «أنت تبيع بلاك وود؟»
لم يحاول الإنكار، بل قال: «كنت.»
انعقد حاجباها: «كنت؟»
دخل وأغلق الباب خلفه موضحاً: «العقد لم يُوقّع بعد.»
نظرت إلى الورقة ثم إليه: «بعد الحفل بيومين.»
* «كانت هذه الخطة.»
الكلمة لم تطمئنها. سألته بصوت خافت: «منذ متى؟»
* «من قبل أن تأتي.»
شعرت بألم يعتصرها وسألته: «وباريس؟»
صمت، ففهمت. قالت: «لم يكن مجرد مشروع.. كنت ستنتقل!»
* «نعم.»
انخفضت عيناها. كل تلك الأسابيع، كل حديثهما عن القصر وعن الرحيل. كان يعرف أن لديه نهاية أخرى ولم يقلها. رفعت رأسها وسألته ببساطة ثقيلة:
* «لماذا لم تخبرني؟»
وقف آرثر عاجزاً عن الاختباء خلف إجاباته المعتادة. قال أخيراً:
* «لأنني لم أكن أعرف ماذا سأفعل.»
* «منذ متى وأنت لا تعرف؟ منذ أن وصلت؟»
* «بعدها بقليل.»
تراجعت خطوة للوراء، قائلة بمرارة: «كل مرة قلت فيها إنني سأرحل بعد الحفل.. كنت تعرف أنك ربما لن تبقى أنت أيضاً، وكل مرة كنا نتكلم عن المستقبل..»
قاطعها: «لم نتكلم عن المستقبل فعلاً.»
أدرك فوراً أنه اختار أسوأ صياغة ممكنة، فحاول التدارك: «لم أقصد…»
لكنها أوقفته بهدوء أقلقه: «نحن ماذا كنا نفعل إذاً؟ أنا أسأل بجدية، ما الذي كان يحدث بيننا؟»
تحرك نحوها فتراجعت، فتوقف متألماً وقال: «كل ما حدث بيننا كان حقيقياً.. كل لحظة، كل قبلة.»
* «إذن لماذا لم تخبرني؟»
خفض عينيه معترفاً: «لأنني كنت خائفاً. كنت خائفاً أن أقول لكِ إنني سأبيع القصر وتفهمي أن كل شيء هنا مؤقت.»
* «لكنه كان مؤقتاً.»
شدّ على الكلمة وقال: «كان.. ثم توقفتُ عن معرفة ذلك. لا أريد أن أبيع، لكنني خائف من اتخاذ قرار بحجم حياتي لمجرد أنني لا أريد فقدانك.»
نظرت إليه بعمق وقالت: «إذن لا تتخذ قراراً وأنت تحاول فقط ألا تفقدني.. تعلم أن القرار يبقى لك، ليس لي.»
—
غادرت مكتبه بعد ساعة. لم يتصالحا ولم ينفصلا، وهذا كان أصعب.
في اليوم التالي، تجنبا بعضهما، لكن الشوق كان حاضراً. في المساء، طرَق باب غرفتها ودخل حاملاً طبق عشاء.
* «لم تتناولي العشاء.»
* «لست جائعة.»
وضع الطبق وقال: «أنا أوقفت البيع، ليس بسببك، بل لأنني لا أريد اتخاذ قرار نهائي وأنا خائف. كلا السببين سيئ؛ إما أن أبيع لأهرب، أو أحتفظ به خوفاً من فقدانك.»
أومأت ببطء: «هذا أفضل.»
جلسا معاً في صمت مريح، حتى قال فجأة: «أفتقدكِ.»
ابتسمت بحزن خفيف: «وأنا أيضاً.»
سألها: «هل يمكنني أن أمسك يدكِ؟»
مدت يدها، فأخذها دون أن يسحبها إليه. كانت بساطة اللحظة حميمية جداً. وعدها بأن يكون أكثر وضوحاً وصراحة معها في المستقبل.
—
قبل الحفل بثلاثة أيام، زاد ضغط العمل. في إحدى الليالي، زارها آرثر في مكتبها. تبادلا الحديث، ثم طلبت منه أن يقبلها، ففعل بشوق وعمق محا كل المسافات بينهما.
بعد القبلة، طلبت منه ألا يتخذا أي قرارات كبرى بعد الحفل مباشرة، بل يمنحان نفسيهما الوقت ليريا إن كان حبهما سيعيش خارج أسوار “بلاك وود”.
في اليوم التالي، وصلتها دعوة لعروض في باريس وفيينا. أخبرت آرثر، فشجعها على الذهاب، مؤكداً أنه لا يريد حبسها.
في المساء، أخذها آرثر إلى الجناح الشرقي، وفتح لها باب غرفة الموسيقى. لقد رممها وفتح نوافذها، وأخبرها أنه لن يبيع “بلاك وود”، ليس من أجلها، بل لأنه تعلم معها كيف يتوقف عن الهرب. جلسا عند البيانو، وعزفا معاً أولى النغمات الجديدة في الغرفة التي ظلت صامتة لتسعة عشر عاماً.
بدأ القصر يستقبل العمال لتجهيز الحفل. التقت إيزابيلا بـ “كلارا”، صديقة آرثر السابقة. شعرت إيزابيلا بالغيرة، لكن كلارا كانت لطيفة وذكية، وأخبرتها سراً: «آرثر الذي عرفته لم يكن ينظر إلى أحد كما ينظر إليكِ.. حظاً سعيداً».
في الليلة التي سبقت الحفل، رقصت إيزابيلا مع آرثر في القاعة الكبرى الفارغة. كان الخوف من الغد وما يحمله من وداع مؤقت يسيطر عليها، لكن آرثر طمأنها، ووعدها بأنه سيزورها في باريس وفيينا، وأن المسافة لن تنهي ما بينهما.
—
استيقظ القصر مبكراً، واشتعلت فيه الحياة. نزلت إيزابيلا لترى آرثر يشرف على التجهيزات. أطعمته شطيرة، وطلبت منه ألا يبتسم لها حين تبدأ العزف، بل ينظر إليها فقط ليمنحها الثقة.
في المساء، امتلأت القاعة بالضيوف. ارتدت إيزابيلا فستاناً مخملياً بلون النبيذ، وبدت فاتنة. صعدت إلى المسرح، ورأت آرثر في الصف الأول. بدأت العزف.
لم تكن مجرد مقطوعة، بل كانت قصة “بلاك وود”؛ العزلة، اللقاء الأول، العاصفة في الخارج والدفء في الداخل، ذكرى والدته، الشرخ الذي حدث بينهما، ثم المصالحة، وصولاً إلى نهاية مفتوحة تترك باباً للأمل.
انتهى العزف، وساد صمت مهيب للحظات قبل أن ينفجر الجمهور بالتصفيق. وقف آرثر وعيناه تلمعان فخراً وحباً.
بعد الحفل، هربت إيزابيلا من أسئلة النقاد لتبحث عن آرثر. وجدته في غرفة الموسيقى الشرقية. هناك، اعترف لها بحبه لأول مرة بوضوح تام: «أحبكِ يا إيزابيلا». بكت من السعادة وبادلته الاعتراف، واختارا معاً اسماً للمقطوعة: «تنفّس».
عند الساعة الثانية صباحاً، انتهى عقد عمل إيزابيلا رسمياً. وقفت أمام غرفتها وقالت له بابتسامة: «من الآن، أنا هنا لأنني أريد ذلك.»
—
استيقظت إيزابيلا في صباح اليوم التالي، لتجد القصر هادئاً، وآرثر ينتظرها عند الإفطار. قضيا اليوم يتجولان في الحديقة والبحيرة، كأي حبيبين لا يشغل بالهما سوى الحاضر.
وفي صباح اليوم التالي، حان وقت الرحيل. وقفت السيارة تنتظرها. ودعت الجميع، وتركها آرثر ترحل دون أن يثقل عليها بوعود كبرى، فقط أخبرها كم سيفتقدها، ولوّح لها حتى غابت سيارتها عن الأنظار.
في باريس، ضربها صخب الحياة العادية. اشتاقت لبلاك وود ولآرثر. بدأت بينهما حرب المسافات؛ اتصالات متقطعة، اختلافات، وأيام متعبة. لكن آرثر فاجأها بزيارة في باريس تحت المطر، ليثبت لها أن حبهما لم يكن محصوراً بين جدران القصر.
مرت الأسابيع السبعة، وعادت إيزابيلا إلى بلاك وود. كان اللقاء حاراً ومفعماً بالشوق. استمرت حياتهما بين سفر وعودة لمدة تسعة أشهر. تعلما كيف يختلفان ويتصالحان، وكيف يبنيان حياة حقيقية معاً.
وفي أحد الأيام، فاجأها آرثر باصطحابها إلى بلدة قريبة، ليريها مسرحاً فنياً صممه بنفسه، تماماً كما طلبت منه ذات ليلة. وعلى خشبة ذلك المسرح، ركع آرثر على ركبته وقدم لها خاتماً بسيطاً، طالباً منها أن تتزوجه وتشاركه بناء حياة تكون لهما أينما كانا. وافقت وهي تبكي وتضحك في آن واحد.
بعد ستة أسابيع، افتُتح المسرح، وكانت إيزابيلا أول من عزف فيه، وعيناها معلقتان بآرثر في الصف الأول.
وفي تلك الليلة، عادا إلى “بلاك وود”. جلسا معاً أمام البيانو في الغرفة الشرقية التي ستبقى مفتوحة للجميع. عزفا معاً نغمات متقطعة ضاحكة، وأدركت إيزابيلا أن القصر الذي جاءت لتفهمه، قادها لفهم صاحبه وحبّه.
لم يعد هناك عقد، ولا نهاية محددة، بل حياة اختارا أن يعيشاها معاً كل يوم، من جديد.
**النهاية**
التعليقات 0